← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18328

الاستغاثة في الرد على البكري

ابن تيمية

Полный текст (444 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأما حديث الأولياء فليس من هذا الباب بالكلية، وإنما فيه: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي" (١)، ولم يقل: أنا أسمع وأنا أبصر، ولا أنا أبطش ولا أنا أمشي، وقد [صرح] (٢) بالفرق فيه بين الرب والعبد من وجوه متعددة، كقوله: "من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة" (٣)، ففرق بين نفسه ووليه وعدوه ووليه، ثمّ قال: "ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه" (٤)، ففرق بين المتقرب والمتقرب إليه، ثم قال: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... " إلى آخره (٥)، فلم يقل كنت إياه، ولا فيه أن فعل أحدهما هو

стр. 142

فعل الآخر، ولكن أخبر أن إحساس العبد وفعله يقع به، لأنّ العبد إذا صار لله فيما يحبه ويرضاه، ويحب ما يحب، ويبغض ما يبغض، ويرضى بما يرضى، ويأمر بما يأمر، وينهى بما ينهى صار الإيمان به ومعرفته وتوحيده في قلبه، فإحساسه وأفعاله [تقع] (١) به، وهذا فيما في القلب نظير قوله فيما للسان: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (٢)، فقال: تحركت بي؛ وإنما تتحرك باسمه، كذلك قوله: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي"، أي بما في قلبه من الإيمان بي، وقد يسمى هذا المثال العلّمي (٣)، وهذا كثير في الكلام؛ كقول القائل:

стр. 143

ساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره (١) وقال آخر (٢): ومن عجبي أني أحنُّ إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي (٣) وقد يسمى هذا حلولًا، لحلول معرفته ومحبته في العارف (٤) المحب، وقد غلط بعض النَّاس فظن أن ذات المعلوم المحبوب محل، وهذا غلط، كما غلط من قال بحلول ذات الرب في بعض عبيده كالنصارى ومن ضاهاهم من غلاة الشيعة، وجهَّال الصوفية. الوجه الثّاني قوله: (فإذا غلب على المقرب شهود القيومية ورؤية

стр. 144

التّوحيد، كما جاء في مقام الإحسان (١) "أن تعبد الله كأنك تراه" (٢)، نطق برد الأشياء إلى خالقها وغلب ذلك على نطقه). فيقال: مشهد (٣) القيومية يشهد فيه أن الله خالق كلّ شيء، وهذا الشهود العام يتناول ما دخل من إيمان وكفر، وأمّا الإحسان الّذي فيه "أن تعبد الله كأنك تراه"، فهذا مقام من يميز بين المأمور والمحظور، فإن العبد إذا قدّر (٤) كأنّه يشاهد ربه فعل ما أُمر به وترك ما نُهي عنه، ووَالى أولياءه وعادى أعداءه، وهذا مشهد الإلهية (٥) الّذي دعت إليه الرسل؛ حيث أمروا بعبادة الله وحده وطاعته، وليس هذا هو مشهد القيومية، ولكن من أكبر من هذا الرَّجل غلطوا في هذا، -فغلط مثل هذا لا يُنكر- لا سيما كثير من الشيوخ المعظمين عند هذا وأمثاله، فإنهم لا يفرقون بين هذا وهذا؛ بل ويُعدون نهاية العارفين الفناء (٦) في توحيد الربوبية وشهود القيومية

стр. 145

والاصطلام (١) في شهود القدر الجاري، ويقول أحدهم إنَّ مشاهدة العارف المنتهي في القربة لحكم الله -الّذي هو مشهد (٢) مشيئته العامة- لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة. وقد يقول أحدهم: هذا العارف يكون الجمع (٣) في قلبه مشهودًا والفرق (٤) على لسانه موجودًا ومرادهم بالجمع شهود القدر.

стр. 146

وهؤلاء غاية تحقيقهم شهود التّوحيد الّذي أقر به عبَّاد الأصنام (١) العرب، كانوا يُقرون بأن الله خالقُ كلّ شيء وربّه ومليكه؛ كما أخبر الله عنهم في القرآن في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنّهم احتجوا في ذلك بقوله: ﴿سَيَقُولُ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. وقد ظن طائفة من المثبتين للقدر أنّهم قالوا هذا على سبيل التكذيب بالقدر والاستهزاء به (٢)، لقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وبهذا أجابوا القدرية لما احتجت (٣) عليهم بهذه الآية، وهذا غلط، فإن العرب كلهم كانوا يثبتون القدر، ويقرون أن الله خالق كلّ شيء وربه ومليكه فلم يكونوا مكذبين بذلك، ولا ذمهم الله -سبحانه- على التكذيب بالقدر؛ بل على الاحتجاج به على إبطال الأمر والنهي، وقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، أي كذبوا بالأمر والنهي الّذي جاءت به الرسل، فإن هذا هو تكذيب الذين من قبلهم؛ الذين ذكر الله في القرآن، ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، أي: فإن المحتج

стр. 147

بالقدر لا يحتج به إِلَّا إذا لم يكن عنده علم؛ بل يتبع هواه، فإنها حجة متناقضة، إذ لو احتج عليه بالقدر لما قبل هو ذلك منه (١)، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. فمن كان غاية توحيده شهود القيومية والربوبية العامة؛ كان قد شهد ما أقر به المشركون، ولم يكن قد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإنما يشهد ذلك من شهد الفرق بين المأمور والمحظور، وبين أولياء الله وأعدائه، وبين توحيده والإشراك به، وعَبَدَ الله كأنّه يراه، وهذا شهد الفرق في الجمع؛ فهو مع شهود القيومية؛ يشهد أنّه (٢) الإله المستحق للعبادة دون سواه، ووجوب طاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، ويستعينه على فعل ما أمر وترك ما حظر، وشهوده أنّه خلق الملائكة والشياطين؛ (لا يحجبه عن أن يشهد أن الملائكة أولياؤه والشّياطين أعداؤه، وكذلك شهوده أنّه خالق أفعال العباد) (٣)؛ لا يحجبه عن أن يشهد [أنّه يحب] (٤) الإيمان والعمل الصالح، ويرضاه ويكرم أهله ويقربهم إليه، وينهى عن الكفر والفسوق والعصيان ويمقت أهله ويعاقبهم، فمن غلط هذا؛ ظن أن مجرد شهود القيومية هو شهود (٥) المقربين، وظن أن هذا هو عبادة الرب، كأنّه يراه. ومن هؤلاء (من يظن) (٦) أن من (٧) شهد القيومية سقط عنه الملام، ومنهم من يقول إنَّ الخضر (٨) سقط عنه الملام لشهوده القيومية، وهذا كله

стр. 148

باطل، وطرد هذا القول يجر إلى شرٍّ من أقوال اليهود والنصارى، فإن اليهود والنصارى يميزون في الجملة بين أمور منكرة، كما يميزون بين الصدق والعدل وبين الكذب والظلم، وهؤلاء إذا شهدوا القيومية العامة؛ لم يميزوا بين المعروف والمنكر، ولا بين الصدق الكذب، والعدل والظلم، وهم في هذا النَّفْي لا يثبتون؛ بل يميزون تمييزًا طبعيًا لا شرعيًّا، فيفرق أحدهم بين ما يهواه وبين ما لا يهواه، فيطلب هذا وينفر عن هذا، ويمدح من وافق غرضه، ويذم من خالف غرضه، ولهذا كان هؤلاء نهاية سلوكهم هو الفناء والجمع والاصطلام، لا يحبون ما أحب الله، ولا يبغضون ما أبغض الله، فإن الإرادة والمحبة والرضا سواء عندهم (١)، كما تقول القدريّة من المعتزلة وغيرهم.

стр. 149

لكن أولئك قالوا: هو (١) لا يحب الكَفر والفسوق والعصيان فلا يريده، فيكون ما يقع من ذلك بدون مشيئته وقدرته، فيكون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون. وقال هؤلاء: هو أراد الكفر والفسوق والعصيان، فهو يحب ذلك ويرضاه، وإن كان لا يريده (٢) دينًا، بل يريد تنعيم من أطاعه وتعذيب من عصاه. ثمّ قال هؤلاء: هذا الفرق يعود إلى حظوظ (٣) أنفسهم، فالعارف الفاني عن حظوظه في شهود قيوميته لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة. ثمّ قالوا: والأنبياء والصديقون يقومون بالفرق لأجل العامة، رحمة بهم، وهذا عندهم من التلبيس الّذي أمرت به الخاصة، وهم يبطنون ما يظهرون،

стр. 150

فإنّه يكون الجمع في قلوبهم مشهودًا، والفرق في ألسنتهم موجودًا، فالقائم بالفرق عندهم لا يكون إِلَّا واقفًا مع حظه أو ملبّسًا (١) بإيمانه لأجل غيره، إذ لا فرق بنسبة إلى الله عندهم. ومن عرف ما جاءت به الرسل من إثبات محبة الله ورضاه، وفرحه بتوبة التائبين وسخطه وغضبه ومقته لمن عصاه، وعرف أن الفرق ثابت بالنسبة إلى القدر مع شمول المشيئة لكلّ واقع؛ وصار على ملة إبراهيم الّذي اتخذه الله خليلًا، فأحب الله وأحب ما يحبه الله، كان متابعًا لما أمر الله به وأحبّه ورضيه، ولم يكن مع مجرد الإرادة. فإن هؤلاء دخلوا بإرادة أنفسهم فانتهوا إلى الإرادة الخلقية، ومن دخل بالإرادة الّتي هي أمر الله ونهيه مصدقًا لما أخبر الرسول من الفرق الثابت في كتاب الله وأفعاله، كان على دين الإسلام الّذي أرسل الله به رسله وأنزل كتبه، على ملة إبراهيم ودين محمّد ﷺ ؛ ومن لم يقل بالفرق في نفس الأمر فإنّه خارج عن حقيقة الإيمان كما أنّه خارج عن شريعة الإسلام، فليس معه حقيقة إيمانية، ولا شريعة إسلامية، وإنّما معه حقيقة خلقية قدرية أقر بها عبَّاد الأصنام الذين هم مشركون، وذلك أن شهود القيومية بلا جمع ممتنع طبعًا وشرعًا، فمن لم يشهد الفرق الشرعي الإلهي؛ وإلا كان مع الفرق الطبعي النفساني أو مع فرق آخر شيطاني. فمن لم يعبد الرّحمن عبد الشيطان، ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٨]، وذكر الرّحمن يراد به الذكر الّذي أنزله الله، كما قال تعالى ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]، فمن أعرض عن هدى الله الّذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه؛ فلم

стр. 151

يفرق بين ما أمر الله به وما نهى عنه، كان معرضًا عن ذكره المنزّل، فيقيض له شيطانًا يصده عن سبيل الله؛ فيفرق بمجرد هواه، ومن أضل ممّن اتبع هواه بغير هدى من الله، ولو كان مثل هذا ذاكرًا لله ولم يشهد إِلَّا القيومية العامة، لم يشهد ما جاء به الكتاب المنزل من الفرق فإنّه يكون من أعظم أتباع الشّياطين. ولهذا يوجد الشيوخ العبَّاد (١) والزهَّاد من هؤلاء يتبعون شياطين الإنس والجن، فيكون أحدهم من خفراء الكفار وأعوانهم، ومنهم من يحسن الظن (٢) بالكفار وأعوانهم ونظرائهم [فيحسبهم] (٣) من أولياء الله المتقين؛ لا سيما إن رأى من الأحوال الشيطانية ما يغريه، مثل أن يخبره ببعض الغائبات، أو يحصل له نوع من التصرفات فيطير به الشيطان في [الهواء] (٤)، ويحضر له طعامًا وغير ذلك، كما كان يحصل لعبَّاد الأصنام مع الشّياطين، وهذا التّوحيد توحيد الربوبية العامة، كان المشركون يقرون به فهو وحده لا ينجي من نار ولا يدخل الجنَّة (٥). بل التّوحيد المنجي: شهادة أن لا إله إِلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، بحيث يُقر بأن الله هو المستحق للعبادة دون ما سواه، وأن محمدًا رسوله،

стр. 152

فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن عصى الرسول فقد عصى الله، فيحل ما حلله الله ورسوله، ويحرم ما حرمه الله ورسوله، ويأمر بما أمر الله به ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله (١). وهذا المقام غلط فيه كثير من السالكين، لم يميزوا بين الأوّل والثّاني (٢) ولو طردوا قولهم لخرجوا من الدِّين كما تخرج الشعرة من العجين. وإنّما طرده حذاق الملحدين منهم الذين يقولون: المسالك يشهد أوَّلًا طاعة ومعصية، ثمّ ثانيًا يشهد طاعة بلا معصية؛ وهو شهود القيومية، ثم لا تبقى لا طاعة ولا معصية وهو مشهد الوحدة (٣) عندهم، ولهذا يقول بعض

стр. 153

شيوخ لعؤلاء: أنا كافر برب يعصى، ويقول. لو قتلت سبعين نبيًا ما كنت مخطئًا. ويقول الآخر وهو ابن عربي: الربُّ حقٌ والعبدُ حقٌّ ... يا ليت شعري من المكلَّف إنَّ قلت عبدٌ فذاك ميْتٌ ... أو قلت ربٌّ أنَّى يكلّف (١) والكلام (على هذا) (٢) مبسوط في غير هذا الموضع، وإنَّما الغرض التنبيه على موضع الغلط والاشتباه. الوجه الثّالث: قوله: (إنَّ المقرب إذا غلب عليه هذا، نطق برد الأشياء إلى خالقها وغلب ذلك على نطقه). فيقال: سيد المقربين محمد ﷺ وهو الّذي قاتل الكفار وكان يأمر بقطع [يد] (٣) السارق ورجم الزاني وجلد الشارب، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل الطَّيِّبات ويحرم الخبائث؛ فلو غلب عليه مشهد القيومية وأن الأشياء جميعها مخلوقة لله؛ ولم يشهد ما فيها من الفرق؛ لَمَا كان ينبغي أن يأمر أحدًا، ولا ينهى أحدًا، ولا يقتل أحدًا، ولكان ينبغي أن يردّ كفر الكافرين وفسق الفاسقين إلى الخالق، كما قال (٤) [في] (٥) قوله: "ولكن الله حملكم" (٦)، وبيّن أن يقال -والعياذ بالله- ولكن الله كفر وزنا وسرق وشرب

стр. 154

الخّمْرِ، فهل يقول هذا مؤمن أو عاقل؟ وقوله ﷺ : "ولكن الله حملكم" سنذكره إن شاء الله. وإلا مشهد القيومية شامل لجميع الفعل، وإن فرق بين خلق الله لحملهم وكلامهم ولفعلهم ولتكذيب (١) المكذبين. أفترى الرسول ﷺ ما كان يشهد القيومية في بعض الأشياء، وهو أعلم الخلق بالله، ومشركو العرب كانوا مقرين بأن الله رب كلّ شيء، وهم يقرون بمشهد القيومية. الوجه الرّابع: أن يقال له: مَنْ مِن المقربين كان يقف عند مشهد القيومية، فيرد جميع الأفعال إلى [الخالق] (٢) من غير أن يشهد أنّها أفعال لفاعليها يستحقون عليها المدح والذم، والثواب والعقاب. وهذا القرآن ينطق عن جميع الأنبياء والمرسلين -وهم سادات المقربين- بأنّهم كانوا يفرقون بين المعروف والمنكر، والإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، ويأمرون بعبادة الله وحده، وينهون عن عبادة ما سواه، ولو لم يشهدوا إِلَّا القيومية الّتي ترد فيها الأفعال إلى خالقها، لم يأمروا ولم ينهوا ولم يمدحوا ويذموا، فإن العبد لا يأمر الله ولا ينهاه ولا يذمه ولا يعاقبه. والأنبياء كلهم على شهود الفرق، ومدح المحسن وذم المسيء، وإن كانوا مقرين بأن الله خالق كلّ شيء وربه ومليكه، فشهود القيومية العامة لا يناقض؛ أن يفعلوا ما أُمروا به، وأن يأمروا الخلق بعبادة الله وحده، وينهونهم عن عبادة ما سواه. بل عامة بني آدم من المسلمين والكفار يقرون بالقدر وبهذه القيومية، وهم مع هذا يثبتون الفرق بين المطلوب والمرغوب، ويمدحون من فعل ما يوافق مرادهم، ويذمون من خالف ذلك، ولا يرون الإقرار بالقيومية مناقضًا لذلك.

стр. 155

الوجه الخامس: قوله: (فيكون المعنى حينئذٍ كما وردت الآية أن البيعة وإن كانت له في الصورة فهي مع ربه في المعنى، وكذا ما كان من الرّمي فكأنّه يقول: الاستغاثة وإن وقعت بي فإني لست المستغاث به في المعنى، إنّما المستغاث به الله ). فيقال: قد تقدّم بيان فساد أصل (١) هذا الكلام، ثمّ نقول قوله: (هي مع ربّه في المعنى) أتريد به أن الله هو المرسل الّذي أمره أن يبايعهم على الجهاد، وأمرهم بالجهاد، وهو الّذي ثبتهم على الوفاء؟ أم تريد (٢) أن الله هو الّذي خلق البيعة؟ فإنّه خالق كلّ شيء، والقيومية شاملة لكل شيء، أم تريد (٣) به معنى ثالثًا؟ فإن أردت الأوّل فهو صحيح؛ لكن يناقض قولك، فإن هذا مختص بمن يأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه، [و] (٤) لم ينزل الله أحدًا منزلة نفسه في الأفعال، ولا جعل الله أفعال محمّد كصومه وصلاته وحجه واعتماره وجهاده ونكاحه وأكله وشربه ودعائه وتضرعه فعلًا له، ولا جعل نفس مبايعته للمؤمنين فعلًا له، بل جعل المُبايع له إنّما يُبايع مُرسِله والجزاء عليه، كما جعل من أطاعه فقد أطاع الله، فهذا فعل (٥) خاص؛ ليس عامًا في كلّ أفعاله. وأيضًا فلم يجعل هذا الفعل فعل الله، بل أخبر أن محمدًا رسول الله يبايع عنه والمبايعةُ لمُرسِلِه في الأصل، كما (٦) أن الطاعة طاعة لمرسله في الأصل، وكما أن معاملة الوكيل معاملة مع موكله، وليس في هذا إسقاط فعل الوكيل (٧) عن أن يكود وكيلًا، وإنّما فيه إثبات النيابة له عن غيره، وإن أردت أن الله خالق بيعته فهذا المعنى صحيح عند أهل السننة المثبتة للقدر، الّذي هو خلق الله خلافًا لنُفاته. ولكن إذا فسرت الآية بهذا سوَّيت بين الأنبياء والشياطين، وبين آدم

стр. 156

وإبليس، وموسى وفرعون، وبين أولياء الله وأعدائه، ولزمك أن تقول كفر الكافرين لهم (١) في الصورة ولربهم في المعنى، ولعنه (٢) للكفار هو للكفار في الصورة ولربهم في المعنى، وأيضًا فيقال لك: المبايعة فيها فعل من الرسول وفعل من الصّحابة؛ فعلى هذا التقدير يلزمك: (أن يكون الله بايع في المعنى، لأنّه خالق للأفعال كلها، وإلا فإذا جاز أن يقول البيعة له في الصورة ولربه في المعنى، لكون الله خالقه وخلق (٣) فعله؛ لزمك) (٤) أن تقول: بيعته لهم بيعة لله في المعنى، لأنّ الله خلقهم وخلق أفعالهم. ويلزمك على هذا التقدير أن تقول: إنَّ الذين بايعتهم إنّما بايعت الله، وطرده أن من قاتل شخصًا فإنّما قاتل الله، ومن بايعه فإنّما بايع الله، بل يلزمهم أقبح من هذا وهو أن من لامه أو جامعه أو ضاجعه فإنّما يفعل ذلك مع الله، فإن أصل هذا القول أن الله لما كان خالقًا لأفعال العباد، كان الفعل لهم في الصورة وله في المعنى، وهذا عام في كلّ الأفعال في الخير والشر، وان أردت معنى ثالثًا فبيّنه. الوجه السّادس قوله: (البيعة وإن كانت في الصورة له فهي مع ربه، إذا لم يردّ معنى الإرسال والتبليغ المختص بالأمر والنهي، كان مقتضاه أن الرسول لم يفعل شيئًا ولا بايع، ولكن الرب هو الّذي فعل ذلك في المعنى). وهذا أن أُريد به خلق الأفعال، فقد تقدّم بطلان إرادة ذلك هنا، ؤإن أريد (٥) به الحلول بأن يكون الرب -سبحانه- هو المتكلم على لسان الرسول، كما أن الجنّي يتكلم على لسان المصروع، (فالكلام في الصورة للمصروع) (٦) وفي الباطن للجني فهذا هو الكفر الصريح، وهذا مذهب النصارى، وهؤلاء يشبهون النصارى في كثير من أمورهم، ولهذا سُلط عليهم النصارى، يُهينونهم كما أهانوا أهل هذا الشخص وأمثاله. وكنت أقول لهم: إنَّ الله وعد بنصره المؤمنين على الكافرين، وأنتم مشابهون للنصارى، وفيهم من هو أكفر من النصارى وأعظم إلحادًا ونفاقًا من

стр. 157

النصارى، كثير مَنْ بُغْضُيهم للنصارى إنّما هو لهوى وحظ كونهم لهم في الدنيا رياسة ومال أكثر (١) منهم، لا يبغضونه لأجل كفرهم ودينهم، إذ كانوا مشاركين لهم في كثير منه (٢)، وبعضهم أشد كفرًا ونفاقًا من النصارى، وبعض النصارى أكفر منهم، وطائفة من شيوخهم يميلون إلى النصارى أكثر من المسلمين، ويأمرونهم بالبقاء على دينهم، ويقولون إذا صرتم محققين على طريقتنا فلا حاجة بكم إلى الإسلام، بل دوموا على النصرانية. ثمّ إنَّ الآية يمتنع أن يراد بها الحلول فإنّه قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ويد النّبيّ ﷺ كانت مع أيديهم لا فوقها، فلم تكن يده يدًا لله، ولأنّه قال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، ولم يقل فإنك تؤتيه، وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨]، ولم يقل أنك أنت علمت ما في قلوبهم، ولا أنزلت السكينة عليهم. الوجه السابع قوله: (فكأنّه يقول الاستغاثة وإن وقعت بي فإني لست المستغاث به في المعنى إنّما (٣) المستغاث به الله). فيقال: إنّه لم يقل لم تستغيثوا بي؛ وإنَّما استغثتم بالله، ولكن قال: "إنه لا يستغاث بي وإنّما يستغاث بالله" (٤)، وهذا نفي للمستقبل لا للماضي (٥). الوجه الثّامن: أن يقال: هذا الرَّجل فسَّر الاستغاثة بالتوسل (٦)

стр. 158

به (١) كما تقدّم قوله: (إنَّ كلّ من توسل إلى الله بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به، سواء كان (٢) بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيره)، وقال: (قول القائل أتوسل إليك برسولك (٣) (وأستغيث برسولك) (٤) عندك أن تغفر لي، استغاث بالرسول حقيقة في لغة جميع (٥) الأُمَّة). وهذا الكلام وإن كان باطلًا كما تقدّم (٦)؛ فالمقصود هنا أنّه جعل الّذي يسأل الله به مستغيثًا به، وهنا قد جعل الاستغاثة بسؤاله فقد جعل المستغيث به مستغيثًا بالله في المعنى، وهذا (٧) لا يصح إذا أريد به السؤال به (٨)، فإن الله هو مسؤول لا مسؤول به. وحينئذٍ فما قال في الاستغاثة به هنا يناقض ما تقدّم؛ إِلَّا أن يجعل الاستغاثة تعم النوعين، ويلزمه أن يجعل كلّ من سأل النّبيّ ﷺ شيئًا فإنّما سأل الله، ويلزمه ذلك في غيره، وحينئذٍ فيسأل المخلوق كما يسأل الخالق، وهذا لا يقوله عاقل فضلًا عن مسلم. الوجه التّاسع: أنّه لو صح (٩) هذا النَّفْي والإثبات باعتبار القيومية، لقيل هذا لكل من كان كذلك، فيقال: لمن بايع النَّاس كلهم وواجرهم وشاركهم إنك

стр. 159

إنّما بايعت الله وواجرت الله وشاركت الله، ويقال للذي استغاث بموسى الّذي قال الله فيه: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه﴾ [القصص: ١٥]، إنّه لم يستغث بموسى وإنَّما استغاث الله، ويقال لمن استنصر المؤمنين الذين (١) قال الله فيهم: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢]، إنّما استنصروا الله والنصر على الله، ويقال في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، [إنّما استعانوا الله] (٢) والله يُعين، وقد خاطبني مرّة شيخ من شيوخ هؤلاء الضلال، لما قدم التتار (٣) -آخر قدماتهم- وكنت أُحرض الناس على جهادهم، فقال لى هذا الشّيخ: أُقاتل الله، فقلت له: هؤلاء التتار هُم الله، وهم من شر الخلق؟ (٤) إنّما هم عباد الله خارجون عن دين الله، وإن قدّر أنّهم كما يقولون فالذي يقاتلهم هو الله، ويكون الله يقاتل الله، وقول هذا الشّيخ لازم لهذا وأمثاله. الوجه العاشر: أن يقال إذا كان الأمر كما ذكرته من شهود القيوميّة فأي مدح في هذا للرسول ﷺ ، وأي فائدة في هذا القول، أو ترى الصدّيق والصحابة ما كانوا يقرون بأن الله رب كلّ شيء ومليكه وأن العبد لا يمكنه أن يفعل شيئًا إِلَّا بمشيئة الله -تعالى- وقدرته.

стр. 160

الوجه الحادي عشر: أن ما كان من هذا الباب لا يجوز فيه نفي الفعل عن العبد، فإنّه مكابرة للحس ولو على مذهب الجبرية، بل إذا أريد نفي فلا بد من قرينة تببين المراد والحديث مطلق ليس فيه قرينة. الوجه الثّاني عشر: أمّا حديث أبي موسى الأشعري وقوله: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم"، لم يُرد به النبي ﷺ كون الله خالق أفعال العباد؛ فإن هذا يتناول هذا الفعل وغيره من الأفعال. ومعلوم أن الله لم يقل لم أركب ولكن الله ركب، ولم يقل ما جاهدت في سبيل الله ولكن الله جاهد، ولم أسافر (١) ولكن الله سافر، ونحو ذلك. بل النّبيّ ﷺ لما سألوه أن يحملهم، قال: والله ما أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه، فلما ذهب أبو موسى، بُعث إلى رسول الله ﷺ بنهب (٢) إبل فأمر فبعث إلينا بخمس ذود غُرّ الذرى (٣)، فقلنا: تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه لا نفلح أبدًا، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم"، فلما لم يكن منه لا قصد ولا قدرة، صح أن يقول ما حملتكم لأني لم يكن عندي ما أحملكم عليه، ولكن الله حملكم بما يسره من الحمولة الّتي أتى بها بغير فعل مني، فنفى الحمل عن نفسه وأضافه إلى الله، لأنّه أراد به تيسير الحمولة ولم يكن له في هذا فعل، ثمّ قال: "وإني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها، إِلَّا أتيت الّذي هو خير وتحللتها" (٤)

стр. 161

وقال لهم هذا لما قالوا: إنك حلفت أن لا تحملنا، وكان قد قال: "ما عندي ممّا أحملكم عليها، فبيّن لهم أني حلفت للعسرة والعجز، وأن الله يسر بالحمولة، فهو الّذي حملكم، ومع هذا فإني أحنث في يميني للمصلحة الراجحة، وأكفّر. هذا الكلام يتضمن (١) جوابين من النّبيّ ﷺ كلّ منهما مستقل، وأمّا الجواب بأحدهما كأنّه يقول: أنا ما حملتكم وإن كنت حملتكم أنا أكفِّر، وعلى الأوّل يقول: الحمل الّذي طلبتموه ما حصل مني بل من الله، والحمل الّذي حلفت عليه أكفّر عنه. الوجه الثّالث عشر: قوله: (فإن صح هذا الحديث (٢) لا يكون كما قال، من جعل الصديق بتأويله مخطئًا من غير ضرورة، بل يكون الحديث حثًا على الاستغاثة به ﷺ ). فيقال: أنت الّذي جعلته مخطئًا، حيث قال: إنّه [يستغيث] (٣) بالنبي ﷺ ، فنفى النّبيّ ما أثبته، وقال: ليس هذا استغاثة بي؛ بل بالله، بل قولكم يستلزم تخطئة الرسول حيث جعلتم (٤) من طلب من مخلوق حاجة لم يطلبها منه، بل إنّما (٥) يطلبها من الله، وهذا مكابرة للحس والشّرع والعقل، وعلى ما قاله يجوز أن يقال لمن سأل كافرًا حاجة واستغاث به ما سألته ولا استغثت به، ويكون من قال إنّه سأل كافرًا مخطئًا، وهذا كما أنّه تخطئة منهم للصدِّيق،

стр. 162

فهي تخطئة لجميع عقلاء بني آدم من المسلمين والكفار، وأيضًا فإنّه لا يلزم على ما ذكر المجيب تخطئة أبي بكر الصديق، فإن الصديق قد يعتقد عند النّبيّ ﷺ في دفع ذلك المنافق بعض الأمور الّتي يقدر عليها البشر فبيّن له النّبيّ ﷺ أنّه ليس عندي في دفعه حيلة، بل يستغاث الله في أمره، ومن المعلوم أن المطلوب من النّبيّ ﷺ تارة يقدر عليه، وتارة لا يقدر عليه ، وقد يظن السائل أنّه يقدر عليه، ولا يكون قادرًا، وكان نساؤه يسألنه النفقة أحيانًا وليس عنده ما ينفق عليهن (١). وسألته الإعراب حتّى اضطروه إلى سَمُرة (٢) فخطفت رداءه فقال: "ردوا عليَّ ردائي، فوالذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمتها بينكم ثمّ لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا" (٣). وحقيقة قوله: لا يستغاث بي، وإن كان مراده الاستغاثة الكلية (٤)، كما يقال: لا يستغاث بي ولا يتوكل علي، ولا أُدعى ولا أُسأل ونحو ذلك، فمراده النّهي عن الطلب الّذي لا يفعله إِلَّا الله، كما نهى عن

стр. 163

السجود له (١)، وكما نهى أن يقال: ما شاء الله وشاء محمّد، وقال لمن قال: ما شاء الله وشاء محمّد، ما روي عن ابن عبّاس قال: قال رجل للنبي ﷺ : "ما شاء الله وشئت"، فقال: "أجعلتني لله ندًّا؟ قل ما شاء الله وحده" (٢)، رواه النسائي وابن ماجه، ورواه الإمام أحمد ولفظه: "أجعلتني لله عدلاً، بل ما شاء الله وحده" (٣).

стр. 164

الوجه الرّابع عشر: أنّه إذا كان هذا حثًا على الاستغاثة به، بناء على ما ذكرت من شهود (١) القيومية وتوحيد الربوبية، وهذا عام لكل المخلوقات، فينبغي أن يحث على سؤال المخلوقين والرغبة إليهم، لأنّ السائل لهم عنده لا يسألهم؛ إنّما يسأل الله، كما أن المستغيث بمخلوق لا يستغيث به؛ إنّما يستغيث بالله على زعمكم. وهذا كثيرًا ما يقع فيه هؤلاء الإسماعيلية الاتحادية (٢)، وأعرف منهم شخصًا كان معظمًا؛ وكان له حاجة إلى نصراني، فذهب إليه وخضع له، وقبّل يده ورجله، وربما قبَّل نعله، حتّى قضى حاجته، ثمّ جعل يقول: ما رأيت إِلَّا الله، وما كان ذلك الخضوع والتقبيل إِلَّا لله. وهؤلاء يصرحون في كتبهم بأن عُبّاد العجل ما عبدوا إِلَّا الله، وعُبّاد الأصنام ما عبدوا إِلَّا الله، وعُبّاد المسيح ما عبدوا إِلَّا الله وعندهم من عبد كلّ معبود كان محققًا موحدًا، وإنّما المقصر [عندهم] (٣) من عبد بعض [المظاهر] (٤) دون بعض، كالنصارى وعُبّاد العجل واللات والعزى، وفي كلام ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله من هذا ألوان (٥)، لكن هذا الرَّجل وأمثاله

стр. 165

لم يصلوا إلى الاتحاد بل وقفوا عند القدر وهو شهيد القيومية (١)، ولكن إذا جعلوا من استغاث بمخلوق فإنّما استغاث بالله لأجل توحيد الربوبية وشهود القيومية؛ لزمهم أن من سجد لمخلوق لم يسجد إلا لله، ومن عبد مخلوقًا إنّما (٢) عبد الله، ومن سأل مخلوقًا إنّما سأل الله. فإن قالوا: الأعمال بالنيات، قيل لهم: والذين قالوا: نستغيث بالنبي لم يذكروا أنّهم قصدوا غيره، وأنتم جعلتم ذلك بمجرده استغاثة بالله لشهود (٣) القيومية، فيلزمكم أن يكون [الله] (٤) ورسوله أمر بسؤال المخلوق، والاستغاثة بالمخلوق، وعبادة المخلوق؛ بالسجود للمخلوق (٥)؛ والخوف من المخلوق

стр. 166

لأجل القيومية، فيلزم أن يكون كلّ شرك حرمه الله ورسوله؛ قد أمر الله به ورسوله باعتبار القيومية، لأنّ كلّ ما عُبد من دون الله فالقيومية تتناوله، فإذا كان اعتبارًا مسّوغًا لأنّ يعامل المخلوق معاملة الخالق، لزم أن يعامل المخلوقات كلها معاملة الخالق، من دعاء وسؤال، و (١) يصلّي لها ويسجد لها ويعبد. الوجه الخامس عشر: أن النّبيّ ﷺ قد نهى عن سؤال المخلوقين لغير ضرورة، ومدح من لم يسأل النَّاس شيئًا، فقال: "من سأل، النَّاس شيئًا (٢) وله ما يغنيه جاءت مسألته كدوشًا أو خدوشًا في وجهه يوم القيامة (٣) " (٤)، (وقال: "لا تزال المسألةُ بأحدكم (٥) حتّى يأتي يوم القيامة) (٦) ليس في وجهه مزعة

стр. 167

لحم" (١)، وقال: "لا تحل المسألة إِلَّا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع" (٢)، وقال (٣) أيضاً في حديث قبيصة بن مخارق: "إنَّ المسألة لا تحل إِلَّا لثلاثة (٤): الغارم، والّذي أصابته جائحة اجتاحت ماله، والذي أصابته فاقة حتّى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلان فاقة" (٥). وقال في صفة السبعين ألفا الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب: "هم الذين لا يَسْتَرقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (٦)، وحديثهم في الصحيحين فمَدَحهم على ترك الاسترقاء، وقد دوي في بعض ألفاظه لا

стр. 168

يرقون، ولم يذكره البخاريّ فإنّه لا يثبت وإن رواه مسلم، ومعلوم أن المسترقي يقول لغيره: ارقني، فيطلب من غيره الرقية، فإن (١) كان مشهد (٢) القيومية معتبرًا في سؤال الخلق، وجب أن يكون المسترقي إنّما سأل الله، وكان يكون مأمورًا بالاستغاثة بالخلق باعتبار مشهد القيومية. وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧، ٨]، فإن كان مشهد القيومية معتبرًا في هذا الباب: كان كلّ من سأل مخلوقًا فإنّما رغب إلى الله فلا يُنهى عن ذلك، بل يؤمر بالرغبة إلى الخلق. والله -تعالى- قد وصف الفقراء الممدوحين بأنّهم لا يسألون النَّاس إلحافًا، وسواء كان المعنى أنّهم لا يسألون النَّاس؛ أو يسألون النَّاس ولا يلحفون، فإن كان مشهد القيومية معتبرًا هنا، وجب أن يؤمر بسؤال الخلق والإلحاح في مسألتهم، فإنهم إنّما يلحفون في مسألة الله -تعالى- والله يحب الملحفين في الدُّعاء وهذا باب واسع. الوجه السّادس عشر: أن النّبيّ ﷺ قد مدح من لا يسأله، وفضله على من سأله، بل ذم كثيرًا ممّن [سأله] (٣)، فقال: "من سألنا أعطيناه ومن لم يسألنا فهو أحب إلينا" (٤)، وقال: "يسألني أحدهم المسألةُ ويخرج بها يتأبطها نارًا.

стр. 169

قالوا: يا رسول الله فلم تعطهم؟ فقال: يأبون إِلَّا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل" (١) وقال: "والذي نفسي بيده ما من أحد يسألني شيئًا فتخرج له المسألةُ ما لم أكن أريد (٢) أعطيه فيبارك له فيه" (٣)، أو كما قال لحكيم بن حزام في الحديث الصحيح الذي أخرجاه في الصحيحين قال: سألت رسول الله فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني ثمّ قال: "يا حكيم ما أنكر (٤) مسألتك إنَّ هذا المال خضرة حلوة، فمن أخفي بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع"، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتّى أفارق الدنيا. هذا لفظ رواية البخاري، وفي رواية: "ولا تكون يد أحد من العرب فوق يدي"، فكان أبو بكر وعمر يعطيانه حقه من بيت المال فلا يأخذه (٥).

стр. 170

فإن كان النّبيّ ﷺ على زعم هذا قد جعل من استغاث به فإنّما استغاث بالله، وقد حضه على ذلك، (فمن سأله فإنّما) (١) سأل الله، فليلزم أن يحض النَّاس على سؤاله، والأمر بالعكس، بل مدح من لم يسأله وذم كثيرًا ممّن سأله. وأمّا الوجه الثّالث: قوله: (إنّه يصح أن يراد أنّه لا يستغاث بي على وجه التأثير والاقتدار، وإنّما ذلك لله، وفائدة التنبيه على ذلك أن لا يتعلّق به [أحد] (٢) في الانتصار به من جهة السببية الظاهرة، كما يتعلّق النَّاس بالأسباب على الغفلة، بل يكون تعلّقهم للنظر إلى جانب الربوبية فيه، ومكانته عند ربه، فيكون ذلك كما قال: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس ... الخبر (٣) ". فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن هذا الّذي ذكره موافق (٤) في المعنى لما ذكره المجيب، فإنّه لا ريب أنّه يجوز أن يُسأل النّبيّ أمورًا؛ ويستغات به في أشياء، بل يجوز هذا في غير حق النبي، وقد قال في أول الجواب: أجمع المسلمون على أن النبيَّ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله النَّاس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة (٥).

стр. 171

ثمّ أهل السُّنَّة والجماعة متفقون على ما اتفقت عليه الصّحابة واستفاضت به السنن من أنّه يشفع لأهل، الكبائر من أمته (١)، ويشفع أيضاً لعموم الخلق، وأجمعوا على أن الصحابة كانوا يستغيثون به ويتوسلون به في حياته بحضرته كما في حديث عمر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك (٢) بنبينا فتسقينا" (٣)، والذي

стр. 172

ذكره عمر قد جاء مفسرًا في سائر أحاديث الاستسقاء، وهو من جنس الاستشفاع به، وهو أن يطلب منه الدُّعاء والشفاعة، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته فينا، وأن يقدم بين أيدينا شافعًا وسائلًا بأبي هو وأمي، فقد بين أنّه يجوز سفاله والطلب منه وهو الاستغاثة. ومعلوم أن هذا من جملة الأسباب الّتي تفعل على جهة التسبب مع التوكل على الله ، لا يطلب من مخلوق شيء على جهة أنّه مستقل بالقدرة والتأثير، فإن الاستقلال (١) من خصائص الرب -تعالى-. وإذا كان هذا الوجه متفقًا عليه فَحَمْلُ الحديث عليه لا يضر، وحينئذٍ فالمطلوب منه إمّا أن يكون قادرًا عليه، واما أن لا يكون قادرًا، فإن كان قادرًا طُلب على هذا الوجه، وإن لم يكن قادرًا عليه طُلب من الله، ولا منافاة بين المعنيين، لكن ظاهر لفظ الحديث -إن صح (٢) - يقتضي أنّه لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، وأنّه أمرهم أن يستغيثوا فيه بالله -تعالى-. الوجه الثاني: أن يقال: الأسباب المخلوقة والمشروعة لا تنكر، والأسباب المشروعة تفعل مع التوكل على الله، لكن لما قلتم: إنَّ الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إِلَّا الخالق هو من الأسباب المشروعة، والكلام إنّما هو في هذا، وهذا هو الّذي نهى عنه. فالجواب حيث قيل: فأمّا ما لا يقدر عليه إِلَّا الله فلا يجوز أن يطلب إِلَّا من الله، لا يطلب ذلك من الملائكة ولا من غيرهم، فلا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لنا، واسقنا الغيث، وانصرنا على القوم الكافرين، أو اهد قلوبنا ونحو ذلك، ثمّ ذكر الحديث المذكور فبين أن المنهي عنه أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إِلَّا الخالق، والطالب من النّبيّ قد يظن (٣) أن يقدر على قضاء حاجته ولا يكون كذلك، كما كان يسأله الناس؛ إمّا نساؤه إما

стр. 173

غيرهن ما ليس عنده، وكما كان يأتونه في غزوة تبوك (١) ليحملهم فلا يجد ما يحملهم عليه، قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢]، وكما سأله أبو موسى الأشعري وأصحابه الأشعريون (٢) أن يحملهم فقال: "والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه"، وكان هؤلاء الأشعريون من خيار الصّحابة؛ ظنوه قادرًا على حاجتهم ولم يكن كذلك. وفي الصحيحين أن فاطمة ابنته جاءت تسأله خادمًا فأتاها بعد أن نامت هي وعلي ﵄ فعلَّمها أن تُسبح وتُحمد وتُكبّر، وقال: "ذلك خير لكِ من خادم"، ولم يعطها الخادم (٣). وقد قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ

стр. 174

تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٨]، فأمره (١) تعالى إذا لم يجد ما يعطي السائل أن يقول له قولًا ميسورًا، وفي صفته أنّه ﷺ كان إذا آتاه طالب حاجة لم يرده إِلَّا بها أو بميسور من القول (٢)، وقد قال -تعالى-: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣]، وقال -تعالى-: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ [الضحى: ٩، ١٠]. ولما قدم عليه وفد هوازن مسلمين سألوه أن يردّ عليهم السبي والمال، فقال: "أحب الحديث إليَّ أصدقه ومعي من ترون، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمّا السبي وإما المال" (٣)، فهو تارة يسأل ما يقدر عليه، وتارة ما لا يقدر عليه. فهذا الحديث -إنَّ كان صحيحًا- فقد سأله بعض أصحابه أن يدفع عنهم ضرر ذلك المنافق، فأخبرهم أنّه لا يقدر عليه بل يطلب ذلك من الله، كما أن عمر بن الخطّاب (٤) كتب إليه أبو عبيدة بن الجراح عام اليرموك يستنصره على الكفار، ويخبره أنّه قد نزل بهم جموع لا طاقة لهم بها، فلما وصل كتابه بكى النَّاس، (وكان من أشدهم عبد الرّحمن بن عوف وأشار على عمر أن يخرج بالناس) (٥)، فرأى عمر أن ذلك لا يمكن، وكتب إليه (٦): "مهما ينزل بامرئ مسلم من شدة فينزلها بالله يجعل الله (٧) له فرجًا ومخرجًا، فإذا

стр. 175

جاءك كتابي هذا فاستعن بالله وقاتلهم" (١)، فأخبره أنّه لا يمكنه أن يعاونه في هذه القضية، وأمره أن يستعين بالله، وإن كان يمكنه أن يعينه. الوجه الثّالث (٢): أنّه لو أريد هذا المعنى لقيل ما يدلُّ على هذا المعنى مثل أن يقال: توكلوا عليّ وأنا أغيثكم (٣)، ولم يقل إنّه لا يستغاث بي، وإنَّما يستغاث بالله، فإنّه قد نفى وأثبت بكلام مطلق، وليس في الباب ما يدلُّ على ما ذكر. ويظهر هذا بالوجه الرّابع: وهو أن أبا بكر وغيره من الصّحابة أعلم بالله من أن يظنوا أنّه يستقل بالإبداع والاختراع، فمن حمل الحديث على هذا فقد نسب الصديق إلى غاية الضلال، أين من ينزه الصديق من الخطأ وينسبه إلى هذا؟ والنبي ﷺ نفى وأثبت؛ وإن كان ما نفاه لم يخطر بقلوبهم فأي حاجة إلى نفيه؟ وإن قيل: إنهم ظنوه فذلك بهتان عظيم، بخلاف ظنهم أنّه يقدر على دفع المكروه، فإن هذا الظن قد كان يقع منهم كثيرًا، أو قد يكون الأمر كما يظنه الظّان، فليس فيه قدح لا في الصّحابة ولا في الرسول ﷺ ، بخلاف من يقول: لا تعتقدوا فيّ أني مثل الله؛ أقدر وأستقل بالتأثير كما يفعل الله، فإن هذا المعنى لا يظنه به من هو دون الصّحابة، فكيف يظنونه هم، ومن أراد أن يأمر غيره بالتوكل مع السبب المأمور به، لا ينهاه عن السبب، بل يقول له كما قال: "اعقلها وتوكل" (٤)، وكَما قال النّبيّ ﷺ في الحديث الصحيح "احرص

стр. 176

على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (١) وكما قال -تعالى-: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وكما كان النّبيّ ﷺ يقول لمن يبعثه في السرايا: "ادعهم إلى الإسلام ثمّ الهجرة وإلا فالجزية، فإن أجابوك وإلا فاستعن بالله وقاتلهم" (٢)، لا يقال في مثل هذه لا تقاتل ولا تحرص على ما ينفعك. الوجه الخامس: أن الحديث الّذي ذكره حجة عليه، وهو حديث ابن مسعود عن النّبيّ ﷺ قال: "من [نزلت] (٣) به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أو شك له بالغنى، إمّا بموت عاجل، أو غنى عاجل" (٤) رواه أبو داود والترمذي وصححه. فإنزال الفاقة بالناس أن يشكو إليهم ويترك الشكوى إلى الله، فلو كانت

стр. 177

الاستغاثة بالمخلوق جائزة لجاز إنزالها بالناس، وقد قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧، ٨]، وقال النّبيّ ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله (١)، وإذا استعنت فاستعن بالله" (٢)، ورأى الفضيل بن عياض (٣) رجلًا يشكو إلى رجل فقال: يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك، وقال بعضهم: ذكر الله الصبر الجميل والهجر الجميل (والصفح (٤) الجميل، فالصبر الجميل الّذي ليس فيه شكوى إلى المخلوق) (٥)، والهجر الجميل الّذي ليس فيه أذى، والصفح الجميل الذي ليس فيه عتاب. وأما قوله: (المراد بالخبر التنبيه على (٦) الرجوع إلى الله -تعالى- بالقلب لا ترك السبب، بل [أن] (٧) يذكر الله في ذلك السبب). فيقال: الأسباب نوعان: سبب مأمور به، فهذا طاعة وعبادة لله، كطلب

стр. 178

الرزق؛ بالصناعة والتجارة، وكدفع العدو بالقتال، والأكل عند الجوع، واللباس عند البرد، فهذا ليس فيه إنزال الفاقة بهم ولا شكوى إليهم، وأمّا نفس سؤال النَّاس؛ فسؤالهم في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له، وإنّما يباح عند الضّرورة (١). وتنازع العلماء هل يجب سؤالهم عند الضّرورة؟ فالمنصوص عن أحمد أنّه لا يجب سؤال الخلق (٢)، مع إيجابه مع غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم الأكل من الميِّتة عند الضّرورة (٣)، فإن الله لم يوجب سؤال الخلق، بل قد وصى النّبيّ ﷺ طائفة من أصحابه أن لا يسألوا النَّاس شيئًا، فكان (٤) أحدهم إذا سقط سوطه لا يقول لأحد ناولني إياه، منهم أبو بكر الصديق ﵁ (٥).

стр. 179

وصاحب الفاقة إذا (١) سأل الله -تعالى- (٢) [أنزلها بالغني العليّ العلّيم القدير] (٣). وقيل: يجب السؤال (٤)، وهذا منقول عن الثّوري (٥) وهو اختيار أبي الفرج ابن الجوزي (٦)، وعلى هذا قال قائل: يسأل النَّاس ما يجب عليهم أن يعطوه إياه؛ إمّا من الزَّكاة وإما من غيرها، فإن إطعام الجائع فرض على الكفاية من النَّاس كما ثبت في، الصحيح عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: عودوا المريض وأطعموا البائع وفكوا العاني" (٧)، وقد جاء في الحديث: "لو صدق السائل ما أفلح من رده" (٨).

стр. 180

ونقل المروذي (١) عن أحمد أنّه إذا عَلم صدق السائل وجب أن يعطيه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، واذا كان يسألهم ما أوجب الله عليهم كان بمنزلة أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه الّذي جعل الله له في المال، وسؤال ذي السلطان جائز (٢)، كمن سأل
следующие страницы →