← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18328

الاستغاثة في الرد على البكري

ابن تيمية

Полный текст (444 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الصفحة الأولى والأخيرة من مخطوطة (ح) المحفوظة في معهد حائل العلمي

стр. 72

الفصل الثاني: منهج تحقيق الكتاب والتعليق عليه (١) تحقيق النص: سلكت في تحقيق النص أن جعلت أفضل النسخ أصلاً، وقارنتها بغيرها وهي نسخة أم القرى، فما سقط من الأصل أثبته من النسخ بين معقوفين []، وما كان من زيادة أو سقط من النسخ الأخرى بينته في الهامش، مع وضع النقص قوسين ()، وما سقط من نص الكتاب في جميع النسخ، حاولت إكماله من الكتاب نفسه إذا كان المؤلف كرر الكلام نفسه في موضع آخر، أو من كتبه الأخرى، أو مِمَنْ نقل عن هذا الكتاب، فإن لم أجد في ذلك، اجتهادت ووضعت ما أظنه يناسب المعنى، وهذا قليل جداً. وجعلت كلام البكري بين قوسين متميزين ﴿﴾، وعزوت الآيات في المتن بين معقوفين صغيرين، وبينت مواضع بداية صفحة المخطوطة الأصل بخط مائل، يقابله رقم الصفحة في الجانب الأيسر. وقد أغفلت ألفاظ الثناء بعد لفظ الجلالة والصلاة على النبي ﷺ في نسخة (د) لكونها زيادات من الناسخ. (٢) عزو الأحاديث والآثار: في عزو الأحاديث حاولت -بقدر الإمكان- الاختصار، واقتصرت على القدر الضروري في عزو الحديث؛ تفادياً لإثقال الكتاب بالحواشي. فالأحاديث الموجودة في الصحيحين، أو أحدهما، فإني أكتفي في الغالب بعزوها لكل منهما أو أحدهما، لأن المقصود هو الاطمئنان على درجة الحديث، وذلك حاصل بعزوه للصحيحين أو أحدهما.

стр. 73

واذا كان أصله في الصحيحين وليس اللفظ لهما فإني أعزوه لهما ولصاحب اللفظ، دون أن أطيل في التخريج. وإذا لم أجد اللفظ الذي ذكره المؤلف، فإني أذكر المصادر التي ألفاظها قريبة من لفظ المؤلف، ولا أذكر المصادر الأخرى. وأما الأحاديث التي ليست في الصحيحين، فإني أجتهد قدر استطاعتي في نقل أقوال العلماء المعتبرين في درجتها، وإذا كان بينهم اختلاف في درجته، بذلت الجهد في الترجيح. وإذا لم أجد في الحديت كلاماً لأحد الأئمة، أجتهد في دراسة سنده بنفسي، مع الاستعانة بأهل الاختصاص، ثم أذكر ما توصلت إليه وهذا قليل جداً. أما الآثار عن السلف التي ينقلها المؤلف، فإني أبذل جهدي في تخريجها من مصادرها؛ إذا لم أجد من تكلم على إسنادها، أتكلم عليه أو أنقل السند للقارئ؛ إذا لم أتمكن من نقده، وما لم أجد مصادره بينت ذلك. (٣) توثيق الأقوال والمسائل والآراء الفقهية: حرصت على توثيق كل مسألة ذكرها المؤلف، وبيان مصدرها، وإذا لم يتيسر ذلك نقلت من المراجع التي نقلت من المصدر الأصلي. وقد أذكر بعض الأقوال والآراء التي تعضد رأي المؤلف من المتقدمين أو المتأخرين باختصار، حتى لا أثقل الكتاب. إلا أنه واجهني أن المؤلف نقل من بعض الكتب النادرة، ككتب الباطنية، وكتب غلاة الصوفية وغيرهم، وهذه لا تتوفر في هذه البلاد -حفظها الله بحفظه- وهي نادرة في كثير من البلاد، وفي كثير من المكتبات الكبيرة، ولذلك لم يتيسر توثيق هذه الأقوال، وقد وثقت ما وقع لي بمراجع مساعدة أو ناقلة عن المصادر الأصلية. كما خرّجت الشواهد الشعرية، ونسبتها إلى قائليها، وقليل منها لم أعرف قائله. ومع ذلك، فهناك مسائل وأقوال لم أجد لها مراجع، من نصوص

стр. 74

ونقول، أو آراء ونحوها، وحسبي أني بحثت وبذلت الجهد في البحث والاستقصاء، والله الموفق. (٤) التراجم والتعريفات: عرَّفت بالأعلام غير المشهورين في أول مرة يذكرهم المؤلف، ولم أعرف بالمشهورين؛ لأن التعريف بهم غمط لشهرتهم، كمشاهير الصحابة، والأئمة الأربعة، واكتفيت بمرجعين أو ثلاثة للتعريف، في الغالب، أما القبائل والأماكن والكلمات فأعرف منها ما أرى أنه يحتاج إلى تعريف. (٥) المصادر والمراجع: حرصت كل الحرص على أن أوحد النسخة والطبعة لكل مرجع، ليسهل على القارئ والباحث الرجوع إلى المراجع التي عزوت إليها عند الحاجة، وقد ذكرت كامل المعلومات عن المرجع في أول مرة أذكره. وفي حالات قليلة اضطررت للرجوع إلى طبعة أخرى، فأشير إلى الطبعة المغايرة في الهامش. (٦) الرموز والمصطلحات: نظراً لكثرة الرجوع إلى بعض الكتب، حاولت اختصار أسمائها، فقد رمزت لكتاب سير أعلام النبلاء للذهبي بـ (السير). وأما رموز النسخ فهي كما يلي: الأصل: نسخة جامعة أم القرى. ف: نسخة الإفتاء. د: نسخة دارة الملك عبد العزيز، وأصلها بجامعة الملك عبد العزيز. ح: نسخة المعهد العلمي بحائل. ت: نسخة المكتبة التيمورية. ط: النسخة المطبوعة عام ١٣٤٦ هـ.

стр. 75

الباب الثاني: كتاب تلخيص الاستغاثة لابن كثير ويتكون من فصول: الفصل الأول: تعريف بالكتاب والملخص. الفصل الثاني: نسبة التلخيص لابن كثير. الفصل الثالث: منهج ابن كثير في التلخيص. الفصل الرابع: الموضوعات التي انفرد بها التلخيص. الفصل الخامس: الموضوعات التي سقطت من الكتاب الأصل أو جاءت مختصرة فيه.

стр. 76

الفصل الأول: كتاب تلخيص الاستغاثة (١) حظيت كثير من المصنفات المفقودة؛ أو أجزاء منها؛ قبل فقدانها باهتمامات ودراسات نفيسة، حفظت لنا قطعاً من تلك الكتب المفقودة كالمنتخبات والمنتقيات والتهذيبات والمختصرات وغيرها (٢). ومن هذه الكتب كتابنا موضوع الدراسة، كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري"، فقد لخصه ابن كثير في كتاب "تلخيص كتاب الاستغاثة". والتلخيص في اللغة هو: التبيين والشرح، يقال لخصت الشيء ولحصته، بالخاء والحاء، إذا استقصيت في بيانه وشرحه وتحبيره، ويطلق التلخيص أيضاً على: التقريب والاختصار. وقد جاء كتاب "تلخيص الاستغاثة" مطابقاً لمعناه، فقد لخص موضوعات الكتاب الأصل، وقرب مسائله، وشرح أخرى، وذكر ما فقد منه، واختصر مطوله وجمع مكرره. وقد طبع كتاب "تلخيص الاستغاثة" في مقدمة كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري" عام ١٣٤٦ هـ في المطبعة السلفية - مصر، وجُعلا كتاباً واحداً، فعلى غلافه وضع عنوانه كما يلي: "تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري"، ففي هذا العنوان خطأ علمي أوقع بعض الباحثين في أخطاء علمية.

стр. 77

وقد أُعيد طبعه عام ١٤٠٥ هـ بالدار العلمية - الهند، دون أي تصحيح. ويقع التلخيص في ١٥٥ صفحة من القطع المتوسط. وبعد البحث حصلت على ثلاث نسخ خطية لكتاب تلخيص الاستغاثة وهي: * النسخة الأولى: جاءت في مقدمة نسخة دارة الملك عبد العزيز (د) والتي أصلها في مكتبة جامعة الملك عبد العزيز بجدة، في خزانة الشيخ محمد نصيف والمسجلة برقم (٢٨٨٦)، ويقع التلخيص في ١٧٥ صفحة، وفي آخره: "بلغ معارضة على أصل مخطوط جيد في دمشق الشام، وتمت المعارضة في ٢٥ جمادى الثانية ١٣٣٠"، وكتبه جمال الدين القاسمي عُفي عنه. وعلى هذه النسخة طبع الكتاب. * النسخة الثانية: جاءت أيضاً في مقدمة نسخة المكتبة التيمورية والتي عنوانها: "خلاصه رد ابن تيمية على البكري في الاستغاثة"، والمسجلة برقم (٢٨١)، ويقع التلخيص في ١٣٨ صفحة. والناسخ هو الشيخ محب الدين الخطيب الدمشقي، وتاريخ النسخ صفر ١٣١٩ هـ. * النسخة الثالثة: وهي قطعة من التلخيص، وليس فيها شيء من نص الكتاب، وعنوانها "رد ابن تيمية على البكري في الاستغاثة"، وهي محفوظة في خزانة المكتبة التيمورية برقم (٤٠٥). وينسب التلخيص للإمام العلامة عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي (ت ٧٧٣ هـ)، صاحب كتاب "تفسير القرآن العظيم" والبداية والنهاية" وغيرهما. وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية مؤلف كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري"، وقد كان ابن كثير معجباً بشيخه ابن تيمية محباً له، حتى امتُحن بسبب ذلك، وأوذي وسُجن.

стр. 78

فهو قام بخدمة كتاب شيخه الذي خشي عليه من الضياع، بعد أن فقدت أجزاء منه كان قد اطلع عليها، وهو في نفس الوقت رد على من رد على شيخه ابن تيمية.

стр. 79

الفصل الثاني: نسبة التلخيص لابن كثير ليس بالأمر الهين أن نؤمن بصحة نسبة أي كتاب كان إلى مؤلفه، ولا سيما الكتب غير المشهورة، ولا بد من التأكد من ذلك بالنظر في فهارس الكتب والمؤلفين، ودراسة مادة الكتاب نفسه. وهنا لا نجد مصادر مستقلة تنسب هذا التلخيص لابن كثير، أو تتكلم عن التلخيص أصلاً، فليس أمامنا سوى ما جاء على المخطوطات ودراسة مادة الكتاب ومقارنتها بمؤلفات المؤلف الأخرى، وإليك الأدلة التي تؤيد نسبة كتاب تلخيص الاستغاثة لابن كثير: أولاً: ورد في مقدمة التلخيص نسبته لابن كثير حيث كُتب في وسط الصفحة: "يعرف هذا الكتاب بالرد على البكري (كلمة غير واضحة) وجد في مجموع مخطوط في مكتبة الأفاضل بني الشطي شيوخ الحنابلة في دمشق الشام منقولاً من تاريخ ابن كثير -رحمه الله تعالى- وقد لخص أصل كتاب الشيخ ﵁" (١). ويؤكد العلامة جمال الدين القاسمي هذه النسبة فيقول في بداية الكتاب الأصل: "وأما الجزء الأول الذي قبله، فإنما نسخ من تاريخ ابن كثير حيث اختصر هذا الكتاب فيه" (٢). ولم أجد في النسخ المطبوعة لتاريخ ابن كثير ذكر لهذا التلخيص، وهذا أمر مستبعد، فإن تلخيص الكتب أو الإطالة في ذكرها ليس من منهج ابن كثير في تاريخه، ولكن المحتمل أن يكون اختصره في الكتاب المفقود الذي أفرده لترجمة ابن تيمية (٣).

стр. 80

لعل ابن كثير لم يصرح في كتبه الأخرى بذكر هذا التلخيص خوفاً على نفسه، فقد أوذي لانتسابه لشيخ الإسلام، وقوله ببعض فتاويه. ثانياً: الملخِّص عالم بالرجال وبالجرح والتعديل، وبالحديث وعلله، فهو يطيل في نقد الرواة، ويوازن بين أقوال النقاد وعلماء الرجال، ويبين درجة الأحاديث، ويعزوها لمصادرها وبأسانيدها أحياناً. ثالثاً: وهو أيضاً من كبار تلاميذ الشيخ، واسع الاطلاع، فيصرح ببعض مصادر ابن تيمية التي نقل منها ولم يذكرها، وهذه الصفات تتوفر في ابن كثير. رابعاً: اهتمام ابن كثير بترجمة البكري في تاريخه، أكثر من خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية الآخرين، مع أنه من أقلهم شأناً، فقد يدل ذلك على أن له جهداً علمياً في هذا المجال. خامساً: موافقته لآراء ابن كثير: أ- عند ذكره لخبر دانيال (١)، قال: "وهذا قد رويناه في كتاب المغازي لابن إسحاق من رواية يونس بن بكير إلى أبي العالية"، وهذا السند ذكره ابن كثير في قصص الأنبياء (٢). ب- وأيضاً حديث: "لا يستغاث بي"، ضعفه في التلخيص (٣)، وفي التفسير قال: "هذا الحديث غريب جداً" (٤). جـ- في تفسير قول الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]، قال في التلخيص (٥): "فجعل المشركين غير أهل الكتاب"، وهذا

стр. 81

هو رأي ابن كثير في تفسير هذه الآية في كتابه تفسير القرآن العظيم (١). د- عند ذكره لذي القرنين في التلخيص (٢) قال: "والصحيح أنه لم يكن نبياً"، وفى البداية والنهاية قرر ذلك فقال: "والصحيح أنه كان ملكاً من الملوك العادلين" (٣)، وضعف الروايات التي ذكرت نبوته. فلهذه الأدلة وعدم المنازع في نسبته، فالراجح صحة نسبته إليه.

стр. 82

الفصل الثالث: منهج ابن كثير في التلخيص أولاً: حاول ابن كثير ذكر المفقود من الكتاب بلفظ الشيخ، فيورد أكثر هذه المواضع بقوله: "قال الشيخ", ثم يذكر رد الشيخ، وقد يستطرد أحياناً في الرد من عنده. فمن ذلك حديث الكوة، فقد أشار ابن تيمية (١) إلى تقدمه في أول الكتاب "المفقود"، ونجد ابن كثير يذكره بالنص. وهذا يؤكد أن الملخص وقف على الجزء المفقود. ثانياً: لم يتطرق لبعض الموضوعات الموجودة في آخر الكتاب، مثل حديث حجاج آدم وموسى. ثالثاً: لخص بعض الموضوعات الأخرى الموجودة في الكتاب الأصل، وجمع كلام المؤلف في موضع واحد رابعاً: كرر بعض الموضوعات مثل سماع النبي ﷺ للصلاة والسلام عليه بعد وفاته، (٢) وغيره. خامساً: في التلخيص مواضع ليست من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، مثل وصف ابن كثير لكتاب ابن تيمية الرد كلى البكري، وفي الغالب إذا قال الملخص: "والمقصود"، فما بعدها من كلامه. سادساً: ضعف الملخص، حديث: "لا يستغاث بي"، وابن تيمية لم يجزم بضعف الحديث أو صحته في موضعين من الأصل (٣)، بل يرى ابن تيمية أن غالب أحاديث ابن لهيعة الصحة (٤).

стр. 83

الفصل الرابع: الموضوعات التي انفرد بها التلخيص أو أطال فيها * أولاً: الموضوعات التي انفرد التلخيص بذكرها: أ- رأى ابن تيمية في البكري أنه لا يخاطب خطاب العلماء، ووجوب تعزيره التعزير البليغ، وأنه ليس له خبرة بالأدلة الشرعية، أو أقوال أهل العلم، ويشكك في سريرته ومراده، ثم يكله لله تعالى (١). ب- سبب تأليف هذا الرد، فإنه بطلب من أصحاب ابن تيمية حتى لا يضل الناس بكلام البكري، وأن الكلام في هذه المسألة من أفضل الكلام، إذ فيه بيان التوحيد ونفي الشرك عن الله تعالى (٢). جـ- تأليب البكري للسلطة على ابن تيمية، فقد نقل عنه ابن تيمية قوله: (ولقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول ﷺ بإهلاكه وإهلاك أمثاله، خصوصاً أهل الدولة وأصحاب الحكم)، وفي رد ابن تيمية أبان أنه رد عليه إلى هذا الحد ثم شغل عنه، حتى حصل موقف البكري مع السلطان ونفاه عن القاهرة ومنعه من الفتوى، فأكمل الرد عليه (٣). د- دعوى البكري أن جماعة من الأنبياء توسلوا بالنبي ﷺ منهم نوح وإدريس وأيوب ﵈، ولم يذكر لها إسناداً أو يعزُها، وقد رد عليه ابن تيمية وبيَّن كذبه في هذه الدعوى (٤).

стр. 84

* ثانياً: الموضوعاث التي أطال الملخص فيها: وردت بعض الموضوعات في أصل الكتاب مختصرة جداً، وأطال الملخص فيها وهي: أ- أدلة البكري في الاستغاثة وهي: * توسل آدم بالنبي ﷺ بعد الأكل من الشجرة (١). * القصة المنسوبة للإمام مالك مع أبي جعفر المنصور (٢). * حديث فتح الكوة على القبر الشريف (٣). * حديث الأعمى في التوسل (٤). ب- سماع النبي ﷺ للصلاة والسلام عليه، وذكر الأحاديث الواردة في ذلك، وانتهى إلى أنه ﷺ يسمع القريب ويُبلغ سلام البعيد وصلاته, وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة فمن باب أولى أن لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته، وكرر هذا في موضعين (٥). جـ- تضعيف حديث: "لا يستغاث بي" وذكر أن المؤلف أورده للاعتضاد به، وليس للاعتماد عليه، وأنه موجود في دواوين الإسلام من قرون متطاولة، ولم ينكر لفظه أحد من أهل العلم (٦).

стр. 85

الفصل الخامس: الموضوعات التي فقدت من الكتاب الأصل أو جاءت مختصرة فيه البحث عن نصوص كتاب مفقود يحتاج إلى بحث دقيق، في اختيار المصادر وانتقاء النصوص منها (١)، وحيث أن كتاب تلخيص الاستغاثة تلخيص "لكتاب الاستغاثة في الرد على البكري"، لذلك حفل بنصوص لم ترد في الأصل. فتتميماً للفائدة، قمت بجمع هذه النصوص والتي فقدت من كتاب "الاستغاثة في الرد على البكري" أو جاءت مختصرة فيه، واتبعت المنهج الحالي: * وضع عنوان لكل فقرة. * جمع كل موضوع في فقرة واحدة وإن جاء في التلخيص مكرراً أو متفرقاً، مع حذف المكرر. * المحافظة على نص التلخيص وعبارته ما أمكن إلى ذلك سبيلاً. * عزو الآيات والأحاديث باختصار شديد، والإحالة على كتاب التلخيص المحقق. * عدم التعريف بالأعلام أو الأماكن أو التعليق على القضايا. * إصلاح السقط، أو العبارة الركيكة من الأصول الخطية أو حسب ما يقتضيه السياق.

стр. 86

١ - رأي ابن تيمية في البكري: قال ابن تيمية: رأيت أن مثل هذا لا يخاطب خطاب العلماء، وإنما يستحق التأديب البليغ، والنكال الوجيع الذي يليق بمثله من السفهاء، إذا سلم من التكفير فإنه لجهله ليس له خبرة بالأدلة الشرعية التي تتلقى منها الأحكام، ولا خبرة بأقوال أهل العلم الذين هم أئمة أهل الإسلام. بل يريد أن يتكلم بنوع مشاركة في فقه وأصول وتصوف، ومسائل كبار بلا معرفة ولا تعرُّف، والله أعلم بسريرته، هل هو طالب رياسة بالباطل، أو ضال يشبّه الحالي (١) بالعاطل، أو اجتمع فيه الأمران، وما هو من الظالمين ببعيد. ٢ - وصف ابن تيمية لرد البكري عليه: قال: وكلامه في الاستغاثة بغير الله أتى فيه من الجهالات بالعجب العجاب. قال: فمجموع ما قاله ما علمت أنه سبقه إليه أحد من المسلمين، ومع هذا لم يجترئ على أن يكتب فيها شيئاً حتى نظر جوابي في الاستفتاء الذي كتبته، وأرسل به إليّ، فاستعان به على ما قاله، وأعاره بعض الأمراء -كما أخبرني (٢) - كتابي الذي كنت صنفته من مدة وسمَّيته: "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، فإني ذكرت فيه ما يجب على من سب الرسول ﷺ من العقوبات الشرعية، وذكرت فيه من أصول هذه المسألة وفروعها والدلائل الشرعية عليها، وكلام أئمة الإسلام فيه، ما يعرفه من وقف عليه. فأخذ هذا الكلام مما ذكرته في ذلك وجعلته صيانة لعرض الرسول ﷺ من أهل النفاق والاعتداء، ما استعمله هذا الجاهل الظالم في حق أهل العلم والاهتداء. ٣ - سبب رد ابن تيمية على البكري: قال شيخ الإسلام: ثم إن الأصحاب تقاضوني تعليقاً على كلام هذا

стр. 87

الظالم الجاهل لئلا يضل بكلامه بعض الطغام، حتى قال بعضهم: إن الكلام على هذه المسألة من أفضل الكلام، إذ فيها بيان التوحيد ونفي الشرك عن الصمد المجيد، فإن أول ما نشأ الشرك وعبادة غير الله من القبور، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الهياج الأسدي أن علي بن أبي طالب ﵁ قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيته" (١)، فأمره بمحو الشرك وأصله الذي ينشأ منه. ٤ - استدلال البكري بحديث آدم في الرد على ابن تيمية: مما استدل به البكري الحديث الذي يُروى أن آدمَ ﵇ لما أكل من الشجرة وجرى ما جرى استشفع بالنبي ﷺ إلى الله، فقال له: "يا آدم كيف عرفت محمداً ولم أخلقه بعد؟ "، قال له: "لما نفخت فيّ الروح رفعت رأسي فرأيت على قائم العرش لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، فقلت: إنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك"، فقال: "صدقت يا آدم إنه لأحب خلقي إليّ، وإذ سألتني به فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك وهو آخر الأنبياء من ذريتك" (٢)، ذكره في رده مع نظائره من هذا الجنس الذي لا يستجيز الصبيان ذكره، فضلاً عن الجهال، فضلاً عمن شمَّ للعلم شة أو نشق له رائحة. قال (٣): وقد رواه بصيغ مختلفة من المفسرين والمحدثين من لا أحصيهم كثرة ولم يروه من المرويات المنكرة. قال: وقد جاء أن نوحاً وإدريس وأيوب وموسى وجماعة من الأنيياء توسلوا به. * رد ابن تيمية (قال شيخ الإسلام ابن تيمية) في نقض كلامه وحل إبرامه: فيقال: أولاً: هذا الحديث وأمثاله لا يحتج به في إثبات حكم شرعي، لم يسبقه أحد من الأئمة إليه، وإثبات عبادة لم يقلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم؛ إلا من هو أجهل الناس بطرق الأحكام الشرعية وأضلهم في

стр. 88

المسالك الدينية، فإن هذا الحديث لم ينقله أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد حسن ولا صحيح بل ولا ضعيف يستأنس به ويعتضد به، وإنما نقل هذا وأمثاله كما تنقل الإسرائيليات التي كانت في أهل الكتاب، وتنقل عن مثل كعب ووهب وابن إسحاق (١)، ونحوهم ممن أخذ ذلك عن مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم أو عن كتبهم. كما روي أن عبد الله بن عمرو وقعت له صحف يوم اليرموك من الإسرائيليات فكان يحدث منها بأشياء. ويكفيك أن هذا الحديث ليس في شيء من دواوين، الحديث التي يعتمد عليها. وقد جمع غير واحد من الحفاظ قصة آدم (٢)، ومن أجمعهم أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه الكبير"، فإنه روى عامة ما رواه الناس ولم يذكر هذا، وإنما ذكر هذا وأمثاله من يجمع الموضوعات الكثيرة والأكاذيب العظيمة. ومما يبين كذب هذا أن الله قال: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٧ - ٣٨]، فأخبر أنه تاب بالكلمات التي تلقاها منه وقد قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية، فأخبر أنه أمرهم بالهبوط عقب هذه الكلمات، وأخبر أنه تاب عليه عقب الكلمات وأمره بالهبوط، فكان أمره بالهبوط عقب الكلمات التي تلقاها منه وهي قولهما: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، أو كلمات تشبه هذه الكلمات ذكر ذلك طائفة كثيرة من المفسرين، ومن ذكر أن الكلمات التي تلقاها من ربه غير هذه لم يكن معه حجة في خلاف ظاهر القرآن. وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب "التوبة" في هذه الكلمات أشياء كثيرة كلها تدور على ما ذكره الله في كتابه من قول آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وأيضاً فإن قولهما: ﴿ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ يتضمن الإقرار والاستغفار، ومن هو دون آدم أقر بذنبه واستغفر منه غُفِرَ له، كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعائشة: "إن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله

стр. 89

عليه" (١) وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]، وكذلك الآية التي في آل عمران، وإذا حصلت مغفرة بالتوبة حل المقصود لها لا بغيرها، وقد ثبت في الصحيح عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال له: "يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن التوبة تهدم ما كان قبلها" (٢). وأيضاً فلو كان آدم قد قال هذا لكانت أمة محمد أحق به منه، بل كان الأنبياء من ذريته أحق، وقد علم كل عالم بالآثار أن النبي ﷺ لم يأمر أمته به؛ ولا نقل عن أحد من الصحابة الأخيار؛ ولا نقله أحد من العلماء الأبرار، فعلم أنه من أكاذيب أهل الوضع والاختلاق الذين وضعوا من الكذب أكثر مما بأيدي المسلمين من الصحيح (٣)، لكن الله فرق بين الحق والباطل بأهل النقد العارفين بالنقل علماء التعديل والتجريح. ٥ - كذب البكري في تكثير رواة حديث توسل آدم: وأما قوله: (إن هذا قد رواه بصيغ مختلفة من المفسرين والمحدثين ... إلى آخره)، فما أدري من أيهما أعجب من تكثيره لمن رواه كأنهم من الحفاظ الكبار أو من سكوته عن مقابلتهم بالرد والإنكار، إذ مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن هو عارف بطرق الحديث مميز بين الصحيح والضعيف. ٦ - الأحاديث الواردة في كتابة نبوة النبي ﷺ -: وقد روى أبو بكر الآجري وابن الجوزي آثاراً في أن اسم النبي ﷺ كان مكتوباً على ساق العرش وعلى أبواب الجنة، وهذا ممكن، فإنه قد ثبت عن ميسرة قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبياً، وفي رواية: متى كتبت نبياً؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" (٤)، وفي مسند أحمد وغيره بإسناد حسن عن

стр. 90

العرباض بن سارية عن النبي ﷺ قال: "إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينه سأنبئكم بأول أمري، دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ورؤيا أمي، رأت حين ولدتني كأنها خرج منها نور أضاءت له قصور الشام" (١)، وفي حديث أبي هريرة سئل النبي ﷺ : متى وجبت لك النبوة؟ قال: "بين خلق آدم ونفخ الروح فيه" (٢)، رواه الترمذي وحسنه، فتبين من هذه الأحاديث أن الله كتب اسمه بعد خلق آدم وقبل نفخ الروح فيه. ٧ - الأحاديث الموضوعة: وأما ما يرويه كثير من الجهال والاتحادية وغيرهم من أنه قال: "كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، وآدم لا ماء ولا طين" (٣)، فهذا مما لا أصل له لا من نقل ولا من عقل، فإن أحداً من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل فإن آدم ﵇ لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد. ثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي ﷺ كان حينئذٍ موجوداً وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة مثل حديثٍ فيه: "أنه كان نوراً حول العرش" فقال: "يا جبريل أنا كنت ذلك النور" (٤)، ويدّعي

стр. 91

أحدهم أن النبي ﷺ كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل. ٨ - دعوى البكري في توسل الأنبياء بالنبي ﷺ -: وأعجب من هذا قوله: إن نوحاً وإدريس وأيوب وجماعة من الأنبياء توسلوا به، فمثل هذا [لا] (١) يجوز لمسلم أن يبني دينه الذي يكفر به من خالفه على مثل هذا النقل الذي لا يعتمد عليه من يدري ما يقول (٢). ومعلوم أن ما جاء به نبينا ﷺ أضبط وأتم وأكمل، وهو علينا أوجب، وأمتنا به أعرف، ولو قال قائل في زماننا: قد جاء أن النبي ﷺ قال كذا وفعل كذا؛ محتجاً به من غير أن يعرف ما يستند إليه من العزو والإسناد لكان قائل ذلك من أصجهل الناس وأبعدهم عن طريق الرشاد، دع من يستدل على تكفير غيره مما يرويه عن أولئك الأنبياء الذين قد أمرنا نبينا ﷺ إذا حدثنا أهل الكتاب عنهم أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، بل مثل هذا إذا وجدناه في كتب أهل الكتاب أو في كتب المسلمين منقولاً، لم يجز لنا أن نصدقه، ومن صدقه فقد عصى الله ورسوله، ولو صح فغايته أن يكون شرع من قبلنا. ٩ - أمثلة لما ورد عن أنبياء بني إسرائيل: وفي المأثور عن الأنبياء المتقدمين ما يدل على أن ذلك لم يكن مشروعاً لهم مثل ما ذكره الحافظ أبو نعيم في "كتاب الحلية" (٣) في ترجمة أحمد بن أبي الحواري قال: حدثنا أبي، حدثنا [أحمد بن محمد بن عمر اللُّنَبانيُّ] (٤)، حدثنا الحسين يعني أبا علي الحسين بن عبد الله بن شاكر السمرقندي: سمعت عبد الله بن

стр. 92

الجلا (١) يقول: قال يوسف ﵇: "اللهم أني أتوجه إليك بصلاح آبائي إبراهيم خليلك وإسحاق ذبيحك (٢) ويعقوب إسرائيلك"، فأوحى الله إليه يا يوسف: "تتوجه إليّ بنعمة أنا أنعمت بها عليهم"، قال أحمد (٣): فقلت لأبي سليمان الداراني: كنت لبعض الأولياء قبل اليوم أشد حباً، فقال: إنما يتقرب إليه بحب أوليائه [أولاً] (٤) ثم بعد منزلة سعد (٥) القلب، وقد ذكر بعض الناس في هذا الأثر أن الله قال له: "وأي حق لآبائك علي" (٦)، لأنه هو الذي أنعم عليهم بالإيمان والنبوة كما قال تعالى بعد ذكره لهم وثنائه عليهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ [مريم: ٥٨] الآية، وكذلك الآية، التي في النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية، وقال في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. وأما ما استحقوه عليه فكقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، فهو سبحانه أحقه على نفسه بحكم إحسانه وفضله ووعده، لا هم أحقوه عليه؛ كالحق الذي للإنسان على من له عنده يد، ولهذا ليس لأحد أن يُدِلَّ على الله بصلاح سلفه فإنه ليس صلاحهم من عمله الذي يستحق به الجزاء؛ كأهل الغار الثلاثة فإنهم لم يتوسلوا إليه بصلاح سلفهم وإنما توسلوا إلى الله بأعمالهم لما علموا أن الله يثيب العاملين على أعمالهم كما قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وسعي غيره ليس له كما لا تزر وازرة وزر أخرى كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩]، وإن

стр. 93

كان المرء قد ينتفع بسعي غيره لكنه ليس له فلا [يمن] (١) ويدل بما ليس له (٢). فإن كانت الإسرائيليات حجة فهذا فيه دليل، على أنه لا يسأل الله بحق الأنبياء. وإن لم تكن حجة لم يجز الاحتجاج بتلك الإسرائيليات، ثم إن توسل النبي المتقدم بالنبي الذي بعده يقتضي أن يكون أفضل منه، فيقتضي أن يتوسل نوح بإبراهيم، وداود بعيسى، وإسرائيل بموسى، ومثل هذا لو كان حقاً لكان أصلاً في العلم الصحيح، ولكن المتقدم من الأنبياء يبشر بمن يأتي بعده منهم، وليس هو مأموراً باتباع شريعة من يأتي بعده. بل إما أن يكون مأموراً باتباع شريعة توحى إليه أو شريعة رسول قبله، فهو مستغن عمن بعده متبع لمن قبله، فكيف يتوسل بالمتأخر؛ ولا يتوسل بالمتقدم الذي يجب عليه اتباعه؟. ١٠ - استدلال البكري بقصة الامام مالك مع أبي جعفر المنصور: قال الشيخ: (قال المعترض وقد رُوي أن أبا جعفر لما ناظر مالكاً في مسجد النبي ﷺ ، قال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله أدب قوماً فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، وذم آخرين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤]، وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال له: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع به) (٣). * رد ابن تيمية - قال الشيخ: فيقال: (الجواب) عن هذا من وجهين: (أحدهما) المطالبة بصحة هذه الحكاية وليس معه ولا مع من ينقلها (٤)

стр. 94

إسناد صحيح ولا ضعيف، وإنما غايته أن يعزوها إلى "الشفا" أو إلى من نقلها منه، وكل عالم بالحديث يعلم أن في هذا الكتاب من الأحاديث والآثار ما ليس له أصل ولا يجوز الاعتماد عليه، فإذا قال القاضي عياض ذكره فلان في كتابه فهو الصادق في خطابه؛ وإذا لم يذكره من أين نقله لم نتهمه؛ ولكن نتهم من فوقه، وقد رأيناه ينقل من كتب فيها كذب كثير وهو صادق في نقله منها لكن [من] (١) فوقه لا يجوز الاعتماد عليهم. الوجه الثاني: أن يقال هذه الحكاية كذب بلا ريب من وجوه: منها أنها مخالفة لمذهب مالك ومذهب سائر الأئمة، فإنهم متفقون على أن من سلَّم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء فإنه يستقبل القبلة، كما روي ذلك عن الصحابة، وتنازعوا وقت السلام عليه هل يستقبل القبلة أو القبر؟ على قولين: قال أبو حنيفة: يستقبل "القبلة أيضاً". وقال: غيره: "يستقبل القبر وقت السلام عليه". وأما وقت الدعاء فما أعلم إماماً خالف في أنه يستقبل القبلة، بل الأئمة متفقون على أن قبلة المسلمين التي يستقبلونها في جميع أدعيتهم وأمكنتهم هي الكعبة، ويستحب لكل من دعا الله أن يستقبل الكعبة حيث كان، وأين كان، كما كان النبي ﷺ يستقبلها، فيستقبلها وقت الذكر والدعاء بعرفة ومزدلفة وبين الجمرات وعلى الصفا والمروة، وعقب الصلاة في مسجد النبي ﷺ ، وغيره، وما جعل أحد من الأئمة قبر أحد من الأنبياء قبلة للدعاء، وإنما يستقبل قبورهم أهل الجهل عند عباداتهم، ومن هؤلاء الغلاة من يستقبل قبورهم ويصلي إليها، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (٢). (ومنها) أن مالك من قوة متابعته للسنة كره أن يقال زرت قبر النبي ﷺ ، وهذا مما لا يستريب أحد في ثبوته عنه، مع أن لفظ زيارة القبور في الجملة مما جاءت به السنة في غير قبره، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي أن

стр. 95

أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن في، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" (١)، والأحاديث في ذلك كثيرة. ثم بسط الشيخ الكلام على ذلك. ١١ - استدلال البكري بحديث الكوة: أما ذكره (أي البكري) من أن أهل المدينة شكوا إلى عائشة فأمرتهم أن يعملوا كوة إلى السقف حتى لا يكون بينه وبين السماء حائل، ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل وتفتقت شحماً فسمي عام الفتيق، فقد ذكر هذا فيما أظن محمد بن الحسن بن زبالة فيما صنفه في أخبار المدينة (٢). * رد ابن تيمية وجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذا محمد بن زبالة ضعيف لا يحتج به، والثابت عن الصحابة باتفاق أهل العلم أنهم كانوا إذا استسقوا دعوا الله؛ إما في المسجد وإما في الصحراء، وهذا الاستسقاء المشروع باتفاق أهل العلم، فإنهم اتفقوا على دعاء الله واستغفاره. واختلفوا هل يصلى للاستسقاء على قولين: وجمهورهم على أنه يصلى له، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وأما أبو حنيفة فلم يعرف الصلاة في الاستسقاء، والجمهور عرفوا ذلك بما ثبت في الصحاح والسنن والمسانيد أن رسول الله ﷺ صلى في الاستسقاء ركعتين، والصحابة في زمن عمر وغيره صلوا واستشفعوا بالعباس وغيره، ولم يكشفوا عن قبره، ولو كان مشروعاً لما عدلوا عنه. وهذا العلم العام المتفق عليه لا يعارض بما يرويه ابن زبالة وأمثاله؛ ممن لا يجوز الاحتجاج به، ولو قال عالم يستحب عند الاستسقاء أو غيره أن يكشف عن قبر النبي ﷺ أو غيره من الأنبياء والصالحين لكان مبتدعاً بدعة مخالفة للسنة المشروعة عن رسول الله ﷺ وعن خلفائه.

стр. 96

الثاني: أن هذا الفعل ليس حجة على محل النزاع سواء كان مشروعاً أو لم يكن، فإن هذا استنزال للغيث على قبره، والله -تعالى- ينزل رحمته على قبور أنبيائه وعباده الصالحين، وليس في ذلك سؤال لهم بعد موتهم ولا طلب ولا استغاثة بهم، والاستغاثة بالميت والغائب سواء كان نبياً أو ولياً ليس مشروعاً ولا هو من صالح الأعمال، إذ لو كان مشروعاً أو حسناً من العمل لكانوا به أعلم وإليه أسبق، ولم يصح عن أحد من السلف أنه فعل ذلك. ومما يبيّن كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقياً كما كان على عهد النبي ﷺ : بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة: "أن النبي ﷺ يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد" (١). ولم تزل الحجر كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول ﷺ ، وكان نائبه على المدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز وكانت حجر أزواج النبي ﷺ شرقي المسجد وقبليَّه، فأمره أن يشتريها من ملاكها ورثة أزواج النبي ﷺ فاشتراها وأدخلها في المسجد، فزاد في قبلي المسجد وشرقيه، ومن حينئذٍ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، وإلا فهي قبل ذلك كانت خارجة عن المسجد في حياة النبي ﷺ وبعد موته، ثم إنه بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك من أجل كنس أو تنظيف. ولو صح ذلك لكان حجة ودليلاً على أن القوم لم يكونوا يُقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه، فأين هذا من هذا؟! والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله، فإن الله -تعالى- يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة السلام على نبيه ﷺ ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه، وإن أريد أن نتوسل إليه بما تُحب ذاته وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من الإيمان والعمل الصالح فهذا باطل عقلاً وشرعاً، أما عقلاً فلأنه ليس في كون

стр. 97

الشخص المعين محبوباً له ما يوجب كون حاجتي تقضى بالتوسل بذاته، إذا لم يكن مني ولا منه سبب تقضى به حاجتي، فإن كان منه دعاءٌ لي؛ أو كان مني إيمان به وطاعة له، فلا ريب أن هذه وسيلة، وأما نفس ذاته المحبوبة فأي وسيلة في فيها، إذا لم يحصل في السبب الذي أمرت به فيها، ولهذا لو توسل به من كفر به مع محبته له لم ينفعه، والمؤمن به ينفعه الإيمان به وهو أعظم الوسائل. فتبين: أن الوسيلة بين العباد وبين ربهم الإيمان بالرسل وطاعتهم ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]. وأما الشرع فيقال العبادات كلها مبناها على الاتباع لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فليس لأحد أن يصلي إلى قبره ويقول: وهو أحق بالصلاة إليه من الكعبة، وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". ١٢ - استدلال القبورية بحديث الأعمى: حديث الأعمى رواه الترمذي والنسائي والإمام أحمد وصححه الترمذي ولفظه: أن النبي ﷺ علّم رجلاً فيقول: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي فشفّعه فيّ"، وروى النسائي نحوه. وفي الترمذي وابن ماجه عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى إلى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: "إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك"، فقال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء، فذكر نحوه، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف ولفظه: أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري، قال: فانطلِق فتوضأ ثم صلي ركعتين ثم قل (١): "اللهم إني أسالك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة،

стр. 98

يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري، اللهم فشفّعه فيّ"، فرجع وقد كشف الله بصره. وقال أحمد في مسنده: حدثنا روح، حدّثنا شعبة عن عمير بن يزيد الخطمي المديني قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت أخّرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت لك"، قال: بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ وأن يدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم فشفعني فيه وشفعه فيّ"، قال: ففعل الرجل فبرأ، فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء، فمن الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل به مطلقاً حياً وميتاً، وهذا يستدل به من توسل بذاته بعد موته وفي مغيبه، ويظنون أن توسل الأعمى والصحابة به في حياته كان بمعنى الإقسام به على ربه؛ أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته ولا يحتاج هو أن يدعو لهم ولا إلى أن يطيعوه، ويظنون أن كل من توسل بالرسول كما توسل به ذلك الأعمى مشروع له. وقول هؤلاء باطل شرعاً وقدَراً، فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله، ومنهم من يقول هذه قضية عين فيثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في مناط الحكم، لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها، والفرق ثابت شرعاً وقدراً بين من دعا له النبي ﷺ وبين من لم يدع له، فلا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر، وهذا الأعمى شفع له النبي ﷺ ولهذا قال في دعائه: "اللهم فشفعه فيّ" فعلم أنه شفع فيه، وكذلك قوله: "إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك"، فقال: ادع لي فدعا له، وقد أمره أن يصلي ويدعو لنفسه أيضاً، فحصل الدعاء من الجهتين، وكذلك قول عمر في استسقائه بالعباس. فالنبي ﷺ علَّم رجلاً أن يتوسل به في حياته؛ كما ذكر عمر أنهم يتوسلون به إذا أجدبوا، ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلاً عنه، فلو كان التوسل به حياً وميتاً سواء؛ والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن

стр. 99

لم يدع له؛ لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم وسيلة إليه، وكذلك لو كان كل أعمى توسل به وإن لم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، ولو أن كل أعمى دعا بدعاء ذلك الأعمى وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي ﷺ إلى زماننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى، فعدول عمر والصحابة عن هذا إلى هذا وما يشرع من الدعاء وينفع عما لا يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير الخير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه، ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه. وحديث الأعمى إنما ظهر بسبب كلامنا، ومن جهة أصحابنا اتصل علمه إلى هؤلاء المبتدعة، فإن الفقيه أبا محمد بن عبد السلام لم يقف على هذا الحديث ولم يعرف صحته، فإنه علق الجواب بجواز التوسل به ﷺ على صحته فكأنه لم يصح عنده إما لعدم علمه بتصحيح الترمذي له أو أنه اطلع فيه على قادح معارض، ولولا الإطالة لتكلمنا على ذلك فنحن لا حاجة بنا إلى شيء من ذلك، فإنا بالحديث عاملون وله موافقون وبه عالمون، والحديث ليس فيه إلا أنه طلب من الله ولم يطلبها من مخلوق، ونحن إلى الله -تعالى- نرغب وإياه نسأل، فهو المدعو المسؤول كما أنه المعبود المستعان، لا نشرك به شيئاً (١). ١٣ - استدلال القبورية بسماع الميت: لو قال القائل: سؤال الغائب حياً وميتاً كسؤال الشاهد، فإن الأنبياء والأولياء يسمعون خطاب الغائب البعيد ويسمع أحدهم خطاب الناس البعيدين عنه. قلنا: هذا محال في العادة المعروفة، وإذا وقع ذلك في بعض الصور كان من باب خرق العادة، والعادة قد تخرق بأن يسمع الأدنى خطاب الأعلى، كما

стр. 100

سمع سارية خطاب عمر: "يا سارية الجبل، يا سارية الجبل"، ويجوز خرق العادة بالعكس، لكن إثبات هذا في حق معين لا يكون إلا بحجة تدل على وقوع ذلك في حقه. فإن قال: إن النبي ﷺ يسمع الخطاب البعيد والقريب، قيل: ليس في هذا الحديث المعروف ما يدل على التسوية بين القريب والبعيد في سمع خطابه بل الحديث يدل على نقيض ذلك، ففي السنن حديث أوس بن أوس الذي رواه أبو داود وغيره ورواه ابن حبان في صحيحه والدارقطني في سننه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، وفيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علّي، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمت (قال: يقولون بليت)، قال: إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (١). والحديث الذي رواه أحمد في مسنده وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاكم تبلغني" (٢)، والحديث الذي رواه النسائي وابن حبان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام" (٣)، وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد بن حبان عن أبي بكر الحنفي حدثنا عبيد الله بن نافع، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن قال: سمعت الحسين بن علي يقول: قال رسول الله ﷺ : "صلّوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً ولا تتخذوا بيتي عيداً، صلوا عليّ وسلموا

стр. 101

فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم" (١). وروى الروياني في مسنده والبزار وغيرهما عن نعيم بن ضمضم عن عمران بن الحميري قال: قال لي عمار بن ياسر: قال نبي الله ﷺ : "يا عمار إن لله ملكاً أعطاه الله أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت إلى يوم القيامة فلا يصلي عليّ أحد صلاة إلا سماه باسمه واسم أبيه فقال: صلى عليك فلان كذا وكذا، فيصلي الرب على ذلك المصلي بكل واحدة عشراً" (٢)، وقال أبو أحمد الزبيري: حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: "ليس أحد من أمة محمد ﷺ يصلي عليه صلاة إلا وهي تبلغه يقول له الملك: فلان يصلي عليك كذا وكذا صلاة" (٣). وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن [الحارث] (٤) عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا علي الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحداً لا يصلي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ"، قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، فهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة والسلام يعرضان عليه، وأن ذلك يصل حيثما كنا، وفي سنن

стр. 102

أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇" (١)، وهذا الحديث هو الذي اعتمد عليه العلماء كأحمد وأبي داود وغيرهما في السلام عليه عند قبره وزيارة قبره، إذ لم يكن معهم سند يستندون إليه في زيارة قبره إلا هذا الحديث، والأحاديث التي رويت في زيارة قبره ضعيفة بل موضوعة، وأكثرها وضعت بعد الإمام أحمد وأمثاله. فهذه النصوص التي ذكرناها تدل على أنه يسمع سلام القريب ويبلَّغ سلام البعيد وصلاته، لا أنه يسمع ذلك المصلي والمسلِّم، وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة فإنه لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق الأولى والأحرى، والنص إنما يدل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام، ولم يدل على أنه يبلغه غير ذلك. والحديث الذي فيه: "ما من رجل يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أرد ﵇"، فهمَ العلماء منه السلام عند قبره خاصة فلا يدل على البعيد، فإن السنة إذا زار الرجل القبور مطلقاً أن يسلم عليهم ويدعو لهم، وكان النبي ﷺ يخرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم. وقد بسط الشيخ الكلام في هذا الموضع بسطاً طويلاً ومقصوده توحيد الله سبحانه، وطلب الحوائج منه والذب عن حومة الإخلاص وأن لا يسأل إلا الله. ١٤ - صور السؤال وحكم كل صورة: قال الشيخ: فإن هنا أربعة معاني أحدها: أن يسأل الله تفريج الكربة بالمتوسل به، ولا يسأل المتوسل به شيئاً، كما يفعله كثير ممن يتوسل بالأموات. الثاني: أن يسأل الله ويسأل المتوسل به أن يدعو كما كان الصحابة يتوسلون بالنبي ﷺ في الاستسقاء، ثم من بعده بعمه العباس، وبيزيد بن الأسود الجرشي وغيرهما. والثالث: أن يسأل المتوسل به أن يسأل الله له تفريج الكربة ولا يسأل الله.

стр. 103

والرابع: أن يسأل المستغاث به أن يفرج الكربة ولا يسأل الله. فأما الأول: فهو سائل لله وحده ومستغيث به، وليس مستغيثاً بالمتوسل به إلا أن يريد بالاستغاثة السؤال به. وأما الثاني: فهو استغاثة بالله في تفريج الكربة واستغاثة بالشفيع أن يسأل الله هو توسل به (أي بدعائه وشفاعته)، وهذا هو المشروع في الدنيا والآخرة في حياة الشفيع وسؤاله أو في حال مشاركة الشفيع له في السؤال لا في حال انفراده هو بالسؤال. وكذلك الثالث: إذا سأل المتوسل به أن يسأل الله كما يسأله الناس يوم القيامة: فهذا لا ريب في جوازه وإن سمي استغاثة به. وأما الرابع: وهو أن يسأل المستغاث به تفريج الكربة، فهذا استغاثة به ليس توسلاً به بل المستغاث به مطلوب منه الفعل فإن لم يكن قادراً عليه لم يجز أن يطلب منه ما لا يقدر عليه. فالأول: سؤال به وليس استغاثة أصلاً وبعض الناس يسميه توسلاً به. والثاني: فيه استغاثة به وتوسل به. والثالث: فيه استغاثة في سؤال الله وليس فيه سؤال به. والرابع: استغاثة في تفريج الكربة لكن لا يجوز ذلك من ميت ولا غائب ولا من حي حاضر إلا فيما يقدر عليه خاصة، وليس هذا هو التوسل به. والتوجه المشروع الذي كانت الصحابة تفعله إنما كان بدعائه وشفاعته، ولا ريب أن من سأل الله تفريج الكربة بواسطة سؤال النبي ﷺ وشفاعته فقد استغاث به، وهذا جائز كما كان الناس يفعلونه في حياته وكما يفعلونه في الآخرة في حياته أيضاً. ولكن هذا ليس مشروعاً بعد موته ولم يفعله أحد من الصحابة بعد موته؛ بل عدلوا عن التوسل بدعائه وشفاعته إلى التوسل بدعاء غيره من الأخيار كالعباس ويزيد بن الأسود وغيرهما، فلا دين إلا ما شرعه الله ورسوله كما أنه لا حرام إلا ما حرمه. ومن ذهب إلى الاستغاثة بالموتى فقد شرع له ديناً لم يؤذن له به.

стр. 104

١٥ - أحاديث زيارة قبر النبي ﷺ كلها موضوعة: الأحاديث التي رويت في زيارة قبر النبي ﷺ كلها ضعيفة بل موضوعة، وليس في السنن الأربعة منها حديث واحد فضلاً عن الصحيحين، ولا احتج الأئمة بشيء منها ولا رووا شيئاً منها لا مالك ولا الشافعي ولا أحمد ولا الثوري ولا الأوزاعي ولا الليث ولا أبو حنيفة ولا إسحاق بن راهويه ولا أحد من أئمة المسلمين وذلك مثل قوله: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي" (١)، ومثل ما يروون عنه أنه قال: "من زارني بعد مماتي وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة" (٢). فهذه الأحاديث وما أشبهها كلها كذب موضوع على النبي ﷺ ، لم يثبت عنه لفظ واحد في زيارة قبره، ولكن روى الأولان من قد يروي الموضوعات كالبزار والدارقطني كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، كيف يكون زائر قبره كالمهاجر إليه في حياته؟ فإن زيارته في حياته إنما شرعت لمن يأتي ويبايعه على الإسلام والجهاد، أو يهاجر إليه لطلب الآخرة أو يطلب منه العلم أو نحو ذلك من المقاصد المأمور بها في حياته التي لا يحصل شيء منها بزيارة قبره. ١٦ - مراتب بدعة سؤال الموتى: أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجة أو يستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس بكثير من الأموات وهو من جنس عبادة الأصنام. ولهذا تتمثل لهم الشياطين على صورة الميت أو الغائب كما كانت تتمثل لعباد الأصنام، بل أصل عبادة الأصنام إنما كانت من القبور كما قال ابن عباس وغيره، وقد يرى أحدهم القبر قد انشقّ وخرج الميت فعانقه أو صافحه أو كلّمه؛ ويكون ذلك شيطاناً تمثل على صورته، وهذا يوجد كثيراً عند قبور الصالحين، وأما السجود للميت أو للقبر فهو أعظم وكذلك تقبيله.

стр. 105

المرتبة الثانية: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب أو أنه أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، فيقصد زيارته لذلك أو للصلاة عنده؛ أو لأجل طلب حوائجه منه، فهذا أيضاً من المنكرات المبتدعة باتفاق أئمة المسلمين وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعاً بين أئمة الدين. المرتبة الثالثة: أن يسأل صاحب القبر أن يسأل الله له، وهذا بدعة باتفاق أئمة المسلمين. ١٧ - دعاء صفة من صفات الله: (في الرد على البكري) أن مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماته جائز مشروع كما جاءت به الأحاديث، وأما دعاء صفاته وكلماته فكفر باتفاق المسلمين، فهل يقول مسلم: يا كلام الله اغفر لي وارحمني وأغثني أو أعنِّي، أو: يا علم الله، أو: يا قدرة الله، أو: يا عزة الله، أو: يا عظمة الله ونحو ذلك؟ أو سمع من مسلم أو كافر أنه دعا ذلك من صفات الله وصفات غيره؟ أو يطلب من الصفة جلب منفعة أو دفع مضرة أو إعانة أو نصراً أو إغاثة أو غير ذلك؟ والنصارى وإن كانوا يقولون: المسيح هو الكلمة ويدعونه ويتخذونه إلهاً فهو عندهم عين قائمة بنفسها حاملة للصفات؟ ليس المسيح عندهم صفة قائمة بموصوف، ولكن مذهبهم متناقض حيث يجعلون الإله واحداً والأقانيم ثلاثة، ويدعون أن المتحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة، فإن فسروا الأقنوم بما يجري مجرى الصفة لزم أن تكون الصفة خالقة وهم لا يقولون ذلك، وإن فسره بما يجري مجرى الموصوف لزم أن تكون الذات الموصوفة وهي الآب هي المسيح وهم لا يقولون ذلك، فقولهم متناقض في نفسه باتفاق عقلاء بني آدم، ولم يقولوا إن مجرى الصفة القائمة بغيرها تدعى وتسأل. ١٨ - سبب ضلال القبورية وأصل شبهتهم: قال: وقوله: (من توسل إلى الله بنبيه في تفريج كربه أو استغاث به سواء كان ذلك بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما هو في معناهما)، فهذا القول لم يقله أحد من الأمم بل هو مما اختلقه هذا المفتري، وإلا فلينقل ذلك عن أحد من الناس، وما زلت أتعجب من هذا القول وكيف يقوله عاقل،

стр. 106

والفرق واضح بين السؤال بالشخص والاستغاثة به. وأريد أن أعرف من أين دخل اللبس على هؤلاء الجهال؟ فإن معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه، ومن لم يعرف أسباب المقالات -وإن كانت باطلة- لم يتمكن من مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم، فوقع لي أن سبب هذا الضلال والاشتباه عليهم أنهم عرفوا أن يقال سألت الله بكذا كما في الحديث: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت المنان" (١)، ورأيي أن الاستغاثة تتعدي بنفسها كما يتعدى السؤال كقوله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، وقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، فظنوا أن قول القائل استغثت بفلان كقوله سألت بفلان والمتوسل إلى الله بغائب أو ميت تارة يقول: أتوسل إليك بفلان، وتارة يقول: أسألك بفلان، فإذا قيل ذلك بلفظ الاستغاثة فإما أن يقول أستغيثك بفلان، أو أستغيث إليك بفلان، ومعلوم أن كلا هذين القولين ليس من كلام العرب. وأصل الشبهة على هذا التقدير أنهم لم يفرقوا بين الباء في استغثت به التي يكون المضاف بها مستغاثاً مدعواً مسؤولاً مطلوباً منه، وبالاستغاثة المحضة من الإغاثة التي يكون المضاف بها مطلوباَّ به لا مطلوباً منه، فإذا قيل: توسلت به أو سألت به أو توجهت به فهي الاستغاثة كما تقول كتبت بالقلم، وهم يقولون أستغيثه وأستغث به من الإغاثة، كما يقولون: استغثت الله واستغثت به من الغوث، فالله في كلا الموضعين مسؤول مطلوب منه. وإذا قالوا لمخلوق: استغثته واستغثت به من الغوث كان المخلوق مسؤولاً مطلوباً منه، وأما إذا قالوا: استغثت به من الإغاثة فقد يكون مسؤولاً وقد لا يكون مسؤولاً، وكذلك استنصرته واستنصر به، فإن المستنصر يكون مسؤولاً مطلوباً؛ وأما المستنصر به فقد يكون مسؤولاً وقد لا يكون مسؤولاً.

стр. 107

فلفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به، وقول القائل استغثت فلاناً واستغثت به معنى طلبت منه الإغاثة لا بمعنى توسلت به، فلا يجوز للإنسان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. ١٩ - أهمية التوحيد: التوحيد أصل كل خير وجماعه، والشرك أصل كل شر وجماعه. والموجبتان: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار" (١)، ولهذا لما جمع بين ما أمر به وبين ما حرمه في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ثم قال تعالي: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وأصل الكفر والشرك مخالفة الرسول ﷺ ، وهؤلاء الجهال فيهم من الشرك ومخالفة الرسول ما لا خفاء به على المؤمن العليم، وهم فيه درجات منهم من يأتي بالشرك البيّن، والإنكار البيّن لما جاء به الرسول ﷺ ، فهذا يستتاب باتفاق الأئمة، ومنهم من هو مخطئ في دقيق ذلك، ومنهم من هو بين هذا وهذا إما فاسق وإما عاص. ٢٠ - استعداء البكري للدولة: وقوله: (لقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول ﷺ بإهلاكه وإهلاك أمثاله خصوصاً أهل الدولة وأصحاب الحكم إلى آخره). جواب ابن تيمية: فيقال: كنت قد أجبت على كلامه إلي هذا الموضع واتفقت أمور شغلت عن تمام ذلك حتى أنزل الله بأسه بهذا الجاهل الظالم

стр. 108

وحزبه الجاهليق الظالمين، وكانوا في ذلك نظير المستفتحين من المشركين، وهذا الوعيد الذي ذكره في كلامه به وبأحزابه أليق وهم به أحق، وهكذا فعل الله -تعالى- بهم حيث عاقبه وحزبه عقوبة المعتدين الظالمين، عقوبة لم يعاقب بها أحداً من أشكالهم، وهؤلاء مضاهون للمشركين الذين ناظروا إمام الحنفاء -إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه- كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٨٣]، فإنهم خوَّفوا إبراهبم بما عبدوه من دون الله فقال لهم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ فإنه ليس للمؤمن أن يخاف إلا الله، فلا يستحق ملك مقرب ولا نبي مرسل أن يُخشى ويُتقى، كما لا يستحق أن يصلى له ويصام، بل هذا كله لا يصلح إلا لله وحده لا إِله إلا هو، ثم قال الخليل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ وهذا استثناء منقطع، أي: لكن إن شاء ربي شيئاً كان، فأنا أخاف ربي. ثم قال: وكيف أخاف ما أشركتم مكان المخلوقات؟ وأنتم لا تخافون إشراككم بالله ما لم ينزل به سلطاناً، يقولا: فكيف لا تخافون أنكم عبدتم غير الله بغير سلطان من الله، وهكذا يقول أتباع إبراهيم الخليل الذين هم على ملته لمن خرج عنها من أشباه النصارى وغيرهم: كيف نخاف ما أشركتموه ودعوتموه من دون الله كائناً من كان سواء كان ملكاً أو نبياً أو شيخاً أو غيره؟ وأنتم لا تخافون الله حيث دعوتم غيره بغير سلطان من الله، فإن هذا الذي تفعلونه بدعة لم يأمركم الله بها ولا رسوله وفيها من الشرك ما فيها!! ولو لم يكن فيها شرك فكيف يسوغ لكم أن تشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله؟ ومعلوم أن من شرع عبادة يتقرب بها إلى الله ويجعلها وسيلة له إلى الله يرجو عليها ثواب الله إما واجبة أو مستحبة؛ فلا بد أن يكون من الدين الذي شرعه الله وأمر به، وإلا كان حظ صاحبها الإبعاد والطرد، ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع. ٢١ - مدح البكري لكتاب المؤلف الصارم المسلول: وقد وقف هذا الرجل، (أي البكري) على الكتاب الذي صنفه المجيب في "سابِّ الرسول" واعترف أنه ما رأى في هذا الباب مثله، فكيف يسوغ له مع هذا أن ينسبه إلى نقيض ذلك؟ ولو قدر أن هذا في نفس الأمر تنقص فهو مما

стр. 109

تكلم فيه صاحبه بالاجتهاد، وقد أجمع المسلمون على أن مسائل الاجتهاد لا تدخل في السبِّ الذي يستحق صاحبه الوعيد. ٢٢ - رد على البكري على استشهاد ابن تيمية بحديث لا يستغاث بي: قال البكري: (وأورد هذا الرجل حديثاً أن منافقاً كان يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله"، قال: والكلام على هذا الكافر الضال من وجوه، الأول: عدم تسليم صحة الحديث له إلى آخر كلامه) (١). * رد ابن تيمية قال الشيخ: والجواب عن هذا الكلام -مع ما فيه من الجهل والإلحاد والشرك في الدين والافتراء على الله والرسول وعباده المؤمنين- أن يقال: هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل معلوم ذُكِرَ ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي. ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة؛ من الأخبار التي تُكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك، وبآثار الصحابة والتابعين، بل بأقوال المشايخ والإسرائيليات والمنامات مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع وما يصلح للاعتماد نوع، وهذا الخبر من النوع الأول فإنه رواه الطبراني في معجمه من حديث ابن لهيعة، وقد قال أحمد: "قد كتبت حديث الرجل لأعتبر وأستشهد به مثل حديث ابن لهيعة"، فإن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر كان من أهل العلم والدين باتفاق العلماء ولم يكن ممن يكذب باتفاقهم، ولكن قيل إن كتبه احترقت فوقع في بعض حديثه غلط، ولهذا فرقوا بين من حدَّث عنه قديماً و [بين من حدَّث عنه] حديثاً، وأهل السنن يروون له، والسياق الذي ذكر فيه

стр. 110

هذا الحديث في جواب الفتيا (١) لفظه: فأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله، لا يطلب ذلك لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم، إلى أن ذكر الحديث لأن فيه لفظ الاستغاثة التي كان فيها النزاع وهو في كتاب مشهور. وقد روى الناس هذا الحديث من أكثر من خمسمائة سنة إن كان ضعيفاً، وإلا فهو مروي من زمان النبي ﷺ ، وما زال العلماء يقرؤون ذلك ويسمعونه في المجالس الكبار والصغار ولم يقل أحد من المسلمين إن إطلاق القول: إنه لا يستغاث بالنبي ﷺ كفر ولا حرام، وكان في إيراده بيان تقدم تكلم العلماء والسلف بهذا اللفظ، ولو كان عبد الله بن لهيعة ذاكراً لا آثراً لم ينكره المسلمون عليه؛ لكان في ذلك مستند لهذا الإطلاق، فإن الرجل قاضي مصر في ذلك الزمان وهو من أكبر العلماء المفتين ونظير لليث بن سعد، والغلط الذي وقع في حديثه لا يمنعه أن يكون من أهل الاجتهاد والفتيا.
следующие страницы →