← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18318

الكلام على مسألة السماع

ابن القيم

Полный текст (508 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومؤلفات أصحابه في تحريمه شاهدة (١) بذلك (٢). والشافعي لم يختلف قوله في كراهته، وقال في كتابه المعروف "بأدب القضاء": الغناء لهو مكروه شبيه بالباطل، ومَن استكثر منه فهو سفيهٌ تُرَدَّ شهادتُه. وقد قال عن سماع التغبير الذي هو أحسن سماعات هؤلاء: إنه مما أحدثته الزنادقة يَصُدُّون به الناس عن القرآن. وأمّا فقهاء الكوفة فمن أشدّ الناس تحريمًا للغناء، ولم (٣) يتنازعوا في ذلك، ولم يخالفهم إلا العنبري (٤). فصل *قال صاحب الغناء: وقد ذكر محمد بن طاهر في مسألة "السماع" (٥) حكاية عن مالك أنه ضربَ بطَبْلٍ، وأنشد أبياتًا، ومالك مالك! *قال صاحب القرآن: قد أعاذ الله مالكًا وأصحابه من هذا البهتان والفرية، ومالك أجلُّ عند الله وعند أهل الإسلام من ذلك، والكذبُ الفاحش على الأئمة المشهورين صنعة جهلة (٦) الكذابين، فلو أن واضع

стр. 282

هذه الحكاية نسبها إلى مَن ليس في الشهرة والإمامة والجلالة كمالكٍ لأمكن أن يخفى ويَرُوجَ على الجهال، وأمّا على إمام دار الهجرة فسبحانك هذا بهتان عظيم. فصل *قال صاحب الغناء (١): وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك، رُوي عن ابن جريج أنه كان يُرخِّص في السماع، فقيل له: إذا أُتي بك يومَ القيامة ويُؤتَى بحسناتك وسيّئاتك، ففي أي الجانبين يكون السماع؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات. يعني أنه من المباحات (٢). *قال صاحب القرآن: ليس ابن جريج [٨٥ أ] وأهل مكة ممن (٣) يعرف عنهم الغناء، بل المشهور عنهم خلاف ذلك. ثم هذه (٤) الحكاية وأمثالها هي إلى أن تكون حجةً عليكم أقربُ من كونها حجةً لكم، فإنه قال: يكون السماع لا في الحسنات ولا في السيئات، فجعله بمنزلة اللعب واللهو الباطل، الذي أحسنُ أحوالِه أن لا يكون للعبد ولا عليه، ومع هذا فلا بدَّ أن يَنقُصَ من حسناته. ولم يجعلْه ابن جريج ولا أحدٌ قبلَ هذه الطائفة دينًا وقربةً وصلاحًا للقلوب، ويُفضِّلْه على سماع القرآن من

стр. 283

وجوه متعددة، بل غاية ما يُحكَى عمن يُرخِّص فيه أنه جعله بمنزلة الغناء والضرب بالدف للنساء في العرس وأيام الأعياد وعند قدوم الغائب، وهو (١) مع ذلك باطل، كما في الحديث الذي في السنن: أن امرأة نذرَتْ أن تَضِربَ لقدوم رسول الله ﷺ بالدفّ ففعلتْ، فلما جاء عمر أمرها رسول الله ﷺ بالسكوت، وقال: "إن هذا رجل لا يحب الباطل" (٢). وسمى الصديق غناء الجويريتين يومَ العيد مزمور الشيطان، وأقرَّه رسول الله ﷺ على هذه التسمية، وأقرَّ الجويريتين (٣) لمكان صغرهما وكونه يوم عيد (٤)، وخلوّ ما تُغنِّيان به من آلاتِ المعازف وغناءِ الألحان والطرابات (٥)، ولم يقل: هو قربة وطاعة ودين (٦) ومصلح (٧) للقلوب،

стр. 284

بل قد ثبت عنه في الصحيح (١) أنه قال: "كلُّ لهوٍ يلهو به الرجل (٢) فهو باطل إلا رميَهُ بقوسه وتأديبَه فرسَه وملاعبتَه امرأته، فإنهن من الحق". ومعلوم أن الباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يُرخَّص في بعضه أحيانًا للنفوس التي لا تصبر على الحق المحض، ويُرخَّص منه في القدر الذي يحتاج إليه، في الأوقات التي تتقاضى ذلك، كالأعياد والأعراس وقدوم الغائب، وتلك نفوس الصبيان والنساء والجواري [٨٥ ب] الصغار، وهن اللاتي غنَّين في بيت عائشة، وضربن بالدف خلفَ رسول الله ﷺ ، وعند تلقِّيه فرحًا وسرورًا به. فهذا كان فرح هؤلاء الضعفاء العقول الذين لا تحتمل (٣) عقولهم الصبرَ تحت محض الحق، فكان في إقرارهم بالترخيص (٤) لهم في هذا القدر مصلحةٌ لهم، وذريعةٌ إلى انبساط نفوسهم وفرحهم بالحق، فهو من نوع الترخيص في اللُّعَبِ للبنات، وما شاكل ذلك، وهذا من كمال

стр. 285

شريعته ومعرفته بالنفوس وما تصلح عليه، وسوقها إلى (١) دينه بكل طريق وفي كل وادٍ. ومن المعلوم أن النفوس الصغار والعقول الضعيفة إذا حُمِلت على محض الحق، وحُمِلَ عليها ثِقلُه، تفسَّخَتْ تحته واستعصَتْ ولم تَنقَدْ، فإذا أُعطِيَتْ شيئًا من الباطل ليكون لها عونًا على الحق ومنفذًا له، كان أسرعَ لقبولها وطاعتها وانقيادها. فما لمشايخ الطريق والسالكين إلى الله، والآخذين أنفسهم بالجِدِّ المحض، والمعرضين (٢) عن حظوظهم، الذين لم يعبدوا الله شوقًا إلى جنته ولا خوفًا من ناره، إذْ ذلك عينُ حظهم وهو نقصٌ في طريقتهم، وهذا الباطل واللهو الذي هو حظ الأطفال والنساء والجواري؟! ولا ريبَ أن الرجال لم يكن ذلك فيهم، بل كان السلف يسمون الرجل المغنّي مخنَّثًا لتشبهه بالنساء، وقد رُوي: "اقرأوا القرآنَ بلحون العرب، وإياكم ولُحونَ العجم والمخانيثِ والنساءِ" (٣). وسئل القاسم بن محمد (٤) عن الغناء، فقال للسائل: أرأيت إذا ميز الله يوم القيامة بين الحق والباطل ففي أيهما [٨٦ أ] يجعل الغناء؟ فقال:

стр. 286

في الباطل، قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال. فكان العلم بأنه من الباطل مستقرًّا في نفوسهم كلهم وإن فعله بعضهم. فصل * قال صاحب الغناء (١): فهذا الشافعي لا يُحرِّمه، ويجعله من العوامِّ مكروهًا، حتى لو احترف بالغناء أو اتصف به على الدوام وبسماعه على وجه التلهي (٢) تُردُّ به الشهادة (٣)، ويجعله مما يُسقِط المروءة ولا يُلحِقه بالمحرمات، وليس الكلام في هذا النوع من السماع، فإن هذه الطائفة جلَّت رتبتهم عن أن يسمعوا بلهوٍ، أو يقعدوا للسماع بسهوٍ، أو يكونوا بقلوبهم متفكرين في مضمون لغوٍ (٤). * قال صاحب القرآن: لم يختلف قول الشافعي في كراهته والنهي عنه للعوام والخواصّ، ولكن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه أو يُفصَّل (٥) بين بعض وبعض؟ هذا مما تنازع فيه أصحابه، وهذا قوله في سماع العامة. وأمَّا سماع الخاصة الذين تشيرون إليه فهو عند الشافعي من فعل الزنادقة، كما تقدم حكاية كلامه. فعند الشافعي أن هذا السماع الذي للخاصة أعظم من أن يقال فيه: إنه مكروه أو محرم، بل هو عنده مضادٌّ

стр. 287

للإيمان، وشرعُ دينٍ لم يأذن به الله ولم يُنزل به من سلطان، وإن كان من المشايخ والصالحين من تأول في فعله (١)، وبتأويله واجتهاده يغفر الله له خطأه، ويُثِيبه على ما مع التأويل من قصد خالص (٢) وإن لم يكن العمل صوابًا. والتأويل والاجتهاد من باب المعارض في حق بعض الناس، يُدفَع به عنه العقوبة كما يُدفَع بالتوبة والحسنات الماحية، وهذا إنما هو لمن استفرغ وُسعَه في طلب الحق [٨٦ ب] واتقى الله (٣) ما استطاع. وقول الشافعي ﵁ في هؤلاء نظير قوله في أهل الكلام: "حكمي في أهل الكلام (٤) أن يُضرَبوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام" (٥). وقوله: "لأن يبتلى العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يُبتلى بالكلام في هذه الأهواء" (٦). فهذا مذهبه في المتكلمين، وتلك شهادته في أهل السماع، وهذا من كمال نصيحته ﵁، لما علم من دخول الفساد على الأمة من هاتين

стр. 288

الطائفتين. وبالجملة فالكلام في السماع على وجهين: أحدهما: سماع اللهو واللعب والطرب، فهذا يقال فيه: مكروه أو محرم أو باطل، أو مُرخَّص في بعض (١) أنواعه. والثاني: السماع المحدَث لأهل الدين والقُربة، فهذا يقال فيه: إنه بدعة وضلالة، وإنه مخالف لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع السالفين (٢) جميعهم، وإنما حدثَ في الأمة لما حدث الكلام، فكثر هذا في أهل النظر والعلم، وكثر هذا في أهل الإرادة والعبادة، ولهذا كان يزيد بن هارون شيخ الإسلام في وقته، وهو من أتباع التابعين، ينهى عن مجالسة الجهمية والمغبِّرة، هؤلاء أهل الكلام المخالف للكتاب (٣) والسنة، وهؤلاء أهل السماع المُحدَث المخالف للكتاب والسنة (٤)، ولهذا لم يستطع أحد قطُّ ممن زعم أن هذا السماع قربة ومستحب، أن يأتي بأثرٍ عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه بذلك، إلا من جاهر بالوقاحة والكذب، وزعم أن رسول الله ﷺ سمع هذا السماع (٥)، وتواجدَ عليه حتى شقَّ قميصَه. [٨٧ أ] فلْيَبْشُرْ من نسب ذلك إليه بمقعده من النار.

стр. 289

فصل *قال صاحب الغناء (١): وقد رُوي عن ابن عمر وعبد الله بن جعفر آثارٌ في إباحة السماع، هذا مع تشدد ابن عمر وزهده ودينه وحرصه على متابعة الرسول وبُعْدِه من البدع، وعبد الله بن جعفر الطيار. * قال صاحب القرآن: أما ما نقل عن ابن عمر فإنه نقلٌ باطل، والمحفوظ عن ابن عمر ذمه للغناء، ونهيه عنه، كما هو المحفوظ عن إخوانه من أصحاب رسول الله ﷺ كابن مسعود وابن عباس وجابر وغيرهم، ممن رضيهم المسلمون قدوةً وأئمةً. وهذه سيرة ابن عمر وأخباره ومناقبه وفتاويه بين الأمة (٢)، هل تجد فيها أنه عمل هذا السماع أو حضره أو رخَّص فيه؟ فقد نزَّه الله (٣) سَمْعَ ابن عمر عنه، بل وأصحاب ابن عمر. وأما ما نقلتَ عن عبد الله بن جعفر، فلا ريب أنه قد نُقِل عنه ذلك، لكن المنقول عنه أنه كانت له جارية تُغنِّيه في بيته، فيستمتع (٤) بسماع غنائها. هذا غايةُ ما نُقِل عنه، وليس ابن جعفر ممن يُعارَضُ به أركانُ

стр. 290

الأمة كابن مسعود وابن عباس وجابر (١) وابن عمر. ومن احتج بفعل عبد الله بن جعفر (٢) فليحتجَّ بفعل معاوية في قتاله لعلي، وبفعل عبد الله بن الزبير في قتاله في الفرقة، وبفعل (٣) مروان بن الحكم في خطبته يوم العيد قبل الصلاة (٤)، وأمثال ذلك مما لا يصلح لأهل العلم والدين أن يُدْخِلوه في أدلة الشرع، لا سيما النسّاك والزهاد وأهل الحقائق، فإنهم لا يَصلُح لهم أن يتركوا سبيلَ مثل أبي ذر وأبي أيوب الأنصاري وعمار بن ياسر [٨٧ ب] وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح، والمشهورين بالنسك والعبادة، ويتبعون سبيلَ من اتخذ جاريةً تُغنِّيه في بيته للهو (٥) واللذة، ويجعلونه حجةً لهم فيما بينهم وبين الله في الرقص وسماع الأغاني المطربة من الشاهد المليح، بمساعدة الدفوف والشبابات والمواصيل. هذا مع أن الذي فعله عبد الله بن جعفر كان في داره، لم يكن يجمع الناس على ذلك ولا يدعو إليه، ولا يعدُّه دينًا وقربة (٦) يُقرِّبه إلى الله، بل هو من الباطل واللهو.

стр. 291

فصل * قال صاحب الغناء (١): ثبت (٢) عن النبي ﷺ أنه سمع الحُدَاء وحَدا الحُداةُ بين يديه، وكذلك عمر بن الخطاب (٣) بعده رخَّص في الحُداء، والغناء والحداء كلٌّ منهما إنشادٌ بأصواتٍ مطربةٍ، وهما كما قال الشاعر: فإن لا يَكُنْها أو تَكُنْه فإنه ... أخوها غَذَتْه أمُّه بلِبَانِها (٤) * قال صاحب القرآن: قد اتفق الناس على جواز الحُداء، وثبت أن عامر بن الأكوع كان يحدو بالصحابة مع النبي ﷺ ، ففي الصحيحين (٥) عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فسِرْنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تُسمِعنا من هُنيَّاتِك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم، يقول: اللهمَّ لولا أنتَ (٦) ما اهتدَينا ... ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا فأنزلَنْ سكينةً علينا ... وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا

стр. 292

إنّا إذا صِيْحَ بنا أَتَينا ... وبالصِّياح عوَّلوا عَلينا [٨٨ أ] فقال رسول الله ﷺ : "مَن هذا السائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع، قال: "يرحمه الله"، قال رجل من القوم: وجبَتْ يا نبي الله، لولا أمتعتَنا به، وذكر الحديث (١). وذلك في غزوة خيبر. وفي الصحيح (٢) حديث أنجَشة الحبشي الذي كان يحدو بالنبي ﷺ ، حتى قال النبي ﷺ : "رُويدَك يا أنجشةُ، سَوقَك بالقوارير" يعني النساء (٣)، أمره بالرفق بهن لئلا تُزعِجَهن الإبل في المسير (٤) إذا اشتدَّ سيرها، ولئلا ينزعجن (٥) بصوت الحادي، والحديث متفق عليه. فمن الذي حرَّم الحداء؟ حتى يحتجُّون عليه بفعله بين يدي النبي ﷺ . وأما قولكم: "إن الغناء إن لم يكنْه فهما رضيعَا لِبانٍ، وهما في (٦) بابهما أخوانِ" فمن أبطل الباطل، وهو من جنس استدلالكم على حل الغناء والسماع بسماع النبي ﷺ الشعرَ (٧) واستنشاده له، وهل هذا إلا

стр. 293

من أفسدِ القياس وأبطله؟ وإذا كان الأمر كما تقولون فلِمَ سمع (١) رسول الله ﷺ وأصحابه الحُداءَ والشعر؟ ولم يُنقل والعياذ بالله عن أحد منهم قطُّ استماعُ الغناء وحضوره وإقامته، فضلًا عن اتخاذه طاعة وقربة ودينًا! فقياس الغناء على الحداء من جنس قياس الربا على البيع، وقياس نكاح التحليل على نكاح الرغبة، ونكاح المتعة على النكاح المؤبد، وأمثال ذلك من الأقيسة التي تتضمن الجمع بين ما (٢) فرَّق الله ورسوله بينهما. فصل * قال صاحب الغناء (٣): يكفينا في هذا الباب ما قد اشتهر، وعلمه الخاص والعام من حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة، بما تقاولت [٨٨ ب] به (٤) الأنصار يوم بُعَاث، فأنكر عليهما أبو بكر، وقال: أبمزمور (٥) الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله ﷺ : "دَعْهما يا أبا بكر! فإن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا" (٦).

стр. 294

* قال صاحب القرآن: هذا الحديث من أكبر الحجج عليك (١)، فإن الصديق سمّى الغناء مزمور الشيطان، ولم ينكر عليه النبي ﷺ هذه التسمية، وأقرَّ الجويريتين على فعله، إذ هما جويريتان صغيرتان (٢) دون البلوغ غير مكلَّفتين، قد أظهرتا الفرح والسرور يوم العيد بنوعٍ ما من أنواع غناء العرب، ولا سيما الصغار (٣) منهن في بيت جاريةٍ حديثة السن، بشعرٍ من شعر العرب في الشجاعة ومكارم الأخلاق ومدحها، وذم الجبن ومساوئ الأخلاق، ومع هذا فقد سماه صديق الأمة "مزمور الشيطان". فيالله العجب! كيف صار هذا المزمور الشيطاني (٤) قربةً وطاعةً تقرِّب إلى الله، وتُنال بها كرامتُه؟ وأصحابه جلّت رتبتهم أن يسمعوه بنفوسهم، أو لأجل حظوظهم، هذا وكم بين المزمورين؟ فبينهما أبعد ما (٥) بين المشرقين. ثم نحن نرخِّص في كثير من أنواع الغناء، مثل هذا، ومثل الغناء في النكاح للنساء والصبيان، إذا خلا من الآلات المحرمة، كما نرخص لهم في كثير من اللهو واللعب، وهذا نوع (٦) من أنواع اللعب المباح لبعض

стр. 295

الناس في بعض الأوقات، فما له وللتقرب والتعبد به؟ واستنزال الأحوال الإيمانية والأذواق العرفانية والمواجيد القلبية به؟ ونظير هذا دخول عمر ﵁ على النبي ﷺ ، وهروب النسوة [٨٩ أ] اللاتي كنَّ يغنين لما رأينه، ووضعن دفوفهن تحتهن، فقال النبي ﷺ : "ما رآك الشيطان سالكًا فجًّا (١) إلا سلك فجًّا غير فجِّك" (٢). فأخبر أن الشيطان هرب مع تلك النسوة، وهذا يدل على أن الشيطان كان حاضرًا مع أولئك النسوة، وهرب معهن. فقد أقر النبي ﷺ الصديق على أن الغناء مزمور الشيطان، وأخبر أن الشيطان فرَّ من عمر لما فر منه النسوة، فعُلِمَ أن هذا من الشيطان، وإن كان رُخِّصَ فيه لهؤلاء الضعفاء العقولِ من النساء والصبيان، لئلا يدعوهم الشيطان إلى ما يُفسِد عليهم دينَهم، إذ لا يمكن صرفُهم عن كل ما تتقاضاه الطباع من الباطل. والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تُحصِّلُ أعظمَ المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فإذا وُصِف العمل بما فيه من الفساد مثل كونه من عمل الشيطان، لم يمنع ذلك أن يُدفَع به مفسدة شرٌّ منه وأكبر وأحب إلى الشيطان منه، فيُدفَع بما يحبه الشيطان ما هو أحب إليه (٣)

стр. 296

منه، ويُحتَمل ما يبغضه الرحمن لدفع ما هو أبغض إليه منه، ويُفوَّت ما يحبه لتحصيل ما هو أحبُّ إليه منه (١). وهذه أصولٌ مَنْ رُزِقَ فهمَها والعملَ بها فهو من العالمين بالله وبأمره. ولا ريب أن الشيطان موكَّلٌ ببني آدم، يجري منهم مجرى الدم، وقد أُعِين بما رُكِّب في نفوسهم وجُبِلَتْ عليه طباعُهم وامتُحِنوا به من أسباب الشهوة والغضب، فلا يمكن حفظُ [٨٩ ب] مَن هذا شأنه مع عدوه (٢)، من كل ما للشيطان فيه نصيبٌ، وهو له حظ في كل أعمال العبد، حتى في صلاته، كما قال النبي ﷺ : "لا يجعل أحدكم للشيطان حظًّا من صلاته، يرى أن حقًّا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه" (٣). فإذا كان هذا القدر من حظ الشيطان في صلاة العبد، فما الظن بما هو أعظم من ذلك وأكبر. وسُئِل ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: "هو اختلاس يَختلِسُه الشيطان من صلاة العبد" (٤). وإذا لم يمكن حِفظُ العبد (٥) نفسَه من جميع حظوظ الشيطان منه، كان من معرفته وفقهه وتمام توفيقه أن يدفع حظَّه الكبير بإعطائه حظَّه

стр. 297

الحقير، إذا لم يمكن حرمانُه الحظَّينِ كليهما، فإذا أُعطِيَتِ النفوسُ الضعيفة حظًّا يسيرًا من حظِّها (١) يُستَجلبُ به من استجابتها وانقيادها خيرٌ كبير (٢)، ويُدفَع به عنها شر كبير (٣) أكبر من ذلك الحظ= كان هذا عينَ مصلحتِها، والنظر لها والشفقة عليها. وقد كان النبي ﷺ يُسرِّبُ الجواري إلى عند عائشة يلعبن معها (٤)، ويمكِّنها من اتخاذ اللُّعب التي هي في صور خيل بأجنحة وغيرها (٥)، ويُمكِّنها من النظر إلى لعب الحبشة (٦). وكان مرة بين أصحابه في السفر، فأمرهم فتقدموا، ثم سابقها فسبقَتْه، ثم فعل ذلك مرة أخرى، فسابقها فسبقها، فقال: "هذه بتلك" (٧). واحتمل ﷺ ضرب المرأة التي نذرت إن نجَّاه الله أن تضرب على رأسه بالدف (٨)، لما في إعطائها [٩٠ أ] ذلك

стр. 298

الحظّ من فرحها به وسرورها بمَقْدمِه وسلامته، الذي هو زيادة في إيمانها ومحبتها لله ورسوله، وانبساط نفسها وانقيادها لما يأمر به من الخير العظيم، الذي ضربُ الدف فيه كقطرةٍ سقطتْ في بحر. وهل الاستعانة على الحق بالشيء اليسير من الباطل إلا خاصة الحكمة والعقل؟ بل يصير (١) ذلك من الحق إذا كان مُعِينًا عليه، ولهذا كان لَهْوُ الرجل بفرسه وقوسه وزوجته من الحق، لإعانته على الشجاعة والجهاد والعفة، والنفوس لا تنقاد إلى الحق إلا ببِرْطيلٍ، فإذا بُرطِلَتْ بشيء من الباطل لتبذل به حقًّا، وُجُوْدُه أنفعُ لها وخير (٢) من فوات ذلك الباطل، كان هذا من تمام تربيتها (٣) وتكميلها. فليتأمل اللبيب هذا الموضع حق التأمل، فإنَّه نافعٌ جدًّا، والله المستعان. فصل *قال صاحب الغناء: وندب النبي ﷺ إلى تحسين الصوت بالقرآن، فروى البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حَسِّنوا القرآنَ بأصواتكم، فإنَّ الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا" (٤). وعن أنس عن النبي ﷺ : "لكل شيء حليةٌ، وحلية القرآن الصوت

стр. 299

الحسن" (١). وقد صح عنه ﷺ أنَّه قال: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" (٢). وقد قال الإمام أحمد في تفسيره: "يحسِّنه بصوته ما استطاع"، وقال الشافعي: "نحن أعلم بهذا [٩٠ ب] من سفيان"، ينكر عليه قوله: يستغني به، وإنما هو تحسين الصوت بالقرآن (٣). وقال ﷺ : "لله أشدُّ أذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحبِ القَينةِ إلى قَينتهِ" (٤). فإذا ندب إلى تحسين الصوت بالقرآن والتغني به، جاز أن يُحسَّن الصوتُ بالشعر ويُتغنى به، وأيُّ حرج في تحسين الصوت بالشعر؟ *قال صاحب القرآن: هذه الأدلة إنما تدل على فضل الصوت الحسن بكتاب الله، لا على فضل الصوت (٥) الحسن بالغناء الذي هو

стр. 300

مزمور الشيطان، ومن قاس هذا بهذا وشبَّه أحدهما بالآخر فقد شبَّه الباطل بالحق، وقاس قرآن الشيطان على كتاب الرحمن. وهل هذا إلا نظير قول من يقول: إذا أمر الله بالقتال في سبيله بالسيف والرمح والنُّشَّاب دلَّ ذلك على فضيلة الطعن والضرب والرمي! ثمّ يحتج بذلك على جواز الضرب والطعن والرمي في غير سبيل الله، بل على استحبابه. ونظير من قال: إذا أمر الله بإنفاق المال في سبيله، دل على فضيلة المال! ثمّ يحتج بذلك على جواز إنفاق المال واستحبابه في غير سبيله. ونظيره قول من يقول: إذا أمر الله بالاستعفاف بالنكاح دل على فضيلة النساء، ثمّ يحتج بذلك على جواز ما لم يأمر به من ذلك! وكذلك كل ما يُعِين على طاعة الله ومحابّه ومراضيه من تفكُّرٍ أو صوت أو حركة أو قوة أو مال أو أعوان هو محمود في إعانته على طاعة ومحابّه ومراضيه (١). ولا يدلُّ ذلك على أنَّه في نفسه محمود على الإطلاق، حتى يحتج على أنَّه محمود حال كونه معينًا على غير طاعة الله من البدع [٩١ أ] والفجور والمعاصي. إذا ثبت هذا فتحسين الصوت نُدِب إليه، وحُمِد الصوت الحسن لما تضمنه من الإعانة على ما يحبه الله من سماع القرآن، ويحصُل به من تنفيذ معانيه إلى القلوب ما يزيدها إيمانًا، ويُقرّبها إلى ربها، ويُدنِيها من محابّه. فالصوت الحسن بالقرآن (٢) مُنَفّذ لحقائق الإيمان، مُعِين على إيصالها إلى القلوب، فكيف يُجعَل نظيرَ الصوت الحسن بالغناء الذي

стр. 301

يُنبِت النفاقَ في القلب؟ وأخفُّ أنواعه وأقلُّها شرًّا ما (١) وضعته الزنادقة يَصدُّون به الناس عن القرآن. فالصوت الحسن من (٢) هذا يُنفِّذ حقائقَ النفاق والفجور والفسوق إلى القلب، ولهذا يظهر في الأفعال وعلى اللسان. فالسماع الشيطاني الذي يتقرب به أهله إلى الله، يُنفِّذ الصوتُ الحسن فيه حقائقَ النفاق إلى القلب، والسماع الآخر الذي يعدُّه أهله لهوًا ولعبًا، يُنفِّذ ما يكرهه الله من شهوات الفسوق إلى القلب، فالاعتبار بحقائق المسموع، والصوت الحسن آلة ومنفِّذ. فصل وقوله ﷺ : "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" إما أن يريد به الحضّ (٣) على أصل الفعل، وهو نفس التغني به، أو على صفته وهو أن يكون تَغنِّيه إذا تغنَّى به لا بغيره. وهذا نظير ما حُمِل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، هل هو أمرٌ بأصل الحكم أو بصفته إذا حَكَم؟ فيه قولان. ونظيرهُ أمره ﷺ بالدعاء في السجود، هل هو أمر بأصل الدعاء؟ أو المعنى: إذا دعوتم [٩١ ب] فاجعلوا دعاءكم في السجود، فإنَّه قَمَنٌ أن يُستجاب لكم (٤).

стр. 302

فقوله: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن"، إن أريد به الحضّ على نفس الفعل كان ذمًّا لمن ترك التغني به، وإن أريد به المعنى الثاني، وهو أنَّه إذا تغنى فليتغنَّ بالقرآن، كان ذمًّا لمن تغنَّى بغيره، لا لمن ترك التغني به (١)، وبين المعنيين فرق ظاهر، وقد يصح أن يُرادَا معًا، وأنَّه ذمّ من ترك التغني به ومن تغنَّى بغيره. والله أعلم. فصل *قال صاحب الغناء (٢): صح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "صوتان ملعونان: صوتُ ويلٍ عند مصيبة، وصوتُ مزمارٍ عند نِعْمة" (٣). ومفهوم خطابه يقتضي إباحة غير هذين الصوتين في غير هاتين الحالتين، وإلا بطلت (٤) فائدة التخصيص. *قال صاحب القرآن: هذا الحديث من أجود ما يُحتَجُّ به على تحريم الغناء، كما في اللفظ الآخر الصحيح: "إنما نَهَيْتُ عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نِعْمة: لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت

стр. 303

[عند] مصيبة: لَطْم خدودٍ وشَقّ جُيوبٍ ودعاء بدعوى الجاهلية" (١). فنهى عن الصوت الذي يُفعَل عند النعمة كما نهى عن الصوت الذي يُفعل (٢) عند المصيبة، و الصوت الذي يُفعَل (٣) عند النعمة هو صوت الغناء . *قال صاحب الغناء: إنما نهى عن صوت المزمار، وهو الذي لعنه، لا عن صوت (٤) الغناء. *قال صاحب القرآن: المراد بصوت المزمار هنا هو (٥) نفس الغناء، فإنَّ (٦) نفس صوت الإنسان يسمى مزمارًا ومزمورًا، كما قال ﷺ لأبي موسى: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود" (٧)، فسمى صوته مزمارًا. وكما قال الصديق ﵁ لغناء [٩٢ أ] الجاريتين (٨): "أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ " (٩)، ولم يكن معهما مزمور غير

стр. 304

أصواتهما، فكذلك قوله ﷺ : "نهيتُ عن صوتين أحمقين فاجرين"، ثمّ فسرهما بالغناء والنَّوح اللذين يُثِيرهما الطربُ والحزن (١). وقولك: "إنَّ مفهوم الخطاب يقتضي إباحةَ غير هذا"، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّ مثل هذا اللفظ لا مفهومَ له عند أكثر أهل العلم، فإنَّ التخصيص في مثل هذا بالعدد لا يقتضي اختصاص الحكم به، كقوله ﷺ : "ثلاث في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن" (٢)، لا يقتضي أنَّه ليس فيهم من أمر الجاهلية غير هذه الثلاث، ومن قال من الفقهاء بمفهوم العدد، فإنما يكون عنده حجة إذا لم يكن للتخصيص سبب آخر، وهنا التخصيص لكون هذين الصوتين كانا معتادين في زمنه وعلى (٣) عهده ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] فإنَّ القتل (٤) على هذه الصفة هو الذي كان معتادًا على عهده في العرب. الثاني: أنَّ اللفظ الذي ذكره رسول الله ﷺ يدل على مورد النزاع ، فإنَّه إذا نُهِي عن هذا الصوت عند النعمة التي يُعذَر الإنسان عندها، إذ

стр. 305

هي محل فرح وسرور، كما رخّص في غناء النساء في الأعراس والأعياد ونحو ذلك، فلأن يُنهَى عنه في غير هذه الحال أولى وأحرى. فصل *قال صاحب الغناء: قد روى ابن طاهر المقدسي (١) أن رجلًا أنشد بين يدي النبي ﷺ : أقبلتْ فلاحَ لها ... عارضانِ كالسَّبَجِ [٩٢ ب] أدبرَتْ (٢) فقلتُ لها ... والفؤادُ في وَهَجِ هلْ عليَّ ويحَكما ... إن عَشِقْتُ من حَرجِ (٣) فقال رسول الله ﷺ : "لا إن شاء الله" (٤). وذكره أبو القاسم القشيري في رسالته (٥)، وهو نص في إباحة الغناء.

стр. 306

*قال صاحب القرآن: هذا الحديث مكذوب موضوع على رسول الله ﷺ ، لا يشك فيه مَن له أدنى علم بسنّة (١) رسول الله ﷺ وتمييز صحيحها من سقيمها، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول: "هذا الحديث موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، لا أصل له، وليس هو في شيء من دواوين الإسلام، وليس له إسناد" (٢). ومَن له أدنى ذوق في الشعر يعرف أن هذا من شعر المتأخرين، وليس من فحله بل من ثُنيانِه (٣)، وشعر العرب أفحلُ من هذا وأحمس (٤). وكيف يُظَنُّ بالنبي ﷺ أنه يقول: لا حرج؟ من غير أن يسأله عن معشوقته أهي ممن يحل له أم لا؟ فقبَّح الله واضعَه على رسول الله ﷺ ، ما أجرأَه على النار! فصل *قال صاحب الغناء: فقد روي أن أعرابيًا أتى النبي (٥) ﷺ وأنشده: قد لَسَعَتْ حيَّةُ الهوى كَبِدِي ... فلا طبيبٌ لها ولا رَاقِي إلّا الحبيب الذي شُغِفْتُ به ... فعنده رُقْيتي وتِرْيَاقِي

стр. 307

فتواجد النبي ﷺ عند سماعه (١). *قال صاحب القرآن: وهذا الحديث أيضًا من الطراز الأول، فليتبوأ واضعُه على رسول الله ﷺ [٩٣ أ] مقعدَه من النار. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "هذا كذبٌ مفترًى موضوع باتفاق أهل العلم" (٢). قلت: وركاكة شعره وسماجته وما تجد عليه من الثقالة، من أبين الشواهد على أنه من شعر المتأخرين البارد السَّمج، فقبَّح الله الكاذبين (٣) على رسول الله ﷺ . وقد اختلف الناس في كفر من كذب عليه وقتله على قولين مشهورين، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيرهم، والذين ذهبوا إلى كفره وقتله احتجوا بالأثر المشهور أن رجلًا جاء إلى قوم من العرب، فقال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم أن تزوِّجوني، فزوَّجوه وأكرموه،

стр. 308

ثمّ (١) أرسلوا إلى رسول الله ﷺ أنّا قد (٢) فعلنا ما أمرتَنا به، فأمر بقتله (٣). قالوا: وقد توعده (٤) بأنه يتبوأ مقعدَه من النار (٥)، والمباءة المكان اللازم له الذي لا يفارقه. قالوا: وقد قال ﷺ : "ليس كذبٌ عليَّ ككذبٍ على غيري" (٦)، فلو كان الكذب عليه إنما يوجب التعزير، والكذب على غيره يوجبه، لكانا سواءً أو متقاربين. قالوا: ولأن الكذب عليه يرجع إلى الكذب على الله، وأن هذا دينه

стр. 309

وشرعه ووضعه (١)، والكذب على الله أقبح من القول عليه بلا علم، والقول عليه بلا علم من أعظم المحرمات (٢)، بل هو في الدرجة الرابعة من المحرمات. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ [٩٣ ب] مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فذكر سبحانه المحرمات الأربع مبتدئًا بالأسهل منها، ثم ما هو أصعب منه، ثم كذلك، حتى ختمها بأعظمها وأشدِّها، وهو ا لقول عليه بلا علم، فكيف بالكذب عليه؟ قالوا: ولأن الكذب عليه بأنه قال كذا ولم يقلْه، نسبةٌ للقول المكذوب إليه بأنه قاله (٣)، فالكاذب يعلم أن ما اختلقَه كذِبٌ، فإذا نسبه إلى رسول الله فقد نسب إليه الكذب. وهذا المذهب كما ترى قوةً وظهورًا. فصل *قال صاحب الغناء: وقد رُوي أن أصحاب الصُّفَّةِ سمعوا يومًا فتواجدوا، ومزَّقوا ثيابهم. ولنا الأسوة فيهم.

стр. 310

*قال صاحب القرآن: هذا أيضًا من جِراب الكذب الذي فتحه البهَّاتون الكذابون (١) الدجّالون، ولم يكن في القرون الثلاثة لا بالمدينة ولا بمكة ولا بالشام ولا باليمن ولا بمصر ولا خراسان ولا العراق، مَن يجتمع على هذا السماع المحدَث، فضلًا عن (٢) أن يكون نظيره كان على عهد رسول الله ﷺ ، ولا كان أحد يُمزِّق ثيابه من السلف الصالح، وهم كانوا أعلمَ بالله وأفقهَ في دينه من أن يُقدِموا على محرَّم في الشريعة باتفاق الأمة، وهو إتلاف المال وإضاعته، ويعدُّونه قربةً إلى الله تعالى، ولا كان فيهم رقَّاصٌ، بل لمَّا حدثَ التغبيرُ في أواخر المائة الثانية، وكان أهله من خيار طائفتهم، وكان مبدأ حدوثه من جهة المشرق التي منها يطلع قرن الشيطان، وبها الفِتَن (٣)، [٩٤ أ] قال الشافعي: "خلّفتُ ببغداد شيئًا أحدثتْه الزنادقة يسمّونه التغبير، يصدُّون به الناس عن القرآن". فصل *قال صاحب الغناء: قال أبو طالب المكي في كتابه "القوت" (٤): "مَن أنكر السماعَ مطلقًا غيرَ مقيَّد فقد أنكر على سبعين صدّيقًا". هذا في

стр. 311

زمانه، ولا ريبَ أن المنكر بعده يكون إنكاره على أضعاف هؤلاء. *قال صاحب القرآن: إن كان قد حضره وفعله سبعون صدّيقًا، فقد أنكر (١) عليهم سبعون وسبعون وسبعون (٢) وأكثر، والمنكرون عليهم أعظم علمًا وإيمانًا وأرفعُ درجة، فليس الانتصار لطائفةٍ من الصديقين على نظائرهم، لاسيما على مَن هو أكبر منهم وأجلُّ وأكثر عددًا، بأَوْلَى من العكس، وحينئذ فيُعارَض قولك بما هو أولى منه. ويقال: من أقرَّ على هذا السماع أو استحبه وأنكر (٣) على مَن أنكره، فقد أنكر على سبعين وسبعين وسبعين وأكثر من الصديقين والعلماء. وأيضًا فالذين حضروا هذا اللهو متأولين من أهل الصلاح والزهد والخير، غَمَرتْ حسناتُهم ما كان فيهم من السيئات والخطأ من هذا ومن غيره، وهذا سبيل كل (٤) صالح في هذه الأمة في خطئه وزَلَلِه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥].

стр. 312

وهذا كالمتأولين من صالحي الكوفيين في النبيذ المُسْكِر وإن كان خمرًا، وكذلك المتأولين من صالحي أهل مكة [٩٤ ب] في المتعة والصرف، وإن كان سبيلهما سبيل الزنا والربا، وهم من (١) أبعد الناس عن ذلك، وكذلك المتأولون في حِلِّ ما (٢) حرَّمه الشارع من الأطعمة من أهل المدينة وغيرهم، وكذلك المتأولون في مسألة حشوش النساء، وكذلك المتأولون في القتال في الفتنة، إلى أمثال ذلك مما تأول فيه قوم من أهل العلم والدين، من مطعوم أو مشروب أو منكوح أو مسموع أو عقد ونحو ذلك، مما قد عُلِم أن الله ورسوله حرَّمه، لم يَجُز اتّباعُهم في ذلك، وإن كان مغفورًا لهم، ومن السعي الذي يُؤجَرون عليه لاجتهادهم أجرًا واحدًا، فالرب سبحانه يمحو السيئات بالحسنات، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. فصل وها هنا أصل يجب اعتماده، وهو أن الله سبحانه عَصَم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، ولم يَعْصِم آحادها من الخطأ لا صدِّيقًا (٣) ولا غيره، لكن إذا وقع في بعضها خطأ فلا بدَّ أن يقيم الله فيها مَن يكون (٤)

стр. 313

على الصواب، لأن هذه الأمة شهداء الله في الأرض، وهم شهداء على الناس يوم القيامة، وهم خير أمةٍ أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فلا بد أن تأمر بكل معروف وتنهى (١) عن كل منكر، فإذا كان فيها مَن يأمر بمنكر متأولًا، فلابد أن يقيم الله فيها (٢) مَن يأمر بذلك المعروف. فأمّا الاحتجاج بفعل طائفة من الصديقين في مسألة نازعهم فيها مثلُهم أو أكثرُ منهم فباطل، بل لو كان المنازع لهم أقلَّ منهم عددًا وأدنى منزلةً، لم تكن الحجة مع أحدهما إلا بكتاب الله وسنّة [٩٥ أ] رسوله ﷺ ، فإن الأمة أُمِرَتْ بذلك، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. فإذا تنازع الأمراء والعلماء والزهّاد والعبّاد في شيء، فعليهم جميعهم أن يردُّوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله. ومن المعلوم أن الصديقين الذين أباحوا بعض المسكرات، والصديقين الذين استحلُّوا نكاحَ المتعة، واستحلُّوا الصَّرفَ، و استحلُّوا نكاح التحليل، واستحلُّوا بعض المطاعم التي حرَّمها الشارع، واستحلُّوا قتالَ أهل القبلة، هم أسبقُ من هؤلاء وأكبر (٣) وخير منهم وأعلم بالله

стр. 314

ورسوله، فإذا نهى مَن خالفهم عما نهى الله ورسوله عنه من ذلك لم يكن لأحد أن يقول: هذا إنكارٌ على كذا وكذا من الصديقين وأئمة المسلمين، فإن هذا الإنكار من نظرائهم أو من هو أعلم بذلك منهم، وإن كانوا أعلمَ منه بشيء آخر، فالصديقون أنكر بعضهم على بعض، وردَّ بعضهم على بعض، وخطَّأ بعضهم بعضًا، بل قاتل بعضهم بعضًا (١)، وكل ذلك لله وفي الله وفي مرضاته. فصل وهاهنا نكتة ينبغي التفطُّن لها، وهي أنَّ الله سبحانه لما سبق في قضائه وقدره وعلمه السابق أنَّ الأمة لابدّ أن تختلف، ويكون فيها من يستحلُّ بعضَ ما حرَّمه بالتأويل، جعل للمختلفين (٢) سلفًا صالحًا خفي عليهم بعضُ ما جاء به رسوله فخالفوه متأولين، وهم مطيعون [٩٥ ب] لله ورسوله، وإن أخطأوا حكمَه في بعض ما اختلفوا فيه للاشتباه والخفاء، كما يكون من خفيت عليه القبلة فصلى بالاجتهاد إلى غير جهتها مطيعًا لله ورسوله، فلولا اختلاف المتقدمين لهلك المتأخرون. ومن كمالِ نعمته وتمامِ رحمته أن جعل في الأمة من يعرف ما خفي على الآخر من الصواب، وكذلك هذا أيضًا قد يخفى عليه الصواب في شيء آخر، ويعرفه ذلك. فمجموع الحق عند مجموع الأمة.

стр. 315

ووقوعُ مثل هذا التأويل ممن وقع منه (١) من الأئمة المتبوعين أهلِ العلم والإيمان، صار من أسباب المحنة التي امتحن الله بها عباده، وفتنَهم بها، وصار فتنةً لطائفتين: طائفة اتبعتْهم على ذلك وقلَّدوهم فيه، معرضين عما أمرهم الله ورسوله من اتباع الحق، وحملَ التعصبُ لكثيرٍ من أتباعهم على أنهم لم يقفوا عند الحد الذي وقف أولئك عنده وانتهوا إليه، بل اعتدَوا في ذلك، وزادوا زياداتٍ لم تصدُرْ من تلك الأئمة، ولو رأوا من يفعلُها ويستحلُّها لأنكروا عليه غاية الإنكار. وطائفة أخرى علموا تحريمَ ما أحلَّه أولئك الأئمة بالتأويل، ووضحتْ (٢) لهم فيه السنةُ، فاعتدَوا على المتأولين بنوع من الذم فيما هو مغفور لهم، و تبعهم مقلِّدون لهم، فزادوا في الذمّ واعتدَوا، ولم يقفوا عند الحد الذي انتهى إليه من قلدوه. والقول الوسط والصراط (٣) المستقيم بين هذا وهذا: معرفةُ المراتب وإعطاء كل ذي حق حقه، واتباع القول الموافق لما جاء به رسول الله [٩٦ أ] ﷺ ، وعُذْرُ من خالفه مجتهدًا متأولًا.

стр. 316

واعتبرْ ذلك بمسألة السماع التي وقع فيها النزاع، فإنَّ الله سبحانه شرع للأمة من السماع ما أغناهم به عما لم يَشرعْه، حيث أكملَ لهم دينَهم وأتمَّ عليهم نعمتَه ورضيَ لهم الإسلام دينًا، وهو سماع القرآن الذي شرعه لهم في الصلاة وخارجها مجتمعين ومنفردين، حتى كان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: "يا أبا موسى ذكِّرنا ربَّنا" (١). فلما انقرضت القرون الفاضلة حصلَتْ فترةٌ في هذا السماع المشروع الذي به صلاح القلوب وسعادة الدارين، وصار أهل الفتور فيه أحدَ رجلين: رجل أعرض عن السماع المشروع وغير المشروع، فأورثه ذلك قسوةً، وفواتَ حظِّه من حقائق الإيمان وأذواقه ومواجيده. ورجل أقبل على سماع الأبيات والقصائد، و جعل شربه وذوقه منها. والرجلان منحرفان، وخير منهما وأصحُّ سماعًا من جعل سماعه وذوقه ووَجْدَه من الآيات. وأقام الله سبحانه من أنكر على أهل السماع المحدَث المبتدَع، وكان في المنكِرين المقتصدُ والجافي والغالي، وصار على تمادي الأيام

стр. 317

يزداد المحدَثُ من هذا السماع، ويكثر الحدَثُ فيه، ويزداد التغليظُ من أهل الإنكار، حتى آل الأمر إلى أنواع من التفرق والاختلاف والمعاداة. ومن ثبَّته (١) الله بالقول الثابت أعطى كلَّ ذي حق حقَّه، وحفظَ حدودَ الله فلم يَعتدِها (٢)، ومن يتعدَّ (٣) حدودَ الله فقد ظلم نفسه. وحصلت الزيادةُ في جميع [٩٦ ب] أنواع البدع، وازدادت على الأيام تغليظًا، فإنَّ أصل سماع القصائد كان تلحينًا بإنشاد قصائد مُرقِّقة للقلوب، تتضمن تحريكَ المحبة والشوق، والخوف (٤) والخشية، والحزن والأسف وغير ذلك، وكانوا يشترطون له المكان والإمكان والخلَّان، ويشترطون أن يكون المجتمعون لهذا السماع من أهل الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة، وأن يكون الشعر المسموع خاليًا عما تَحظُر الشريعةُ سماعَه وتكرهه، وبعضهم كان يشترط أن يكون القوَّال منهم، وبعضهم يشترط كون الذي أنشأ القصيدة من أهل الطريق، إلى غير ذلك من الشروط والأوضاع التي احترزوا بها من مُفسِدات السماع. ولكن لما كان الأصل غيرَ مشروعٍ آل الأمرُ إلى ما آل إليه من الفساد الذي لا يعلمه إلا الله، لأنَّه من عند غير الله، فليس عليه حارسٌ

стр. 318

وحافظ من الله، بل هو بمدرجة كل سالكٍ في الباطل، وهو مَجْمَعُ المنخنقة (١) والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السَّبُع وما ذُبِح على النُّصُب. ثمّ إنَّهم أضافوا إلى هذا الصوت ما يُنفِّذه ويُوصِله إلى شَغَاف القلب، من الآلات التي أخفُّها التغبير، وهو ضربٌ بقضيب على جلد أو مخدَّةٍ على توقيع خاص، فعظُمَ إنكارُ الأئمة لذلك كالشافعي وأحمد، فقال الشافعي: "هو من إحداث الزنادقة"، وقال أحمد: "بدعة". ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة، فتعدَّوها إلى حركة الدُّفوف، وهي أقبح من حركة التغبير، وفيها ما فيها، وزيادة التشبه بالنساء، فإنَّ الدفّ في الأصل إنما هو للنساء عادة ورخصة، وقد لعن رسول الله [٩٧ أ] ﷺ المتشبّهين من الرجال بالنساء (٢). ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة حتى تعدَّوها إلى حركات الأوتار والعِيْدان، التي هي في الأصل من إحداث الفلاسفة أعداء الرسل، ثمّ ضمُّوا إلى ذلك حركة الرقص، التي سببها استخفاف الشيطان لأحدهم، وركوبه على كتفه، ودقُّه برجليه في صدره، وكلما دقَّه برجليه ورقَص على صدره رقصَ هو كرقص الشيطان (٣) عليه، وقد شاهد ذلك بعض أهل البصائر عيانًا، ثمّ ضمُّوا إلى صوت الغناء صوتَ اليَراع والشبابة وغيرها.

стр. 319

فاقتضت هذه الهيئة الاجتماعية حركةً باطنة، فإنَّ استماعَ الأصوات المطربة يُثير حركةَ النفس بحسب تلك الأصوات، وللأصوات طبائع متنوعة يتنوع آثارها في النفس، وكذلك للكلام المسموع نظمه ونثره، فيجمعون بين الصوت المناسب والحرف المناسب، فيتولد من بينهما حركاتٌ نفسية تُثِير كامنَها وتُزعِج قاطنَها، وهذا أمر يشترك فيه بنو آدم من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار، ويُثِير من قلب كل أحدٍ ما فيه. ومعلومٌ أنَّ النفوس فيها الشهوات كامنة، ولكنها مقهورة مقيَّدةٌ بقيود الأوامر، فإذا صادفها السماع أحياها وأطلقها من قيودها، وافْتكَّها من أَسْرها، وأجلب عليها بكل مُعِين ومُمِدّ. وهذا أمر لا ينكره إلا أحد رجلين: إما غليظ الطِّباع (١) كثيف الحجاب، وإما مكابر. فمضرة هذا (٢) السماع على النفوس أعظم من مضرَّة حُمَيّا الكُؤوس. ولما كانت المفسدة فيه ظاهرة معلومة، أخرجه أهلُه في قالَبٍ يُلطِّف ما فيه من المنكر، فجمعوا عليه أخلاطًا من الناس، وقالوا: إنَّ هذا [٩٧ ب] الاجتماع شبكةٌ نصطاد بها النفوسَ إلى التوبة، و نسوقُها بها إلى الله والدار الآخرة. ونعم واللهِ هو شبكة وأيُّ شبكة! يصطاد بها الشيطانُ النفوسَ المُبطِلة إلى ما هو أعظم من المعاصي الظاهرة،

стр. 320

ويقودها بها (١) إلى الغيّ والهوى، فلهذا نصَبه (٢) هؤلاء الفسَّاق من المخانيث والزُّناة وعُشّاق الصور، فجعلوه شبكةً لهم لصيدِ (٣) الأَغْيَد والغَيْداء والغَزَالِ والغزالة، ووضعوه على ما يليق بمقاصدهم من الأوضاع، فشرطوا أن يكون المغنِّي أمردَ جميلًا، تدعو صورتُه وصوته وشكله ودَلُّه وحركاتُه إلى تعلق القلوب به وعشقه، فإن فاتَ فامرأةٌ كذلك، وإذا جمعَ السماعُ العاشقَ والمعشوقَ، وتقابلَا وتعانَقَا في الرقص: فظُنَّ شرًّا ولا تسألْ عن الخبرِ (٤) وإذا حضر المُردان الحِسان هذا السماعَ فهو عندهم الغاية (٥)، ولاسيما إذا ألبسوهم المُصبغاتِ (٦)، وزيَّنوهم كما تُزيَّن العرائسُ، وأخلَوا لهم طابق (٧) الرقص، ودار حولهم العشّاق والفسَّاق كالهالة
следующие страницы →