← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18318

الكلام على مسألة السماع

ابن القيم

Полный текст (508 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومرَّ بجَوارٍ من الأنصار وهنَّ يضربن بالدفِّ ويقلن: نحن جوارٍ من بني النجَّارِ ... يا حبَّذا محمدٌ من جار فقال: "اللهم بارِكْ فيهن" (١). ولما قدم من تبوك خرج الولائد والصبيان يتلقَّونه (٢)، وجعلوا ينشدون: طلعَ البدرُ علينا ... من ثَنِيَّاتِ الوَداعْ [٧٤ أ] وجبَ الشكرُ علينا ... ما دعا لله داعْ (٣) وأنشده ﷺ أنس بن زُنَيم الدِّيلي (٤) يوم فتح مكة قصيدة يمدحه بها، فعفا عنه بعد أن أهدر دمه (٥)، يقول فيها: تعلَّمْ رسولَ الله أنك مُدركي ... وأن وعيدًا منكَ كالأخذِ باليدِ (٦)

стр. 247

وأنشده فروة بن نوفل بن عمرو (١) لما قدم (٢) عليه: بان الشبابُ فلم أحفِلْ به بَدَلَا ... وأقبلَ الشيبُ والإسلام إقبالا فالحمد لله إذ لم يأتِني أجلي ... حتى تسربلتُ للإسلامِ سِربالا وتمثَّل الصديق ﵁ بالشعر، وتمثَّلتْ به الصديقة ابنته، وعمر بن الخطاب، وعثمان وعلي وبلال وأبو الدرداء وعمرو بن العاص. وقيل لأبي الدرداء: ما لك لا تشعر؟ فإنه ليس رجل له بيت (٣) في الأنصار إلا وقد قال شعرًا، قال: وأنا قلتُ، ثم أنشد: يريد المرءُ أن يُعطَى مُناهُ ... ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضلُ ما استفادا (٤) وقال أبو هريرة: لما وفدتُ على النبي ﷺ قلت في الطريق: يا (٥) ليلةً من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نَجَّتِ (٦)

стр. 248

وكانت امرأة سوداء من الصحابة، وكانت مقيمة في المسجد، كلما تحدثت قالت: ويومُ الوِشاح من تعاجيبِ ربنا ... ألا إنه من بلدة الكفر نجَّاني (١) ولما نُعِيَ لمعاوية عبد الله بن عامر والوليد بن عقبة أنشد (٢): إذا سار مَن خلفَ امرئٍ وأمامَه ... وأُفرِدَ من جيرانِه فهو سائرُ (٣) [٧٤ ب] وأنشد خُبيب عند موته تلك الأبيات المعروفة التي يقول فيها: ولستُ أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أيِّ جنبٍ كان في الله مَصْرعي وذلك في ذات الإله وإن يَشَأْ ... يُبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ ممزَّعِ (٤) وأنشد أبو بكر عند قدومه المدينة: كل امرئ مصبّحٌ في أهلِه (٥) ... والموت أدنى من شِراك نعلِهِ (٦)

стр. 249

وأنشد بلال كذلك وهو محموم: ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادٍ وحَوْلي إذخِرٌ وجَليلُ وهل أرِدَنْ يومًا مِياهَ مجنَّةٍ ... وهل يبدُوَنْ لي شامةٌ وطَفِيْلُ (١) وكان الصحابة يتناشدون الأشعار بين يدي رسول الله ﷺ وهو يتبسَّم (٢). وأنشد حسان في مسجد رسول الله ﷺ ، فمرَّ به عمر بن الخطاب فجعل يَلحَظُه، فقال: لقد أنشدتُ فيه وفيه من هو خير منك، يريد رسول الله ﷺ ، فسكت عمر (٣). وهذا باب أوسع من أن نستقصيه. وقد كان الصحابة يرتجزون في الحرب، وكان يُحدَى بين يدي النبي ﷺ بالشعر في الحل والحرم، وكانوا ينشدون الشعر وهم محرمون. وقد أخبر الله سبحانه أن من الشعراء من يؤمن بالله ويعمل صالحًا ويذكر الله كثيرًا، وهؤلاء ثُنْيَةُ الله من الشعراء، فلم يذمَّ هؤلاء، بل مدحهم على انتصارهم من بعدما ظُلِموا. ولهذا قال النبي ﷺ : "لأن يَمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا حتى يَرِيَه خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا" (٤). فذمَّ الجوف الممتلئ بالشعر الذي اشتغل به صاحبه عما فيه سعادته من العلم والإيمان والقرآن، وذكر الله كثيرًا، فإن الجوف [٧٥ أ] إذا امتلأ

стр. 250

بذلك لم يمتلئ من الشعر. ولهذا قال الشافعي ﵀: الشعر كلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه (١). وقال في التغبير: إنه من إحداث الزنادقة يَصُدُّون به الناس عن القرآن. فبيَّن ﵀ أن إباحة أحدهما لا يستلزم إباحة الآخر. فصل إذا عُرِف هذا فقولك أيها السماعي: إذا جاز سماع الشعر بغير الألحان جاز سماعه بالألحان الطيبة، إذ لايتغير الحكم بسماعه بالألحان= فحجة فاسدة جدًّا من وجوه (٢)، وهي إلى أن (٣) تكون حجة (٤) عليك أقربُ من كونها حجة لك، فإن نفس سماع الألحان مجردًا عن كلام يحتاج إلى إثبات إباحته منفردًا، وهل هذا إلا (٥) المورد الذي ينازعك فيه صاحب القرآن؟ ومن المعلوم أن أكثر المسلمين على خلاف قولك فيه، كما تقدم حكايته عن الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم. الوجه الثاني: أنه لو كان كل واحد من الشعر والتلحين مباحًا

стр. 251

بمفرده لم يلزم من ذلك إباحتهما عند اجتماعهما، فإن التركيب له خاصَّةٌ يتغير الحكم بها. وهذه الحجة بمنزلة حجة من قال: إن خبر الواحد إذا لم يُفِدِ العلم عند انفراده لم يُفِده (١) مع انضمامه إلى غيره، وهي نظير ما يُحكى عن إياس بن معاوية أن رجلًا قال له: ما تقول في الماء؟ قال: حلال، قال: فالتمر؟ قال: حلال، قال: فالنبيذ ماء وتمر، فكيف تُحرِّمه؟ فقال له إياس: أرأيتَ لو ضربتُك بكفّ من تراب أكنتُ أقتلك؟ قال: لا. قال: فإن ضربتك بكفّ من تِبْنٍ أكنتُ أقتلك؟ قال: لا، قال: فإن ضربتك بماء أكنت أقتلك؟ قال: لا، قال: فإن أخذت الماء والتبن والتراب، فجعلته طينًا وتركته حتى يَجِفّ، وضربتك به (٢) أكنتُ أقتلك؟ قال: نعم. قال: [٧٥ ب]: كذلك النبيذ (٣). ومعنى كلامه أن المؤثر هو القوة الحاصلة بالتركيب، وكذلك المفسد للعقل هو القوة المسكرة الحاصلة بالتركيب. وكذلك ما نحن فيه، الذي يُسكِر النفوس ويُلهِيها ويَصُدُّها عن ذكر الله وعن الصلاة، قوةٌ تحصل بالتركيب والهيئة الاجتماعية، وليست الأصوات المجتمعة في استفزازها (٤) للنفوس بمنزلة صوت واحدٍ. وكذلك ليس الصوت

стр. 252

الملحن الذي يُوقَّع (١) به الغناء على توقيع معين (٢) وضرب معين لا سيما مع مساعدة آلات اللهو له، بمنزلة إنشاد (٣) الشعر إذا تجرد عن ذلك، وهل تَرُوجُ مثل هذه الشبهة إلا على ضعيف العلم والمعرفة ناقصِ الحظّ منهما جدًّا؟ الوجه الثالث: أن النبي ﷺ ندب إلى تحسين الصوت بالقرآن وتزيينه به، واستمعه هو وأصحابه، فقال: "زيِّنوا القرآنَ بأصواتكم" (٤)، وقال: "ما أَذِنَ الله لشيء كأَذَنِه لنبيٍّ حسنِ الصوت يتغنى بالقرآن" (٥). وقال لأبي (٦) موسى: "لقد مررتُ بك البارحةَ وأنت تقرأ، فجعلتُ أستمع لقراءتك"، فقال: لو علمتُ أنك تسمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا (٧).

стр. 253

وقال: "للهُ أشدُّ أذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" (١). ومع هذا فلا يسوغ أن يقرأ (٢) القرآن بألحان الغناء، ويُقْرن به من الألحان وآلات اللهو ما يُقْرن بالغناء، حتى ولا عند من يقول بإباحة ذلك في الشعر، بل المسلمون مجمعون على تحريمه، وطردُ دليلِك جواز ذلك، بل هو بعينه يقتضيه. فإنك (٣) قلت: إذا جاز سماع الأشعار بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان الطيبة (٤)، هذا ظاهر من الأمر، هذا نص دليلك، [٧٦ أ] فهل يُمكِنك طردُه، وتقول: إذا جاز سماع القرآن بغير الألحان الطيبة جاز سماعه بها، ولا (٥) يتغير الحكم؟ فإن قلت ذلك خالفتَ إجماع الأمة، وبطلتَ (٦)، وإن قلت: لا يلزم من جواز استماعه

стр. 254

بدون الألحان الطيبة جوازُ اقترانه (١) واستماعه بها، أبطلتَ دليلك. فقد تبين بطلانه على التقديرين. فصل وأما المقدمة الثانية وهي قولك: إن ما أوجبَ للمستمع توفُّرَ الرغبة على الطاعات وتذكُّرَ ما أعدَّ الله لعباده المتقين من الدرجات، ويَحمِله على التحرُّز من الزلات، ويؤدي إلى قلبه من صفاء الواردات، فهو مستحب في الدين ومختار في الشرع. فنقول في تحقيق هذه المقدمة: إن الله سبحانه يحبُّ الرغبةَ فيما أمر به، والحذرَ مما (٢) نهى عنه، ويحب أهل الإيمان بوعده ووعيده، ويحب القائمين بمحابِّه من خشيته ورجائه (٣) والإنابة إليه والتوكل عليه، وسائر ما يحبه ويرضاه من عبده ظاهرًا وباطنًا، ويحب السماع الذي يُحصِّل محبوبَه، فإن الوسائل إلى المحبوب (٤) محبوبة، والوسائل إلى المسخوط مسخوطة. فهذه المقدمة التي ذكرتَها (٥) أيها السماعاتي مبناها على أصلين: أحدهما: معرفة ما يحبه الله سبحانه.

стр. 255

والثاني: أن سماع الغناء يُحصِّل محبوبَ الله خالصًا أو راجحًا، فإنه إذا حصَّلَ محبوبَه ومكروهَه، والمكروه أغلب، كان مذمومًا وإن كان محصِّلًا لمحبوبٍ مّا. وإن تكافأ المحبوب والمكروه فيه لم يكن محبوبًا ولا مكروهًا. فأما الأصل الأول ــ وهو معرفة ما يحبه الله ويرضاه ويمدح فاعلَه ويُثني عليه ــ فهو المحَكُّ والفرقان، وإليه التحاكم في هذه المسألة وغيرها، وهو الفرق بين من اتخذ إلهه هواه وبين من عبدَ الله [٧٦ ب] بما يحبه ويرضاه، فإن رضيتَ بالتحاكم إلى هذا (١) الأصل، ولم تجد في نفسك حرجًا مما يحكم به وتسلِّم له تسليمًا، حصل الوفاق وزال الخلاف والشقاق. وهذا الأصل له ميزانٌ يُوزن به، ومحكٌّ يُحَكُّ عليه، وكثير من الناس بل أكثرهم غَلِطَ فيه، فظن في كثير مما يحبه هو وطائفته وشيخه ومن يُحسِن ظنه به أو ما يجده موافقًا لذوقه ووجده وحاله أنه مما يحبه الله ورسوله، ويُقرِّب إلى الله، وتُنال (٢) به كرامته في الدنيا ويوم لقائه. ولا إله إلا الله! كم زلَّت في هذا الموضع أقدام، وضلَّت فيه أفهام، ونُسِبَ إلى محبة الرب تعالى أسخطُ شيء إليه وأكرهُه عنده، ولزم من ذلك أن نُسِبَ إلى كراهته أحبُّ شيء إليه وأرضاه (٣) له، ولا سبيل إلى

стр. 256

معرفة ما يحبه ويرضاه إلا بوزنه بميزان الوحي، ونقدِه على محكِّ الأمر، وعرضِه على حاكم الشرع، وتلقِّيه من مشكاة النبوة، ثم اعتباره بدار الضَّرْب (١)، فإن كان نقشُ سِكَّتِه: "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)، فهو المحبوب المرضيُّ لله (٣)، الذي يقبله من عبده ويكرمه عليه، وإن كان عليه ضرب السكك المحدثة الصادرة عن (٤) الآراء والأفكار والرسوم والأوضاع، فهو الزَّيْف المردود. فإذا وقع التحاكم إلى هذا الأصل تقرَّبَ كل واحد من المتنازعين من صاحبه، وإلا رفيقُك قَيسيٌّ وأنتَ يَمانِي (٥) فصل وأما الأصل الثاني: وهو أن سماع الغناء الذي فيه النزاع (٦) يُحصِّل محبوبَ الرب تعالى ومراضِيه، فالشأن كل الشأن في ذلك، فههنا اقتطع

стр. 257

الشيطان من اقتطع (١)، واستزلَّ من استزلَّ (٢) [٧٧ أ]، واستخفَّ من استخفَّ، و ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. فيجب أن يُعرف أن المرجع في القُرَب والطاعات والديانات والفِرَق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما (٣) يسخطه ويكرهه، إلى الله ورسوله لا إلى رأيٍ ولا قياس (٤)، ولا ذوقٍ ولا وَجْدٍ، ولا استحسانٍ ولا تقليد، ولا منامٍ ولا كشف، ولا حدثني قلبي عن ربي، ولا خُوطِبتُ وقيل لي، ولا رأيتُ فلانًا يفعل وهو ممن اعتُقِد فيه الخيرُ، أو كان فلان يفعل وهو ممن يُحسَن به الظنُّ ونحو ذلك. ف ليس لأحد أن يبتدع دينًا لم يأذن به الله، ويقول: هذا (٥) يحبه الله ، لأنه يوصل إلى محبوب الله، بل بهذه (٦) الطريق بُدِّلَ دينُ الله وشرائعه، وابتُدِعَ الشرك وكل ما لم ينزل به سلطانًا. وكل ما في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة ومشايخ الطريق من الحضّ على اتباع ما أنزل إلينا من ربنا والنهي (٧) عن ضدِّه،

стр. 258

فهو لأجل هذا، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وهو الخالص لله الموافق لأمره، كما قاله الفضيل بن عياض وغيره (١). و الأعمال أربعة: فواحد منها مقبول، وثلاثة أرباعها مردودة ، فالمقبول ما وافق الأمر وأريد به وجهُ الله، ولا يقبل الله عملًا سواه، والمردود أن لا يكون خالصًا لله ولا موافقًا لأمره، أو ينتفي عنه أحدهما. فالمقبول ما وُجِد فيه الأمران، والمردود ما انتفى عنه الأمران أو أحدهما، ولهذا اشتدت وَصاة الشيوخ المستقيمين بهذا الأصل، وأخبروا أن من عدل عنه فهو مطرود وعن طريق قصده مصدود (٢). فقال ابن أبي الحواري (٣): من عمل عملًا بلا اتباع سنة فباطلٌ عمله. وقال سهل بن عبد الله [٧٧ ب] التُّستَري (٤): كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء فهو عيش النفس، وكل فعل يفعله بالاقتداء فهو عذاب على (٥) النفس.

стр. 259

وقال أبو حفص النيسابوري (١): من لم يَزِنْ أفعاله وأحواله (٢) كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تَعُدَّه (٣) في ديوان الرجال. وقال الجنيد بن محمد (٤): الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثرَ الرسول. وقال أيضًا (٥): من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا (٦) هذا مقيَّد بالكتاب والسنة. وقال أبو عثمان النيسابوري (٧): من أمَّر السنةَ على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]. وقال أبو حمزة البغدادي (٨): من علم الطريق إلى الله سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في أحواله وأقواله وأفعاله.

стр. 260

وقال أبو عمرو بن نُجَيد (١): كلُّ حالٍ لا يكون عن نتيجة علم فإنَّ ضرره أكثر على صاحبه من نفعه. وقال (٢): التصوف الصبر تحت الأمر والنهي. وقال أبو يعقوب النَّهْرَجُوري (٣): أفضل الأحوال ما قارن العلم. وهذا كثير في كلام المشايخ، وإنما وَصَّوا بذلك لما يعلمونه من حال كثير من السالكين أنه يجري مع ذوقه ووجده وما يراه ويهواه، غير متبعٍ لسبيل الله التي بعث بها رسوله، وهذا هو اتباع الهوى بغير هدًى من الله. ولا ريب أنَّ السماع المحدَث من أعظم المحركات (٤) للهوى ، ولهذا سمى بعض الأئمة المصنفين كتابه في إبطاله وذمه بـ"الدليل الواضح في النهي عن ارتكاب الهوى الفاضح" (٥). ولهذا يأمر المشايخ المستقيمون [٧٨ أ] منهم باتباع العلم، ويَعْنُون

стр. 261

به الشريعة، كقول أبي يزيد البسطامي (١): عملتُ في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئًا أشدَّ عليَّ من العلم ومتابعته. وقال أبو الحسين النوري (٢): من رأيتَه يدعي مع الله حالةً تُخرِجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربنَّ منه. وقال أبو عثمان النيسابوري (٣): الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع الرسول ﷺ باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة، والصحبة مع الأهل بحسن الخلق، والصحبة مع الإخوان بدوام البِشْرِ ما لم يكن إثمًا، والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم والرحمة والشفقة عليهم. وذلك لأنه لما كان أصل الطريق هو الإرادة والقصد والعمل، وذلك يتضمن الحب، فكثيرًا ما يعمل السالك بمقتضى ما يجده في قلبه من المحبة، وما يدركه بذوقه من طعم العبادة، وهذا إذا لم يكن موافقًا لأمر الله ورسوله فصاحبه في ضلال، وهو ممن اتبع هواه. قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]، وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]،

стр. 262

فجعل كلما خالف الأمر فصاحبه متبعٌ هواه، فما ثَمَّ واسطةٌ، بل إما الأمر وإما الهوى. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. واعلم أنَّ بدعة السماع تتضمن الغلوَّ في الدين واتباعَ الهوى [٧٨ ب] والعَشْوَ عن ذكر الله، فإنهم حسبوا أنَّ هذه البدعة دين وقُربةٌ تُقرِّبهم إلى الله، وهذا من أقبح الغلو، وهو يوجب الانحراف عن الصراط المستقيم، واتباعُ الهوى يوجب الضلالَ عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. والعَشْو عن ذكر الله يوجب مقارنة الشيطان له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وذكر الله هنا هو كتابه، ومن العشو عنه: التعوُّضُ عنه بالسماع الشيطاني (١) المحدَث. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ

стр. 263

أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩]. فالشريعة التي جعله ربه عليها تتضمن ما أمره به ورضيه له، وكل عمل وحب وذوق ووجد وحال لا تشهد له هذه الشريعة التي جعله عليها فباطل وضلال، وهو من أهواء الذين لا يعلمون، فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه دينًا، وينهى عما يُبغِضه ويذمّه إلا بهُدًى من الله، وهو شريعته التي جعل عليها رسوله، وأمره والمؤمنين باتباعها. ولهذا كان السلف يسمون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، فيذمُّونهم بذلك ويحذّرون عنهم، ولو ظهر عنهم ما ظهر من العلم والعبادة والزهد والفقر والأحوال والخوارق. قال يونس بن عبد الأعلى (١): قلت للشافعي: تدري ما قال صاحبنا؟ يريد الليث بن سعد، كان يقول: [٧٩ أ] لو رأيته ــ يريد صاحب البدعة ــ يمشي على الماء، لا تَثِقْ به ولا تعبَأْ به ولا تكلِّمْه، قال: قصَّر واللهِ. يريد أنَّ حاله أقبحُ من ذلك. وقال أبو العالية (٢): تعلَّموا الإسلام والسنةَ، فإذا تعلّمتموه فلا

стр. 264

ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام (١)، فلا ترغبوا عنه (٢) يمينًا وشمالًا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تُلقِي بين الناس العداوةَ والبغضاء. قال عاصم: فحدثتُ به الحسن، فقال: صدق ونصح، قال: فحدثتُ به (٣) حفصة بنت سيرين فقالت: يا أبا علي! أنتَ حدَّثتَ محمدًا بهذا؟ قلت: لا، قالت: فحدِّثْه إذًا. وقال أُبيُّ بن كعب (٤) ﵁: عليكم بالسبيل والسنة، فإنَّه ما على الأرض عبدٌ على السبيل والسنة ذكرَ الله ففاضتْ عيناه من خشية الله (٥)، فيعذِّبه، وما على الأرض عبدٌ على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعرَّ جلدُه من خشية الله إلا كانَ مثلُه كمثلِ شجرة قد يَبِسَ ورقُها، فهي كذلك إذ أصابتْها ريحٌ شديدة فتَحاتَّ عنها وَرقُها، إلا حُطَّ عنه خطاياه، كما تَحاتَّ عن تلك الشجرة ورقُها، وإنَّ اقتصادًا في سبيلٍ وسنة خيرٌ من اجتهادٍ في خلاف سبيل وسنة، فانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادًا أو اقتصادًا، أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء

стр. 265

وسنتهم (١). وقال عبد الله بن مسعود (٢): الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة. وقيل لأبي بكر بن عياش (٣): يا أبا بكر! من السُّنِّيّ؟ قال: الذي إذا ذُكِرت الأهواء لم يغضب لشيء منها. وهذا أصل عظيم من أصول سبيل الله، والطريق الموصل إليه، [٧٩ ب] يجب الاعتناء به، فإنَّ كثيرًا من الأفعال قد يكون مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا، إما بالاتفاق، أو فيه نزاع بين العلماء، فيستحسنه طائفة من الناس ويفعلونه على أنَّه قربة وطاعة ودين يتقربون به إلى الله، حتى يعدُّون من يفعل ذلك أفضل ممن لا يفعله، وربما جعلوا ذلك من لوازم طريقهم (٤) إلى الله، أو جعلوه (٥) شعارَ الصالحين وأولياء الله، ويكون ذلك خطأ وضلالًا ودينًا مبتدعًا لم يأذن به الله.

стр. 266

مثال ذلك: حلق الرأس في غير الحج والعمرة من غير عذر، اختلف الناس في إباحته وكراهته على قولين، وهما روايتان عن أحمد، ولا خلاف بينهم أنه لا يُشرَع ولا يُستحَبّ، ولا هو قربة إلى الله، ومع هذا فقد اتخذه طوائف من النسَّاك والفقراء (١) دينًا، حتى جعلوه شعارًا وعلامة على الدين والنسك والخير، وجعلوه من تمام التوبة، حتى إنَّ من لم يفعل ذلك يكون منقوصًا خارجًا عن الطريق المفضلة المحمودة عندهم، ومن فعل ذلك دخل في هَدْيهم وطريقهم (٢). وهذا خروجٌ عن طريق الله وسبيله باتفاق المسلمين، واتخاذ ذلك دينًا وشعارًا لأهل الدين من أسباب تبديل الدين، فكما أنَّه لا حرامَ إلا ما حرَّمه الله، ولا واجبَ (٣) إلا ما أوجبه، فلا دينَ إلَّا (٤) ما شرعه، ولا مستحبَّ إلا ما أحبه. فصل الوجه الثاني: أنَّ قولهم: إنَّ هذا (٥) السماع يحصِّل محبوبَ الله، وما حصَّلَ محبوبَ الله فهو محبوب له= قول باطل، وهو منشأ الضلال في هذه المسألة، وأكثر المنحرفين في هذه المسألة حصل لهم الضلال

стр. 267

والغيُّ [٨٠ أ] من هذه الجهة (١)، فظنوا أنَّ السماع يُثير محبة الله، ومحبة الله هي أصل الإيمان الذي هو عمل القلب، وبكمالها يكون كمال الإيمان. وأبو طالب المكي جعلها نهاية المقامات (٢)، وأبو إسماعيل الأنصاري يقول (٣): هي المقام الذي تلتقي فيه مقدمة العامة وساقة الخاصة. وهؤلاء جعلوا السماع من توابع المحبة ووسائلها. ومنشأ الغلط أن ما يُثيره هذا السماع المبتدع ونحوه من الحب وحركة القلب ليس هو الذي يحبه الله ورسوله، بل اشتماله على ما لا يحبه الله بل على ما يُبغضه أكثرُ من اشتماله على ما يحبه الله (٤)، وصَدُّه عما يحبه الله ويرضاه أعظمُ من تحريكه لمحابِّه ومراضيه، ونهيُه عما يُقرِّب منه أكثرُ من أمره به. ولا ريبَ أنَّه يُثير حبًّا وحركةً، لكن منشأ الغلط ظنُّ أنَّ ذلك مما يحبه الله، وإنما ذلك من اتباع الظن ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. فصل ومما يوضح ذلك ويبينه: أنَّ الله سبحانه بيَّن في كتابه محبتَه، وذكر مُوجباتِها وعلاماتها، وهذا السماع يوجد مضادًّا لذلك منافيًا له، قال

стр. 268

تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. فهذه ثلاثة أصول لأهل محبة الله تضمنتها هذه الآيات الثلاث (١): فالآية الأولى [٨٠ ب] تضمنت متابعةَ الحبيب في أقواله وأفعاله وهَدْيه وسيرته. والآية الثانية تضمنت إفرادَ الرب تعالى بالمحبة وإخلاص الدين له، وأنْ لا يُحَبَّ معه سواه، وكل محبوب فإنما تَسُوغ محبته تبعًا لمحبة الله، فيحبه لله وفي الله، لا مع الله، فمحبة المشركين مع الله، ومحبة المخلصين لله وفي الله. والآية الثالثة تضمنت الجهادَ في سبيل الله لإعلاء كلماته وإعزاز دينه، وترك الالتفات إلى اللُّوَّام. ف هذه الأصول الثلاثة هي الفرقان بين الناس ، وبها يُوزَن أهل الانحراف وأهل الصراط المستقيم، فمَن أحبّ شيئًا غير الله كما يحب الله فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحب الله.

стр. 269

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، فلا يُنجِي العبدَ إلا أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه من كل شيء، فطاعة الله ورسوله آثرُ عنده من كل شيء، والله تعالى لم يَرضَ من عباده أن يكون حبُّهم له ولرسوله كحب الأهل والمال، بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله، أحبَّ إليهم من أهليهم (١) وأموالهم ومساكنهم وتجاراتهم وعشائرهم. والمقصود أن للمحبين ثلاثة أصول، بها تتحقق محبتهم: الإخلاص وإفراد محبوبهم ﵎ بالمحبة. والثاني: الجهاد في سبيله، وهو الذي يُصدِّق إيمانهم ومحبَّتهم ويكذِّبها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [٨١ أ] ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وبذلك وصف أهل المحبة في قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، فوصفهم بست صفات:

стр. 270

أحدها: محبتهم له. والثانية: محبته لهم. والثالثة: ذلُّهم ولينُهم على أوليائه. والرابعة: عِزّهم وشدّتهم على أعدائه. والخامسة: جهادهم في سبيله. والسادسة: احتمالهم لومَ (١) الخلق لهم على ذلك، وأنهم ليسوا ممن يصدُّه الكلامُ والعَذْلُ عن الجهاد في سبيل الله، وأنهم ليسوا بمنزلة مَن يحتمل الملام والعذل في محبة ما لا يحبه الله، ولا بمنزلة مَن أظهر من (٢) مكروهات الرب ﵎ ما يُلامون عليه، ويُسمّون بالملامتية (٣) إظهارًا منهم لما يُلامون عليه في الظاهر، وهم مُنطَوون في الباطن على الصدق والإخلاص، سترًا لحالهم عن الناس، فهم فعلوا ذلك لعدم احتمالهم الملامَ، والأولون احتملوا الملام فيما لا يحبه الله، وأحبَّاء الله فعلوا ما أحبَّه (٤) الله، ولم تأخذهم فيه لومة لائم. فالأقسام ثلاثة:

стр. 271

أحدها: مَن يصدُّه اللوم عن مَحابِّ الله. والثاني: مَن (١) لا تأخذه في محبة (٢) الله لومة لائم. والثالث: من يُظهِر ما يُلام عليه إخفاءً لقيامه بمحابِّ الله. فالأول مفرِّط، والثالث مؤمن ضعيف، والوسط هو الوسط الخيار، وهو المؤمن القوي، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف (٣). وأعلى ما يحبه الله ورسوله الجهاد في سبيل الله (٤)، واللائمون عليه كثير، إذ أكثرُ النفوس تكرهه، واللائمون عليه ثلاثة أقسام: منافق، ومخذِّل مفتِّر للهمة، ومُرجِف مُضعِف للقوة والقدرة. فصل وأمَّا متابعة الحبيب (٥) في أقواله وأفعاله، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. قالت [٨١ ب] طائفة (٦) من السلف: ادعى قوم على عهد النبيّ ﷺ أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية (٧) وهي آية

стр. 272

المحبة، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فجعل حب العبد لربه موجبًا مقتضيًا لاتباع رسوله، وجعل اتباع رسوله موجبًا مقتضيًا لمحبة الربّ عبده. فإذا عرفتَ هذه الأصول فعامة السماعاتية مقصِّرون فيها، وهم في ذلك التقصير بحسب كثرة تعوُّضهم بالسماع عن القرآن وقلَّته، حتى آل أمره ببعضهم إلى الانسلاخ من الإسلام بالكلية. وأمّا مَن فيه منهم محبة الله ورسوله فهم مقصِّرون في الأصول الثلاثة: وهي الجهاد في سبيل الله، ومتابعة رسوله، وإخلاص الدين له، ففيهم من الشرك الخفي والجلي ما ينافي كمال الإخلاص، وفيهم من البدعة ما ينافي كمال المتابعة، وفيهم من الرهبانية ما ينافي كمال الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كثير منهم يَعُدُّ ذلك نقصًا في الطريق، وهم أبعد الناس عن الجهاد، حتى يوجد في كثير من العامة مَن هو أكثر جهادًا وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر منهم (١)، ومَن هو أشدُّ غضبًا وغيرةً لمحارم الله وموالاةً لأوليائه ومعاداةً لأعدائه منهم. وأمَّا الإخلاص، فهذا السماع وتوابعه يقدح في كماله، فإنه في الأصل سماع المشركين أهل المكاء والتصدية، ويتبع ذلك من

стр. 273

اتخاذهم الشيوخَ الأحياء والأموات آلهةً من دون الله ما يُضاهُون به النصارى، وكثير منهم يُعطِي المخلوقَ حقَّ الخالق: من الحلف به، والنذر له، والتوكل عليه، والسجود له، وحَلْقِ الرأس له، والتوبة له، وخوفه ورجائه [٨٢ أ] من دون الله. ولهذا يكون كثير من سماعهم الذي يُحرِّك وَجْدَهم ومحبتهم إنما يحرِّك وجدهم ومحبتهم لغير الله، فلا العمل صالح (١) ولا القصد خالص، فلا إخلاصَ ولا اتباعَ، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. وأمَّا الشريعة وما أمر الله به ونهى عنه، وأحلَّه وحرَّمه، ففي كثير منهم من المخالفة لذلك بل من الاستخفاف بمَن يتمسك به ما فيهم (٢)، حتى يُسقِط من (٣) قلوبهم تعظيمَ كثير من فرائض الله ومحارمه، فيضيِّع فرائضَه، ويَستحلُّ محارمَه، ويتعدَّى حدوده، إمَّا اعتقادًا وإمَّا عملًا. وكثير من خيارهم الذين يُعظِّمون الأمر والنهي يقعون في فروع ما وقع فيه أولئك، إمّا جهلًا وإمَّا تفريطًا وإمّا تأويلًا. ومن القوم مَن يُصرِّح بسقوط الفرائض، ويَستحِلُّ المحرمات، ويقول: الأوراد لأهل الغفلة، وأمَّا أصحاب حضرة السماع فهم مستغنون بوارداتهم عن أوراد العباد! كما أنشد بعضهم:

стр. 274

يُطالَب بالأورادِ مَن كان غافلًا ... فكيف بقلبٍ كلُّ أوقاتِه وِرْدُ (١) وبعض هؤلاء سمع إقامة الصلاة وهو في السماع، فقال: كنا في الحضرة فصِرْنا على الباب. فقال له صاحب القرآن: صدقتَ والله! كنتَ في حضرة الشيطان فدُعِيْتَ إلى باب الرحمن. فليتدبر اللبيب الناصح لنفسه ما الذي جرَّه السماعُ على هذه الطائفة، حتى يقول قائلُهم (٢): إنه قد يكون أنفعَ للقلب من قراءةِ القرآن من ستة أوجه أو سبعة! فيا أهلًا وسهلًا بسماع الفساق وأهل الشهوات بالنسبة إلى سماع هؤلاء المقربين أرباب الحضرة! فإن (٣) أولئك لا يقعون في شيء من هذه العظائم، وهم يعترفون بأنهم (٤) مذنبون مخطئون، وفي قلب (٥) مؤمنيهم من محبة ما يحبه (٦) الله ورسوله وكراهةِ ما يكرهه أضعافُ ما في قلوب [٨٢ ب] كثير (٧) من هؤلاء، لأن محبة السماع أضعفتْ من قلوبهم محبةَ ما يحبه الله وكراهةَ ما يكرهه، ولهذا

стр. 275

ليس للقرآن والصلاة (١) والعلم في قلوبهم من المحبة والحلاوة والطيب ما في قلوب أهل كمال الإيمان، بل قد يكرهون بعضَ ذلك ويستثقلون (٢). ولهم نصيبٌ من حال الذين إذا ذُكِّروا بآيات ربهم خَرُّوا عليها صُمًّا وعميانًا، ونصيبٌ من حال الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى، وهم يجدون في نفوسهم استثقال سماع القرآن وقراءته، لمَّا اعتاضوا عنه بضدِّه وندِّه، وإن ارتاحوا إلى سماعه فللقدر المشترك الذي يكون بينه وبين سماعهم من الأصوات المطربة والألحان، ولهذا يرتاحون لذلك (٣) الشعر الكفري والفسقي والرَّبّاني. والمقصود أن هذا السماع الشيطاني من أكبر الأسباب المضادّة لأصول أولياء الله المقربين الثلاثة: الإخلاص، والمتابعة، والجهاد. فصل ومما ابتُلي به هؤلاء ما وجدوه (٤) في كثير ممن ينتسب (٥) إلى الشريعة وإلى الجهاد من ضَعْفِ حقائق الإيمان في قلوبهم، وسوء نياتهم ومقاصدهم، وبُعدِهم عن الإخلاصِ ومراعاةِ صلاح قلوبهم وتزكيةِ

стр. 276

نفوسهم وتطهيرِ سرائرهم، وأنهم لا يقصدون بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، كما وجدوه في كثير ممن يذمُّ السماع الذي (١) لهم من قسوة القلب (٢) والبعد عن مكارمِ الأخلاق وذوقِ حقيقة الإيمان. فصار هذا التفريطُ في المنكرين عليهم شبهةً لهم في التمسك بما هم عليه (٣)، وعدمِ التفاتهم إلى مَن ينكره (٤) عليهم. ولو أن المنكر عليهم شاركهم فيما عندهم [٨٣ أ] من الأخلاق والمحبة وأعمال القلوب ومراعاتها والفقه في منازلاتها ووارداتها لانْقادوا له، ولرأوه (٥) فوقَهم في ذلك، ولأقرُّوا له مُذعِنين، ولكن نفوسهم لا تنقاد لمن هو على ضد طريقتهم، ومَن هو من أقسى الناس وأبعدهم عن المحبة وأحكامها، وعن أعمال القلوب وأذواق حلاوة المعاملة، وإذا تلاقتْ أرواحُهم تنافرتْ أشدَّ النِّفار (٦). فالبلاء مركب من تفريط هؤلاء وعدوان هؤلاء، وصارت كل طائفة مُعْرِضةً عما مع الأخرى من الحق، مستطيلةً عليها بما معها من الباطل. وأمَّا أهل الصراط المستقيم الوسط العدل الخيار، فيتبرؤون من

стр. 277

باطل الطائفتين ويُقرُّون بحق الفريقين، وينقادون (١) لما مع كل منهما من الحق، ويُنكرون ما معهما من الباطل. فمَن قال من الفريقين: حيَّ على الهدى والفلاح، أجابَ نداءه ولبَّى دعوتَه، ومَن قال: حيَّ على البدعة واتّباعِ ما لم يُنزِل الله به سلطانًا، أعرض عنه وجاهده بحسب استطاعته. وهذا دين الله الذي لا يَقبل من أحد دينًا سواه، وهو اتّباع ما بعث الله به رسوله في جميع الأمور، وترك اتّباع ما يخالف ذلك، وإجماع (٢) القلوب على هذا الاتباع والترك (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) [٨٣ ب] وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٧].

стр. 278

قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنّة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل الفرقة والبدعة (١). فتبيّن بطلان استدلال السماعاتية على صحة سماع المكاء والتصدية والغناء بالألحان بما سمعه النبي ﷺ وأصحابه (٢) من الشعر من كل وجه. وقال صاحب القرآن: وقولك أيها السماعي: قد جرى على لسان النبي ﷺ ما هو قريب من الشعر وإن لم يقصد أن يكون شعرًا. فنقول في جواب هذا: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من خلقه، فلو جرى على لسانه الكريم حقيقةُ الشعر إنشاءً، وقد أعاذه (٣) الله منه، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، لم يكن في ذلك (٤) شبهةٌ لك (٥) في حل الغناء وسماع الألحان. فما أعجبَ حالَكم أيها السماعاتية إذ تحتجون (٦) بقوله ﷺ :

стр. 279

اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخره ... فاغفرْ للأنصارِ والمهاجره (١) وبقوله: هل أنتِ إلا إصبعٌ دَمِيْتِ ... وفي سبيلِ اللهِ ما لَقِيْتِ (٢) على حلِّ الغناء والزمْر والدُّفوف والشبابات والرقص، والطَّرْق (٣) [٨٤ أ] على تاتنا تنتنا! والله تعالى الموفّق لمن يشاء، والخاذِل لمن يشاء. فصل *قال صاحب الغناء (٤): وقد سمع السلف والأكابر الأبيات بالألحان، وممن قال بإباحته من السلف: مالك بن أنس، وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء، فأمّا الحُدَاء فالإجماع منهم على إباحته، وهو والغناءُ: رضيعَا لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسَما ... بأسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لا نتفرقُ (٥)

стр. 280

*قال صاحب القرآن: كلامك هذا يتضمن إثباتَ باطل وتركَ حق، وهو إن كان عمدًا فعظيمةٌ، وإن كان غلطًا فتقصير وتفريط في حقّ العلم. وذلك أن المعروف عن أئمة السلف من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم من الصحابة، وكذلك عن أئمة التابعين ومَن بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم: إنكاره، حتى ذكر زكريا بن يحيى (١) الساجي في كتابه الذي ذكر فيه إجماع أهل العلم واختلافَهم: أنهم متفقون على المنع منه إلا رجلان (٢)، إبراهيم بن سعد (٣) من أهل المدينة، وعبيد الله بن الحسن العنبري من أهل البصرة، وقد تقدم حكاية ذلك، فكيف يُنقَل عن السلف والأكابر ما هم أبعد الناس منه؟ وأمّا نقلك لإباحته (٤) عن مالك بن أنس وأهل الحجاز كلهم فهذا من أقبح الغلط وأفحشه، فإن مالكًا نفسه لم يختلف قوله وقول أصحابه في ذمِّه والمنع منه وكراهته، بل هو من المبالغين في ذلك، الشاهدين على أهله بالفسق، ولهذا لما سأله إسحاق بن عيسى الطبَّاع عمّا يترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: "إنما يفعله عندنا [٨٤ ب] الفساق".

стр. 281

ومؤلفات أصحابه في تحريمه شاهدة (١) بذلك (٢). والشافعي لم يختلف قوله في كراهته، وقال في كتابه المعروف "بأدب القضاء": الغناء لهو مكروه شبيه بالباطل، ومَن استكثر منه فهو سفيهٌ تُرَدَّ شهادتُه. وقد قال عن سماع التغبير الذي هو أحسن سماعات هؤلاء: إنه مما أحدثته الزنادقة يَصُدُّون به الناس عن القرآن. وأمّا فقهاء الكوفة فمن أشدّ الناس تحريمًا للغناء، ولم (٣) يتنازعوا في ذلك، ولم يخالفهم إلا العنبري (٤). فصل *قال صاحب الغناء: وقد ذكر محمد بن طاهر في مسألة "السماع" (٥) حكاية عن مالك أنه ضربَ بطَبْلٍ، وأنشد أبياتًا، ومالك مالك! *قال صاحب القرآن: قد أعاذ الله مالكًا وأصحابه من هذا البهتان والفرية، ومالك أجلُّ عند الله وعند أهل الإسلام من ذلك، والكذبُ الفاحش على الأئمة المشهورين صنعة جهلة (٦) الكذابين، فلو أن واضع

стр. 282

هذه الحكاية نسبها إلى مَن ليس في الشهرة والإمامة والجلالة كمالكٍ لأمكن أن يخفى ويَرُوجَ على الجهال، وأمّا على إمام دار الهجرة فسبحانك هذا بهتان عظيم. فصل *قال صاحب الغناء (١): وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك، رُوي عن ابن جريج أنه كان يُرخِّص في السماع، فقيل له: إذا أُتي بك يومَ القيامة ويُؤتَى بحسناتك وسيّئاتك، ففي أي الجانبين يكون السماع؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات. يعني أنه من المباحات (٢). *قال صاحب القرآن: ليس ابن جريج [٨٥ أ] وأهل مكة ممن (٣) يعرف عنهم الغناء، بل المشهور عنهم خلاف ذلك. ثم هذه (٤) الحكاية وأمثالها هي إلى أن تكون حجةً عليكم أقربُ من كونها حجةً لكم، فإنه قال: يكون السماع لا في الحسنات ولا في السيئات، فجعله بمنزلة اللعب واللهو الباطل، الذي أحسنُ أحوالِه أن لا يكون للعبد ولا عليه، ومع هذا فلا بدَّ أن يَنقُصَ من حسناته. ولم يجعلْه ابن جريج ولا أحدٌ قبلَ هذه الطائفة دينًا وقربةً وصلاحًا للقلوب، ويُفضِّلْه على سماع القرآن من

стр. 283

وجوه متعددة، بل غاية ما يُحكَى عمن يُرخِّص فيه أنه جعله بمنزلة الغناء والضرب بالدف للنساء في العرس وأيام الأعياد وعند قدوم الغائب، وهو (١) مع ذلك باطل، كما في الحديث الذي في السنن: أن امرأة نذرَتْ أن تَضِربَ لقدوم رسول الله ﷺ بالدفّ ففعلتْ، فلما جاء عمر أمرها رسول الله ﷺ بالسكوت، وقال: "إن هذا رجل لا يحب الباطل" (٢). وسمى الصديق غناء الجويريتين يومَ العيد مزمور الشيطان، وأقرَّه رسول الله ﷺ على هذه التسمية، وأقرَّ الجويريتين (٣) لمكان صغرهما وكونه يوم عيد (٤)، وخلوّ ما تُغنِّيان به من آلاتِ المعازف وغناءِ الألحان والطرابات (٥)، ولم يقل: هو قربة وطاعة ودين (٦) ومصلح (٧) للقلوب،

стр. 284

بل قد ثبت عنه في الصحيح (١) أنه قال: "كلُّ لهوٍ يلهو به الرجل (٢) فهو باطل إلا رميَهُ بقوسه وتأديبَه فرسَه وملاعبتَه امرأته، فإنهن من الحق". ومعلوم أن الباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يُرخَّص في بعضه أحيانًا للنفوس التي لا تصبر على الحق المحض، ويُرخَّص منه في القدر الذي يحتاج إليه، في الأوقات التي تتقاضى ذلك، كالأعياد والأعراس وقدوم الغائب، وتلك نفوس الصبيان والنساء والجواري [٨٥ ب] الصغار، وهن اللاتي غنَّين في بيت عائشة، وضربن بالدف خلفَ رسول الله ﷺ ، وعند تلقِّيه فرحًا وسرورًا به. فهذا كان فرح هؤلاء الضعفاء العقول الذين لا تحتمل (٣) عقولهم الصبرَ تحت محض الحق، فكان في إقرارهم بالترخيص (٤) لهم في هذا القدر مصلحةٌ لهم، وذريعةٌ إلى انبساط نفوسهم وفرحهم بالحق، فهو من نوع الترخيص في اللُّعَبِ للبنات، وما شاكل ذلك، وهذا من كمال

стр. 285

شريعته ومعرفته بالنفوس وما تصلح عليه، وسوقها إلى (١) دينه بكل طريق وفي كل وادٍ. ومن المعلوم أن النفوس الصغار والعقول الضعيفة إذا حُمِلت على محض الحق، وحُمِلَ عليها ثِقلُه، تفسَّخَتْ تحته واستعصَتْ ولم تَنقَدْ، فإذا أُعطِيَتْ شيئًا من الباطل ليكون لها عونًا على الحق ومنفذًا له، كان أسرعَ لقبولها وطاعتها وانقيادها. فما لمشايخ الطريق والسالكين إلى الله، والآخذين أنفسهم بالجِدِّ المحض، والمعرضين (٢) عن حظوظهم، الذين لم يعبدوا الله شوقًا إلى جنته ولا خوفًا من ناره، إذْ ذلك عينُ حظهم وهو نقصٌ في طريقتهم، وهذا الباطل واللهو الذي هو حظ الأطفال والنساء والجواري؟! ولا ريبَ أن الرجال لم يكن ذلك فيهم، بل كان السلف يسمون الرجل المغنّي مخنَّثًا لتشبهه بالنساء، وقد رُوي: "اقرأوا القرآنَ بلحون العرب، وإياكم ولُحونَ العجم والمخانيثِ والنساءِ" (٣). وسئل القاسم بن محمد (٤) عن الغناء، فقال للسائل: أرأيت إذا ميز الله يوم القيامة بين الحق والباطل ففي أيهما [٨٦ أ] يجعل الغناء؟ فقال:
следующие страницы →