← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18328

الاستغاثة في الرد على البكري

ابن تيمية

Полный текст (444 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فتارة يذهب إلى ما يظنه قبر رجل صالح؛ أو يكون فيه قبر أو منافق، وتارة يعلم أنه كافر ومنافق ويذهب إليه، كما يذهب قوم إلى الكنيسة، وإلى مواضع يقال لهم إنها (١) تقبل النذر، فهذا يقع فيه عامتهم. وأما الأول فيقع فيه خاصتهم، حتى إن بعض أصحابنا المباشرين لقضاء القضاة لما بلغه أني أنهى عن ذلك صار عنده من ذلك شبهة ووسواس؛ لما يعتقده من الحق فيما أذكر؛ ولما عنده من المعارضة لذلك، قال لبعض أصحابنا سرّاً: أنا جربت (٢) إجابة الدعاء عند قبر بالقرافة، فقال له ذلك الرجل: فأنا ذاهب معك إليه ليعرف (قبر من هو) (٣)؟ فذهبا إليه، فوجدا مكتوباً عليه عبد علي، فعرفوا أنه إما رافضي وإما إسماعيلي. وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون بالعبيديين (٤) أنهم أولياء لله صالحون، فلما [ذكرت] (٥) لهم أن هؤلاء كانوا [منافقين] (٦) زنادقة وخيار من فيهم الرافضة، جعلوا يتعجبون، ويقولون: نحن نذهب بالفرس التي بها مغل إلى قبورهم فتُشفى عند قبورهم، فقلت لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم، وطلبت طائفة من سياس الخيل، فقلت: أنتم بالشام ومصر إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون [بها] (٧)؛ فقالوا: في الشام يذهب بها إلى قبور اليهود والنصارى، وإذا كنا في أرض الشمال يذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنيقة (٨) ونحوهما، وأما في مصر فيذهب بها إلى دير

стр. 317

[هناك] (١) للنصارى، ونذهب بها إلى قبور هؤلاء الأشراف، وهم يظنون أن العبيديين شرفاء لما أظهروا أنهم من أهل البيت، فقلت: هل يذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين مثل قبر الليث بن سعد (٢) والشافعي وابن القاسم (٣) وغير هؤلاء؟ فقالوا: لا، فقلت لأولئك: اسمعوا، إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين، وبيّنت لهم سبب ذلك، قلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم والبهائم تسمع أصواتهم، كما ثبت في ذلك في الحديث الصحيح (٤)، فإذا سمعت ذلك فزعت، فبسبب الرعب الذي حصل لها تنحل بطونها فتروث؛ فإن الفزع يقتضي الإسهال، فيعجبون من ذلك، وهذا المعنى كثيراً ما كنت أذكره للناس، ولا (٥) أعلم أن أحداً قاله، ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء (٦).

стр. 318

والمقصود هنا أن كثيراً من الناس يعظم قبر من يكون في الباطن كافراً ومنافقاً؛ ويكون هذا عنده والرسول (١) من جنس واحد؛ لاعتقاده أن الميت يقضي حاجته إذا كان رجلاً صالحاً، كلا هذين عنده من جنس من يستغيث به، وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال إنه قبر كافر كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان الذي يقال له (٢): إنه قبر نوح، [فإن أهل] (٣) المعرفة يقولون: إنه قبر بعض العمالقة (٤). وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة (٥)؛ وقبر أبيّ بن كعب الذي

стр. 319

بدمشق (١)؛ اتفق العلماء على أنها كذب، ومنهم من قال: هما [قبران] (٢) لنصرانيين، وكثير من المشاهد متنازع فيها وعندها شياطين تضل بسببها من تضل، ومنهم من يرى في المنام شخصاً يظن أنه المقبور ويكون ذلك شيطاناً تصور بصورته أو بغير صورته، كالشياطين الذين يكونون بالأصنام، وكالشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين، وهذا كثير في زماننا وغيره، مثل أقوام يرصدون بعض التماثيل التي بالبراني بديار مصر بإخميم (٣)

стр. 320

وغيرها، يرصدون التماثيل (١) [مدة] (٢) لا يتطهرون طهر المسلمين ولا يصلّون صلاة المسلمين ولا يقرأون؛ حتى يتعلق الشيطان تلك الصورة فيراها تتحرك فيضع فيها [شمعة] (٣) أو غيرها، فيرى شيطاناً قد خرج له فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي بعض حوائجه، وقد يمكّنه من فعل الفاحشة به حتى يقضي بعض حوائجه. ومثل هؤلاء كثير في شيوخ الترك الكفار، [يسمونه] (٤) البوى (٥) وهو المخنث إذا طلبوا منه بعض هذه الأمور؛ أرسلوا له من ينكحه؛ [وينصبون] (٦) له حركات عالية في ليلة ظلماء؛ وقربوا له خبزاً وميتة؛ وغنوا غناء يناسبه، بشرط أن لا يكون عندهم من يذكر الله، ولا هناك شيء فيه شيء من ذكر الله، ثم يصعد ذلك الشيخ المفعول به في [الهواء] (٧) ويرون الدف يطير في [الهواء] (٨) ويضرب من مد يده إلى الخبز، ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون، ويغني لهم الأغاني التي كانت تغنيها (٩) آباؤهم الكفار، ثم قد يغيب ذلك الطعام فيرونه وقد نُقل إلى بيت البوى (١٠)، وقد لا يغيب ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار، ويقضي بعض حوائجهم، ومثل هذا كثير جداً للمشركين.

стр. 321

فالذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام، وكثير من المشاهد كذب وكثير منها مشكوك فيه؛ وسبب ذلك أن معرفة المشاهد ليس (١) من الدين الذي تكفّل الله بحفظه للأمة لعدم حاجتهم إلى معرفة ذلك. والمقصود أن هؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يسووا بين الأنبياء وغير الأنبياء، بل بين الأنبياء والكفار، ويطلبون من هذا ما (٢) يطلبون من هذا، فأي الفريقين أشد تعظيماً للأنبياء؟ هؤلاء أو من يوجب تعظيمهم واتباع شريعتهم، ويفرق بين الحق الذي جاؤوا به وبين غيرهم؛ ولا ينزل أحداً منزلتهم، ولا يشبه بهم من ليس منهم. فصل قال: (وهذا الرجل المبتدع يأتي (بالألفاظ التي) (٣) هي عين التنقيص بسوء فهمه، ويحتج لها جهلاً أو عناداً بألفاظ التنزيه تمويهاً منه أو جهلاً، فقول أبي يزيد (٤): استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق الغريق -إن صح تنزيهه (٥) للباري- على أن غير هذه العبارة خير منها، وإن كنا نعلم أن المراد بها هو المراد بقول القائل: لا يستغاث إلا بالله، ولا يفرج الكربة إلا الله). الجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: المبتدع من شرع ديناً لم يأذن به الله، لا من أمر بما أمر الله به ونهى عما نهى الله عنه، ومن أعظم المبتدعين من جوّز أن (٦) يستغاث بالمخلوق الحي والميت في كل ما يستغاث فيه بالله بل من جوز أن يسأل الميت ويدعي على أي وجه كان، بل من حمل ألفاظ الاستغاثة بالنبي ﷺ [على أن] (٧) المراد بها التوسل به،

стр. 322

وجعل توسل الصحابة هو توسلهم بذاته أو الإقسام به على الله -تعالى-؛ ولم يعلم أن المراد بها التوسل بشفاعته، ومن أعظم المبتدعين من جعل التوحيد كفراً والشرك إيماناً، وكفر من هم أحق بالإيمان من طائفته، ونفي الكفر عن طائفته الذين هم أحق بالكفر ممن كفروه. الثاني: أن يقال دعواه أن الألفاظ التي ذكرت [هي] (١) عين التنقيص، قد بُين أنه من أعظم الكذب، وأن التنقيص والشرك لما ذكره ألزم، وأن المدعي أن هذا تنقيص كذب (٢) بإتفاق المسلمين، فإنه قد علم بالاضطرار من دين المسلمين أن مثل هذا الكلام لا يحكم على صاحبه بالتنقيص [ولا بالكفر] (٣) ولا بما هذا الكلام أحسن منه. الثالث: إن قول المجيب ليس (٤) هو قوله وحده؛ بل [هو] (٥) قول جميع أئمة الدين وعلماء المسلمين، فليس في علماء المسلمين من يقول: إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث الله فيه، ولا من يقول: إن الميت يستغاث به في كل ما يستغاث بالله فيه، بل قول القائل: إن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه، متفق عليه بين علماء المسلمين، وما علمت إلى ساعتي هذه أحداً من علماء المسلمين الذين يستحقون الإفتاء نازع في هذا، بل ثبت عندي عن عامة من بلغني كلامه من [العلماء] (٦) الموافقة على هذا، وإنما عرف نزاع بعضهم في السؤال به، وأما الشيوخ الذين يسألون الميت فهؤلاء ليس فيهم أحد ممن يرجع المسلمون إلى فتياه، وإنما فعلوا نظيره، والفقيه قد يفعل شيئاً على

стр. 323

العادة، [وإذا] (١) قيل له: هذا من الدين لم يمكنه أن (٢) يقول ذلك، ولهذا قال بعض السلف: "لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك". فصل قال: (وأما قول هذا المبتدع لا يستغات بالرسول فإنه كفر، لأنه لفظ يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله -تعالى- في طلب الإغاثة، وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال الثابت له ﷺ . أرأيت رجلين قال أحدهما: لا ضار ولا نافع إلا الله يشير إلى التوحيد، وقال الآخر: إن الرسول لا يضر ولا ينفع، وقال الأول: إن الله السميع العليم إشارة للحقائق التي حصرها الرب -سبحانه- في نفسه بهذا الكلام، وقال الآخر: إن الرسول لا يسمع ولا يعلم، أكان يشك مسلم في أن الأول موحد والثاني كافر منقص ولا ينفعه تأويله). والجواب من وجوه أحدها: أن (٣) ما ذكرته افتراء، فإن أحداً لم يخص الرسول بهذا النفي لا خطاباً ولا كتاباً، ولا نفي كل ما يسمى استغاثة، فلا النفي عام ولا المنفى عنه مخصوص، وأنت [ادعيت] (٤) هذا وهذا على المجيب؛ وكلاهما (٥) كذب، وجواب السؤال ينطق بخلاف هذين، وقد بيّن فيه أن (٦) [ما لا يقدر عليه إلا الله فلا] (٧) يطلب من مخلوق لا الرسول ولا غيره، وحينئذٍ فهذا التفصيل أبين من النفي المطلق الذي قاله أبو يزيد وغيره من المسلمين، فإذا كان ذلك سائغاً فهذا أولى.

стр. 324

الثاني: [أنه تقدم] (١) أن المخصص بالذكر إذا كان لتحقيق (٢) العموم كان ذلك تعظيماً للمخصوص بالذكر، فإذا قيل: لا يعبد إلا الله لا الأنبياء ولا غيرهم، ولا يستغاث بمخلوق لا الأنبياء ولا غيرهم ونحو ذلك، كان هذا تعظيماً للرسول وتبييناً أنه لا أحد أرفع منه من الخلق، وخصائص الرب منتفية (٣) عنه وعن غيره بطريق الأولى، وهذا كقول النبي ﷺ : "لو كنت متخذاً من أهل (٤) الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله"، وفي رواية: "إني أبرأ إلى كل خليل من خلته" (٥) فبيّن أن خلة المخلوقين منتفية (٦) عن كل أحد حتى عن الصديق وهو أحق بها لو كانت ممكنة، ولو خص بالذكر لفظاً في سياق يفهم منه العموم كان حسناً كقوله [تعالى] (٧): ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ (٨) [آل عمران: ٨٠]. وكذلك إذا كان سبب التخصيص حاجة المستمع إما لسؤاله عن ذلك؛ وإما لحاجته إليه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]، وكقوله (٩): ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (١٠) [المائدة: ٧٥]، فإن الحاجة داعية إلى ذكر المسيح لوقوع النزاع فيه. فلو تنازع اثنان هل يخص النبي بالحلف به دون سائر الأنبياء؟ فقال أحدهما: لا يحلف به، لم يكن هذا تنقيصاً؛ بل هذا هو قول الجمهور وهو الصواب، وكذلك إذا تنازع اثنان هل يخص بالاستغاثة به أو بالإقسام على الله

стр. 325

به بعد موته؟ فقال أحدهما: لا يستغاث ولا يقسم به، فإن هذا ليس من خصائصه لكان من هذا الباب. الثالث: قوله عن أبي يزيد: غير هذه العبارة خير منها، قول باطل، فإن ما قال أبو يزيد -رحمة الله عليه- تلقاه الناس بالقبول، وقال (١) بعده أبو عبد الله القرشي قال: "استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون"، وهذا كقول النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"، وقوله لطائفة من أصحابه: "لا تسألوا الناس شيئاً"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨]، ومنه قوله ﷺ في صفة السبعين ألفاً: "هم الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون"، فالاسترقاء طلب الرقية من المخلوق. وكأنه يقول: هذا فيه جعل المخلوقين كلهم مثل الغريق؛ ويدخل في ذلك الأنبياء وغيرهم، وفي الناس من يمكنه إغاثة غيره، فيقال: أبو يزيد أراد -والله أعلم- الاستغاثة المطلقة التي لا تصح إلا بالله، وهو أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، كإزالة المرض والانتصار على العدو وهداية القلب، وهذا القدر يمكن المسؤول أن يتسبب فيه؛ أن يدعو الله له ويجيب الله دعاءه، كما أنه [قد] (٢) يمكن بعض الغرقى أن يمسك غيره ويخلصه إذا كان فيه قوة على ذلك، وإن كان أراد كل ما يسمى استغاثة بحيث لا يُطلب من [المخلوق شيء] (٣)، فهذا كقوله ﷺ : "لا يسترقون"، وقوله: "إذا سألت فاسأل الله". وحينئذٍ فالمسؤول كائن من كان لا يفعل شيئاً إلا بمشيئة الله وقدرته، فهو أحوج إلى معونة [الله] (٤) من الغريق إلى من يخلصه، فإن الغريق غايته أن يموت؛ وهذا إن لم يغثه الله لم يفعل شيئاً قط بل هلك، فافتقار الخلق إلى

стр. 326

الخالق [أعظم] (١) من افتقار الغريق إلى المنقذ، والمسجون إلى من يرسله، ولهذا قيل: استغاثة المخلوق بالمخلوق أبلغ من هذا، كالاستغاثة بالمعدوم. الرابع: قوله: وإن كنا نعلم أن المراد بها، المراد بقول القائل: لا يستغاث إلا بالله، ولا يفرج الكربة إلا الله، فيقال: هذا يقتضي تصويب هذا النافي، وعلى قولك لا يكون هذا النفي صواباً؛ لأنك قلت: إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث فيه بالله، وحينئذٍ فهذا الإثبات يناقض ذلك السلب العام، وقد تقدم (أن دعواه أن المثبت) (٢) هو عين المنفي في كلام الله ورسوله خطأ، بل ما نفاه الرب عن غيره لم يثبته له، والمنفي عن المخلوق ما اختص الرب به، وكذلك قول أبي يزيد وغيره. وأما على ما ادعاه فالاستغاثة بالمخلوق عامة في كل شيء؛ فلا يكون شيء من الأشياء [لا] (٣) يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيه، فلا تنفى الاستغاثة عن (٤) غير الله، إذا كانت ثابته للمخلوق في كل شيء؛ إلا أن يقال المنفي هو الاستغاثة الكاملة أو التي يستقل بها المغيث (٥)، كما يقال: لا موجود إلا الله -تعالى-، فيقال: وهذه العبارة لا موجود إلا الله، ليست عبارة منقولة عن السلف والأئمة (٦). والنافي إذا أراد بالنفي الكمال مع القرينة جاز ذلك، كما يقال: لا عالم إلا فلان، ولا حاكم إلا فلان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ إلى قوله (٧): ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقد بيّنا في غير هذا الموضع (٨) أن الله ورسوله لم [ينفيا] (٩) اسماً من

стр. 327

مسمًّى شرعي إلا لانتفاء بعض ما يجب فيه؛ لا [ينتفى] (١) (لانتفاء) (٢) الكمال المتسحب، بل [و] (٣) لا بانتفاء (٤) الكمال الواجب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، ونظائرها في القرآن، وكقول النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بأم القرآن" (٥)، وأما قوله: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (٦)، وقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا [في] (٧) المسجد" (٨)،

стр. 328

وقوله: "من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له" (١)، فهذه الأحاديث قد اختلف في صحتها، واختلف في نفي الكمال بها في مذهب أحمد وغيره، فإن قيل: إنها صحيحة وجب العمل بموجبها، وكذلك قوله: "لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل" (٢)، قد اختلف في صحته، فليس شي هذا الباب حديث صحيح، اتفق العلماء على أن المراد به نفي الكمال المستحب. وقول القائل: لا يستغاث إلا بالله [ولا يسأل إلا الله] (٣) ونحو ذلك فليس هو نفياً لمسمًّى شرعي؛ بل لغوي وهو نفيٌ معناه النهي، كقوله [لا يستعان] (٤) إلا بالله، ولا [يسأل] (٥) إلا الله ونحو ذلك، وهذا النهي عام في كل شيء؛ لكن النهي في أكثره نهي تحريم؛ وبعضه نهي تنزيه، [والأولى] (٦) للإنسان أن لا يسأل أحداً إلا الله، كما وصى النبي ﷺ طائفة من أصحابه بذلك، وهو نهي تحريم فيما لا يقدر عليه إلا الله وغير ذلك، وهو أيضاً نهي تحريم إذا طلب من المخلوق تمام مطلوبه، فإن مطلوبه لا يقدر عليه إلا الله،

стр. 329

وإنما يقدر المخلوق على بعض أسباب مخلوقة، وبهذا وجب على العبد أن لا يتوكل إلا على الله، فإنه لا يقدر غير الله على حصول مطلوبه، إذ مطلوبه وإن كان له أسباب فالمخلوق المعين؛ إنما يقدر عليس بعض أسبابه، ثم ذلك المخلوق لا يفعل شيئاً إلا بمشيئة الله وقدرته. الخامس: قوله: (وأما قول هذا المبتدع لا يستغاث بالرسول فإنه كفر .. إلى آخره). فيقال له أولاً: ليس هذا قوله، فإنه لا ينفي عنه أن يستغاث به فيما يليق بمنصبه، بل قد صرح بجواز ذلك أيضاً، فإنه لا يخصُّ الرسول لا بالذكر ولا [بالنفي] (١)، بل إنما قيل هذا على سبيل العموم؛ وهو أنه (٢) لا يستغاث بميت أصلاً لا الرسول ولا غيره، ولا يستغاث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق. ويقال ثانياً: دعواك أن هذا التخصيص كفر، أحق بأن يكون كفراً؛ بل يقال لك: لا نسلم أنه باطل فضلاً عن أن يكون كفراً، وهذا عند [التخصيص] (٣) إذا قال: لا يستغاث به بعد موته ونحو ذلك، بمنزلة أن يقال: لا يُسأل ولا يدعى بعد موته، أو لا يصلى على الرسول عند الذبح (٤)، أو لا تجب الصلاة على الرسول في الصلاة (٥) ونحو ذلك من العبارات النافية

стр. 330

[لبعض الأمور] (١) عن الرسول، وقد يكون اللفظ مطلقاً لتقييده بسؤال السائل، مثل أن يقال: هل يصلى عليه عند الذبح؟ فيقال: لا يصلى عليه، ويقال: هل يستغاث به بعد موته وفي (٢) مغيبه؟ فيقال: لا يستغاث به. لكن إن كان المستمع يفهم من هذه العبارة أنه لا يسأل في حياته شيئاً ولا يستشفع به، بمعنى أنه ليس أهلاً لذلك، لم يجز إطلاق هذه العبارة إذا عنى بها المتكلم معنى صحيحاً وهو يعلم أن المستمع يفهم منها معنًى فاسداً؛ لم يكن له أن يطلقها لما فيه من التلبيس، إذ المقصود من الكلام البيان دون التلبيس، إلا حيث يجوز التعريض خاصة، وليس هذا موضع تعريض، ولو قدر أن مطلقاً أطلقها وكنى بها معنى صحيحاً، والمستمع فهم منها الكفر؛ لم يكفر المتكلم بذلك، لا سيما إذا لم يعلم أن المستمع يفهم المعنى الفاسد. وكلام الله ورسوله وكلام العلماء مملوء بما يفهم الناس منه معنًى فاسداً، فكان العيب في فهم الفاهم لا في كلام المتكلم الذي يخاطب جنس الناس، كالمصنف لكتاب أو الخطب (٣) على المنبر ونحو هؤلاء، فإن هؤلاء لا يكلفون أن يأتوا بعبارة لا يفهم منها مستمع ما معنًى ناقصاً، فإن ذلك لا

стр. 331

يكون إلا إذا علم مقدار فهم كل من يسمع كلامه ويقرأ كتابه، وهذا ليس في طاقة بشر، والله -تعالى- ما أرسل رسولاً إلا بلسان قومه ليبيّن لهم، فما (١) يمكن بيان الرسول إلا على طريقة اللغة المعروفة، وإن وقع خطأ في فهم بعض الناس، والله -تعالى- أنزل كتابه بلسان الرب، وهو لا بد أن ينزله بلسان من الألسنة، وأكمل الألسنة لسان العرب، وأكمل البلاغة بلاغة القرآن باتفاق أهل العلم بذلك. وقد غلط في كثير من فهم القرآن، من لا يحصيه إلا الله، حتى في زمن النبي ﷺ ، فهم طائفة من قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أن المراد به الخيوط التي هي من جنس الحبال (٢)، وفهم بعضهم من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أن المراد دخولها والتعذيب فيها (٣)، وفهم بعضهم من قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] أنه قد يناقش العبد الحساب وينجو (٤)، ومثل هذا كثير.

стр. 332

السادس: قوله: (لأنه (١) لفظ يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله في طلب الإغاثة، وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال). فيقال له: نفي الاستغاثة به في شيء مخصوص أو وقت مخصوص، لا يفهم أحد منها نفي التوسل به ولا نفي كونه سبباً، وإنما يفهم منها نفي الطلب منه لذلك الشيء أو في ذلك الحال، وما ذكرته فيما تقدم من أن المتوسل به مستغيث به، قول لم يقله أحد قبلك لا من العرب ولا من العجم، وليس لأحد أن يفسر اللفظ بمعنى لا يعرفه أحد. السابع: (إن قوله: يقتضي سلب صلاحيته الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله)، قول باطل، فإن قول القائل: لا يستغاث به نفي بكون هذا مشروعاً، ولا سيما إذا كان في سياق الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية، والصيغة صيغة خبر، فإنه لم يرد نفي إمكان شرع، فضلاً عن أن يقتضي نفي الصلاحية، فإذا قيل: الرسول لا يسجد له، لم يقتضِ أن ذلك غير ممكن أن يشرعه الله، فقد أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد سجد ليوسف [أبواه] (٢) وإخوته، ومحمد ﷺ أفضل من آدم ويوسف؛ فكيف يفهم من هذا اللفظ أنه لا يصلح لما يصلح له آدم ويوسف ﵈. وكذلك إذا قيل: النبي لا يورث؛ لم يكن هذا نفياً: لإمكان أن يبيح الله أن يورث، أو نفياً لاستحقاق شيئاً يمكن أن يورث عنه. وكذلك إذا قيل: كان الصحابة قد نهوا أن يسألوا رسول الله ﷺ عن شيء؛ لم يكن في هذا نفي لما يسأل عنه؛ ولا نفي لإمكان أن يشرعه الله ورسوله، كما أن (٣) قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، لا يقتضي نقصاً (٤) [بالمسئول] (٥)، وقوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]، وقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ

стр. 333

الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، فَنَهى الأمم أن تسأل الأنبياء هذه المسائل، (لا يقال إنه نفي لصلاحية الرسل أن يكونوا وسيلة في حصول المسؤول) (١)، [وذلك] (٢) نفي لصفة الكمال؛ إذ ليس فيه إلا النهي عن السؤال، ليس فيه نفي لصلاحية (٣) المسؤول أن يسأل؛ ولا نفي قدرته على حصول المسؤول، ولا شيء من هذا، بل قد يكون النهي عن السؤال لصلحة المنهي (٤)، ولما في سؤاله من المفسدة. وقوله: لا يستغاث به هو مثل قوله: لا يسأل، هو نهي عن سؤاله وعن الاستغاثة [به] (٥)، لما في ذلك من مصلحة المنهي ومن مصلحة الرسول ومن توحيد الرب، وأيضاً فقول القائل: لا يصلح أن يستغاث به، أو لا يصلح أن يكون وسيلة إلى الله في حصول الإغاثة، قد يريد: لا يصلح شرعاً بمعنى أن هذا لم يشرع، وقد يريد لا يصلح أي أن هذا غير ممكن في حقه، فلو قدر أن نفي الاستغاثة نفي للصلاحية (٦) فالصلاحية لفظ مجمل. وبالجملة فكلام هذا الرجل كثير منه نزاع لفظي، مع كونه لفظياً فهو يعبر عن المعنى بلفظ لم يعبر به غيره، وينكر على غيره أن يعبر عن المعنى بالعبارة المستعملة فيه، ففيه جهل وظلم، جهل، بدلالة اللفظ في استعماله، واستعمال اللفظ فيما لم يستعمل فيه قط، وينكر على من يستعمله في معناه، ويريد أن يلزمهم بالقبيح الذي [ارتكبه] (٧)، ويحمل كلامهم على المعنى الباطل؛ لظنه أن اللفظ يحتمله مع أنهم [قد] (٨) صرحوا بنقيض ذلك المعنى بعبارة صريحة، فيدع (٩) محكم (١٠) كلامهم وتمسك بمتشابهه الذي هو متشابه في ظنه؛ مبتغياً للفتنة بذلك، وليس مقصوده معرفة مراد المتكلم وتأويله، بل

стр. 334

غرضه ما يقوله الناس عنه من إرادة العلو في الأرض والفساد بالظلم. يبيّن هذا الجواب الثامن: وهو أنه قد ذكر المجيب في أول جوابه فقال: قد ثبت بالسنة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة؛ أن نبينا ﷺ هو الشافع المشفع، وأنه سيد ولد آدم، وأنه يشفع في الخلائق (١) يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به فيطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم فيشفع لهم، وفيه أيضاً تقرير ما كان أصحابه يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به، وفي الجواب: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم (٢)، فإذا كانت هذه الألفاظ الصريحة فيه، فلو قدر أن فيه إطلاق نفي الاستغاثة، هل كان يقال إن فيه ما يقتضى نفى صلاحيته أن يكون وسيلة إلى الله في حصول الاستغاثة؟ وقد بيّن فيه (٣) تقرير ما كان الصحابة [يفعلونه] (٤) من التوسل به والاستشفاع به، وقرر فيه أن الناس يستشفعون به ويتوسلون بشفاعته في الدنيا والآخرة، وأنه يستغاث به بمعنى أنه يطلب منه كل ما هو اللائق بمنصبه، فإذا كان قد بيّن ثبوت هذه الأمور؛ هل يمكن أن ينفي معها صلاحيته لبعضها؟! ومعلوم أن حصول [الاستشفاع والتوسل به] (٥) أبلغ من الصلاحية له، فإذا كانت هذه الأمور قد أُثبتت فكيف يُنفى معها الصلاحية لذلك؟ والألفاظ بإثباتها صريحة، واللفظ الذي توهم فيه نفي الصلاحية؛ غايته أن يكون محتملاً لذلك، ومعلوم أن مفسر كلام المتكلم يقضي على [مجمله] (٦)، وصريحه يقدم على [كنايته] (٧)، ومتى صدر لفظ صريح في معنى ولفظ مجمل نقيض ذلك المعنى و (٨) غير نقيضه؛ لم يحمل

стр. 335

على نقيضه جزماً حتى يترتب عليه الكفر؛ إلا من فرط الجهل والظلم. التاسع: أنه لو فرض أن معنى اللفظ ما ذكرته، فإذا كان [مطلق] (١) اللفظ لا يعرف معناه، إلا ما أراده (٢) بنفسه لم يكن كافراً بإجماع المسلمين، وإن اعتقد أن ما نفاه هو مدلول اللفظ، وما نفاه منتفٍ عنه إجماعاً أو في قول سائغ؛ لم يكن هذا كافراً عند أحد من المسلمين. العاشر: قوله: (يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله في طلب الإغاثة) كلام مجمل، فيقال لك: ما تعني به؟ أتريد أن النبي ﷺ والرجل الصالح وغيرهما لا يكون بعد موته وسيلة إلى الله في طلب الإغاثة منه؟ (أو أنه لا يكون حياً ولا ميتاً وسيلة إلى الله في طلب الإغاثة منه؟) (٣) وقوله: لا يكون وسيلة، تريد به أن لا يتوسل به أي بذاته أو بدعائه وشفاعته أو غير ذلك؟ فإن أردت أن الميت نبياً كان أو غير نبي لا يكون وسيلة إلى الله في طلب الإغاثة، بمعنى أن يطلب منه [أن يكون] (٤) وسيلة في طلب الغوث منه، قيل لك: هذا صحيح، ولم قلت إن الأمر بالعكس، ومن أين لك في الشرع أن يطلب من الميت وسيلة إلى الله في طلب الإغاثة منه؟! بل وكذلك إن أردت أن الاستغاثة بالحي والميت [تكون] (٥) وسيلة إلى الله في طلب الغوث منه، ومن أين لك أن الطالب من المخلوق يكون طالباً من الله ؟! ومن الذي قال: إن السائل بمخلوق [و] (٦) الداعي له والمستغيث به نبياً كان المدعو أو غير نبي؛ يكون المخلوق المستغاث وسيلة إلى الله في [الطلب] (٧) منه؟!!. وهذا أمر مخالف للعقل واللغة والشرع، فمن الذي جعل الطلب من هذا وسيلة في الطلب من هذا في كل شيء وعلى كل حال؟! بل من طلب من

стр. 336

الرسول أو غيره فإنما يطلب مقدوره، فيطلب منه الدعاء والشفاعة؛ ويكون دعاؤه وشفاعته وسيلة في حصول المطلوب، [لا أن] (١) ذلك يكون طلباً من الله، وأنت قد جعلت كل ما يطلب من [غير] (٢) الله وسيلة من وسائل الله، فما هذه الوسائل التي يكون المتوسل بها طالباً من الله، فإن الطلب من الله معروف معلوم، فيقال: دعا الله وسأله واستعانه واستغاث به وطلب منه ورغب إليه واستجاره واستعاذه ونحو ذلك، وليس هنا (٣) مخلوق يكون الاستغاثة به وسيلة في هذا الطلب، وكأن [هذا] (٤) يجعل نفس الطلب من الصالح طلباً من الله. ويقول: إن الصالح لمنزلته عند الله من طلب منه شيئاً فإن الله تعالى يعطيه ذلك، كما إذا طلب من الله، وهذا حال كثير من (٥) الجاهلين الضالين يستغيث أحدهم بشيخه في كل ما يهمه، فإذا خاف أحداً أو طلب حاجة استغاث بالشيخ [أو] (٦) الغائب والميت، فيقول: يا شيخ فلان أنا في حسبك يا سيدي فلان ونحو ذلك من العبارات، ومنهم من يقول: هذا وقتك يا شيخ فلان، أو يقول: إن لم تحضر يا شيخ فلان وإلا فُعِلَ بنا وصُنِعَ، وقد يقول: إن كنت رجلاً صالحاً صاحب حال فأرني حالك، ويقول: إن كان لك جاه عند الله فهذا وقت جاهك، وقد يستغيث أحدهم بعدة مشايخ، فيقول: يا سيدي فلان وفلان وفلان، ثم من هؤلاء من يتصور له صورة إنسان يظنها الشيخ أو ملكاً تصور على صورته وسارّه وكالمه [أو قضى بعض حاجاته] (٧) ونحو ذلك، ومنهم من [يتصور] (٨) له ذلك في صورة طائر، ومنهم من يتصور

стр. 337

له في صورة حيوان آخر، وتكون تلك الشياطين تتصور بتلك الصور لأولئك المشركين الذين دعوا من دون الله آلهة أخرى وطلبوا منهم ما لا يجوز أن يطلب إلا من الله، كما كان المشركون يطلبون من الأوثان ما يطلب من الله، وكما يطلب عباد الكواكب منها ما لا يطلب من الله، وكذلك عباد الأنبياء والملائكة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٨٠]، وهؤلاء لا (١) يتصور أن يقضى لهم جميع مطالبهم ولا أكثرها، كما أن ما تخبر به الشياطين من الأمور الغائبة لا يصدقون فيه كله ولا في أكثره، بل يصدقون في واحدة ويكذبون في أضعافها، ويقضون لهم حاجة واحدة ويمنعونهم أضعافها، ويكون فيما أخبروا به وأعانوا عليه إفساد حال الرجال في الدين والدنيا، وهذه الأمور لبسطها موضع [آخر] (٢). والمقصود أن كثيراً من [الضالين] (٣) الجاهلين يستغيثون بمن يحسنون به الظن من الأموات والغائبين في كل ما يستغاث الله فيه، ولا يتصور أن هؤلاء يسألونهم مطالبهم كلها ولا أكثرها، بل غاية ما يطلبونه منهم من جنس تحصيل المنافع ودفع المضار و (٤) لا يحصل، بل قد يُحصّل بعض المطالب، كما يحصل لعباد الأصنام والكواكب وغيرهم من المشركين، ويكون ما يخبرون به ويفعلونه شبهة للمشركين، كما أن ما يخبر به الكاهن ونحوه من الأخبار فإنه يصدق في واحدة ويكذب في شيء كثير، كما قال النبي ﷺ : "لو آتوا بالأمر على وجهه لكان، ولكن يخلطون بالكلمة الواحدة مائة كذبة" (٥).

стр. 338

فهذا القول الذي يقوله هذا هو مطابق لأحوال هؤلاء المشركين الضالين، لكن هذا ليس يقوله مسلم ولا عاقل يتصور ما يقول، بل هو من جنس قول النصارى: (دعاء المسيح) (١) دعاء لله، لكن أولئك يقولون باعتبار الحلول والاتحاد، وأما بدون هذا (فهو كلام) (٢) غير معقول، فإن الله -تعالى- أمر أن يدعى هو ويسأل هو، ولم يجعل دعاء أحد من المخلوقين دعاء له بل قد نهى الله عن دعائه، ولو كان هذا حقًّا لكان من دعا الملائكة والأنبياء دعا الله (٣) ولا يكون مشركاً؛ والله قد جعلهم مشركين، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]، فإن هؤلاء الضالين جعلوا الصالحين مع الله كالوكيل مع موكله، فإذا طُلب من الوكيل الدعاء كانت المطالبة للموكل في المعنى؛ لكن هذا ليس من أقوال الموحدين، بل هو من أعظم شرك الملحدين. والرسول لم يضمن للخلق أن يرزقهم ويحاسبهم ولا يجيب دعاءهم، بل هذا كله أخبر أنه لله وحده، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرعد: ٤٠]، وقال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة: ٥٩]، فبيّن تعالى أن التحسب بالله وحده والرغبة إلى الله وحده، وأما الإيتاء فلله والرسول لأن الحلال ما حلله الرسول والحرام ما حرمه الرسول؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]،

стр. 339

فالله -تعالى- قد جعل الرسول مبلِّغاً لكلامه؛ الذي هو أمره ونهيه ووعده ووعيده. وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بالخلق والرزق وقضاء الحاجات وكشف الكربات (١)، وهذا ليس من دين المسلمين، بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده بشبهة الاتحاد والحلول، ولهذا لم يقولوا ذلك في إبراهيم وموسى وغيرهما من الرسل، مع أنهم في غاية الجهل في ذلك، فإن الآيات التي بعث بها موسى أعظم، ولو كان الحلول ممكناً لم يكن للمسيح خاصية توجب اختصاصه بذلك؛ بل موسى أحق بذلك، ولهذا خاطبت من خاطبته من علماء النصارى وكنت أتنزل معهم إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية، فلم [يجدوا] (٢) فرقاً، بل أُبيّن لهم أن ما جاء به موسى من الآيات أعظم؛ فإن كان هذا حجة في دعوى الإلهية فهو أحق، وأما ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق لا على (٣) أن المخلوق أفضل من غيره (٤). وإن إراد بقوله: (يقتضي سلب صلاحية الرسول لأن يكون وسيلة إلى الله في طلب الإغاثة) أنه لا يتوسل بذاته فلا يقسم به على الله، ولا يقال أسألك برسولك أو أسألك بجاه رسولك. فيقال: أولاً: نفي الاستغاثة بهم لا يفهم أحد منها نفي السؤال به. ويقال: ثانياً: وهب (٥) أنه أراد هذا؛ فما الدليل على جواز السؤال لله بذوات (٦) المخلوقين أو مطلقاً وبعد موتهم؟! ولمن قال هذا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ والصحابة إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته، ولهذا

стр. 340

توسلوا بعده بالعباس ولو كان التوسل بذاته ممكناً بعد الموت لم يعدلوا إلى العباس، والأعمى إنما توجه بدعائه وشفاعته، وكذلك الصحابة في الاستغاثة، وكذلك الناس يوم القيامة يستغيثون به ليشفع لهم إلى الله، فهم يتوسلون بشفاعته، [أما] (١) بمجرد (٢) الذات بعد الممات فلا دليل عليه ولا قاله أحد من السلف، بل المنقول عنهم يناقص ذلك، وقد نص غير واحد من العلماء على أن هذا لا يجوز؛ وإن نقل عن بعضهم جوازه، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ويقال: ثالثاً: وهب أن قائل ذلك أخطأ في هذا النفي؛ لكن ليس كل مخطئ يكفر؛ لا سيما إذا قاله متأولاً باجتهاد أو تقليد. وإن أراد بقوله: لا يكون وسيلة أي لا يكون الإيمان به ومحبته وطاعته وموالاته، واتباع سنته والمجاهدة على دينه ونحو ذلك وسيلة إلى الله؛ فهذا لم ينفه أحد، ونفي الاستغاثة به لا ينفي هذه الوسائل، وهذه وسائل في حصول الثواب والقرب من الله وسعادة الدنيا والآخرة، لا في مجرد الاستغاثة، ومحمد ﷺ هو الوسيلة إلى سعادة الدنيا والآخرة بهذا الاعتبار، ومن نفى كونه وسيلة إلى الله بهذا الاعتبار فهو كافر حقًّا، فإنه نفى رسالته التي هي أصل الإيمان. الحادي عشر: قوله: (وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال الثابتة له ﷺ ). فيقال له: لا نسلم أن هذا نفي لشيء من صفات الكمال؛ بل ولا نفي لشيء موجود، بل هو نفي لشيء منتف في نفس الأمر. ويقال له: ثانياً: هذا الوصف عندك ثابت لآحاد الناس؛ بل (٣) قولك يقتضي أنه ثابت لكل مخلوق، وما ثبت لآحاد الناس لم يكن من خصائص الرسل التي تعد من كمالاتهم، فلا يقول عاقل: إن ما شاركه (٤) فيه عامة

стр. 341

الناس يكون من كمالات لرسل (١) التي يكون نفيها قدحاً في رسالته. ويقال: ثالثاً: لو قدر أنه وصف كمال؛ فليس كل من نفى وصفاً من أوصاف الكمال يكون كافراً، إذا كان متأولاً في ذلك، دع من نفى وصفاً من صفات كمال الرسول على سبيل التأويل. وقد قال طوائف من السلف [والخلف] (٢): إنه يقعده معه على العرش وأنكر ذلك آخرون (٣)، (وقال قوم: إنه كتب بيده عام الحديبية خرقاً للعادة ونفى ذلك آخرون (٤)، وقال قوم: إنه كان يجوع ويربط الحجر على بطنه مع

стр. 342

قدرته على حصول ما يأكل، ونفى ذلك آخرون (١)، وقال ابن مسعود والجمهور: إنه خاطب الجن ورآهم، ونفى ذلك ابن عباس وآخرون (٢)، وقال ابن عباس وطائفة: إنه رأى ربه، ونفى ذلك آخرون من الصحابة وغيرهم (٣)،

стр. 343

بل نفس المعراج قال الجمهور: إنه كان ببدنه؛ وآخرون من السلف والخلف قالوا إنه كان بروحه فقط (١)، وقال طائفة من العلماء: إنه [كان] (٢) يملك الفيء ونفى ذلك آخرون (٣)، وقال أكبر المنتسبين إلى السنة: إنه والأنبياء أفضل من الملائكة، وآخرون قالوا: الملائكة أو بعضهم أفضل من الأنبياء (٤)، وقال جمهور المسلمين: إنه أفضل الأنبياء وتوقف في ذلك بعض الحنفية

стр. 344

وغيرهم (١)، وادعى بعض الناس أنه كان يحفظ القرآن قبل أن ينزل به جبرائيل (٢) ﵇[عليه] (٣) ورد ذلك جمهور المسلمين وعلماؤهم (٤)، وقال قوم من هذا النمط إن جميع الأنبياء تلقوا العلم بالله منه وأنه كان موجوداً قبلهم ورد ذلك جمهور المسلمين وعلماؤهم (٥)، وقال بعضهم إنه كان لا يسهو في الصلاة وإنما كان يتعمد (٦) ذلك، ورد ذلك جمهور المسلمين وعلماؤهم،

стр. 345

وقال بعض الغلاة: إنه كان يعلم علم الله ويقدر قدرته وكفر المسلمون من قال ذلك، فضلاً عن تكفير النافي (١)، وتنازع المسلمون في جواز الصغائر على الأنبياء وجمهورهم يجوِّزون ذلك (٢)، وهذا باب واسع. فما زال المسلمون يتنازعون في شيء من إثبات صفات الكمال، ولا يقول المثبت للنافي إنك كفرت، فإن الكمال الثابت ليس محدوداً يعلمه الناس كلهم، وما من كمال إلا وفوقه كمال آخر، و الكمال المطلق الذي لا غاية فوقه لله ﵎ -، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "كمل من الرجال كثير [... إلى آخر الحديث] (٣) " (٤)، وهؤلاء الكاملون بعضهم أكمل من بعض، فإذا نُفي عن بعضهم [نوع] (٥) من الكمال لم يلزم أن ينفى عنه الكمال، لو كان كذلك لكان من قال إن محمداً ﷺ أفضل من يونس بن متى متنقصاً (٦) بيونس فيكون كافراً؛ لأنه سلبه هذا الكمال. وأما قوله: (أرأيت رجلين قال أحدهما: لا ضار ولا نافع إلا الله يشير إلى التوحيد، وقال الآخر: إن الرسول لا يضر ولا ينفع، وقال الأول:

стр. 346

إن الله هو السميع العليم إشارة إلى الحقائق التي [حصرها] (١) الرب -سبحانه- في نفسه بهذا الكمال، وقال الآخر: إن الرسول لا يسمع ولا يعلم (٢)، أكان يشك مسلم في أن الأول موحد والثاني كافر متنقص [و] (٣) لا ينفعه تأويله؟ فإن سوء العبارة في حق الرسول ﷺ كفر وإن صح المقصود، كما دل عليه كلام الإمام وغيره، ألا ترى إلزام الله للصحابة بتحسين الخطاب معه وإيراده بكيفية الأدب إلى آخره ...). فيقال: أما المثال الأول فهو وإن كان أقرب إلى المطابقة فجوابه من وجوه: أحدها: أنه إذا كان الكلام في سياق العموم بيان (٤) أنه أفضل الخلق مثل أن يقول: لا يضر ولا ينفع إلا الله لا الرسول ولا من دونه؛ أو يقال: إذا كان الرسول الذي هو أفضل الخلق لا يضر ولا ينفع فكيف من دونه ونحو ذلك، فهذا مثل قوله: لا يضر ولا ينفع إلا الله، وأما إذا كان المراد أن الرسول لا يضر ولا ينفع وغيره يضر وينفع فهذا هو التنقيص، وهو نظير أن يقال: الرسول لا يستغاث (به، بل يستغاث) (٥) بغيره فهذا تنقيص بلا ريب، فإنه يتضمن تنقيصه عمن الرسول أفضل منه، وهذا تنقيص عن درجته بلا ريب. ويقال ثانياً: لو قال لا يضر ولا ينفع من الذي قال إنه يكفر بذلك؛ إذا عنى بذلك معنى قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فإذا كان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً وقد أمره الله أن يقول ذلك، فهو أحرى أن لا (٦) يملك لغيره، وقد قال: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]، فأخبر أنه لا يملك من الله لا ضرهم ولا رشدهم، و [قد] (٧) قال الله -تعالى-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وثبت

стр. 347

عنه في الصحيحين أنه قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً". فهذا تخصيص له بنفي ذلك وهو من أصدق الرسل، ومن صدّق الرسول فيما قاله فهو مؤمن ليس، بكافر، فإذا قال القائل: الرسول لا يغني عن بنته ولا عمه ولا عمته من الله شيئاً فكيف من دونهم؟؛ كان هذا من أحسن الكلام وأصدقه. ويقال ثالثاً: قول القائل [عن] (١) مخلوق: إنه لا يضر ولا ينفع؛ تارة مُريد به نفي الاستقلال بذلك على سبيل توحيد الربوبية، بمعنى أن ما يجري على يديه من الضر والنفع فالله هو خالقه؛ وهو الذي يجعله فاعلاً بمشيئته، أو يريد أنه لا ينفع ولا يضر إلا بمشيئة الله وقدرته وإرادته (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] فهذا صحيح، فليس في المخلوقات بهذا الاعتبار شيء ينفع [ويضر] (٣)، إذ ليس في المخلوقات ما يستقل (٤) بإحداث ضرر غيره ونفعه؛ ولا يفعل شيء إلا بإذن الله، كما ليس فيها من يعطي ويمنع بهذا الاعتبار (٥). كما [أن] (٦) من أسمائه -تعالى- المعطي المانع الضار النافع، وكان النبي ﷺ يقول في دبر الصلاة، وفي غير هذا الموطن: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٧)، وكان يقول في

стр. 348

رقيته: "أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافى، لا شفاء إلا شفاك"، وفي رواية: "لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقماً" (١). وتارة يريد به أن الضر والنفع المعتاد مثل الصحة والمرض والغنى والفقر والأمن والخوف واليسر والعسر؛ لا يفعله رسول ولا غيره؛ لا في حياته ولا بعد موته، فهذا صحيح، بخلاف ما يظنه المشركون الغلاة من [النصارى] (٢) وأشباههم، الذين يظنون أن الأنبياء والصالحين بعد موتهم أو في حياتهم ينزلون المطر ويدفعون العدو وينبتون النبات ويشفون المرضى ونحو ذلك من الحوادث. وتارة يرى أنه ليس له دعاء مستجاب ولا شفاعة مقبولة وأن طاعته لا تنفع ومعصيته لا تضر ونحو ذلك، فهذا كفر صريح من أراده حُكم بردته وكفره؛ لكن اللفظ المجمل إذا صدر ممن علم إيمانه لم يحمل على الكفر بلا قرينة ولا دلالة، فكيف إذا كانت القرينة تصرفه إلى المعنى الصحيح. وأما المثل الثاني فلا يشبه ما نحن فيه، فإن قوله تعالى: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] إثبات لهذه (٣) الصفة، ومن الناس من يقول: ليس في الآية حصر، (ومن قال: فيها حصر) (٤)، قال: المحصور كمال الصفة وليس ذلك إلا لله، فإذا قال: إن الرسول لا يسمع ولا يعلم لم يفهم من هذا اللفظ نفي ما يختص به الرب؛ ولا عموم النفي عن الرسول وغيره، ومعلوم أن الملائكة والإنس والجن والبهائم تسمع وتعلم، فإن الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٥) [المائدة: ٤]، وذكر النبي ﷺ الكلب المعلم (٦)، ومن أطلق

стр. 349

على النبي ﷺ أنه لا يسمع ولا يعلم، فظاهر هذا اللفظ نفي ذلك عنه وهو كذب ظاهر، ثم قد يكون في سياق نفي علمه بالدين وسمعه لما أوحى إليه وهو كفر صريح، وقد يكون في سياق أنه لا يسمع ولا يعلم إلا ما أسمعه الله إياه وأعلمه إياه، فإنه (١) [ليس] (٢)، من تلقاء نفسه ليس له [علم بشيء] (٣)، بل الله هو الذي أسمعه وأعلمه، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وكما قال ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وكما قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣] وكما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ [الضحى: ٧]، فهذا المعنى ليس بكفر بل هو صحيح. وقد يكون في سياق أن الله هو المختص بكمال السمع والعلم، وأن غيره لا يبلغ مبلغه في ذلك، فهذا أيضاً صحيح، وأما (٤) إطلاق أنه لا يسمع ولا يعلم فهو كذب وكفر، بخلاف إطلاق أنه لا ينفع ولا يضر، ولهذا يقول المسلم: لا ينفعني ولا يضرني إلا الله، ولا يقول: لا يسمع ولا يعلم إلا الله؛ بل يقول: لا يعلم ما في نفسي إلا الله، أو لا يسمع كلام العباد كلهم إلا الله، أو لا يسمع سر القول إلا الله -تعالى- ونحو ذلك.

стр. 350

فصل قال: (فإن سوء العبارة في حق الرسول ﷺ كفر وإن صح المقصود، كما دل كلام الإمام وغيره، ألا ترى إلزام الله للصحابة -رضوان الله عليهم- بتحسين الخطاب معه وإيراده بكيفية الأدب، حيث قال لهم: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]، وقال : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الحجرات: ٤]، وقد نبه في الأول على حبط العمل بسوء الأدب، ولا يحبط العمل كله إلا بالكفر بإجماع أهل السنة، وجعل الاستخفاف به كفراً، كما قال : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، ولا أعلم خلافاً بين النقلة أن الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب كلامهم، لم يكونوا تعرضوا لله بعبارتهم (١)، وإنما تنقصوا رسوله فجعل استخفافهم برسوله استهزاء به سبحانه [و] (٢) بآياته وكفى بذلك تكفيراً). والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: لا نسلم أن ما فيه النزاع سوء عبارة، بل هو من أحسن العبارات كما تقدم بيانه. الثاني: أنه إن كان سوء العبارة في حق الرسول كفر؛ ففي حق الله أعظم كفراً، ومن قال: إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث فيه بالخالق؛ كانت هذه العبارة [أنه يطلب] (٣) من المخلوق كل ما (٤) يُطلبُ من الخالق، وهذا يُشعر أنه جعل المخلوق نداً للخالق؛ وما أفهم الشرك كان من أسوأ العبارات (٥)؛ فيجب أن يكون كفراً؛ يلزم هذا القائل، وقد

стр. 351

قال رجلٌ للنبي ﷺ : "ما شاء الله وشئت"، قال (١): "أجعلتني لله نداً!! بل ما شاء الله وحده"، وقال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" (٢)، يقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك". الثالث: أن سوء العبارة ما حصل به سوء (المعبر عنه) (٣)، من جعل الرسول يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله، فقد آذى الرسول وأساء في حقه، وسلط عليه العامة على اختلاف أغراضهم، هذا يطلب منه إنزال المطر، وهذا يطلب منه غفران الذنوب، وهذا يطلب منه النصر على الأعداء، وهذا يطلب من أن يتزوج، وهذا يطلب منه الولد، وهذا يطلب منه المعيشة، وهذا يطلب منه الملك، وهذا يطلب منه الولاية، (وهذا يطلب منه داراً) (٤)، وهذا يطلب منه جارية حسناء، وهذا يطلب منه (٥) قضاء دينه، وهذا يطلب منه [سكباجاً] (٦)، وهذا يشتكي إليه ظهور البدع، وهذا يشتكي إليه ما يظن أنه من البدع. فنزّلوا المخلوق منزلة الإله، وطلبوا منه جلب المنافع ودفع المضار ما لا يقدر عليه إلا الله ﵎، وقد كان النبي ﷺ يقول: "من لا

стр. 352

يسألنا أحب إلينا ممن سألنا"، وكانوا يسألونه ما يقدر عليه؛ فكيف إذا طلبوا منه ما لا يقدر عليه مخلوق؟! وفي الجملة فمطالب الناس لا تنضبط في خيرها وشرها وقلَّتها وكثرتها، فمن سلط الناس على الرسول يطلبون هذا كله منه فهو من أعظم الناس إساءة إليه، وإن كان لا يقصد ذلك لكن عبارته أفهمته؛ فهي من [أسوأ] (١) العبارات. الرابع: إن الكلام إذا كان في سياق توحيد الرب ونفي خصائصه عما سواه؛ لم يجز أن يقال هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة، فإن المقام أجلّ من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي (٢) ﷺ كان من أعظم الناس تقريراً لما يقال [على هذا] (٣) الوجه، وإن كان نفسه المسلوب، وهذا كما في الصحيحين من حديث الإفك لما نزلت براءة عائشة من السماء وأخبرها النبي ﷺ بذلك، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: "والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا إياكما، لقد سمعتم فلا أنكرتم ولا غيرتم، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي" (٤)، وفي رواية قالت: "نحمد الله لا نحمد أحداً"، وفي رواية: "نحمد الله لا نحمدك" (٥)، فأقرها النبي ﷺ ، وأبوها على مثل هذا الكلام، الذي نفت فيه

стр. 353

أن يحمد رسول الله ﷺ وأن يحمد أحد إلا الله، لأن الله -تعالى- هو الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد، ولم يقل أحد هذا سوء أدب عليه، وسوء الأدب عليه كفر. قال البيهقي: ثنا (١) أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت علي بن [حمشاذ العدل] (٢)، سمعت أحمد بن مسلمة (٣) يقول: سمعت محمد بن مسلم [بن واره] (٤) يقول: سمعت حبان (٥) صاحب ابن المبارك يقول: قلت لعبد الله بن لمبارك: قول عائشة للنبي ﷺ حين نزلت براءتها من السماء: (بحمد الله لا بحمدك) (٦) إني لأستعظم هذا القول؟ فقال عبد الله: "ولت الحمد أهله" (٧). وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حدثنا محمد بن مصعب، ثنا (٨) سلام بن مسكين والمبارك عن الحسن عن الأسود بن سريع أن النبي ﷺ أتي بأسير، فقال: اللهم إني (٩) أتوب إليك ولا أتوب إلي محمد،

стр. 354

فقال النبي ﷺ : "عرف الحق لأهله" (١)، [و] (٢) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال عن عبد الرحمن بن مهدي عن سلام. وكان النبي ﷺ يُعلم أصحابه تجريد التوحيد (٣)، فقال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد"، وقال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: "أجعلتني لله ندّاً، بل (٤) ما شاء الله وحده"، وما أحدثه الله بغير فعل منه أضافه إلى الله وحده، كما في الصحيحين لما تاب الله على الثلاثة الذين خلفوا وآذن النبي ﷺ الناس بتوبتهم، فجاء كعب إليه فقال: "يا كعب أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك"، فقال: يا رسول الله أمن عند الله أم من عندك؟ قال: "بل من عند الله" (٥)، ومعلوم أنه لو كان من عند النبي ﷺ لكان من عند الله، بمعنى أن الله خلقه وأحدثه

стр. 355

بتوسط فعل النبي ﷺ ، فجميع الحادثات من عنده بهذا الاعتبار، ولكن المقصود أن النبي ﷺ لم يصدر منه فعل في هذه التوبة، إلا أنه بلغ (١) رسالة الله -تعالى- بالتوبة، كما قال في مثل ذلك: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس: ١٥]. وما يتكلم به الإنسان من تلقاء نفسه وإن كان الله خالقه؛ هو من عند الله باعتبار خلقه وتقديره، فليس هذا المعنى هو ذاك، فإنه هناك مبلِّغ لكلام مرسله والله يجعله مبلغاً له لا يجعله قائلاً من تلقاء نفسه، ولهذا توعد الله من جعل القرآن قول البشر، بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦]، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٢]، فجعله قول رسول من البشر، كما جعله قول رسول من الملائكة؛ في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ ١٩ - ٢١]، [لأن] (٢) لفظ الرسول يستلزم المرسل ويدل على أنه مبلغ له عن مرسله لا يتكلم به من تلقاء نفسه، بخلاف من جعله قولاً لمخلوق بشر (٣) أو ملك أو جني، أو جعل شيئاً منه قوله، فإن هذا هو الذي توعده الله . وأيما أبلغ قول عائشة ﵂: "لا أحمد الرسول ولا أحمد إلا الله"، وقول الأسير: "أتوب إلى الله لا إلى محمد"، وقول القائل: لا يستغاث بالرسول بل بالله، أو لا يدعى الرسول وإنما يدعى الله ونحو ذلك؟!! وهو ﷺ قد بلغ براءتها وكان يحبها ويحب براءتها، وقد خطب الناس قبل ذلك وقال: "من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا
следующие страницы →