← Акыда

Акыда · id 182

أشراط الساعة - الوابل

يوسف الوابل

Полный текст (432 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٣ - حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النّبيّ ﷺ بقراءة فواتح سورة الكهف على الدَّجَّال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها. ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما رواه مسلم من حديث النوَّاس بن سمعان الطويل ... (وفيه قوله ﷺ :) "من أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف" (١). وروى مسلم أيضًا عن أبي الدرداء ﵁ أن النّبيّ ﷺ قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف؛ عُصِمَ من الدَّجال"؛ أي: من فتنته. قال مسلم: "قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف" (٢). قال النوويّ: "سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمَن تدبَّرَها؛ لم يفتتن بالدَّجَّال، وكذلك آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ [الكهف: ١٠٢] " (٣). وهذا من خصوصيات سورة الكهف، فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها، وخاصة في يوم الجمعة.

стр. 317

روى الحاكم عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أن النّبيّ ﷺ قال: "إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة؛ أضاء له من النور ما بين الجمعتين" (١). ولا شكَّ أن سورة الكهف لها شأنٌ عظيمٌ، ففيها من الآيات الباهرات؛ كقصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وبناءه للسدِّ العظيم حائلًا دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصُّور، وبيان الأخسرين أعمالًا وهم الذين يحسبون أنّهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى. فينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة، وحفظها، وترديدها، وخاصة في خير يوم طلعت عليه الشّمس، وهو يوم الجمعة. ٤ - الفرار من الدَّجَّال، والابتعاد منه، والأفضل سكنى مكّة والمدينة، فقد سبق أن الدَّجَّال لا يدخل الحرمين، فينبغي للمسلم إذا خرج الدَّجّال أن يبتعد منه، وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة الّتي يجريها الله على يديه فتنة للناس؛ فإنّه يأتيه الرَّجل وهو يظن في نفسه الإِيمان والثبات، فيتبع الدَّجَّال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين.

стр. 318

روى الإِمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي الدَّهماء (١)؛ قال: سمعتُ عمران بن حُصين يحدِّث، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع بالدَّجَّال؛ فلينأَ عنه، فوالله إن الرَّجل ليأتيه وهو يحسب أنّه مؤمن، فيتبعه ممّا يبعث به من الشُّبهات، أو لما يبعث به من الشبهات" (٢). * ذكر الدَّجَّال في القرآن: تساءل العلماء عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدَّجَّال في القرآن مع عظم فتنته، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة من فتنته في الصّلاة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة، منها: ١ - أنّه مذكورٌ ضمن الآيات الّتي ذُكِرَت في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وهذه الآيات هي: الدَّجَّال، وطلوع الشّمس من مغربها، والدَّابة، وهي المذكورة في تفسير هذه الآية.

стр. 319

فقد روى مسلمٌ والترمذي عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث إذا خرجْنَ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنت من قبلُ أوكسبت في إيمانِها خيرًا: طلوع الشّمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض" (١). ٢ - أن القرآن ذكر نزول عيسى ﵇، وعيسى هو الّذي يقتل الدَّجَّال، فاكتفى بذكر مسيح الهُدى عن ذكر مسيح الضَّلالة، وعادة العرب أنّها تكتفي بذكر أحد الضدين دون الآخر. ٣ - أنّه مذكورٌ في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وإن المقصود بالناس هنا الدَّجَّال؛ من إطلاق الكل على البعض. قال أبو العالية (٢): "أيَ أعظم من خلق الدَّجَّال حين عظمته اليهود" (٣). قال ابن حجر: "وهذا -إن ثبت- أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفَّل النّبيّ ﷺ ببيانه، والعلّم عند الله" (٤).

стр. 320

٤ - أن القرآن لم يذكر الدَّجَّال احتقارًا لشأنّه؛ لأنّه يدَّعي الرُّبوبية وهو بشرٌ ينافي حاله جلال الرَّبَّ وعظمته وكماله وكبرياءه وتنزُّهه عن النقص، فلذلك كان أمره عند الله أحقر وأصغر من أن يُذْكَرَ، ومع هذا حذَّرت الأنبياء منه، وبيَّنت خطره وفتنته، كما سبق أن كلّ نبيٍّ أنذر أمته منه، وحذَّرها من فتنته. فإن اعتُرِض بأن القرآن ذكر فرعون وهو قد ادَّعى الرُّبوبية والألوهيَّة، فيقال: إن أمر فرعون انقضى وانتهى، وذُكِر عبرة للناس وعظمة، وأمّا أمر الدَّجَّال؛ فسيحدث في آخر الزّمان، فتُرِك ذكره امتحانًا به، مع أن ادِّعاءه الرُّبوبية أظهر من أن يُنَبَّهَ على بطلانه؛ لأنَّ الدَّجَّال ظاهر النقص، واضح الذَّم، أحقر وأصغر من المقام الّذي يدَّعيه، فترك الله ذكره؛ لما يعلم تعالى من عباده المؤمنين؛ أن مثل هذا لا يخيفهم ولا يزيدهم إِلَّا إيمانًا وتسليمًا لله ورسوله؛ كما يقول الشاب الّذي يقتله الدَّجَّال ويجيبه: "والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم" (١). وقد يُترَك ذكرُ الشيء لوضوحه؛ كما ترك النّبيّ ﷺ في مرض موته أن يكتب كتابًا بخلافة الصدِّيق ﵁ لوضوحه، وذلك لعظم قدر أبي بكر عند الصّحابة ﵃، ولذلك قال النّبيّ ﷺ : "يأبى الله والمؤمنون إِلَّا أبا بكر" (٢).

стр. 321

وذكر ابن حجر ﵀ أن السؤال عن عدم ذكر الدَّجَّال في القرآن لا يزال واردًا؛ لأنَّ الله تعالى ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن، وفتنتهم قريبة من فتنة الدَّجَّال (١). هذا؛ ولعلّ الجواب الأوّل هو الأقرب، والله أعلم، فيكون الدَّجَّال قد ذُكِرَ ضمن بعض الآيات، ويكون النّبيّ ﷺ تكفَّل ببيان ذلك المجمل. * هلاك الدَّجَّال: يكون هلاك الدَّجَّال على يدي المسيح عيسى بن مريم ﵇؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وذلك أنَّ الدَّجَّال يظهر على الأرض كلِّها إِلَّا مكّة والمدينة، ويكثر أتباعه، وتعمُّ فتنتّه، ولا ينجو منها إِلَّا قلَّة من المؤمنين، وعند ذلك ينزل عيسى بن مريم ﵇ على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حولَه عبادُ الله المؤمنون، فيسير بهم قاصدًا المسيح الدَّجَّال، ويكون الدَّجَّال عند نزول عيسى متوجِّهًا نحو بيت المقدس، فيلحق به عيسى عند باب (لد) (٢)، فإذا رآه الدَّجَّال؛ ذاب كما يذوب الملح، فيقول له عيسى ﵇: "إن لي فيك ضربة لن تفوتني"، فيتدراكه عيسى، فيقتله بحربته، وينهزم أتباعه، فيتبعهم المؤمنون، فيقتلونهم، حتّى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديٌ خلفي، تعال فاقتله؛ إِلَّا الغرقد؛ فإنّه من شجر اليهود (٣).

стр. 322

وإليك بعض الأحاديث الواردة في هلاك الدَّجَّال وأتباعه: روى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدَّجَّال في أمَّتي ... (فذكر الحديث، وفيه:) فيبعث الله عيسى بن مريم كأنّه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه" (١). وروى الإِمام أحمد والترمذي عن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁؛ يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يقتل ابنُ مريم الدَّجَّالَ بباب لد" (٢). وروى مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ حديثًا طويلًا عن الدَّجَّال ... (وفيه قصة نزول عيسى وقتله للدَّجَّال، وفيه قوله ﷺ :) "فلا يحلُّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إِلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه، حتّى يدركه بباب لد، فيقتله" (٣). وروى الإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدَّجَّال في خفقة من الدين وإدبار من العلم ... (فذكر الحديث، وفيه:) ثمَّ ينزل عيسى بن مريم، فينادي من السَّحَر، فيقول: أيها النَّاس! ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذَّاب الخبيث.

стр. 323

فيقولون: لهذا رجلٌ جنيٌّ. فينطلقون، فإذا هم بعيسى بن مريم ﷺ ، فتقام الصّلاة، فيُقال له: تقدَّم يا روح الله! فيقول: ليتقدَّم إمامُكُم، فليصلِّ بكم، فإذا صلَّى صلاة الصُّبح؛ خرجوا إليه. قال: فحين يرى الكذاب ينماث (١) كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه، فيقتله، حتّى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهوديٌّ، فلا يَتْرُك ممّن كان يتبعه أحدًا إِلَّا قتله" (٢). وبقتله -لعنه الله- تنتهي فتنته العظيمة، وينجي الله الذين آمنوا من شرِّه وشرِّ أتباعه على يدي روح الله وكلمته عيسى بن مريم ﵇ وأتباعه المؤمنين، ولله الحمد والمنة. * * * * *

стр. 324

الفصل الثّالث: نزول عيسى ﵇ - قبل أن نتحدَّث عن نزول عيسى بن مريم ﵇ يحْسن بنا أن نتعرَّف على صفته الّتي وردت بها النّصوص الشرعية ... * صفة عيسى ﵇ -. صفته الّتي جاءت بها الروايات أنَّه رجلٌ، مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أحمر، جعدٌ، عريض الصدر، سبط الشعر، كأنما خرج من ديماس -أي: حمَّام- له لمة (١) قد رجَّلها تملأ ما بين منكبيه. الأحاديث الواردة في ذلك: منها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليلة أسري بي لقيتُ موسى ... (فنعتَهُ إلى أن قال:) ولقيتُ عيسى ... (فنعته فقال:) ربعةٌ، أحمرُ، كأنما خرج من ديماس (يعني:

стр. 325

الحمام) " (١). وروى البخاريّ عن ابن عبّاس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ عيسى وموسى وإبراهيم، فأمّا عيسى؛ فأحمر جعدٌ عريضُ الصَّدر" (٢). وروى مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيتَني في الحجر وقريشٌ تسألني ... (فذكر الحديث، وفيه:) وإذا عيسى بن مريم ﵇ قائمٌ يصلّي، أقرب النَّاس به شبهًا عروة ابن مسعود الثقفي (٣) ".

стр. 326

وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أراني ليلة عند الكعبة، فرأيت رجلًا آدم (١) كأحسن ما أنت راءٍ من أدم الرجال، له لِمَّةٌ كأحسن ما أنت راء من اللِّمم، قد رجَّلها، فهي تقطر ماء، متَّكئًا على رجلين أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: مَنْ هذا؟ فقيل: هذا المسيح بن مريم" (٢). وفي رواية للبخاري عن ابن عمر؛ قال: "لا والله؛ ما قال النّبيّ ﷺ لعيسى أحمر، ولكن قال: (فذكر تمام الحديث بنحو الرِّواية السابقة) " (٣). وفي رواية لمسلم عنه ﵁؛ قال ﷺ : "فإذا رجُلٌ آدَمُ ... (إلى أن قال:) رَجِلُ الشَّعر" (٤). والجمع بين هذه الروايات من كونه في بعضها أحمر، وبعضها آدم، وما جاء أنّه سبط الشعر، وفي بعضها بأنّه جعد:

стр. 327

إنّه لا منافاة بين الحُمرة والأدْمَة؛ لجواز أن تكون أُدمته صافية (١). وأمّا ما جاء من إنكار ابن عمر لرواية أن عيسى أحمر؛ فهو مخالفٌ لما حفظه غيره، فقد روى أبو هريرة وابن عبّاس ﵄ أنّه ﵇ أحمر اللون. وأمّا كونه في رواية سبط الشعر، وفي أخرى أنّه جعدٌ، والجعد ضد السبط، فيمكن أن يجمع بينهما بأنّه سبط الشعر، وأمّا وصفه بأنّه جعدٌ؛ فالمراد بذلك جعودةٌ في جسمه لا شعره، وهو اجتماع اللّحم واكتنازه (٢). * صفة نزوله ﵇ -: بعد خروج الدَّجَّال، وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى ﵇، فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشّام، وعليه مهرودتان (٣)، واضعًا كفَّيْهِ على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّر منه جمانٌ كاللؤلؤ، ولا يَحِلُّ لكافرٍ يجِدُ ريح نَفَسه إِلَّا مات، ونَفَسَهُ ينتهي حيث ينتهي طرفه. ويكون نزوله على الطائفة المنصورة، الّتي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدَّجَّال، فينزل وقت إقامة الصّلاة، يصلّي خلف أمير

стр. 328

تلك الطائفة. قال ابن كثير: "هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنّه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، وقد رأيت في بعض الكتب أنّه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعلّ هذا هو المحفوظ ... وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى الّتي إلى جانب الجامع الأموي بدمشق من شرقيه، وهذا هو الإنسب والأبيق؛ لأنّه ينزل وقد أُقيمت الصّلاة، فيقول له إمام المسلمين: يا روح الله! تقدَّم. فيقول: تقدَّم أنت؛ فإنّه أُقيمت لك. وفي رواية: بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة (١) " (٢). وذكر ابن كثير أنّه في زمنه سنة إحدى وأربعين وسبع مئة جدَّد المسلمون منارة من حجارة بيض، وكان بناؤها من أموال النصارى الّذي حرقوا المنارة الّتي كانت مكأنّها، ولعلَّ هذا يكون من دلائل النبوَّة الظاهرة، حيث قيَّض الله بناء هذه المنارة من أموال النصارى، لينزل عيسى بن مريم عليها، فيقتل الخنزير، ويكسر الصلّيب، ولا يقبل منهم جزية، ولكن من أسلم وإلا قُتِل، وكذلك غيرهم من الكفار (٣). ففي حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر خروج الدَّجَّال ثمَّ نزول عيسى ﵇ قال ﷺ : "إذا بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة

стр. 329

ملكين، إذا طأطا رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّرَ منه جُمانٌ كاللؤلؤ، فلا يحلُّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إِلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه -أي: يطلب الدّجَّال- حتّى يدركه بباب لد، فيقتله، ثمَّ يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه، فيمسح وجوههم، ويحدِّثهم بدرجاتهم في الجنَّة" (١). * أدلة نزوله ﵇ -: نزول عيسى ﵇ في آخر الزّمان ثابتٌ في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة المتواترة، وذلك علامة من علامات السّاعة الكبرى. أ - أدلة نزوله من القرآن الكريم: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٥٧ - ٦١]. فهذه الآيات جاءت في الكلام على عيسى ﵇، وجاء في آخرها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ أي: نزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة علامةٌ على قرب السّاعة، ويدلُّ على ذلك القراءة الأخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ بفتح العين واللام؛ "أي: علامة وأمارة على قيام السّاعة، ولهذه القراءة مرويَّة عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما من أئمَّة التفسير" (٢).

стр. 330

وروى الإِمام أحمد بسنده إلى ابن عبّاس ﵄ في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: "هو خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة" (١). وقال الحافظ ابن كثير: "الصّحيح أنّه -أي: الضمير- عائد على عيسى؛ فإن السياق في ذكره" (٢). واستبعد أن يكون معنى الآية: ما بُعِثَ به عيسى ﵇ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من ذوي الأسقام. وأبعدُ من ذلك ما رُوِيَ عن بعض العلماء أن الضَّمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائدٌ على القرآن الكريم (٣). ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النِّساء: ١٥٧ - ١٥٩]. فهذه الآيات؛ كما أنّها تدلًّ على أن اليهود لم يقتلوا عيسى ﵇، ولم يصلبوه، بل رفعه الله إلى السَّماء؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].

стр. 331

فإنها تدلُّ على أنَّ من أهل الكتاب مَنْ سيؤمن بعيسى ﵇ آخر الزّمان، وذلك عند نزوله (١) وقبل موته؛ كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة الصحيحة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه لسؤال وُجِّهَ إليه عن وفاة عيسى ورفعه: "الحمد لله، عيسى ﵇ حىٌّ، وقد ثبت في الصَّحيح عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا، فيكسر الصلّيب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية" (٢)، وثبت في الصّحيح عنه أنّه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنّه يقتل الدَّجَّال، ومَن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السَّماء، وإذا أُحيي؛ فإنّه يقوم من قبره. وأمّا قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فهذا دليلٌ على أنّه لم يعنِ بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت؛ لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السَّماء، فعُلِم أن ليس في ذلك خاصِّيَّة، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو غيره من الأنبياء. وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ

стр. 332

﴿لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، فقوله هنا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ يُبَيِّنُ أنّه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في الصّحيح أنّه ينزل ببدنه وروحه، إذ لو أُريد موته؛ لقال: وما قتلوه وما صلبوه، بل مات ... ولهذا قال مَنْ قال من العلماء: إنِّي متوفِّيك؛ أي: قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك؛ يقال: توفيت الحساب واستوفيته. ولفظ (التَّوَفِّي) لا يقتضي نفسه توفي الرُّوح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا؛ إِلَّا بقرينة منفصلة. وقد يُراد به توفِّي النوم؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] (١). وليس الكلام في هذا البحث عن رفع عيسى ﵇، وإنّما جاء ذكر ذلك لبيان أنّه رُفَع ببدنه وروحه، وأنّه حيٌّ الآن في السَّماء، وسينزل في آخر الزّمان، ويؤمن به من كان موجودًا من أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال ابن جرير: "حدّثنا ابن بشار؛ قال: حدّثنا سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ

стр. 333

قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: قبل موت عيسى بن مريم" (١). قال ابن كثير: "وهذا إسنادٌ صحيحٌ" (٢). ثمَّ قال ابن جرير بعد سياقه للأقوال في معنى هذه الآية: "وأولى الأقوال بالصحة قول مَنْ قال: تأويل ذلك: وان من أهل الكتاب إِلَّا ليؤمِنَنَّ بعيسى قبل موت عيسى" (٣). وروى بسنده عن الحسن البصري أنّه قال: "قبل موت عيسى، والله إنّه الآن حيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون" (٤). وقال ابن كثير: "ولا شك أن هذا الّذي قاله ابن جرير هو الصّحيح؛ لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادَّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم مَنْ سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنّما شُبَّهَ لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبيَّنون ذلك، ثمَّ إنّه رُفع إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث المتواترة" (٥). وذَكَرَ أنّه روي عن ابن عبّاس وغيره أنّه أعاد الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على أهل الكتاب، وقال: "إن ذلك لو صح لما كان منافيًا لهذا،

стр. 334

ولكن الصّحيح في المعنى والإِسناد ما ذكرناه" (١). ب - أدلة نزوله من السنَّة المطهَّرة: الأدلَّة من السنة على نزول عيسى ﵇ كثيرةٌ ومتواترةٌ، سبق ذكر بعضها، وسأذكر هنا بعضًا منها خشية الإِطالة: ١ - فمنها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ ليوشكَنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصلّيب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحدٌ، حتّى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدُّنيا وما فيها". ثمَّ يقول أبو هريرة: "واقرؤوا إن شئتُم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ " (٢). ولهذا تفسيرٌ من أبي هريرة ﵁ لهذه الآية بأن المراد بها أن مِن أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى ﵇ قبل موته، وذلك عند نزوله آخر الزّمان؛ كما سبق بيانه. ٢ - وروى الشيخان أيضًا عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "كيفَ أنتُم إذا أنزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟! " (٣).

стр. 335

٣ - وروى مسلم عن جابر ﵁؛ قال: سمعتُ النّبيّ ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة؛ قال: فينزل عيسى بن مريم ﷺ ، فيقول أميرُهم: صلِّ لنا. فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة" (١). ٤ - وتقدَّم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى، وفيه: "ونزول عيسى بن مريم ﷺ " (٢) ٥ - وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة أن النّبيّ ﷺ قال: "الأنبياء إخوة لعَلَاّت، أمهاتهم شتَى ودينهم واحد، وإني أولى النَّاس بعيسى بن مريم؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيٌ؛ لأنّه نازلٌ، فإذا رأيتُموه؛ فاعرفوه" (٣). * الأحاديث في نزول عيسى ﵇ متواترة: ذكرتُ فيما سبق بعض الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه

стр. 336

السّلام، ولم أذكر جميع الأحاديث الوارده في نزوله؛ خشية أن يطول البحث، وقد جاءت هذه الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد وغيره من دواوين السنة، وهي تدلُّ دلالة صريحة على ثبوت نزول عيسى ﵇ في آخر الزّمان، ولا حجَّة لمَن ردَّها، أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة، أو: إن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين الّتي يجب عليهم أن يؤمنوا بها (١)؛ لأنّه إذا ثبت الحديث، وجب الإِيمان به، وتصديق ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ ، ولا يجوز لنا ردًّ قوله؛ لكونه حديث آحاد؛ لأنَّ هذه حجة واهية، سبق أن عقدتُ فصلًا في أول هذا البحث بيَّنْتُ فيه أن حديث الآحاد إذا صحَّ؛ وجب تصديق ما فيه، وإذا قلنا: إن حديث الآحاد ليس بحجة؛ فإننا نردُّ كثيرًا من أحاديث رسول الله ﷺ ، ويكون ما قاله ﵊ عبثًا لا معنى له، كيف والعلّماء قد نصُّوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى ﵇؟! وسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:

стр. 337

قال ابن جرير الطّبريّ -بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى -: "وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قولُ مَنْ قال: "معنى ذلك: إنِّي قابضك من الأرض، ورافعك إلى"؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنّه قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدَّجَّال" (١). ثمَّ ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله. وقال ابن كثير: "تواترات الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنّه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا" (٢). ثمَّ ذكر أكثر من ثمانية عشر حديثًا في نزوله. وقال صديق حسن: "والأحاديث في نزوله ﵇ كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثًا؛ ما بين صحيح، وحسن، وضعيف منجبر، منها ما هو مذكورٌ في أحاديث الدَّجَّال ... ومنها ما هو مذكورٌ في أحاديث المنتظر، وتنضمّ إلى ذلك أيضًا الآثار الواردة عن الصّحابة، فلها حكم الرفع، إذ لا مجال لاجتهاد في ذلك". ثمَّ ساقها وقال: "جميع ما سقناه بالغ حدَّ التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطِّلاع" (٣). وقال الغُماري (٤): "وقد ثبت القول بنزول عيسى ﵇ عن غير

стр. 338

واحد من الصّحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلّماء من سائر المذاهب على ممر الزّمان إلى وقتنا هذا" (١). وقال: "تواتر هذا تواترًا لا شكَّ فيه، بحيث لا يصحُّ أن ينكره إِلَّا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومَن نحا نحوهم؛ لأنّه نُقِل بطريق جمع عن جمع، حتّى استقرَّ في كتب السنة الّتي وصلت إلينا تواترًا بتلقِّي جيل عن جيل" (٢). وقد ذكر من رواه من الصّحابة، فعد أكثر من خمسة وعشرين صحابيًّا، رواه عنهم أكثر من ثلاثين تابعيًّا، ثمّ رواه تابعو التَّابعين بأكثر من هذا العدد ... وهكذا حتّى أخرجه الأئمة في كتب السنة، ومنها المسانيد؛ كـ "مسند" الطيالسي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والديلمي، ومن أصحاب الصحاح: البخاريّ، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وأبو عوانة، والإِسماعيلي، والضياء المقدسي، وغيرهم، ورواه أصحاب الجوامع، والمصنَّفات، والسنن، والتفسير بالمأثور، والمعاجم، والأجزاء، والغرائب، والمعجزات، والطبقات، والملاحم. وممَّن جمع الأحاديث في نزول عيسى ﵇ الشّيخ محمّد أنور شاه الكشميري (٣) في كتابه "التصريح بما تواتر في نزول المسيح"،

стр. 339

فذكر أكثر من سبعين حديثًا. وقال صاحب "عون المعبود شرح سنن أبي داود": "تواترت الأخبار عن النّبيّ ﷺ في نزول عيسى بن مريم ﷺ من السَّماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب السّاعة، ولهذا هو مذهب أهل السنة" (١). وقال الشّيخ أحمد شاكر: "نزول عيسى ﵇ في آخر الزّمان ممّا لم يختلف فيه المسلمون؛ لورود الأخبار الصحاح عن النّبيّ ﷺ بذلك، وهذا معلومٌ من الدين بالضَّرورة، لا يؤمن من أنكره" (٢). وقال في تعليقه على "مسند الإِمام أحمد": "وقد لعب المجدِّدون أو المجرِّدون في عصرنا الّذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالَّة صراحة على نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزّمان، قبل انقضاء الحياة الدُّنيا، بالتأويل المنطوي على الإِنكار تارة، وبالإِنكار الصريح أخرى! ذلك أنّهم -في حقيقة أمرهم- لا يؤمنون بالغيب، أو لا يكادون يؤمنون، وهي أحاديث متواترة المعنى في مجموعها، يُعْلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة، فلا يجديهم الإِنكار ولا التّأويل" (٣). وقال الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني: "اعلم أن أحاديث الدَّجَّال

стр. 340

ونزول عيسى ﵇ متواترة، يجب الإِيمان بها، ولا تغترً بمن يدَّعي فيها أنّها أحاديث آحاد؛ فإنهم جُهَّال بهذا العلم، وليس فيهم مَنْ تتبَّعَ طرقها، ولو فعل؛ لوجدها متواترة؛ كما شهد بذلك أئمة هذا العلم؛ كالحافظ ابن حجر. ومن المؤسف حقًا أن يتجرَّأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دينٌ وعقيدة" (١). ونزول عيسى ﵇ ذكره طائفة من العلماء في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنّه ينزل لقتل الدَّجَّال قبَّحه الله. قال الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: "أصول السنة عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة". ثمّ ذكر جملةً من عقيدة أهل السنة، ثمّ قال: "والإِيمان أن المسيح الدَّجَّال خارجٌ مكتوبٌ بين عينيه (كافر)، والأحاديث الّتي جاءت فيه، والإِيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد" (٢). وقال أبو الحسن الأشعري (٣) ﵀ في سرده لعقيدة أهل

стр. 341

الحديث والسُّنَّة: "الإِقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردُّون من ذلك شيئًا ... ويصدِّقون بخروج الدَّجَّال، وأن عيسى يقتله". ثمَّ قال في آخر كلامه: "وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب" (١). وقال الطحاوي (٢): "ونؤمن بأشراط السّاعة؛ من خروج الدَّجَّال،

стр. 342

ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السَّماء" (١). وقال القاضي عياض: "نزول عيسى وقتله الدَّجَّالَ حقُّ وصحيحٌ عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشّرع ما يبطله فوجب إثباته" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمسيح ﷺ وعلى سائر النبيين لا بد أن ينزل إلى الأرض ... كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السَّماء الثّانية، مع أنّه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنّه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة، بخلاف غيره، وآدم كان في سماء الدُّنيا؛ لأنّ نسم بنيه تُعْرَض عليه" (٣). * الحكمة في نزول عيسى ﵇ دون غيره: تلمَّس بعض العلماء الحكمة في نزول عيسى ﵇ في آخر الزّمان دون غيره من الأنبياء، ولهم في ذلك عدَّة أقوال: ١ - الردُّ على اليهود في زعمهم أنّهم قتلوا عيسى ﵇ فبيَّن الله تعالى كذبهم، وأنّه الّذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدَّجَّال، كما سبق بيان

стр. 343

دلك في الكلام على قتال اليهود (١). ورجَّحَ الحافظ ابن حجر هذا القول على غيره (٢). ٢ - إن عيسى ﵇ وجد في الإِنجيل فضل أمة محمّد كما في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى﴾ [الفتح: ٢٩]، فدعا اللهَ أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتّى ينزل آخر الزّمان مجدِّدًا لأمر الإسلام. قال الإِمام مالك ﵀: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصّحابة الذين فتحوا الشّام يقولون: والله لهؤلاء خيرٌ من الحواريِّين فيما بلغنا" (٣). وقال ابن كثير: "وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدِّمة والأخبار المتداوَلَة" (٤). وقد ترجم الإِمام الذهبي لعيسى ﵇ في كتابه "تجريد أسماء الصّحابة"، فقال: "عيسى بن مريم ﵇: صحابي، ونبيٌّ؛ فإنّه رأى النبيَّ ﷺ ليلة الإِسراء، وسلَّم عليه، فهو آخر الصّحابة موتًا" (٥). ٣ - إن نزول عيسى ﵇ من السَّماء؛ لِدُنُوِّ أجله، ليُدْفَنَ في الأرض، إذ ليس لمخلوقٍ من التراب أن يموت في غيرها، فيوافق نزوله

стр. 344

خروج الدَّجَّال، فيقتله عيسى ﵇. ٤ - إنّه ينزل مكذِّبًا للنصارى، فيُظْهِر زيفهم في دعواهم الأباطيل، ويُهْلِك الله المللَ كلها في زمنه إِلَّا الإسلام؛ فإنّه يكسر الصلّيب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية. ٥ - إن خصوصيته بهذه الأمور المذكورة لقول النّبيّ ﷺ : "أنا أولى النَّاس بعيسى بن مريم، ليس بيني وبينه نبيٌّ" (١). فرسول الله ﷺ أخص النَّاس به، وأقربهم إليه؛ فإن عيسى بشَّر بأن رسول الله ﷺ يأتي من بعده، ودعا الخلق إلى تصديقه والإِيمان به (٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وفي الحديث: "قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك؟ قال: نعم؛ أنا دعوة أبي إبراهيم بشرى أخي عيسى" (٣).

стр. 345

* بماذا يحكم عيسى ﵇ -؟ يحكم عيسى ﵇ بالشريعة المحمَّدِيَّة، ويكون من أتباع محمَّد ﷺ ، فإنّه لا ينزل بشرع جديد؛ لأنَّ دينَ الإسلام خاتمُ الأديان، وباقٍ إلى قيام السّاعة، لا ينسخ، فيكون عيسى ﵇ حاكمًا من حكام هذه الأمة، ومجدَّدًا لأمر الإسلام، إذ لا نبى بعد محمَّدٍ ﷺ . روى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامُكُم منكم؟! ". فقلتُ (القائل الوليد بن مسلم) (١) لابن أبي ذئب (٢): إن الأوزاعي حدّثنا عن الزّهريُّ عن نافع عن أبي هريرة: "وإمامكم منكم". قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمَّكم منكم؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمَّكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيِّكم ﷺ (٣). وعن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتِلون على الحق، ظاهرين إلى يوم

стр. 346

القيامة". قال: "فينزل عيسى بن مريم ﷺ ، فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة" (١). قال القرطبي: "ذهب قومٌ إلى أنَّه بنزول عيسى ﵇ يرتفع التكليف؛ لئلا يكون رسولًا إلى أهل ذلك الزّمان؛ يأمرهم عن الله تعالى، وهذا (يعني: كونه رسولًا بعد محمّد) أمرٌ مردودٌ بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقوله ﵊: "لا نبىَّ بعدي" (٢)، وقوله: "وأنا العاقب" (٣)؛ يريد آخر الأنبياء وخاتمهم. وإذا كان ذلك؛ فلا يجوز أن يُتوهَّم أن عيسى ينزل نبيًّا بشريعة متجدِّدة غير شريعة محمَّد نبيِّنا ﷺ ، بل إذا نزل؛ فإنّه يكون يومئذٍ من أتباع محمَّد ﷺ ؛ كما أخبر ﷺ ، حيث قال لعمر: "لو كان موسى حيًّا؛ ما وسعه إِلَّا اتباعي" (٤)، فينزل وقد عُلِّم بأمر الله تعالى له في السَّماء قبل أن ينزل ما

стр. 347

يحتاج إليه من علم لهذه الشّريعة للحكم به بين النَّاس، والعمل به في نفسه، فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه، ويحكِّمونه على أنفسهم ... ولأن تعطيل الحكم غير جائز، وأيضًا؛ فإن بقاء الدنيا إنّما يكون بمقتضى التكليف إلى أن لا يقال في الأرض: الله، الله" (١). والذي يدلُّ على بقاء التكليف بعد نزول عيسى ﵇ صلاته مع المسلمين، وحجُّه، وجهاده للكفار. فأمّا صلاته؛ فقد سبق في الأحاديث ذكر ذلك. وكذلك قتاله للكفار وأتباع الدَّجَّال. وأمّا حجه؛ ففي "صحيح مسلم" عن حنظلة الأسلمي؛ قال: سمعتُ أبا هريرة ﵁ يحدِّث عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "والذي نفسي بيده، ليُهِلَّنَّ ابنُ مريم بفجِّ الرَّوحاء (٢) حاجًّا أو معتمرًا، أو ليثنِّيَنَّهما" (٣)؛ أي: يجمع بين الحجِّ والعمرة. وأمّا وضع عيسى للجزية عن الكفار- مع أنّها مشروعة في الإسلام

стр. 348

قبل نزوله ﵇؛ فليس هذا نسخًا لحكم الجزية جاء به عيسى شرعًا جديدًا؛ فإن مشروعية أخذ الجزية مقيَّد بنزول عيسى ﵇ بإخبار نبيّنا محمَّد ﷺ ، فهو المبيِّن للنَّسخ (١) بقوله لنا: "واللهِ لينزلَنَّ ابنُ مريم حكمًا عدلًا، فليكسرَنَّ الصَّليب، وليقتلنَّ الخنزير، وليضَعَنَّ الجزية" (٢). * انتشار الأمن وظهور البركات في عهده ﵇ -: وزمن عيسى ﵇ زمن امن وسلام ورخاء، يرسل الله فيه المطر الغزير، وتخرج الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال، وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد. فقد جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر الدَّجَّال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇ ودعائه عليهم وهلاكهم، وفيه قوله ﷺ : "ثمَّ يرسل الله مطرًا لا يُكِنُّ منه بيتُ مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتّى يتركها كالزلفة (٣)، ثمّ يقال للأرض أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون

стр. 349

بقحفها، ويبارَك في الرِّسل (١)، حتّى إن اللقحة من الإِبل لتكفي الفئام من النَّاس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من النَّاس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من النَّاس" (٢). وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ ﷺ قال: "والأنبياء إخو لعَلَّات (٣)؛ أمهاتهم شتَّى، ودينهم واحد، وأنا أولى النَّاس بعيسى ابن مريم؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ، وإنه نازل ... فيهلك الله في زمانه المسيح الدَّجَّال، وتقع الأمنة على الأرض حتّى ترتع الأسود مع الإِبل، والنِّمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم" (٤). وروى الإِمام مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لينزلَنَّ عيسى بن مريم حكمًا عادلًا ... وليضعَنَّ الجزية، ولتُتْرَكنَّ القِلاص (٥) فلا يُسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض

стр. 350

والتحاسد، وليدعونَّ إلى المال؛ فلا يقبله أحد" (١). قال النوويّ: "ومعناه أن يزهد النَّاس فيها -أي: الإِبل- ولا يرغب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال، وقلَّة الآمال، وعدم الحاجة، والعلّم بقرب القيامة. وإنّما ذُكِرَت القلاص؛ لكونها أشرف الإِبل، الّتي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيهٌ بمعنى قول الله : ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤]، ومعنى: "لا يُسْعَى عليها": لا يُعْتَنى بها" (٢). وذهب القاضي عياض إلى أن المعنى: أي: لا تُطْلَب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها. وأنكر لهذا القول النووي (٣). * مدة بقائه بعد نزوله ثمّ وفاته: وأمّا مدَّة بقاء عيسى ﵇ في الأرض بعد نزوله؛ فقد جاء في بعض الروايات أن يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة. ففي رواية الإِمام مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄: "فيبعث الله عيسى بن مريم ... ثمَّ يمكث النَّاس سبع سنين ليس بين

стр. 351

اثنين عداوة، ثمّ يرسل الله ريحًا باردةً من قِبَلِ الشّام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّة من خيرٍ أو إيمانٍ إِلَّا قبضته" (١). وفي رواية الإِمام أحمد وأبي داود: "فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثمّ يُتَوَفَى، ويصلّي عليه المسلمون" (٢). وكلا هاتين الروايتين صحيحة، ولهذا مشكلٌ؛ إِلَّا أن تُحْمَلَ رواية السير سنين على مدَّة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مُكْثِه في الأرض قبل رفعه إلى السَّماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور (٣). والله أعلم. * * * * *

стр. 352

الفصل الرّابع: يأجوج ومأجوج * أصلهم: قبل الحديث عن خروج يأجوج ومأجوج أرى من المناسب أن نتعرَّف على أصلهم، وماذا يعني لفظ (يأجوج) و (مأجوج)؟ يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، وقيل: عربيان. وعلى هذا يكون اشتقاقهما من أجَّت النّار أجيجًا: إذا التهبت. أو من الأُجاج: وهو الماء الشديد الملوحة، المحرق من ملوحته. وقيل عن الأجّ: وهو سرعة العدو. وقيل: مأجوج من ماج؛ إذا اضطرب. وهما على وزن يفعول في (يأجوج)، ومفعول في (مأجوج)، أو على وزن فاعول فيهما. هذا إذا كان الاسمان عرببين، أمّا إذا كانا أعجميَّين؛ فليس لهما اشتقاق؛ لأنّ الأعجميَّة لا تُشْتَقُّ من العربيّة. وقرأ الجمهور ﴿يَأْجُوجَ﴾ و ﴿مَأْجُوجَ﴾؛ بدون همز، فتكون الألفان زائدتين، وأصلهما (يجج)، و (مجج)، وأمّا قراءة عاصم؛ فهي الهمزة

стр. 353

الساكنة فيهما. وكل ما ذُكِرَ في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من (ماج) بمعنى اضطرب قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وذلك عند خروجهم من السد (١). وأصل يأجوج ومأجوج من البشر، من ذرية آدم وحواء ﵉. وقد قال بعض العلماء: إنهم من ذرِّية آدم لا من حواء (٢)، وذلك أن آدم احتلم، فاختلط منيُّه بالتراب، فخلق الله من ذلك يأجوج ومأجوج. وهذا ممّا لا دليل عليه، ولم يردّ عمَّن يجب قبول قوله (٣). قال ابن حجر: "ولم نر لهذا عند أحدٍ من السلف؛ إِلَّا عن كعب الأحبار، ويردّه الحديث المرفوع: أنّهم من ذريَّة نوح، ونوحٌ من ذُرِّيَّة حواء قطعًا" (٤). ويأجوج ومأجوج من ذريَّة يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح ﵇ (٥).

стр. 354

والذي يدلُّ على أنّهم من ذرِّيَّة آدم ﵇ ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد الخُدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبَّيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول: أخرج بعث النّار. قال: وما بعث النّار؟ قال: من كلّ ألف تسع مئه وتسعة وتسعين. فعنده يشيب الصغير، وتضع كلُّ ذات حمل حملها، وترى النَّاس سُكارى وما هُم بسكارى، ولكنَّ عذاب الله شديد". قالوا: وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: "أبشروا؛ فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف" (١). وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ : "أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وأنّهم لو أُرْسِلوا إلى النَّاس؛ لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحدٌ؛ إِلَّا ترك من ذرِّيَّتِه ألفًا فصاعدًا" (٢).

стр. 355

* صفتُهُم: أمّا صفتهم الّتي جاءت بها الأحاديث؛ فهي أنّهم يُشْبِهون أبناء جنسهم من التُرك الغتم (١) المغول، صغار العيون، ذلف الأنوف، صهب الشعور، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة، على أشكال الترك وألوانهم (٢). روى الإِمام أحمد عن ابن حرملة عن خالته؛ قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصبٌ أصبعه من لدغة عقرب، فقال: "إنكم تقولون: لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًّا حتّى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، شُهب الشعاف (٣)، من كلّ حَدَب ينسلون، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة" (٤). وقد ذكر ابن حجر بعض الآثار في صفتهم، ولكنها روايات ضعيفة،
следующие страницы →