← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18328

الاستغاثة في الرد على البكري

ابن تيمية

Полный текст (444 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والاَية هنا قُصد بها التعميم لكل ما يُدعى من دون الله، وكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها؛ فقد تناولته هذه الآية، كما تتناول من دعا الملائكة والجن. ومعلوم أن هؤلاء كلهم يكونون وسائط فيما يُقدّره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى الله -تعالى- عن دعائهم، وبيّن أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين، ولا تحويله، لا يرفعونه (١) بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع أيضاً، فلا يرفعونه ولا يحولونه من حال إلى حال كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾، فذكر نكرة تعم أنواع التحويل، يقال: كشف البلاء، أي: أزاله ورفعه، ويقال: كشف عنه أي أظهره وبيّنه، فمن الأولى قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٤]، وقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥]، وقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ (٢) [الأعراف: ١٣٥]. ومن الثاني قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] لم يقل يوم يكشف الساق، وهذا يبيّن خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة، وأن الشدة تسمى ساقاً، فإنه لو أريد ذلك لقيل يوم يكشف [الساق] (٣) أو يكشف الشدة، وأيضاً فيوم القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار، والرواية في ذلك عن ابن عباس [ساقطة] (٤) الإسناد (٥).

стр. 282

والاستغاثة هي طلب كشف الشدة، فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين (أو دعا الملائكة) (١) أو دعا الجن، فقد دعا [من] (٢) لا يغيثه، فلا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله. وقد قال -تعالى-: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، كان أحدهم إذا نزل بواد يقول: أعوذ بعظيم هذا

стр. 283

الوادي من سفهائه، فقالت الجن: الإنس يستعيذوننا فزيدوهم رهقاً (١). وقد نص الأئمة (٢) كأحمد وغيره على أنه لا يجوز [الاستعاذة] (٣) بمخلوق (٤)، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك، كقوله: "أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق" (٥)، "وأعوذ بكلمات الله التامات كلها من غضبه وعذابه (٦) وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" (٧) "وأعوذ بكلمات الله التامات [التي] (٨) لا يجاوزهن بر ولا فاجر، و (٩) من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض و (من شر) (١٠) ما ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً بخير يا رحمن" (١١).

стр. 284

قالوا: والاستعاذة لا تجوز بالمخلوق, وقول القائل أعوذ بالله معناه أستجير بالله، فإذا لم يجز أن يستغاث بمخلوق لا نبي ولا غيره, فإنه لا يجوز أن يقال له: "أنت خير معاذ يستغاث به" بطريق الأولى والأحرى. ولهذا قال بعض الشعراء لبعض الرؤساء الممدوحين: يا من ألوذُ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أُحاذره لا يجبر الناسُ عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنتَ جابره (١) فقول القائل لمن مات من الأنبياء أو غيرهم: بك أستجير من كذا وكذا، كقوله: بك أستعيذ، وقوله: بك أستغيث في معنى ذلك, إذا كان مطلوبه منع الشدة أو رفعها، والمستعيذ بطلب منع المستعاذ منه أو رفعه, فإذا كان مخوفاً (٢) طلب منعه، كقوله: "أعوذ بالله من عذاب جهنم, ومن عذاب

стр. 285

القبر" (١)، وإن كان حاضراً: طلب رفعه كقوله (٢) في الحديث الصحيح: "أعوذ بعزة [الله] (٣) وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (٤)، فتعوَّذ بالله من شر الموجود وشر المحاذر. والداعي يطلب أحد شيئين: إما حصول منفعة أو دفع مضرة، فالاستعاذة والاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب، وقول القائل لا [يستعاذ] (٥) به ولا يستجار به ولا يستغاث (٦) به ألفاظ متقاربة. ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده؛ فإنه سبحان يستجار به ويستغاث به هناك، ويتمسك المتمسك (٧) بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من يستجير به، ومنه قول عمرو (٨) بن سعيد لأبي شريح: "إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة" (٩)، وفي الحديث الصحيح:

стр. 286

"يعوذ عائذ بهذا البيت" (١). ومنه قول القائل: ستور بيتك ذيلُ الأمن منك وقد ... عَلَّقْتُها مستجيراً أيها الباري وما أظنك لما أن عَلِقْتُ بها ... خوفاً من النار تدنيني من النارِ (٢) ويسمى ذلك المكان المستجارة (٣)، وقد كان من السلف من يدخل بين الكعبة وأستارها فيستعيذ ويستجير بالله ويدعوه ويتضرع إليه هناك. ويجوز مدح الله والثناء عليه بالنظم وكذلك دعاؤه، كما قال الأسود بن سريع للنبي ﷺ لما نظم شعراً في مدح الله -تعالى- فقال: إني حمدت ربي بمحامد، فقال: "إن ربك يحب الحمد" (٤)، فلم ينكر عليه ذلك، لكن رُوي أنه قال ولم يستنشده، وروى أنه استنشده كما روى الإمام أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع قال: قلت يا رسول الله إني مدحت ربي (٥) بمدحه ومدحتك بأخرى، فقال النبي ﷺ : "هات وابدأ بمدحة الله" (٦).

стр. 287

ولكن ثبت عنه أنه كان يستنشد (١) الشريد بن السويد الثقفي شعر أمية بن أبي الصلت وهو يقول: هيه هيه (٢). وذلك مثل قوله: مجّدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا [بالبناء] (٣) الأعلى سبق الناس ... وسوَّى [فوق] (٤) السماء سريرا شرجعاً ما يناله بصر العين ... ترى دونه الملائك صورا (٥) وقوله: [زحل] (٦) وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى ليث مرصد (٧)

стр. 288

وغير ذلك. ومنه قول النبي ﷺ : "إن أخاكم لا يقول الرفث" (١) يعني ابن رواحة، وذلك كقوله الذي أنشده للنبي ﷺ : شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا (٢) وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسوّمينا (٣) [وقوله] (٤): وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع [أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع] (٥) يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع (٦)

стр. 289

ومن ذلك ما كان النبي ﷺ والصحابة يتمثلون به: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلنْ سكينة علينا ... وثَبِّت الأقدام إن لاقينا إن الأُولى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا (١) وهذا النظم فيه دعاء الله. فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا ومثل هذا البيت قولهم: اللهم، ويقال فيه لَاهُمَّ إن العيش، كما في قول عبد المطلب: لاهُمَّ إن المرء يمنع رحله ... (وحلاله) (٢) فامنع حِلالك (٣) ومنه قوله ﷺ : إن تغفر اللهم تغفر جمّاً ... وأي عبد لك لا (٤) ألمّاً (٥)

стр. 290

ومنه قول الصحابة: اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة (١) وكان النبي ﷺ يتمثل به، لكن رُوي أنه قال: "فاغفر للمهاجرين والأنصار" (٢)، وهذا دعاء في الشعر وقد أقر الصحابة على قوله، فدل على جوازه. وإن كان هو ﷺ لا يقول الشعر، فذلك من خصائصه كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، فهو ﷺ لم يكن ينظم الشعر ولكن هل تمثل به؟ أو لم يتمثل بشعر؟ فيه نزاع ليس هذا موضعه (٣).

стр. 291

وليس كل الشعر مذموم بل منه ما هو مباح كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن من الشعر لحكمة" (١)، وقد قال -تعالى-: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]. فقد استثنى ممن ذمه [الله] (٢) من الشعراء من ذكره، فدل ذلك على أنه ليس كل الشعراء مذمومين، وقد ثبت في الصحيح أنه كان ينصب لحسان بن ثابت منبراً ويأمره بهجاء المشركين ويقول: "اللهم أيده بروح القدس" (٣)، وفي رواية: "إن روح القدس معك ما نافحت عن [الله و] (٤) رسوله" (٥). وقد سمع شعر خزاعة؛ لما قدموا عليه حين عدت بنو بكر على خزاعة وأنشدوه القصيدة المعروفة التي فيها:

стр. 292

إن قريشاً أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا (١) إلى آخرها، وكذلك سمع قصيدة كعب بن زهير المشهورة التي أولها: بانت سعاد (٢). إلى غير ذلك من الأدلة الشرعية التي تدل على أن من الشعر ما يجوز إنشاده (٣) وإنشاؤه واستماعه، ومما يبيّن حكمة الشريعة وَعِظم قدرها؛ وأنها كما قيل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق (٤). إذ الذين خرجوا عن المشروع زين لهم الشيطان أعمالهم حتى خرجوا إلى الشرك، فطائفة من هؤلاء يصلّون إلى الميت، ويدعو أحدهم الميت فيقول: اغفر لي وارحمني ونحو ذلك، ويسجد لقبره، ومنهم من يستقبل القبر ويصلّي إليه مستدبراً لكعبة، ويقول القبر قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهداً، وهو شيخ متبوع، ولعله أمثل

стр. 293

أتباع شيخه، يقوله في شيخه (١). وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد؛ يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل، وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب، ما لا يجده أحدهم في [مساجد الله التي] (٢) أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. وآخرون يحجون إلى القبور، وطائفة صنفوا كتباً وسموها مناسك حج المشاهد، كما صنف، أبو عبد الله محمد بن النعمان (٣) الملقب بالمفيد -أحد شيوح الإمامية- كتاباً في ذلك وذكر فيه من الحكايات المكذوبة عن أهل البيت ما لا يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل. وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ؛ وإن لم يسموا ذلك منسكاً وحجّاً فالمعنى واحد، ومن هؤلاء من يقول: وحق النبي الذي تحج إليه المطايا،

стр. 294

فيجعل الحج إلى القبر لا إلى بيت الله ، وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصد قبر النبي ﷺ لا حج البيت. وبعض الشيوخ المشهورين بالدين والزهد والصلاح صنف كتاباً سماه [الاستغاثة] (١) بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام (٢)، وهذا الضال استعان بهذا الكتاب، وقد ذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده؛ ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وجعل هذا من مناقبه، فإن كان هذا مستحباً فينبغي [لمن يجب عليه حج البيت إذا حج أن يجعل المدينة منتهى قصده] (٣) ولا يذهب إلى مكة؛ فإنه زيادة كلفة ومشقة مع ترك الأفضل، وهذا لا يفعله عاقل. وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض أكابر الشيوخ عند الناس ممن يقصده الملوك والقضاة والعلماء والعامة، على طريقة ابن سبعين (٤) قيل عنه أنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: "مكة، وبيت المقدس، [والبندر] (٥) الذي للمشركين بالهند"، وهذا لأنه كان يعتقد أن دين اليهود ودين النصارى حق، وجاء بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته، فقال له: أريد أن أسلم على يديك، قال: على دين اليهود والنصارى أو المسلمين، فقال له: اليهود والنصارى ليسوا كفاراً؟!! [قال] (٦): لا تشدد عليهم، لكن دين الإسلام أفضل. ومن هؤلاء من يرجح الحج إلى المقابر على الحج إلى البيت، ومنهم

стр. 295

من يرجح الحج إلى البيت لكن قد يقول أحدهم: إنك إذا زرت قبر الشيخ مرتين أو ثلاثاً كان كحجة (١)، ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ بمنزلة عرفات يسافرون إليها وقت الموسم يعرّفون بها، كما يُعَرِّفُ المسلمون بعرفات، كما يُفعل هذا بالمشرق والمغرب (٢). ومنهم من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه أفضل من الحج،

стр. 296

ويقول أحد المريدين للآخر وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق أتبيعني زيارة قبر الشيخ بالحجج السبع؟ فشاور الشيخ، فقال: لو بعت لكنت مغبوناً، ومنهم من يقول: من (١) طاف بقبر الشيخ سبعاً كان كحجة، ومنهم من يقول: زيارة المغارة الفلانية ثلاث مرات كحجة، ومنهم من يحكي عن الشيخ الميت أنه قال: كل خطوة إلى قبره كحجة؛ ويوم القيامة لا أبيع (٢) بحجة، وأنكر بعض الناس ذلك فتمثل له الشيطان بصورة الشيخ في منامه وزبره (٣) على إنكاره ذلك. وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله رب العالمين، فليسوا على ملة إبراهيم إمام الحنفاء، وليسوا من عمار المساجد الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨]، فعُمَّار مساجد الله لا يخشون إلا الله، وعُمَّار مساجد المقابر يخشون غير الله ويرجون غير الله. حتى إن طائفة من أصحاب الكبائر الذين لا [يتحاشون] (٤) فيما يفعلونه من القبائح؛ كان [إذا رأى] (٥) قبة الميت أو الهلال الذي على رأس القبة خشي من فعل [الفواحش] (٦)، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحك هذا هلال القبة، فيخشون المدفون تحت الهلال؛ ولا يخشون الذي خلق السموات والأرض وجعل أهِلَّةَ السماء مواقيت للناس والحج. وهؤلاء إذا نوظروا خوّفوا مناظرهم كما صنع المشركون بإبراهيم، قال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ

стр. 297

أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٢]. وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله، والشيخ الحي المتعلق به كالنبي، فمن الميت يطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات، وأما الحي فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه، وكأنهم (٢) قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلهاً، وعزلوا محمداً ﷺ عن أن يتخذوه رسولاً. وقد يجيء الحديث العهد بالإسلام؛ أو التابع لهم الحسن الظن بهم أو غيره يطلب من الشيخ الميت؛ إما دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه أو غير ذلك، فيدخل ذلك (٣) السادن فيقول: قد قلت للشيخ، والشيخ يقول للنبي، والنبي يقول: لله، والله قد بعث رسولاً إلى (٤) السلطان فلان، فهل هذا إلا محض دين المشركين والنصارى!! وفيه من الكذب والجهل ما لا يستجيزه كل مشرك ونصراني ولا يروج عليه!! ويأكلون من النذور وما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في معنى قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، فإنهم يأكلون أموال الناس بغير حق ويصدون عن سبيل الله، ويعوضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم، إذ التابع لهم يعتقد أن هذا هو سبيل الله ودينه، فيمتنع بسبب ذلك عن الدين الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه. والله -تعالى- لم يذكر في كتابه المشاهد بل ذكر المساجد وأنها (٥) خالصة له، قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ

стр. 298

الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ﴾ [الحج: ٤٠]. ولم يذكر بيوت الشرك كبيوت الأصنام والمشاهد، ولا ذكر بيوت النار، لأن الصوامع والبيع لأهل الكتاب، فالممدوح من ذلك ما كان مبنياً قبل النسخ والتبديل، كما أثنى على اليهود والنصارى والصابئين الذين كانوا قبل النسخ والتبديل، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحاً. بخلاف [بيوت] (١) الأصنام وبيوت النار وبيوت الصابئة المشركين، كالذين يسمونه هيكل العلة الأولى، هيكل العقل، هيكل النفس، هيكل زحل، هيكل المشترى، هيكل المريخ، هيكل الشمس، هيكل عطارد، هيكل الزهرة، هيكل القمر (٢)، فإن هذه البيوت ليس في أهلها مؤمن ولم يكن في أهلها عبادة أمر الله بها، فبيوت الأوثان (٣) وبيوت النيران (٤) وبيوت الكواكب وبيوت المقابر لم يمدح الله شيئاً منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]، فهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجداً كانوا من النصارى (٥)، الذين

стр. 299

لعنهم النبي ﷺ حيث قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفي رواية، "والصالحين" (١). وفي الصحيحين عنه أنه لما ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذُكرَ حُسنها وتصاويرها، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوَّروا فيه تلك التصاوير، أولئك شِرار الخلق عند الله يوم القيامة" (٢)، فجمع بين التصاوير والمقابر، وفي الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: " [ألا أبعثك] (٣) على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أمرني أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته" (٤)، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أخرج ما فيها من التماثيل (٥). وقد رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها" (٦).

стр. 300

وقد تنازع الفقهاء في الصلاة في الكنيسة، وقال البخاري: قال ابن عباس: "لا بأس في الصلاة في الكنيسة" (١)، وقيل: يكره مطلقاً، وقيل: يرخص فيها، والصحيح أنه إن كان فيها تماثيل كانت بمنزلة المساجد المبنية على القبور، وبمنزلة دار الأصنام، فالمصلي فيها مشابه لمن يعبد غير الله، وإن كانت [نيته] (٢) الصلاة لله، كما أن المصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها لما شابه من يعبد غير الله نُهي عن ذلك سداً للذريعة، وأيضاً فالملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، فكيف يصلّي فيه؟ ولهذا لم يدخل النبي ﷺ الكعبة حتى أزيلت الصور، بخلاف الكنيسة التي لا صور فيها، فإن قيل: تكره لكونها محل الكفر، قيل: الصلاة في محل الكفر بمنزلة فتح دار الكفر فجعلها دار إسلام؛ وبمنزلة صلاة المسلمين في دار الحرب، وقد أمر النبي ﷺ ثقيفاً أن يتخذوا. مسجدهم موضع بيت اللات (٣) بعد هدم اللات، وكانوا يسمونها الربة.

стр. 301

ولهذا فضل ذاكر (١) الله في الغافلين، وقيل (٢): إنه كالشجرة الخضراء بين الشجرة اليابس (٣)، فالعابد بين أهل الكفر والغفلة أعظم أجراً من غيره، فإن (٤) قيل الصلاة فيها غصب لهم، قيل له: الكنائس ليست ملكاً لأحد، وليس لهم أن يمنعوا من يعبد الله؛ لأنا صالحناهم على هذا، بل قد شرط عليهم عمر بن الخطاب ﵁ أن يوسعوا أبوابها للمارة. ومن ذلك أن هؤلاء المشركين من الصابئة ونحوهم لما كانوا يعبدون الكواكب والملائكة؛ وربما سموها العقول والنفوس وجعلوها وسائط بين الله وبين خلقه، وأهل التوحيد لا يعبدون إلا الله، ويطيعون رسله الذين أمروا بعبادته وحده لا شريك له، فقالت الصابئة المشركون للحنفاء: نحن نتخذ الروحانيين وسائط، وأنتم تتخذون البشر وسائط؛ فديننا أفضل من دينكم، فأخذ يعارضهم طائفة من النظار [كالشهرستاني] (٥) في كتابه المعروف بالملل والنحل (٦) وغيره، ويذكرون أن توسط البشر أولى من توسط الروحانيات

стр. 302

العلوية، وناظروهم مناظرة يعرف تقصيرهم فيها؛ لأنهم بنوها على أصل فاسد وهو مقايسة وسائط المشركين بوسائط الحنفاء، وهذا جهل بدين الحنفاء، فإن الحنفاء ليس بينهم وبين الله -تعالى- واسطة في العبادة والدعاء والاستعانة، بل يناجون ربهم ويدعونه ويعبدونه بلا واسطة، وإنما الرسل بلغتهم عن الله ما أمر به وأحبه من العبادات وغيرها، وما نهى عنه فهم وسائط في التبليغ والدلالة، وهم مع المؤمنين كدليل الحاج مع [الحجاج] (١)، وكإمام الصلاة مع المصلين، فالرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- يعرّفون الناس طريق الله ﵎؛ كما يعرف دليل الحاج طريق مكة -[شرّفها] (٢) الله- ثم الناس يعبدون الله كما أن الحاج يقيمون مناسك الحج، والرسل أيضاً يقتدى بهم في الأفعال التي يتأسى بهم فيها، كما يقتدي المأموم بالإمام في الصلاة، وكل مصل يعبد ربه منه إليه (بلا واسطة) (٣)، وأولئك الصابئة من الفلاسفة غاية سعادة النفوس أن تصل إلى العقل الفعال. وأصحاب [رسائل] (٤) إخوان الصفا (٥) صنفوا رسائلهم على أصول هؤلاء ممزوجة بما أخذوه من دين الحنفاء، وأرادوا بزعمهم أن [يجمعوا] (٦)

стр. 303

بين الحنفية والصابئة، فضلوا وأضلوا، وأما الحنفاء فعندهم أنه ما من عبد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب وترجمان (١)، وعندهم أن الملائكة عباد الله يفعلون ما أمرهم الله به، ومن أثبت أن دون الله روحاً يكون مبدعاً للعالم فهو أكفر عند الحنفاء مشركي العرب، فإن مشركي العرب كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، لا يثبتون دونه شيئاً أبدع (٢) العالم، ولما قال من قال منهم: إن الملائكة بنات الله؛ لم يجعلوا الملائكة مبدعة للعالم. وأما هؤلاء الفلاسفة [يقولون] (٣): إن الصادر الأول عن العقل الأول؛ وأن كل مما سواه صادر عنه، فالعقل الأول هو رب كل ما سوى الله عندهم، وكذلك كل عقل هو مبدع ما سواه عندهم، حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر فهو عندهم مبدع ما تحت الفلك. ومعلوم أن المسلمين واليهود والنصارى ومشركي العرب وغيرهم لا يجعلون أحداً من دون الله أبدع كل ما تحت السماء، وهؤلاء يجعلون الملائكة التي أخبرت، بها الرسل هي العقول والنفوس التي زعموها، ومنهم من يجعل العقل الأول هو القلم؛ ويجعل النفس هي اللوح، ومنهم من يحتج بالحديث الموضوع: "أول ما خلق الله العقل" (٤)، مع أنهم حرَّفوا

стр. 304

لفظه فرووه (١) "أولُ" [بالضم] (٢)، وإنما لفظه: "أَوَّلَ ما خلق الله العقل، قال له: أقبل فأقبل، ثم قال: له أدبر فأدبر"، وفي لفظ (٣): "لما خلق الله العقل قال له ذلك"، فالحديث حجة على نقيض مذهبهم، فكيف وهو موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وقد بسطت الكلام على هذه الأمور في مواضع آخر. وهذا قد يوجد في كلام أبي حامد [و] (٤) كثير من [متأخري] (٥) المتصوفة والمتكلمين، أدخلوا (٦) في دين الحنفاء من دين المشركين، حتى صنف بعضهم تصنيفاً في ذلك مثل مصنف الرازي في "السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم" (٧)، وآخرون صنفوا في الحروف وطبائعها والدعاء بأسماء ذكروها في أوقات (٨)، كما صنف [بعضهم في

стр. 305

دعاء المقبور] (١)، ودعاء المقبور من أعظم الوسائل إلى ذلك. وقد قدم بعض شيوخ (٢) المشرق وتكلم معي في هذا، فبينّت له فساد هذا، فقال: أليس قد قال النبي ﷺ : "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" (٣)، فقلت هذا مكذوب باتفاق أهل العلم لم يروه عن النبي ﷺ أحدٌ من علماء الحديث، وبسبب هذا وأمثاله ظهر مصداق قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضَبٍّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن" (٤)، وفي الحديث الآخر الصحيح: "لتسلكن أمتي مسالك الأمم قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا هؤلاء" (٥)؟ فاتخاذ القبور مساجد هو من فعل اليهود والنصارى، وأما

стр. 306

الخروج عن الملة بالكلية إلى دعوى الكواكب واتخاذ العلويات وسائط في العبادة كمقالات الفلاسفة؛ فهذا ليس من دين اليهود والنصارى ولا فارس والروم المتنصرة، بل هو (١) من فعل الروم الصابئة والمشركين، كالفلاسفة الذين كانوا بمقدونية (٢) وغيرها، وهؤلاء كانوا مشركين إلى أن دخل إليهم دين النصارى، وآخر ملوكهم هو بطليموس (٣) صاحب "المجسطي" كان [بعد] (٤) المسيح ﵇ بمدة قليلة، وأما أرسطو (٥) فإنه كان قبل المسيح بأكثر من [ثلاثمائة] (٦)، فإنه كان في زمن الإسكندر بن [فيلبس] (٧) " الذي تؤرخ به

стр. 307

النصارى اليوم، وكان بين المسيح وبين نبينا ﷺ ستمائة سنة شمسية وستمائة وعشرين قمرية، وكان هذا الإسكندر قبل المسيح بنحو من أربعمائة سنة. وكانت الصابئة من النبط الذين بالعراق والجزيرة (١)؛ كالبطائح (٢) وحران وغيرهما، من الصابئة المشركين من أئمة الفلاسفة، وإبراهيم الخليل بعث إليهم، وفي مولده قولان قيل: بالعراق، وقيل: بحرَّان، وهذا قول أهل الكتاب، وكذلك هو في التوراة التي عندهم (٣)، ويقال إن قبر أبيه بسور حران وبها آثار الصابئة، كالهياكل التي للعلة الأولى والعقل والنفس والكواكب، وما زال بها أكابرهم كثابت بن قرة (٤) وأمثاله، وقد ذكر

стр. 308

عبد اللطيف بن يوسف (١) أن (٢) الفارابي (٣) كان قد تعلق بالفلسفة في بلاده فلما دخل حران وجد بها من الصابئة من أحكمها عليه، وابن سينا إنما حذق (٤) فيها بما وجده من كتب الفارابي. فهؤلاء وأتباعهم حقيقة قولهم هو قول الصابئة المشركين الذين هم شر من مشركي العرب، وهؤلاء عند من لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب؛ لا تؤخذ منهم الجزية؛ إلا أن يدخلوا في دين أهل الكتاب، والناس لهم في تفسير الصابئة وأحكامهم اضطراب كثير ليس هذا موضعه (٥)، وسبب ذلك أنهم

стр. 309

أنواع مختلفة؛ فكل طائفة تصف النوع الذي عرفته، والفلاسفة لا يجمعهم مذهب ولا يجتمعون على شيء، بل هم أجناس يختلفون كثيراً، ولكن هذه الفلسفة التي يسلكها الفارابي وابن سينا وابن رشد (١) [والسهروردي المقتول] (٢) ونحوه فلسفة [المشائين] (٣)، وهي المنقولة عن أرسطو الذين يسمونه المعلم الأول؛ فإن له كتباً متعددة في المنطق وأجزائه، وفي الطبيعيات مثل كتاب: "سمع الكيان" (٤) والذي يتكلم فيه على الأجسام كلاماً كلياً، وكتاب "السماء [والعالم] " (٥)، وكتاب "الآثار العلوية" وغير ذلك (٦)، وأما

стр. 310

كلامه في [الإلهيات] (١) فقليل جداً وفيه خطأ كثير، وكانوا يسمون ذلك علم (ما بعد) (٢) الطبيعة أو علم ما قبل الطبيعة، ويسمونه الفلسفة الأولى والحكمة العليا؛ لكونهم يتكلمون فيه على الأمور الكلية العامة؛ كالوجود وانقسامه إلى جوهر وعرض، وعلة ومعلول، وقديم وحادث، وواجب وممكن، وأما نفس معرفتهم بالله والملائكة وأنبيائه فبعيدة جداً، وقد بسطنا الكلام عليهم في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن ما دخل في هؤلاء من دين الحنفاء الذي بعث الله به (٣) رسله فهو أقل مما دخل في الإسلام من دين اليهود والنصارى، ولهذا لم يكن على عهد الصحابة والتابعين من أدخل شيئاً من دين هؤلاء، بل كان يوجد من ينقل عن أهل الكتاب وعلمائهم مثل كعب (٤) ووهب (٥) ومالك بن دينار (٦) ومحمد بن إسحاق (٧)، ومثل ما ينقله عبد الله بن

стр. 311

[عمرو] (١) عن الكتب التي أصابها يوم اليرموك، وانما استجاز لهذا؛ لما رواه البخاري في الصحيح عنه أن النبي ﷺ قال: "بلّغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، فلما رخص في الحديث عن بني إسرائيل استجاز ذلك عبد الله بن [عمرو] (٣) وعبد الله بن عباس وغيرهما؛ لكن لا يأخذون من ذلك ديناً؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة ثم يفسرونها بالعربية، فقال النبي ﷺ : "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" (٤)، (وفي لفظ) (٥): "فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" (٦)، وإنما أمر النبي ﷺ بهذا لأنا قد أمرنا أن نؤمن

стр. 312

بما أنزل إليهم، وقد أخبر الله أنهم يكذبون ويحرفون، فما حدثوا به إذا لم نعلم صدقهم فيه ولا كذبهم؛ لم نكذبه لجواز أن يكون مما أنزل، ولم نصدقه لجواز أن يكون مما كذبوه، ولما كانت تلك الأحاديث الإسرائيليات قد كثرت صار بعض الناس يدخل في بعض خصائصهم، ولم يكن قد ظهر في المسلمين شيء من آثار اليونان والهند، إلى أن عربت بعض كتب هؤلاء وهؤلاء حدث في الناس من التشبه بأولئك ما كان أعظم من التشبه بأهل الكتاب. حتى آل الأمر إلى دولة العُبيديين؛ وهم ملاحدة في الباطن أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة، فصار خيار ما يظهرونه من الإسلام دين الرافضة، وأما في الباطن فملاحدة شر من اليهود والنصارى؛ وإلا من لم يصل منهم إلى منتهى دعوتهم فإنه يبقى رافضياً داخل الإسلام، ولهذا قال فيهم العلماء: "ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض" (١)، وهم من أشد الناس تعظيماً للمشاهد ودعوة الكواكب ونحو ذلك من دين المشركين، وأبعد الناس عن تعظيم المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وآثارهم في القاهرة تدل على ذلك (٢). ولقد كنت لما رأيت آثارهم أبين للناس أصل ذلك وحقيقة دينهم، وأنهم من أبرأ الناس في رسول الله ﷺ ديناً ونسباً، وقد صنف العلماء فيهم وفي أصولهم كتباً نظرية وخبرية (٣).

стр. 313

ومنهم الإسماعيلية من أصحاب دور الدعوة، وأما النصيرية (١) فهم من الغلاة الذين يعتقدون إلهية علي، والغلاة مع أنهم أكفر من اليهود والنصارى؛ فأولئك الإسماعيلية في الباطن أعظم كفراً وإلحاداً منهم، وهذا باب واسع ليس هذا موضعه (٢). وإنما المقصود التنبيه على أنه [بسبب] (٣) الخروج عن الشريعة في كثير

стр. 314

من البدع الشركية أفضى الأمر بأقوام إلى أن خرجوا إلى دين المشركين؛ بل المشركين المعطلين، وكثير من الناس لا يعرف هذا؛ يحسب أن هذا هو دين الله لأجل لبس الحق بالباطل، وهذا مما نهى الله عنه وذم به أهل الكتاب؛ حيث قال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢]. الوجه الرابع: أن يقال: الغلاة المشركون هم في الحقيقة بخسوا الرسل ما يستحقونه من التعظيم؛ دون الأمة الوسط أهل التوحيد المتبعين لشريعة الرسل (١)، وبيان (٢) ذلك بأمور: منها أن النصارى يقولون: إنهم يعظمون المسيح، وكذلك الغالية في علي والأئمة أو الشيوخ أو غيرهم، وهم في الحقيقة متنقصون (٣) [لهم] (٤)، فإن المسيح ﵇ أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له؛ وأخبرهم أنه عبد الله، فهم إذا اتبعوه كان له من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء (٥)، (كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص [من أجورهم] (٦) شيئاً") (٧)، [ويكونون] (٨) سعداء أولياء لله من أهل الجنة (٩)، وإذا غلوا فيه واتخذوه ربا انقطع العمل الصالح الذي كان يحصل بتوحيدهم وطاعتهم، وحصل لهم مع ذلك عذاب أليم، وإن كان هو سليماً من العذاب؛ لكن فَوَّتوه الأجر الذي كان يحصل له بتوحيدهم وطاعتهم. وأما أهل الاستقامة فهم إذا وحَّدوا الله وعبدوه كما شرعته لهم الرسل

стр. 315

وأطاعوهم صاروا أولياء لله مستيقنين لثوابه، وحصل للرسول بالذي دعاهم مثل أجورهم، وكان في هذا من التعظيم للرسل ما ليس في طريق الغلاة. الأمر الثاني: إن أهل التوحيد والسنة يدعون لهم دائماً فينتفعون بذلك الدعاء، وأهل الشرك والبدعة يكلفونهم حوائجهم، [وأين] (١) من يحصل بسعيه (٢) منفعة لهم؟ إلى من يكلفهم ويؤذيهم بسؤاله؟ واعتبر هذا بحال الصديق الذي كان يعاون الرسول بماله ونفسه ولا يسأله شيئاً، أين منزلته من منزلة من يسأله ويكلفه ولا يعاونه؟. الأمر الثالث: إن أهل التوحيد والسنة يصدقونهم فيما أخبروا، ويطيعونهم فيما أمروا، ويحفظون ما قالوا؛ ويفهمونه ويعملون به؛ وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال [المبطلين] (٣)؛ وتأويل الجاهلين؛ ويجاهدون من خالفهم؛ ويفعلون ذلك تقرباً إلى الله طلباً للجزاء منه لا منهم، وأهل الجهل والغلو لا يميزون بين ما أمروا به ونهوا عنه، ولا بين ما صح عنهم وما كُذِبَ عليهم، ولا يفهمون حقيقة مرادهم؛ ولا يتحرون طاعتهم ومتابعتهم، بل هم جهال بما أتوا به معظمون لأغراضهم؛ إما لينالوا (٤) منهم منفعة، أو ليدفعوا بهم عن أنفسهم مضرة. فالسدنة الذين عند القبور ونحوهم غرضهم يأكلون أموال الناس بهم، وأتباعهم غرضهم تعظيم أنفسهم عند الناس وأخذ أموالهم لهم، والصادق المحض المتدين منهم غرضه (أنه إذا) (٥) سألهم واستغاث بهم في دفع شدة أو طلب حاجة قضوها له، فأي الفريقين أشد تعظيماً أولئك أو هؤلاء؟. الأمر الرابع: أن أولئك الغلاة المشركين إذا حصل لأحدهم مطلوبه ولو من كافر لم يقبل على الرسول، بل يطلب حاجته من حيث ظن أنها تقضى؛

стр. 316

فتارة يذهب إلى ما يظنه قبر رجل صالح؛ أو يكون فيه قبر أو منافق، وتارة يعلم أنه كافر ومنافق ويذهب إليه، كما يذهب قوم إلى الكنيسة، وإلى مواضع يقال لهم إنها (١) تقبل النذر، فهذا يقع فيه عامتهم. وأما الأول فيقع فيه خاصتهم، حتى إن بعض أصحابنا المباشرين لقضاء القضاة لما بلغه أني أنهى عن ذلك صار عنده من ذلك شبهة ووسواس؛ لما يعتقده من الحق فيما أذكر؛ ولما عنده من المعارضة لذلك، قال لبعض أصحابنا سرّاً: أنا جربت (٢) إجابة الدعاء عند قبر بالقرافة، فقال له ذلك الرجل: فأنا ذاهب معك إليه ليعرف (قبر من هو) (٣)؟ فذهبا إليه، فوجدا مكتوباً عليه عبد علي، فعرفوا أنه إما رافضي وإما إسماعيلي. وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون بالعبيديين (٤) أنهم أولياء لله صالحون، فلما [ذكرت] (٥) لهم أن هؤلاء كانوا [منافقين] (٦) زنادقة وخيار من فيهم الرافضة، جعلوا يتعجبون، ويقولون: نحن نذهب بالفرس التي بها مغل إلى قبورهم فتُشفى عند قبورهم، فقلت لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم، وطلبت طائفة من سياس الخيل، فقلت: أنتم بالشام ومصر إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون [بها] (٧)؛ فقالوا: في الشام يذهب بها إلى قبور اليهود والنصارى، وإذا كنا في أرض الشمال يذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنيقة (٨) ونحوهما، وأما في مصر فيذهب بها إلى دير

стр. 317

[هناك] (١) للنصارى، ونذهب بها إلى قبور هؤلاء الأشراف، وهم يظنون أن العبيديين شرفاء لما أظهروا أنهم من أهل البيت، فقلت: هل يذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين مثل قبر الليث بن سعد (٢) والشافعي وابن القاسم (٣) وغير هؤلاء؟ فقالوا: لا، فقلت لأولئك: اسمعوا، إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين، وبيّنت لهم سبب ذلك، قلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم والبهائم تسمع أصواتهم، كما ثبت في ذلك في الحديث الصحيح (٤)، فإذا سمعت ذلك فزعت، فبسبب الرعب الذي حصل لها تنحل بطونها فتروث؛ فإن الفزع يقتضي الإسهال، فيعجبون من ذلك، وهذا المعنى كثيراً ما كنت أذكره للناس، ولا (٥) أعلم أن أحداً قاله، ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء (٦).

стр. 318

والمقصود هنا أن كثيراً من الناس يعظم قبر من يكون في الباطن كافراً ومنافقاً؛ ويكون هذا عنده والرسول (١) من جنس واحد؛ لاعتقاده أن الميت يقضي حاجته إذا كان رجلاً صالحاً، كلا هذين عنده من جنس من يستغيث به، وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال إنه قبر كافر كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان الذي يقال له (٢): إنه قبر نوح، [فإن أهل] (٣) المعرفة يقولون: إنه قبر بعض العمالقة (٤). وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة (٥)؛ وقبر أبيّ بن كعب الذي

стр. 319

بدمشق (١)؛ اتفق العلماء على أنها كذب، ومنهم من قال: هما [قبران] (٢) لنصرانيين، وكثير من المشاهد متنازع فيها وعندها شياطين تضل بسببها من تضل، ومنهم من يرى في المنام شخصاً يظن أنه المقبور ويكون ذلك شيطاناً تصور بصورته أو بغير صورته، كالشياطين الذين يكونون بالأصنام، وكالشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين، وهذا كثير في زماننا وغيره، مثل أقوام يرصدون بعض التماثيل التي بالبراني بديار مصر بإخميم (٣)

стр. 320

وغيرها، يرصدون التماثيل (١) [مدة] (٢) لا يتطهرون طهر المسلمين ولا يصلّون صلاة المسلمين ولا يقرأون؛ حتى يتعلق الشيطان تلك الصورة فيراها تتحرك فيضع فيها [شمعة] (٣) أو غيرها، فيرى شيطاناً قد خرج له فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي بعض حوائجه، وقد يمكّنه من فعل الفاحشة به حتى يقضي بعض حوائجه. ومثل هؤلاء كثير في شيوخ الترك الكفار، [يسمونه] (٤) البوى (٥) وهو المخنث إذا طلبوا منه بعض هذه الأمور؛ أرسلوا له من ينكحه؛ [وينصبون] (٦) له حركات عالية في ليلة ظلماء؛ وقربوا له خبزاً وميتة؛ وغنوا غناء يناسبه، بشرط أن لا يكون عندهم من يذكر الله، ولا هناك شيء فيه شيء من ذكر الله، ثم يصعد ذلك الشيخ المفعول به في [الهواء] (٧) ويرون الدف يطير في [الهواء] (٨) ويضرب من مد يده إلى الخبز، ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون، ويغني لهم الأغاني التي كانت تغنيها (٩) آباؤهم الكفار، ثم قد يغيب ذلك الطعام فيرونه وقد نُقل إلى بيت البوى (١٠)، وقد لا يغيب ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار، ويقضي بعض حوائجهم، ومثل هذا كثير جداً للمشركين.
следующие страницы →