← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18328

الاستغاثة في الرد على البكري

ابن تيمية

Полный текст (444 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف (١) الترياق المجرب، وقال بعضهم: فلان يدعى عند قبره، وقول بعض الشيوخ [لمريده] (٢): إذا كانت لك حاجة إلى الله (٣)، فاستغث بي أو قال: استغث عند قبري ونحو ذلك، فإن هذا وقع فيه كثير من المتأخرين وأتباعهم، وكثير من هؤلاء إذا

стр. 212

استغاث بالشيخ رأى صورته؛ وربما قضى بعض حاجته فيظن أنه الشيخ نفسه، أو أنه ملك تصور على صورته؛ أو أن (١) هذا من كراماته، [فيزداد به شركًا ومغالاة] (٢)، ولا يعلم أن هذا من جنس ما تفعله الشياطين بعُبّاد الأوثان، حيث تتراءى أحيانًا لمن تعبدها، وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وتقضي لهم بعض الطلبات، ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة. وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام، والسفر إليها محدث في الإسلام لم يكن بُني من ذلك [شيء] (٣) في القرون الثلاثة المفضلة (٤). بل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذّر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يُتخذ مسجدًا (٥)، وثبت في الصحيح عنه أنه قال -قبل إن

стр. 213

يموت بخمس-: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" (١)، وقد تقدم في الجواب أن عمر بن الخطاب ﵁ لما أجدبوا استسقى بالعباس وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" (٢)، فلم يذهبوا إلي القبور ولا توسَّلوا بميت ولا غائب، بل توسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ , وكان توسلهم بدعائه كالإمام مع المأموم, وهذا تعذر بموته. فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان أو بجاه فلان أو بحرمة فلان، فهذا لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز، ونُقل عن بعضهم جوازه (٣)، فكيف يقول القائل للميت: أنا أستغيث بك، وأستجير

стр. 214

بك، أو أنا (١) في حسبك، أو سل لي الله، ونحو ذلك، فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة؛ ولو (٢) قُدّر أن (٣) له تأثيرًا، فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح بل مفسدته راجحة على مصلحته كأمثاله من دعاء غير الله. وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو (٤) ميت تتمثل له الشياطين، وربما كانت على صورة ذلك الغائب، وربما كلمته، وربما قضت له أحيانًا بعض حوائجه، كما تفعل شياطين الأصنام، وهذا مما قد جري لغير واحد فينبغي أن يُعرف. ومن هؤلاء من يؤذي الميت بسؤاله إياه؛ أعظم مما يؤذيه لو كان حيًّا، وربما قضيت حاجته مع ذم يلحقه، كما كان الرجل يسأل النبي ﷺ أحيانًا (٥) فيعطيه ويقول: "إن أحدكم (٦) يسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها نارًا", ومن هذا، الحكاية المذكورة في الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ وطلب منه سكباجًا (٧)؛ فأتاه بعض أهل المدينة فأطعمه سكباجًا وأمره بالخروج من المدينة، وقال: إنه رأى النبي ﷺ فأمره أن يطعمه وأن يخرجه، وقال: من

стр. 215

يقيم بالمدينة لا يتمنى ذلك (١) أو كما قال ولا ريب أن النبي ﷺ بل ومن هو دونه حيّ يسمع كلام الناس، وكما قال ﷺ : "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇ " (٢)، و ["ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه" (٣)،

стр. 216

رواه ابن عبد البر وصححه] (١). لكن في مسألتهم أنواع من المفاسد منها إيذاؤهم له بالسؤال، ومنها إفضاء ذلك إلى الشرك، وهذه المفسدة توجد مع الموت دون الحياة، فإن أحدًا من الأنبياء والصالحين لم يُعبد في حياته، إذ هو ينهى عن ذلك، وأما بعد الموت فهو لا ينهى، فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنًا يعبد، ولهذا قال النبي ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيدًا" (٢)، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا

стр. 217

يعبد" (١)، وقال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣]: إن هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم (٢)، ولهذا المعنى لعن النبي ﷺ الذين اتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأما النبي والصالح إذا (٣) بنى له مسجدًا في

стр. 218

حياته يصلي فيه معه فهذا من أفضل الأعمال، فحكم الحياة يفارق حكم الممات، وذلك كما جاءت السنة بذلك. فصل قال: (ثم اعلم أنه من نفى الحقائق نفيًا عامًا يفهم به الإشارة للتوحيد وإفراد الباري بالقدرة عددناه من المنزهين، ولم نجعل ذلك إبطالًا للحكمة إذ الألفاظ يعتبر حكمها بما تفهم العقول منها بمقتضى الأوضاع والقرائن، ومن خص الرسول أو (١) الملائكة بنفي خاص، يُفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب فقد نقصهم بعبارته؛ وإن نوى معاني التوحيد، ولم يجعل الله لأحد تنقيص الرسول، وأجمع الخلف والسلف على وجوب تعظيمهم في الاعتقاد والأقوال والأفعال). والجواب من وجوه: أحدها: أن الجواب المذكور ليس فيه تخصيص النبي ﷺ بالذكر بل قد صرح فيه بالعموم، وقيل فيه: من قال: لا يدعى إلا الله، وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله فلا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب، وهداية القلوب وإنزال المطر، وإنبات النبات ونحو ذلك، فهذا مصيب، ولذلك حيث ذكر هذا فلم يُذكر (٢) إلا على وجه التعميم، فدعوى المدعي أن النبي ﷺ والملائكة خصوا بالذكر كذب لا يحتاج إلى جواب. الوجه الثاني: أن يقال التحقيق في هذا الباب؛ أنه إذا كان المنفي (٣) لا يصلح لمخلوف؛ فذكرت الأنبياء والملائكة على سبيل تحقيق النفي العام، كان هذا من أحسن الكلام، وكان هذا من باب التنبيه، كما يقال لا تجوز العبادة إلا لله -تعالى- لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، فينبه بنفيها عن الأعلى على انتفائها عمن هو دونهم بطريق الأولى، وكذلك إذا كان المخصوص بالذكر ممن قد حصل فيه غلو، كما يقال ليس في الصحابة معصوم، لا عليّ ولا غيره، وليس في النبيين إله لا المسيح ولا غيره، فهذا أحسن.

стр. 219

فالمخصص إذا كان فيه فائدة مطلوبة كان حسنًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ١٩ - ٢٦]، فنفى سبحانه أن تغني شفاعة الملائكة الذين في السماء إلا من بعد إذنه، تنبيهًا بذلك على [أن] (١) من دونهم أولى أن لا تغني شفاعتهم، فإن المشركين كانوا يقولون عن الأصنام إنها تشفع لهم، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨] , ولا يجوز أن يكون الكلام تنقيصًا بالملائكة، ولذلك قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [النساء: ١٧١، ١٧٢]، فإنه لما كان الكلام في إثبات توحيد الله -تعالى- والنهي عن الغلو في الدين الذي فيه تشبيه المخلوق بالخالق، قال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، بعد أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ وقال في الآية الأخري: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، فنسبه إلى أمه وهذا قد جرى في القرآن في غير موضع، فنسبه إلى أمه لينفي نسبته إلى غيرها، فلا ينسب إلى الله أنه ابنه؛ ولا إلى أب من البشر؛ لا كما زعمت

стр. 220

النصارى الغالية فيه، ولا كما زعمت اليهود الكافرة به (١). وأبلغ من هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧]، فذكر أهل الأرض جميعًا؛ وخص المسيح وأمه بالذكر؛ من أنه إن أراد إهلاكهم لن يملك أحد لهم منه شيئًا، لأن المسيح وأمه اتُخِذَا إلهين كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، فكان التخصيص بالذكر لنفي هذا الشرك والغلو الذي وقع في المسيح وأمه، ولم يكن ذلك من باب التنقيص بالمسيح وأمه، بل كان التخصيص لأجل أن الكلام وقع في ذلك المعين. فالتخصيص للحاجة إلى ذكر المخصوص والعلم به؛ أو لأجل التنبيه به على ما سواه، ولهذا لا يكون التخصيص في هذا (٢) مفهومه مخالفة، بنفي نقيض الحكم عن ما سواه، وهو الذي يسمى دليل الخطاب للتخصيص (٣)، لم يكن للاختصاص بالحكم، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ

стр. 221

وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٧٩، ٨٠] فتخصيص الملائكة والنبيين بالذكر تنبيه على [من] (١) دونهم، فإنه (٢) لا يأمر باتخاذ الصالحين أربابًا بطريق الأولى. ومن هذا الباب قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل" (٣)، فكان تخصيصه بالذكر لتحقيق العموم، وأن هذا النفي يتناول أفضل الخلق، فلا يظن أحدٌ غيره أنه يدخل الجنة بعمله. وكذلك قوله في الحديث الصحيح: "ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّلَ به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن"، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم" (٤). ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]، فذكر هذا الوعيد في الملائكة، وخصهم بالذكر، تنبيهًا على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحدٍ من المخلوقين لا ملك ولا غيره، وإنه لو قدر وقوع ذلك من ملك من الملائكة لكان جزاؤه جهنم، فكيف من دونهم! وهذا (٥)

стр. 222

تخصيص إفراد الله بالآلهية، ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٧، ٨٨]، والأنبياء معصومون من الشرك والكفر (١)، ولكن المقصود بيان أن الشرك لو صدر من أفضل الخلق لأحبط عمله، فكيف بغيره؟. وكذلك قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥] مع أن الشرك منه ممتنع، لكن بيّن بذلك أنه إذا قدر وجوده كان مستلزمًا لحبوط عمل المشرك وخسرانه كائنًا من كان، وخوطب بذلك أفضل الخلق لبيان عظم هذا الذنب، لا لنقص (٢) قدر المخاطب كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]، ليبيّن سبحانه أنه ينتقم ممن يكذب في الرسالة كائنًا من كان، وأنه لو قدر أنه غيّر الرسالة لانتقم منه، والمقصود نفي هذا التقدير (٣) لانتفاء لازمه. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] (ثم قال:) (٤) ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤]، وفي الحديث المعروف: "إن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم" (٥)، فهذا من بيان عدل الرب وإحسانه وتقصير الخلق عن واجب

стр. 223

حقه؛ حتى الملائكة والأنبياء وغيرهم، وأنه لو عذبهم لم يكن ظالمًا لهم، فكيف بمن دونهم؟ وهذا باب واسع. فمن غلا في طائفة من الناس؛ فإنه يُذكر له من هو أعلى منه ويبيّن أنه لا يجوز هذا الغلو فيه، فكيف يجوز الغلو في الأدنى؟ كما قال بعض الشيعة لبعض شيوخ أهل (١) السنة: تقول (٢) إن مولانا أمير المؤمنين عليًا كان معصومًا، فقال: أبو بكر وعمر عندنا أفضل منه وما كانا معصومين. وكما يقال لمن يعظّم شيخه أو أميره بأنه يطاع في كل شيء، وأنه لا تنبغي مخالفته، [فيقال] (٣) له: أبو بكر أفضل منه، وقد قال: "أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوِّموني" (٤)، وكما ظن الغالي أن الصالحين لا يؤذيهم عدوهم، [ولا يجرحون] (٥) لاعتقاده أن ذلك نقص فيهم، وأنهم (٦) قادرون علي دفع كل أذى، فيقال: أفضل الخلق محمد ﷺ قد أوذي وقد جرح يوم أحد (٧)، وذلك كرامة من الله -تعالى- ليعظم أجره ويزيده (٨) رفعة بالصبر على الأذى في الله.

стр. 224

[وكذلك] (١) لو حلف حالف بشيخه، فقيل له: لا تحلف بغير الله؛ فمن حلف بغير الله فقد أشرك (٢)، وكذلك إذا اعتقد معتقد بشيخه أنه يشفع لمريديه (٣)، وأن له راية في الآخرة يُدْخِلُ تحتها مريديه (٤) الجنة، فيقال له: المرسلون أفضل منه، وسيد ولد آدم ﷺ إذا جاء يشفع يسجد بين يدي الله ، ويحمد ربه بمحامد، فيقال له: "ارفع رأسك وقل يسمع (٥) وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي، فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة" (٦). فهو ﷺ لا يشفع إلا بعد يؤذن له، بل يبدأ (٧) بالسجود لله والثناء عليه، ثم إذا أذن له في الشفاعة وشفع، حد له، حدًا يدخلهم الجنة، فليست الشفاعة مطلقة (٨) في حقه، ولا يشفع إلا بإذن الله، فكيف يكون الشيخ إن كانت له شفاعة؟. وكذلك إذا قيل عن بعض الشيوخ: إن قبره ترياق مجرب (٩)، قيل له: إذا كانت قبور الأنبياء ﵈ ليست ترياقًا مجربًا فكيف تكون قبور الشيوخ؟. وكذلك إذا قيل: إن الشيخ الميت يستسقى عند قبره، ويقسم به على الله، ويعرّف عنده عشية عرفة (١٠) ونحو ذلك، قيل له: إذا كان النبي ﷺ

стр. 225

سيد الخلق لم تستسقِ الصحابة -رضوان الله عليهم- عند قبره، ولا أقسموا به على الله، ولا عرّفوا عند قبره، فكيف غيره؟. وكذلك إذا قيل: إنه يسجد لقبر الشيخ أو يُستلم ويُقبّل، قيل: إذا كان قبر النبي ﷺ لا يسجد له ولا يستلم ولا يقبّل باتفاق الأئمة (١)، فكيف بقبر غيره؟. وكذلك إذا قيل: الموضع الذي كان الشيخ يصلي فيه لا يصلي فيه غيره احترامًا له، قيل له (٢): إذا كان الصحابة صلوا في الموضع الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه، فكيف لا يصلي في موضع مصلى غيره؟ وهو أحق بالاحترام من كل أحد. وكذلك إذا قيل: إن الشيخ الميت يدعى ويسأل ويستغاث به، قيل له (٣): إذا كان الأنبياء بعد موتهم لا يدعون ولا يسألون ولا يستغاث بهم، فكيف [بمن دونهم] (٤)؟. وإذا قيل: يُطلب من الشيخ كل شيء، فقيل: ما لا يقدر عليه إلا الله؛ لا يطلب من الأنبياء، فكيف يطلب ممن دونهم؟. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول (٥): لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك (٦)، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله: أغثني، فأقول: لا

стр. 226

أملك لك شيئًا قد أبلغتك (١) " (٢)، أخرجاه. فقد أخبر أنه يستغيث به أهل الغلول يوم القيامة فلا يغيثهم، بل يقول: [قد أبلغتكم] (٣) لا أملك لكم من الله شيئًا. كما قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئًا، يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا (٤) " (٥). وهذا النوع من الكلام يقال على وجه [العموم] (٦)، (تارة يقال: السجود لا يصلح إلا لله لا لنبي ولا لغيره) (٧)، وتارة يقال: السجود لا يصلح للأنبياء، فكيف بمن دونهم، وتارة يقول السائل: هل أسجد للشيخ؟ فيقال له: الرسول لا يسجد له، فكيف يسجد للشيخ؟ فتارة يذكر الاسم العام ويخص الأفضل بالذكر تحقيقًا للعموم؛ وأنه لا يستثنى من هذا العموم أحدٌ؛ وإن كان أفضل. كما يقال: مات الناس حتى الأنبياء، وتارة يذكر الأفضل ويعطف عليه غيره تحقيقًا للعموم، وتارة يختص الأفضل بالذكر تنبيهًا على من سواه، فهذا النمط من الكلام حيث ذكر الأفضل فيه فإنه لا يراد اختصاصه بالحكم، بل يراد به العموم؛ وتحقيق العموم، وأن هذا الحكم ثابت في حق الأفضل، فكيف من (٨) دونه؟.

стр. 227

وحينئذٍ فإذا قدر أن سائلًا سأل هل يستغاث بميت من الأنبياء والصالحين؟ فقيل له: لا [تستغث] (١) بأحد منهم لا نبي ولا غيره، أو قيل: لا يستغاث بالنبي فكيف بمن دونه!! أو قيل: أفضل الخلق لا يستغاث به، أو نحو ذلك من العبارات التي يفهم منها عموم النفي، وأنه ذُكر الأفضل تحقيقًا للعموم، كان هذا من أحسن الكلام كما تقدم. كما إذا قيل: لا يُسجد لقبره ولا يتمسح به ولا يقبل، ولا يتخذ وثنًا يعبد ونحو ذلك. وكذلك لو كان الخطاب ابتداءً في سياق التوحيد ونفي خصائص الرب عن العبد، فقيل: ما لا يقدر عليه إلا الله لا يطلب إلا منه لا من نبي ولا غيره، أو قيل: لا يستغاث فيه بالنبي، فكيف من دونه أو نحو هذا الكلام كان حسنًا. فالاستغاثة المنفية نوعان: أحدهما: الاستغاثة بالميت مطلقًا في كل شيء. والثاني (٢): الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق. فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله لا نبيًا ولا غيره، ولا يستغيث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق، وليس لأحد أن يسأل ميتًا؛ أو يستغيت به في شيء من الأشياء؛ سواء كان نبيًا أو غيره، وإذا كان كذلك فجميع ما وقع هو من هذا الباب، ولم يفهم أحد من الخلق شيئًا إلا هذا. الوجه الثالث: قوله: (من نفى الحقائق نفيًا عامًا يفهم به الإشارة للتوحيد، وإفراد الباري بالقدرة، عددناه من المنزهين؛ ولم (٣) يجعل ذلك إبطالًا للحكمة، ومن خص الرسول أو الملائكة بنفي خاص، يفهم من طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب، فقد نقصهم بعبارته وإن نوى معاني التوحيد). يقال له: أولًا قولك: عددناه من المنزهين، عبارة في غير موضعها، بل حقه أن يقال: من الموحدين، فإن التنزيه نفي النقائص عن الله , وأما (٤) الإشارة إلي التوحيد وإفراده بالقدرة فيسمى توحيدًا.

стр. 228

ويقال له: قولك: (خصهم بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب) كلام مجمل؛ فماذا تريد به؟ أتريد به عدم صلاحيتهم للأسباب التي أثبتها الله -تعالى- لهم، مثل عدم صلاحية الملائكة للنزول بالوحي والعذاب وتدبير (١) العالم، وعدم صلاحية الرسول لتبليغ رسالة (٢) الله ونحو ذلك، مما أثبته الله لهم، أو عدم صلاحيتهم لما اختص الرب ﵎[به] (٣) مثل أن يطلب منهم الأمور التي لا يقدر عليها غيره، وعدم صلاحيتهم لكونهم يُسألون ويدعون بعد موتهم، أو يطلب منهم كما يطلب من الله. فإن عنيت الأول فقائله أعظم جرمًا من أن يقال: نقصهم بعبارته، إذ قد يكون كافرًا، مثل أن يتضمن نفيه جحد رسالة الرسول، أو جحد نزول الملائكة عليه بالوحي، أو جحد ما يدخل في الإيمان من الإيمان بالملائكة، ولكن ما نحن فيه ليس من هذا الباب. وإن أردت الثاني فليس في نفي خصائص الربوبية عن المخلوق نقص له يجب تنزيهه عنه، فضلًا [عن] (٤) أن يجب نفيه عنه، فمن قال: لا إله إلا الله لم يكن قد نقص الملائكة والأنبياء بنفي الآلهية عنهم، (ومن قال: إن الملائكة والأنبياء) (٥) ليسوا أربابًا ولا آلهة ولا يعبدون ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، كان (٦) قد نفى عنهم ما يختص به الرب ﵎ ولم ينف عنهم (ما هم أسباب فيه) (٧)، وإنما يكون نافيًا للأسباب إذا قال: لا شفاعة لهم ولا يشفعون لأحد ولا يدعون لأحد، أو دعاؤهم لا ينفع أحدًا، فهذا (٨) باطل بل كفر، أو قال إنه لا يتوسل إلى الله بالإيمان بهم ومحبتهم

стр. 229

وطاعتهم، أو لا يتوسل إليه بدعائهم وشفاعتهم فهذا باطل بل كفر. وهذا المفتري لما قال إنه يجوز أن يستغاث بالنبي ﷺ في كل، ما يستغاث بالله فيه؛ وأن ذلك صحيح في حق النبي والصالحين، وقال: (إن كل من توسل إلى الله بنبيه في تفريج كربة؛ فقد استغاث به سواء كان حيًا أو ميتًا، وإن من سأله وطلب منه فقد استغات به، فاقتضى ذلك أنه يطلب منه حيًا وميتًا كل شيء، كما (١) يطلب من الله (٢)، (ويطلب بالتوسل به حيًا وميتًا كل (٣) ما يطلب من الله، وأن ذلك ثابت للصالحين أيضاً)، اقتضى كلامه أنه يطلب من المخلوق حيًا وميتًا كل ما يطلب من الخالق ) (٤). ومعلوم (٥) أن هذا الذي قاله لو كان حقًا لم يجز نفي الاستغاثة به بوجه من الوجوه، كما لا يجوز نفي شفاعته التي أثبتها الله، ونفي استشفاع الناس به يوم القيامة كما نطقت به (٦) النصوص، ونفي توسل الصحابة بشفاعته ودعائه في الدنيا. فمن قال: إن النبي ﷺ لا يشفع لأحد ولا يستشفع به، وإنه لم تكن الصحابة يستشفعون به فهو مفتر كذاب؛ بل هو كافر بعد قيام الحجة عليه. وأما من قال: إنه لا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، أو قال إنه لا يسأل بعد موته كما كان يسأل في حياته فهذا قد أصاب؛ فأين هذا من هذا!!. وأما من قال: إنه لا يقسم على الله بمخلوق ولا يتوسل بميت ولا يُسأل بذات مخلوق، فإن الصحابة إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، ولما مات لم (٧) يتوسلوا بدعائه ولشفاعته ولم يتوسلوا بذاته، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه توسل إلى الله بميت [في دعائه] (٨)، ولا أقسم به عليه.

стр. 230

وهكذا قد قال أبو حنيفة وأبو يوسف (١) وغيرهما: إنه لا يجوز أن يقال: أسألك بحق الأنبياء، وكذلك قال أبو محمد ابن عبد السلام (٢): إنه لا يقسم عليه بحق الأنبياء وتوقف في نبينا ﷺ لظنه أن ذلك خبر (٣) يخصه، وليس كذلك. فهذا وإن كان مصيبًا ففيه نزاع؛ فقد نقل عن بعض العلماء أنه لا يجوز أن يتوسل إلى الله به بعد موته، ونُقل ذلك (٤) في منسك الحج الذي نقله المروذي (٥) عن الإمام أحمد. وقد تنازع العلماء في القسم به، هل ينعقد به على قولين أشهرهما: أنه لا ينعقد اليمين به، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة [وأحد] (٦) القولين في مذهب أحمد، والثاني تنعقد به اليمين وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه، وعلى هذه الرواية فهل الحلف يختص به؛ أو يُحلف بسائر الأنبياء؟ على وجهين أشهرهما الأول، والثاني ذكره ابن عقيل وغيره.

стр. 231

فقد يقال: إن التوسل به والإقسام على الله به [هو] (١) من جنس الحلف به، فيكون النزاع في هذا كالنزاع في هذا (٢). والصواب ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا النبي ﷺ ولا غيره (٣). ولكن لم يسم (٤) أحد من الأمم هذا استغاثة، فإن الاستغاثة به (٥) طلب منه لا طلب به، وهذا اعتقد جواز هذا بالإجماع وسماه استغاثة، فلزم جواز الاستغاثة به بعد موته بالإجماع (٦)، فإذا (٧) جاز أن يتوسل به في كل شيء جاز أن يستغاث به في كل شيء، ثم إنه لم يجعل هذا وحده معنى الاستغاثة؛ بل جعل الاستغاثة الطلب منه أيضاً، وكان لا يميز (٨) بين هذا المعنى وهذا المعنى، بل يجوز عنده أن يستغيث به في كل ما يستغاث الله فيه؛ على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في طلب الغوث، وهذا عنده ثابت للصالحين.

стр. 232

والاستغاثة طلب الغوث [كالاستعانة] (١) والانتصار، وذلك ثابت في حياته، وهو ثابت عند هذا الضال بعد موته (٢) بثبوتها في حياته، لأنه عند الله في مزيد دائم لا ينقص جاهه، فدخل عليه الخطأ من وجوه (٣): منها: أنه جعل المتَوسِّل به بعد موته في الدعاء مستغيثًا به، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازًا؛ مع دعواه الإجماع على ذلك، وأن المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به. والثاني: ظنه أن توسل الصحابة به في حياته كان توسلًا بذاته لا بدعائه وشفاعته؛ فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط يوافقه عليه طائفة من الناس؛ بخلاف الأول فإني ما علمت أحدًا وافقه عليه. الثالث: أنه أدرج سؤاله أيضاً في الاستغاثة وهذا صحيح جائز في حياته، وهو قد سوى في ذلك بين محياه ومماته، وهنا أصاب في لفظ الاستغاثة؛ لكنه أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته ينقل عن أحد (٤) من العلماء؛ لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري (٥)، ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن

стр. 233

النعمان (١) كان له كتاب: "المستغيثين بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام"، وهذا الرجل قد نقل [منه] (٢) فيما يغلب على ظني، وهؤلاء لهم صلاح ودين؛ لكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام؛ الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام ومعرفة الحلال والحرام، وليس معهم دليل شرعي؛ ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد؛ إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر (٣) خطوات معدودة واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس وأكبر منه، [ومنهم] (٤) من يأتي إلى قبر الشيخ يدعوه، [ويدعو به] (٥) ويدعون (٦) عنده، وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب أو سنة أو قول عن الصحابة والأئمة، وهؤلاء ليس عندهم إلا قول طائفة من الشيوخ: إذا كانت لكم حاجة فاستغيثوا [بي] (٧)، وتعالوا إلي قبري ونحو ذلك؛ مما فيه تصويبه لأصحابه بالاستغاثة به حيًا وميتًا، ومعهم قول طائفة

стр. 234

أخرى: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، والدعاء عند قبر الشيخ (١) مجاب ونحو ذلك، ومعهم أن طائفة من الناس استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض تلك الحوائج وأخبر ببعض ما سئل عنه. وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء أو (٢) الصالحين أو (٣) الكواكب والأوثان، فإن الشياطين كثيرًا ما تتمثل لهم فيرونها قد تخاطب أحدهم ولا يراها. ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال (٤) المقام، وكلما كان القوم أعظم جهلًا وضلالًا كانت هذه الأحوال الشيطانية عندهم أكثر، وقد يأتي الشيطان أحدهم بمال أو طعام أو لباس أو غير ذلك، وهو لا يرى أحدًا أتاه به، فيحسب ذلك كرامة؛ وإنما هي من الشيطان، وسببه شركه بالله وخروجه عن طاعة الله ورسوله إلى طاعة [الشياطين] (٥)، فأضلتهم الشياطين (٦) بذلك كما كانت تضل عُباد الأصنام، ومثل هذه الأحوال لا تكون من كرامات أولياء الله المتقين. ثم انقسموا حزبين: حزبًا رأوا فيمن (٧) يفعلها من الكفر والفسوق والعصيان ما يخرجه عن كونه من أولياء الله المتقين، (وكذبوا بما ينقل عنه من ذلك، وحزبًا رأوا ذلك منه أو يثبت بالنقل المتواتر عن واحد أو عدد من ذلك ما يوجب حصول مثل ذلك لهؤلاء، فيظنون أنهم من أولياء الله المتقين) (٨). ثم من هؤلاء من يقول: من أولياء الله من له طريق إلى الله غير مبايعة الرسل، ومن هؤلاء من يفضل كثيرًا من الأولياء على الأنبياء، ومنهم من يقول: هؤلاء يتصرفون بالقدر (٩) والمشيئة تصرفًا خرجوا به عن حكم وجوب

стр. 235

طاعة الأنبياء عليهم، وصاروا غير مكلفين بأمر الأنبياء ونهيهم. ويذكرون حكايات يظنونها صدقًا، منها أن أهل الصفة قاتلوا النبي ﷺ مع الكفار لما [انهزم] (١) بعض أصحابه يوم أحد وحنين، فقال لهم: يا أصحابي أين تذهبون وتدعوني؟ فقالوا: نحن مع الله، من كان الله معه كنا معه. ومرادهم أن كل من معه القدر كانوا معه؛ وإن كان كافرًا أو فاسقًا؛ من غير نظر في العاقبة ولا في وعد الله ووعيده. ويذكرون ما هو أعظم كفرًا من هذه الحكاية، وهو أن الله -تعالى- أطلع رسوله على سر (٢) ليلة المعراج وأمره أن لا يخبر به أحدًا، وأنه رأى أهل الصفة يتكلمون به، فقال لهم: من أين لكم هذا؟ فقالوا: أخبرنا الله به، فقال: يا رب ألم تأمرني أن أكتم هذا السر؟ فقال: أنا أمرتك أن تكتمه، وأنا أخبرهم به. وقد ذكر لي هذه الأمور غير واحد من كبار شيوخ هؤلاء عن غير واحد من شيوخهم (٣)؛ فبيّنت لهم كذب هذا، حتى قلت لبعضهم: الصفة إنما كانت بالمدينة، والمعراج كان بمكة فلم يكن ليلة المعراج أحد يُذكر أنه من أهل الصفة (٤). وأعظم من هذا كفرًا ما يذكره بعضهم أن الله أمر نبيه بزيارة أهل الصفة، وأنه ذهب ليزورهم فلم يفتحوا له الباب، وقالو له: اذهب إلى من أرسلت إليه فإنه لاحاجة لنا بك، وأنه عاد إلى ربه فأمره أن يذهب إليهم ويتأدب معهم؛ ويقول: خادمكم محمد جاء ليزوركم (٥)، ونحو هذه الكفريات التي لا يقولها إلا من هو أبعد الناس عن الإيمان بالله ورسوله.

стр. 236

ومع هذا فهي أصحابها من حقائق العارفين وأسرار أولياء الله المصطفين خواص الرب، الذين هم أفضل من الأنبياء والمرسلين عند أصحابهم هؤلاء الكفار، الذين هم أكفر من اليهود والنصارى. فهذه حكايات في آثار حصلت لبعض من استغاث ببعض المخلوقين الميتين والغائبين، وعندهم عادات وجدوا عليها سلفهم [ممن] (١) كان له نوع من العلم والعبادة والزهد، فليس معهم بذلك حديث يروى، ولا نقل عن [صحابي] (٢) ولا تابعي ولا قول إمام مرضي. ولهذا لما نُبه من نُبه من فضلائهم على ذلك تنبهوا وعلموا أنّ ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام؛ بل هو مشابهة لعباد الأصنام. لكن هؤلاء كلهم ما فيهم من يَعُدُّ نفي هذا والنهي عنه كفر؛ إلا مثل هذا الأحمق الضال، الذي حاق به وبيل النكال فإنه من غلاة أهل البدع الذين يبتدعون القول ويكفرون من خالفهم فيه، كالخوارج والروافض والجهمية، فإن هذا القول الذي قالوه لم يوافقهم عليه أحد من علماء المسلمين الأولين والآخرين. وقد طاف بجوابه علي علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه، وقد كان بعض الناس يوافقه على جواز التوسل بالنبي الميت؛ لكنهم لم يوافقوه على تسميته استغاثة، ولا على كفر من أنكر الاستغاثة به (٣)، ولا جعلوا هذا السبب، بل عامتهم وافقوا على منع الاستغاثة به؛ بمعنى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه.

стр. 237

وما علمت عالمًا نازع في أن الاستغاثة بالنبي وغيره من المخلوقين بهذا المعنى لا تجوز، مع أن قومًا كان لهم غرض (١) وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قيامًا عظيمًا، واستعانوا بمن كان له غرض من ذوي السلطان، وجمعوا الناس؛ وعقدوا مجلسًا عظيمًا ضل فيه سعيهم، وظهر فيه جهلهم، وخاب فيهم قصدهم، وظهر فيه الحق لمن كان يعاونهم من الأعيان؛ وتمنوا أن ما فعلوه ما كان، لأنه كان سببًا لظهور الحق مع الذي عادوه وقاموا عليه وسببًا لانقلاب [الخلق] (٢) إليه، وكانوا كالحافر (٣) حتفه بظلفه، والجادع مارن (٤) أنفه بكفه، مع فرط [عصبيتهم] (٥) وكثرة جمعهم وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم. وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي لطريقة أهل البدع؛ الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة ويكفّرُون من خالفهم في بدعتهم، كالخوارج المارقين الذين ابتدعوا ترك العمل بالسنة المخالفة في زعمهم للقرآن، وابتدعوا التكفير بالذنوب، وكفّروا من خالفهم حتى كفّروا عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ومن والاهما من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين. نقل الأشعري في كتاب المقالات أن الخوارج مجمعة على تكفير علي ﵁ (٦). وكذلك الرافضة ابتدعوا تفضيل علي على الثلاثة وتقديمه في الإمامة والنص عليه، ودعوى (٧) العصمة له، وكفّروا من خالفهم، وهم جمهور

стр. 238

الصحابة وجمهور المؤمنين حتى كفّروا أبا بكر وعمر وعثمان ومن تولاهم (١)، هذا الذي عليه أئمتهم (٢). وكذلك الجهمية ابتدعت نفي الصفات المتضمن في الحقيقة لنفي الخالق ونفي صفاته وأفعاله وأسمائه؛ وأظهرت القول بأنه لا يرى؛ وأن كلامه مخلوق خلقه في غيره لم يتكلم هو بنفسه وغير ذلك، ثم إنهم امتحنوا الناس فدعوهم إلى هذا وجعلوا يكفّرون من لم يوافقهم على ذلك. وكذلك القدرية ابتدعت التكذيب بالقدر؛ وأنكرت مشيئة الله النافذة وقدرته التامة وخلقه لكل شيء، وكفّروا أو [منهم] (٣) من كفّر من خالفه. وكذلك الحلولية والمعطلة [للذات] (٤) والصفات يُكفر [كثير] (٥) منهم من خالفهم، فالذين يقولون: إنه بذاته في كل مكان منهم من يكفّر من خالفه، والذين يقولون: إنه لا مباين للمخلوقات ولا حال (٦) فيها فمنهم من يكفّر من خالفه (٧). والذين يقولون ليس كلامه إلا معنًى واحد قائمًا بذاته، ومعنى التوراة والإنجيل (والقرآن واحد) (٨)، والقرآن العزيز ليس هو كلامه؛ بل كلام جبرائيل (٩) أو غيره، فمنهم من يُكفّر من خالفه.

стр. 239

والذين يقولون بقدم بعض أحوال العبد، كالذين يقولون بقدم صوته بالقرآن أو قدم بعض أفعاله أو صفاته، وقدم أشكال المداد، فمنهم من يكفّر من خالفه (١). بل والذين يقولون بقدم روح العبد أو بقدم كلامه مطلقاً أو قدم أفعاله الصالحة أو (٢) أفعاله مطلقاً، فمنهم من يكفّر من خالفه. والذين يقولون إن الله يُرى بالأعين في الدنيا (٣)، منهم من يُكفّر من خالفه. والذين يُهينون المصحف وربما كتبوه بالنجاسة فمنهم من يُكفّر من خالفه، ونظائر هذا متعددة. وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان؛ فيهم العلم والعدل والرحمة؛ فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨]، ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء؛ بل إذا عاقبوهم وبيَّنوا خطأهم وجهلهم وظلمهم؛ كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون الدين كله لله وأن تكين كلمة الله هي العليا. فالمؤمنون أهل السنة هم يقاتلون في سبيل الله ومن قاتلهم يقاتل في

стр. 240

سبيل الطاغوت، كالصديق أهل الردة، وكعلي بن أبي طالب مع الخوارج المارقين ومع الغلاة والسبائية (١)، فأعمالهم خالصة لله -تعالى- موافقة للسنة، وأعمال مخالفيهم لا خالصة ولا صواباً؛ بل بدعة واتباع هوى، ولهذا يسمون أهل البدع وأهل الأهواء. قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (٢). فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفّرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك؛ ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله. وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضاً فإن تكفير الشخص المعيّن وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئاً من الدين يُكفر. ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون (٣)

стр. 241

وأصحابه شرب الخمر؛ وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحاً على ما فهموه من آية المائدة؛ اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت [لهم] (١) حتى يتبيّن لهم الحق، فإن أصروا على الجحود كفروا. وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين، فأمر الله البَرَّ فرد ما أخذ، وأمر البحر فرد ما أخذ منه، وقال: ما حملك على ما فعلت، قال خشيتك يا رب فغفر له" (٢)، فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته، وأنه لا يعيده أو جوز ذلك، وكلاهما كفر، لكن كان جاهلاً لم يتبيّن له الحق فغفر له. ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون (٣) الله -تعالى- فوق العرش لما وقعت محنتهم، أن لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم (٤).

стр. 242

وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، فكان هذا خطابنا. فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله، كما لو شهد شخص بالزور على شخص، أو قذفه بالفاحشة كذباً عليه لم يكن له أن يشهد عليه بالزور ولا أن يقذفه بالفاحشة. وقد كفانا ذلك شيخه وغيره من الناس، فبيّنوا من ضلاله وجهله ما (١) ذكروه وذموه وعابوه وتنقصوه (٢) به كما هو معروف عن شيخه الجزري وغيره من أهل العلم. والمقصود هنا أن قوله: (ومن خص الرسول أو الملائكة بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم فقد تنقصهم (٣) بعبارته) فهي كلمة حق أريد بها باطل (٤). ونحن نقول بموجب هذا الكلام وهو معناه الصحيح فإن من نفى ما يستحقونه من [الرتبة] (٥) وما يصلحون له من الأسباب فهو مفتر كذاب، لكن الشأن [ليس] (٦) المنفي هو من هذا الباب، ولو لم تقابل دعواه إلا بالمنع

стр. 243

لكفانا، فإنه يقال له: لا نسلم أن الاستغاثة بهم مشروعة في كل ما يستغاث فيه بالله، ولا أنها وسيلة من وسائل الله في ذلك كله، بل سلمنا أن الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه قد نكون سبباً وقد لا تكون، فإن الناس يستغيثون بالنبي ﷺ يوم القيامة في الشفاعة فيشفع لهم، ويستغيث به من أنذره في دفع الذنوب فيقول: "لا أملك لك من الله شيئاً" كما في الحديث الصحيح، "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك (١) شيئاً قد أبلغتك". وليس كل من طلب من النبي ﷺ ما يقدر عليه يعطيه إياه؛ إذ قد يكون ذلك غير جائز، كما في الصحيح أنه سأله الفضل بن عباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن يوليهما على الصدقات فلم يجبهما وقال: "إنها أوساخ الناس، وإن الصدقة لا تحل لمحمد و [لا] (٢) لآل محمد" (٣). وكذلك سأله وفد هوازن السبي والمال فبذل لهم إحدى الطائفتين، وسألته أم حبيبة أن يتزوج أختها فقال: "إنها لا تحل لي" (٤). بل يقال: لا نسلم أن التوسل، بذاتهم مشروعة بحال في الحياة والممات، وليس في شيء مما ذكر دليل على مورد النزاع، فإن مضمون ما ذكره جُملٌ: أحدها: أن الاستغاثة طلب الإغاثة والتخلص من الكربة والشدة، وأن

стр. 244

الإغاثة تضاف إلى المخلوق كما يُضاف إليه الإطعام والاستعانة والإعانة والهداية والتعليم، وهذا صحيح، وليس فيه أن الميت يستغاث به، كما أنه ليس فيه أن (١) يستطعم ويستسقى ويستهدى ويستنصر ويستغاث به، ولا فيه أن ما كان من هذا الباب لا يقدر عليه إلا الله فإنه يطلب من غيره. والجملة الثانية التي من كلامه: أن من توسل إلى الله -تعالى- بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به؛ سواء كان بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما [في] (٢) معناهما، وقول القائل: أتوسل إليك يا إلهي برسولك عندك أن تغفري لي، استغاثة بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم. وهذا الكلام كذب باطل لم يسبقه إليه أحد، ولا ريب أنه لجهله وهواه وقع في هذا، وإلا فما تعمد أن يقول ما يعلم أنه كذب، ولم يقل أحد قط أستغيث برسولك عندك، ولا هذا عند أحد، لا العرب ولا غيرهم، وهو ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة وليس كذلك، فإنه يقال: استغاثه واستغاث به، كما يقال (٣): استعانه واستعان به، فالمستغاث به هو المسؤول، وأما المتوسل به فهو الذي يتسبب به إلى المسؤول. الجملة الثالثة: قوله: (إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته؛ لأنه عند الله في مزيد دائم (٤) لا ينقص جاهه)، وهذا لفظ صحيح لو كان معنى الاستغاثة: الإقسام به والتوسل بذاته، فإن ذاته بعد الموت لم تنقص، بل هي في مزيد دائم من ربه بأبي هو وأمي ﷺ ، لكن هذه المقدمة باطلة كما قد عرف، فأما إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه، فما الدليل على أن الطلب منه ميتاً كالطلب منه حياً؟ وعلو درجته بعد الموت لا يقتضي أن يسأل، كما لا يقتضي أن يستفتى، ولا يمكن أحداً أن يذكر دليلاً شرعياً على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع، بل الأدلة الدالة على تحريم ذلك كثيرة. حتى إذا قُدر أن الله وكَّلهم (٥) بأعمال يعملونها بعد الموت؛ لم يلزم من

стр. 245

ذلك جواز دعائهم، كما لا يجوز دعاء الملائكة؛ وإن كان الله وكلهم بأعمال يعملونها لما في ذلك من الشرك والذريعة إلى الشرك. وهو قد احتج بحديث الأعمى الذي قال: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة" (١) وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 249

أحدهما: أنه ليس هو استغاثة بل توجه به. والثاني: أنه إنما يتوجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي ﷺ

стр. 250

الدعاء، وقال في آخره: "اللهم فشفعه في"، فعُلم أنه يشفع له فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء، كما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته. وهذا المحتج به بنى حجته على مقدمتين فاسدتين: على أنهم توجهوا بذاته، وأن ذلك يسمى استغاثة به، فلزم من ذلك جواز ذلك بعد موته، وفساد إحدى المقدمتين يبطل كلامه، فكيف إذا بطلتا، وما ذكره من توسل آدم (١)
следующие страницы →