← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فيها، فتركت الحلة، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله لنبيه ﷺ لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها. وفي أخرى لهما (١): أن رسول الله ﷺ حين توفي - سجي ببرد حبرة. وفي رواية الترمذي (٢): فذكروا لعائشة قولهم، في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتي بالبرد ولكنهم ردوه، ولم يكفنوه فيه. ٧٨٧ - * روى أبو داود عن عامر بن شراحيل الشعبي ﵀ قال: غسل رسول الله ﷺ علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه في قبره، قال: وحدثني مرحب - أو ابن أبي مرحب - أنهم أدخلوا عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي، قال: إنما يلي الرجل أهله. وفي رواية عن الشعبي عن أبي مرحب (٣): أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي ﷺ ، قال: كأني أنظر إليهم أربعة. وفي رواية ذكرها رزين قال: غسل رسول الله ﷺ علي، والفضل ومعهما العباس، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه قبره، وكان معهم في الغسل ابن عوف ورجل من الأنصار، فلما فرغوا قال علي: إنما يلي الرجل أهله، قال عبد الرحمن: كأني أنظر إلى الذين نزلوا في قبر رسول الله ﷺ أربعة، أحدهم: أنصاري. ٧٨٨ - * وروى مالك ﵀ أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ توفي يوم

стр. 1017

الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وصلى الناس عليه أفذاذاً، لا يؤمهم أحد. فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق، فقال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه" فحفر له فيه. فلما كان عند غسله أرادوا نزع قميصه، فسمعوا صوتاً يقول: لا تنزعوا القميص، فلم ينزع القميص، وغسل وهو عليه ﷺ . ٧٨٩ - * روى الترمذي عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما قبض رسول الله وغسل، اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئاً ما نسيته قال: "ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه" ادفنوه في موضع فراشه. ٧٩٠ - * روى مالك عن عروة بن الزبير قال: كان بالمدينة رجلان: أحدهما يلحد، والآخر يشق، فقالوا: أيهما جاء أول عمل عمله، فجاء الذي يلحد، فلحد له. ٧٩١ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال في مرضه الذي هلك فيه: الحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله ﷺ . ٧٩٢ - * روى الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: جعل تحت رسول الله ﷺ حين دفن قطيفة حمراء.

стр. 1018

٧٩٣ - * روى البخاري عن أبي بكر بن عياش عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر رسول الله ﷺ مسنماً. ٧٩٤ - * روى الحاكم عن عروة أن أبا بكر ﵁ صلي عليه في المسجد، ودفن ليلاً إلى جنب رسول الله ﵌ في حجرة عائشة ﵂. ٧٩٥ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قال: غسَّلت رسول الله ﵌، فجعلت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئاً، وكان طيباً حياً وميتاً ﵌. ٧٩٦ - * روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي ﷺ ثلاثاً ولم يقم. ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد. وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ﷺ ، فذكر معناه. * * *

стр. 1019

نظرة عامة على أحداث السنتين العاشرة والحادية عشرة ١ - وصلت الأمة في هاتين السنتين إلى مرحلة النضج وكان ذلك يقتضي لمسات أخيرة، وكانت من علامة النضج أن ترك رسول الله ﷺ للأمة بعده أن تسير من خلال شوراها، ومن أهم اللمسات التي احتاجتها مرحلة الإنضاج إشارته إلى الرجل المؤهل بعده، وإزالة كل ما يمكن أن يستند إليه المغرضون، وإيجاد التطلع نحو العمل الخارجي من خلال بعث أسامة. ٢ - وسع ﵊ في هاتين السنتين دائرة التلقي المباشر منه من خلال استقباله الوفود ومن خلال رحلة الحج، فأوجد قاعدة عريضة تحمل دعوته وقد تلقت عنه مباشرة، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رحى الإسلام دائرة وإلى الأبد. ٣ - عندما تنجح الدعوات الصادقة يتوضع على هامشها دعوات كاذبة، ولقد بدأت دعاوى النبوة تظهر في أخريات حياته ﵊، فظهر مسيلمة الكذاب في اليمامة، والأسود العنسي في اليمن في السنة العاشرة، وقد أهم ذلك رسول الله ﷺ ، ومن قبل كان رسول الله ﷺ يركز على اليمن، ولذلك فقد كفاه أهل اليمن في النهاية هذا الخبيث أما الخبيث الآخر فجاءته جند الله بعد وفاته ﵊ وأنهته، وهناك متنبآن آخران طليحة الأسدي وسجاح، وكلاهما مات على الإسلام بعد ذلك، ولكن بعد أن استطاع الجيل الذي رباه رسول الله ﷺ أن يقهر الردة وأهلها. ٤ - وبقدر ما أعطى رسول الله ﷺ للإسلام حيوية في القلوب بفضل الله، فقد كان هناك تيار معاكس - هو تيار الردة - ينتظر الفرصة للظهور. وما أن توفي رسول الله ﷺ حتى ظهر هذا التيار على أشده، جامعاً كل أولئكم الذين لم يدخل الإسلام إلى قلوبهم والذين قطعت هيبة رسول الله ﷺ نياط قلوبهم، فأسلموا لأنه لم يكن أمامهم إلا أن يسلموا. فبدأ صراع جديد بين التيارين، تيار الإيمان الصادق وتيار الجهل الماحق، وتغلب تيار الإيمان. وهذا وحده كاف للدلالة على أن قوة التأسيس كانت أكبر من كل قوة أخرى، وذلك توفيق الله أولاً وأخيراً، وفيه يظهر ما أكرم الله به رسوله ﷺ من خيرات وبركات.

стр. 1020

٥ - في غزوات بدر وأحد والخندق وخيبر والفتح وحنين أنهى رسول الله ﷺ كل تخوف عند أصحابه ضد الجاهلية العربية أو ضد أي وجود على الأرض العربية. وفي غزوة تبوك أوجد ﵊ الجرأة عند أصحابه على اقتحام غمرات الصراع مع الدول الكبرى فكان أن حمل الراية الأصحاب بعده فأنهوا الردة بسرعة، ودخلوا في صراع مباشر ضد الدولتين العظميين وقتذاك فارس والروم. ٦ - ولم يتوف رسول الله ﷺ إلا وقد أوجد سوابق حركية في كل جانب من الجوانب التي تتطلبها الحركة الإسلامية: دعوياً، وتربوياً، وثقافياً، وتعليمياً، وجهادياً. لقد كانت السوابق على منتهى الجلال، فسجلت أرفع التضحيات وأعلى أنواع القدوة، ولذلك كانت الحركة عند الجيل الذي رباه رسول الله ﷺ في أعصابه ودمه، ولذلك ذاب جيل الصحابة في هذا العالم وأعطى هذا الإسلام دفعة الحياة إلى قيام الساعة، لقد جدد جيل الصحابة عملية السيطرة على الجزيرة العربية ثم انساح في البلاد انسياحاً حقق غرضين بآن واحد: لم يعط فرصة للثأر الجاهلي أن يظهر، ولم يعط فرصة لخصم خارجي أن يتدبر أمره. ومع هذا وهذا كانت حركة الصهر تستمر للعناصر الإسلامية الجديدة من خلال حركية الدعوة والقدوة والتعليم والجهاد، وكانت العملية من الضخامة بحيث أفلت منها بعض الأمور التي كانت عاملاً من عوامل الفتنة الكبرى ولكن يشفع لذلك عظم التوجه وضخامة الإنجاز. كانت العيون متوجهة كلها نحو معركة الإسلام، فأتي الصف من داخله، ولكن حيوية الانطلاق كانت أكبر من كل شيء فلم تعصف الفتنة بالإسلام ولكن أخرت مسيرته. ٧ - إن حدوث الردة على هذه الضخامة بعده، ثم ضخامة الفتنة بعد ذلك في زمن عثمان ﵁ دليلان على تفرد قيادته ﵊، فالردة بعد وفاته تشير إلى أن هيبته ﵊ استحوذت على القلوب فأمسكتها، والفتنة بعده تشير إلى أن سياسته ﵊ هي أرقى السياسات، فمهما كانت عظمة السائسين بعده فالأمر ليس كما كان في زمنه ﵊، ثم انتقلت الخلافة الراشدة بعده إلى ملك

стр. 1021

عضوض ومع ذلك بقي المسرى العام محفوظاً. ٨ - انظر ماذا حدث أثناء نبوته، وماذا فتح الله على يد المسلمين بعده إلى يومنا هذا، دعوياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً وإدارياً وتشريعياً وغير ذلك، نجد شيئاً هائلاً تعرف من خلاله أن الأمر رباني، وتعرف أنه ليس كرسول الله ﷺ في مجموع ما أعطاه الله . إن القيادة الناجحة هي التي تعرف أهدافها فتسير نحو تحقيق الأهداف سيراً متلاحقاً متكاملاً وتصل إلى الهدف، وإذا كانت الأهداف بعيدة فهي تستطيع أن تعطي الراية لغيرها ليستمروا بها. وهذا يقتضي في الإطار الأضيق: تخطيطاً وتدريباً ومتابعة وتنفيذاً ودفعاً نحو الأمام. فإذا ما كان الهدف مادياً كان لذلك وسائله، فإذا كان الهدف يحتاج إلى تربية فالأمر أوسع، فإذا كان الهدف يشمل الدنيا والآخرة فالأمل أكبر من ذلك بكثير. حاول أن تتذكر ملامح التخطيط في حياة رسول الله ﷺ ، ثم ملامح التدريب، ثم ملامح المتابعة، ثم ملامح التنفيذ، ثم ملامح الدفع نحو الأمام. ثم انظر إلى الجانب التعليمي والتربوي. ثم انظر إلى ما يعتبره الناس انتصاراً سياسياً مجرداً ثم انتصاراً عسكرياً مجرداً ثم وثم ... وانظر قوة البناء وكثرة المتمردين عليه والمتربصين به، وكيف استعصى هذا البناء عليهم واعرف لجيل البناة فضلهم، وإنا بعد البابين الرابع والخامس سنتحدث عن جيل البناة الذين رباهم رسول الله ﷺ وذلك في الباب الذي نتحدث فيه عن دوائر شرف حول الرسول ﷺ . * * *

стр. 1022

رقم الإيداع: ٢٨٧٢/ ٨٩ الترقيم الدولي: ٤ - ٢٤ - ١٤٧١ - ٩٧٧

стр. 1023

الباب الرابع في الصفات والخصائص والشمائل

стр. 1024

تقديم ألف في موضوع هذا الباب الكثيرن، بل كُتب في كل جانب فيه كتب، ونحن في هذا الباب سنتخير أمهت ماورد فيه، معتمدين على أن تفصيلات كثيرة سترد في هذا الكتاب؛ حيث الموضوع الأكثر لصوقاً بالنص. والسيرة النبوية هي المظهر التطبيقي لنصوص الكتاب والسنة، تحوي كل شيء، فما من موضوع حياتي يخطر بالبال إلا وتستطيع استخراج نصوص تتحدث عنه، وأي موضع تريد أن تكتب فيه بحثاً تستطيع أن تستخرج له من مجموع النصوص الكثير، الموزع في سياقات متعددة، ولذلك استطاع الباحثون أن يتوسعوا في كل موضوع طرقوه، أما ونحن نريد عرض السنة النبوية باختصار فلا يسعنا إلا أن نلحق كل نص في الموضوع الذي هو أكثر لصوقاً به وهذا الذي سنفعله في هذا الباب إن شاء الله. إنك لو أردت أن تستخرج صفات رسول الله ﷺ وخصائصه، من الكتاب والسنة، فإنك ستجد نصوصاً كثيرة تستخرج منها خصيصة أو صفة، وهذا ليس الهدف الوحيد لنا في هذا الكتاب، فمن ثم تركنا الاستقصاء، ولكن ما تركناه هنا سيأتي معنا في سياقات أخرى. ومن تأمل صفاته، وخصائصه، وشمائله ﵊ لم يشك أنه رسول الله ﷺ . وقد توسعنا في هذا الموضوع في كتابنا (الرسول ﷺ في باب الصفات، وكيف أن صفاته وحدها تدل على أنه رسول الله ﷺ حقاً؛ فلقد رزقه الله الكمالات الجسمية، والنفسية، والخلقية، والسلوكية؛ فكان محمداً ﷺ أي المتصف بصفة المحمودية في الأرض والسماء. فمحمّد اسم مفعول مشتق من الفعل المضعف (حمّد)، فمن حيث نظرت إليه وجدته محمداً في الدنيا، والآخرة، في العقل أو في القيادة، في السياسة أو في الحرب، في الدين أو في الدنيا، في العزلة أو في المخالطة، في المعاملة أو في المفاصلة، في المجادلة أو المجاولة، في المداراة أو التأديب.

стр. 1025

إنه الكمال مجسداً، وليس الكمال المتوهّم، بل الكمال الحقيقي في كل شيء، فعواطفه كمالات كاملات، وتصرفته كمالات كاملات، وبيانه كمال كامل، وهو كلك زوج وأب، وقائد وقاضٍ، ومعلم ومؤدب ومبلغ وحكيم: مهما أشاد الواصفون بوصفه ... فسناه فوق مكانةِ الإمكان وعلى تفنن واصفيه بوصفه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف * * *

стр. 1026

أولاً: نصوص قرآنية في بعض الخصائص والشمائل النبوية ١ - منزلة رسول الله ﷺ عند الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٢) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٣) ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤) ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (٥) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٦) ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٧) ٢ - شهادة الله لرسوله ﷺ : ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٨) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٩)

стр. 1027

﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١). ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣). ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ (٤). ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥). ٣ - أخذ الميثاق على النبيين بالإيمان بمحمد ﷺ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٦). ولهذا قال علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵃: ما بعث الله نبياً من الأنبياء- من لدن نوح- إلا أخذ ميثاقه، ليؤمنن بمحمد ﷺ ولينصرنه - إن خرج وهم أحياء. ذكره الطبري في تفسيره. ٤ - عالمية رسالة محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٧). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٨).

стр. 1028

٥ - حتمية الإيمان برسول الله ﷺ وما يلزم ذلك وعاقبة المعاندين: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (١). ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٣). ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٤). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥). ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦). ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٧). ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٨). ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١٠). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١١).

стр. 1029

٦ - إخلاصه ﷺ في عبادته لربه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). ٧ - امتنان الله على الأمة ببعثه رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤). ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٥). ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦). ٨ - رحمة الرسول ﷺ بالأمة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٧). ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٨).

стр. 1030

٩ - الأمر بتبليغ الدعوة وتكفل الله برعايته ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (٢). ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ (٣). ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤). ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٥). ١٠ - أدب المسلم مع رسول الله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٧). ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٨).

стр. 1031

﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). ١١ - شهادة الرسول ﷺ على الأمة يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣). ١٢ - معرفة أهل الكتاب برسول الله ﷺ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤). ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ...﴾ (٥). ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...﴾ (٦).

стр. 1032

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). ١٣ - رد القرآن على بعض افتراءات خصوم الإسلام: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢). ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ (٤). ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥). ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٦). ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧).

стр. 1033

ثانياً: نصوص حديثية في الخصائص والشمائل النبوية ٧٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك؛ أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآذم. ولا بالجعد القططِ ولا بالسبط. بعثه الله على رأس أربعين سنة. فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين. وتوفاه الله على رأس ستين سنة. وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. أقول: مر معنا أنه ﵊ توفي وهو في الثالثة والستين، فكلمة أنس ههنا أنه توفي عرى رأس ستين يمثل علمه وليس هو واقع الحال، وكذلك لبثه في مكة بعد النبوة عشر سنين، فمن المعلوم أنه بقي في مكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة. ٧٩٨ - * روى البزار عن أبي هريرة أنه وصف رسول الله ﷺ فقال: كان رجلاً ربعةً وهو إلى الطول أقربُ، شديد البياض، أسود اللحية، حسن الشعر، أهدب أِفار العينين، بعيد مابين المنكبين، يطأ بقدمه جميعاً، ليس له أخمص، يُقبِل جميعاً، ويدبر جميعاً، لم أر مثلهً قبله ولا بعدهُ. ٧٩٩ - * روى أحمد والبزار عن عائشة أنها تمثلت بهذا البيت وأبو بكرٍ ﵁ يقضي:

стр. 1034

وأبيض يستسقي الغمامُ بوجهه ... ربيعُ اليتامى عصمة للأرامل فقال أبو بكر ﵁: ذاك والله رسول الله ﷺ . ٨٠٠ - * روى أحمد عن يزيد الفارسي قال: رأيتُ النبي ﷺ في النوم زمن ابن عباس وكان يزيدُ يكتبُ المصاحف قال: فقلت لابن عباس: إني رأيتُ رسول الله ﷺ في النوم، قال ابن عباس: فإن النبي ﷺ كان يقول: "إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني" فهل تستطيع أنْ تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: نعم رأيت رجلاً بين الرجلين جسمهُ، ولحمه أسمرُ إلى البياض، حسنُ المضحك أكحلُ العينين، جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحرهُ. قال عوف: لا أدري ما كان مع هذا من النعت فقال ابن عباس: لو رأيتهُ في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا. ٨٠١ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قال: لم يكن رسول الله ﷺ بالطويل ولا بالقصير، شَثْنُ الكفين والقدمين، ضخم الرأس واللحية، مُشربٌ حمرة، ضخم الكرادس طويل المسرُبة إذا مشى تكفأ تكفؤاً، كأنما يمشي ينحطُّ من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله ﵌. ٨٠٢ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ضليعَ

стр. 1035

الفم، أشكل العينين، مَنْهوس العقبينِ. ٨٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً، وأحسنهُ خلقاً، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير. وفي رواية (١) قال: كان مربوعاً، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغُ شحمة أذنيه، رأيتهُ في حُلةٍ حمراء، لم أر شيئاً قط أحسن منهُ. قال البخاري (٢): وقال بعض أصحابي عن مالك بن إسماعيل: إن جُمتَهُ لتضربُ قريباً من منكبيه. قال أبو إسحاق: سمعتُه يُحدثه غير مرةٍ، ما حدَّث به قط إلا ضحك. ٨٠٤ - * روى الترمذي عن إبراهيم بن مُحمدٍ من ولد علي بن أبي طالبٍ قال: كان عليُّ إذا وصف النبي ﷺ قال: ليس بالطويل المُمَّغِطِ، ولا بالقصير المترددِ، وكان ربعةً من القوم، ولم يكن بالجعد القططِ ولا بالسبطِ كان جعداً رجلاً، ولم يكن بالمطهمِ ولا بالمكلثمِ، وكان في الوجه تدوير أبيضُ مشربُ، أدعج العينين، أهدب

стр. 1036

الأشفارِ، جليل المُشَاشِ والكتِدِ، أجردَ ذو مسربة، شثْنَ الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صببٍ، وإذا التفت التفتَ معاً، بين كتفيه خاتمُ النبوة وهو خاتمُ النبيين، أجود الناس صدراً، وأصدق الناس لهجةً، وألينهم عريكةً، وأكرمهم عشرةً، من رآه بديهة هابهُ، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعتُهُ لم أر قبله ولا بعده مثلهُ ﷺ . وللترمذي في رواية أخرى (١) عن عليٍّ قال: لم يكن النبي ﷺ بالطويل ولا بالقصير، شثْنَ الكفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويلُ المسرُبة، إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما انحط من صبب، لم أر قبله ولا بعد مثله ﷺ . ٨٠٥ - * روى الحاكم عن جابر بن سمُرة قال: رأيت خاتم النبوة على ظهر رسول الله ﵌ مثل بيضة الحمام.

стр. 1037

٨٠٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ ، وأكلتُ معه خبزاً ولحماً - أو قال: ثريداً - قال فقلتُ له: أستغفر لك رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، ولك، ثم تلا هذه الآية ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) قال: ثم دُرتُ خلفَهُ، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند ناغض كتفهِ اليُسرى جُمعاً، عليه خيلان، كأمثال الثأليلِ. ٨٠٧ - * روى الإمام أحمدُ عن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا زيد أدنُ مني وامسح ظهري" وكشف ظهره، فمسحت ظهره وجعلت الخاتم بين أصبعي قال: فغمزتُها قال فقيل: وما الخاتم؟ قال: شعر مجتمع على كتفه. ٨٠٨ - * روى الترمذي والحاكم عن جابر بن سمُرة ﵁ قال: كان في ساقي رسول الله ﷺ حُمَوشة، وكان لا يضحك إلا تبسماً، وكنتُ إذا نظرتُ إليه فقلتُ: أكحَلُ العينين، وليس بأكحل، ﷺ .

стр. 1038

٨٠٩ - * روى الطبراني عن شداد قال: أتيتُ النبي ﷺ فأخذتُ بيده فإذا هي ألينُ من الحرير وأبردُ منا لثلجِ. ٨١٠ - * روى مسلم عن الجُريري عن أبي الطفيل قال: قلت له: أرأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعمْ، كان أبيض مليح الوجه. وفي رواية قال (١): رأيت رسول الله ﷺ ، وما على وجه الأرض رجلٌ رآهُ غيري، قال: فقلتُ له: فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض مليحاً مقصداً. وفي رواية أبي داود مثلهُ وقال (٢): كان أبيض مليحاً، إذا مشى كأنه يهوي في صبوبٍ. ٨١١ - * روى الدارمي والحاكم عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان وعليه حُلةٌ حمراءُ، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر. قال: فلهو كان أحسن في عيني من القمر. ٨١٢ - * روى البخاري عن أبي إسحاق قال: سُئل البراء: أكان وجهُ النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.

стр. 1039

٨١٣ - *روى الطبراني عن أبي عبيدة بن مُحمد بن عُمار بن ياسر قال: قلتُ للربيع بنت معُوّذ بن عفراء: صِفِي لي رسول الله ﷺ فقالت: لو رأيته قلت: الشمسُ طالعةُ. ٨١٤ - * روى الحاكم عن كعب بن مالك قول: لما سلمتُ على رسول الله ﵌ قال: وهو يبرُقُ وجههُ وكان رسول الله ﵌ إذا سُرَّ استنارَ وجههُ كأنه قطعة قمرٍ، وكان يُعرف ذلك منهُ. ٨١٥ - * روى الحاكم عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قَدِمَ أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز واليها فبعث إليه عمر وقال للرسول: سلهُ هل خضب رسول الله ﵌؟ فإني رأيتُ شعراً من شعره قد لون فقال أنس: إن رسول الله ﵌ كان قد مُتِّعَ بالسوادِ ولو عددتُ ما أقبل عليَّ من شيبهِ في رأسه ولحيته ما كنت أريدهن على إحدى عشرة شيبة، وإنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب شعر رسول الله ﵌. ٨١٦ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ قد شمِطَ مُقدمُ رأسه ولحيته، وكان إذا ادهن لم يتبين، وإذ شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية، فقال رجل: وجههُ مثل السيفِ؟ قال: لا، بل كان مثل الشمس والقمر، وكان مستديراً، ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده. وفي رواية النسائي (١) قال: سئل جابر بن سمرة عن شيب رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان إذا دهن رأسه لم ير منه، وإذا لم يدهن رُئيَ منهُ. ٨١٧ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ إذا أردتُ أن أفرق رأس

стр. 1040

رسول الله ﷺ ، صدعْتُ الفرق من يافوخه، وأرسِلُ ناصيتهُ بين عينيهِ. ٨١٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرُقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يُحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته، ثم فرق بعدُ. ٨١٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ والحلاق يحلِقُهُ، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجلٍ. ٨٢٠ - * روى البخاري عن محمد بن سيرين ﵀ قال: قلتُ لعبيدة: عندنا من شعر النبي ﷺ ، أصبناه من قِبل أنس - أو من قِبَل أهل أنس - فقال: لأنْ يكون عندي شعرة منه أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها. ٨٢١ - * روى البخاري عن حريز بن عثمان ﵀ قال: إنه سأل عبد الله بن بُسْر صاحب النبي ﷺ قال: أرأيت رسول الله ﷺ كان شيخاً؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض.

стр. 1041

وفي رواية عند مسلم (١) عن أنس بن مالك ﵁: سُئل عن شيب رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما شانه الله ببيضاء. وفي رواية له قال: يُكره أن يَنُتِفَ الرجل الشعرة البيضاء من رأسه أو لحيته قال: ولم يختضب رسول الله ﷺ ، إنما كان البياض في عنفقته، وفي الصدغين، وفي الرأس نبذٌ. ٨٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن قتادة ﵀ قال: سألت أنساً ﵁ عن شعر رسول الله ﷺ ؟ فقال: شعر بين شعرين، لا رجلُ ولا جعدُ قططُ، كان بين أذنيه وعاتقه. وفي رواية قال (٢): كان شعراً رجلاً، ليس بالسبط ولا الجعد، بين أذنيه وعاتقه. وفي رواية قال (٣): كان يضرب شعره منكبيه. وفي أخرى (٤): إلى أنصاف أذنيه. وفي رواية أبي داود (٥): كان شعر رسول الله ﷺ إلى شحمة أذنيه. وفي رواية إلى أنصاف أذنيه. وفي أخرى (٦): له شعر يبلغ شحمة أذنيه.

стр. 1042

٨٢٣ - * روى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان يصبُغُ لحيته بالصُّفُرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة، فقيل له: لِمَ تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبُغ بها، ولم يكن شيء أحب إليه منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها، حتى عِمامته. ولأبي داود أيضاً (١): أن النبي ﷺ كان يلبسُ النعال السبتية، ويصفر لحيته بالورس والزعفران، وكان ابن عمر يفعل ذلك. ٨٢٤ - * روى أبو داود عن أبي رمثة ﵁ قال: انطلقتُ مع أبي نحو رسول الله ﷺ ، فإذا هو ذو وفرة، بها ردُعُ حناءٍ، وعليه بردان أخضران. زاد في رواية (٢): فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك، فإني رجل طبيب، قال: "الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبُها الذي خلقها". وفي رواية قال (٣): أتيت النبي ﷺ أنا وأبي" فقال لرجل - أو لأبيه - " من هذا" قال: ابني. قال: "لا تجني عليه" وكان قد لطخ لحيته بالحناء. وفي رواية النسائي (٤)، قال: أتيت أنا وأبي النبي ﷺ ، وكان قد لطخ لحيته بالحناء.

стр. 1043

وفي رواية (١): ورأيته قد لطخ لحيته بالصفرة. وأخرج النسائي أيضاً: حديث سؤاله عنه. ٨٢٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، كأن عرقهُ اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسستُ ديباجةً ولا حريرةً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممْتُ مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي ﷺ . وفي أخرى قال (٢): ما شممتُ عنبراً قط ولا مسكاً ولا شيئاً أطيب من ريح النبي صلى الله عليه وسلمن ولا مسست شيئاً قط ديباجاً ولا حريراً ألين مساً من رسول الله ﷺ . وفي رواية البخاري قال (٣): ما مسستُ حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممتُ ريحاً قط- أو عرقاً قط- أطيب من ريح - أو عرق - النبي ﷺ . وفي رواية الترمذي قال (٤): خدمتُ رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ قط، وما قال لشيءٍ صنعته: لِمَ صنعتهُ؟ ولا لشيء تركته: لم تركتهُ؟ وكان رسول الله ﷺ من أحسن النسا خُلُقاً، ولا مسستُ خزا قط ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممتُ مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ . ٨٢٦ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: صليتُ مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجتُ معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحداً واحداً، قال: وأما أنا فمسح خدي، ووجدتُ ليده برداً أو ريحاً، كأنما

стр. 1044

أخرجها من جؤنةِ عَطَّارٍ. وفي مسحة ﷺ الصبيان بيان حسن خُلُقه ورحمته بالأطفال وملاطفتهم، وفي الحديث بيان طيب رائحته، وهذا مما أكرمه الله به، وكان ذلك صفته دون أن يمس طيباً ﷺ ، ومع هذا فكان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات مبالغة في طيب رائحته لملاقاة الوحي والملائكة ومجالسة المسلمين. ٨٢٧ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن أم سُليم كانت تبسطُ للنبي ﷺ نِطْعاً، فَيُقِيل عندها على ذلك النطع، قال: فإذا قام النبي ﷺ أخذتْ منْ عرقِه وشعره، فجمعته في قارورة، ثم جعلتهُ في سُكِّ وهو نائم، قال: فلما حضر أنس ابن مالك الوفاة أوصى إلى أن يُجعل في حنوطِه من ذلك السُّك، قال: فجُعِلَ في حنوطِهِ. ولمسلم قال (١): كان النبي ﷺ يدخُلُ بيت أم سُليم، فينام على فراشها، وليستْ فيه، فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتيتْ، فقيل لها: هذا النبي ﷺ نائم في بيتك على فراشك. قال: فجاءت وقد عرِق، واستَنْقَع عرقُهُ على قطعةِ أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها، فجعلت تُنشف ذلك العرق، فتعصره في قواريرها، ففزع النبي ﷺ ، فقال: "ما تصنعين يا أم سُليْم؟ " فقالت: يا رسول الله، نرجو بركتهَ لصبياننا، قال: "أصبتِ". ولمسلم أيضاً قال (٢): دخل علينا النبي ﷺ ، فقال عندنا، فعَرِقَ وجاءت أمي بقارورةٍ، فجعلتْ تسلتُ العرق فيها، فاستيقظ النبي ﷺ ، فقال: "أم سُليم، ما هذا

стр. 1045

الذي تصنعين؟ " قالت: هذا عرقُك نجعله في طيبنا وهو أطيبُ الطيب. وقد روى مسلم هذا عن أنس عن أم سُليْم نحوهُ. وفي رواية النسائي (١): أن النبي ﷺ اضطجع على نطع فعرق فقامت أم سليم إلى عرقه، فنشفته، فجعلته في قارورة، فرآها النبي ﷺ ، قال: "ما هذا الذي تصنعين يا أم سليم؟ " قالت: أجعل عرقك في طيبي، فضحك رسول الله ﷺ . ٨٢٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناهُ في وجهه. ٨٢٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن الحارث بن جزءٍ ﵁ قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله ﷺ . وفي رواية قال (٢): ما ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسماً. ٨٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: "إن من خياركمُ: أحسنكُمْ أخلاقاً".

стр. 1046

٨٣١ - * روى الحاكم عن سعيد بن هشام أنه دخل مع حكيم بن أفلح على عائشة رضي الله عها فسألها فقال: يا أم المؤمنين انبئيني عن خُلُقِ رسول الله ﵌. قالت: أليس تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خُلُق نبي الله ﵌ القرآن. ٨٣٢ - * روى أحمد والبزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما بُعِثْتُ لأتمم صالح الأخلاق". ٨٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنتُ أمشي مع النبي ﷺ وعليه رداء نجراني غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذهُ بردائه جبذةً شديدة، نظرتُ إلى صفحة عنقِ رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشيةُ الرداء، من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُرّ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء. وفي رواية نحوه، وفيه (١): حتى انشق البُرد، وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ . ٨٣٤ - * روى الطبراني عن عبد الله بن سلام قال: إن الله لما أراد هُدى زيدٍ بن سُعْنَةَ

стр. 1047

قال زيد بن سُعْنَة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حِلْمَه جهله ولا تزيد شدةُ الجهل عليه إلا حلماً، فكنت ألطف له لأن أخالطه، فأعرف حلمه من جهله. قال زيد بن سُعنة: فخرج رسول الله ﷺ يوماً من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب ﵁، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله إن بُصْرَى قرية بني فلان قد اسلموا، ودخلوا في الإسلام، وكنت حدثتهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغداً، وقد أصابتهم سِنَةٌ وشدة وقُحُوط من الغيث، فأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا في طمعاً، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تُعينُهم به فعلت، فنظر إلى رجل جانبه أراه علياً ﵁، فقال: يا رسول الله ما بقي منه شيء، فقال زيدُ بن سُعنة: فدنوت إليه فقلت: يا محمد هل كل أن تبيعني تمراً معلوماً من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: "لا يا يهودي، ولكني أبيعُك تمراً معلوماً إلى أجل كذا وكذا، ولا تُسمي حائط بني فُلانٍ" قلت: بلى، فبايعني فأطلقت هِمْيَاني، فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، فأعطاها الرجل، فقال: "اغدُ عليهم فأعنهُمْ بها" فقال زيدُ بن سُعنة: فلما كان محلٍ الأجل بيومين أو ثلاث، أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، فقلت له: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطْل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم؟ ونظرت إلى عمر وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، فقال: يا عدو الله أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتصنع به ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر قوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتؤدةٍ، ثم قال: "يا عمر أنا وهو كُنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحُسْنِ الأداء، وتأمره بحُسْنِ التباعة، اذهب به يا عمر وأعطه حقهُ وزده عشرين صاعاً من تمر مكان ما رَعْتَهُ" قال زيدٌ: فذهب بي عمر ﵁، فأعطاني حقي، وزاد عشرين صاعاً من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ فقال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رُعْتُك. قلت: وتعرفني يا عمر؟ قال: لا، من أنت؟ قلت: أنا زيدُ بن سُعْنَ'، قال: الحَبْرُ؟ قلت: الحبر. قال: فما دعاك أن فعلت برسول الله ﷺ ما فعلت وقلت له ما قلت؟ قلتُ: يا عمرُ لم

стр. 1048

تكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا انثتين لم أخبرهما منه، يسبق حلمُه جهله، ولا يزيده الجهل عليه إلا حلماً، فقد أخبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وأشهدك أن شطر مالي - وإني أكثرها مالاً - صدقة على أمة محمد، فقال عمر ﵁: أو على بعضهم فإنك لا تسعهم، قلت: أو على بعضهم، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله! " وآمن به وصدقه وبايعه وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم تُوفي زيد في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر، رَحِم الله زيداً. ٨٣٥ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يعود المريض ويتبعُ الجنائز ويُجيبُ دعوة المملوك ويركب الحِمار، ولقد كان يوم خيبر ويوم قريظة على حمار خِطَامُهُ حبل من ليفٍ وتحته إكافٌ من ليف. ٨٣٦ - * روى الطبراني عن أبي غالب قال: قلت لأبي أمامة: حدثنا حديثاً سمعتهُ من رسول الله ﷺ فقال: كان حديث رسول الله ﷺ القرآن ويكثر الذكر ويُقصر الخطبة ويُطيل الصلاة، ولا يأنفُ، ولا يستكبر أن يذهب مع المسكين والضعيف حتى يفرُغَ من حاجته. وفي رواية للنسائي بإسناد حسن عن عبد الله بن أبي أوفى (١): يكثر الذكر ويُقِل اللغو ... ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة. ٨٣٧ - * روى الطبراني عن أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار ويلبس الصوف ويعتَقِل الشاة ويأتي مراعاه الضيف.

стр. 1049

٨٣٨ - * روى البخاري عن أنس قال: كانت الأمةُ من إماء المدينة لتأخُذُ بيد رسول الله ﷺ ، فتنطلقُ به حيثُ شاءت. وقد اشتمل هذا الحديث على أنواع من المبالغة في التواضع لذكر المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ الإماء أي أمة كانت، وبقوله في الرواية الأخرى (١): "فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت" أي من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست مساعدته في تلك الحالة لساعدها على ذلك، وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكِبْر ﷺ . ٨٣٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجةً، فقال: "يا أم فلان انظري أي السككِ شئت، حتى أقضي لك حاجتك" فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها. وفي رواية أخرى لأبي داود قال (٢): جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال لها: "يا أم فلان، اجلسي في أي نواحي السكك شئت حتى أجلس إليك" قال: فجلست، فجلس النبي ﷺ إليها، حتى قضت حاجتها. ٨٤٠ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: ما رأيتُ رجلاً التقم أذن النبي ﷺ فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رجلاً

стр. 1050

أخذ بيده فترك يده، حتى يكون الرجلُ هو الذي يدعُ يده. وفي رواية الترمذي قال (١): كان النبي ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يدهُ من يدهِ، حتى يكون الرجل الذي ينزع، ولا يصرفُ وجههُ عن وجهه، حتى يكون الرجل هو الذي يصرفُهُ، ولم يُرَ مقدماً ركبتيهِ بين يدي جليس لهُ. ٨٤١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء" فما يؤتي بإناء إلا غمس يده فيها فربما جاؤوه في الغداةِ الباردة فيغمس يده فيها. قال النووي: بيان بروزه ﷺ للناس وقربه منهم ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أفعاله وحركاته فيقتدي بها، وهكذا ينبغي لولاة الأمور، وفيها صبره ﷺ على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين وإجابته من سأله حاجة أو تبريكاً بمس يده وإدخالها في الماء كما ذكروا. وفيه التبرك بآثار الصالحين وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره ﷺ وتبركهم بإدخال يده الكريمة في الآنية. ٨٤٢ - * روى البخاري عن الأسود بن يزيد النخعي ﵀ قال: سألت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يصنعُ في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. ٨٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ أجوَدَ الناس، وكان أجود ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاهُ

стр. 1051

في كل ليلةٍ من رمضان، فيُدارِسُهُ القرآن، فلرسولُ الله ﷺ أجوَدُ بالخيرِ من الريح المرسلة. وفي رواية نحوه قال (١): وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان، حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن. وفي هذا الحديث فوائد، منها: بيان عظم جوده ﷺ . ومنها: استحباب إكثار الجود في رمضان. ومنها: زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم ومنها: استحباب مدارسة القرآن. (شرح صحيح مسلم للنووي ١٥/ ٦٩). ٨٤٤ - * روى الدارمي عن جابر قال: ما سُئل النبي ﷺ شيئاً قط فقال لا. قال أبو محمد: قال ابن عيينة: إذا لم يكن عندهُ وعد. ٨٤٥ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان لا يلتفت إذا مشى، وكان ربما تعلق رداؤه بالشجرة أو الشيء فلا يلتفت حتى يرفعوه؛ لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون، وكانوا قد أمِنُوا التفاته ﷺ . ٨٤٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﷺ في مشيته، كأنما الأرض تُطوى له، إنا لنهد أنفسنا وإنه لغير مُكْتَرِث. ٨٤٧ - * روى الحاكم عن جابر بن عبد الله ﵄ وتلا قول لقمان لابنه:

стр. 1052

﴿واقصد في مشيك واغضض من صوتك﴾. قال: كان رسول الله ﵌ إذا خرج مشوا بين يديه وخلوا ظهرهُ للملائكة. ٨٤٨ - * روى أحمد والبزار عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا مشى مشى مُجتمعاً ليس فيه كسل. ٨٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يُعجبُهُ التيمن في تنعلهِ وترجلهِ وطهوره وفي شأنه كله. وفي رواية (١): كان يُحب التيمن ما استطاع. وفي رواية الترمذي (٢): كان يحبُّ التيمن في طهوره إذا تطهر وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل. وفي رواية للنسائي (٣): كان رسول الله ﷺ يُحِبُّ التيامن يأخذ بيمينه ويعطي بيمينه، ويحب التيمن في جميع أموره. ٨٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا: لِمَ صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟.

стр. 1053

وفي رواية قال (١): لما قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أنساً غلام كيِّس، فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشيء صنعته: لِمَ صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا؟. وفي أخرى (٢): قَدِم رسولُ الله ﷺ المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ ... ثم ذكره. ولمسلم قال (٣): خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، فما أعلمه قال لي قط: لِمَ فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب عليَّ شيئاً قط. وفي أخرى له (٤): كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ ، فخرجت حتى أمُر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: "يا أنيسُ، أذهبت حيثُ أمرتُكَ؟ " قال: قفلت: نعم، أنا أذهبُ يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما عَلِمته قال لشيء صنعته: لم فعلتُ كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا. ٨٥١ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: ما خُير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تُنْتَهَك حرمةُ الله فينقمُ لله بها.

стр. 1054

قال النووي: قولها (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه) فيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراماً أو مكروهاً. قال القاضي: ويحتمل أن يكون تخييره ﷺ هنا من الله تعالى فيخيره فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية، أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصار، وكان يختار الأيسر في كل هذا، قال وأما قولها ما لم يكن إثماً فيتصور إذا خيره الكفار والمنافقون فأما إن كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكو الاستثناء منقطعاً. قولها (وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله) وفي رواية ما قيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله تعالى. معنى نيل منه أصيب بأذى من قول أو فعل. وانتهاك حرمة الله تعالى هو ارتكاب ما حرمه. قولها (إلا أن تنتهك حرمة الله) استثناء معناه لكن إذا انتهكت حرمة الله انتصر له تعالى وانتقم ممن ارتكب ذلك. في هذا الحديث الحث على العفو والحلم واحتمال الأذى والانتصار لدين الله ممن فعل محرماً أو نحوه. وفيه أنه يستحب للأئمة والقضاة وسائر ولاة الأمور التخلق بهذا الخلق الكريم فلا ينتقم لنفسه ولا يهمل حق الله تعالى وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا يقضي لنفسه ولا لمن لا يجوز شهادته له. ٨٥٢ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قطُّ فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله . ٨٥٣ - * روى الطبراني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً" قالوا: إنك تداعبُنا يا رسول الله، قال: "إني لا أقولُ إلا حقاً". ٨٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ

стр. 1055

أحسن الناس خُلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عُمير- قال أحسبُهُ فطيماً - وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير، ما فعل النُّفَير؟ " نُفَرّ كان يلعبُ به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيُكنسُ وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا. وعند أبي داود قال (١): كان رسول الله ﷺ يدخل عليا ولي أخ صغير يُكنى أبا عُمير، وكان له نفرٌ يلعب به، فمات، فدخل عليه النبي ﷺ ذات يوم، فرآه حزيناً، فقال: "ما شأنه؟ " قالوا: مات نُغَرُه، فقال: "يا أبا عمير، ما فعل النُّغَيّر؟ ". وللترمذي قال (٢): إن كان رسول الله ﷺ ليخالطُنا، حتى إن كان ليقول لأخ لي صغير: "يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟ ". ٨٥٥ - * روى أحمد عن عبد الله بن الحاث قال: كان رسول الله ﷺ يصفُّ عبد الله وعبيد الله وكثيراً من بني العباس، ثم يقول: "من سبق إليَّ فله كذا وكذا" قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم. ٨٥٦ - * روى الطبراني عن خِوات بن جبير قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ مَرُّ الظهران قال: فخرجت من خِبائي فإذا أنا بنسوة يتحدثن، فأعجبني، فرجعت فاستخرجت عيبتي، فاستخرجت منها حُلة فلبستها وجئت فجلست معهن، وخرج رسول الله
следующие страницы →