عليَّ ما كرهت" (١).
وهناك بعض الروايات الّتي جاءت في شأن ابن صيَّاد، تركتُ ذكرها هنا خشية الإِطالة، ولأن بعض المحقِّقين كابن كثير وابن حجر وغيرهما ردُّوها لضعف أسانيدها (٢).
وقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صيَّاد، وأشكل عليهم أمره: فمن قائل: إنّه الدَّجَّال. ويحتج على ذلك بما سبق ذكره من حلف بعض الصّحابة ﵃ على أنّه الدَّجَّال، وبما كان من أمره مع ابن عمر وأبي سعيد ﵃.
وذهب بعض العلماء إلى أن ابن صياد ليس هو الدجَّال، ويحتج على ذلك بحديث تميم الدّاري ﵁، وقبل أن أسوق أقوال الفريقين أذكر حديث تميم بطوله:
روى الإِمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشّعبيّ (٣) - شعب
стр. 282
همدان - أنّه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضَحّاك بن قيس - وكانت من المهاجرات الأوّل - فقال: حدثيني حديثًا سمعتيهِ من رسول الله ﷺ تسنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلنَ. فقال لها: أجل؛ حدَّثيني. فذكرت قصة تأيُمِها من زوجها، واعتدادها عند ابن أم مكتوم، ثمّ قالت: فلمَّا انقضت عدَّتي؛ سمعتُ نداء المنادي منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصّلاة جامعة، فخرجتُ إلى المسجد، فصلّيتُ مع رسول الله ﷺ ، فكنتُ في صف النِّساء الّتي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته؛ جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "ليلزم كلّ إنسان مصلَّاه"، ثمَّ قال: "أتدرونَ لم جمعتُكُم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنِّي والله ما جمعتُكم لرغبةٍ ولا لرهبةٍ، ولكن جمعتُكُم لأنَّ تميمًا الدَّاريَّ (١) كان رجلًا نصرانيًّا، فجاء، فبايع، وأسلم، وحدَّثني حديثًا وافق الّذي كنتُ أحدثكم عن مسيح الدَّجَّال، حدَّثني أنّه ركب في سفينة بحريَّة مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثمّ أرفؤوا (٢) إلى جزيرةٍ في البحر، حتّى مغرب الشّمس، فجلسوا في
стр. 283
أقرُب (١) السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابَّه أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرَّجل في الدَّير (٢)؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمَّت لنا رجلًا؛ فرِقْنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعًا حتّى دخلنا الدَّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قطُّ خَلْقًا، وأشدُّه وثاقًا، مجموعةٌ يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد؛ قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحريًة، فصادَفْنا البحر حين اغتلم (٣)، فلعب بنا الموج شهرًا، ثمَّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقرُبها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر لا يُدرى ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجسَّاسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: عمدوا إلى لهذا الرَّجل
стр. 284
في الدَّير؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. قال: أخبروني عن نخل بيسان (١)؟ قلنا: عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها: هل يُثْمِر؟ قلنا له: نعم. قال: أمّا إنّه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة طبريَّة؟ قلنا* عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر (٢)؟ قالوا: عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم؛ هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأمبين؛ ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنّه قد ظهر على مَنْ يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أمّا إن ذاك خيرٌ لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني: إنِّي أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذَنَ
стр. 285
لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إِلَّا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكّة وطيبة، فهما محرَّمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردتُ أن أدخل واحدة -أو واحدًا- منهما؛ استقبلني ملكٌ بيده السيف صلتًا يصدُّني عنها، وإن على كلّ نَقْب (١) منها ملائكة يحرسونها".
قالت: قال رسول الله ﷺ -وطعن بمخصرته (٢) في المنبر-: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة -يعني: المدينة-. ألَّا هل كنت حدَّثتكم ذلك؟ ". فقال النَّاس: نعم. "فإنّه أعجبني حديث تميم أنّه وافقال في كنتُ أحدِّثكم عنه، وعن المدينة ومكة، ألَّا إنّه في بحر الشّام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) ".
قالت: فحفظتُ لهذا من رسول الله ﷺ (٣).
قال ابن حجر: "وقد توهَّم بعضُهم أنّه -أي: حديث فاطمة بنت قيس- غريب فرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر" (٤)؛ ﵃.
стр. 286
أقوال العلماء في ابن صيَّاد:
قال أبو عبد الله القُرطبيُّ: "الصّحيح أن ابن صيَّاد هو الدَّجَّال؛ بدلالة ما تقدَّم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصّحابة في وقت آخر" (١).
وقال النووي: "قال العلماء: وقصَّته مشكلة، وأمره مشتبه في أنّه هل هو المسيح الدَّجّال المشهور أم غيره، ولا شك في أنّه دجَّال من الدَّجاجلة.
قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النّبيّ ﷺ لم يوحَ إليه بأنّه المسيح الدَّجَّال ولا غيره، وإنّما أُوحِيَ إليه بصفات الدَّجَّال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النّبيّ ﷺ لا يقطع بأنّه الدَّجَّال ولا غيره، ولهذا قال لعمر رضىِ الله عنه: "إن يكن هو؛ فلن تستطيع قتله".
وأمّا احتجاجه هو بأنّه مسلم والدَّجَّال كافر، وبأنّه لا يولد للدَّجّال وقد ولد له هو، وأنّه لا يدخل مكّة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجِّه إلى مكّة؛ فلا دلالة له فيه؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ إنّما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.
стр. 287
ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكاذبين قوله للنبي- ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟! ودعواه أنّه يأتيه صادق وكاذب، وأنّه يرى عرشًا فوق الماء، وأنّه لا يكره أن يكون هو الدَّجَّال، وأنّه يعرف موضعه، وقوله: إنِّي لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخه حتّى ملأ السكة.
وأمّا إظهاره الإسلام، وحجُّه، وجهاده، وإقلاعه عما كان عليه؛ فليس بصريح في أنّه غير الدَّجّال" (١).
وكلام النووي هذا يُفْهَم منه أنَّه يرجِّح كون ابن صياد هو الدَّجّال.
وقال الشوكاني: "اختلف النَّاس في أمر ابن صياد اختلافًا شديدًا، وأشكل أمره، حتّى قيل فيه كلّ قول، وظاهر الحديث المذكور أن النّبيّ ﷺ كان متردِّدًا في كونه الدَّجّال أم لا؟ ...
وقد أُحبيب عن التردُّد منه ﷺ بجوابين:
الأوّل: أنّه تردَّد ﷺ قبل أن يُعْلِمَهُ الله بأنّه هو الدَّجّال، فلما أعلمه؛ لم ينكر على عمر حَلِفَه.
الثّاني: أن العرب قد تُخْرِج الكلام مخرج الشك، وان لم يكن في الخبر شكٌّ.
ومما يدلُّ على أنَّه هو الدَّجَّال ما أخرجه عبد الرزَّاق (٢) بإسناد صحيح عن ابن عمر؛ قال: "لقيت ابن صياد يومًا -ومعه رجلٌ من اليهود- فإذا عينُه قد طفت وهي خارجةٌ مثل عين الحمار، فلما رأيتُها؛ قلتُ: أنشدك الله يا
стр. 288
ابن صياد! متى طفت عينك؟ قال: لا أدري والرّحمن. قلت: كذبت وهي في رأسك. قال: فمسحها ونخر ثلاثًا" (١).
وقد سبق ذكر نحو هذه القصة من رواية الإِمام مسلم (٢).
والذي يظهر لي من كلام الشوكاني أنّه مع القائلين بأن ابن صياد هو الدَّجَّال الأكبر.
وقال البيهقي (٣) في سياق كلامه على حديث تميم: "فيه أن الدَّجَّال الأكبر الّذي يخرج في آخر الزّمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدَّجالين الكذابين الذين أخبر ﷺ بخروجهم، وقد خرج أكثرهم.
وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدَّجَّال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا، فالجمع بينهما بعيد جدًّا، إذ كيف يلتئم أن يكون مَنْ كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النّبيّ ﷺ ويسأله؛ أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر، موثقًا بالحديد، يستفهم عن خبر النّبيّ ﷺ هل خرج أو لا؟!
فالأولى أن يُحْمَلَ على عدم الاطلاع.
стр. 289
أمّا عمر؛ فيُحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثمَّ لما سمعها؛ لم يعد إلى الحلف المذكور.
وأمّا جابر؛ فشهد حلفه عند النّبيّ ﷺ ، فاستصحب ما كان اطَّلع عليه من عمر بحضرة النّبيّ ﷺ " (١)
قلت: لكن جابر ﵁ كان من رواة حديث تميم؛ كما جاء في رواية أبي داود، حيث ذكر قصة الجساسة والدَّجال بنحو قصة تميم، ثمَّ قال ابن أبي سلمة (٢): "إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظتُه؛ قال (٣): شهد جابر أنّه هو ابن صائد. قلت: فإنّه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنَّه قد أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنَّه قد دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة" (٤).
فجابر ﵁ مصرٌّ على أن ابن صياد هو الدَّجّال، وان قيل:
стр. 290
إنّه أسلم، ودخل المدينة، ومات.
وقد تقدَّم أنّه صحَّ عن جابر ﵁ أنّه قال: "فقدنا ابن صياد يوم الحرة" (١).
وقال ابن حجر: "أخرج أبو نُعيم الأصبهاني (٢) في "تاريخ أصبهان" (٣) ما يؤيِّد كون ابن صياد هو الدّجَّال، فساق من طريق شبيل بن عرزة عن حسان بن عبد الرّحمن عن أبيه؛ قال: لما افتتحنا أصبهان؛ كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها فنختار منها، فأتيتها يومًا، فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لي منهم؟ فقال: ملكنا الّذي نستفتح به على العرب يدخل، فبتُّ عنده على سطحٍ، فصلّيتُ الغداة، فلما طلعت الشّمس؛ إذا الرهج من قبل العسكر، فنظرتُ، فإذا رجلٌ عليه قبة من ريحان، واليهود يزفنون ويضربون، فنظرتُ، فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة فلم يعد حتّى السّاعة" (٤).
قال ابن حجر: "ولا يلتئم خبر جابر هذا (أي: فقدهم لابن صياد يوم
стр. 291
الحرة) مع خبر حسان بن عبد الرّحمن؛ لأنَّ فتح أصبهان كان في خلافة عمر؛ كما أخرجه أبو نعيم في "تاريخها"، وبين قتل عمر ووقعة الحرَّة نحو أربعين سنة.
ويمكن الحمل على أن القصة إنّما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب (لما) في قوله: "لما افتتحنا أصبهان" محذوفًا تقديره: صرتُ أتعاهدها، وأتردَّد إليها، فجرت قصة ابن صياد، فلا يتَّحد زمان فتحها وزمان دخولها ابن صياد" (١).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن "أمر ابن صياد قد أشكل على بعض الصّحابة، فظنُّوه الدَّجّال، وتوقَّف فيه النّبيّ ﷺ حتّى تبيَّن له فيما بعد أنّه ليس هو الدَّجّال، وإنّما هو من جنس الكهَّان أصحاب الأحوال الشيطانية، ولذلك كان يذهب ليختبره" (٢).
وقال ابن كثير: "والمقصود أن ابن صياد ليس بالدَّجّال الّذي يخرج في آخر الزّمان قطعًا؛ لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، وهو فيصل في هذا المقام" (٣).
هذه هي طائفة من أقوال العلماء في ابن صيَّاد، وهي -كما ترى- متضاربة في شأن ابن صياد، ومع كلّ دليلُه.
стр. 292
ولهذا فقد اجتهد الحافظ ابن حجر في التوفيق بين الأحاديث المختلفة، فقال: "أقرب ما يُجمع به بين ما تضمَّنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدَّجّال أن الدَّجّال بعينه هو الّذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطانٌ تبدَّى في سورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجّه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة الّتي قدَّر الله تعالى خروجه فيها، ولشدَّة التباس الأمر في ذلك؛ سلك البخاريّ مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صيّاد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم" (١).
ابن صيَّاد حقيقة لا خرافة:
زعم أبو عبية أن "شخصية ابن صياد خرافة جازت على بعض العقول، فعاشت قصتها في بعض الكتب منسوبة إلى الرسول، والرسول عليه صلوات الله لا يصدر عنه من القول والفعل إِلَّا ما هو لُباب الحق ومُصاصه، ولقد آن الأوان لنأخذ بعين الاعتبار والجد روح الحديث ومعناه، ودلالته ومرماه؛ كما نأخذ سنده وطريقه؛ لتنجو مداركنا الإِسلامية من الشطط والغلط" (٢).
هذا ما قاله الشّيخ أبو عبية في تعليقه على الأحاديث الواردة في ابن صيَّاد!!
ويُرَدُّ عليه بأن الأحاديث الواردة في ابن صياد صحيحة، جاءت بها
стр. 293
كتب السنة؛ كـ "الصحيحين"، وغيرهما، وليس في أحاديث ابن صيَّاد مخالفة لروح الحديث ولباب الحق، فابن صيَّاد -كما سبق- اشتبه أمره على المسلمين، وكان دجَّالًا من الدَّجاجلة، أظهر الله كذبه وباطله للرسول ﷺ والمسلمين.
وأبو عبيَّة متناقض في كلامه، فنجده في بعض تعليقاته على أحاديث ابن صياد يقول: "والحق أن ابن صياد قال كلمة بتراء لا معنى لها، على عادة الكهَّان، وأنّه لم يكن يعني شيئًا بكلمته، فهو مشعوذٌ أفّاك" (١).
فكلامه هنا فيه اعترافٌ بأن ابن صياد مشعوذٌ أفّاك! فكيف يكون في وقت خرافة وفي وقت آخر رجلٌ مشعوذ؟!
لا شك أن أبا عبية متناقض في كلامه.
والمتتبِّع لتعليقات الشّيخ أبي عبيَّة على كتاب "النهاية/ الفتن والملاحم" للحافظ ابن كثير يرى العجب، فقد أطلق أبو عبيَّة لعقله العنان فيما أورده ابن كثير من الأحاديث، فما رآه هو وقَبِلَه؛ فهو الحق، وما سوى. ذلك؛ أوَّله بتأويلات مخالفة لظاهر الأحاديث، أو حكم على الأحاديث الصحيحة بالوضع؛ بدون دليل ولا برهان على صحيح.
يقول أبو عبيَّة على أحاديث ابن صيّاد: "هل الطفل مكلَّف؟ وهل يبلغ اهتمام الرسول بهذا المزعوم أن يقف إليه ويسأله هذا السؤال؟ وهل من المعقول أن ينتظر حتّى يتلقى جوابه؟ وهل من المقبول أن يسمح له بهذا الجواب الكافر المدَّعي للنبُوَّة والرسالة؟ وهل يبعث الله أطفالًا؟ أسئلة
стр. 294
نسوقها إلى أولئك الذين يشلُّون عقولهم عن التفكير السديد الرشيد" (١).
ويُجاب عن كلام أبي عبية هذا بأنّه لم يقل أحدٌ: إن الطفل مكلَّف، ولا إن الله يبعث أطفالًا، وإنّما أراد النّبيّ ﷺ أن يطَّلع على أمر ابن صياد؛ أهو الدَّجّال حقيقة أم لا؟ لأنّه شاع في المدينة أنّه الدَّجّال الّذي حذَّر منه النّبيّ ﷺ ، وكان لم يوحَ إليه في أمر ابن صياد شيئًا، فرأى رسول الله ﷺ أن ما يكشف دجله -وهو مميِّزٌ يعقل الخطّاب- أن يقول له: "أتشهد أني رسول الله؟ " ... إلى أن قال له: "إنِّي قد خبأت لك خبيئًا؟ " إلى غير ذلك من الأسئلة الّتي وجَّهها إليه رسول الله ﷺ .
فليس المقصود بهذا الكلام تكليف ابن صيّاد بالإِسلام، وإنّما القصد إظهار حقيقة أمره، وإذا كان القصد ما ذكرنا؛ فلا غرابة أن يقف الرسول ﷺ ليرى جوابه، وقد ظهر من جوابه أنّه دجّال من الدَّجاجلة.
وأيضًا؛ فإنّه ليس هناك أي مانع في أن يَعرض النبيُّ ﷺ الإسلام على الصغير؛ فإن البخاريّ ﵀ أورد قصة ابن صياد وترجم لها بقوله: "باب كيف يُعْرَضُ الإسلام على الصبي" (٢).
وأمّا كون النّبيّ ﷺ لم يعاقب ابن صياد مع ادِّعائه النبوَّة؛ فشبهة أثارها عدم اطلاع أبي عبية على أقوال العلماء في ذلك، وقد أجابوا عمَّا ذكره بأجوبة؛ منها:
стр. 295
١ - أن ابن صيَّاد كان من يهود المدينة أوحلفائهم، وكان بينهم وبين النّبيّ ﷺ في تلك المدة عهدٌ ومهادنة، وذلك أن النّبيّ ﷺ عندما قدم المدينة كتب بينه وبين اليهود، وصالحهم على أن لا يُهاجَوْا وأن يُتْرَكوا على دينهم.
ويؤيِّد هذا ما رواه الإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ في ذكر قصة ذهاب النّبيّ ﷺ إلى ابن صياد ومقالته، وقول عمر ﵁: ائذن لي فأقتله يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "إن يكن هو؛ فلست صاحبه؛ إنّما صاحبه عيسى بن مريم ﵊، وإلا يكن هو؛ فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد" (١).
وإلى هذا الجواب ذهب الخطابي (٢) والبغويِ (٣).
- وقال ابن حجر: "هو المتعيِّن" (٤).
٢ - أن ابن صيَّاد كان في ذلك الوقت صغيرًا، لم يبلغ الحلم.
ويؤِّيد هذا الجواب ما رواه البخاريّ عن ابن عمر ﵄ في قصة ذهاب النّبيّ ﷺ إلى ابن صياد، وفيها قوله: "حتّى وجده يلعب مع الغلمان عند أُطُم بني مَغالة، وقد قارب يومئذ ابن صياد يحتلم" (٥).
стр. 296
واختار القاضي عياض لهذا الجواب (١).
٣ - وهناك جواب ثالث ذكره الحافظ ابن حجر، وهو أن ابن صياد لم يصرِّح بدعوى النبوة، وإنّما أوهم أنّه يدَّعي الرسالة، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوَّة؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣] (٢).
* مكان خروج الدَّجّال:
يخرج الدجّال من جهة المشرق؛ من خراسان (٣)، من يهودية أصبهان (٤)، ثمَّ يسير في الأرض، فلا يترك بلدًا إِلَّا دخله؛ إِلَّا مكّة والمدينة، فلا يستطيع دخولهما؛ لأنَّ الملائكة تحرسهما.
ففي حديث فاطمة بنت قيس السابق أن النّبيّ ﷺ قال في الدَّجّال: "ألَّا إنّه في بحر الشّام، أو بحر اليمن، لا بل من قِبَل المشرق ما هو، من
стр. 297
قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) " (١).
وعن أبي بكر الصدِّيقِ ﵁؛ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ ؛ قال: "الدَّجَّالُ يخرج من أرض بالمشرق؛ يُقالُ لها: خراسان" (٢).
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدَّجَّال من يهودية أصبهان، معه سبعونٍ ألفًا من اليهود" (٣).
قال ابن حجر: "وأمّا من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا" (٤).
وقال ابن كثير: "فيكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية" (٥).
* الدَّجَّال لا يدخل مكّة والمدينة:
حرم على الدجَّال دخول مكّة والمدينة حين يخرج في آخر الزّمان؛ لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، وأمّا ما سوى ذلك من البلدان؛ فإن الدّجَّال سيدخلها واحدًا بعد الآخر.
جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أن الدَّجَّال قال:
стр. 298
"فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إِلَّا هبطتُها في أربعين ليلة؛ غير مكّة وطيبة (١)، فهما محرَّمتان على كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة - أو واحدًا- منهما؛ استقبلني مَلَك بيده السيف صلتًا يصدُّني عنها، وإن على كلّ نقبٍ منها ملائكة يحرسونها" (٢).
وثبت أيضًا أن الدَّجَّال لا يدخل أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، والمسجد الأقصى.
روى الإِمام أحمد عن جُنادة بن أبي أُميَّة الأزدي؛ قال: ذهبتُ أنا ورجل من الأنصار إلى رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ ، فقلنا: حدّثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ يذكر في الدجال ... (فذكر الحديث، وقال:) "وإنه يمكث في الأرض أربعين صباحًا، يبلغ فيها كلّ منهل، ولا يقرب أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى" (٣).
وأمّا ما ورد في الصحيحين (٤) أن النّبيّ ﷺ رأى رجلًا، جعدًا،
стр. 299
قططًا، أعور عين اليمنى، واضعًا يديه على منكبي رجل، يطوف بالبيت، فسأل عنه؟ فقالوا: إنّه المسيح الدَّجَّال. فيجاب عنه بأن منع الدّجَّال من دخول مكّة والمدينة إنّما يكون عند خروجه في آخر الزّمان. والله أعلم (١).
* أتباع الدَّجَّال:
أكثر أتباع الدَّجَّال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من النَّاس، غالبهم الإعراب والنساء.
روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتبع الدَّجَّال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطَّيالسة" (٢).
وفي رواية للإِمام أحمد: "سبعون ألفًا عليهم التَيجان" (٣).
وجاء في حديث أبي بكر السابق: "يتبعه أقوامٌ كأنَّ وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة" (٤).
قاد ابن كثير: "والظاهر -والله أعلم- أن المراد هؤلاء الترك أنصار الدَّجّال" (٥).
стр. 300
قلت: وكذلك بعض الأعاجم؛ كما جاء وصفهم في حديث أبي هريرة: "لا تقوم السّاعة حتّى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجو، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة، نعالهم الشعر" (١).
وأمّا كون أكثر أتباعه من الإعراب؛ فلأن الجهل غالبٌ عليهم، ولما جاء في حديث أبي أُمامة الطويل قوله ﷺ : "وإن من فتنته -أي: الدجَّال- أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثتُ لك أباك وأمَّك؛ أتشهد أنى ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثَلُ له شيطانان في سورة أبيه وأمِّه، فيقولان: يا بني! اتْبَعْهُ؛ فإنَّه ربُّك" (٢).
وأمّا النِّساء؛ فحالهنَّ أشدُّ من حال الإعراب؛ لسرعة تأثُّرهن، وغلبة الجهل عليهن، ففي الحديث عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال النّبيّ ﷺ : "ينزل الدَّجَّال في هذه السبخة بمرقناة (٣)، فيكون أكثر من يخرج إليه النِّساء، حتّى إن الرَّجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمَّته فيوثقها رباطًا؛ مخافة أن تخرج إليه" (٤).
стр. 301
* فتنة الدَّجَّال:
فتنة الدَّجَّال أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام السّاعة، وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة الّتي تبهر العقول، وتحيِّر الألباب.
فقد ورد أن معه جنَّةً ونارًا، وجنَّتُه نارٌ، ونارُه جنَةٌ، وأن معه أنّهار الماء، وجبال الخبز، ويأمر السَّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تُنْبِت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة؛ كسرعة الغيث استدبرته الريح ... إلى غير ذلك من الخوارق.
وكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة:
فمنها ما رواه الإِمام مسلم عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدَّجَّالُ أعورُ العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنَّةٌ ونارٌ، فناره جنَّة، وجنَّتُه نارٌ" (١).
ولمسلم أيضًا عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأنا أعلم بما مع الدَّجَّال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأي العين ماءٌ أبيض، والآخر رأي العين نارٌ تأجَّج، فإمَّا أدركن أحدٌ؛ فليأت النهر الّذي يراه نارًا، وليغمض، ثمَّ ليطأطئ رأسه، فيشرب منه؛ فإنَّه ماءٌ باردٌ" (٢).
стр. 302
وجاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ في ذكر الدَّجَّال أن الصّحابة قالوا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قالوا: وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث إذا استدبرته الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السَّماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (١) أطول ما كانت ذَرًّا (٢)، وأسبغه (٣) ضروعًا، وأمده خواصر، ثمَّ يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحِلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (٤)، ثمَّ يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رميةَ الغرض، ثمَّ يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك" (٥).
стр. 303
وجاء في رواية البخاريّ عن أبي سعيد الخُدري ﵁ أن هذا الرَّجل الّذي يقتله الدجَّال من خيار النَّاس، أو خير النَّاس؛ يخرج إلى الدجال من مدينة رسول الله ﷺ ، فيقول للدَّجَّال: "أشهد أنك الدَّجَّال الّذي حدَّثنا رسول الله ﷺ حديثه. فيقول الدَّجَّال: أرأيتُم إن قتلتُ هذا ثمّ أحييتُه؛ هل تشكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا. فيقتله، ثمَّ يحييه، فيقول (أي: الرَّجل): والله ما كنتُ فيك أشدُّ بصيرة مني اليوم، فيريد الدَّجَّال أن يقتله، فلا يسلَّط عليه" (١).
وسبق ذكر رواية ابن ماجه عن أبي أُمامة الباهلي ﵁ ... (وفيها قول النّبيّ ﷺ في الدَّجَّال: "إن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيتَ إن بعثتُ لك أباك وأمَّكَ؛ أتشهد أني ربُّك؟ فيقول: نعم. فيتمَثَّلُ له شيطانان في سورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بن! اتبعه؛ فإنَّه ربُّك" (٢).
نسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن.
* الرَّدِّ على منكري ظهور الدَّجَّال:
ما تقدَّم من الأحاديث يدلُّ على تواتر خروج الدَّجَّال في آخر الزّمان، وأنّه شخصٌ حقيقة، يعطيه الله ما شاء من الخوارق العظيمة.
وقد ذهب الشّيخ محمَّد عبده إلى أن الدَّجَّال رمز للخرافات والدَّجَل والقبائح (٣)، وتبعه الشّيخ أبو عبية، فذهب إلى أن الدَّجَّال رمز لاستشراء
стр. 304
الباطل، وليس رجلًا من بني آدم، ولهذا التّأويل صرفٌ للأحاديث عن ظاهرها بدون قرينةٍ!!
وإليك ما قاله الشّيخ أبو عبيَّة في تعليقه على أحاديث الدَّجَّال؛ قال: "اختلاف ما رُوِي من الأحاديث في مكان ظهور الدَّجَّال، وزمان ظهوره، وهل هو ابن صيّاد أم غيره؟ يشير إلى أن المقصود بالدَّجَّال الرمز إلى الشر، واستعلائه، وصولة جبروته، واستشراء خطره، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطاير أذاه في كثير من الأمكنة، بما يتيسَّر له من وسائل التمكُّن والانتشار والفتنة بعض الوقت، إلى أن تنطفىء جذوته، وتموت جمرته بسلطان الحق، وكلمة الله: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراءِ: ٨١] " (١).
ويقول أيضًا: "أليس الأولى أن يُفْهَم من الدَّجَّال أنّه رمز الشر والبهتان والإِفك ... " إلخ (٢).
ونرد على هذه الأقوال بأن الأحاديث صريحة في أن الدَّجَّال رجل بعينه، وليس هناك ما يدلُّ على أنَّه رمز للخرافات والدَّجَل والباطل، وليس في الروايات اختلاف ولا تعارض، وقد سبق الجمع بينها، فبيَّنت أن أول ما يخرج الدَّجّال من أصبهان من جهة خراسان -وكلها في جهة المشرق-، وبيَّنتُ ما قيل عن ابن صياد هل هو الدَّجَّال أم غيره؟ وذكرتُ أقوال العلماء في ذلك.
وإذا تبيَّنَ لهذا، وأن الروايات ليس فيها اضطراب؛ لا من حيث مكان
стр. 305
خروجه، ولا من حيث زمان ظهوره؛ لم يكن هناك ما يدعو إلى ما ذهبا إليه، لا سيما مع ما جاء من صفاته الّتي نبَّهَت عليها الأحاديث، والتي تدلُّ دون ارتكاب تجوُّز لا داعي له على أنّه شخصٌ حقيقة.
وأيضًا؛ فأبو عبية متناقضٌ في تعليقاته على الأحاديث الواردة في الدَّجّال في كتاب "الفتن والملاحم" لابن كثير؛ فإنَّه يعلَّق على قول النّبيّ ﷺ : "إنّه مكتوبٌ بين عينيه (كافر)؛ يقرؤه مَنْ كره عمله، أو يقرؤه كلّ مؤمن". وقوله: "تعلَّموا أنّه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتّى يموت".
يقول أبو عبية: "وهذا يقرِّر كذب الدَّجّال في دعواه الرُّبوبية قبَّحَهُ الله، وأتمَّ عليه غضبه ولعنه" (١).
فهو هنا يرى أن الدَّجَّال إنسان حقيقة، يَدَّعي الرُّبوبية، ويدعو عليه بالغضب واللعنة، وفي موضع آخر ينفي أن يكون هناك دجّال على الحقيقة، و إنّما هو رمزٌ للشَّرِّ والفتنة!!
ولا شك أن هذا تناقضٌ واضحٌ منه.
وأرجو أن لا ينطبق على هؤلاء المنكرين لظهور الدَّجّال قوله ﷺ : "إنّه سيكون من بعدكم قومٌ يكذِّبون بالرجم، وبالدَّجّال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النّار بعد ما امتحشوا" (٢).
وسيأتي في الكلام على خوارق الدَّجَّال، والأمر بالتعوُّذ من فتنته،
стр. 306
والإِخبار عن هلاكه، ما يدلُّ دِلالة قاطعة على أنّه شخصٌ بعينه.
* خوارق الدَّجّال أمورٌ حقيقة:
مضى ذكر بعض الخوارق الّتي تكون مع الدَّجّال في الكلام على فتنته، ولهذه الخوارق حقيقية، وليست بخيالات وتمويهات؛ كما ادَّعى ذلك بعض العلماء:
فقد نقل ابن كثير عن ابن حزم والطحاوي أنّهما يقولان بأن ما مع الدجَّال ليس له حقيقة.
وكذلك نقل عن أبي عليٍّ الجبائي (١) شيخ المعتزلة قوله: "لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يُشبَّه خارق الساحر بخارق النّبيّ" (٢).
ثمَّ جاء من بعدهم الشّيخ رشيد رضا، فأنكر أن يكون مع الدَّجّال خوارق، وزعم أن ذلك مخالفٌ لسنن الله تعالى في خلقه، فقال في الكلام على أحاديث الدَّجَّال: "ما ذُكِرَ فيها من الخوارق تضاهي أكبر الآيات الّتي أيَّد الله بها أولي العزم من المرسلين، أو تفوقها، وتعدُّ شبهة عليها؛ كما قال بعض علماء الكلام، وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم، ومن المعلوم أن الله ما آتاهُم هذه الآيات إِلَّا لهداية خلقه الّتي هي مقتضى سبق رحمته لغضبه، فكيف يؤتى الدَّجّال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟! فإن من تلك الروايات أنّه يظهر على الأرض كلها في أربعين يومًا
стр. 307
إِلَّا مكّة والمدينة" ...
إلى أن قال: "إن ما عُزِيَ إليه من الخوارق مخالفٌ لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصموص القرآن القطعية أنّه لا تبديل لسنَّته تعالى ولا تحويل، ولهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها" (١).
واستشهد على تعارُض أحاديث الدَّجّال بأنّه ورد في بعض الروايات -كما سبق- أن معه جبال الخبز وأنّهار الماء والعسل، وأن معه جنة ونارًا ... إلى غير ذلك، ولهذا يتعارض مع الحديث الّذي في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة؛ قال: ما سأل أحدٌ النبيَّ ﷺ عن الدَّجّال ما سألتُه، وإنه قال لي: "ما يضرُّك منه؟ قلتُ: لأنّهم يقولون إن معه جبلُ خبزٍ، ونهرُ ماء. قال: بل هو أهون على الله من ذلك" (٢).
وممَّن أنكر خوارق الدجِّال أبو عبية، فقد قال في تعليقه على الأحاديث الواردة في ذلك: "هل يقف أمام هذه الفتنة العظيمة الكثرة الكاثرة من النَّاس؟! يميت ثمَّ يحيي على ملأ ومسمع من البشر، ثمَّ يكب الله العباد في جهنَّم لأنّهم افتتنوا به!! إن الله ألطف بعباده وأرحم لهم من أن يسلِّط عليهم مثل هذا البلاء، الّذي لا يستطيع الوقوف له إِلَّا مَنْ رُزِقَ حظًّا غير محدود من ثبات الإِيمان وقوَّة العقيدة، وإن الدَّجَّال -أي
стр. 308
دجال - أهون على الله من أن يسلِّطه على خلقه، ويمدَّه بهذه الأسلحة الخطيرة الفتاكة المزلزِلة للعقيدة وللدين في قلوب أكثر العالمين" (١).
والرد على هؤلاء يتلخَّص في الآتي:
١ - أن الأحاديث الواردة في ذكر خوارق الدَّجَّال ثابتة وصحيحة، لا يجوز ردُّها أو تأويلها؛ لما ذُكر من شبه، وليس فيها اضطراب، ولا بينها تعارُض.
وما استشهد به رشيد رضا من أن حديث المغيرة الّذي في الصحيحين يعارض أحاديث الدَّجَّال، فيجاب عنه بأن معنى قول النّبيّ ﷺ : "هو أهون على الله من ذلك"؛ أي: أهون من أن يجعل ما يخلقه على يدي الدَّجّال من الخوارق مضلًّا للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوب المؤمنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويرتاب الّذي في قلوبهم مرضٌ، فهو مثل قول الّذي يقتله الدَّجَّال: "ما كنتُ أشدَّ بصيرةً مني فيك اليوم"، وليس المراد من قوله: "هو أهون على الله من ذلك" أنّه ليس شيءٌ من ذلك معه، بل المراد أهون من أن يجعلَ شيئًا من ذلك آية على صدقه، ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة تدلُّ على كذبه وكفره، يقرؤها كلّ مسلم كاتب وغير كاتب، زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه (٢)؛ كما مر في الكلام على صفته.
٢ - لو سلمنا أن الحديث على ظاهره؛ فيكون قول النّبيّ ﷺ له ذلك
стр. 309
قبل أن ينزل على النّبيّ ﷺ بيان ما معه من الخوارق؛ بدليل قول المغيرة للنبي- ﷺ : "يقولون: إن معه ... "، ولم يقل للنبي- ﷺ : إنك قلت فيه كذا وكذا. ثمَّ جاء الوحي بعد ذلك ببيان ما يكون مع الدَّجَّال من الخوارق والآيات، فلا منافاة بين حديث المغيرة وأحاديث الدَّجَّال.
٣ - إن خوارق الدَّجّال حقيقية، وليست بخيالات ولا تمويهات، وهذه الخوارق من الأمور الّتي أقدره الله عليها فتنةً وابتلاءً للعباد، والدَّجَّال لا يمكن أن يشتبه حاله بحال الأنبياء؛ لأنّه لم يثبت أنّه يدعي النبوَّة حال ظهور الخوارق على يديه، بل يكون ظهور الخوارق عند ادِّعائه الرُّبوبية (١).
٤ - إن استبعاد رشيد رضا لما رُوي من أن الدَّجَّال يظهر على الأرض كلها في أربعين يومًا؛ إِلَّا مكّة والمدينة: ليس عليه دليل، بل جاء الدّليل بخلافه؛ فإنَّه ورد في رواية مسلم أن بعض أيّام الدَّجَّال يكون قدر سنة، وبعضها قدر شهر، وبعضها قدر أسبوع ... كما سبق ذكر ذلك (٢).
٥ - أن ما يُعْطاهُ الدَّجَّال من الخوارق ليس فيه مخالفة لسنن الله الكونية؛ فإننا لو أجرينا كلام رشيد رضا على ظاهره لأبطلنا معجزات الأنبياء؛ لأنّها مخالفة لسنن الله الكونية، وما يُقال في خوارق الأنبياء وأنّها ليست مخالفة لسنن الله تعالى يقال في الخوارق الّتي يُعطاها الدَّجَّال على سبيل الفتنة والامتحان والابتلاء.
٦ - لو سلَّمنا أن خوارق الدَّجَّال مخالفة لسنن الله الكونية؛ فإننا
стр. 310
نقول: إن زمن الدَّجَّال تنخرق فيه العادات، وتحدث أمور عظيمة مؤذِنة بخراب العالم وزوال الدُّنيا وقرب السّاعة، وإذا كان خروجه في زمن فتنة أرادها الله؛ فلا يُقال: إن الله ألطف بعباده أن يفتنهم بخوارقه، فهو اللطيف الخبير، ولكن اقتضت حكمته أن يبتلي العباد به، وقد أنذرهم وحذَّرهم منه.
وبعد هذا؛ فأرى من المناسب هنا أن أنقل طائفة من كلام العلماء الأعلام في إثبات خوارق الدَّجَّال، وأنّها حقيقة جعلها الله فتنة وامتحانًا للعباد:
قال القاضي عياض ﵀: " هذه الأحاديث الّتي ذكرها مسلمٌ وغيرُه في قصَّة الدَّجّال حجَّة لمذهب أهل الحق في صحَّة وجوده، وأنّه شخصٌ بعينه، ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميِّت الّذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السَّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنتب، فيقع كلّ ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثمَّ يُعجِزُه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرَّجل ولا غيره، ويُبْطِل أمره، ويقتله عيسى ﷺ ، ويثبِّت الله الذين آمنوا.
هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدِّثين والفقهاء والنُظار؛ خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهميَّة وبعض المعتزلة ... وغيرهم في أنّه صحيح الوجود، ولكن الّذي يدَّعى مخاوف وخيالات لا حقائق لها، وزعمو أنّه لو كان حقًّا؛ لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
стр. 311
وهذا غلطٌ من جميعهم؛ لأنّه لم يدَّع النبوَّة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنّما يدَّعي الإِلهيَّة، وهو في نفس دعواه مكذِّبٌ لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الّذي في عينيه، وعن إزالة الشّاهد بكفره المكتوب بين عينيه.
ولهذه الدَّلائل وغيرها لا يغترُّ به إِلَّا رعاع من النَّاس؛ لسد الحاجة والفاقة؛ رغبة في سد الرمق، أو تقيَّة، أو خوفًا من أذاه؛ لأنّه فتنة عظيمة؛ تدهش العقول، وتحيِّر الألباب، مع سرعة مروره في الأرض، فلا يمكث بحيث يتأمَّل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدِّقه من صدَّقه في هذه الحالة.
ولهذا حذَّرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنتّه، ونبَّهوا على نقصه ودلائل إبطاله.
وأمّا أهل التوفيق؛ فلا يغترُّون به، ولا يُخْدَعون لما معه؛ لما ذكرناه من الدَّلائل المكذِّبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول له الّذي يقتله ثمَّ يحييه: ما ازددت فيك إِلَّا بصيرة" (١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: "إن الدّجَّال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهَدَة في زمانه كما تقدّم أن من استجاب له يأمر السَّماء فتمطرهم، والأرض فتنبت لهم زرعًا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، وترجع إليهم مواشيهم سمانًا لبنًا، ومن لا يستجيب له، ويرد عليه أمره؛ تصيبهم السَّنَة والجَدْب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال
стр. 312
والأنفس والثمرات، وأنّه يتبعه كنوز كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثمَّ يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة، بل له حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزّمان، فيضلُّ به كثيرًا، ويهدي به كثيرًا؛ يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا" (١).
وقال الحافظ ابن حجر: "وفي الدَّجَّال مع ذلك دلالة بيِّنة لمن عقل على كذبه؛ لأنّه ذو أجزاء مؤلَّفة، وتأثير الصنعة فيه ظاهر مع ظهور الآفة به من عَور عينيه، فإذا دعا النَّاس إلى أنّه ربهم: فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنّه لم يكن لِيُسَوِّي خلق غيره ويَعْدِله ويُحْسِنه ولا يدفع النقص عن نفسه، فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنّه خالق السَّماء والأرض! صوِّر نفسك وعدِّلْها وأزل عنها العاهة، فإن زعمتَ أن الرَّبَّ لا يُحدث في نفسه شيئًا؛ فأزل ما هو مكتوب بين عينيك" (٢).
وقال ابن العربي (٣): "الّذي يظهر على يد الدَّجَّال من الآيات؛ من إنزال المطر والخصب على مَنْ يصدقه، والجدب على مَنْ يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنَّة ونار ومياه تجري؛ كلّ ذلك محنة من الله، واختبار؛ ليهلك المرتاب، وينجو المتيقَن، وذلك كله أمر مخوفٌ، ولهذا
стр. 313
قال ﷺ : لا فتنة أعظم من فتنة الدَّجَّال" (١).
* الوقاية من فتنة الدَّجَّال:
أرشد النّبيّ ﷺ أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدَّجَّال، فقد ترك أمَّته على المحجَّة البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إِلَّا هالك، فلم يدع ﷺ خيرًا إِلَّا دلَّ أمَّته عليه، ولا شرًّا إِلَّا حذَّرها منه، ومن جملة ما حذَّر منه فتنة المسيح الدَّجَّال؛ لأنّها أعظم فتنة تواجهها الأمة إلى قيام السّاعة، وكان كلّ نبيٍّ ينذر أمته الأعور الدَّجَّال، واختص محمَّدٌ ﷺ بزيادة التَّحذير والإِنذار، وقد بيَّن الله له كثيرًا من صفات الدَّجَّال؛ ليحذر أمته؛ فإنَّه خارجُ في هذه الأمة لا محالة؛ لأنّها آخر الأمم، ومحمَّدٌ ﷺ خاتم النبيِّين.
وهذه بعض الإِرشادات النبويَّة الّتي أرشد إليها المصطفى ﷺ وأمته؛ لتنجو من هذه الفتنة العظيمة الّتي نسأل الله العظيم أن يعافينا ويعيذنا منها:
١ - التمسُّك بالإِسلام، والتسلّح بسلاح الإِيمان، ومعرفة أسماء الله وصفاته الحسنى الّتي لا يشاركه فيها أحدٌ، فيعلم أنَّ الدَّجَّال بشرٌ يأكل ويشرب، وأن الله تعالى منزَّه عن ذلك، وأن الدَّجَّال أعور، والله ليس بأعور، وأنّه لا أحد يرى ربه حتّى يموت، والدَّجَّال يراه النَّاس عند خروجه؛ مؤمنهم وكافرهم.
٢ - التعوُّذ من فتنة الدَّجَّال، وخاصة في الصّلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة:
стр. 314
فمنها ما رواه الشيحان والنسائيُّ عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ : "أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصّلاة: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدَّجَّال ... الحديث" (١).
وروى البخاريّ عن مُصْعَب (٢)؛ قال: كان سعدٌ يأمر بخمس ويذكرهنَّ عن النّبيّ ﷺ أنّه كان يأمر بهن ... (منها:) "وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا (يعني: فتنة الدَّجَّال) " (٣).
"وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارة إلى أن فتنة الدَّجَّال أعظم الفتن الواقعة في الدُّنيا" (٤).
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تشهَّد أحدُكُم؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذاب جهنَّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدَّجَّال" (٥).
стр. 315
وكان الإِمام طاوس (١) يأمر ابنه بإعادة الصّلاة إذا لم يقرأ بهذا الدُّعاء في صلاته (٢).
وهذا دليلٌ على حرص السلف على تعليم أبنائهم لهذا الدُّعاء العظيم.
قال السفاريني: "ممّا ينبغي لكل عالم أن يبثَّ أحاديث الدَّجَّال بين الأولاد والنساء والرجال ... وقد ورد أن من علامات خروجه نسيان ذكره على المنابر (٣) ".
إلى أن قال: "ولا سيما في زماننا هذا الّذي اشرأبَّت فيه الفتن، وكَثُرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن، وصارت السنن فيه كالبدع، والبدعة شرعٌ يُتَّبع، ولا حول ولا قوَّة إِلَّا بالله العلّي العظيم" (٤).
стр. 316
٣ - حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النّبيّ ﷺ بقراءة فواتح سورة الكهف على الدَّجَّال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما رواه مسلم من حديث النوَّاس بن سمعان الطويل ... (وفيه قوله ﷺ :) "من أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف" (١).
وروى مسلم أيضًا عن أبي الدرداء ﵁ أن النّبيّ ﷺ قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف؛ عُصِمَ من الدَّجال"؛ أي: من فتنته.
قال مسلم: "قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف" (٢).
قال النوويّ: "سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمَن تدبَّرَها؛ لم يفتتن بالدَّجَّال، وكذلك آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ [الكهف: ١٠٢] " (٣).
وهذا من خصوصيات سورة الكهف، فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها، وخاصة في يوم الجمعة.
стр. 317
روى الحاكم عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أن النّبيّ ﷺ قال: "إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة؛ أضاء له من النور ما بين الجمعتين" (١).
ولا شكَّ أن سورة الكهف لها شأنٌ عظيمٌ، ففيها من الآيات الباهرات؛ كقصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وبناءه للسدِّ العظيم حائلًا دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصُّور، وبيان الأخسرين أعمالًا وهم الذين يحسبون أنّهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى.
فينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة، وحفظها، وترديدها، وخاصة في خير يوم طلعت عليه الشّمس، وهو يوم الجمعة.
٤ - الفرار من الدَّجَّال، والابتعاد منه، والأفضل سكنى مكّة والمدينة، فقد سبق أن الدَّجَّال لا يدخل الحرمين، فينبغي للمسلم إذا خرج الدَّجّال أن يبتعد منه، وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة الّتي يجريها الله على يديه فتنة للناس؛ فإنّه يأتيه الرَّجل وهو يظن في نفسه الإِيمان والثبات، فيتبع الدَّجَّال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين.
стр. 318
روى الإِمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي الدَّهماء (١)؛ قال: سمعتُ عمران بن حُصين يحدِّث، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع بالدَّجَّال؛ فلينأَ عنه، فوالله إن الرَّجل ليأتيه وهو يحسب أنّه مؤمن، فيتبعه ممّا يبعث به من الشُّبهات، أو لما يبعث به من الشبهات" (٢).
* ذكر الدَّجَّال في القرآن:
تساءل العلماء عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدَّجَّال في القرآن مع عظم فتنته، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة من فتنته في الصّلاة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة، منها:
١ - أنّه مذكورٌ ضمن الآيات الّتي ذُكِرَت في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
وهذه الآيات هي: الدَّجَّال، وطلوع الشّمس من مغربها، والدَّابة، وهي المذكورة في تفسير هذه الآية.
стр. 319
فقد روى مسلمٌ والترمذي عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث إذا خرجْنَ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنت من قبلُ أوكسبت في إيمانِها خيرًا: طلوع الشّمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض" (١).
٢ - أن القرآن ذكر نزول عيسى ﵇، وعيسى هو الّذي يقتل الدَّجَّال، فاكتفى بذكر مسيح الهُدى عن ذكر مسيح الضَّلالة، وعادة العرب أنّها تكتفي بذكر أحد الضدين دون الآخر.
٣ - أنّه مذكورٌ في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وإن المقصود بالناس هنا الدَّجَّال؛ من إطلاق الكل على البعض.
قال أبو العالية (٢): "أيَ أعظم من خلق الدَّجَّال حين عظمته اليهود" (٣).
قال ابن حجر: "وهذا -إن ثبت- أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفَّل النّبيّ ﷺ ببيانه، والعلّم عند الله" (٤).
стр. 320
٤ - أن القرآن لم يذكر الدَّجَّال احتقارًا لشأنّه؛ لأنّه يدَّعي الرُّبوبية وهو بشرٌ ينافي حاله جلال الرَّبَّ وعظمته وكماله وكبرياءه وتنزُّهه عن النقص، فلذلك كان أمره عند الله أحقر وأصغر من أن يُذْكَرَ، ومع هذا حذَّرت الأنبياء منه، وبيَّنت خطره وفتنته، كما سبق أن كلّ نبيٍّ أنذر أمته منه، وحذَّرها من فتنته.
فإن اعتُرِض بأن القرآن ذكر فرعون وهو قد ادَّعى الرُّبوبية والألوهيَّة، فيقال: إن أمر فرعون انقضى وانتهى، وذُكِر عبرة للناس وعظمة، وأمّا أمر الدَّجَّال؛ فسيحدث في آخر الزّمان، فتُرِك ذكره امتحانًا به، مع أن ادِّعاءه الرُّبوبية أظهر من أن يُنَبَّهَ على بطلانه؛ لأنَّ الدَّجَّال ظاهر النقص، واضح الذَّم، أحقر وأصغر من المقام الّذي يدَّعيه، فترك الله ذكره؛ لما يعلم تعالى من عباده المؤمنين؛ أن مثل هذا لا يخيفهم ولا يزيدهم إِلَّا إيمانًا وتسليمًا لله ورسوله؛ كما يقول الشاب الّذي يقتله الدَّجَّال ويجيبه: "والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم" (١).
وقد يُترَك ذكرُ الشيء لوضوحه؛ كما ترك النّبيّ ﷺ في مرض موته أن يكتب كتابًا بخلافة الصدِّيق ﵁ لوضوحه، وذلك لعظم قدر أبي بكر عند الصّحابة ﵃، ولذلك قال النّبيّ ﷺ : "يأبى الله والمؤمنون إِلَّا أبا بكر" (٢).