أحدهما: أنه ليس هو استغاثة بل توجه به.
والثاني: أنه إنما يتوجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي ﷺ
стр. 250
الدعاء، وقال في آخره: "اللهم فشفعه في"، فعُلم أنه يشفع له فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء، كما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته.
وهذا المحتج به بنى حجته على مقدمتين فاسدتين: على أنهم توجهوا بذاته، وأن ذلك يسمى استغاثة به، فلزم من ذلك جواز ذلك بعد موته، وفساد إحدى المقدمتين يبطل كلامه، فكيف إذا بطلتا، وما ذكره من توسل آدم (١)
وحكاية المنصور (١) فجوابها من وجهين أحدهما: أن هذا لا أصل له، ولا تقوم به حجة ولا إسناد لذلك.
стр. 253
والثاني: أنه لو دلَّ لدل على التوسل بذاته لا على الاستغاثة به، وأما فتح الكوة (١) لينزل المطر فهو أيضاً باطل كما تقدم التنبيه عليه.
стр. 254
ومع هذا فليس من هذا، وكذلك استسقاؤهم بدعائه ليس من هذا الباب، وأما اشتكاء البعير (١) إليه فهذا كاشتكاء الآدمي إليه، وما زال الناس
стр. 255
يستغيثون به في حياته [كما] (١) يستغيثون به يوم القيامة.
وقد قلنا: إنه إذا طُلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه، والطلب منه في حياته والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لم ينازع فيه أحد، فما ذكره لا يدل [على] (٢) مورد النزاع.
ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة ومعناها العام فجعل يتشبث به, وهذا إنما يليق بمن قال: لا يستغيث به أحد حياً ولا ميتاً في شيء من الأشياء.
ومعلوم أن عاقلاً لا يقول هذا في آحاد العامة، فضلاً عن الصالحين فضلاً عن الأنبياء والمرسلين؛ فضلاً عن سيد الأولين والآخرين، فإنه ما من أحد إلا ويمكن أن يستغاث به في بعض الأشياء؛ فكيف بأفضل الخلق وأكرمهم على الله.
стр. 256
ولكن النفي عاد إلى الشيئين: إلى الاستغاثة به بعد الموت، وإلى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، فكيف إذا اجتمعا جميعاً؟ فإن من الناس من يستغيث بالموتى من الأنبياء والصالحين، ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله -تعالى-، فهذه الجمل الثلاث ملخص كلامه، وليس فيما ذكره ما يدل على مورد النزاع، ولا ما يناقض جواب المجيب، والحمد لله رب العالمين.
فعلم أن منازعيه لم يخصوا الملائكة والرسول بنفي يفهم منه طرح رتبتهم، وعدم صلاحيتهم للأسباب.
وأما قوله: (ولم يجعل الله لأحد تنقيص الرسل، وأجمع السلف والخلف على وجوب تعظيمهم في الاعتقاد والأقوال والأفعال).
فيقال: هذا حق، لكنه كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "كلمة حق أريد بها باطل" (١)، وهو أن من سألهم ما لا يقدرون عليه أحياء وأمواتاً فقد آذاهم واعتدى عليهم؛ وهو مستحق للعقوبة التي يستحقها مثله.
بل من سألهم ما لا يريدون فعله حتى فعلوا ما يكرهون فهو مستحق للذم والمقت.
ومن ابتدع في دينهم ما لم يأذن به الله؛ [وما] (٢) يخالف ما جاؤوا به؛ لزم أن يكون دينهم ناقصاً، وأنهم أتوا بالباطل، وهذا مناقض بلا ريب لما يجب من الإيمان بهم وتعزيرهم وتوقيرهم.
ومن خالف ما جاؤوا به من توحيد الله وإفراده بالدعاء؛ فهو من أعظم المخالفين لهم اعتقاداً وقولاً وعملاً، فإن أعظم ما دعوا إليه التوحيد، فالمخالف له من أعظم الناس مخالفة لهم.
وقد بيّنا في "الصارم المسلول" (٣) أن التوحيد والإيمان بالرسل
стр. 257
متلازمان، وكل أمة لا تصدق الرسل فلا تكون إلا مشركة، وكل مشرك فإنه مكذب للرسل، فمن دخل في نوع من الشرك الذي نهت عنه الرسل فإنه مناقض لهم مخالف لموجب رسالتهم.
وإذا كان كذلك فما قال هذا المفتري وأمثاله هو بدعة لم تشرعها الرسل؛ لو لم يرد ما يتضمن النهي عنها، فكيف إذا عُلم أنه نهى عنها؟.
أما المقام الأول: فإنه لا يمكن أحد أن يقول: إن النبي ﷺ شرع لأمته أن يستغيثوا بميت لا نبي ولا غيره، لا في جلب منفعة ولا دفع مضرة، لا بهذا اللفظ ولا معناه.
فلا يشرع لهم أن يدعوا ميتاً ولا يسألوه ولا يدعوا إليه ولا أن يستجيروا به، ولا يدعوه (لا رهبة ولا رغبة) (١)، ولا يقول أحد لميت: أنا في حسبك أو أنا في جوارك أو أنا أريد أن تفعل كذا وكذا، ولا أن يخطوا إلى قبر ميت خطوات وأن يتوجه إلى جهة قبره ويسأله، كما يفعل كثير من النصارى؛ وأشباه النصارى من ضلال هذه الأمة بكثير من شيوخهم وغير شيوخهم.
ولا يشرع لأحد أن يقول لميت: سل الله لي، أو [ادع] (٢) لي.
ولا يشرع لهم أن يشكوا إلى ميت؛ فيقول أحدهم مشتكياً إليه علي دين، أو آذاني فلان، أو قد نزل بها العدو، أو أنا مريض، أو أنا خائف ونحو ذلك من الشكاوى، سواء كان هذا السائل عند قبر الميت، أو كان بعيداً منه، وسواء كان الميت نبياً أو غيره.
بل ولا يشرع لأمته إذا كان لأحدهم حاجة أن يقصد قبر نبي، أو صالح فيدعو لنفسه ظاناً أن الدعاء عند قبره يجاب.
بل ولا يشرع لأمته أن يقسموا على [الله بمخلوق] (٣) من المخلوقات لا نبي ولا غيره؛ سواء أقسموا عليه بحاجة أو غير حاجة.
ولا يشرع لأمته أن يتوسلوا إلى الله بذات ميت أصلاً؛ بل ولا بذات
стр. 258
حي، إلا أن يكون التوسل بما أمر الله به من الإيمان به وطاعته، أو بدعاء المتوسل به وشفاعته، فأما إذا لم يكن المتوسل يتوسل بما أمر الله به؛ ولا بدعاء الداعي له فليس هناك وسيلة شرعها الله ورسوله.
فإذا كان النبي والرجل الصالح له عند الله من الجاه والقدر والحرمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهذا لا ينتفع المتوسل به إلا بأحد وجهين:
(١) إما أن يتوسل المتوسل بما أمر الله به من الإيمان به ومحبته وطاعته وموالاته والصلاة عليه والسلام ونحو ذلك، فهذه هي الوسيلة التي أمر الله بها في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥].
فالوسيلة تجمعها طاعة الرسول؛ فكل وسيلة طاعة للرسول، وكل طاعة للرسول وسيلة، و ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩].
الوجه الثاني: أن يدعو له الرسول، فهذه (٣) أيضاً مما يتوسل به إلى الله -تعالى-، فإن دعاءه وشفاعته عند الله من أعظم الوسائل، فأما إذا لم يتوسل العبد بفعل واجب [ولا] (٤) مستحب ولا الرسول دعا له؛ فليس في عظم قدر الرسول ما ينفعه.
ولكن بعض الناس (٥) الذين دخلوا في دين الصابئين (٦) والمشركين؛
стр. 259
ظنوا شفاعة الرسرل لأمته لا يحتاج إلى دعاء منه، بل الرحمة التي تفيض على الرسول تفيض على المستشفع؛ من غير شعور من الرسول، ولا دعاء منه (١)، ومثَّلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على جسم صقيل ثم انعكس على غيره، فإن الشمس إذا وقعت على الماء أو مرآة؛ وانعكس شعاعها على حائط أو غيره حصل النور في الموضع الثاني بواسطة الشعاع المنعكس على المرآة، قالوا: فهكذا الرحمة تفيض على النفوس الفاضلة كنفوس الأنبياء والصالحين، ثم تفيض بتوسطهم على نفوس المتعلقين بهم، وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة فكذلك الفيض لا بد فيه من توجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة و [جعل] (٢) هؤلاء الفائدة في زيارة قبورهم من هذا الوجه.
وقالوا: إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها (٣)،
стр. 260
و [هذه] (١) المعاني [ذكرها] (٢) طائفة من الفلاسفة (٣) ومن أخذ عنهم كابن سينا (٤) وأبي حامد (٥) وغيرهم.
وهذه الأحوال هي من أصول الشرك وعبادة الأصنام، وهي من المقاييس (٦) الفاسدة التي قال بعض السلف: "ما عُبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس"، وهي من أقوال من يقول: إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم، لا بكون الله يجيب الداعي (٧)، وهي مبنية على أن الله ليس بفاعل مختار يحدث الحوادث بمشيئته واختياره.
بل هؤلاء يقولون: إن الرب يوجب العالم بذاته، ويسمونه علة العلل،
стр. 261
ويقولون: إنه علة تامة (١)، وإذا كان كذلك فلابد للحوادث من سبب فجعلوا حدوثها بسبب حركة الفلك وما يحدث عنها من الأشكال الفلكية والاتصالات الكوكبية (٢).
ثم الإلهِيُّون منهم يقولون: إن الحركة سبب الاستعدادات من العالم السفلي (٣) لأن يفيض عليها من العقل الفعال (٤) الصور النوعية (٥)، وأن يفيض على النفوس العلوم والأخلاق وغير ذلك.
وهؤلاء يجيزون أن يعبد الإنسان الكواكب, لأنه بتوجهه إليها يفيض إليه منها أمور، وكذلك الأصنام لأنه بتوجهه إلى الصنم يكون متوجهاً إلى صاحبه فيفيض عليه أمور، والنفوس المفارقة (٦) هي سعيدة؛ فإذا توجه المتوجه إلى تلك النفوس والقبر الذي دفن فيه بدنها فاضم [عليه] (٧) منها ما يفيض، وقد بسطنا الكلام على هؤلاء، وبينَّا فساد قولهم بالعقل الصريح المطابق بالنقل الصحيح بما ليس هذا موضعه (٨).
стр. 262
والكلام [إذا] (١) كان في أحكام أفعال العباد لم يكن لأحد أن يتكلم إلا بدليل شرعي، لا (٢) أن يدعو (٣) إلى دينٍ غير دين الإسلام، ولا ريب أن هذه الأقوال ونحوها تدعو إلى غير دين الإسلام.
وقول هذا المفتري وأمثاله يجر إلى مثل هذا؛ لكنهم لا يعرفون أصل قولهم ولوازمه؛ بل هم على عادة تعوَّدوها واتباع [أشياخ] (٤) لهم، فيهم نوع من علم ودين، ليس لهم خبرة بحقيقة ما جاء به الرسول، وعندهم تعظيم للأنبياء (٥) والصالحين من جنس تعظيم النصارى والمشركين، يعظمونهم تعظيم ربوبية من جهة ما يرجونه من حصول مطالبهم من جهتهم، لا يعظمونهم لكونهم رسل الله الذين أمروا بطاعتهم، فيجب أن يطاعوا فيما أمروا به؛ وأن يقتدى بهم فيما شرع التأسي بهم فيه، يعرضون عن بعض طاعتهم والتأسي بهم، ويقبلون على نوع من دعائهم وسؤالهم والإشراك بهم، وهؤلاء بالنصارى أشبه منهم بالصابئة الفلاسفة (٦)، لكن الجميع فيهم شرك.
ونحن في هذا الموضع ليس بنا حاجة إلى نفي تأثير هذه الأسباب فإنه ليس لكل سبب أثر يكون مشروعاً، بل الشارع ينهى عن أمور لها تأثير في طلب بعض المطالب؛ إذا كان ضررها راجحاً على نفعها، كما ينهى عن السحر ونحو ذلك، وإن كان قد يمكن أن يُقتل به كافر، ويُطّلَعُ بذلك على
стр. 263
بعض أخبار أعداء الإسلام، وكذلك [عباد] (١) الكواكب قد تخاطبهم الشياطين وتحصل لهم بعض مطالبهم، ودعاء الغائبين والأموات من هذا الباب، فقد يحصل أحياناً [أن] (٢) شيطاناً يتمثل للداعي, وقد يُحصل بعض مطالبه، لكن هذا كله منهي عنه لما ترتب عليه من الفساد ما يغمر ما يُظَنُّ فيه من المنفعة.
وهذه التأثيرات قد تحصل عند بعض القائلين بقدم العالم والقائلين بحدوثه، بخلاف ما يقول: إن الأثر الحاصل لا يكون إلا فيضاً, فهذا لا يكون إلا على قول القائلين بالقدم، وقد بيّنا في غير هذا الموضع أن هؤلاء الذين يقولون بقدم العالم وصدوره عن موجب [بذاته] (٣) هو علة تامة, [حقيقة] (٤) قولهم: إن الحوادث تحدث بلا محدث أصلاً, وأن حركة الفلك الحادثة شيئاً بعد شيء ليس لها مُحدثِ أصلاً, ويقولون: إنه يتحرك حركة شوقية (٥) بقولهم في حركته من جنس قول القدرية في حركة الحيوان, والقدرية أخرجوا فعل الحيوان [أن يكون] (٦) مخلوقاً لله , وأثبتوا حادثاً لا محدث له، وهؤلاء الصابئة والفلاسفة أخرجوا حركة الفلك وجميع الحادثات من أفعال الحيوان وغيرها عن أن تكون مخلوقة لله -سبحانه- وأثبتوا هذه الحوادث بلا محدث.
والناس ردوا على القدرية، وقالوا: إرادة العبد حادثة بعد أن لم تكن فلا بد لها من محدث، وإذا قيل: العبد أحدث بلا إرادة لزم وقوع الحوادث من المختار بلا إرادة، وإن قيل: بإرادة فالقول فيها كالقول في الأولى.
стр. 264
وهؤلاء القدرية قالوا: إرادة الرب يحدثها لا في محل بلا إرادة منه، كما قال ذلك البصريون من المعتزلة (١)، وقالوا: إرادة العبد يحدثها في نفسه بلا إرادة منه، وكلاهما ممتنع.
ثم يقال لهم: حدوثها بعد أن لم تكن حادثة أمر حادث فلا بد له من محدث، وقد يقال: الإرادة أمر ممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام، والمحدث والمرجح إن كان من العبد فالقول في حدوثه كالقول في الأول، وذلك يستلزم التسلسل في أفعال العباد، وأفعال العباد لها أول فيمتنع التسلسل فيها، فلزم أن يكون المحدث المرجح لها خارجاً عن العبد، وكل ما يذكر سوى الرب -تعالى- مُنته إليه والمحدث والمرجح هو الله -تعالى-.
وقول الصابئة والفلاسفة أفسد من قول القدرية، فإنه يقال: إذا كان الرب عندكم علة تامة موجباً بذاته في الأزل لم يزل ولا يزال هكذا، ومعلوله لازم لذاته لا يمكن تأخره عنه امتنع أيضاً [أن تصدر عنه حركة الفلك وغيرها من الحوادث، وامتنع] (٢) أن يصدر عنه ما يستلزم الحوادث، والعالم مستلزم للحوادث، فيمتنع صدوره عن العلة التامة لأن الحوادث تحدث شيئاً بعد شيء؛ كما أن حركة الفلك تحدث شيئاً بعد شيء، والعلة التامة لا يحدث معلولها ولا شيء من معلولها شيئاً بعد شيء، بل جميع معلولها (٣) مقارن لها أزلاً وأبداً لا يتأخر منه شيء عن الأول، وإذا كان كذلك (٤) فالحوادث كأجزاء الحركة الفلكية يمتنع صدورها عن الموجب بذاته، وإذا قيل: إن الحركة سببها الشوق الذي في الفلك للتشبه بالأول، قيل: فتلك الإرادة والتصور الذي هو سر ما في الإرادة الذي هو سبب الحركة (المتجددة، التي تجدَّدُ الحركة) (٥) بتجدده، هو أيضاً من الحوادث المتعاقبة وهو نوع حركة نفسانية؛ فلا بد لها من محدث، فإذا كانت العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها امتنع (صدور ذلك) (٦)
стр. 265
عنه، وإذا كان الفلك لا يخلو من الحوادث امتنع صدور [ها] (١) عنه, لأن [وجود] (٢) الملزوم بدون اللازم ممتنع، ووجود (٣) اللازم ممتنع, ولو قدر مقدر أن العالم لم يكن فيه حادث ثم تجددت الحوادث؛ لكان القول فيما ليس بمتجدد؛ كالقول في غيره، فإن التقدير أنه هناك فاعل لا علة تامة, والعلة التامة لا يتجدد عنها شيء بل معلولها مقارن لها.
وهذا إذا تصوره العاقل علم بالضرورة بطلان قول هؤلاء الذين هم من أبعد الناس عن المعقول الصريح كبعدهم عن المنقول الصحيح, ثم هل تقوم بالرب الأمور الاختيارية التي يسمونها الحوادث؟ لهم في ذلك [قولان] (٤) كما للمتكلمين قولان، وطائفة من الأساطين القدماء يجوزون ذلك وهو قول أبي البركات (٥) صاحب "المعتبر" وغيرهم من متأخريهم, ومنهم من لا يجوِّزه كابن سينا وأمثاله، فمن لم يجوز ذلك ظهر فساد قوله بقدم العالم ظهوراً بيّناً, ومن جوزه أيضاً فيمتنع عليه أن يقول بقدم شيء من العالم, فإنه حينئذٍ إذا كان الرب يفعل شيئاً بعد شيء بأفعال [تقوم] (٦) بذاته؛ لم يكن قط علة تامة لمفعولاته، بل كل ما يفعله ويحدثه هو فاعل له حين أحدثه وفعله, والمؤثر التام يستلزم أثره، كما أن الأثر يستلزم مؤثره التام.
ولهذا كان مذهب أهل السنة أن القدرة لابد أن تكون مع مقدورها, ولا يجوز أن تكون معدومة عند (٧) وجود المقدور, ولكن تنازعوا هل يكون وجودها قبل مع بقائها؟.
стр. 266
والصواب التفريق بين القدرة المصححة (١) التي يشترط في الفعل معها وجود الإرادة؛ وبين القدرة الموجبة (٢) وهي مجموع ما يستلزم المقدور.
وأما القدرية فقالوا: إن القدرة لا تكون إلا قبل الفعل، وإذا كانت الحوادث يحدثها شيئاً بعد شيء بحسب حدوثها لزم أن تقوم به الأفعال الاختيارية، وإذا كانت كذلك بطل أصل قولهم الذي بنوا عليه قدم العالم، حيث قالوا هو موجب بالذات لا فاعل بالاختيار، وإذا كان كذلك قارنت موجبه، فإذا كان نفس الحوادث يستلزم أن يكون فاعلاً أفعالاً متعاقبة بطل كونه موجباً بذاته بمقارنة موجبه، فبطل التلازم الذي ذكروه وجاز أن يكون محدثاً للأفلاك.
وإن كان قد أحدث قبلها شيئاً آخر كما أخبر الله -تعالى- أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، كذلك في التوراة أنه خلق السموات والأرض وكان الماء مستبحراً (٣) غامراً الأرض والرياح تهب فوقه (٤).
وملخص ذلك أنه لو كان شيء من العالم قديماً لكان موجباً بذاته بمقارنة (٥) موجبه لا يتأخر عنه، والثاني باطل لأنه لو كان كذلك لم يحدث في
стр. 267
العالم شيء؛ لأن العالم بجميع ما فيه موجب له فلو كان موجبه يقارنه (١) في الأزل [لزم أن لا] (٢) يحدث في العالم شيء، ولو أوجب (٣) العالم دون الحوادث لوجد الملزوم دون اللازم، ولحدثت الحوادث بعد ذلك عن الموجب (٤) المستلزم لموجبه في الأزل، وكلاهما ممتنع.
وكل خبر في العالم فهو مستلزم لمقارنة الحوادث؛ إذ يمكن أن تقوم به الحوادث، فلو كان صادراً عن موجب بالذات لامتنع حدوث الحوادث مقارنة له أو حادثة بعده، لأن صدورها عن موجب بالذات ممتنع؛ لا سيّما والذات التي من شأنها أن تقوم بها الأفعال المتعاقبة فيفعل شيئاً بعد شيء، لا يكون فعلٌ معين لازماً لذاتها، فلو كان في العالم شيء قديم تبين أنه إنما يلزمها نوع الأفعال لا فعل معين.
وأيضاً فلزوم الفعل المعين لمفعول معين لذات تقوم بها الأفعال المتعاقبة وتفعل شيئاً بعد شيء غير معقول، فإنها متى كانت كذلك؛ امتنع أن يلازمها أزلاً وأبداً فعل (٥) معين، فإن ملازمة المعين ينافي كون فعلها شيئاً بعد شيء.
وإذا قيل: يلزمها فعل معين ولا يلزمها شيء من الأفعال، كانت أفعالها منقسمة إلى معين لازم لها؛ وإلى نوع يحدث شيئاً بعد شيء فهي للأول موجبة [بذاتها] (٦) وللثاني (٧) فاعلة باختيارها، فيكون موجبة بالذات لمفعول وفاعل بالاختيار لمفعولات، واجتماع هذين في الذات الواحدة تناقض، لأن كونها فاعلة بعد اختيارها شيئاً بعد شيء، يناقض اتصالها بالإيجاب بالذات، مع أن الفعل المعين الملازم للذات لا يعقل، ولا يعقل الفعل إلا الإحداث، وانما يعقل (٨) فيما كان لازماً لها أن تكون صفة لها كالحياة، لا أن يكون مفعولاً
стр. 268
لها، فكونه مفعولاً يناقض كونه معه لازماً؛ لا سيما إذا كان الفاعل فاعلاً بالاختيار.
والمقصود هنا أنه إذا لم يحصل من العبد فعلٌ أمره الله به في حق الرسول، ولم يحصل من الرسول شفاعة له، فلا يتصور أن ينتفع بجاه الرسول؛ منفعة أمر الله بها (١) في دين الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، لكن (على قول) (٢) غير أهل التوحيد من المشركين القائلين بحدوث العالم والقائلين بقدمه، فإن المشرك قد يدعو (٣) إلهاً من دون الله فتخاطبه الشياطين وربما قضت له بعض الحاجات، وهذا معروف في عباد الكواكب وعباد الموتى من الصالحين وغير الصالحين.
وأما على قول الصنف الثاني من المشركين الذين جمعوا في الحقيقة بين التعطيل والإشراك، فأنكروا أن يكون خالقاً للعالم بقدرته ومشيئته، وهم مشركون، فمن هؤلاء من يقول إنه قد يفيض عليه من الشفيع شيء بغير دعاء الرسول، لكن لا بد عند هؤلاء من توجه من العبد؛ ولا يشترطون التقرب بما شرعته الرسل، بل يمكن عندهم إذا سجد لتماثيله أو لقبره ودعاه من دون الله أن يحصل له ذلك، كما يحصل إذا توجه إلى الشمس من سخونة شعاعها ما يحصل.
والفرق بين الموحدين والمشركين، أن الموحدين يقولون: إن ما أمرت به الرسل من العبادات إنما يتقرب [به] (٤) إلى الله؛ والأجر فيه على الله، وإنما على الرسول البلاغ؛ ليس عليه حصول الثواب، ولا يشترط أن يكون واسطة في وجوده بل يخلق الله الثواب بغير واسطة الرسول، وأما شفاعة الرسول فهي دعاء لله ﵎، وهؤلاء يقولون: لا يحصل إلا بتوسطهم وإن فاض عنهم بغير قصد، فهذا أصل ينبغي معرفته.
стр. 269
فإن هذا الضال وأمثاله يجعلون الأنبياء والصالحين من جنس الذين يظنون أن النفع والضر يحصل لهم بتوسطهم؛ كما يجعل الشعاع والحرارة بتوسط الشمس.
ونحن نقول: إن كل ما شرعه الله ورسوله فهو من أعظم الوسائل (إلى الله، لكن دعاؤهم بعد الموت لم يشرعه الله ورسوله فليس من الوسائل) (١)، وكذلك سؤال أحدهم ما لا يقدر عليه إلا الله ليس مشروعاً، وأصل الدين أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وما ذكره هؤلاء يتضمن عبادة غير الله بغير أمر الله.
المقام الثاني: أن يقال هذا مما نهت عنه الرسل، فقد ثبت في الصحاح أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ القبور مساجد وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ يحذر ما فعلوا (٢)، وقال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها" (٣).
فلو كان الدعاء عند القبور أجوب منه في غير تلك البقعة لكان قصدها للدعاء عندها مشروعاً لم يُنه أن يتخذ مسجداً، فإن اتخاذ القبور [مساجد] (٤) يدخل فيه الصلاة وغيرها؛ ويدخل فيه بناء المساجد عليها، وكلاهما منهي عنه، بل يحرم كما صرح به غير واحد من العلماء (٥) فإن النبي ﷺ لعن من فعل ذلك تحذيراً لأمته, وهذا يقتضي توكيد التحريم.
فإن الدعاء في الصلاة أجوب منه في غيرها؛ كالدعاء في دبرها كما
стр. 270
جاءت به السنة في الأدعية الشرعية؛ فإنها مشروعة في آخر الصلاة، و (١) كذلك الدعاء عقب الصلاة.
وأفضل الدعاء دعاء يوم عرفة؛ وإنما يكون بعد صلاة الظهر والعصر، والوقوف بمزدلفة ودعاؤها بعد صلاة الفجر، والطواف يجري مجرى الصلاة؛ ولهذا يستحب الدعاء في آخره، كما كان النبي ﷺ يقول بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (٢)، والطواف تحية المسجد الحرام.
وأما "منى" فعبادتها رمي الجمار، ولهذا يرمونها يوم النحر ثم ينحرون، كما يصلون في الأمصار ثم ينحرون، فليس بمنى صلاة عيد بل رمي جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لغيرهم، وسائر الجمرات ترمى عقب الزوال قبل صلاة الظهر، وفي السنن عن النبي ﷺ قال: "إنما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله" (٣).
стр. 271
فلما كان هذا من شعائر الصلاة والطواف كان الدعاء عندها مشروعاً كما ثبت في الصحيح: "أنه كان ﷺ يدعو (١) بين الجمرتين بقدر سورة البقرة" (٢)، وأما جمرة العقبة فليس عندها وقوف ولا دعاء (٣)؛ فإنها آخر منى، والداعي يريد أن يتأخر عن الجمرة وما بعدها ليس من منى، وكان الداعي في نفس عرفة ومزدلفة ومنى لا خارجاً عنها، ولهذا قال النبي ﷺ : "عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة (٤)، ومزدلفة كلها موقف وارفعوا عن محسر، [ومنى كلها منحر] (٥) " (٦)، فلم يجعل الحدود الفاصلة بين المشاعر منها، وقد قال طائفة من السلف في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] قالوا: مقام إبراهيم عرفة ومزدلفة ومنى، ومصلى أي مدعى (٧)، وهذا لا ينافي عند كثير من العلماء ما ثبت في الصحيح: "من أن النبي ﷺ لما طاف صلى
стр. 272
عند المقام وقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ " (١)، لأن الآية قد تتناول هذا وهذا عند كثير من أهل العلم.
ففي الجملة أحق البقاع بدعاء الله فيها المساجد التي يصلى فيها، والمشاعر التي شرع الله فيها الدعاء والذكر، وأمر أن يكون الدين خالصاً له كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٢].
فإذا كانت الصلاة والذكر لله وحده لم يكن ذلك مشروعاً عند قبر، وكما لا يذبح للميت ولا عند قبره؛ بل "نهى النبي ﷺ عن العقر عند القبر" (٢)، وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة (٣) فإنها شِبْهُ ما ذبح لغير الله، فلو كانت مقابر الأنبياء والصالحين مما يستحب الدعاء عندها لكانت إما من المساجد وإما من المشاعر التي يُحج إليها، وقد نهى النبي ﷺ عن هذا وهذا.
стр. 273
بل لعن الذين يتخذون القبور مساجد ، وقال أيضاً في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: "لا تتخذوا قبري عيداً وصلّوا عليّ حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني"، فنهى أن يتخذ قبره عيداً؛ وهذا معنى المشاعر فإن المشاعر تتخذ أعياداً (١)، أي يجتمع الناس عندها في أوقات معتادة، والعيد اسم للوقت والمكان الذي يعتاد الاجتماع فيه، وقد يعبر به عن نفس الاجتماع المعتاد (٢)، ولهذا سمى النبي ﷺ يوم الجمعة عيداً وقال: "إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيداً" (٣).
وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه رأى قوماً ينتابون مكاناً يصلّون فيه، قال: ما هذا، قالوا: مكاناً صلى فيه رسول الله ﷺ ، قال: "أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد، إنما هلك من كان قبلكم بهذا من أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض" (٤)، فقد نهاهم عن اتخاذ آثار الأنبياء مساجد.
وهذا لا ينافي قول عتبان بن مالك للنبي ﷺ إن السيول تحول بيني وبين قومي، فلو صليت في بيتي في مكان أتخذه مصلى، "فجاء النبي ﷺ فصلى ركعتين" (٥)، لأن عتبان كان مقصوده بناء مسجد لحاجته إليه وتبرك
стр. 274
بكون النبي ﷺ يصلي فيه أولاً، كما أنه ﷺ بنى مسجد قباء وبنى مسجده، والمسجد الذي يتخذه بناء أفضل من غيره، كما فُضل المسجد الحرام ومسجد سليمان [﵇] (١)، بخلاف من لم يكن مقصوده إلا بناء مسجد لأجل ذلك الأثر.
وأما ما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى في سفره النزول في مكان النبي ﷺ والصلاة في مصلاه (٢)، فمن الناس من رخص في مثل ذلك، بخلاف ما إذا اجتمع على ذلك الناس؛ [ومن الناس] (٣) من قال هذا أمر انفرد به ابن عمر ﵁ (٤).
والخلفاء الراشدون [و] (٥) الأكابر من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يكونوا يفعلون ذلك، وهم أعلم من ابن عمر وأعظم اتباعاً للنبي ﷺ ، فلو كان هذا مستحباً لفعله هؤلاء.
стр. 275
وأيضاً لما فتح المسلمون تستر (١) وجدوا فيها قبر دانيال وكان أهل البلد يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى إلى عمر بن الخطاب (٢)، فكتب إليه " [أن أحفر] (٣) بالنهار ثلاثة عشر قبراً وادفنه بالليل في واحد منها لئلا [يفتتن به] (٤) الناس فيستسقون به" (٥).
فهذه كانت (٦) سنة الصحابة -رضوان الله عليهم- ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين لهم بإحسان على وجه الأرض في ديار الإسلام مسجد مبني على قبر، ولا مشهد يزار لا بالحجاز ولا اليمن ولا الشام ولا مصر ولا العراق ولا خراسان، وقد ذكر مالك ﵀ أن وقوف الناس للدعاء عند قبر النبي ﷺ بدعة لم يفعلها الصحابة ولا التابعون، [وقال: لا] (٧) يصلح
стр. 276
[آخر] (١) هذه الأمة إلا ما أصلح أولها (٢).
فأما ما أمر به النبي ﷺ في زيارة القبور فإنما هو دعاء للميت كالدعاء في الصلاة على جنازته، والسنة في الدعاء التعميم كما في السنن أن النبي ﷺ مر بعلي وهو يدعو فقال: "يا علي عمّ فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض" (٣)، ولهذا يقال في دعاء الجنازة: "اللهم اغفر لحيّنا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا" (٤)، ولم يخص الميت بالدعاء.
وكذلك يقال في السلام على الموتى: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية" (٥)، كما يقال في الصلاة: "السلام
стр. 277
علينا وعلى عباد الله الصالحين" (١)، وكما رُوي عن النبي ﷺ أنه كان إذا ذكر نبينا قال "يرحمنا الله وفلاناً" (٢)، وكما يقول الخطيب وأستغفر الله لي ولكم. والمقصود [بالصلاة على] (٣) الجنازة (٤) الدعاء للميت وغيره يدخل تبعاً، بخلاف من يكون قصده أن يدعو لنفسه بالميت أو عند الميت وهذا كله من الدعاء عند القبور.
وأما دعاء الميت وسؤاله بلفظ الاستغاثة وغيرها، كقول الداعي أطلب منك المغفرة أو الرحمة أو قضاء الدين أو النصر على العدو، فهذا مما نهى عنه القرآن، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦]- ٥٧]، في التفسير الصحيح عن مجاهد ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، وكذلك عن إبراهيم النخعي قال: كان ابن عباس يقول في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ هو عزير المسيح والشمس والقمر (٥).
وكذلك روى شعبة عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال:
стр. 278
عيسى وأمه والعزير في هذه الآية (١): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٢).
وروى قتادة عن عبد الله بن معبد الزماني (٣) عن ابن مسعود قال: كان قبائل من العرب يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن، ويقولون هم بنات الله، فأنزل الله ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٤) , وفي رواية عن الزماني (٥) عن عبد الله بن عتبة بن مسعود (عن عبد الله) (٦) قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجنيون والأنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٧).
وكذلك قال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، قال: وهؤلاء الذين عبدوا الملائكة من (٨) المشركين (٩).
وكذلك ذكر العوفي في تفسيره عن ابن عباس قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً (١٠).
وثبت أيضاً في [صحيح البخاري] (١١) عن ابن مسعود أنه قال: كان ناس
стр. 279
يعبدون قوماً من الجن فأسلم (١) الجن وبقي الإنس على كفرهم فأنزل الله -تعالى- ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٢) يعني الجن (٣).
وهذا معروف عن ابن مسعود من غير وجه, وهذه الأقوال كلها حق, فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابداً لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، والسلف ﵃ في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ الخبز؟ فيريه رغيفاً فيقول هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه.
وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين, فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعواً, وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس.
وقد اختار [الطبري] (٤) قول من فسرها بالملائكة أو الجن لأنهم كانوا في زمن النبي ﷺ يبتغون إلى ربهم الوسيلة, بخلاف المسيح والعزيز فإنهما لم يكونا [موجودين] (٥) على عهده, فلم يكونا حينئذٍ ممن يبتغي الوسيلة, إذ ابتغاء الوسيلة العمل بطاعة الله والتقرب إليه بالصالح من الأعمال, فأما من كان لا سبيل له إلى العمل، فبم يبتغي إلى ربه الوسيلة, وهذا الذي قاله إن كان صواباً فهو أبلغ في النهي عن دعاء المسيح وعزير وغيرهما من الأموات من الأنبياء والصالحين، فإنه إذا كان الحي الذي يتقرب إلى ربه بالعمل لا يجوز دعاؤه, فدعاء الميت الذي لا يتقرب بالعمل أولى أن لا يجوز؛ وإن كانت الآية تعم هذا وهذا، فهي دالة على ذلك, فدلالتها ثابتة على كل تقدير.
стр. 280
والصحيح أنها تعم هؤلاء وهؤلاء، وذلك أن أولئك (١) كانوا في حياتهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهو لم يقيد ذلك بزمن النزول بل أطلق، وإذا قال القائل: آدم ونوح وإبراهيم وموسى يعبدون الله ولا يشركون به، عُلم أن مراد هذا دينهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، كان حكم [النبيون] بها قبل نزول الآية بدهر.
والعرب تقول: مرض (٢) حتى لا يرجونه، وشربت الإبل حتى يجيء البعير فيقول برأسه كذا، ومنه قراءة من قرأ: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] وهذا ماض (٣)، وقد قال -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وهذا قد مضى قبل نزول القرآن والفعل مضارع لأنه حكى حالهم في الماضي.
ولهذا يقول النحاة: هذا حكاية حال (٤)، كقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]، فإن قيل: المعروف في مثل هذا أن يقال كانوا يفعلون (٥)، كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قيل: لكن إذا كان في الكلام ما يبيّن المراد لم يحتج إلى ذلك، لا سيما إذا ذكر ماضٍ وحاضر عمهم الخطاب فهنا يتعين حذف كان، لأن المقصود الإخبار عن حال هؤلاء الحاضرين لا يخبر عنهم بكان، كما تقول: المؤمنون من الأولين والآخرين يعبدون الله لا يشركين به، (وإذا أفردت الماضي قلت: المؤمنون كانوا يعبدون الله لا يشركون به) (٦).
стр. 281
والاَية هنا قُصد بها التعميم لكل ما يُدعى من دون الله، وكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها؛ فقد تناولته هذه الآية، كما تتناول من دعا الملائكة والجن.
ومعلوم أن هؤلاء كلهم يكونون وسائط فيما يُقدّره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى الله -تعالى- عن دعائهم، وبيّن أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين، ولا تحويله، لا يرفعونه (١) بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع أيضاً، فلا يرفعونه ولا يحولونه من حال إلى حال كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾، فذكر نكرة تعم أنواع التحويل، يقال: كشف البلاء، أي: أزاله ورفعه، ويقال: كشف عنه أي أظهره وبيّنه، فمن الأولى قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٤]، وقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥]، وقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ (٢) [الأعراف: ١٣٥].
ومن الثاني قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] لم يقل يوم يكشف الساق، وهذا يبيّن خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة، وأن الشدة تسمى ساقاً، فإنه لو أريد ذلك لقيل يوم يكشف [الساق] (٣) أو يكشف الشدة، وأيضاً فيوم القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار، والرواية في ذلك عن ابن عباس [ساقطة] (٤) الإسناد (٥).
стр. 282
والاستغاثة هي طلب كشف الشدة، فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين (أو دعا الملائكة) (١) أو دعا الجن، فقد دعا [من] (٢) لا يغيثه، فلا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله.
وقد قال -تعالى-: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، كان أحدهم إذا نزل بواد يقول: أعوذ بعظيم هذا
стр. 283
الوادي من سفهائه، فقالت الجن: الإنس يستعيذوننا فزيدوهم رهقاً (١).
وقد نص الأئمة (٢) كأحمد وغيره على أنه لا يجوز [الاستعاذة] (٣) بمخلوق (٤)، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك، كقوله: "أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق" (٥)، "وأعوذ بكلمات الله التامات كلها من غضبه وعذابه (٦) وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" (٧) "وأعوذ بكلمات الله التامات [التي] (٨) لا يجاوزهن بر ولا فاجر، و (٩) من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض و (من شر) (١٠) ما ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً بخير يا رحمن" (١١).
стр. 284
قالوا: والاستعاذة لا تجوز بالمخلوق, وقول القائل أعوذ بالله معناه أستجير بالله، فإذا لم يجز أن يستغاث بمخلوق لا نبي ولا غيره, فإنه لا يجوز أن يقال له: "أنت خير معاذ يستغاث به" بطريق الأولى والأحرى.
ولهذا قال بعض الشعراء لبعض الرؤساء الممدوحين:
يا من ألوذُ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أُحاذره
لا يجبر الناسُ عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنتَ جابره (١)
فقول القائل لمن مات من الأنبياء أو غيرهم: بك أستجير من كذا وكذا، كقوله: بك أستعيذ، وقوله: بك أستغيث في معنى ذلك, إذا كان مطلوبه منع الشدة أو رفعها، والمستعيذ بطلب منع المستعاذ منه أو رفعه, فإذا كان مخوفاً (٢) طلب منعه، كقوله: "أعوذ بالله من عذاب جهنم, ومن عذاب
стр. 285
القبر" (١)، وإن كان حاضراً: طلب رفعه كقوله (٢) في الحديث الصحيح: "أعوذ بعزة [الله] (٣) وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (٤)، فتعوَّذ بالله من شر الموجود وشر المحاذر.
والداعي يطلب أحد شيئين: إما حصول منفعة أو دفع مضرة، فالاستعاذة والاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب، وقول القائل لا [يستعاذ] (٥) به ولا يستجار به ولا يستغاث (٦) به ألفاظ متقاربة.
ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده؛ فإنه سبحان يستجار به ويستغاث به هناك، ويتمسك المتمسك (٧) بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من يستجير به، ومنه قول عمرو (٨) بن سعيد لأبي شريح: "إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة" (٩)، وفي الحديث الصحيح: