والفرق واضح بين السؤال بالشخص والاستغاثة به. وأريد أن أعرف من أين دخل اللبس على هؤلاء الجهال؟ فإن معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه، ومن لم يعرف أسباب المقالات -وإن كانت باطلة- لم يتمكن من مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم، فوقع لي أن سبب هذا الضلال والاشتباه عليهم أنهم عرفوا أن يقال سألت الله بكذا كما في الحديث: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت المنان" (١)، ورأيي أن الاستغاثة تتعدي بنفسها كما يتعدى السؤال كقوله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، وقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، فظنوا أن قول القائل استغثت بفلان كقوله سألت بفلان والمتوسل إلى الله بغائب أو ميت تارة يقول: أتوسل إليك بفلان، وتارة يقول: أسألك بفلان، فإذا قيل ذلك بلفظ الاستغاثة فإما أن يقول أستغيثك بفلان، أو أستغيث إليك بفلان، ومعلوم أن كلا هذين القولين ليس من كلام العرب.
وأصل الشبهة على هذا التقدير أنهم لم يفرقوا بين الباء في استغثت به التي يكون المضاف بها مستغاثاً مدعواً مسؤولاً مطلوباً منه، وبالاستغاثة المحضة من الإغاثة التي يكون المضاف بها مطلوباَّ به لا مطلوباً منه، فإذا قيل: توسلت به أو سألت به أو توجهت به فهي الاستغاثة كما تقول كتبت بالقلم، وهم يقولون أستغيثه وأستغث به من الإغاثة، كما يقولون: استغثت الله واستغثت به من الغوث، فالله في كلا الموضعين مسؤول مطلوب منه.
وإذا قالوا لمخلوق: استغثته واستغثت به من الغوث كان المخلوق مسؤولاً مطلوباً منه، وأما إذا قالوا: استغثت به من الإغاثة فقد يكون مسؤولاً وقد لا يكون مسؤولاً، وكذلك استنصرته واستنصر به، فإن المستنصر يكون مسؤولاً مطلوباً؛ وأما المستنصر به فقد يكون مسؤولاً وقد لا يكون مسؤولاً.
стр. 107
فلفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به، وقول القائل استغثت فلاناً واستغثت به معنى طلبت منه الإغاثة لا بمعنى توسلت به، فلا يجوز للإنسان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
١٩ - أهمية التوحيد:
التوحيد أصل كل خير وجماعه، والشرك أصل كل شر وجماعه.
والموجبتان: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار" (١)، ولهذا لما جمع بين ما أمر به وبين ما حرمه في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ثم قال تعالي: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وأصل الكفر والشرك مخالفة الرسول ﷺ ، وهؤلاء الجهال فيهم من الشرك ومخالفة الرسول ما لا خفاء به على المؤمن العليم، وهم فيه درجات منهم من يأتي بالشرك البيّن، والإنكار البيّن لما جاء به الرسول ﷺ ، فهذا يستتاب باتفاق الأئمة، ومنهم من هو مخطئ في دقيق ذلك، ومنهم من هو بين هذا وهذا إما فاسق وإما عاص.
٢٠ - استعداء البكري للدولة:
وقوله: (لقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول ﷺ بإهلاكه وإهلاك أمثاله خصوصاً أهل الدولة وأصحاب الحكم إلى آخره).
جواب ابن تيمية: فيقال: كنت قد أجبت على كلامه إلي هذا الموضع واتفقت أمور شغلت عن تمام ذلك حتى أنزل الله بأسه بهذا الجاهل الظالم
стр. 108
وحزبه الجاهليق الظالمين، وكانوا في ذلك نظير المستفتحين من المشركين، وهذا الوعيد الذي ذكره في كلامه به وبأحزابه أليق وهم به أحق، وهكذا فعل الله -تعالى- بهم حيث عاقبه وحزبه عقوبة المعتدين الظالمين، عقوبة لم يعاقب بها أحداً من أشكالهم، وهؤلاء مضاهون للمشركين الذين ناظروا إمام الحنفاء -إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه- كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٨٣]، فإنهم خوَّفوا إبراهبم بما عبدوه من دون الله فقال لهم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ فإنه ليس للمؤمن أن يخاف إلا الله، فلا يستحق ملك مقرب ولا نبي مرسل أن يُخشى ويُتقى، كما لا يستحق أن يصلى له ويصام، بل هذا كله لا يصلح إلا لله وحده لا إِله إلا هو، ثم قال الخليل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ وهذا استثناء منقطع، أي: لكن إن شاء ربي شيئاً كان، فأنا أخاف ربي.
ثم قال: وكيف أخاف ما أشركتم مكان المخلوقات؟ وأنتم لا تخافون إشراككم بالله ما لم ينزل به سلطاناً، يقولا: فكيف لا تخافون أنكم عبدتم غير الله بغير سلطان من الله، وهكذا يقول أتباع إبراهيم الخليل الذين هم على ملته لمن خرج عنها من أشباه النصارى وغيرهم: كيف نخاف ما أشركتموه ودعوتموه من دون الله كائناً من كان سواء كان ملكاً أو نبياً أو شيخاً أو غيره؟ وأنتم لا تخافون الله حيث دعوتم غيره بغير سلطان من الله، فإن هذا الذي تفعلونه بدعة لم يأمركم الله بها ولا رسوله وفيها من الشرك ما فيها!! ولو لم يكن فيها شرك فكيف يسوغ لكم أن تشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله؟ ومعلوم أن من شرع عبادة يتقرب بها إلى الله ويجعلها وسيلة له إلى الله يرجو عليها ثواب الله إما واجبة أو مستحبة؛ فلا بد أن يكون من الدين الذي شرعه الله وأمر به، وإلا كان حظ صاحبها الإبعاد والطرد، ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع.
٢١ - مدح البكري لكتاب المؤلف الصارم المسلول:
وقد وقف هذا الرجل، (أي البكري) على الكتاب الذي صنفه المجيب في "سابِّ الرسول" واعترف أنه ما رأى في هذا الباب مثله، فكيف يسوغ له مع هذا أن ينسبه إلى نقيض ذلك؟ ولو قدر أن هذا في نفس الأمر تنقص فهو مما
стр. 109
تكلم فيه صاحبه بالاجتهاد، وقد أجمع المسلمون على أن مسائل الاجتهاد لا تدخل في السبِّ الذي يستحق صاحبه الوعيد.
٢٢ - رد على البكري على استشهاد ابن تيمية بحديث لا يستغاث بي:
قال البكري: (وأورد هذا الرجل حديثاً أن منافقاً كان يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله"، قال: والكلام على هذا الكافر الضال من وجوه، الأول: عدم تسليم صحة الحديث له إلى آخر كلامه) (١).
* رد ابن تيمية
قال الشيخ: والجواب عن هذا الكلام -مع ما فيه من الجهل والإلحاد والشرك في الدين والافتراء على الله والرسول وعباده المؤمنين- أن يقال: هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل معلوم ذُكِرَ ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي.
ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة؛ من الأخبار التي تُكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك، وبآثار الصحابة والتابعين، بل بأقوال المشايخ والإسرائيليات والمنامات مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع وما يصلح للاعتماد نوع، وهذا الخبر من النوع الأول فإنه رواه الطبراني في معجمه من حديث ابن لهيعة، وقد قال أحمد: "قد كتبت حديث الرجل لأعتبر وأستشهد به مثل حديث ابن لهيعة"، فإن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر كان من أهل العلم والدين باتفاق العلماء ولم يكن ممن يكذب باتفاقهم، ولكن قيل إن كتبه احترقت فوقع في بعض حديثه غلط، ولهذا فرقوا بين من حدَّث عنه قديماً و [بين من حدَّث عنه] حديثاً، وأهل السنن يروون له، والسياق الذي ذكر فيه
стр. 110
هذا الحديث في جواب الفتيا (١) لفظه: فأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله، لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم، إلى أن ذكر الحديث لأن فيه لفظ الاستغاثة التي كان فيها النزاع وهو في كتاب مشهور.
وقد روى الناس هذا الحديث من أكثر من خمسمائة سنة إن كان ضعيفاً، وإلا فهو مروي من زمان النبي ﷺ ، وما زال العلماء يقرؤون ذلك ويسمعونه في المجالس الكبار والصغار ولم يقل أحد من المسلمين إن إطلاق القول: إنه لا يستغاث بالنبي ﷺ كفر ولا حرام، وكان في إيراده بيان تقدم تكلم العلماء والسلف بهذا اللفظ، ولو كان عبد الله بن لهيعة ذاكراً لا آثراً لم ينكره المسلمون عليه؛ لكان في ذلك مستند لهذا الإطلاق، فإن الرجل قاضي مصر في ذلك الزمان وهو من أكبر العلماء المفتين ونظير لليث بن سعد، والغلط الذي وقع في حديثه لا يمنعه أن يكون من أهل الاجتهاد والفتيا.
стр. 111
النص المحقق
стр. 112
سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٥)
الاستغاثة في الرد على البكري
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ (المتوفى ٧٢٨ هـ)
دراسة وتحقيق
د. عبد الله بن دجين السهلي
عضو هيئة التدريس بقسم الثقافة الإسلامية - جامعة الملك سعود
стр. 113
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
[وأما ما ذكره من تأويل الحديث فهو من جنس دين النصارى لا من جنس دين المسلمين، وبيان ذلك من وجوه:
الأول] (٢) قوله: (إن الله -تعالى- لتشريف رسوله والمقربين عنده خاطبهم تارة بتنزيلهم منزلة نفسه في الأفعال، وتارة نزَّل نفسه منزلتهم في الأفعال والأوصاف، وكلاهما تشريف عظيم).
فيقال: هذا كذب علي الله وشرك به، وهو من جنس أقوال أهل الحلول (٣)
стр. 114
والاتحاد (١) كالنصارى (٢)، فليس في خطاب الله المطلق تنزيل أحد منزلة نفسه في الأفعال، ولا تنزيل نفسه في الأفعال والأوصاف منزلتهم، بل هو إله واحدٌ لا شريك له، وكل من في السموات والأرض آتيه عبداً ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٤ - ٩٥].
ومن قال (٣): إن الرب منزل (٤) المخلوق منزلة نفسه في الأفعال، أو يَنْزِلَ هو منزلة المخلوق في الأفعال والأوصاف فقد زعم أن الله -سبحانه- يجعل له نداً، وأنه يقيم المخلوق مقامه في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإجابة الدعاء وكونه معبوداً، وأنه يقوم مقام العبد في الصلاة والصيام والطواف وغير ذلك من أفعال العباد -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].
ومن أخص أوصاف الرب تعالى القدرة على الخلق والاختراع، فليس ذلك
стр. 115
لغيره أصلاً، حتى إن كثيراً من، النظار [المثبتين] (١) للقدر كالأشعري (٢) وغيره جعلوا هذا هو أخص وصف الرب -تعالى-، كما جعل الجبائي (٣) وغيره من المعتزلة (٤)
стр. 116
أخص وصفه القدم (١)، ومقصود المعتزلة أن لا يثبتوا له صفة قديمة لامتناع المشاركة في أخص وصفه، ومقصود أولئك المثبتين أن لا يشركه غيره في الخلق، وقد يقولون: لا يشركه غيره في الفعل؛ وهو قول من يقول: العبد فاعل مجازاً لا حقيقة وهو كاسب حقيقة، كما هو قول الأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وهو في الأصل قول جهم بن صفوان (٢)، وهو أول من عُرِفَ في الإسلام أنه قال: إن العبد ليس بفاعل.
لكن جمهور أهل السنة (٣) من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون: إنه فاعل حقيقة؛ وجمهور هؤلاء يقولون: إن فعله مفعول للرب بناءً على أن الخلق غير المخلوق، كما هو قول الأكثرين وهو مذهب السلف وأهل الحديث والفقهاء.
وأما من قال: إن الفعل هو المفعول وأن فعل العبد فعل الرب، ولم يفرق بين الفعل والمفعول (٤) فيلزمه لوازم تبطل قوله كما قد بسط في غير
وبيّن أن القدرة على الاختراع من خصائص الرب، وأخص وصف الرب ليس هو صفة واحدة، بل علمه بكل شيء من خصائصه، وقدرته على كل شيء من خصائصه، وخلقه لكل شيء من خصائصه، والمقصود هنا ما يتعلق بكلام (١) هذا الرجل الذي ضاهى المشركين الحلولية من النصارى (٢) وغالية الشيعة (٣) وجهال الصوفية (٤).
стр. 119
حيث قال: (إن الله تعالى ينزل المقربين منزلة نفسه تارة وينزل نفسه منزلتهم في الأفعال والأوصاف تارة)، فإن هذا كلام مخالف لدين المسلمين وسنبّين جهله وخطأه فيما تأوله على ذلك من القرآن والحديث.
فنقول: أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ [الفتح: ١٠]، فليس فيها أن نفس الفعل القائم بالرسول ومخاطبته لهم ومد يده لمبايعتهم هو نفس فعل الله ومخاطبته ومبايعته، بل فيها أن من بايع الرسول فقد بايع الله كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وكما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصّى الله ومن عصى أميري فقد عصاني" (١).
فطاعة أميره طاعته، ومعصية أميره معصيته، لأنه أمر بطاعة (٢) (أميره ونهى عن معصيته، وطاعته طاعة [لله] (٣) لأن الله أمر بطاعته) (٤) فمن أطاعه
стр. 120
فقد أطاع الله لأن الله أمر بامتثال ما أمر به (١) لا أن (٢) نفس الفعل القائم بأميره نفس فعله ولا نفس فعله هو نفس فعل الرب -تعالى-.
واعلم أن من قال من النظار: إن أفعال العباد كلها فعل الله، فلا فرق عندهم بين أفعال المؤمنين والكفار والبهائم وحركات الجمادات، فإن مرادهم أن كل ما سوى الله فهو فعله أي مفعوله، وعلى قول هؤلاء فلا فرق بين فعل الرسول وغيره، وليس في كون الله خالقاً لشيء تفضيلٌ لذلك المخلوق على غيره، فإن الله خالق كل شيء.
كذلك على قول الجمهور الذين يقولون: إن أفعال العباد مفعولة له مخلوقة له ليست فعله؛ بل هي فعل الفاعلين، والله -تعالى- خالق الفاعل وفعله، فعلى القولين لا فضيلة في ذلك لمخلوق على مخلوق، فلا تظن أن في هذا تشريفاً لمقرب لا رسول ولا غيره.
وهذه مما يبين به خطأ هؤلاء الجهال الذين لا يفرقون بين ما خلقه الله وقدّره وما أمر به وفرضه، فجعل الله -تعالى- مبايعة الرسول مبايعة لله وطاعة الرسول طاعة لله ليس (٣) من جهة خلق الله أفعال العباد والقيومية (٤) الشاملة للمخلوقات، فإن كونه خالقاً لكل شيء وكونها بمشيئته وقدرته، ليس فيها (٥) تفضيل مخلوق على مخلوق، [إذ] (٦) التفضيل إنما يكون بما به الاختصاص لا بما يشترك الجميع فيه.
ومن جعل مبايعة الرسول مبايعة لله لأجل أن الله خالق كل شيء، نظراً منه إلى القيومية الشاملة لكل مخلوق؛ لزمه أن يكون من بايع الكفار والفساق مبايعاً لله، لأن الله خالق كل شيء، فيكون هؤلاء قد جعلوا مبايعة خاتم
стр. 121
الرسل ﷺ كمبايعة فرعون وأمثاله من المشركين، وهذا يقع فيه كثير ممن يلحظ القيومية الشاملة العامة المتناولة لكل مخلوق، وهؤلاء من أكفر الخلق، ويجعلون هذا منافياً للأمر والنهي، وهم من جنس الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (١) [الأنعام: ١٤٨].
فإن (٢) هؤلاء إنما يتبعون أهواءهم ولا يتكلمون بعلم فإن قولهم في غاية المناقضة، فإن الواحد من هؤلاء إذا آذاه غيره أو ظلمه قابله وعاقبه ولا يمكنه أن يعذره بالقدر ومشاهدة القيومية، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع.
وجهة تفضيل الرسول ﷺ من جهة كون الله -تعالى- أرسله مبلغاً لأمره ونهيه، مبيّناً لما يحبه ويرضاه وما يبغضه ويسخطه، فما أمر به الرسول فالله آمر به، وما نهى عنه فالله نهى عنه، ومن بايعه فعاهده وعاقده (٣)؛ على أن يطيعه في الجهاد إذا أمر به، وعلى (٤) أن [لا يفر] (٥) و (٦) على أن يقاتل حتى يموت كما بايعه المسلمون تحت الشجرة (٧)، فهم معاهدون لله معاقدون له على طاعته فيما أطاعوا فيه الرسول ﷺ ، وكذلك الذين بايعوه قبل ذلك ليلة العقبة لما بايعه الأنصار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]، فسمعهم وطاعتهم لما أمرهم ومعاهدتهم على ذلك هو سمع وطاعة لله -تعالى- ومعاهدة له، وعهد الله إلى خلقه هو (٨) أمره ونهيه الذي بلغته رسله.
стр. 122
[والتخصيص والتفضيل يظهر في الوفاء به ومتابعة الرسل، ولهذا] (١) قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، أي: أوفوا بأمري أوفِ بوعدكم الذي وعدتكم (٢)، فإن المعاهدة والمبايعة (٣)، تتضمن المعاوضة من الجانبين فهم إذا أوفوا بما عاهدوا الله عليه من الطاعة، وفى الله -تعالى- بما عاهد عليه من الأجر والثواب كما قالت الأنصار لما قالت (٤) للنبي ﷺ :
اشترط لربك ولنفسك ولأصحابك، فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أبناءكم ونساءكم، ولأصحابي أن تواسوهم"، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "لكم الجنة"، قالوا: أمدد يدك، فوالله لا نقيلك لا نستقيلك (٥).
فهم لما عاهدوه على هذا ليطيعوه فيه، قد عاهدوا ربه الذي أمرهم بذلك، والله -تعالى- هو الذي يوفي بعهدهم فيدخلهم الجنة.
وفي الحديث الصحيح عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ أنه قال: "سيد
стр. 123
الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما [استطعت] (١)، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها حين يصبح موقناً بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها حين يمسي موقناً بها فمات من ليلته دخل الجنة" (٢).
فقوله: "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت"، أي على ما عهدته إلينا من طاعتك (٣)؛ وما وعدتنا به من ثوابك؛ أمتثل أمرك وأرجو وعدك.
ومن المعلوم أن الإنسان لو استناب نائباً ووكل وكيلاً في عقودٍ كبيع وإجارة ومزارعة ونحو ذلك لكان المعاقد للوكيل معاقداً لموكله، بحيث إن وفّى للموكل (٤) فقد وفّى للوكيل (٥)، وإن غدر بالوكيل فقد غدر بالموكل، والموكل عليه أن يُوفِي بما عاقد عليه الوكيل، والوكيل (٦) إذا سمى (٧) موكله في العقد تعلقت حقوق العقد بالموكل، وهل يكون الوكيل ضامناً (٨)، على قولين معروفين، هما روايتان عن أحمد، ومن قال إن حقوق العقد تتعلق بالوكيل كما يحكى عن أبي حنيفة يقول: إنها بعد ذلك تنتقل إلى الموكل،
стр. 124
ولهذا تنازعوا في المسلم إذا وكَّل ذمياً في شراء الخمر، فقال الجمهور: لا يصح لأن الملك يحصل للموكل، والمسلم ليس له أن يملك الخمر، وأبو حنيفة يقول: ملكها الذمي ابتداء ثم دخلت في ملك المسلم ضرورة كالميراث (١)، وعلى كل تقدير فمآل الأمر إلى الموكل.
ومع هذا ففعل الوكيل متميز عن فعل موكله، وكلامه متميز عن كلامه، ليس أحدهم هو الآخر، ففعل المخلوق أشد مباينة لفعل الخالق من مباينة فعل مخلوق لمخلوق، فإذا (٢) كان (٣) مبايعة الوكيل مبايعة للموكل؛ مع تميز الفعلين، فالتمايز في الخالق أولى، ولو أرسل مُرسل رسولاً إلى شخص ليعاهده عقداً من العقود: [هدنة] (٤)، أو نكاحاً أو غير ذلك؛ لكانت معاهدة الرسول معاهدة لمرسله مع تميز أحد الفعلين عن الآخر، ومِع كون المُرسل والرسول من جنس واحد، ومع أنه يمكن أن يقيم الموكل وكيله مقَامه في عامة أفعاله، لأن الوكيل يفعل مثلما يفعله موكله.
وأما الرب -تعالى- فيمتنع أن يفعل أحد مثل فعله، ويمتنع أن يستخلف أحداً يقوم مقامه في فعله، فإنه سبحانه خالق فعل ذلك الشخص، وهو سبحانه شاهد لا يغيب.
وهذا موضعٌ غلط فيه طائفة من الناس، فظنوا أن الله يستخلف أحداً عن نفسه؛ [وادعى] (٥) بعضهم أن آدم خليفة عن الله في الأرض يقوم مقامه، وأنه جمع له حقائق (٦) أسمائه الحسنى، قالوا: وهو معنى تعليمه الأسماء كلها،
стр. 125
وهذا قول أهل الحلول والاتحاد كابن عربي (١) صاحب الفصوص، وأمثاله من أهل الإلحاد.
وهذا جهل وكفر، فإن الله -تعالى- هو الذي يخلق كل شيء؛ ويدبر أمر السماء والأرض، وهو خالق آدم، كما هو خالق سائر المخلوقات، وهو شاهد لا يغيب.
والمخلوق يستخلف مخلوقاً عن نفسه لعجزه أو جهله أو مغيبه، وأفعال الخليفة عن غيره يفعلها بنفسه لا يحدثها الذي استخلفه.
والله -تعالى- على كل شيء قدير وهو بكل شيء عليم، وهو شاهد لا يغيب، وهو الذي يخلق كل شيء، فالعبد يستخلف ربه كما كان النبي ﷺ يقول إذا سافر: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا" (٢)، فإن المقيم هو
стр. 126
الذي (١) يدبر أمر بيته، فإذا سافر سأل الله -تعالى- أن يخلفه فيهم.
وكما رُوي أنه سُمع يوم موت (٢) النبي ﷺ قائلاً يقول: "إن في الله عزاءً من كل هالك وعوضاً من كل مصيبة، وخلفاً من كل ما فات، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حُرم الثواب" (٣).
وكذلك العبد يخلف العبد في أهله، كما قال النبي ﷺ : "من جهز غازياً فقد غزا ومن خَلَفَهُ في أهله بخير فقد غزا" (٤).
стр. 127
وقال ﷺ في قصة ماعز: "أو (١) كلما نفرنا في الغزو خلف أحدهم له نبيب (٢) كنبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة (٣) من اللبن، إن الله أمكنني من أحدهم لأجعلّنه نكالاً" (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، أي يخلف بعضكم بعضاً، وكما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [يونس: ١٤].
وداود ﵇ جعله الله خليفة عمن كان قبله كما جاءت بذلك الآثار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف: ٦٠]، [وقد] (٥) قيل إنَّ مِنْ هنا للبدل أي بدلاً منكم، كما قالوا في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾ [الأنبياء: ٤٢]، أي: بدلاً من الرحمن، [وأنشدوا] (٦):
فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على [طهيان] (٧)
стр. 128
قالوا (١): معناه بدلاً من ماء زمزم، [وفي حديث أبي سعيد الذي رواه مسلم في صحيحه: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (٢).
والمقصود هنا أن المخلوق يمكن أن يقيم مقامه من يفعل مثل فعله.
وأما الرب فهذا ممتنع في حقه، ممتنع لذاته أن يكون غير الله مماثلاً له في ذاته أو (٣) صفاته أو أفعاله، فإن المثلين يجوز على أحدهما ما جاز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، والرب حي قيوم غني صمد واجب بنفسه قديم بنفسه (٤)، مستحق لصفات الكمال بنفسه، ممتنع
стр. 129
اتصافه بنقائضها، فإن كماله من لوازم ذاته الواجبة الوجود بنفسها التي يمتنع (١) عدمها أو عدم شيء من لوازمها، والمخلوق يجب أن يكون معدوماً محدثاً فقيراً، فلو تماثلا للزم أن يكون كلاً منهما واجب الوجود واجب العدم؛ قديماً محدثاً؛ غنياً بنفسه فقيراً بنفسه، وذلك جمع بين النقيضين، وإذا كان المخلوق الذي يرسل من يماثله لا يكون فعله هو فعله، فالخالق الذي يرسل بعض عباده أبعد أن يكون فعله هو فعله، حتى تكون نفس بيعة الرسول نفس بيعة المرسِل، وإذا كان خالقاً لذلك الفعل وغيره من المخلوقات؛ فهو بهذا (٢) الاعتبار لا اختصاص له، والله -تعالى- قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
فإن محمداً رسول الله، وبيعته عن مرسله ليست بيعة لنفسه (٣) والجزاء على مرسله، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠].
وأما استشهاده بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] فمن هذا الجنس، وهو قد سبقه إلى هذا المعنى الذي توهمه طائفة من الجهال (٤)، وذلك أن الله لم يُضفِ الرمي هنا إلى نفسه؛ لمجرد كونه خالقاً لأفعال العباد، فإن هذا قدر مشترك ببن رمي النبي وسائر أفعاله غير الرمي، وبين رمي غيره من الناس وبين أفعالهم (٥)، فأفعال العسكرين يوم بدر خلقها الله كما خلق سائر أفعال الحيوان، ولو جاز أن يقال: إن الله رمى؛ لكونه خلق حركة العبد، لقيل: إنه يكر ويفر ويركب ويعدو ويصوم ويطوف، [ونحو ذلك] (٦)؛ لكونه يخلق ذلك.
стр. 130
وقد رُوي أن المحاصرين لعثمان ﵁ كانوا يرمونه بالحجارة، فقال: لِمَ ترموني بالحجارة (١)؟ فقالوا: لم نرمك، ولكن الله رماك، قال: كذبتم، لو رماني الله أصابني، وأنتم ترمونني ولا تصيبونني (٢)، وهو صادق في ذلك، فإن الله لما رمى قوم لوط، وأصحاب الفيل أصابهم، ولكنهم هم رموا عثمان.
والله -تعالى- قال (٣): ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، لأن النبي ﷺ أخذ حفنة من تراب و (٤) غيّره، فرمى بها المشركين فأصابت عيونهم، وهزمهم الله بها، ولم يكن في قدرة النبي ﷺ ذلك، بل الله -تعالى- أوصل ذلك إليهم، والرمي له طرفان: حذف (٥) بالمرمي، ووصول إلى العدو ونكاية فيهم، والنبي ﷺ فعل الأول، والله فعل الثاني، والمعنى: ما أوصلت الرمي إذ حذفته (٦)، ولكن الله أوصله وهزمهم به، فالذي أثبته الله لنبيه غير الذي نفاه عنه، وقد أثبت له رمياً؛ بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، ونفى عنه رمياً بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ فكان (٧) هذا غير هذا؛ لئلا يتناقض الكلام (٨).
стр. 131
ولو كان المراد كما ظنه هذا وأمثاله؛ ممن يحتج بهذه الآية، على أن الله [خالق] (١) أفعال العباد، ويضحك المعتزلة وغيرهم من القدرية (٢) عليه إذا احتج بهذه الآية، [و] (٣) لو كان هذا (٤) المراد لساغ أن يقال مثل هذا في جميع أفعال العباد، فيقال: ما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، (وما طفت إذ طفت ولكن الله طاف) (٥)، وما أكلت إذ أكلت ولكن الله أكل، [و] (٦) (لكان يقال لكل من رمى بقوس ما) (٧) رميت إذ رميت ولكن الله رمى، ويقال للكفار إذا رموا المسلمين: ما رميتم ولكن الله رمى، وأشباه هذا مما لا يقوله مسلم، ولا عاقل.
ثم إن الله -تعالى- ذكره هذه الآية لبيان نعمته على نبيه [وعلى] (٨)
стр. 132
المؤمنين يوم بدر، وما أيدهم به من النصر، فلو أريد كونه خالقاً لفعله؛ لكان هذا قدراً مشتركاً بين جميع الناس، بل لا بد أن يكون لرميه خاصة يعجز عنها الخلق، فعلها الله تأييداً لنبيه ونصراً له؛ وإنعاماً عليه وعلى المؤمنين.
فتبين أن هذه الآية حجة عليه لا له كالأولى، وأن الله -تعالى- فرَّق بين فعل الخلق وفعل نفسه، ولم ينزل أحداً منزلة نفسه في الأفعال.
ومما يبيّن ذلك أن أفعال العباد لا يجوز أن تُنفى عنهم باتفاق المسلمين، من قال إن الله خالقها، ومن قال إن الله لم يخلقها، لا يجوز أن يقال هذا ما أكل ولا شرب ولا قعد ولا ركب ولا طاف، ولا ركع ولا سجد ولا صام ولا سعى، ولكن الله هو الذي أكل وشرب وقعد وركب وطاف وركع وسجد وصام وسعى، وسواء كانت أفعالاً (١) محمودة أو مذمومة، وسواء كانت سبباً لخرق العادة أم لا؟ فلا يقال إن موسى ما ضرب بعصاه البحر ولا الحجر؛ ولكن الله ضرب، ولا يقال إن نوحاً ما ركب السفينة؛ ولكن الله ركب، ولا يقال إن المسيح ما ارتفع إلى السماء بل الله ارتفع، ولا يقال محمد ﷺ ما ركب البراق (٢) وأمثال هذا.
فالفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله -تعالى-؛ إلا على بيان أن الله خلقه، وجعل صاحبه فاعلاً، كقول الخليل ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وكما قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، [وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ (٣) [السجدة: ٢٤]، (وقال تعالى) (٤) ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١].
ولا يقال: إن الله يقيم الصلاة، ويدعو إلى النار، ولا أنه قد أسلم،
стр. 133
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، ولا يوصف الله بالهلع والجزع، وجماع الأمر أن الله لا يوصف بمخلوقاته، وهذه هي أدلة السلف وأهل السنة؛ على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا: لأنه -سبحانه- لا يوصف بما خلقه في غيره، فإذا خلق في غيره حركة أو طعماً (١) أو ريحاً أو لوناً كالسواد والبياض؛ لم يوصف بأنه المتحرك بها، ولا بأنه متروح أو أبيض أو أسود، (وإذا خلق في غيره سمعاً وبصراً وحياة أو قدرة لم يوصف بذلك) (٢)، وإذا خلق في غيره كلاماً لم يوصف بأنه هو المتكلم به، ويُعبرون عن ذلك بأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل؛ ولم يعد على غيره، [واشتق] (٣) لذلك المحل منه اسم ولم يشتق لغيره، فإذا خلق في محل حركة أو علماً أو قدرة كان ذلك المحل هو المتحرك العالم القادر لا الخالق لتلك الصفة فيه.
وأورد المعتزلة نقضاً (٤) على هذا صفات الأفعال، فقالوا: هو عادل بعدلٍ خَلَقَه في غيره.
فأجاب أئمة السلف وجمهورهم بطرد الدليل بناء على أن الفعل غير المفعول، واستدل الإمام أحمد وغيره بقول النبي ﷺ : "أعوذ بكلمات الله التامات" (٥)، قالوا: وهو لا يستعيذ بمخلوق، وطرد هذا قوله: "اللهم إني
стр. 134
أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك" (١)، فالنبي ﷺ استعاذ بمعافاته كما استعاذ برضاه وبكلماته (٢)، وهذا مذهب جمهور المسلمين، أن الخلق (٣) غير المخلوق وهو المنقول عن السلف والأئمة، كما ذكره البخاري (٤) في كتاب خلق الأفعال، وهو الذي ذكره البغوي (٥) صاحب شرح السنة، وهو الذي ذكره الكلاباذي (٦) أنه اعتقاد الصوفية، وهو قول
стр. 135
الكرامية (١)، وكثير من المعتزلة، وأصحاب أبي حنيفة (٢)، وجمهور أصحاب مالك والشافعي وأحمد، لا من وافق منهم الأشعري وغيره الذين يقولون: الخلق هو المخلوق، كما اختاره ابن عقيل (٣) وغيره، وهو أول قول القاضي أبي يعلى (٤) ثم رجع عنه، وهو اختيار [أبي] (٥) المعالي الجويني (٦) وغيره، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع (٧).
стр. 136
والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن الله لا يوصف بالمخلوقات، فلا يوصف بما خلقه في غيره من الصفات وإن كانت صفات كمال، فكيف يوصف بما خلقه في غيره من أفعال العباد، وتُجعل الأفعال القائمة بالمخلوقات صفات له؛ يشتق له منها (١) أسماء، فهذا مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول؛ مناقض للقواعد والأصول، ولكن بعض من ناظر القدرية في هذا المقام انحرف كما انحرفوا، وقابل باطلاً بباطل، ورد بدعة ببدعة.
والذين يصفون الله ببعض المخلوقات صنفان: صنف غلطوا في الصفات، وصنف غلطوا في القدر، فالأول الجهمية (٢) من المعتزلة وغيرهم (٣) الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق؛ فوصفوه بما خلقه في غيره، وكذلك يقولون: رضاه وغضبه هو [ما يخلقُهُ] من الثواب والعقاب، وإرادته خلقها لا في محلّ؛ كما تقوله المعتزلة من البصريين (٤) فيصفونه بمخلوقات بائنة عنه.
стр. 137
والصنف الثاني: الجهمية الجبرية الذين قالوا: إن أفعال العباد نفس فعله، وفعله هو مفعوله، كما يقوله الجهم بن صفوان وأتباعه كالأشعري ومن وافقه، وهؤلاء لم يثبتوا له فعلاً قائماً بنفسه غير المخلوقات المباينة له، فإذا كان خالق أفعال العباد لزم أن تكون هي فعله ولا تكون فعلاً لغيره، وحينئذٍ فالصفات الفعليّة التي يصفون بها الربّ، مثل كونه خالقاً ورازقاً وعادلاً؛ إنما تتصف عندهم فيها بمخلوقاته؛ وتتصف أيضاً عندهم بأفعال العباد كلها، فالجهم بن صفوان أعظم الناس وصفاً له بمخلوقاته في كلامه وأفعال العباد وغير ذلك.
والمعتزلة وافقوه في الكلام ونحوه من الصفات دون أفعال العباد، ووافقوه في فعله لغير أفعال العباد؛ لكون أفعال العباد عندهم ليست فعلاً له، فالجهمية والمعتزلة متفقون على أنه يوصف بمخلوقاته، لكن المعتزلة عندهم هو خلق كلامه ورضاه وغضبه وإراداته فيوصف بها، ولم يخلق أفعال العباد فلا يوصف بها.
و [أما] (١) جهم فعنده أنه خلق الجميع فلزمه أن يوصف بالجميع، والأشعري وافق جهماً في المخلوقات من أفعال العباد وغيرها؛ دون الكلام والإرادة فإنهما عنده صفات تقوم بالله، لكنه وافقه على أن المخلوق هو الخلق، وهو يصفه بالصفات الفعلية فوافقه على اتصافه بالمخلوق من هذا الوجه، صار هو والمعتزلة متقابلين، هو ينكر عليه قولهم في الكلام والإرادة، وأصاب في إنكاره عليهم، وهم ينكرون عليه قوله في أن أفعال العباد فعله (٢)، وهم وإن أصابوا في (٣) هذا الإنكار؛ لكنهم ينكرون أن تكون مخلوقة لله (٤)، وهذا منكر، والأشعري يثبت للعبد قدرة محدثة وكسباً (٥)،
стр. 138
ولكن يقول قدرته لا تأثير لها في المقدور، وما أثبته من الكسب لا يتحقق الفرق بينه وبين الفعل، فكأن حقيقة قوله في أفعال العباد هو معنى قول جهم.
وأما سلف وأئمة الفقهاء وأهل الحديث وجمهور المنتسبين إلى السنة وطوائف من أهل الكلام (١) من المرجئة (٢) والكرامية وغيرهم؛ فسلموا من هذه الأقوال الفاسدة، ولم يصفوا الله بمخلوقاته، وإنما وصفوه بما يقوم به من صفاته وأفعاله.
стр. 139
وأما الحلولية الذين يصفونه ببعض أفعال المخلوقات، كما تقوله النصارى في المسيح والغالية في الأئمة والشيوخ والقائلون بالحلول العام -كقول ابن عربي-:
وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه (١)
فهؤلاء فساد قولهم أظهر من هذا كله، وقول هذا المتخلف (٢) يرجع إلى قول هؤلاء، وإن كان قد لا يلتزمه لو عرف أنه يلزمه.
وأما الخبر الذي استشهد به من قوله: "استطعمتك"، فلفظه في الصحيح يقول الله -تعالى-: "عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: ربِّ كليف أطعمك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: ربِّ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلو عدته لوجدتني عنده" (٣)، وهذا الخبر ليس فيه فعل للعبد، وإنما فيه جوعه ومرضه، ولكن ظن أن لفظة "استطعمتك" وأنه جعل استطعام العبد استطعام الرب، وأيضاً فالخبر مقيد لم يطلق الخطاب إطلاقًا، وإنما بيّنَ أن عبده هو الذي مرض، وهو الذي جاع، وقال: "لو أطعمته لوجدت ذلك عندي"، ولم يقل لوجدتني أكلته، وقال: "لو عدته لوجدتني عنده؛ ولم يقل لوجدتني إياه".
والحديث خطاب مفسر مُبين أن الرب ليس هو العبد؛ ولا صفته صفته؛ ولا فعله فعله، أكثر ما فيه استعمال لفظ الجوع والمرض مقيدًا مبينًا للمراد، فلم يطلق الخطاب إطلاقًا، وأيضًا فقد عَلمَ المخاطب أن الرب لا يجوع ولا
стр. 140
يمرض، فلم يكن تلبيس لا من جهة السمع؛ ولا من جهة العقل، بل المتكلم بيّن فيه مراده، والمستمع (١) لم يشتبه عليه، بخلاف ما إذا أضيف [الفعل] (٢) إلى (٣) العبد الذي يمكن منه الفعل؛ الفعل قد قام به، فإنه إذا جعل فعله فعل الرب لم يعقل هذا؛ إلا إذا أريد أنه خالقه، و [إذا] (٤) أريد ذلك فالصواب أن يقال فعل العبد مخلوق للرب ومفعول له، لا يطلق أنه فعله لما فيه من التلبيس؛ ولما فيه من نفي فعل الرب؛ ولما فيه من نفي كون العبد فاعِلًا، ثم إنه لا فرق في ذلك [بين المقربين وغير المقربين بهذا الاعتبار] (٥).
بل قد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣]، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] ونوح محمود مقرب، والشياطين أعداء لله، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ [الإسراء: ٥]، كما قال تعالى: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، [وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾] (٦) [النحل: ٣٦]، كما أنه يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، فيخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، وقد خلق المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وخلق النبات والدواب كلها طيبها وخبيثها، فجهة الخلق عامة شاملة، فلو كان قوله: "يبايعونك" وقوله: "ولكن الله رمى" من الخلق الشامل والقيومية العامة؛ للزم أن يقال مثل ذلك في كل مبايعٍ ورامٍ، وإن كان من الكافرين، ولم يكن في ذلك خاصّة لمحمد ﷺ ولا فضل له على أحدٍ من المخلوقين.
стр. 141
وأما حديث الأولياء فليس من هذا الباب بالكلية، وإنما فيه: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي" (١)، ولم يقل: أنا أسمع وأنا أبصر، ولا أنا أبطش ولا أنا أمشي، وقد [صرح] (٢) بالفرق فيه بين الرب والعبد من وجوه متعددة، كقوله: "من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة" (٣)، ففرق بين نفسه ووليه وعدوه ووليه، ثمّ قال: "ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه" (٤)، ففرق بين المتقرب والمتقرب إليه، ثم قال: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... " إلى آخره (٥)، فلم يقل كنت إياه، ولا فيه أن فعل أحدهما هو
стр. 142
فعل الآخر، ولكن أخبر أن إحساس العبد وفعله يقع به، لأنّ العبد إذا صار لله فيما يحبه ويرضاه، ويحب ما يحب، ويبغض ما يبغض، ويرضى بما يرضى، ويأمر بما يأمر، وينهى بما ينهى صار الإيمان به ومعرفته وتوحيده في قلبه، فإحساسه وأفعاله [تقع] (١) به، وهذا فيما في القلب نظير قوله فيما للسان: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (٢)، فقال: تحركت بي؛ وإنما تتحرك باسمه، كذلك قوله: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي"، أي بما في قلبه من الإيمان بي، وقد يسمى هذا المثال العلّمي (٣)، وهذا كثير في الكلام؛ كقول القائل:
стр. 143
ساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره (١)
وقال آخر (٢):
ومن عجبي أني أحنُّ إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي (٣)
وقد يسمى هذا حلولًا، لحلول معرفته ومحبته في العارف (٤) المحب، وقد غلط بعض النَّاس فظن أن ذات المعلوم المحبوب محل، وهذا غلط، كما غلط من قال بحلول ذات الرب في بعض عبيده كالنصارى ومن ضاهاهم من غلاة الشيعة، وجهَّال الصوفية.
الوجه الثّاني قوله: (فإذا غلب على المقرب شهود القيومية ورؤية
стр. 144
التّوحيد، كما جاء في مقام الإحسان (١) "أن تعبد الله كأنك تراه" (٢)، نطق برد الأشياء إلى خالقها وغلب ذلك على نطقه).
فيقال: مشهد (٣) القيومية يشهد فيه أن الله خالق كلّ شيء، وهذا الشهود العام يتناول ما دخل من إيمان وكفر، وأمّا الإحسان الّذي فيه "أن تعبد الله كأنك تراه"، فهذا مقام من يميز بين المأمور والمحظور، فإن العبد إذا قدّر (٤) كأنّه يشاهد ربه فعل ما أُمر به وترك ما نُهي عنه، ووَالى أولياءه وعادى أعداءه، وهذا مشهد الإلهية (٥) الّذي دعت إليه الرسل؛ حيث أمروا بعبادة الله وحده وطاعته، وليس هذا هو مشهد القيومية، ولكن من أكبر من هذا الرَّجل غلطوا في هذا، -فغلط مثل هذا لا يُنكر- لا سيما كثير من الشيوخ المعظمين عند هذا وأمثاله، فإنهم لا يفرقون بين هذا وهذا؛ بل ويُعدون نهاية العارفين الفناء (٦) في توحيد الربوبية وشهود القيومية
стр. 145
والاصطلام (١) في شهود القدر الجاري، ويقول أحدهم إنَّ مشاهدة العارف المنتهي في القربة لحكم الله -الّذي هو مشهد (٢) مشيئته العامة- لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة.
وقد يقول أحدهم: هذا العارف يكون الجمع (٣) في قلبه مشهودًا والفرق (٤) على لسانه موجودًا ومرادهم بالجمع شهود القدر.