← Акыда

Акыда · id 182

أشراط الساعة - الوابل

يوسف الوابل

Полный текст (432 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

* بعض ما في الصحيحين من الأحاديث فيما يتعلّق بالمهدي: ١ - عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتُم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامُكم منكم؟! " (١). ٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفةٌ من أُمَّتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة". قال: "فينزل عيسى بن مريم ﷺ ، فيقول أميرُهم: تعالَ صلّ لنا. فيقول: لا، إن بعضَكُم على بعض إمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة" (٢). ٣ - وعن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر أُمَّتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعدُّه عدد". قال الجريري (٣) - أحد رواة الحديث-: "قلتُ لأبي نضرة (٤) وأبي

стр. 247

العلّاء (١): أتريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا" (٢). فهذه الأحاديث الّتي وردت في الصحيحين تدل على أمرين: أحدهما: أنّه عند نزول عيسى بن مريم ﵊ من السَّماء يكون المتولِّي لإِمرة المسلمين رجلا منهم. والثّاني: أن حضور أميرهم للصلاة، وصلاته بالمسلمين، وطلبه من عيسى ﵇ عند نزوله أن يتقدَّم ليصلّي لهم يدلُّ على صلاح في هذا الأمير وهُدى، وهي وإن لم يكن فيها التَّصريح بلفظ: (المهدي)؛ إِلَّا أنّها تدلُّ على صفات رجل صالح، يؤمُّ المسلمين في ذلك الوقت، وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسِّرةً لهذه الأحاديث الّتي في الصحيحين، ودالةً على أن ذلك الرَّجل الصالح يسمَّى: محمَّدَ بنَ عبد اللهِ، ويُقالُ له: المهدي، والسُّنَّة يفسِّر بعضها بعضًا. ومن الأحاديث الدّالَّة على ذلك الحديث الّذي رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" عن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرُهم المهدي ... " (٣).

стр. 248

فهو دالٌّ على أن ذلك الأمير المذكور في "صحيح مسلم" الّذي طلب من عيسى بن مريم ﵊ أن يتقدَّم للصلاة؛ يقال له: المهدي. وقد أورد الشّيخ صديق حسن في كتابه "الإِذاعة" جملةً كبيرةً من أحاديث المهدي، جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم، ثمَّ قال عقبه: "وليس فيه ذكر المهدي، ولكن لا مَحْمَلَ له ولأمثاله من الأحاديث إِلَّا المهدي المنتظر؛ كما دلَّت على ذلك الأخبار المتقدِّمة والآثار الكثيرة" (١). * تواتُر أحاديث المهدي: ما سبق أن ذكرتُه من الأحاديث وغيرها ممَّا لم أنقلْهُ هنا - خشية الإِطالة- يدلُّ على تواتر الأحاديث في المهدي تواترًا معنويًا، وقد نصَّ على ذلك بعض الأئمة والعلّماء، وسأذكر هنا طائفة من أقوالهم: ١ - قال الحافظ أبو الحسن الآبري (٢): "قد تواترتِ الأخبارُ واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنّه من أهل بيته، وأنّه

стр. 249

يملك سبع سنين، وأنّه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى ﵇ يخرج، فيساعده على قتل الدَّجّال، وأنّه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلّي عيسى خلفه" (١). ٢ - وقال محمَّدٌ البَرَزَنجي (٢) في كتابه "الإِشاعة لأشراط السّاعة": "الباب الثّالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة الّتي تعقبها السّاعة، وهي كثيرةٌ، فمنها المهدي، وهو أوَّلها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر" (٣). وقال أيضًا: "قد علمتَ أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزّمان وأنّه من عِترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة ﵍ بلغت حدَّ التَّواتر المعنوي، فلا معنى لإِنكارها" (٤). ٣ - وقال العلّامة محمَّد السَّفاريني (٥): "وقد كَثُرَت بخروجه - أي:

стр. 250

المهدي - الروايات، حتّى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتّى عُدَّ مِن معتقداتهم". ثمَّ ذكر طائفة من الأحاديث والآثار في خروج المهدي، وأسماء بعض الصّحابة ممَّن رواها، ثمَّ قال: "وقد رُوِيَ عمَّن دكِرَ من الصّحابة وغير مَنْ ذُكِر منهم ﵃ بروايات متعدِّدة، وعن التَّابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعُه العلم القطعي، فالإِيمان بخروج المهدي واجبٌ كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدوَّنٌ في عقائد أهل السنة والجماعة" (١). ٤ - وقال الشوكاني: "الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر الّتي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصّحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحرَّرة في الأصول، وأمّا الآثار عن الصّحابة المصرِّحة بالمهدي؛ فهي كثيرة أيضًا، لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك" (٢).

стр. 251

٥ - وقال صديق حسن (١): "الأحاديث الواردة فيه - أي: المهدي - على اختلاف رواياتها كثيرة جدًّا، تبلغ حدّ التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد" (٢). ٦ - وقال الشّيخ محمَّد بن جعفر الكتاني (٣): "والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتَظَر متواترة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول سيدنا عيسى بن مريم ﵉" (٤). * العلماء الذين صنَفوا كتبًا في المهدي: إضافة إلى كتب الحديث المشهورة؛ كالسنن الأربعة، والمسانيد؛

стр. 252

كـ "مسند أحمد"، و"مسند البزار"، و"مسند أبي يعلى"، و"مسند الحارث بن أبي أسامة"، و"مستدرك الحاكم"، و"مصنَّف ابن أبي شيبة"، و"صحيح ابن خزيمة"، وغيرها من المصنفات (١) الّتي ذكر فيها أحاديث المهدي؛ فإن طائفة من العلماء أفردوا في المهدي المنتظر مؤلَّفات ذكروا فيها جمعًا كبيرًا من الأحاديث الواردة فيه، ومن هذه المؤلَّفات: ١ - جمع الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة (٢) الأحاديث الواردة في المهدي، كما ذكر ذلك ابن خلدون في "مقدمته"؛ نقلًا عن السهيلي (٣). ٢ - ألَف السيوطيّ جزءًا سمّاه "العرف الوردي في أخبار المهدي" مطبوع ضمن "الحلوي للفتاوي" (٤). ٣ - ذكر الحافظ ابن كثير في كتابه "النهاية"/ الفتن والملاحم" أنّه أفرد في ذكر المهدي جزءًا على حدة (٥).

стр. 253

٤ - ولعلّيٍّ المُتَّقي الهندي (١): رسالة في شأن المهدي (٢). ٥ - ولابن حجر المكِّي (٣) مؤلَّفًا أسماه: "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر" (٤). ٦ - وللملا علي القاري (٥) كتابًا اسمه: "المشرب الوردي في مذهب المهدي" (٦). ٧ - ولمرعي بن يوسف الحنبلي (٧): "فوائد الفكر في ظهور

стр. 254

المنتظر" (١). ٨ - وللشوكاني: "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدَّجّال والمسيح" (٢). ٩ - وقال صديق حسن: "وقد جمع السَّيِّد العلًّامة بدر الملة المنير محمَّد بن إسماعيل الأمير اليماني (٣) الأحاديث القاضية بخروج المهدي من آل محمَّدٍ ﷺ ، وأنّه يظهر في آخر الزّمان" (٤). * المنكِرون لأحاديث المهدي والرد عليهم: ذكرت فيما سبق طائفة من الأحاديث الصحيحة الّتي تدلُّ دِلالة قاطعة على ثبوت ظهور المهدي في آخر الزّمان حَكَمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا، ونقلتُ طائفة من كلام العلماء الذين نصُّوا على تواتر أحاديث المهدي، وكذلك بعض المصنَّفات الّتي ألَّفها العلماء في شأنّه. ومما يؤسف له أن طائفة من الكتاب (٥) ظهرت في لهذا الزمن تنكر

стр. 255

ظهور المهدي، وتصف أحاديثه بالتناقض والبطلان، وأن المهدي ليس إِلَّا أسطورة اخترعها الشيعة، ثمَّ دخلت في كتب أهل السنة. وقد تأثَّر بعض هؤلاء الكتاب بما اشتُهِرَ عن ابن خلدون المؤرِّخ (١) من تضعيفٍ لأحاديث المهدي، مع أن ابن خلدون ليس من فرسان هذا الميدان حتّى يُقْبَل قوله في التصحيح والتضعيف، ومع هذا؛ فقد قال -بعد أن استعرض كثيرًا من أحاديث المهدي، وطعن في كثير من أسانيدها-: "فهذه جملة الأحاديث الّتي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي، وخروجه آخر الزّمان، وهي -كما رأيتَ- لم يخلص منها من النقد إِلَّا القليل أو الأقل

стр. 256

منه" (١). فعبارته تدلُّ على أنّه قد سلم من نقده القليل من الأحاديث. ونقول: لو صحَّ حديثٌ واحد؛ لكفى به حجَّة في شأن المهدي، كيف والأحاديث فيه صحيحة ومتواترة؟! قال الشّيخ أحمد شاكر ردًّا على ابن خلدون: "إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين "الجرح مقدَّم على التَّعديل"، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها؛ ما قال شيئًا ممّا قال، وقد يكون قرأ وعرف، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره" (٢). ثمَّ بيَّن أن ما كتبه ابن خلدون في هذا الفصل عن المهدي مملوءٌ بالأغاليط الكثيرة في أسماء الرجال ونقل العلل، واعتذر عنه بأن ذلك قد يكون من الناسخين، وإهمال المصحِّحين، والله أعلم. وإيثارًا للاختصار فسأذكر هنا ما قاله الشّيخ محمَّد رشيد رضا في المهدي، وهو نموذجٌ لغيره ممَّن أنكر أحاديث المهدي: قال ﵀: "أمّا التَّعارض في أحاديث المهدي؛ فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتدَّ الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما، وقد كانت أكبر مثارات الفساد والفتن في الشعوب الإسلامية" (٣).

стр. 257

ثمَّ ذكر نماذج من تعارض أحاديث المهدي وتهافتها -كما يزعم- ومن ذلك قوله: "إن أشهر الروايات في اسمه واسم أبيه عند أهل السنة أنّه محمَّد بن عبد الله، وفي رواية: أحمد بن عبد الله، والشيعة الإِمامية متَّفقون على أنّه محمَّد بن الحسن العسكري، وهما الحادي عشر والثّاني عشر من أئمَّتهم المعصومين، ويلقَّبون بالحجة، والقائم، والمنتظر ... وزعمت الكيسانية (١) أن المهدي هو محمَّد بن الحنفية، وأنّه حيٌّ مقيمٌ بجبل رضوى ... " (٢). وقال: "المشهور في نسبه أنّه علويٌ فاطميٌّ من ولد الحسن، وفي بعض الروايات من ولد الحسين، وهو يوافق قول الشيعة الإمامية، وهنالك عدة أحاديث مصرِّحة بأنّه من ولد العباس" (٣). ثمَّ ذكر أن كثيرًا من الإِسرائيليات دخلت في كتب الحديث، "وكذلك فإن للعصبيات العلّوية والعباسية والفارسية دورًا كبيرًا في وضع كثير من الأحاديث في المهدي، وكل طائفة تدَّعي أنّه منها، وإن اليهود والفرس روَّجوا لهذه الروايات؛ بقصد تخدير المسلمين، حتّى يتَّكلوا على ظهور

стр. 258

المهدي، الّذي يؤيِّد الله به الدين، وينشر العدل في العالمين" (١). ويجاب عما قاله الشّيخ رشيد رضا بأن الروايات في خروج المهدي صحيحة ومتواترة تواترًا معنويًا؛ كما سبق أن ذكرت طائفة من هذه الأحاديث، ومَن نصَّ من العلماء على صحَّتها وتواترها. وأمّا دعوى أن الشيخين لم يعتدّا بشيء من الأحاديث في المهدي؛ فنقول: إن السنة كلها لم تدوَّن في الصحيحين فقط، بل ورد في غيرهما أحاديث كثيرة صحيحة في السنن والمسانيد والمعاجم وغيرها من دواوين الحديث. قال ابن كثير ﵀: "إن البخاريّ ومسلمًا لم يلتزما بإخراج جميع ما يُحْكَم بصحَّته من الأحاديث، فإنهما قد صحَّحا أحاديث ليست في كتابيهما؛ كما ينقل التّرمذيّ وغيره عن البخاريّ تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها" (٢). وأمّا كون الأحاديث قد دخلها كثيرٌ من الإسرائيليات، وأن بعضها من وضع الشيعة وغيرهم من أهل العصبيات؛ فهذا صحيح، ولكن أئمة الحديث قد بيَّنوا الصّحيح من غيره، وصنَّفوا الكَتب في الموضوعات، وبيان الروايات الضعيفة، ووضعوا قواعد دقيقة في الحكم على الرجال، حتّى لم يبق صاحب بدعة أو كذب إِلَّا وأظهروا أمره، فحفظ الله السنة من

стр. 259

عبث العابثين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وهذا من حفظ الله لهذا الدين. وإذا كان هناك روايات موضوعة في المهدي تعصّبًا؛ فإن ذلك لا يجعلنا نترك ما صحَّ من الروايات فيه، والروايات الصحيحة جاء فيها ذكر صفته واسمه واسم أبيه، فإذا عيّن إنسانٌ شخصًا، وزعم أنّه هو المهدي، دون أن يساعده على ذلك ما جاء من الأحاديث الصحيحة؛ فإن ذلك لا يؤدِّي إلى إنكار المهدي على ما جاء في الحديث. ثمَّ إن المهدي الحقيقي لا يحتاج إلى أن يدعو له أحدٌ، بل يظهره الله للناس إذا شاء، ويعرفونه بعلامات تدلُّ عليه، وأمّا دعوى التعارض؛ فقد نشأت عن الروايات الّتي لم تصحّ، وأمّا الأحاديث الصحيحة؛ فلا تعارُض فيها ولله الحمد. وأيضًا؛ فإن خلاف الشيعة مع أهل السنة لا يُعْتَدُّ به، والحكم العدل هو الكتاب والسُّنَّة الصحيحة، وأمّا خرافات الشيعة وأباطيلهم؛ فلا يجوز أن تكون عمدة يُرَدُّ بها ما ثبت من حديث رسول الله ﷺ . قال العلَّامة ابن القيم في كلامه على المهدي: "وأمّا الرافضة الإِمامية؛ فلهم قولٌ رابعٌ، وهو أن المهدي هو محمَّد بن الحسن العسكري (١) المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن،

стр. 260

الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الّذي يورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامراء طفلًا صغيرًا من أكثر من خمس مئة سنة، فلم تره بعد ذلك عينٌ، ولم يُحَسَّ فيه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كلّ يوم!! ويقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! أخرج يا مولانا! ثمَّ يرجِعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال: مَا آنَ للسِّرْداب أَنْ يَلِدَ الَّذي ... كَّلَّمْتمُوهُ بجَهْلِكمْ مَا آنَا؟ فَعَلى عُقولِكُمُ العَفاءُ فإِنَّكمْ ... ثَلَّثْتُمُ العَنْقاءَ والغِيْلانَا ولقد أصبح لهؤلاء عارًا علي بني آدم، وضحكة يسخر منهم كلّ عاقل" (١). * حديث "لا مهدي إِلَّا عيسى بن مريم" والجواب عنه: احتجَّ بعض المنكرين لأحاديث المهدي بالحديث الّذي رواه ابن ماجه والحاكم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزداد الأمر إِلَّا شدَّة، ولا الدُّنيا إِلَّا إدبارًا، ولا النَّاس إِلَّا شحًّا، ولا تقومُ السّاعة إِلَّا على شرار النَّاس، ولا المهدي إِلَّا عيسى بن مريم" (٢).

стр. 261

ويُجاب عليهم بأن لهذا الحديث ضعيف؛ لأنَّ مداره على محمَّد بن خالد الجندي: قال الذهبي فيه: "قال الأزدي: منكر الحديث. وقال أبو عبد الله الحاكم: مجهول. قلت -القائل الذهبي-: حديثه "لا مهدي إِلَّا عيسى بن مريم"، وهو خبرٌ منكرٌ، أخرجه ابن ماجه" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمَّد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس ممّا يعتمد عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس عن الشّافعيّ، والشّافعيُّ رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له محمَّد بن خالد الجندي، وهو ممَن لا يحتَجُّ به، وليس لهذا في مسند الشّافعيّ، وقد قيل: إن الشّافعيّ لم يسمعه من الجندي، وإن يونس لم يسمعه من الشّافعيّ" (٢). وقال فيه الحافظ ابن حجر: "مجهول" (٣). وقد خالف في ذلك الحافظ ابن كثير، فقال فيه: "إنّه حديث مشهور بمحمد بن خالد الجندي الصنعاني المؤذن، شيخ الشّافعيّ، وروى عنه

стр. 262

غير واحد أيضًا، وليس هو بمجهول؛ كما زعمه الحاكم، بل قد رُوِي عن ابن مَعين أنَّه وثَّقه، ولكن من الرواة مَنْ حدَّث به عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن البصري مرسلًا، وذكرسولك شيخنا في "التهذيب" (١) عن بعضهم أنّه رأى الشّافعيّ في المنام، وهو يقول: كذب علي يونس بن عبد الأعلى الصدفي ليس لهذا من حديثي. قلت: يونس بن عبد الأعلى الصدفي من الثقات، لا يُطْعَن فيه بمجرَّد منام، ولهذا الحديث فيما يظهر بادئ الرأي مخالف للأحاديث الّتي أوردناها في إثبات مهدي غير عيسى بن مريم، إمّا قبل نزوله -كما هو الأظهر، والله أعلم-، وإما بعده، وعند التأمل لا يتنافيان، بل يكون المراد من ذلك أن المهدي حق المهدي هو عيسى بن مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديًّا أيضًا، والله أعلم" (٢). وقال أبو عبد الله القرطبي: "يحتمل أن قوله ﵊: "ولا مهدي إِلَّا عيسى"؛ أي: لا مهدي كاملًا معصومًا إِلَّا عيسى، وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض" (٣). قلت: وعلى فرض احتمال ثبوته؛ فإنّه لا يقوم أمام الأحاديث الكثيرة الثابتة في شأن المهدي، وهي أصحُّ إسنادًا من هذا الحديث الّذي اختلفت أقوال العلماء في ثبوته من عدمه. والله أعلم.

стр. 263

الفصل الثّاني المسيح الدَّجّال * معنى المسيح: ذكر أبو عبد الله القرطبي ثلاثةً وعشرين قولًا في اشتقاق هذا اللّفظ (١)، وأوصلها صاحب "القاموس" إلى خمسين قولًا (٢). وهذه اللفظة تطلق على الصدِّيق، وعلى الضَلِّيل الكذاب. فالمسيح عيسى بن مريم ﵇: الصِّدِّيق، والمسيح الدَّجّال: الضِّلِّيل الكذاب. فخلق الله المسيحين، أحدهما ضد الآخر: فعيسى ﵇ مسيحُ الهدى؛ يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله. والدَّجّال -لعنه الله- مسيح الضلالة، يفتن النَّاس بما يُعطاه من

стр. 264

الآيات، كإنزال المحطر، وإحياء الأرض بالنبات، وغيرهما من الخوارق. وسُمِّي الدَّجّال مسيحًا؛ لأنَّ إحدى عينيه ممسوحة، أو لأنّه يمسح الأرض في أربعين يومًا (١). والقول الأوَّل هو الراجح؛ لما جاء في الحديث: "إن الدَّجّال ممسوح العين" (٢). * معنى الدَّجَّال: أمّا لفظ (الدَّجّال)؛ فهو مأخوذٌ من قولهم: دَجَلَ البعير؛ إذا طلاه بالقطران، وغطّاه به (٣). وأصل الدَّجَل: معناه الخلط؛ يقال: دَجَل إذا لبس وموَّهَ. والدَّجّال: المموِّهُ الكذّاب المُمَخْرِق، وهو من أبنية المبالغة، على وزن فعّال؛ أي: يكثر منه الكذب والتلبيس (٤)، وجمعه: دجّالون، وجمعه الإِمام مالك على دجاجلة، وهو جمع تكسير (٥). وذكر القرطبي أن الدَّجّال في اللُّغة يطلق على عشره وجوه (٦).

стр. 265

ولفظة (الدَّجّال): أصبحت علمًا على المسيح الأعور الكذَّاب، فإذا قيل: الدَّجّال؛ فلا يتبادر إلى الذهن غيره. وسمي الدَّجَّال دجالًا: لأنّه يغطي الحق بالباطل، أو لأنّه يغطي على النَّاس كفرَه بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم، وقيل: لأنّه يغطي الأمر بكثرة جموعه (١). والله أعلم. * صفة الدَّجّال والأحاديث الواردة في ذلك: الدَّجّال رجلٌ من بني آدم، له صفاتٌ كثيرةٌ جاءت بها الأحاديث؛ لتعريف النَّاس به، وتحذيرهم من شره، حتّى إذا خرج؛ عرفه المؤمنون، فلا يفتنون به، بل يكونون على علم بصفاته الّتي أخبر بها الصادق ﷺ ، وهذه الصفات تميِّزه عن غيره من النَّاس، فلا يغترَّ به إِلَّا الجاهل الّذي سبقت عليه الشِّقوة، نسأل الله العافية. ومن هذه الصفات أنّه رجلٌ، شابٌّ، أحمر، قصيرٌ، أفحجُ، جعد الرّأس، أجلى الجبهة، عريض النَّحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئة (٢)، ولا جحراء (٣)؛ كأنّها عنبة طافئة، وعينه اليسرى عليها

стр. 266

ظفرة (١) غليظة، ومكتوبٌ بين عينيه (ك ف ر) بالحروف المقَطعة، أو (كافر) بدون تقطيع، يقرؤها كلّ مسلم كاتب وغير كاتب، ومن صفاته أنَّه عقيمٌ لا يولد له. وهذه بعض الأحاديث الصحيحة الّتي جاء فيها ذكر صفاته السابقة، وهي من الأدلَّة على ظهور الدَّجّال: ١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "بيَّنَّا أنا نائمٌ أطوف بالبيت ... (فذكر أنّه رأى عيسى بن مريم ﵇، ثمَّ رأى الدَّجَّال، فوصفه، فقال:) فإذا رجلٌ جسيمٌ، أحمر، جعدُ الرّأس، أعور العين، كأن عينه عنبةٌ طافئة؛ قالوا: هذا الدَّجّال أقرب النَّاس به شبهًا ابن قطن (٢) "، رجل من خُزاعة (٣).

стр. 267

٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر الدَّجَّال بين ظهراني النَّاس، فقال: "إن الله تعالى ليس بأعور، ألَّا وإن المسيح الدَّجّال أعور العين اليمنى؛ كأن عينه عنبة طافية" (١). ٣ - وفي حديث النوَّاس بن سمعان ﵁: قال ﷺ في وصف الدَّجَّال: "إنّه شابٌ، قَطَطٌ (٢)، عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن" (٣). ٤ - وفي حديث عُبادة بن الصامت ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إن مسيح الدَّجَّال رجلٌ، قصيرٌ، أفجع، جعدٌ، أعور، مطموسُ العين، ليس بناتئة ولا جحراء، فإن ألبس عليكم؛ فاعلموا أن ربكَم ليس بأعور" (٤). ٥ - وفي حديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "وأمّا

стр. 268

مسيح الضَّلالة؛ فإنَّه أعور العين، أجلى الجبهة، عريض النَّحر، فيه دفأ (١) " (٢). ٦ - وفي حديث حُذيفة ﵁؛ قال ﷺ : "الدّجَّال أعور العين اليسرى، جفال الشعر (٣) " (٤). ٧ - وفي حديث أنس ﵁؛ قال ﷺ : "وإن بين عينيه مكتوبٌ كافر" (٥). وفي رواية: "ثمَّ تهجَّاها (ك ف ر)؛ يقرؤه كلّ مسلم" (٦).

стр. 269

وفي رواية عن حذيفة: "يقرؤه كلّ مؤمن كاتب وغير كاتب" (١). وهذه الكتابة حقيقية على ظاهرها (٢)، ولا يُشكل رؤية بعض النَّاس لهذه الكتابة دون بعض، وقراءة الأمي لها، "وذلك أن الإِدراك في البصر يخلُقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمّن بعين بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر، ولو كان يعرف الكتابة؛ كما يرى المؤمّن الأدلَّة بعين بصيرته، ولا يراه الكافر، فيخلق الله للمؤمن الإِدراك دون تعلُّم؛ لأنَّ ذلك الزمن تنخرق فيه العادات" (٣). قال النوويّ: "الصّحيح الّذي عليه المحقِّقون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنّها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلّامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، يظهرها الله تعالى لكل مسلم، كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمَّن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك" (٤). ٨ - ومن صفاته أيضًا ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في قصة الجساسة، وفيه قال تميم ﵁: "فانطلقنا سراعًا، حتّى دخلنا الدَّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط، وأشدُّه وثاقًا" (٥).

стр. 270

٩ - وفي حديث عمران بن حُصين ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام السّاعة خلقٌ أكبر من الدَّجّال" (١). ١٠ - وأمّا أن الدَّجّال لا يولد له؛ فلما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصته مع ابن صياد، فقد قال لأبي سعيد: "ألستَ سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: إنّه لا يولد له؟ قال: قلتُ: بلى" (٢). والملاحظ في الروايات السابقة أن في بعضها وصفُ عينه اليمنى بالعور، وفي بعضها وصف عينه اليسرى بالعور، وكل الروايات صحيحة، وهذا فيه إشكال. فذهب الحافظ ابن حجر إلى أن حديث ابن عمر الوارد في الصحيحين والذي جاء فيه وصف عينه اليمنى بالعور أرجح من رواية مسلم الّتي جاء فيها وصف عينه اليسرى بالعور؛ لأنَّ المتَّفق على صحَّته أقوى من غيره (٣). وذهب القاضي عياض إلى أن عيني الدَّجّال كلتيهما معيبة؛ لأنَّ الروايات كلها صحيحة، وتكون العين المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة- بالهمز-؛ أي: الّتي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى؛ كما في

стр. 271

حديث ابن عمر. وتكون العين اليسرى الّتي عليها ظفرة غليظة، وهي الطافية -بلا همز- معيبة أيضًا، فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منهما عوراء؛ أي: معيبة؛ فإن الأعور من كلّ شيء: المَعيب، لا سيما ما يختصُّ بالعين، فكلا عيني الدَّجَّال معيبة عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها. قال النوويّ في هذا الجمع: "هو في نهاية من الحسن" (١). ورجَّحه أبو عبد الله القرطبي (٢). * هل الدَّجّال حيٌّ؟ وهل كان موجودًا في زمن النّبيّ ﷺ -؟ وقبل الجواب عن هذين السؤالين لا بد من معرفة حال ابن صياد؛ هل هو الدَّجّال أو غيره؟ وإذا كان الدَّجّال غير ابن صياد؛ فهل هو موجود قبل أن يظهر بفتنته أو لا؟ وقبل الإِجابة عن لهذه الأسئلة نعرِّف بابن صيّاد: ابن صيَّاد: اسمه هو صافي -وقيل: عبد الله- بن صيَّاد أو صائد (٣).

стр. 272

كان من يهود المدينة، وقيل: من الأنصار، وكان صغيرًا عند قدوم النّبيّ ﷺ إلى المدينة. وذكر ابن كثير أنّه أسلم، وكان ابنه عُمارة من سادات التابعين، روى عنه الإِمام مالك وغيره (١). وترجم له الذهبي في كتابه "تجريد أسماء الصّحابة"، فقال: "عبد الله بن صيَّاد، أورده ابن شاهين (٢)، وقال: هو ابن صائد، كان أبوه يهوديًّا، فولد عبد الله أعور مختونًا، وهو الّذي قيل: إنّه الدَّجّال، ثمَّ أسلم، فهو تابعيٌّ، له رؤية" (٣). وترجم له الحافظ ابن حجر في "الإِصابة"، فذكر ما قاله الذهبي، ثمَّ قال: "ومِن ولده عُمارة بن عبد الله بن صيَّاد، وكان من خيار المسلمين، من أصحاب سعيد بن المسيِّب، روى عنه مالكٌ وغيره".

стр. 273

ثمَّ ذكر جملة من الأحاديث في شأن ابن صيّاد؛ كما سيأتي ذكرها فيما بعد. ثمَّ قال: "وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصّحابة؛ لأنّه إن كان الدَّجّالَ؛ فليس بصحابيٍّ قطعًا؛ لأنّه يموت كافرًا، وإن كان غيره؛ فهو حالَ لُقِيِّهُ النبيَّ ﷺ لم يكن مسلمًا" (١). لكن إن أسلم بعد ذلك؛ فهو تابعيٌّ له رؤية؛ كما قال الذهبي. وترجم ابن حجر في كتابه "تهذيب التهذيب" لعُمارة بن صيَّاد، فقال: "عُمارة بن عبد الله بن صيَّاد الأنصاري، أبو أيوب المدني. روى عن: جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيّب، وعطاء بن يسار. وعنه: الضَّحاك بن عثمان الخُزامي، ومالك بن أنس، وغيرهما. قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وكان مالك بن أنس لا يقدِّم عليه في الفضل أحدًا، وكانوا يقولون: نحن بنو أشيهب بن النَّجّار، فدفعهم بنو النَّجَّار، فهم اليوم حلفاء بني مالك بن النَّجَّار، ولا يُدْرى ممَّن هُم" (٢). أحواله: كان ابن صيّاد دجّالًا، وكان يتكهَّنُ أحيانًا فيصدق ويكذب، فانتشر

стр. 274

خبره بين النَّاس، وشاع أنّه الدَّجّال؛ كما سيأتي في ذكر امتحان النّبيّ ﷺ امتحان النّبيّ ﷺ له: لما شاع بين النَّاس أمر ابن صيَّاد، وأنّه هو الدَّجَّال؛ أراد النّبيّ ﷺ أن يطَّلعَ على أمره، ويتبيَّنَ حالَه، فكان يذهب إليه مختفيًا حتّى لا يشعر به ابن صياد؛ رجاء أن يسمع منه شيئًا، وكان يوجِّه إليه بعض الأسئلة الّتي تكشف عن حقيقته. ففي الحديث عن ابن عمر ﵄: أن عمر انطلق مع النّبيّ ﷺ في رهط قِبَل ابن صياد، حتّى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أُطُم (١) بن مَغالة (٢)، وقد قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتّى ضرب النّبيّ ﷺ بيده، ثمَّ قال لابن صيَّاد: "أتشهد أني رسول الله؟ ". فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صيَّاد للنبي- ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه، وقال: "آمنت بالله وبرسله". فقال له: "ما ترى؟ ". قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال النّبيّ ﷺ : "خلط عليك الأمر". ثمَّ قال له النّبيّ ﷺ : "إنِّي خبأت لك خبيئًا؟ ". فقال ابن صياد: هو الدُّخ (٣). فقال: "اخسأ فلن تعدو قدرك". فقال عمر رضي الله

стр. 275

عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النّبيّ ﷺ : "إن يكنه؛ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه؛ فلا خير لك في قتله" (١). وفي رواية أن النّبيّ ﷺ قال له: "ما ترى؟ ". قال: أرى عرشًا على الماء. فقال رسول الله ﷺ : "ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ ". قال: أرى صادقين وكاذبًا، أو كاذبين وصادقًا. فقال رسول الله ﷺ : "لُبِّسَ عليه، دعوه" (٢). وقال ابن عمر ﵄: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب إلى النخل الّتي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النّبيّ ﷺ وهو مضطجعٌ -يعني: في قطيفة له فيها رمزة أو زمرة (٣) -، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتَّقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف -وهو اسم ابن صياد-! هذا محمَّد ﷺ . فثار ابن صياد، فقال النّبيّ ﷺ : "لو تركته بيَّن" (٤). وقال أبو ذرِّ ﵁: كان رسول الله ﷺ بعثني إلى أمه؛ قال:

стр. 276

"سلها كم حملت به؟ ". فأتيتها، فسألتها، فقالت: حملتُ به اثني عشر شهرًا. قال: ثمَّ أرسلني إليها، فقال: "سلها عن صيحته حين وقع؟ ". قال: فرجعتُ إليها، فسألتُها، فقالت: صاح صيحة الصبي ابن شهر. ثمَّ قال له رسول الله ﷺ : "إنِّي قد خبأت لك خبئًا". قال: خبأت لي خطم شاة عفراء (١) والدُّخان. قال: فأراد أن يقول الدُّخان، فلم يستطع، فقال: الدُّخ، الدُّخ (٢). فامتحان النّبيّ ﷺ له بـ (الدخان)؛ ليتعرف على حقيقة أمره. والمراد بالدُّخان هنا قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فقد وقع في رواية ابن عمر عند الإِمام أحمد: "إنِّي قد خبأت لك خبيئًا، وخبأ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ " (٣). قال ابن كثير: "إن ابن صياد كاشف على طريقة الكهَّان، بلسان الجان، وهم يقرطون -أي: يقطعون- العبارة، ولهذا قال: هو الدُّخ؛

стр. 277

يعني: الدُّخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادته، وأنّها شيطانية، فقال له: (اخسأ؛ فلن تعدو قدرك) " (١). وفاته: عن جابر ﵁ قال: "فقدنا ابن صيَّاد يوم الحرَّة" (٢). وقد صحَّح ابن حجر لهذه الرِّواية، وضعَّف قول مَنْ ذهب إلى أنّه مات في المدينة، وأنّهم كشفوا عن وجهه، وصلَّوا عليه (٣). هل ابن صيَّاد هو الدَّجَّال الأكبر ؟ مضى في الكلام على أحوال ابن صيَّاد وامتحان النّبيّ ﷺ له ما يدلُّ على أن النّبيّ ﷺ كان متوقِّفًا في أمر ابن صيَّاد؛ لأنّه لم يوحَ إليه أنّه الدَّجّال ولا غيره. وكان عمر ﵁ يحلف عند النّبيّ ﷺ أن ابن صياد هو الدَّجّال، ولم يُنْكِر عليه ذلك رسولُ الله ﷺ . وكان بعض الصّحابة ﵃ يرى رأي عمر، ويحلف أن ابن صيّاد هو الدَّجال، كما ثبت ذلك عن جابر، وابن عمر، وأبي ذر. ففي الحديث عن محمَّد بن المنكدر (٤)؛ قال: "رأيتُ جابر بن

стр. 278

عبد الله يحلف بالله إن ابن صياد هو الدَّجّال. قلتُ: تحلف بالله؟! قال: إنِّي سمعتُ عمر يحلف على ذلك عند النّبيّ ﷺ ، فلم ينكره النّبيّ ﷺ " (١). وعن نافعٍ (٢)؛ قال: "كان ابن عمر يقول: والله ما أشكُّ أن المسيح الدَّجّال ابن صياد" (٣). وعن زيد بن وهب (٤)؛ قال: "قال أبو ذر ﵁: لأنَّ أحلف عشر مرات أن ابن صائد هو الدَّجّال أحبُّ إليَّ من أن أحلف مرّة واحدة أنّه ليس به" (٥). وعن نافع؛ قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة،

стр. 279

فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتّى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله! ما أردتَ من ابن صائد؟! أمّا علمتَ أن رسول الله ﷺ قال: "إنّما يخرُجُ من غضبةٍ يغضبها" (١)؟! وفي رواية عن نافع؛ قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين؛ قال: فلقيته، فقلت لبعضهم: هل تَحَدَّثون أنَّه هو؟ قال: لا والله. قال: قلت: كذبتني، والله لقد أخبرني بعضكم أنّه لن يموت حتّى يكون أكثركم مالًا وولدًا، فكذلك هو زعموا اليوم. قال: فتحدَّثنا، ثمَّ فارقته. قال: فلقيتُه مرَّة أخرى وقد نفرت عينيه. قال: فقلتُ: متى فعلت عينُك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلتُ: لا تدري وهي في رأسك؟! قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه. قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت. قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتّى تكسَّرت، وأمّا أنا فوالله ما شعرتُ. قال: وجاء حتّى دخل على أم المؤمنين، فحدَّئَها، فقالت: ما تُريد إليه؟! ألم تعلم أنّه قد قال: "إن أول ما يبعثه على النَّاس غضبٌ يغضبه" (٢). وكان ابن صيَّاد يسمع ما يقوله النَّاس فيه، فيتأذَّى من ذلك كثيرًا، ويدافع عن نفسه بأنّه ليس الدَّجَّال، ويحتجُّ على ذلك بأن ما أخبر به النّبيّ ﷺ من صفات الدَّجَّال لا تنطبق عليه. ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: "خرجنا حجَّاجًا أو عُمّارًا ومعنا ابن صائد. قال: فنزلنا منزلًا، فتفرَّق النَّاس، وبقيتُ

стр. 280

أنا وهو، فاستوحشتُ منه وحشة شديدة ممّا يُقال عليه. قال: وجاء بمتاعه، فوضعه مع متاعي. فقلتُ: إن الحرَّ شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل. قال: فرُفِعت لنا غنمٌ، فانطلق، فجاء بعس (١)، فقال: اشرب أبا سعيد! فقلتُ: إن الحرير شديد، واللبن حارٌّ. ما بي إِلَّا أني أكره أن أشرب عن يده، أو قال: آخذ عن يده. فقال: أبا سعيد! لقد هممتُ أن آخذ حبلًا، فأعلقه بشجرة، ثمّ أختنق ممّا يقول لي النَّاس. يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ؛ ما خفي عليكم معشر الأنصار. ألستَ من أعلم النَّاس بحديث رسول الله ﷺ ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ : هو كافرٌ. وأنا مسلم؟ أوليس قد قال رسول الله ﷺ : هو عقيمٌ لا يولَدُ له. وقد تركتُ ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ لا يدخل المدينة ولا مكّة. وقد أقبلتُ من المدينة، وأنا أُريد مكّة؟ قال أبو سعيد الخُدري: حتّى كدتُ أن أعذره. ثمَّ قال: أمّا والله إنِّي لأعرفه وأعرف مولده، وأين هو الآن. قال: قلتُ له: تبًّا لك سائر اليوم" (٢). وقال ابن صيَّاد في رواية: "أمّا والله إنِّي لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرُّك أنك ذاك الرَّجل؟ فقال: لو عُرِضَ

стр. 281

عليَّ ما كرهت" (١). وهناك بعض الروايات الّتي جاءت في شأن ابن صيَّاد، تركتُ ذكرها هنا خشية الإِطالة، ولأن بعض المحقِّقين كابن كثير وابن حجر وغيرهما ردُّوها لضعف أسانيدها (٢). وقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صيَّاد، وأشكل عليهم أمره: فمن قائل: إنّه الدَّجَّال. ويحتج على ذلك بما سبق ذكره من حلف بعض الصّحابة ﵃ على أنّه الدَّجَّال، وبما كان من أمره مع ابن عمر وأبي سعيد ﵃. وذهب بعض العلماء إلى أن ابن صياد ليس هو الدجَّال، ويحتج على ذلك بحديث تميم الدّاري ﵁، وقبل أن أسوق أقوال الفريقين أذكر حديث تميم بطوله: روى الإِمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشّعبيّ (٣) - شعب

стр. 282

همدان - أنّه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضَحّاك بن قيس - وكانت من المهاجرات الأوّل - فقال: حدثيني حديثًا سمعتيهِ من رسول الله ﷺ تسنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلنَ. فقال لها: أجل؛ حدَّثيني. فذكرت قصة تأيُمِها من زوجها، واعتدادها عند ابن أم مكتوم، ثمّ قالت: فلمَّا انقضت عدَّتي؛ سمعتُ نداء المنادي منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصّلاة جامعة، فخرجتُ إلى المسجد، فصلّيتُ مع رسول الله ﷺ ، فكنتُ في صف النِّساء الّتي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته؛ جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "ليلزم كلّ إنسان مصلَّاه"، ثمَّ قال: "أتدرونَ لم جمعتُكُم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنِّي والله ما جمعتُكم لرغبةٍ ولا لرهبةٍ، ولكن جمعتُكُم لأنَّ تميمًا الدَّاريَّ (١) كان رجلًا نصرانيًّا، فجاء، فبايع، وأسلم، وحدَّثني حديثًا وافق الّذي كنتُ أحدثكم عن مسيح الدَّجَّال، حدَّثني أنّه ركب في سفينة بحريَّة مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثمّ أرفؤوا (٢) إلى جزيرةٍ في البحر، حتّى مغرب الشّمس، فجلسوا في

стр. 283

أقرُب (١) السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابَّه أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرَّجل في الدَّير (٢)؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمَّت لنا رجلًا؛ فرِقْنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعًا حتّى دخلنا الدَّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قطُّ خَلْقًا، وأشدُّه وثاقًا، مجموعةٌ يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد؛ قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحريًة، فصادَفْنا البحر حين اغتلم (٣)، فلعب بنا الموج شهرًا، ثمَّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقرُبها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر لا يُدرى ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجسَّاسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: عمدوا إلى لهذا الرَّجل

стр. 284

في الدَّير؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. قال: أخبروني عن نخل بيسان (١)؟ قلنا: عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها: هل يُثْمِر؟ قلنا له: نعم. قال: أمّا إنّه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة طبريَّة؟ قلنا* عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر (٢)؟ قالوا: عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم؛ هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأمبين؛ ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنّه قد ظهر على مَنْ يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أمّا إن ذاك خيرٌ لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني: إنِّي أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذَنَ

стр. 285

لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إِلَّا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكّة وطيبة، فهما محرَّمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردتُ أن أدخل واحدة -أو واحدًا- منهما؛ استقبلني ملكٌ بيده السيف صلتًا يصدُّني عنها، وإن على كلّ نَقْب (١) منها ملائكة يحرسونها". قالت: قال رسول الله ﷺ -وطعن بمخصرته (٢) في المنبر-: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة -يعني: المدينة-. ألَّا هل كنت حدَّثتكم ذلك؟ ". فقال النَّاس: نعم. "فإنّه أعجبني حديث تميم أنّه وافقال في كنتُ أحدِّثكم عنه، وعن المدينة ومكة، ألَّا إنّه في بحر الشّام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) ". قالت: فحفظتُ لهذا من رسول الله ﷺ (٣). قال ابن حجر: "وقد توهَّم بعضُهم أنّه -أي: حديث فاطمة بنت قيس- غريب فرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر" (٤)؛ ﵃.
следующие страницы →