← Акыда

Акыда · id 182

أشراط الساعة - الوابل

يوسف الوابل

Полный текст (432 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اثنين عداوة، ثمّ يرسل الله ريحًا باردةً من قِبَلِ الشّام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّة من خيرٍ أو إيمانٍ إِلَّا قبضته" (١). وفي رواية الإِمام أحمد وأبي داود: "فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثمّ يُتَوَفَى، ويصلّي عليه المسلمون" (٢). وكلا هاتين الروايتين صحيحة، ولهذا مشكلٌ؛ إِلَّا أن تُحْمَلَ رواية السير سنين على مدَّة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مُكْثِه في الأرض قبل رفعه إلى السَّماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور (٣). والله أعلم. * * * * *

стр. 352

الفصل الرّابع: يأجوج ومأجوج * أصلهم: قبل الحديث عن خروج يأجوج ومأجوج أرى من المناسب أن نتعرَّف على أصلهم، وماذا يعني لفظ (يأجوج) و (مأجوج)؟ يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، وقيل: عربيان. وعلى هذا يكون اشتقاقهما من أجَّت النّار أجيجًا: إذا التهبت. أو من الأُجاج: وهو الماء الشديد الملوحة، المحرق من ملوحته. وقيل عن الأجّ: وهو سرعة العدو. وقيل: مأجوج من ماج؛ إذا اضطرب. وهما على وزن يفعول في (يأجوج)، ومفعول في (مأجوج)، أو على وزن فاعول فيهما. هذا إذا كان الاسمان عرببين، أمّا إذا كانا أعجميَّين؛ فليس لهما اشتقاق؛ لأنّ الأعجميَّة لا تُشْتَقُّ من العربيّة. وقرأ الجمهور ﴿يَأْجُوجَ﴾ و ﴿مَأْجُوجَ﴾؛ بدون همز، فتكون الألفان زائدتين، وأصلهما (يجج)، و (مجج)، وأمّا قراءة عاصم؛ فهي الهمزة

стр. 353

الساكنة فيهما. وكل ما ذُكِرَ في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من (ماج) بمعنى اضطرب قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وذلك عند خروجهم من السد (١). وأصل يأجوج ومأجوج من البشر، من ذرية آدم وحواء ﵉. وقد قال بعض العلماء: إنهم من ذرِّية آدم لا من حواء (٢)، وذلك أن آدم احتلم، فاختلط منيُّه بالتراب، فخلق الله من ذلك يأجوج ومأجوج. وهذا ممّا لا دليل عليه، ولم يردّ عمَّن يجب قبول قوله (٣). قال ابن حجر: "ولم نر لهذا عند أحدٍ من السلف؛ إِلَّا عن كعب الأحبار، ويردّه الحديث المرفوع: أنّهم من ذريَّة نوح، ونوحٌ من ذُرِّيَّة حواء قطعًا" (٤). ويأجوج ومأجوج من ذريَّة يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح ﵇ (٥).

стр. 354

والذي يدلُّ على أنّهم من ذرِّيَّة آدم ﵇ ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد الخُدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبَّيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول: أخرج بعث النّار. قال: وما بعث النّار؟ قال: من كلّ ألف تسع مئه وتسعة وتسعين. فعنده يشيب الصغير، وتضع كلُّ ذات حمل حملها، وترى النَّاس سُكارى وما هُم بسكارى، ولكنَّ عذاب الله شديد". قالوا: وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: "أبشروا؛ فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف" (١). وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ : "أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وأنّهم لو أُرْسِلوا إلى النَّاس؛ لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحدٌ؛ إِلَّا ترك من ذرِّيَّتِه ألفًا فصاعدًا" (٢).

стр. 355

* صفتُهُم: أمّا صفتهم الّتي جاءت بها الأحاديث؛ فهي أنّهم يُشْبِهون أبناء جنسهم من التُرك الغتم (١) المغول، صغار العيون، ذلف الأنوف، صهب الشعور، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة، على أشكال الترك وألوانهم (٢). روى الإِمام أحمد عن ابن حرملة عن خالته؛ قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصبٌ أصبعه من لدغة عقرب، فقال: "إنكم تقولون: لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًّا حتّى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، شُهب الشعاف (٣)، من كلّ حَدَب ينسلون، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة" (٤). وقد ذكر ابن حجر بعض الآثار في صفتهم، ولكنها روايات ضعيفة،

стр. 356

ومما جاء في لهذه الآثار أنّهم ثلاثة أصناف: ١ - صنف أجسادهم كالأرْز، وهو شجر كبار جدًّا. ٢ - وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع. ٣ - وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى. وجاء أيضًا أن طولهم شبر وشبرين، وأطولهم ثلاثة أشبار (١). والذي تدل عليه الروايات الصحيحة أنّهم رجالٌ أقوياء، لا طاقة لأحد بقتالهم، ويبعد أن يكون طول أحدهم شبر وشبرين. ففي حديث النواس بن سمعان أن الله تعالى يوحي إلى عيسى ﵇ بخروج يأجوج ومأجوج، وأنّه لا يُدان لأحد بقتالهم، ويأمره بإبعاد المؤمنين من طريقهم، فيقول لهم: "حرز عبادي إلى الطور". كما سيأتي ذكر ذلك في الكلام على خروجهم بإذن الله تعالى ... * أدلَّة خروج يأجوج ومأجوج: خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزّمان علامة من علامات السّاعة

стр. 357

الكبرى، وقد دلَّ على ظهورهم الكتاب والسُّنَّة: أ - الأدلة من القرآن الكريم: ١ - قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧]. ٢ - وقال تعالى في سياقه لقصة ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٢ - ٩٩]. فهذه الآيات تدلُّ على أن الله تعالى سخَّر ذا القرنين (١) الملك

стр. 358

الصالح لبناء السدِّ العظيم؛ ليحجز بين يأجوج ومأجوج القوم المفسدين في الأرض وبين النَّاس، فإذا جاء الوقت المعلوم، واقتربت السّاعة؛ اندكَّ هذا السدُّ، وخرج يأجوج ومأجوج بسرعة عظيمة، وجمعٍ كبير، لا يقف أمامه أحدٌ من البشر، فماجوا في النَّاس، وعاثوا في الأرض فسادًا. وهذا علامةٌ على قرب النفخ في الصور، وخراب الدنيا، وقيام السّاعة (١)؛ كما سيأتي بيان ذلك في الأحاديث الثابتة. ب - الأدلَّة من السنَّة المطهَّرة: الأحاديث الدَّالَّة على ظهور يأجوج ومأجوجِ كثيرة، تبلغ حدَّ التواتر المعنوي، سبق ذكر بعض منها، وسأذكر هنا طرفًا من هذه الأحاديث: ١ - فمنها ما ثبت في "الصحيحين" عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن رسول الله ﷺ دخل عليها يومًا فَزِعًا يقول: "لا إله إِلَّا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلَّق بأصبعيه الإِبهام والتي تليها) ". قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أفنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كَثُرَ الخَبَثُ" (٢).

стр. 359

٢ - ومنها ما جاء في حديث النوَّاس بن سمعان ﵁، وفيه: "إذا أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجتُ عبادًا لي لا يُدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حَدَب ينسلون (١)، فيمرُّ أولئك على بحيرة طبريَّة، فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماء، ويُحْصَرُ نبي الله عيسى وأصحابه حتّى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب إلى الله عيسى وأصحابُه، فْيرسلُ الله عليهم النَّغَف (٢) في رقابهم، فيصبحون فرسى (٣) كموت نفسٍ واحدةٍ، ثمّ يُهْبَط بنبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إِلَّا ملأه زهمُهم ونَتَنُهم، فيرغب نبىُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البُخت (٤)، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله" (٥).

стр. 360

رواه مسلم، وزاد في رواية -بعد قوله: "لقد كان بهذه مرّة ماء"-: "تم يسيرون حتّى ينتهوا إلى جبل الخّمْرِ (١)، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا مَنْ في الأرض، هلمَّ فلنقتل مَنْ في السَّماء، فيرمون بنشابهم (٢) إلى السَّماء، فيردُّ الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا" (٣). ٣ - وجاء في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ في ذكر أشراط السّاعة، فذكر منها: "يأجوج ومأجوج" (٤). ٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ ؛ لقي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا السّاعة ... إلى ان قال: "فردُّوا الحديث إلى عيسى (فذكر قتل الدَّجَّال، ثمّ قال:) ثمّ يرجع النَّاس إلى بلادهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حَدَبِ يَنْسِلون، لا يمرون بماء إِلَّا شربوه، ولا بشيء إِلَّا أفسدوه، يجأرودن إليًّ فأدعو الله، فيميتهم، فتَجْوى الأرض من ريحهم، فيجأرودن إليَّ، فأدعو الله، فيرسل السَّماء بالماء، فيحملهم،

стр. 361

فيقذف بأجسامهم في البحر" (١). ٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ (فذكر الحديث، وفيه): "ويخرجون على النَّاس، فيستقون المياه، ويفرُّ النَّاس منهم، فيرمون سهامهم في السَّماء، فترجع مخضبةً بالدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وغلبنا مَنْ في السَّماء قوَّةً وعلوًّا". قال: "فيبعث الله عليهم نَغَفًا في أقفائهم". قال: "فيهلكهم، والذي نفس محمّد بيده؛ إن دوابَّ الأرض لتسمن، وتبطر، وتشكر شكرًا (٢)، وتسكر سكرًا (٣) من لحومهم" (٤).

стр. 362

* سدُّ يأجوج ومأجوج: بني ذو القرنين سدَّ يأجوج ومأجوج؛ ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم. كما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٥]. لهذا ما جاء في الكلام علي بناء السد، أمّا مكانه؛ ففي جهة المشرق (١)؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٩٠]. ولا يُعْرَف مكان هذا السد بالتحديد، وقد حاول بعض الملوك

стр. 363

والمؤرخين أن يتعرَّفوا على مكانه، ومن ذلك "أن الخليفة الواثق (١) بعث بعض أمرائه يتَّجه معه جيشًا سرية؛ لينظروا إلى السد، ويعاينوه، وينعتوه له إذا رجعوا، فوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتّى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنّهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه أقفالٌ عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعسل في برج هناك، وأن عنده حراسًا من الملوك المتاخمة له، وأنّه منيفٌ شاهقٌ، لا يُستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثمّ رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالًا وعجائب" (٢). وهذه القصة ذكرها ابن كثير ﵀ في التفسير، ولم يذكر لها سندًا، فالله أعلم بصحة ذلك. والذي تدل عليه الآيات السابقة أن هذا السد بُني بين جبلين؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾، والسدان: هما جبلان متقابلان. ثمّ قال: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾؛ أي: حاذى به رؤوس الجبلين (٣)، وذلك بزبر الحديد، ثمّ أفرغ عليه نحاسًا مذابًا، فكان سدًّا محكمًا. قال الإِمام البخاريّ: "قال رجلٌ للنبي- ﷺ : رأيتُ السَّدَّ من البرد

стр. 364

المحبر. قال: قد رأيته" (١). وقال سيد قطب: "كُشِف سدٌّ بمقربة من مدينة (ترمذ) (٢)، عُرف - (باب الحديد)، قد مرَّ به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني (سيلدبرجر) وسجَّله في كتابه، وكذلك ذكره المؤرِّخ الأسباني (كلا فيجو) في رحلته سنة (١٤٠٣ م)، وقال: سد مدينة باب الحديد على الطريق سمرقند والهند ... وقد يكون هو السد الّذي بناه ذو القرنين" (٣). قلت: ولعلَّ هذا السد هو السور المحيط بمدينة (ترمذ)، الّذي ذكره ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، وليس هو سد ذي القرنين. وأيضًا؛ فإنّه لا يعنينا في هذا البحث تحديد مكان السد، بل نقف عند ما أخبرنا الله تعالى به، وما جاء في الأحاديث الصحيحة، وهو أن سدَّ يأجوج ومأجوج موجودٌ إلى أن يأتي الوقت المحدَّد لدَكِّ هذا السد، وخروج يأجوج ومأجوج، وذلك عند دُنو السّاعة؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٨ - ٩٩]

стр. 365

والذي يدلُّ على أن هذا السدَّ موجود لم يندكَّ ما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ في السد؛ قال: "يحفرونه كلّ يوم حتّى إذا كادوا يخرقونه؛ قال الّذي عليهم: ارجِعوا، فستخرقونه غدًا. قال: فيعيده الله كأشدَّ ما كان، حتّى إذا بلغوا مدَّتَهم، وأراد الله تعالى أن يبعثهم على النَّاس؛ قال الّذي عليهم: ارْجِعُوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنى. قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه، ويخرجون على النَّاس، فيستقون المياه، ويفرُّ النَّاس منهم" (١). والذي جاء في حديث "الصحيحين" -كما سبق- أنّه فُتحَ منه جزءٌ يسير، ففزع من ذلك النبيُّ ﷺ . ويرى الأستاذ سيد قطب ﵀ من باب الترجيح لا من باب اليقين أن وعد الله بدكِّ السَّدَّ قد وقع، وأنّه قد خرج يأجوج ومأجوج، وهم التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري، ودمَّروا الممالك الإِسلامية، وعاثوا في الأرض فسادًا (٢). وفي هؤلاء التتار يقول القرطبي: "وقد خرج منهم - أي: الترك - في هذا الوقت أممٌ لا يحصيهم إِلَّا الله تعالى، ولا يردُّهم عن المسلمين إِلَّا الله تعالى، حتّى كأنّهم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمتهم" (٣). وكان ظهور هؤلاء التتار في زمن القرطبي، وسمع عنهم ما سمع من

стр. 366

الفساد والقتل، فظنَّهُم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمَتَهُم. والكن الّذي هو من أشراط السّاعة الكبرى - وهو خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزّمان - لم يقع بعد؛ لأنّ الأحاديث الصحيحة تدلُّ على أن خروجهم يكون بعد نزول عيسى ﵇، وأنّه هو الّذي يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ثمّ يرميهم في البحر، ويريح البلاد والعباد من شرهم.

стр. 367

الفصل الخامس: الخُسوفات الثّلاثة * معنى الخسف: يقال: خسف المكان يخسف خسوفًا إذا ذهب في الأرض، وغاب فيها (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]. والخسوفات الثّلاثة الّتي هي من أشراط السّاعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلّامات الكبرى. * الأدلَّة من السنَّة المطهَّرَة على ظهور الخسوفات: ١ - عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن السّاعة لن تقوم حتّى تروا عشر آيات ... (فذكر منها:) وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب" (٢). ٢ - وعن أم سلمة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "سيكون

стр. 368

بعدي خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ في جزيرة العرب". قلت: يا رسول الله! أَيُخْسَفُ بالأرض وفيها الصالحون؟ قال لها رسول الله ﷺ : "إذا أكثر أهلها الخبث" (١). * هل وقعت هذه الخسوفات ؟ وهذه الخسوفات الثّلاثة لم تقع بعدُ؛ كغيرها من الأشراط الكبرى الّتي لم يظهر شيءٌ منها، وإن كان بعض العلماء يرى أنّها قد وقعت كما ذهب إلى ذلك الشريف البرزنجي (٢)، ولكنَّ الصّحيح انه لم يحدث شيء منها إلى الآن، وإنّما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرِّقة، وفي أزمان متباعدة، وذلك من أشراط السّاعة الصغرى. أمّا هذه الخسوفات الثّلاثة، فتكون عظيمة وعامة لأماكن كثيرة من الأرض في مشارقها ومغاربها وفي جزيرة العرب. قال ابن حجر: "وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثّلاثة قدرًا زائدًا على ما وُجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا" (٣). ويؤيد هذا ما جاء في الحديث أنّها إنّما تقع إذا كَثُر الخبث في النَّاس، وفشت فيهم المعاصي. والله أعلم.

стр. 369

الفصل السّادس: الدُّخان ظهور الدُّخان في آخر الزّمان من علامات السّاعة الكبرى الّتي دلَّ عليها الكتاب والسُّنَّة. * أدلة ظهوره: أ- الأدلَّة من القرآن الكريم: قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١]. والمعنى: انتظر يا محمّد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السَّماء بدخان مبينٍ واضحٍ يغشى النَّاس ويعمُّهم، وعند ذلك يُقال لهم: هذا عذابٌ أليمٌ؛ تقريعًا لهم وتوبيخًا، أو يقول بعضهم لبعض ذلك (١). وفي المراد بهذا الدُّخان؟ وهل وقع؟ أو هو من الآيات المرتقبة؟ قولان للعلّماء:

стр. 370

الأوّل: أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النّبيّ ﷺ حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السَّماء كهيئة الدُّخان. وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود ﵁، وتبعه جماعة من السلف (١). قال ﵁: "خمسٌ قد مضين: اللزام (٢)، والروم، والبطشة، والقمر، والدُّخان" (٣). ولما حدث رجل من كندة عن الدُّخان، وقال: إنّه يجيء دخانٌ يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم؛ غضب ابن مسعود ﵁، وقال: "مَنْ علم فليقل، ومَن لم يعلم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وإن قريشًا أبطؤوا عن

стр. 371

الإسلام، فدعا عليهم النّبيّ ﷺ ، فقال: "اللَّهُمَّ أعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف"، فأخذتهم سنةٌ جتى هلكوا فيها، وأكلوا الميِّتة والعظام، ويرى الرَّجل ما بين السَّماء والأرض كهيئة الدُّخان (١). وهذا القول رجَّحه ابن جرير الطّبريّ، ثمّ قال: "لأنَّ الله جلَّ ثناؤه توعَّد بالدُّخان مشركي قريش، وأن قوله لنبيه محمَّد ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم؛ بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٨ - ٩]، ثمّ أتبع ذلك قوله لنبيه ﵊: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أمرًا منه له بالصبر ... إلى أن يأتِيَهم بأسه، وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّهُ بهم، أشبه من أن يكون أخَّره عنهم لغيرهم" (٢). الثّاني: أن لهذا الدُّخان من الآيات المنتظرة، الّتي لم تجىء بعد، وسيقع قرب قيام السّاعة. وإلى هذا القول ذهب ابن عبّاس وبعض الصّحابة والتابعين؛ فقد روى ابن جرير الطّبريّ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي مُليكة (٣)؛ قال:

стр. 372

"غدوتُ على ابن عبّاس ﵄ ذات يوم، فقال: ما نمت اللَّيلة حتّى أصبحت. قلتُ: لم؟ قال: قالوا طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدُّخان قد طرق، فما نمت حتّى أصبحت" (١). قال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح إلى ابن عبّاس حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهكذا قول مَنْ وافقه من الصّحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها .. بما فيه مقنع ودِلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنّه ظاهر القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بيِّن واضح يراه كلّ أحد، على أن ما فسر به ابن مسعود ﵁ إنّما هو خيالٌ رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: يتغشَّاهم ويعمُّهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصُّ أهل مكّة المشركين؛ لما قيل فيه: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ " (٢). وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لابن صيَّاد: "إنِّي خبَّأتُ لك خبئًا". قال: هو الدُّخ. فقال له: "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك". وخبأ له رسول الله ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٣).

стр. 373

وفي هذا دليلٌ على أن الدُّخان من المنتظر المرتقب، فإن ابن صياد كان من يهود المدينة، ولم تقع هذه القصة إِلَّا بعد الهجرة النبويَّة إلى المدينة المنوَّرة. وأيضًا؛ فإن الأحاديث الصحيحة ذكرت أن الدُّخان من أشراط السّاعة الكبرى كما سيأتي. وأمّا ما فسَّر به ابن مسعود ﵁؛ فإن ذلك من كلامه، والمرفوع مقدَّم على كلّ موقوف (١). ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلّامة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، فيكشف عنهم، ثمَّ يعودون، وهذا قرب القيامة. على أن بعض العلماء ذهب إلى الجمع بين هذه الآثار (٢) بأنّهما دخانان ظهرت إحداهما وبقيت الأخرى، وهي الّتي ستقع في آخر الزّمان، فأمّا الّتي ظهرت؛ فهي ما كانت تراه قريشٌ كهيئة الدُّخان، وهذا الدُّخان

стр. 374

غير الدُّخان الحقيقي، الّذي يكون عند ظهور الآيات الّتي هي من أشراط السّاعة قال القرطبي: "قال مجاهدٌ (١): كان ابن مسعود يقول: هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السَّماء والأرض، ولا يجد المؤمّن منه إِلَّا كالزكمة، وأمّا الكافر؛ فتثقب مسامعه" (٢). وقال ابن جرير: "وبعد؛ فإنّه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعَّدهم بهذا الوعيد ما توعَّدَهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأنّ الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنّه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُوِيا عن رسول الله ﷺ صحيح" (٣). ب - الأدلَّة من السنة المطهَّرة:

стр. 375

مضى ذكر بعض الأحاديث الدَّالَّة على ظهور الدُّخان في آخر الزّمان، وسأذكر هنا مزيدًا من الأحاديث الدالَّة على ذلك: ١ - روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادِروا بالأعمال ستًّا: الدَّجَّال، والدُّخان" (١). ٢ - وجاء في حديث حذيفة في ذكر أشراط السّاعة الكبرى: "الدُّخان" (٢). ٣ - وروى ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ربَّكم أنذركم ثلاثًا: الدُّخان يأخذ المؤمنَ كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتّى يخرج من كلّ مسمع منه" (٣). * * * * *

стр. 376

الفصل السابع: طُلوعُ الشَّمسِ من مغرِبِها طلوع الشّمس من مغربها من علامات السّاعة الكبرى، وهو ثابت بالكتاب والسُّنَّة. * الأدلَّة على وقوع ذلك: أ- الأدلَّة من القرآن الكريم: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فقد دلَّت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشّمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (١). قال الطّبريّ - بعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية -: "وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنّه قال:

стр. 377

ذلك حين تطلع الشّمس من مغربها" (١). وقال الشوكاني: "فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه؛ فهو واجب التقديم، محتَّم الأخذ به" (٢). ب - الأدلَّة من السنة المطهَّرة: الأحاديث الدالَّة على طلوع الشّمس من مغربها كثيرة، وإليك جملة منها: ١ - روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعت، فرآها النَّاس؛ آمنوا أجمعون، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" (٣). ٢ - وروى البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تقتتل فئتان ... (فذكر الحديث، وفيه:) وحتى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعت، آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" (٤).

стр. 378

٣ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادِروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشّمس من مغربها" (١). ٤ - وتقدَّم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى، فذكر منها: "طلوع الشّمس من مغربها" (٢). ٥ - وروى الإِمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "حفظتُ من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعد، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن أول الآيات خروجًا طلوعُ الشّمس من مغربها" (٣). ٦ - وعن أبي ذر ﵁ أن النّبيّ ﷺ قال يومًا: "أتدرون أين تذهب هذه الشّمس؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إن هذه تجري حتّى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرُّ ساجدةً، فلا تزال كذلك، حتّى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثمّ تجري حتّى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرُّ ساجدة، ولا تزال كذلك حتّى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثمّ تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا، حتّى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة

стр. 379

من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها". فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانِها خيرًا" (١). * مناقشة رشيد رضا في رده لحديث أبي ذر في سجود الشّمس: أورد رشيد رضا حديث أبي ذر السابق، وعلَّق عليه بأن متنه من أعظم المتون إشكالًا، وقال في سنده: "هذا الحديث رواه الشيخان من طرق عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبي ذر، وهو - على توثيق الجماعة له مدلِّس -؛ قال الإِمام أحمد: "لم يلق أبا ذر". كما قال الدارقطني: "لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما". وكما قال ابن المديني: "لم يسمع من علي، ولا ابن عبّاس". ذكر ذلك في "تهذيب التهذيب". وقد رُوِي غير هذا عن هؤلاء بالعنعنة، فيحتمل أن يكون مَنْ حدَّثه عنهم غير ثقة. فإذا كان في بعض روايات الصحيحين والسنن مثل هذه العلل، وراء احتمال دخول الإِسرائيليات، وخطأ النقل بالمعنى، فما القول فيما تركه الشيخان وما تركه أصحاب السنن؟! " (٢).

стр. 380

هذا ما قاله الشّيخ محمّد رشيد رضا ﵀!! وكلامه هذا كلامٌ خطير جدًّا، وطعنٌ في الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وتشكيك في صحَّتها، لا سيما ما كان في "الصحيحين" اللذين أجمعت الأمة على تلقِّيهما بالقبول. ويا ليت انه أنعم النظر في سند هذا الحديث، وسلم متنه من الإِشكال الّذي ادَّعاه، وتبع ما قاله هنا سلفه من العلماء الأعلام الذين آمنوا بما ثبت عن رسول الله ﷺ ، ولم يتكلَّفوا ما لا علم لهم به، بل أجروا كلامه ﷺ على المعنى الصّحيح المتبادر من الحديث. قال أبو سليمان الخطابي في قوله ﷺ : "مستقرُّها تحت العرش": "لا ننكر أن يكون لها استقرار تحت العرش؛ من حيث لا ندركه، ولا نشاهده، وإنّما أُخبرنا عن غيب، فلا نكذب به، ولا نكيِّفه؛ لانَ علمنا لا يحيط به". ثمّ قال عن سجودها تحت العرش: "وفي هذا إخبار عن سجود الشّمس تحت العرش، فلا يُنْكَر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، والتصرف لما سُخِّرت له، وأمّا قوله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٥]؛ فهو نهاية مدرك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنّما هو بعد الغروب" (١). وقال النووي: "وأمّا سجود الشّمس؛ فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها" (٢).

стр. 381

وقال ابن كثير: "يسجد لعظمته كلّ شيءٍ طوعًا وكرهًا، وسجود كلّ شيءٍ ممّا يختصُّ به" (١). وقال ابن حجر: "وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كلّ يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم، المعبَّر عنه بالجري، والله أعلم" (٢). وعلى كلّ حال؛ فالكلام هنا ليس على استقرار الشّمس، ولا على سجودها، وإنّما أردتُ أن أبيَنَ أن حديث أبي ذرٍّ ﵁ ليس في متنه إشكال كما زعم رشيد رضا ﵀، وأن العلماء قد تلقَوْه بالقبول، وبيَّنوا معناه. وأمّا قدحه في سند هذا الحديث؛ فوهمٌ منه؛ فإن الحديث متَّصل الإِسناد برواية الثقات، وما ذكره من تدليس إبراهيم بن يزيد التيمي وانه لم يلق أبا ذر ولا حفصة وعائشة وانه لم يدرك زمانهما، فيجاب عنه: ١ - أن الحديث ليس في سنده رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبي ذر، وإنّما سنده -كما في البخاريّ ومسلم- من رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه عن أبي ذر. وأبو إبراهيم هو: يزيد بن شريك التيمي، روى عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم من الصّحابة ﵃، وروى عنه ابنه إبراهيم وإبراهيم النخعي وغيرهما، وثَّقه ابن معين وابن حبّان وابن سعد

стр. 382

وابن حجر، وروى عنه الجماعة، وقال أبو موسى المديني: "يقال: إنّه أدرك الجاهلية" (١). ٢ - إن إبراهيم بن يزيد قد صرَّح بالسَّماع من أبيه يزيد؛ كما في رواية مسلم؛ فإنّه قال: " ... حدّثنا يونس عن إبراهيم بن يزيد التيمي سمعه فيما أعلم عن أبيه عن أبي ذر" (٢). والثقة إذا صرَّح بالسماع؛ قُبِلت روايته؛ كما هو مقرَّر في علم مصطلح الحديث (٣). * عدم قبول الإِيمان والتوبة بعد طلوع الشّمس من مغربها: إذا طلعت الشّمس من مغربها؛ فإنّه لا يقبل الإِيمان ممَّن لم يكن قبل ذلك مؤمنًا؛ كما لا تقبل توبة العاصي، وذلك لان طلوع الشّمس من مغربها آية عظيمة، يراها كلّ مَنْ كان في ذلك الزّمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإِقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى؛ كما قال : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥].

стр. 383

قال القرطبي: "قال العلماء: و إنّما لا ينفع نفسًا إيمانُها عند طلوع الشّمس من مغربها لانه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كلّ شهوة من شهوات النفس، وتفتر كلّ قوة من قوى البدن، فيصير النَّاس كلهم - لإِيقانهم بدُنوِّ القيامة- في حالِ مَنْ حضره الموت؛ في انقطاع الدواعي إلى أنوع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم، فمَن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تقبل توبته؛ كما لا تقبل توبة مَنْ حضره الموت" (١). وقال ابن كثير: "إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأمّا مَنْ كان مؤمنًا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحًا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن كان مخلطًا فأحدث توبة؛ حينئذ لم تقبل منه توبة" (٢). وهذا هو الّذي جاء به القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وقال ﷺ : "لا تنقطع الهجرة ما تُقُبِّلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتّى تطلع الشّمس من المغرب، فإذا طلعت؛ طُبِعَ على كلّ قلب بما فيه، وكفي النَّاس العمل" (٣).

стр. 384

وقال ﵊: "إن الله جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة، لا يغلق حتّى تطلع الشّمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ ... ﴾ الآية (١). ويرى بعض العلماء (٢) أن الذين لا يُقبل إيمانُهم هم الكِفار الذين عاينوا طلوع الشّمس من مغربها، أمّا إذا امتدَّ الزّمان، ونسي النَّاس ذلك؛ فإنّه يُقْبل إيمان الكفار وتوبة العصاة. قال القرطبي: "قال ﷺ : "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (٣)؛ أي: تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الّذي يرى فيه مقعده من الجنَّة ومقعده من النّار، فالمشاهد لطلوع الشّمس من مغربها مثله، وعلى

стр. 385

هذا ينبغي أن تكون توبة كلّ مَنْ شاهد ذلك أو كان كالشّاهد له مردودةً ما عاش؛ لأنّ علمه بالله تعالى وبنبيِّه ﷺ وبوعده قد صار ضرورة، فإن امتدَّت أيّام الدنيا إلى أن يَنْسى النَّاس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدَّثون عنه إِلَّا قليلًا، فيصير الخبر عنه خاصًّا، وينقطع التواتر عنه، فمَن أسلم في ذلك الوقت أو تاب؛ قُبِل منه، والله أعلم" (١). وأيَّد ذلك بما رُوي: "إن الشّمس والقمر يُكْسَيان بعد ذلك الضوء والنور، ثمّ يطلعان على النَّاس ويغربان". وبما روي عن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ ﷺ : "يبقى النَّاس بعد طلوع الشّمس من مغربها عشرين ومئة سنة". وروي عن عمران بن حصين أنّه قال: "إنّما لم تُقْبَل وقت الطلوع حتّى تكون صيحة، فيهلك فيها كثيرٌ من النَّاس، فمَن أسلم أو تاب في ذلك الوقت ثمّ هلك؛ لم تقبل توبتُه، ومَن تاب بعد ذلك؛ قُبِلَت توبته" (٢). والجواب عن هذا كله: "أن النصوص دلَّت على أن التوبة لا تُقبل بعد طلوع الشّمس من مغربها، وأن الكافر لا يُقبل منه الإسلام، ولم تفرِّق النصوص بين مَنْ شاهد هذه الآية وبين من لم يشاهِدها". والذي يؤيِّد هذا ما رواه الطّبريّ عن عائشة ﵂؛ قالت: "إذا خرج أول الآيات؛ طُرِحَت الأقلام، وحُبِسَت الحفظة، وشهِدت الأجسام على الأعمال" (٣).

стр. 386

والمراد بأول الآيات هنا هو طلوع الشمس من مغربها، أما ما كان قبل طلوعها من الآيات؛ فإن الأحاديث تدلُّ على قَبول التوبة والِإيمان في ذلك الوقت. وروى ابن جرير الطبري أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "التوبة مبسوطةٌ ما لم تطلع الشمس من مغربها" (١). وروى الإِمام مسلم عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" (٢). فجعل ﷺ غاية قبول التوبة هو طلوع الشمس من مغربها. وقد ذكر ابن حجر أحاديث وآثارًا كثيرة تدلُّ على استمرار قفل باب التوبة إلى يوم القيامة، ثم قال: "فهذه آثار يشدُّ بعضها بعضًا متَّفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب؛ أُغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختصُّ بيوم الطلوع، بل يمتدُّ إلى يوم القيامة" (٣). وأما ما استدلَّ به القرطبي؛ فالجواب عنه:

стр. 387

أن حديث عبد الله بن عمرو قال فيه الحافظ ابن حجر: "رَفْع هذا لا يثبت". وحديث عمران بن حصين: "لا أصل له" (١). وأما حديث: "إن الشمس والقمر يُكْسَيان الضوء والنور ... " إلخ؛ فلم يذكر له القرطبي سندًا، وعلى فرض ثبوته؛ فإن عودتهما إلى ما كانا عليه ليس فيه دليلٌ على أن باب التوبة قد فُتح مرة أخرى. وذكر الحافظ أنه وقف على نصِّ فاصل في هذا النزاع، وهو حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب، وفيه: "فمن يومئذ إلى يوم القيامة ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ... الآية" (٢). * * * * *

стр. 388

الفصل الثّامن: الدَّابَّة ظهور دابَّة الأرض في آخر الزّمان علامة على قرب السّاعة ثابت بالكتاب والسُّنَّة: * أدلَّة ظهورها: أ- الأدلة من القرآن الكريم: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. فهذه الآية الكريمة جاء فيها ذكر خروج الدَّابَّة، وأن ذلك يكون عند فساد النَّاس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يُخْرِج الله لهم دابَّة من الأرض، فتكلِّم النَّاس على ذلك (١). قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيَ: وجب الوعيد عليهم؛ لتماديهم في العصيان والفسوق والطغيان، وإعراضهم عن آيات الله، وتركهم تدبُّرها، والنزول على حكمها،

стр. 389

وانتهائهم في المعاصي إلى ما لا ينجح معه فيهم موعظةٌ، ولا يصرفهم عن غِيِّهِم تذكرةٌ، يقول عز من قائل: فإذا صاروا كذلك؛ أخرجنا لهم دابَّة من الأرض تكلِّمهم، أي: دابة تعقل وتنطق، والدَّوابُّ في العادة لا كلام لها ولا عقل؛ ليعلم النَّاس أن ذلك آية من عند الله تعالى (١). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "وَقْعُ القول يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن". ثمّ قال: "أكثِروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع". قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟! قال: "يُسْرى عليه ليلًا، فيُصْبِحونَ منه قَفْرًا، وينسون (لا إلهَ إِلّا الله)، ويقعون في قول الجاهليَّةِ وأشعارهم، وذلك حين يقعُ القولُ عليهم" (٢). ب - الأدلَّة من السنة المطهَّرة: ١ - روى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ إذا خرجْنَ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشّمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض" (٣). ٢ - وله عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: حفظتُ من

стр. 390

رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعد، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على النَّاس ضحىً، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبًا" (١). ٣ - ومضى حديث حذيفه بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى، فذكر منها الدَّابة، وفي رواية: "دابة الأرض" (٢). ٤ - وروى الإِمام أحمد عن أبي أُمامة ﵁ يرفعه إلى النّبيّ ﷺ قال: "تخرج الدَّابَّة، فتسم النَّاس على خراطيمهم (٣)، ثمّ يغمرون (٤) فيكم حتّى يشتري الرَّجل البعير، فيقول: ممَّن اشتريته؟ فيقول: من أحد المخطبين" (٥). ٥ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ
следующие страницы →