← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

امتازوا بها على غيرهم من العرب فكيف يظن بالنبي ﷺ أنه يتركه؟ وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفاً بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية كما بينته في الهجرة إلى المدينة. أهـ. ٧٢٤ - * روى مسلم عن جابر: أن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي" فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم رسول الله ﷺ شيئاً منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته - قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة - حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (١) فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول (أي والد جعفر بن محمد) - ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين (قل هو الله أحد) و (قل يا أيها

стр. 982

الكافرون) ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (١) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله/ وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ثم دعا بين ذلك - قال مثل هذا ثلاث مرات - ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه علا على المروة فقال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة" فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا، بل لأبد أبد" وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ ، فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي ﵁ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت، مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته: أني أنكرت ذلك عليها فقال: "صَدَقَتْ صَدَقتْ، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: "فإن معي الهدي فال تحل" قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في

стр. 983

الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلبن فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ ". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد" ثلاث مرات، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ ، وقد شنق

стр. 984

للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس، السكينة، السكينة" كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وكبره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فناولوه دلواً فشرب منه.

стр. 985

وفي رواية: بنحو هذا، وزاد (١)، وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة على حمار عري، فلما أجاز رسول الله ﷺ من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثم، فأجاز ولم يعرض له، حتى أتى عرفات فنزل. وفي أخرى (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا، وجمع كلها موقف". ولأبي داود (٣) عند قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال: فقرأ فيهما: بالتوحيد و (قل يا أيها الكافرون) وقال فيه: قال علي بالكوفة: قال أبي: هذا الحرف لم يذكره جابر، يعني: فذهبت محرشاً ... وذكر قصة فاطمة. وأخرج النسائي من الحديث أطرافاً متفرقة في كتابه (٤)، وقد ذكرناها. قال محمد: أتينا جابراً فسألناه عن حجة النبي ﷺ ؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة" وقدم علي من اليمن بهدي، وساق رسول الله ﷺ من المدينة هدياً، وإذا فاطمة قد لبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، قال علي: فانطلقت محرشاً أستفتي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إن فاطمة قد لبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، وقالت: أمرني أبي، قال: "صدقت صدقت صدقت، أنا أمرتها". وله في موضومع ىخر قال: إن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع حجج، ثم أذن في الناس، أن رسول الله ﷺ حاج هذا العام، فنزل المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويفعل كما فعل، فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة،

стр. 986

وخرجنا معه، قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ينزل عليه القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فخرجنا لا ننوي إلا الحج. وله في موضع آخر قال: إن علياً قدم من اليمن بهدي، وساق رسول الله ﷺ من المدينة هدياً، فقال لعلي: "بم أهللت"؟ قال: قلت: اللهم إني أهللت بما أهل به رسول الله، ومعي الهدي، قال: "فلا تحل إذاً". وله في موضع آخر: أن رسول الله ﷺ لما أتى ذا الحليفة صلى وهو صامت، حتى أتى البيداء. وفي موضع آخر: قال: أقام رسول الله ﷺ تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج، فلم يبق أحد يريد أن يأتي راكباً أو راجلاً إلا قدم، فتدارك الناس ليخرجوا معه، حتى حاذى ذا الحليفة، وولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "اغتسلي واستثفري بثوب ثم أهلي، ففعلت". وفي موضع آخر قال: إن النبي ﷺ ساق هدياً في حجته. وفي موضع آخر قال: قدم رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد، فاستلم الحجر، ثم مضى عن يمينه، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم أتى المقام، فقال: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فصلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى البيت بعد الركعتين فاستلم الحجر، ثم خرج إلى الصفا. وفي موضع آخر: أن رسول الله ﷺ خرج من المسجد وهو يريد الصفا، وهو يقول: نبدأ بما بدأ الله به، ثم قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله). وفي موضع آخر: قال: إن النبي ﷺ رقي على الصفا، حتى إذا نظر إلى البيت كبر. وفي موضع آخر: أن رسول الله ﷺ كان إذا وقف على الصفا يكبر ويقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" يصنع

стр. 987

ذلك ثلاث مرات ويدعو، ويصنع على المروة مثل ذلك. وفي موضع آخر: قال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت سبعاً: رمل منها ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم قام عند المقام، فصلى ركعتين، وقرأ: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ورفع صوته ليسمع الناس: ثم انصرف فاستلم، ثم ذهب، فقال: "نبدأ بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا، رقي عليه حتى بدا له البيت، وقال ثلاث مرات: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". وكبر الله وحمده ثم دعا بما قدر له، ثم نزل ماشياً حتى تصوبت قدماه في بطن المسيل، فسعى حتى صعدت قدماه، ثم مشى حتى أتى المروة، فصعد فيها، حتى بدا له البيت: فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". قال: ثلاث مرات، ثم ذكر الله وسبحه وحمده، ودعا بما شاء، فعل هذا حتى فرغ من الطواف. وفي موضع آخر: قال: سار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، ووجد القبة قد ضربت له بنمرة، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً. وفي موضع آخر: أن نبي الله ﷺ قال: "عرفة كلها موقف". وفي موضع آخر قال: "المزدلفة كلها موقف". وفي موضع آخر: أن رسول الله ﷺ دفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، فأردف الفضل بن عباس، حتى أتى محسراً، حرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، بمثل حصى الخذف، ورمى من بطن الوادي. وزاد في طرف آخر: ثم انصرف إلى المنحر فنحر. وفي موضع آخر: أن رسول الله ﷺ نحر بعض بدنه بيده، ونحر بعضه غيره.

стр. 988

٧٢٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: انطلق رسول الله ﷺ من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه، فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس، إلا المزعفرة التي تردع على الجلد. فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنته، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل من أجل بدنه، لأنه قلدها. ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون، وهو مهل بالحج، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة. وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال، والطيب والثياب. ٧٢٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل مكة نهاراً. ٧٢٧ - * وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: "هذه عرفة، وهذا هو الموقف، وعرفة كلها موقف" ثم أفاض حين غربت الشمس، وأردف أسامة بن زيد، وجعل يشير بيده على هينته والناس يضربون يميناً وشمالاً يلتفت إليهم، ويقول: "يا أيها الناس، عليكم السكينة" ثم أتى جمعاً فصلى بهم الصلاتين جميعاً، فلما أصبح أتى قزح، فوقف عليه، وقال: "هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلها موقف"، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر، فقرع ناقته، فخبت حتى جاوز الوادي، فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر،

стр. 989

فقال: "هذا المنحر، ومني كلها منحر" واستفتته جارية شابة من خثعم، قالت: إن أبي شيخ كبير، قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: "حجي عن أبيك" قال: ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله، لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: "رأيت شاباً وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما" ثم أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إني أفضت قبل أن أحلق؟ قال: "احلق أو قصر ولا حرج" قال: وجاء آخر فقال: يا رسول الله، إني ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج" قال: ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم، فقال: "يا بني عبد المطلب، لولا أن يغلبكم الناس عليه لنزعت". ٧٢٨ - * روى البخاري عن ابن عمر كان يبعث بهديه من جمع من آخر الليل، حتى يدخل به منحر النبي ﷺ مع حجاج، فيهم الحر والمملوك. ٧٢٩ - * روى أبو داود عن رافع بن عمرو المزني ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد. ٧٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر - وهو بمنى -: "نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" - يعني بذلك: المحصب - وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب (وهو صحيح) - أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ .

стр. 990

وفي رواية (١): أنه قال - حين أراد قدوم مكة -: "منزلنا غداً إن شاء الله: بخيف بني كنانة." .. الحديث. ٧٣١ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به. ٧٣٢ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن النبي ﵌ قال له: "أردف أختك عائشة فأعمرها من التنعيم فإذا هبطت الأكمة فمرها فلتحرم فإنها عمرة متقبلة". ٧٣٣ - * روى الترمذي عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم: شك شعبة - عن النبي ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". ٧٣٤ - * روى الطبراني والحاكم عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله ﷺ من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقمت، ثم قام فقال: "كأني قد دعيت فأجبت، إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض" ثم قال: "إن الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن" ثم أخذ بيد علي فقال: "من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" فقلت لزيد: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا قد رآه بعينيه وسمعه بأذنيه.

стр. 991

أقول: هذا هو الحديث المشهور بحديث غدير خم - وهو مكان بين مكة والمدينة - الذي بنى عليه الشيعة مذهبهم الباطل في أن الخلافة في علي وذريته بما لا يحتمله نص الحديث، وقد كان ذلك مرجعه ﵊ من الحج. وقوله ﵊ "من كنت مولاه فعلي مولاه" ثابت في نصوص كثيرة حتى ذهب السيوطي إلى تواتره. ٧٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر كان إذا صدر من الحج والعمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان ينيخ بها رسول الله ﷺ . وفي أخرى للبخاري (١): أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة صلى في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات بها. * * *

стр. 992

فصل: في وفاته ﵊ ٧٣٦ - * روى الدارمي عن عطاء قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب". ٧٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. وفي أخرى قال (٣): أنزل على النبي ﷺ وهو ابن أربعين، فمكث ثلاث عشرة، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي ﷺ . ٧٣٨ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين. قال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المسيب بمثله. ٧٣٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي عمر وهو ابن ثلاث وستين. ٧٤٠ - * روى الدارمي عن العباس رضي الله تعالى عنه: لأعلمن ما بقاء رسول الله ﷺ فينا. فقال: يا رسول الله إني رأيتهم قد آذوك وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشاً تكلمهم منه، فقال: "أزال بين أظهرهم يطؤون عقبي وينازعوني ردائي، حتى يكون الله

стр. 993

هو الذي يريحني منهم" قال: فعلمت أن بقاءه فينا قليل. ٧٤١ - * روى أحمد عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه رسول الله ﷺ يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته. فلما فرغ قال: "يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري" فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله ﷺ ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: "إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا". ٧٤٢ - * روى الطبراني والبزار عن العباس بن عبد المطلب قال: رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء بأشطان شداد، فقصصت ذلك على رسول الله ﷺ فقال: "ذاك وفاة ابن أخيك". ٧٤٣ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: أتينا العرباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) فسلمنا، وقلنا: أتيناك زائرين، وعائدين، ومقتبسين، فقال العرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا. فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه

стр. 994

موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". ٧٤٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم، فأدخله معهم، قال: فما رئيت أنه دعاني يومئذ، إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح) (١) فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا،

стр. 995

وسكت بعضهم، فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: (إذا جاء نصر الله والفتح) وذلك علامة أجلك (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) (١) فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. وفي رواية (٢) أن عمر كان يدني ابن عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إن لنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية (إذا جاء نصر الله والفتح) قال: أجل رسول الله ﷺ أعلمه إياه، قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وفي أخرى (٣): أن عمر سألهم عن قوله: (إذا جاء نصر الله والفتح) قالوا: فتح المدائن والقصور، قال: يا ابن عباس، ما تقول؟ قال: أجل أو مثل ضرب لمحمد ﷺ ، نعيت إليه نفسه. ٧٤٥ - * روى الطبراني عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ قبل أن يموت يكثر أن يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك" قال: إني أمرت فقرأ (إذا جاء نصر الله والفتح). ٧٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن الله تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته، حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله ﷺ بعد. قال ابن حجر: قوله (إن الله تابع على رسوله ﷺ قبل وفاته) كذا للأكثر: وفي رواية أبي ذر "إن

стр. 996

الله تابع على رسوله الوحي قبل وفاته" أي أكثر إنزاله قرب وفاته ﷺ ، والسر في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كثروا وكثر سؤالهم عن الأحكام فكثر النزول بسبب ذلك. ووقع لي سبب تحديث أنس بذلك من رواية الدراوردي عن الإمامي عن الزهري "سألت أنس ابن مالك: هل فتر الوحي عن النبي ﷺ قبل أن يموت؟ قال: أكثر ما كان وأجمه" أورده ابن يونس في "تاريخ مصر" في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي مريم. قوله (حتى توفاه أكثر ما كان الوحي) أي الزمان الذي وقعت فيه وفاته كان نزول الوحي فيه أكثر من غيره من الأزمنة قوله (ثم توفي رسول الله ﷺ بعد) فيه إظهار ما تضمنته الغاية في قوله "حتى توفاه الله"، وهذا الذي وقع أخيراً على خلاف ما وقع أولاً، فإن الوحي في أول البعثة فتر فترة ثم كثر، وفي أثناء النزول بمكة لم ينزل من السور الطوال إلا القليل، ثم بعد الهجرة نزلت السور الطوال المشتملة على غالب الأحكام، إلا أنه كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر الأزمنة نزولاً بالسبب المتقدم. ٧٤٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم" فأولوه على أنه نعى نفسه إليهم، وعرفهم ما يحدث لهم بعده من تمني لقائه عند فقدهم ما كانوا يشاهدون من بركاته ﵇. قال النووي: وتقدير الكلام يأتي على أحدكم يوم لأن يراني فيه لحظة لا يراني بعدها أحب إليه من أهله وماله جميعاً. ومقصود الحديث حثهم على ملازمة مجلسه الكريم ومشاهدته حضراً وسفراً للتأدب بآدابه وتعلم الشرائع وحفظها ليبلغوها، وإعلامهم أنهم سيندمون على ما فرطوا فيه من الزيادة من مشاهدته وملازمته. ومنه قول عمر ﵁ ألهاني عنه الصفق بالأسواق أ. هـ. ٧٤٨ - * روى البخاري عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج وهو بين الرجلين

стр. 997

تخط رجلاه في الأرض، بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد الله فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال، قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي. وكانت عائشة زوج النبي ﷺ تحدث أن رسول الله ﷺ لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال: "هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس" فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ، ثم طفقنا نصب عليه من تك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت: ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم. وفي رواية (١): قالت: أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له .. الحديث. ٧٤٩ - * روى الدارمي عن عائشة قالت: رجع إلي النبي ﷺ ذات يوم من جنازة من البقيع فوجدني، وأنا أجد صداعاً، وأنا أقول: وا رأساه. قال: "بل أنا يا عائشة وا رأساه" قال: "وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك" فقلت: لكأني بك والله لو فعلت ذلك، لرجعت إلى بيتي فعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله ﷺ ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه. ٧٥٠ - * روى أحمد عن أسماء بنت عميس قالت: أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في

стр. 998

بيت ميمونة فاشتد مرضه حتى أغمي عليه، فتشاور نساؤه في لده فلدوه، فلما أفاق قال: "ما هذا؟ " فقلنا: هذا فعل نساء جئن من ههنا، وأشار إلى أرض الحبشة. وكانت أسماء بنت عميس فيهن، قالوا: كنا نتهم بك ذات الجنب يا رسول الله. قال: "إن ذلك لداء ما كان الله ليقذفني به، لا يبقين في البيت أحد لا يلد إلا عم رسول الله ﷺ " يعني العباس: قالت لقد التدت ميمونة يومئذ وإنها لصائمة لعزيمة رسول الله ﷺ . وذكر رزين (١) عن أسامة بن زيد ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ قد عقد لي لواء في مرضه الذي مات فيه، وبرزت بالناس فلما ثقل رسول الله ﷺ أتيته يوماً، فجعل رسول الله ﷺ يضع يده علي ويرفعها، فعرفت أنه كان يدعو لي، فلما بويع لأبي بكر، كان أول ما صنع، أمر بإنفاذ تلك الراية التي كان عقدها لي رسول الله ﷺ ، إلا أنه كان سألني في عمر: أن أتركه له، ففعلت. وفي رواية الترمذي (٢) قال: لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت، وهبط الناس المدينة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل رسول الله ﷺ يضع يديه علي ويرفعهما، فأعرف أنه يدعو لي. ٧٥١ - * روى البخاري ومسلم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى. ثقل النبي ﷺ فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا: لا، هم ينتظرونك. قال: "ضعوا لي ماء في المخضب" قالت: ففعلنا: ففعلنا. فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال ﷺ :

стр. 999

"أصلى الناس؟ " قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: "ضعوا لي ماء في المخضب" قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه. ثم أفاق فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: "ضعوا لي ماء في المخضب" فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه. ثم أفاق فقال: "أصلى الناس" فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة - فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس. فقال أبو بكر - وكان رجلاً رقيقاً - يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك. فصلى أبو بكر تلك الأيام. ثم إن النبي ﷺ وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين - أحدهما العباس - لصلاة الظهر، وابو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر، قال: "أجلساني إلى جنبه" فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قال فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ والناس بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد، قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي ﷺ ؟ قال: هات. فعرضت عليه حديثها. فما أنكر منه شيئاً، غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال: هو علي. ٧٥٢ - * روى مالك والبخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "مروا أبا بكر يصلي بالناس" قالت عائشة: قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس. فقالت عائشة: فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس. ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ : "مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً.

стр. 1000

٧٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة: قالت: لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبداً، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر. ٧٥٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن زمعة ﵁ قال: لما استعز بالنبي ﷺ وأنا عنده في نفر من المسلمين - دعاه بلال إلى الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "مروا من يصلي بالناس" فخرج عبد الله بن زمعة، فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلت: يا عمر، قم فصل، فتقدم فكبر، فلما سمع النبي ﷺ صوته - وكان عمر رجلاً مجهراً - قال: "فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون"، فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس. زاد في رواية (١) قال: لما سمع النبي ﷺ صوت عمر قال ابن زمعة: خرج النبي ﷺ حتى أطلع رأسه من حجرته، ثم قال: "لا، لا، لا، ليصل بالناس ابن أبي قحافة" قال ذلك مغضباً.

стр. 1001

٧٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم". وفي رواية للبخاري (١) قال: مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ ، فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم". ٧٥٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: "أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع: فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم".

стр. 1002

وفي رواية (١): كشف الستر، ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال "اللهم هل بلغت؟ - ثلاث مرات - إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا، يراها العبد الصالح، أو ترى له ... " ثم ذكر مثله. ٧٥٧ - * روى البزار عن عبد الرحمن بن عوف قال: لما حضر النبي ﷺ الوفاة، قالوا: يا رسول الله: أوصنا، قال: "أوصيكم بالسابقين الأولين، وبأبنائهم من بعدهم، وبأبنائهم من بعدهم، وبأبنائهم من بعدهم، إن لا تفعلوا، لا يقبل منكم صرف، ولا عدل". ٧٥٨ - * روى البزار عن أنس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه متوكئاً على أسامة مرتدياً بثوب قطن فصلى بالناس. ٧٥٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب النبي ﷺ الناس وقال: "إن الله خير عبداً بين الدنيا، وبين ما عنده. فاختار ذلك العبد ما عند الله". قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله ﷺ "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر". وعند الترمذي (٥): أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: "إن عبداً خيره الله

стр. 1003

بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده". فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا. قال: فعجبنا، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أني ؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، وهو يقول، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان النبي ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، فقال النبي ﷺ : "من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر". وفي رواية مسلم (١): أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال: "عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا، وبين ما عنده فاختار ما عنده" فبكى أبو بكر وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال رسول الله ﷺ "من أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر". قال النووي: وفيه فضيلة وخصيصة ظاهرة لأبي بكر ﵁. وفيه أن المساجد تصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها إلا من أبوابها إلا لحاجة مهمة. ٧٦٠ - * روى مسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، وإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك".

стр. 1004

وفي رواية (١) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار. سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر". ٧٦١ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال، فقال النبي ﷺ : "هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده" فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ : "قوموا" قال عبيد الله: فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. وفي رواية قال (٢): "قوموا عني، فلا ينبغي عندي التنازع" فخرج ابن عباس وهو يقول: إن الرزية كل الرزية: ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه. وفي أخرى قال (٣): قال ابن عباس: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلت: يا ابن عباس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه. فقال: "ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي" فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع. وقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه. قال: "دعوني. فالذي أنا فيه خير. أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". قال: وسكت عن الثالثة. أو قالها فأنسيتها.

стр. 1005

٧٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين - وهم صفوف في الصلاة - كشف النبي ﷺ ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ . فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر، فتوفي من يومه. وفي رواية (١) لهما عن أنس: قال: لم يخرج رسول الله ﷺ ثلاثاً فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فقال رسول الله ﷺ بالحجاب، فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ ، ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه رسول الله ﷺ حين وضح لنا، فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأرخى النبي ﷺ الحجاب، فلم يقدر عليه حتى مات. ٧٦٣ - * روى أحمد وابن ماجه عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه.

стр. 1006

٧٦٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم". ٧٦٥ - * روى أحمد عن أم سلمة قالت: والذي أحلف به إن كان علي لأقرب الناس عهداً برسول الله ﷺ : قالت: عدنا رسول الله ﷺ غداة بعد غداة يقول: "جاء علي" مراراً، قالت: وأظنه كان بعثه في حاجة: قالت: فجاء بعد فظننت أن له إليه حاجة فخرجنا من البيت فقعدنا عند البيت، وكنت من أدناهم إلى الباب فأكب عليه علي فجعل يساره ويناجيه ثم قبض ﷺ من يومه ذلك، وكان أقرب الناس به عهداً. ٧٦٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند النبي ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً. ٧٦٧ - * روى ابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه: "وددت أن عندي بعض أصحابي" قلنا: يا رسول الله ألا ندعو لك أبا بكر فسكت قلنا ألا

стр. 1007

ندعو لك عمر؟ فسكت، قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال "نعم" فجاء فخلا به، فجعل النبي ﷺ يكلمه ووجه عثمان يتغير قال قيس: فحدثني أبو سهلة مولى عثمان أن عثمان بن عفان قال يوم الدار: إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهداً فأنا صائر إليه، وقال علي في حديثه: وأنا صابر عليه قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم. أقول: الظاهر أن قول علي إنما كان بعد ما أخبره الرسول ﷺ عما يجري عليه وهذا يفيد أن النبي ﷺ استدعاه وأسر إليه بما يجري عليه كما أخبر عثمان. ٧٦٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما ثقل رسول الله ﷺ ، جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه! فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت: يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟. وفي رواية النسائي (١): أن فاطمة بكت على رسول الله ﷺ حين مات، فقالت: يا أبتاه، من ربه ما أدناه؟ يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه؟. ٧٦٩ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك. فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله! إنك لتوعك وعكاً شديداً. فقال رسول الله ﷺ : "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قال فقلت: ذلك، أن لك أجرين. فقال رسول الله ﷺ : "أجل" ثم قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها".

стр. 1008

٧٧٠ - * وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ . ٧٧١ - * وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى، ويقول: "اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً". وفي رواية (١): فلما مرض رسول الله ﷺ وثقل أخذت بيده، لأنصع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي، ثم قال: "اللهم اغفر لي، واجعلني مع الرفيق الأعلى" قالت: فذهبت أنظر: فإذا هو قد قضى. وفي رواية (٢): أن رسول الله ﷺ كان يرقي، يقول: "امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت". ٧٧٢ - * روى مالك والبخاري عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها.

стр. 1009

٧٧٣ - * وروى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيا - أو يخير" فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة، غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى" فقلت: إذاً لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح. ٧٧٤ - * وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من نبي يمرض إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة" وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: "مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" فعلمت أنه خُيِّر. ٧٧٥ - * روى الحاكم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنه تلا قول الله : (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) (١)، ثم قال: حدثتني عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: "اللهم أعني على سكرات الموت". ٧٧٦ - * روى البخاري عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه، يقول: "أين أنا غداً" - يريد يوم عائشة - فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت عائشة: فمات في اليوم

стр. 1010

الذي كان يدور علي فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر، ومعه سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن. فأعطانيه، فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به وهو مستند إلى صدري. وعنها في رواية (١): توفي النبي ﷺ في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري. وكانت إحدانا تعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: "في الرفيق الأعلى" ومر عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه النبي ﷺ ، فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها، فدفعتها إليه، فاستن بها كأحسن ما كان مستناً، ثم ناولنيها، فسقطت يده - أو سقطت من يده - فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة. وفي أخرى نحوه، إلا أنه قال (٢): قالت: دخل عبد الرحمن بسواك، فضعف النبي ﷺ عنه فأخذته، فمضغته، ثم سننته به. وفي رواية (٣): دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: "أن نعم" فتناوله، فاشتد عليه، قلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه: "أن نعم" فلينته، فأمره وبين يديه ركوة، أو علبة يشك عمر - فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيسمح بهما وجهه، يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" ثم نصب يده، فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض ﷺ ، ومالت يده.

стр. 1011

وفي أخرى (١): قالت: مات رسول الله ﷺ وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد النبي ﷺ . ٧٧٧ - * روى الترمذي وابن ماجه عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. تعليق: قوله: (وما نفضناعن النبي ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا): فيه رد على من ادعى أن حال الصحابة ورقيهم الروحي وغيره لا يفسر بوجود رسول الله ﷺ على رأسهم، وهو قول انتشر في هذا العصر. ويكفي في رده قوله ﷻ في حق رسول الله ﷺ : (ويزكيهم) (٢) كما أن في هذا الحديث ما يدل على أن الرقي القلبي منوط بالاجتماع مع أهل الحق والارتباط الروحي فيهم ومن ههنا نؤكد على الانتساب للعلماء العاملين والربانيين المخلصين، ونؤكد على الأخذ منهم ومجالسة الصالحين من عباد الله. ٧٧٨ - * روى الحاكم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما توفي رسول الله

стр. 1012

صلى الله عليه وآله وسلم، عزتهم الملائكة يسمعون الحس ولا يرون الشخص، فقالت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٧٧٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو بكر - بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها. فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. قال النووي: فيه زيارة الصالحين، وزيارة الصالح لمن هو دونه، وزيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره ولأهل ود صديقه، وزيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة وسماع كلامها، واستصحاب العالم والكبير صاحباً له في الزيارة والعيادة ونحوهما، والبكاء حزناً على فراق الصالحين والأصحاب، وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه. والله أعلم. أ. هـ. ٧٨٠ - * روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵀ قال: قالت عائشة ﵂ في حديثها: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة ﵂، فتيمم النبي ﷺ وهو مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك، فقدمتها. قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس ﵄: أن أبا بكر ﵁ خرج وعمر ﵁ يكلم الناس، فقال: اجلس، فأبى، فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو

стр. 1013

بكر ﵁، فمال إليه الناس، وتركوا عمر، فقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً ﷺ قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) إلى (الشاكرين) (١) فوالله، لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر ﵁، فتلقاها منه الناس، فما بشر إلا يتلوها. ٧٨١ - * روى الحاكم عن عمر بن الخطاب، قال: لما تلاها أبو بكر عقرت حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن رسول الله ﵌ قد مات. ٧٨٢ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ مات، وأبو بكر بالسنح قال إسماعيل: - تعني بالعالية - فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وارجلهم. فجاء أبو بكر، فكشف عن رسول الله ﷺ ، فقبله فقال: بأبي أنت طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده: لا يذيقك الله الموتتين أبداً، ثم خرج، فقال: أيها الحالفن على رسلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: (إنك ميت وإنهم ميتون) (٢) وقال: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن

стр. 1014

يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين﴾ (١). قال: فنشج الناس يبكون. قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة ابن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر، لا والله، لا نفعل، منا أمير، ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب داراً، وأعزهم أحساباً - فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله. ٧٨٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه، حتى طال علي فكلته، ففني. وفي رواية الترمذي (٢)، قالت: توفي رسول الله ﷺ وعندنا شطر من شعير،

стр. 1015

فأكلنا منه ما شاء الله، ثم قلت للجارية: كلية فكالته فلم يلبث أن فني، قالت: فلو كنا تركناه لأكلنا منه أكثر من ذلك. ٧٨٤ - * روى الحاكم عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساء مبلداً وإزاراً غليظاً، فقالت: قبض رسول الله ﵌ في هذين. ٧٨٥ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لما أرادوا غسل النبي ﷺ ، قالوا: والله لا ندري، أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه، كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله ﵎ عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت - لا يدرون من هو -: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ ، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. ٧٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. وفي رواية (١): قالت: أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية، كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، وكفِّن في ثلاثة أثواب سحول يمانية ليس فيها عمامة، ولا قميص، فرفع عبد الله الحلة، فقال: أكفن فيها، ثم قال: لم يكفن فيها رسول الله ﷺ ، وأكفن فيها، قال: فتصدق بها. وفي أخرى نحوه (٢)، وزاد: أما الحلة، فإنما شُبِّه على الناس فيها، إنها اشتريت ليكفن

стр. 1016

فيها، فتركت الحلة، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله لنبيه ﷺ لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها. وفي أخرى لهما (١): أن رسول الله ﷺ حين توفي - سجي ببرد حبرة. وفي رواية الترمذي (٢): فذكروا لعائشة قولهم، في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتي بالبرد ولكنهم ردوه، ولم يكفنوه فيه. ٧٨٧ - * روى أبو داود عن عامر بن شراحيل الشعبي ﵀ قال: غسل رسول الله ﷺ علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه في قبره، قال: وحدثني مرحب - أو ابن أبي مرحب - أنهم أدخلوا عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي، قال: إنما يلي الرجل أهله. وفي رواية عن الشعبي عن أبي مرحب (٣): أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي ﷺ ، قال: كأني أنظر إليهم أربعة. وفي رواية ذكرها رزين قال: غسل رسول الله ﷺ علي، والفضل ومعهما العباس، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه قبره، وكان معهم في الغسل ابن عوف ورجل من الأنصار، فلما فرغوا قال علي: إنما يلي الرجل أهله، قال عبد الرحمن: كأني أنظر إلى الذين نزلوا في قبر رسول الله ﷺ أربعة، أحدهم: أنصاري. ٧٨٨ - * وروى مالك ﵀ أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ توفي يوم

стр. 1017

الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وصلى الناس عليه أفذاذاً، لا يؤمهم أحد. فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق، فقال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه" فحفر له فيه. فلما كان عند غسله أرادوا نزع قميصه، فسمعوا صوتاً يقول: لا تنزعوا القميص، فلم ينزع القميص، وغسل وهو عليه ﷺ . ٧٨٩ - * روى الترمذي عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما قبض رسول الله وغسل، اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئاً ما نسيته قال: "ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه" ادفنوه في موضع فراشه. ٧٩٠ - * روى مالك عن عروة بن الزبير قال: كان بالمدينة رجلان: أحدهما يلحد، والآخر يشق، فقالوا: أيهما جاء أول عمل عمله، فجاء الذي يلحد، فلحد له. ٧٩١ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال في مرضه الذي هلك فيه: الحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله ﷺ . ٧٩٢ - * روى الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: جعل تحت رسول الله ﷺ حين دفن قطيفة حمراء.

стр. 1018

٧٩٣ - * روى البخاري عن أبي بكر بن عياش عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر رسول الله ﷺ مسنماً. ٧٩٤ - * روى الحاكم عن عروة أن أبا بكر ﵁ صلي عليه في المسجد، ودفن ليلاً إلى جنب رسول الله ﵌ في حجرة عائشة ﵂. ٧٩٥ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قال: غسَّلت رسول الله ﵌، فجعلت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئاً، وكان طيباً حياً وميتاً ﵌. ٧٩٦ - * روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي ﷺ ثلاثاً ولم يقم. ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد. وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ﷺ ، فذكر معناه. * * *

стр. 1019

نظرة عامة على أحداث السنتين العاشرة والحادية عشرة ١ - وصلت الأمة في هاتين السنتين إلى مرحلة النضج وكان ذلك يقتضي لمسات أخيرة، وكانت من علامة النضج أن ترك رسول الله ﷺ للأمة بعده أن تسير من خلال شوراها، ومن أهم اللمسات التي احتاجتها مرحلة الإنضاج إشارته إلى الرجل المؤهل بعده، وإزالة كل ما يمكن أن يستند إليه المغرضون، وإيجاد التطلع نحو العمل الخارجي من خلال بعث أسامة. ٢ - وسع ﵊ في هاتين السنتين دائرة التلقي المباشر منه من خلال استقباله الوفود ومن خلال رحلة الحج، فأوجد قاعدة عريضة تحمل دعوته وقد تلقت عنه مباشرة، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رحى الإسلام دائرة وإلى الأبد. ٣ - عندما تنجح الدعوات الصادقة يتوضع على هامشها دعوات كاذبة، ولقد بدأت دعاوى النبوة تظهر في أخريات حياته ﵊، فظهر مسيلمة الكذاب في اليمامة، والأسود العنسي في اليمن في السنة العاشرة، وقد أهم ذلك رسول الله ﷺ ، ومن قبل كان رسول الله ﷺ يركز على اليمن، ولذلك فقد كفاه أهل اليمن في النهاية هذا الخبيث أما الخبيث الآخر فجاءته جند الله بعد وفاته ﵊ وأنهته، وهناك متنبآن آخران طليحة الأسدي وسجاح، وكلاهما مات على الإسلام بعد ذلك، ولكن بعد أن استطاع الجيل الذي رباه رسول الله ﷺ أن يقهر الردة وأهلها. ٤ - وبقدر ما أعطى رسول الله ﷺ للإسلام حيوية في القلوب بفضل الله، فقد كان هناك تيار معاكس - هو تيار الردة - ينتظر الفرصة للظهور. وما أن توفي رسول الله ﷺ حتى ظهر هذا التيار على أشده، جامعاً كل أولئكم الذين لم يدخل الإسلام إلى قلوبهم والذين قطعت هيبة رسول الله ﷺ نياط قلوبهم، فأسلموا لأنه لم يكن أمامهم إلا أن يسلموا. فبدأ صراع جديد بين التيارين، تيار الإيمان الصادق وتيار الجهل الماحق، وتغلب تيار الإيمان. وهذا وحده كاف للدلالة على أن قوة التأسيس كانت أكبر من كل قوة أخرى، وذلك توفيق الله أولاً وأخيراً، وفيه يظهر ما أكرم الله به رسوله ﷺ من خيرات وبركات.

стр. 1020

٥ - في غزوات بدر وأحد والخندق وخيبر والفتح وحنين أنهى رسول الله ﷺ كل تخوف عند أصحابه ضد الجاهلية العربية أو ضد أي وجود على الأرض العربية. وفي غزوة تبوك أوجد ﵊ الجرأة عند أصحابه على اقتحام غمرات الصراع مع الدول الكبرى فكان أن حمل الراية الأصحاب بعده فأنهوا الردة بسرعة، ودخلوا في صراع مباشر ضد الدولتين العظميين وقتذاك فارس والروم. ٦ - ولم يتوف رسول الله ﷺ إلا وقد أوجد سوابق حركية في كل جانب من الجوانب التي تتطلبها الحركة الإسلامية: دعوياً، وتربوياً، وثقافياً، وتعليمياً، وجهادياً. لقد كانت السوابق على منتهى الجلال، فسجلت أرفع التضحيات وأعلى أنواع القدوة، ولذلك كانت الحركة عند الجيل الذي رباه رسول الله ﷺ في أعصابه ودمه، ولذلك ذاب جيل الصحابة في هذا العالم وأعطى هذا الإسلام دفعة الحياة إلى قيام الساعة، لقد جدد جيل الصحابة عملية السيطرة على الجزيرة العربية ثم انساح في البلاد انسياحاً حقق غرضين بآن واحد: لم يعط فرصة للثأر الجاهلي أن يظهر، ولم يعط فرصة لخصم خارجي أن يتدبر أمره. ومع هذا وهذا كانت حركة الصهر تستمر للعناصر الإسلامية الجديدة من خلال حركية الدعوة والقدوة والتعليم والجهاد، وكانت العملية من الضخامة بحيث أفلت منها بعض الأمور التي كانت عاملاً من عوامل الفتنة الكبرى ولكن يشفع لذلك عظم التوجه وضخامة الإنجاز. كانت العيون متوجهة كلها نحو معركة الإسلام، فأتي الصف من داخله، ولكن حيوية الانطلاق كانت أكبر من كل شيء فلم تعصف الفتنة بالإسلام ولكن أخرت مسيرته. ٧ - إن حدوث الردة على هذه الضخامة بعده، ثم ضخامة الفتنة بعد ذلك في زمن عثمان ﵁ دليلان على تفرد قيادته ﵊، فالردة بعد وفاته تشير إلى أن هيبته ﵊ استحوذت على القلوب فأمسكتها، والفتنة بعده تشير إلى أن سياسته ﵊ هي أرقى السياسات، فمهما كانت عظمة السائسين بعده فالأمر ليس كما كان في زمنه ﵊، ثم انتقلت الخلافة الراشدة بعده إلى ملك
следующие страницы →