← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18328

الاستغاثة في الرد على البكري

ابن تيمية

Полный текст (444 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (١) وكما قال -تعالى-: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وكما كان النّبيّ ﷺ يقول لمن يبعثه في السرايا: "ادعهم إلى الإسلام ثمّ الهجرة وإلا فالجزية، فإن أجابوك وإلا فاستعن بالله وقاتلهم" (٢)، لا يقال في مثل هذه لا تقاتل ولا تحرص على ما ينفعك. الوجه الخامس: أن الحديث الّذي ذكره حجة عليه، وهو حديث ابن مسعود عن النّبيّ ﷺ قال: "من [نزلت] (٣) به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أو شك له بالغنى، إمّا بموت عاجل، أو غنى عاجل" (٤) رواه أبو داود والترمذي وصححه. فإنزال الفاقة بالناس أن يشكو إليهم ويترك الشكوى إلى الله، فلو كانت

стр. 177

الاستغاثة بالمخلوق جائزة لجاز إنزالها بالناس، وقد قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧، ٨]، وقال النّبيّ ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله (١)، وإذا استعنت فاستعن بالله" (٢)، ورأى الفضيل بن عياض (٣) رجلًا يشكو إلى رجل فقال: يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك، وقال بعضهم: ذكر الله الصبر الجميل والهجر الجميل (والصفح (٤) الجميل، فالصبر الجميل الّذي ليس فيه شكوى إلى المخلوق) (٥)، والهجر الجميل الّذي ليس فيه أذى، والصفح الجميل الذي ليس فيه عتاب. وأما قوله: (المراد بالخبر التنبيه على (٦) الرجوع إلى الله -تعالى- بالقلب لا ترك السبب، بل [أن] (٧) يذكر الله في ذلك السبب). فيقال: الأسباب نوعان: سبب مأمور به، فهذا طاعة وعبادة لله، كطلب

стр. 178

الرزق؛ بالصناعة والتجارة، وكدفع العدو بالقتال، والأكل عند الجوع، واللباس عند البرد، فهذا ليس فيه إنزال الفاقة بهم ولا شكوى إليهم، وأمّا نفس سؤال النَّاس؛ فسؤالهم في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له، وإنّما يباح عند الضّرورة (١). وتنازع العلماء هل يجب سؤالهم عند الضّرورة؟ فالمنصوص عن أحمد أنّه لا يجب سؤال الخلق (٢)، مع إيجابه مع غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم الأكل من الميِّتة عند الضّرورة (٣)، فإن الله لم يوجب سؤال الخلق، بل قد وصى النّبيّ ﷺ طائفة من أصحابه أن لا يسألوا النَّاس شيئًا، فكان (٤) أحدهم إذا سقط سوطه لا يقول لأحد ناولني إياه، منهم أبو بكر الصديق ﵁ (٥).

стр. 179

وصاحب الفاقة إذا (١) سأل الله -تعالى- (٢) [أنزلها بالغني العليّ العلّيم القدير] (٣). وقيل: يجب السؤال (٤)، وهذا منقول عن الثّوري (٥) وهو اختيار أبي الفرج ابن الجوزي (٦)، وعلى هذا قال قائل: يسأل النَّاس ما يجب عليهم أن يعطوه إياه؛ إمّا من الزَّكاة وإما من غيرها، فإن إطعام الجائع فرض على الكفاية من النَّاس كما ثبت في، الصحيح عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: عودوا المريض وأطعموا البائع وفكوا العاني" (٧)، وقد جاء في الحديث: "لو صدق السائل ما أفلح من رده" (٨).

стр. 180

ونقل المروذي (١) عن أحمد أنّه إذا عَلم صدق السائل وجب أن يعطيه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، واذا كان يسألهم ما أوجب الله عليهم كان بمنزلة أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه الّذي جعل الله له في المال، وسؤال ذي السلطان جائز (٢)، كمن سأل

стр. 181

المودع أن يردّ عليه وديعته، وأن يعطيه حقه من الميراث والمغنم ونحو ذلك. وعلى هذا فليس للسائل أن يسأل من لا فضل عنده، وليس له أن يتعدى في السؤال على الناس، وليس له أن يجزع ويعدل عن الصبر الجميل، وعليه أن يرغب إلي الله ويتوكل عليه بها وحينئذٍ فلا يكون قد أنزلها بالناس، مع أن القول الأوّل وهو عدم وجوب السؤال أظهر، فإن النصوص تقتضي أن ترك سؤال الخلق أفضل مطلقًا (١)، ولهذا قال النّبيّ ﷺ في صفة السبعين ألفًا: "هم الذين لا يسترقون"، والمسترقي يطلب الدُّعاء (٢) من الراقي، وقد قال - تعالى-: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، فقد بين أنّه كافي من توكل عليه، وأنّه لا بد أن يرزق المتقي، من حيث لا يحتسب (٣)، والميِّتة رزق ساقه الله إليه عند الضّرورة فليس له أن يمتنع من أكله فيعين على قتل نفسه، ولو أتاه مال من غير مسألة ولا إشراف نفس أخذه (٤)، وهذا كله يدلُّ على أن سؤال الخلق والاستغاثنة بهم حرام في الأصل؛ لا يباح إِلَّا لضرورة، وهو في الأظهر أشد تحريمًا من الميِّتة.

стр. 182

فكيف يقال إنّه مأمور به فيما لا يقدر عليه الخلق؟ وهل قال أحد: إنَّ سؤال المخلوق والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله -تعالى- مأمور به أو مباح. ومن هنا يظهر الوجه السّادس: قوله (والمراد به التنبيه على الرجوع إلى الله -تعالى- بالقلب لا بترك السبب، بل أن يذكر الله في ذلك السبب). فيقال له: هذا إنّما يصح إذا كان السبب مشروعًا، فإن السبب المشروع لا ينافي التوكل ، والكلام هنا في من يستغيث بالخلق فيما لا يقدر عليه إِلَّا الله، كما قيل في الجواب، فأمّا ما لا يقدر عليه إِلَّا الله فلا يجوز أن يطلب إِلَّا من الله، لا يطلب ذلك من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم. ومعلوم أن سؤال الخلق (١) مثل هذا باطل شرعًا وعقلًا، فمن الذي جعل هذا من الأسباب الشرعية؟ ومن قال إنَّ النّبيّ ﷺ إذا لم يكن عنده شيء يعطيه فينبغي للإنسان أن يسأله ويستغيث به؟ وإذا لم يمكنه دفع العدو ينبغي للإنسان أن يسأله ويستغيث به في ذلك؟ وقد تقدمت النصوص عن النّبيّ ﷺ بأنّه كان يمدح من لا يسأله مطلقًا، ويذمّ من يسأله ما لا يحب أن يعطيه، ويذمّ من يسأله ما لا يقدر عليه. فسؤاله والاستغاثة به (٢) في ذلك أذى وعدوان عليه، يحرم فعله معه ﷺ ، أعظم ممّا يحرم أذى غيره والعدوان عليه، مع ما فيه من الشرك والجزع، وقد كان الصّحابة -رضوان الله عليهم- نُهوا أن يسألوه كما ثبت في الصحيح عن أنس ﵁ قال: "نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ ، فكان يعجبنا أن يجيء الرَّجل من أهل البادية -العاقل- فيسأله ونحن نسمع" (٣)، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، هذا وإن كان في سؤال العلم أحيانًا، فسؤال الدنيا أولى. وقد ذُم من كان يسأل الرسل الآيات، قال تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ

стр. 183

أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، ولو كان يجوز السؤال له (١) والاستغاثة به في كلّ ما يُسأل الله ويستغاث به فيه، -كما قال هؤلاء المفترون: إنّه تجوز الاستغاثة به وبغيره من الصالحين في كلّ ما يستغاث الله فيه-، لم يحرم من مسألته إِلَّا ما يحرم من مسألة الله، والعبد يجوز أن يسأل الله الرزق والعافية والنصر على الأعداء والهداية، والنبي ﷺ لا يجوز أن يسأله أحد كلّ ما (٢) يقدر، فضلًا عن أن يسأله ما لا يقدر عليه؛ لما في ذلك من الأذى والعدوان عليه، وهو أحق بالتعزير والتوقير من غيره، فإذا كان يحرم أذى غيره بذلك؛ فأذاه أولى (٣) بالتحريم، بل أذاه كفر، وأذى المؤمنين ذنب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٧، ٥٨]. فصل قال: (وكثيرًا ما تنفى الأشياء في النصوص الشرعية إشارة إلى التّوحيد، ويثبتها الباري -سبحانه- في مواضع أخر اعتبارًا بالأسباب، وإثباتًا لبساط الحكمة، فيأتي هذا المبتدع (٤) فيخلط في الحقائق ويلحد في الآيات، كما قال في الإغاثة والنصرة وغيرهم أنّها لا تصح في الخلق ولا يسألونها ولا تضاف إليهم، وأخطأ في ذلك، فإن هذه الحقائق تبتت للمخلوقات حقيقة لغوية بإجماع العلّماء ونصوص الكتاب والسُّنَّة اعتبارًا بالسبب والحكمة، وتنفى عن الخلق إشارة للتوحيد وانفراد الباري بخلقها، كما انفرد بخلق غيرها، كما قال سبحانه من بساط التّوحيد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقال : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) [القصص: ٥٦]، وقال:

стр. 184

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، ثمّ قال لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] (١)، وفي الصحيح: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وفي الصحيح: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٣) و"أعنّي على نفسك بكثرة (٤) السجود" (٥)، وجمع الوجهين في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. فيقال: في هذا الكلام من الكذب والافتراء الظلم والاعتداء والجهل والضلال ما يظهر عند التأمل، وجوابه من وجوه: الأوّل: أن لفظ المذكور جواب المسألة التي سألها، واعترض بعد جوابه، [وصورة السؤال: المسؤول من السادة العلماء أئمة الدِّين، أن يبينّوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين. وصورة الجواب] (٦): قد ثبت بالسُّنَّة المستفيضة [بل] (٧)

стр. 185

المتواترة واتفاق (١) الأُمَّة أن النبي ﷺ الشافِع المشفع، وأنّه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن النَّاس يستشفعون به، ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم وأنّه يشفع لهم، ثمّ اتفق أهل السُّنَّة والجماعة أنّه يشفع في أهل الكبائر وأنّه لا يخلد في النّار من أهل التّوحيد أحد. وأمّا الخوارج (٢) والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين؛ إِلَّا ما يحكى عن طائفة قليلة منهم وهؤلاء مبتدعة ضلال وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل، و من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة عليه. وسواء سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمّه، وكذلك من أقر بشفاعته في الآخرَة؛ وأنكر ما كان الصّحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به؛ كما رواه البخاريّ في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطّاب ﵁ كانوا إذا قحطوا استسقوا بالعباس بن عبد المطلب (٣) وقال: "اللَّهُمَّ إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا فيسقون" (٤)، وفي سنن أبي داود

стр. 186

وغيره أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ : جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فسبَّح رسول الله ﷺ حتّى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: "ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك" (١)، وذكر تمام الحديث. فأنكر قوله: "نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله: "نستشفع بك على الله" بل أقره عليه فعُلم جوازه، فمن أنكر هذا فهو مخطئ ضال مبتدع؛ وفي كفره نزل وتفصيل. وأمّا من أقر بما ثبت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع من شفاغته والتوسل به ونحو ذلك، ولكن قال: إنّه لا يدعي إِلَّا الله وأن الأمور الّتي لا يقدر عليها

стр. 187

إِلَّا الله فلا تطلب إلا منه، مثل: غفران الذنوب؛ وهداية القلوب، وإنزال المطر، وإنبات النبات ونحو ذلك، فهذا مصيب في ذلك، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضاً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] وكما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقال: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. فالمعاني الثابتة بالكتاب والسُّنَّة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسُّنَّة يجب نفيها، والعبارة الداالة على المعاني نفيًا وإثباتًا، إنَّ وجدت في كلام (١) الله (٢) ورسوله وجب إقرارها، كان وجدت في كلام أحد فظهر مراده من ذلك؛ رتب عليه حكمه؛ وإِلَّا رجع إليه فيه، وقد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض النَّاس يفهم من تلك العبارة (٣) غير مراد الله ورسوله، فهذا يُرد عليه فهمه، كما روى الطبراني في معجمه الكبير أنّه كان في زمن النّبيّ ﷺ منافق [يؤذي] (٤) المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : "إنّه لا يستغاث بي؛ إنما يستغاث بالله" (٥)، فهذا إنّما أراد به النبي ﷺ المعنى

стр. 188

الثّاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إِلَّا الله، وإلا فالصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يطلبون منه الدُّعاء ويستسقون به كما في صحيح البخاريّ عن ابن عمر قال: "ربما ذكرت قول الشاعر، [وأنا] (١) أنظر إلى وجه النّبيّ ﷺ يستسقي فما ينزل حتّى يجيش له الميزاب. وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثِمَال اليتامى عصمة للأرامل وهو قول أبي طالب" (٢)، ولهذا قال المصنفون في أسماء الله -تعالى-: يجب على كلّ مكلّف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إِلَّا الله، وإن كلّ غوث فمن عنده، وإن كان جعل ذلك على يد غيره؛ فالحقيقة له سبحانه (٣)، ولغيره مجازًا، قالوا: ومن أسمائه المغيث والغياث، وجاء ذكر

стр. 189

المغيث في حديث أبي هريرة (١)، قالوا: وأجمعت الأمة على ذلك، وقال أبو عبد الله الحليمي (٢): الغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال غياث المستغيثين، ومعناه المدرك عبادة في الشدائد إذا دعوه، ومريحهم (٣) ومخلصهم، وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين: "اللهم أغثنا اللهم أغثنا" (٤) يقال: أغاثه إغاثة

стр. 190

وغياثًا وغوثًا، وهذا الاسم في هذا المعنى [المجيب] (١) والمستجيب، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر، قالوا: والفرق بين المستغيث والداعي، أن المستغيث ينادي بالغوث، والداعي ينادي بالمدعو، وقد تقدم حكاية هذا إلى آخره فليس هذا موضع استقصائه (٢). وفيه: والاستغاثة بالرسول بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، كما أنه يستغاث بغيره بمعنى أن يطلب منه ما يليق به، ومن نازع في هذا المعنى فهو [إما] (٣) كافر إن أنكر ما يكفر به؛ وإما مخطئ ضال، وأما بالمعنى الذي نفاه الرسول ﷺ فهي (٤) أيضاً مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضاً كافر إذا قامت عليه الحجة [التي] (٥) يكفر تاركها. ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي (٦): استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشيخ أبي عبد الله القرشي (٧) -الشيخ

стр. 191

المشهور بالديار المصرية وغيرها-: "استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون". وفي دعاء موسى ﵇: "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله" (١)، ولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق، صح إطلاق نفيها عما سوى الله ، ولهذا لا يُعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوّز مطلق الاستغاثة بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله. وكذلك [الاستعانة] (٢) أيضاً منها ما لا يصلح إلا لله وهي المشار إليها بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فإنه لا يعين على

стр. 192

العبادة الإعانة المطلقة إلا الله، وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وكذلك الاستنصار، قال (١) تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] والنصر المطلق؛ وهو خلق ما به يغلب العدو لا يقدر عليه إلا الله (٢)، فهذه ألفاظ جواب السؤال الذي طلب جوابه؛ كما تقدم ذكر سؤاله (٣) والجواب. وقد ذهب إليه الجواب ووقف عليه، وزعم أنه يرد عليه فافترى على المجيب بقوله: (إنه يخلط في الحقائق ويلحد في الآيات كما قال في الإغاثة والنصرة وغيرهما، أنها لا تصح من الخلق ولا يُسألونها؛ ولا تضاف إليهم، وأخطأ في ذلك فإن هذه الحقائق ثبتت للمخلوقات حقيقة لغوية بإجماع العلماء، ونصوص الكتاب والسنة، اعتبارًا بالسبب والحكمة، وتنفى عن الخلق إشارة إلى التوحيد، وانفراد الباري بخلقها، كما انفرد بخلق غيرها، كما قال تعالى من بساط التوحيد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]). فيقال (٤): المجيب لم ينفها عن الخلق مطلقًا كما ذكرت، بل قال: وقد [يستعان] (٥) بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ

стр. 193

وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وكذلك الاستنصار قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فقد ذكر هاتين الآيتين قبلك وفرق بين (١) [ما يضاف إلى المخلوق وما يضاف إلى الخالق؛ من النصر والإعانة كما فرق بين] (٢)، هذا وهذا في الإغاثة، فنقلك عنه النفي العام كذب بيّن، ولكن هو فصّل فجعل ما يخص به الله الذي لا يضاف إلى غيره وهو المطلق، وإنما يضاف إلى المخلوق ما يليق به، وأنت تريد أن تجعل المخلوق عدل الخالق، يضاف إليه جميع ما يضاف إلى الرب مضاهاة للحلولية والنصارى والمشركين، الذين أنت وأمثالك من طلائع جيوشهم، وأبواب مدائنهم، وهم دعاة إلى مذهبهم في الحقيقة، وإن كانوا لا يعلمون لوازم قولهم، وهذا بيّن يكشف ضلال هؤلاء. ونقول في الوجه الثاني: قوله: (وكثيرًا ما تنفي الأشياء في النصوص الشرعية إشارة إلى التوحيد، [و] (٣) يثبتها الباري -سبحانه- في مواضع أخر اعتبارًا بالأسباب وإثباتًا لبساط الحكمة). هو كلام باطل فإن الله -سبحانه- لا ينفي شيئًا ويثبته، إذ الجمع بين نفيه وإثباته تناقض، وكلام الله منزه عن التناقض، قال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ولكن المنفي غير المثبت، فالذي ينفيه في موضع ليس هو الذي يثبته في موضع آخر، ولكن هؤلاء الضلال يجعلون المنفي عين المثبت، فيكون ما يضاف إلى الرب بطريق التوحيد؛ يضاف إلى غيره بطريق السبب والحكمة، ولهذا قالوا: إن كل ما يطلب من الله؛ يُطلب من غيره (بهذا الطريق) (٤). فأشركوا في ربوبية الله، وفي دعاء الله وعبادته، حيث جعلوا ما يضاف

стр. 194

إلى المخلوق يضاف إليه تعالى، فصار حقيقة قولهم أن المخلوق تضاف إليه مفعولات الله كلها، ويطلب منه مقدورات الرب كلها؛ لما في الخلق من السبب والحكمة، ولم يعلم هؤلاء الجهال أن السبب لا يستقل بالتأثير، بل تأثيره متوقف على سبب آخر وله موانع؛ وحينئذٍ فلا يجوز تخصيصه بالإضافة إليه، وإن كان سببًا، وأيضًا فالأسباب التي نعرفها مضبوطة، وأكثر ما فعله الله ويفعله لا نعرف نحن أسبابه، وأيضًا أثبتوا أسبابًا في خلقه وأمره ونهيه ما أنزل الله بها من سلطان، بل إثباتها مخالف للشرع والعقل، فضلوا في إثبات أسباب لا حقيقة لها، وفي [الإضافة] (١) إليها، وفي تعليق الحوادث كلها [بسبب] (٢) واحد (٣).

стр. 195

وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص (١) أنه كان يقول: إن النبي ﷺ علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي ﷺ (٢): "خمس لا يعلمها إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت" (٣)، وأظنه ذكر عنه أنه قال: "علمها بعد أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله". وآخر من جنسه يباشر التدريس ويُنسب إليه الفتيا كان يقول: إن النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله (٤)، ويقدر علي ما يقدر عليه الله، وأن السر انتقل بعده إلى

стр. 196

الحسن ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي (١) وقالوا هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع (٢). وكان شيخ آخر معظّم عند أتباعه يدّعي هذه المنزلة؛ ويقول: إنه المهدي الذي بشّر به النبي ﷺ وأنه يزوج عيسى بابنته، وأن نواصي الملوك والأولياء بيده، يولي من يشاء ويعزل من يشاء، وأن الرب يناجيه دائمًا، وأنه هو الذي يمد حملة العرش وحيتان البحر، وقد عزرته تعزيرًا بليغًا في يوم مشهود بحضرة من أهل المسجد الجامع يوم الجمعة بالقاهرة، فعرفه الناس وانكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة.

стр. 197

ومن هؤلاء من يقول في قوله تعالي: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ (١) [الفتح: ٨، ٩]: إن الرسول هو الذي يُسبح بكرة وأصيلًا (٢)، ومنهم من يقول: أسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت: دع ما ادعَتْهُ النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم فإن فضلَ رسول الله ليس له ... حدٌّ فيعربُ عنه ناطقٌ بفم (٣) وانسبْ إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلي قدره ما شئت من عظم لو ناسبت قدره آياته عِظَمًا ... أحيا اسمُه حين يُدعي دارسَ الرمم (٤)

стр. 198

ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله فيجعلون الرسول معبودًا. ومنهم من يأتي قبر الميت الرجل أو المرأة -الذي يحسن به الظن لنفسه- فيقول: اغفر لي وارحمني، ولا [توقعني] (١) على زلة، [ولا توقفني على خطيئة] (٢)، ونحو هذا الكلام يرد إلى أمثال هذه الأمور التي تتخذ (المخلوق إلهًا) (٣)، ولما استقر في نفوس عامتهم تجد أحدهم إذا سئل عمن (٤) ينهاهم عن هذا: ما يقول هذا؟ فيقول: فلان عنده ما ثَمَّ إلا الله لِمَا استقر في نفوسهم، (أنهم يجعلون معه آلهة أخرى) (٥)، وهذا كله وأمثاله وقع ونحن بمصر، (وآخر يقول هذا معظّمًا لمن ينهى عن هذه الأمور حيث إنه عنده ما ثم إلا الله) (٦)، وآخر يقول معظّمًا لمن يدعو إلى التوحيد، قد جعل الآلهة إلهًا واحدًا. والمقصود هنا أن نبيّن خطأه فيما ذكر عن الله -تعالى- من أنه ينفي الأشياء إشارة إلى التوحيد، ويثبتها اعتبارًا بالأسباب، ونبين أنه سبحانه لا ينفي ما يثبته ولا يثبت ما نفاه. أما قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] فهذا النصر المنفي في هذه الآية عن غير الله لم يثبته الله لغيره قط، والذي ذكره في قوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] ليس هذا هو ذاك، يبيّن هذا أنه قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ (٧) [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ

стр. 199

الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) [الأنفال: ٩، ١٠]، فهو سبحانه قد أمدهم بالملائكة، ومعلوم أن نصر الملائكة لهم أعظم من [النصر] (٢) الذي أُمروا به في قوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فإن هؤلاء غاية ما يفعلونه دون ما تفعله الملائكة، ثم بيّن أنه وإن نزلت الملائكة وقاتلت؛ فالنصر لا يحصل بمجرد هذا؛ إن لم يحدث الله ما به ينتصر المؤمنون؛ وذلك لأن المقاتل من الملائكة والبشر غاية قدرته نفسه، وأما ما يتولد عن ذلك فهو لا يستقل به. والناس متنازعون في هذا، فكثير من النظّار المثبتين للقدر يقولون: إن جميع المتولدات فعل الله، ليست فعلًا للعباد، مثل الشبع والري وانقطاع العضو، وخروج السهم من القوس (٣). وأما القدرية فيقول أكثرهم: إنها مفعول [فاعل] (٤) السبب، ويقسمون الأفعال إلى مباشر ومتولد؛ لكنهم مع هذا يعلمون أن الفعل لا يتم بمجرد قدرة العبد، بل بأمور خارجة عن قدرته (٥).

стр. 200

وقالت الطائفة الثالثة: إن هذه المتولدات حادثة بفعل العبد وبالأسباب الأخرى، فالعبد مشارك فيها؛ لم ينفوا أثره كما نفاه الأولون، ولا جعلوه فاعلًا كالآخرين، بل جعلوه مشاركًا فيها، وهذا أعدل الأقوال (١)، ولهذا فرَّق الله -تعالى- بين الأعمال المباشرة والمتولدة في قوله -تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ الآية، ثم قال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]، فلما كان الإنفاق والسير عملًا مباشرًا قال فيه: ﴿كُتِبَ لَهُم﴾، وتلك الأمور من النصب والجوع وغيظ الكفار والنيل من العدو [ليس] (٢) مباشرًا، بل هو مما يسمى متولدًا، فلهذا قال فيه: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ لأنهم مشاركون في حصول هذه الآثار، وحصول هذه الآثار لا بد فيه من الأسباب التي يخلقها الله، ومن دفع الموانع، فلا تجوز أن تجعل مفعولة لسبب معين، بل هي مفعولة لله -تعالى-، وانتصار المؤمنين على الكفار هو أعظم من النيل الذي ينال من العدو، فإذا لم يكن هذا مفعولًا لمخلوق فكيف يكون النصر؟. وهب أن الملائكة نزلت بقذف الرعب في قلوب الكفار كما قال -تعالى-: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]، وأيضًا فهب أن الملائكة حضروا فمن الذي يخلق القدرة فيهم وفي المؤمنين، والقدرة التي بها يكون الفعل أكثر؛ لا [تكون] (٣) إلا مع الفعل، وهب أن القدرة حصلت فمن يخلق الأسباب الخارجة؛ كقبول الجلود للجرح، وحصول الزهوق بعد الجرح والهزيمة المستمرة إذ يمكن أن الكفار يفرون ويكرون، ويمكن أنهم

стр. 201

يقاتلون حتى يقتلوا؛ فلا يقتل منهم واحد حتى يقتل غيره. فالنصر الذي قال الله -تعالى- فيه ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، لا يقدر عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يقدر عليه إلا الله، ليس في الموجودات سبب يحصل به هذا النصر ولا موجب له إلا مشيئة الله، فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، فإن كل ما يكون لسبب فلا بد من حصول سبب آخر، ومن رفع موانع ثم خلق الأسباب. ورفع الموانع لا بد أن يُحدِثَ هو سبحانه ذلك الأثر بفعل منه، على أصح قوليّ الجمهور الذين يقولون: إن الخلق غير المخلوق، فإن هؤلاء لهم قولان: [هل] (١) يخلق بفعل واحد قديم يوجد جميع الموجودات؟ أم هو يوجد به المفعولات بأفعال متعاقبة، كما قال -تعالى-: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] على قولين، ومن قال بالثاني قال: إن المؤثر التام يستلزم الأثر التام، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح فإن الفاعل إذا كان قبل حدوث المفعول وحين حدوثه على حال واحدة؛ كان تخصيص أحد الحالين بحدوث المفعول ترجيحًا لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، وهذا ممتنع في صريح العقل (٢). فالأثر لا يوجد إلا إذا حصل مؤثره التام، فإنه بدون تمامه لا يكون مؤثرًا، فلا يحصل الأثر، وإذا تم وجب حصول الأثر، إذ لو لم يجب لأمكن وجوده؛ وأمكن عدمه، فكان (٣) يتوقف على حدوث شيء آخر فلا يكون المؤثر تامًا، وهؤلاء يقولون: [إن] (٤) القدرة مع الفعل، [وكذلك الإرادة، وسائر ما يتوقف عليه الفعل] (٥) , وإن كان بعض ذلك قد يتقدم عليه ويبقى إلى

стр. 202

حين حصوله، لكن لا بد من وجوده معه؛ وهذا الفعل [الذي هو] (١) تكوين الرب، خارج عن جميع الأسباب المخلوقة. وأما قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، مع قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فقد اتفق المسلمون على أن تلك الهداية المنفية ليست هي الهداية المثبتة له، لا نزل في هذا بين أهل السنة والقدرية. وأما الهداية الثابتة (٢) فهي الدعوة والبيان، وهذا (٣) يشترك فيه من يحبه ومن لا يحبه، فإن عليه البلاغ المبين، وقد بلّغ ﷺ البلاغ المبين، وقال في آخر عمره في حجة الوداع: "اللهم هل بلغت"؟ قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد" (٤)، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، وقوله: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، والهداية (٥) هي الدلالة والإرشاد، بكلامه وبعلمه وأمره ونهيه وترغيبه وترهيبه، وأما حصول الهدى في القلب فهذا لا يقدر عليه [إلا الله]، (٦) باتفاق المسلمين سنيّهم وقدريّهم (٧). أما أهل السنة فيقولون: إن الاهتداء الذي في القلب لا يقدر عليه إلا الله،

стр. 203

ولكن العبد يقدر علي أسبابه وهو المطلوب منه بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وهو المنفي [عن] (١) الرسول بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وأما القدرية فيقولون: إن ذلك مقدور للعبد (٢). ولهذا تنازعوا في العلم الحاصل في القلب عقب الاستدلال، فقالت القدرية: هو فعل العبد، وقالت المثبتة: هو مفعول الله كسب للعبد (٣). وتنازعوا في النظر هل هو متضمن له مستلزم له أو مقترن اقترانًا عاديًا؟ على قولين مشهورين، والتحقيق أنه من جملة الأمور التي تسمى المتولدات كالشبع والري والرؤية في العين والسمع في الأذن، فهي حاصلة بفعل العبد المقدور له (٤)، وبأسباب خارجة عن قدرته، ولهذا يثاب عليه لما له في حصوله من التسبب والاكتساب.

стр. 204

وكذلك قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فإن هذه الاستعانة (١) التي يختص بها الله- ﵎ لم يثبتها لغيره أبدًا، كما أن العبادة له لم يثبتها لغيره أبدًا، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ليس ذلك التعاون هو هذه الإعانة المطلوبة من الله، فإن إعانة الله لعبده على عبادته تكون بأمور لا يقدر عليها غيره، مثل جعل العلم والهدى في القلب، وجعل الإرادة والطلب في القلب، وخلق القوى الباطنة والظاهرة (٢)، موضع (٣) بناء الأسباب المنفصلة التي [بها] (٤) تحصل العبادة. ومعونة الإنسان لغيره إنما هي بفعله القائم في محل قدرته، وهي شيء لا يخرج [عنه، وما خرج] (٥) عن محل قدرته فقد تقدم الكلام فيه، وغايته أن يكون له فيه شرك. والمقصود أن ما أمر الخلق به وجعله فعلًا هو الذي نفاه عن غيره، وبيّن أنه يختص به. وأما قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]، فقد تقدم الكلام عليها، وبينّا غلط من ظن أن الرمي المنفي عن الرسول هو [عين] (٦) المثبت له، وبينّا أن المنفي هو وصول الرمي إلى الكفار وتأثيره فيهم، والمثبت الحذف الذي يقدر (٧) عليه الرسول ﷺ . وقوله ﷺ : "انصر أخاك [ظالمًا أو مظلومًا] (٨) "، هو من جنس قوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وأما قوله تعالى:

стр. 205

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] فالمستعان به فعل يفعله العبد، والمعنى اصبروا وصلّوا فإن ذلك يعينكم على المطلوب. والأعمال الصالحة بينها تصادق وتلازم كما قال النبي ﷺ : "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقًا (١)، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" (٢)، أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁، وهداية الصدق مثل إعانة الصبر والصلاة، وليس ذلك هو [ما] (٣) أثبته الله لنفسه ونفاه عن غيره، أن يكون تأثيره مثل تأثير الأعراض. وقول النبي ﷺ " [و] (٤) الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، هو من جنس قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، فقد تبيّن أن جميع ما ذكره من النصوص ليس فيه أن ما نفاه عن غيره أثبته لغيره في موضع آخر، بل الذي أثبته لغيره غير الذي نفاه عن غيره. الوجه الثالث: قوله: (إن هذه الحقائق تثبت للمخلوقين حقيقة لغوية بإجماع العلماء) غايته أن قول العرب مات زيد وتحركت الشجرة وهبت الرياح ونحو ذلك، يسمى في لغتهم حقيقة، وهذا لا ينفعه لأن المضاف إلى المخلوق ليس هو الذي نفاه الرب عن غيره، فإنه يقال: أماته الله، والإماتة التي اختص الله بها لا تثبت لغيره، وإن قيل: إن فلانًا أماته، فالمراد أنه فعل فعلًا خلق الله الموت فيه مع أسباب أُخر هو من جملتها، وهو المضاف إلى

стр. 206

العبد، وليس هو الذي نفاه الرب عن غيره، فما يضاف إلى السبب لم ينفه الله عن غيره، وما نفاه لا يضاف إلى السبب، وأيضًا فهب أن هذه حقيقة لغوية أي قاعدة في هذا، والكلام (١) هنا في الحقائق العقلية والأحكام الشرعية، لا في استعمال الألفاظ، وليس كل من أضيف إليه الفعل لغة يترتب على ذلك الأحكام الشرعية التي للفاعلين (٢). الوجه الرابع: قوله: (اعتبارًا بالأسباب وإثباتًا لبساط الحكمة)، ماذا تعني به؟ فإن الناس يتنازعون في ذلك فمنهم يقول ليس في الوجود سبب له تأثير وحكمة يُفعل لأجلها، بل (٣) محض مشيئة الرب قرنت بين الشيئين قرانًا عاديًا، فإن تقدم سمي سببًا، وإن تأخر سمي حكمة، من غير أن يكون للمتقدم تأثير في اقتضاء الفعل، ولا للفعل تأثير في اقتضاء الحكمة، وليس عند هؤلاء في القرآن لام تعليل في فعل الله، هذا قول الجهم (٤) بن صفوان

стр. 207

وكثير من النظار المنتسبين إلى القدر كالأشعري وأتباعه ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد (١)، ولا يقولون: إن هذا الشخص ينسب إليهم، فعلى قولهم: لا سيب ولا حكمة (٢). ومن الناس من أثبت حكمة منفصلة عن الرب يفعل لأجلها، وهو قول المعتزلة ونحوهم من الجهمية، ثم القدرية من هؤلاء يثبتون التأثير لأفعال الحيوان، ولا يثبتون تأثيرًا لغير ذلك (٣). وأما الفقهاء وأهل الحديث والصوفية (وكثير من) (٤) أهل الكلام كالكرَّامية وغيرهم فإنهم يثبتون السبب والحكمة، لكن كثير من هؤلاء يتناقض، فيتكلم في الفقه بلون، وفي أصول الفقه بلون، وفي أصول الدين بألوان، ففي الفقه يُثبت الأسباب والحِكَم، وفي أصول الفقه يسمي العلل الشرعية أمارات (٥)، خلاف ما يقوله في الفقه، وفي أصول الدين ينفي الحكمة والتعليل بالكلية، لظنه أن قول القدرية لا يمكن إبطاله إلا بذلك، والقليل من هؤلاء هو الذي يحقق الحكمة ويُبّين رجوعها إلى الفاعل الحكيم؛ مع حصول موجبها في مخلوقاته (٦).

стр. 208

وهذه المسائل من أشرف العلم، وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع (١). والمقصود هنا أن (٢) ما ذكره هذا الشخص (٣) من النصوص ليس، فيه إثبات الأسباب والحكم لأفعال الرب التي نفاها عن غيره، وبيان ذلك أن الأسباب عند من يقول بإثباتها هي من جملة الحوادث (٤)؛ التي يكون الرب فاعلًا لها، فالقول في إحداثه للسبب والحكمة كالقول في إحداثه ما بينهما، يمتنع أن يكون شيء من ذلك محدثًا لغيره، بل هو مُحدث جميع (٥) المحدثات، وليس في ذلك ما يوجب كون الأسباب محدثة، وأيضًا فهذه الآيات التي ذكر ليس فيها إثبات حكم شيء من المحدثات كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (٦) [الأنفال: ٧٢] , بل ولا فيها إثبات نسبة الفعل إلى الرب، بل فيها إثبات بعض أفعال العباد؛ كهدايته وإعانته، وأفعال العباد لا تختص بكونها أسبابًا دون غيرها من الحوادث، فكلام هذا الرجل كلام من لم يتصور صحيحًا ولا عبر فصيحًا.

стр. 209

الوجه الخامس: أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببًا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر نبيًا كان أو غير نبي كان ذلك سببًا في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذي مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذي شرّع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان [إلى يوم الدين] (١)؟. فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين أحدهما: أن هذه أسباب (٢) لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله. والثانية: أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سببًا كونيًا يجوز تعاطيه، فإن قتل المسافر قد يكون سببًا لأخذ ماله؛ وكلاهما محرم، والدخول في دين النصارى قد يكون سببًا لمال يعطونه؛ وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سببًا لما يؤخذ من المشهود له؛ وهو حرام، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سببًا لنيل مطالب؛ وهو محرم، والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب؛ وهو محرم، وكذلك الشرك مثل دعوة الكواكب والشياطين، وعبادة البشر قد يكون سببًا لبعض المطالب وهو محرم، فإن الله -تعالى- حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته، وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحيانًا، وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقًا وأمرًا، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتًا أو غائبًا, أو (٣) يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره أو لم يكن عند قبره (٤)، وهم لا يقدرون على ذلك. بل نقول في الوجه السادس: سؤال الميت والغائب نبيًا كان أو غيره من المحرمات المنكرة؛ باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحسنه أحد من أئمة

стр. 210

المسلمين، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين (١)، فإن أحدًا منهم ما كان يقول -إذا نزلت به تِرة (٢) أو عرضت له حاجة- لميت يا: سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي!!، كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته؛ ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها!! [وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال، ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون، ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين] (٣)، بل ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلًا، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها. وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف (٤).

стр. 211

وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف (١) الترياق المجرب، وقال بعضهم: فلان يدعى عند قبره، وقول بعض الشيوخ [لمريده] (٢): إذا كانت لك حاجة إلى الله (٣)، فاستغث بي أو قال: استغث عند قبري ونحو ذلك، فإن هذا وقع فيه كثير من المتأخرين وأتباعهم، وكثير من هؤلاء إذا

стр. 212

استغاث بالشيخ رأى صورته؛ وربما قضى بعض حاجته فيظن أنه الشيخ نفسه، أو أنه ملك تصور على صورته؛ أو أن (١) هذا من كراماته، [فيزداد به شركًا ومغالاة] (٢)، ولا يعلم أن هذا من جنس ما تفعله الشياطين بعُبّاد الأوثان، حيث تتراءى أحيانًا لمن تعبدها، وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وتقضي لهم بعض الطلبات، ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة. وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام، والسفر إليها محدث في الإسلام لم يكن بُني من ذلك [شيء] (٣) في القرون الثلاثة المفضلة (٤). بل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذّر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يُتخذ مسجدًا (٥)، وثبت في الصحيح عنه أنه قال -قبل إن

стр. 213

يموت بخمس-: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" (١)، وقد تقدم في الجواب أن عمر بن الخطاب ﵁ لما أجدبوا استسقى بالعباس وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" (٢)، فلم يذهبوا إلي القبور ولا توسَّلوا بميت ولا غائب، بل توسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ , وكان توسلهم بدعائه كالإمام مع المأموم, وهذا تعذر بموته. فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان أو بجاه فلان أو بحرمة فلان، فهذا لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز، ونُقل عن بعضهم جوازه (٣)، فكيف يقول القائل للميت: أنا أستغيث بك، وأستجير

стр. 214

بك، أو أنا (١) في حسبك، أو سل لي الله، ونحو ذلك، فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة؛ ولو (٢) قُدّر أن (٣) له تأثيرًا، فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح بل مفسدته راجحة على مصلحته كأمثاله من دعاء غير الله. وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو (٤) ميت تتمثل له الشياطين، وربما كانت على صورة ذلك الغائب، وربما كلمته، وربما قضت له أحيانًا بعض حوائجه، كما تفعل شياطين الأصنام، وهذا مما قد جري لغير واحد فينبغي أن يُعرف. ومن هؤلاء من يؤذي الميت بسؤاله إياه؛ أعظم مما يؤذيه لو كان حيًّا، وربما قضيت حاجته مع ذم يلحقه، كما كان الرجل يسأل النبي ﷺ أحيانًا (٥) فيعطيه ويقول: "إن أحدكم (٦) يسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها نارًا", ومن هذا، الحكاية المذكورة في الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ وطلب منه سكباجًا (٧)؛ فأتاه بعض أهل المدينة فأطعمه سكباجًا وأمره بالخروج من المدينة، وقال: إنه رأى النبي ﷺ فأمره أن يطعمه وأن يخرجه، وقال: من

стр. 215

يقيم بالمدينة لا يتمنى ذلك (١) أو كما قال ولا ريب أن النبي ﷺ بل ومن هو دونه حيّ يسمع كلام الناس، وكما قال ﷺ : "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇ " (٢)، و ["ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه" (٣)،
следующие страницы →