بين يدي هذا الباب
رتب الله على بعثة الرسل أشياء كثيرة من وجوب الإيمان بهم ووجوب طاعتهم ونصرتهم كما رتب على ذلك النجاة في الدنيا والأخرى، ولأهمية هذه المعاني جعل الله مع الرسل من الآيات ما تقوم به الحجة على الخلق وذلك من كمال فضله ورحمته ﷻ .
إن كمالات الرسل عليهم الصلاة والسلام كافية للإيمان بهم، ومع ذلك فقد أعطاهم ربهم معجزات تقطع حجج الخصوم وتستدعي الإيمان من عشاق الحق وأهل الإنصاف وخاصة الناس وعامتهم. ولم يعط رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام ما أعطيه رسولنا من مستدعيات الإيمان؛ لأنه بُعث لكل الناس وإلى آخر الناس، ولذلك كانت أعلام نبوته لا تتناهى، ودلائل بعثته لا تُحصى، وكم من إنسان استدعى الإيمان منه معنى لطيفاً أو صفة أو خارقة أو نبوءة أو لفتة غير متوقعة، ولذلك فقد كتب في دلائل نبوته وأعلام رسالته الكثير ولا زال، ولايطمع أحد في استقصائها؛ لأن كل يوم جديد يأتي بجديد.
* * *
وقد ذكر صاحب الرسالة المستطرفة تسعة وعشرين كتاباً مؤلفة في الدلائل وأعلام النبوة. وأشهرها كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الحافظ، ولأبي بكر البيهقي، وكتاب أعلام النبوة لأبي داود السجستاني، ودلائل الإعجاز لأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرايني، وكتب السيرة للزهري، والواقدي، ومنها الروض الأنفُ للسهلي.
وقد حاول الشيخ يوسف النبهاني في كتابه (حجة الله على العالمين) أن يجمع الكثير وقد ألفح. ولكن هذا الكثير نفسه قليل بالنسبة لما كتب ويمكن أن يكتب، فصفاته الجسمية ﷺ وأخلاقه الشخصية وسيرة حياته قبل البعثة وبعدها، وهديه في كل صغيرة وكبيرة، والقرآن الذي أنزل عليه، والسنة التي كملت وأكملت، ومعجزات كثيرة في كل، ونبوءات كثيرة في كل، وإعجاز القرآن وحده، وما في هذا الإعجاز من ملامح، فكل دليل على الإعجاز معجزة، وانطباق البشارات التي بشر بها رسل سابقون عليه، كل ذلك من أعلام نبوته ودلائل بعثته وكم من معجزة تأتي في سياق غزوة، وكم من معجزة تأتي
стр. 1087
في سياق توجيه، وكم من نبوءة تأتي في معرض إنذار.
كل ذلك نقوله للإشعار بأن ما سنذكره في هذا الباب بعض من كل، هو البعض الأكثر لصوقاً بمضمون هذا الباب.
* * *
وبمناسبة الكلام عن المعجزات والنبوءات ودلائل النبوة وأعلام الرسالة، أقول:
إن هناك دلائل وأعلاماً تظهر بالمقارنة، وهناك دلائل تظهر من خلال دراسة البيئة، وهناك دلائل تظهر من خلال خروجها عن مبدأ الاحتمالات، فلو أنك درست معاني الكتاب والسنة فإنك تعرف استحالة انبثاقها عن البيئة العربية، ولو أنك درست تصرفات رسول الله ﷺ لوجدتها بالنسبة لعصرها خارقة حتى ولو كانت لا تخرج عن عالم الأسباب، نقول هذا كذلك للإشعار بأن ما سنذكره في هذا الباب لن ندخل فيه إلا ما كان من الخارقة للعادة مطلقاً، أو من باب النبوءة الواضحة في الإخبار عن مستقبل وبمثل هذا تقوم الحجة على كل إنسان.
* * *
سنرى أن كثيراً من المعجزات والنبوءات سترد في سياقات أخرى من هذا القسم، أو من هذا الكتاب وقد مر معنا الكثير من المعجزات فيما مضى، والمعروف أن المعجزات الرئيسية الكبرى لرسولنا ﵊ هي القرآن، فهو معجزة مشتملة على معجزات كثيرة، وقد ذكرنا ذلك في الباب الثاني عند ظاهرة الوحي، ومن أكبر المعجزات معجزة انشقاق القمر، ومعجزة الإسراء والمعراج، وقد مرّتا معنا من قبل، وقد ذكرنا في الباب الأول أنواعاً من الخارقات، وذكرنا كذلك أنواعاً من المعجزات بمناسبة من المناسبات فيما مضى. وههنا سنذكر أمهات من المعجزات سواء كانت خارقات أو نبوءات، وواحدة من ذلك كله كافية للدلالة على رسالته ﵊ فكيف إذا اجتمع هذا كله مع الخصائص ومع البشارات ومع الثمرات والتمكين؟!
* * *
стр. 1088
٩٣٩ - * روى البخاري عن الجعد، قال: مر بنا أنس في مسجد بني رِفاعة، فسمعته يقول: كان النبي ﷺ إذا مر بجنبات أم سُليم دخل عليها فسلم عليها، ثم قال: كان النبي ﷺ عروساً بزينب، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا لرسول الله ﷺ هدية؟ فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمرٍ وسمنٍ وأقطٍ، فاتخذت حيسَةُ في بُرمةٍ، فأرسلت بها معي إليه، فانطلقت بها إليه، فقال لي: "ضعها" ثم أمرني، فقال: "ادعُ لي رجالاً" سماهم "وادعُ لي من لقيت" قال: ففعلت الذي أمرني، فرجعتُ، فإذا البيت غاص بأهله، فرأيت النبي ﷺ وضع يده على تلك الحيسَةِ، وتكلم بما شاء الله، ثُم جعل يدعو عشرة عشرة، يأكلون منه، ويقول لهم: "اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجلٍ مما يليه" حتى تصدعوا كلهم عنها، فخرج منهم من خرج، وبقي نفر يتحدثون، قال: وجعلت أغتم، ثم خرج النبي ﷺ نحو الحجرات، وخرجتُ في إثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع فدخل البيت وأرخى السِّتر، وإني لفي الحجرة، وهو يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (١).
ولمسلم (٢) عن أنس بن مالك. قال: تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله. قال: فصنعت أمي أم سُليمٍ حيساً فجعلته في تَوْرٍ. فقالت: يا أنسُ! اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله علي وسلم، فقل: بعثتْ بهذا إليك أمي. وهي تُقرئك السلام. وتقول: إن هذا لك منا قليلٌ،
стр. 1089
يا رسول الله! قال: فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ . فقلتُ: إن أمي تُقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول اللهّ! فقال: "ضعهُ" ثم قال: "اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً وفلاناً ومن لقيت." وسمى رجالاً. قال: فدعوتُ من سمى ومن لقيتُ.
قال: قلت لأنسٍ: عدد كَمْ كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة.
وقال لي رسول الله ﷺ : "يا أنسُ! هات التور" قال: فدخلوا حتى امتلأت الصُفة والحجرة. فقال رسول الله ﷺ : "ليتحلقُ عشرة عشرةٌ وليأكل كل إنسان مما يليه" قال: فأكلوا حتى شبعوا. قال: فخرجت طائفةً ودخلت طائفةً حتى أكلوا كلهم. فقال لي "يا أنس! ارفعْ" قال: فرفعتُ. فما أدري حين وضعتُ كان أكثر أم حين رفعتُ. قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ . ورسول الله ﷺ جالسٌ، وزوجته موليةٌ وجهها إلى الحائط. فثقلوا على رسول الله ﷺ . فخرج رسول الله صلى لله لعيه وسلم فسلم على نسائه. ثم رجع. فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه. قال: فابتدروا الباب فخرجوا كلهم. وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل. وأنا جالس في الحجرة. فلم يلبث إلا يسيراً حتى خرج عليّ. وأُنزلتْ هذه الآية. فخرج رسول الله ﷺ وقرأهن على الناس ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إلى آخر الآية.
قال الجعدَ: قال أنس بن مالك: أنا أحدثُ الناس عهداً بهذه الآيات. وحجبن نساءُ النبي ﷺ .
ويستفاد من هذا الحديث (١): أنه يجوز في الدعوة أن يأذن المرسل في ناس معينين
стр. 1090
وفي مبهمين، لقوله: "من لقيت، من أردت" وفي هذا لحديث معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ لتكثير الطعام. قاله النووي.
٩٤٠ - * روى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: أخطأني العشاءُ ذات ليلة مع النبي ﷺ وأخطأني أن يدعوني أحد من أصحابنا فصليت العشاء ثم أردتُ أن أنام فلم أقدر، ثم أردتُ أن أصلي فلم أقدر، فإذا رجل عند حجرة النبي صلى الله عليه سلم فأتيته فإذا هو النبي ﷺ يصلي، فصلى، ثم استند إلى السارية التي كان يصلي إليها فقال: "منْ هذا؟ أبو هريرة! " قلت: نعم. قال: "أخطأك العشاءُ معنا الليلة" قلت: نعم. قال: "انطلق إلى المنزل، فقل هلموا الطعام الذي عندكم" فأعطوني صحفة فيها عصيدة بتمر، فأتيت بها النبي ﷺ فوضعتها بين يديه، فقال: "ادع أهل المسجد" فقلت في نفسي: الويل لي مما أرى من قلة الطعام، والويل لي من المعصية، فآتي الرجل وهو نائم فأوقظه، وأقول: أجِبْ، وآتي الرجل وهو يصلي فأقول: أجبْ، حتى اجتمعوا عند النبي ﷺ ، فوضع أصابعه فيها وغمز نواحيها، وقال: "كلوا بسم الله" فأكلوا حتى شبعوا، وأكلت حتى شبعت. قال: "خُذها يا أبا هريرة فارددها إلى آل محمد فما في آل محمد طعام يأكله ذو كبد غير هذهِ، أهداها إلينا رجل من الأنصار" فأخذت اصحفة فرفعتها فإذا هي كهيئتها حين وضعتها إلا أن فيها أثار أصابع النبي ﷺ .
٩٤١ - * روى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اجمعْ لي أصحابك" فجعلت أتبعهم في المسجد رجلاً رجلاً أوقظهم، فأتينا باب النبي ﷺ فدخلنا، فوضعت بين أيدينا صحفة صنيعٍ قدر مُدِّيْ شعير، فقال لنا "كلوا بسم الله" (١) قال
стр. 1091
رسول الله ﷺ حين وضعت الصحفة: "والذي نفس محمد بيده ما في آل محمد شيء غير ما ترونه" فأكلنا حتى شبعنا وفيها منه بقية، وكنا ما بين السبعين إلى الثمانين فقلت لأبي هريرة: مثل إيش كانت حين فرغتم منها؟ فقال: مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع.
٩٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو طلحة لأم سُليم: قد سمعتُ صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خماراً لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال: رسول الله ﷺ : "أرسلك أبو طلحة؟ " قال: فقلت: نعم، فقال: "ألطعامِ؟ " فقلت: نعم، فقال رسول الله ر ﷺ لمن معه: "قوموا" قال: فانطلق وانطلقتُ بين أيديهم، حتى جئتُ أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نُطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلمُ، قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ معه، حتى دخلا، فقال رسول الله ﷺ : "هلُمي ما عندك يا أم سليم" فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففتَّ، وعصرتْ عليه أم سليم عُكَّةً لها، فأدمته، ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون.
стр. 1092
وللبخاري نحوه عن أنس (١): أن أم سُليم - أمهُ - عمدت إلى مُدٍ من شعير جشتْهُ وجعلت منه خطيفةً وعصرت عكة عندها، ثم بعثتني إلى النبي ﷺ فأتيتهُ - وهو في أصحابه - فدعوته. قال: "ومَنْ معي" فجئت فقلت: إنه يقول ومن معي. فخرج إليه أبو طلحة قال: يا رسول الله، إنما هو شيء صنعته أم سليم فدخل، فجيء به وقال: "أدخِل عليَّ عشرة" فأدخلوا فأكلوا حتى شبعوا. ثم قال: "أدخل علي عشرة" فدخلوا فألوا حتى شبعوا. ثم قال: "أدخل علي عشرة". حتى عدَّ أربعين. ثم أكل النبي ﷺ ، ثم قام، فجعلت أنظر هل نقص منها شيء؟.
ولمسلم قال (٢): بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه، وقد جعل طعاماً. قال: فأقبلتُ ورسول الله ﷺ مع الناس، فنظر إليَّ، فاستحييتُ فقلت: أجِب أبا طلحة، فقال الناس: "قوما" فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما صنعتُ لك شيئاً، قال فمسها رسول الله ﷺ ، ودعا فيها بالبركة، ثم قال: "أدخِل نفراً من أصحابي عشرة" وقال: "كلوا" وأخرج لهم شيئاً من بين أصابعه، فأكلوا حتى شبعوا، فخرجوا، فقال: "أدخِل عشرة" فأكلوا حتى شبعوا، فما زال يُدخلُ عشرة. ويخرج عشرة، حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل، حتى شبع، ثم هيأها، فإذا هي مثله حين أكلوا منها.
وفي أخرى نحوه، وفي آخره (٣): ثم أخذ ما بقي، فجمعه ثم دعا فيه بالبركة، قال: فعاذ كما كان، فقال: "دُونكم هذا".
وفي أخرى بهذه القصة، وفيه (٤): فقام أبو طلحة على الباب، حتى أتى رسول الله ﷺ ، فقال له: يا رسول الله، إنما كان شيء يسير، قال: "هلُمَّه فإن الله سيجعل فيه البركة".
стр. 1093
وفي أخرى بنحو هذا، وفيه (١): ثم أكل رسول الله ﷺ وأكل أهلُ البيت، وأفضلوا ما أبلغوا جيرانهم.
وفي أخرى قال (٢): رأي أبو طلحة رسول الله ﷺ مُضطجعاً في المسجد، ينقلبُ ظهراً لبطن وساق الحديث، وقال فيه: ثم أكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة، وأم سُليم، وأنس، وفضلت فضلة فأهديناه لجيراننا.
٩٤٣ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: صنعت أمي طعاماً، وقالت: اذهب إلى رسول الله ﷺ فادعه فجئتُ النبي ﷺ فسارَرُته فقلت: إن أمي قد صنعت شيئاً، فقال لأصحابه: "قومُوا" فقام معه خمسون رجلاً، فجلس على الباب فقال النبي ﷺ : "أُدْخِلْ عشرة عشرة" فأكلوا حتى شبعوا وفضل نحو ما كان.
٩٤٤ - * روى البخاري ومسلم عن اجبر بن عبد الله ﵄ قال: لما حفر الخندق رأيت برسول الله ﷺ خمصاً، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت لها: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصاً شديداً، فأخرجت لي جراباً فيه صاع من شعير، ولنا بُهيمة داجن، قال: فذبحتها، وطحنت، ففرغت إلى فراغين فقطعتُها في بُرمتها. ثم وليتُ إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه، فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله، إنا قد ذبحنا بُهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفرٍ معك، فصاح النبي ﷺ ، وقال: "يا أهل الخندق، إن
стр. 1094
جابراً قد صنع لكم سُوراً فحمسفيهلا بكم" وقال رسول الله ﷺ : "لا تنزلن بُرمتكم، ولا تخبرن عجينتكم حتى أجيء، فجئتُ، وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي، فقالت: بك، وبك، فقلتُ: قد فعلتُ الذي قلت لي، فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى بُرمتنا، فبصق فيها وبارك، ثم قال: "ادعي خابزة فلتخبر معكِ، واقدحي من بُرمتكم، ولا تُنزلُوها" وهم ألف، فأقسمُ بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن بُرمتنا لتغط كما هي، وإن عجينتنا لتُخبزُ كما هو.
٩٤٥ - * روى الترمذي عن سمرة بن جُندبٍ ﵁ قال: كان مع النبي ﷺ نتداول في قصعة عن غُدوة حتى الليل، يقوم عشرةً، ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تُمدُّ؟ قال: من أي شيء تعجب؟ ما كانت تُمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء.
٩٤٦ - * روى أحمد عن عليٍّ ﵁ قال: جمع رسول الله ﷺ أو دعا رسول الله ﷺ بني عبد المطلب فيهم رهطٌ كلهم يأكل الجُذعة يشرب الفرَقَ، قال: فصنع لهم مُداً من طعام فأكلوا حتى شبعوا. قال وبقي الطعام كما هو كأنه لم
стр. 1095
يمس، ثم دعا بغمرٍ فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يُمس أو لم يُشربْ، فقال: "يا بني عبد المطلب إني بُعثت لكم خاصة وإلى الناس بعامةٍ، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟ " قال: فلم يقُم إليه أحد قال: فقمت إليه، وكنت أصغر القوم، قال: فقال: "اجلس" قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول: "اجلس" حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي.
٩٤٧ - * روى البزار عن علي قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) قال رسول الله ﷺ : "يا عليّ! اصنع رجل شاةٍ بصاعٍ من طعام، واجمع لي بني هاشم، وهم يومئذ أربعون رجلاً أو أربعون غير رجل قال: فدعا رسول الله ﷺ بالطعام، فوضعه بينهم، فأكلوا حتى شبعوا، وإن منهم لمن يأكل الجذعة بإدامها، ثم تناول القدح، فشربوا حتى تروَّوا- يعني من اللبن - فقال بعضهم: ما رأينا كالسحر - يرون أنه أبو لهب الذي قاله فقال: "يا علي اصنع رجل شاة بصاع من طعام، وأعدِد قعباً من لبن" قال: ففعلتُ، فأكلوا كما أكلوا في اليوم الأول، وشربوا كما شربوا في المرة الأولى وفضل كما فضل في المرة الأولى، فقال: ما رأينا كاليوم في السحر، فقال: "يا علي اصنع رجل شاةٍ بصاع من طعام، وأعدد قعباً من لبن" ففعلت. فقال: يا علي اجمع لي بني هاشم" فجمعتهم، فأكلوا وشربوا فبدرهم رسول الله ﷺ فقال: "أيكم يقضي عني ديني" قال: فسكت وسكت القوم، فأعاد رسول الله ﷺ المنطق فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: "أنت يا عليُّ، أنت يا علي".
стр. 1096
٩٤٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رجلاً أتى النبي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسقِ شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله، فأتى النبي ﷺ ، فقال: "لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام لكم".
٩٤٩ - * روى الطبراني عن واثلة بن الأسقع يقول: كنت من أصحاب الصفة، فشكى أصحابي الجوع، فقالوا: يا واثلة اذهب إلى رسول الله ﷺ فاستطعم لنا، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله أصحابي يشكون الجوع، فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة هل عندك من شيء؟ " قالت: يا رسول الله ما عندي إلا فتات خبز، قال: "هاتيه" فجاءت بجراب، فدعا رسول الله بصحفة فأفرغ الخبز في الصحفة، ثم جعل يصلح الثريد بيديه وهو يربو، حتى امتلأت الصحفة، فقال: "يا واثلة اذهب فجيء بعشرة من أصحابك وأنت عاشرُهم" فذهبت فجئت بعشرة من أصحابي وأن عاشرهم، فقال: "اجلسوا خُذوا بسم لله خذوا من حواليها، ولا تأخذوا من أعلاها فإن البركة تنحدرُ من أعلاها" فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا وفي الصحفة مثل ما كان فيها، ثم جعل يصلحها بيده وهي تربو حتى امتلأت، فقال "يا واثلة اذهب فجيء بعشرة من أصحابك" فجئت بعشرة، فقال: "اجلسوا" فجلسوا، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا، ثم قال: "اذهب فجيء بعشرة مِنْ أصحابك" فذهبت فجئت بعشرة، ففعلوا مثل ذلك، فقال: "هل بقي أد؟ " قلت: نعم عشرة، قال: "اذهب فجيء بهم، فذهبت فجئت بهم، فقال: "اجلسوا" فجلسوا فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا وبقي في الصحفة مثل ما كان. ثم قال: "يا واثلة اذهب بهذا إلى عائشة".
стр. 1097
٩٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النبي ﷺ : "هل مع أحدٍ منكم طعام؟ " فإذا مع رجل صاع من طعام، أو نحوه، فعُجِن، ثم جاء رجل مشرك مشعَانٌّ طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : "بيعاً، أم عطية؟ " أو قال: "أم هبة؟ " قال: لا بل بيع. فاشترى منه شاة، فصنعت، وأمر النبي ﷺ بسواد البطن أن يُشوى، وأيم الله ما في الثلاثين والمائة إلا وقد حز النبي ﷺ له حزةً من سواد بطنها، إن كان شاهداً أعطاه، وإن كان غائباً خبأ له، فجعل منهما قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، ففضلت القصعتان، فحملناه على البعير.
وفي رواية (١): ففضل في القصعتين، فحملته على البعير - أو كما قال.
٩٥١ - * روى البزار عن أبي حُنيس الغفاري: أنه كان مع رسول الله ﷺ في غزوة تِهامة، حتى إذ كنا بعُسْفان جاءه أصحابه، فقالوا: يا رسول الله! جهدنا الجوع فأذن لنا في الظهر نأكله، قال: "نعم" فأخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله! ماذا صنعت؟ أمرت الناس أن ينحروا الظهر، فعلى ما يركبون؟ قال: "فما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم فتجمعه في تورٍ، ثم تدعو الله لهم، فأمرهم فجعلوا فضل
стр. 1098
أزوادهم في تورٍ، ثم دعا لهم، ثم قال: "إيتوا بأوعيتكم" فملأ كل إنسان منهم وعاءه، ثم أذن بالرحيل، فلما جاوزوا مُطِروا، فنزل ونزلوا معه، فشربوا من ماء السماء، فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان مع النبي ﷺ وذهب الآخر معرضاً، فقال النبي ﷺ : "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما واحد فاستحيا من الله فاستحيا الله منه وأما الآخر فأقبل تائباً فتاب الله عليه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه".
٩٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهدٌ، حتى هممنا أن ننْحَرَ بعض ظهرِنا، فأمرنا نبي الله ﷺ ، فجمعْنَا مزاوِدنَا، فبسطنا له نِطَعَا، فاجتمع زادُ القوم على النِّطَعِ، قال: فتطاولت لأحزُرهُ كم هو؟ فحزَرْتُه كرَبْضة العَنْزِ، ونحنُ أربع عشرة مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعاً، ثم حشوْنا جُرُبَنا، فقال نبي الله ﷺ : "فهل مِنْ وضوءٍ؟ " قال: فجاء رجلٌ بإداوةٍ له، فيها نُطفةً، فأفرغها في قدحٍ، فتوضأنا كُلُّنَا، نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَة، أربع عشرة مائة، قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية، فقالوا: هل من طَهورٍ؟ فقال رسول الله ﷺ : "فرّغَ الوضوءُ".
وهذا لفظ البخاري: قال سلمة: خفت أزْوَاد الناس وأمْلَقُوا، فأتوا النبي ﷺ في نَحْرِ إبِلهم، فأذِنَ لهُم، فلقيَهُم عُمر فأخبروه فقال: مابقاؤكم بعد إبلكُم (١)، فدخَلَ عمر على
стр. 1099
النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "نادِ في الناس يأتُون بِفَضْل أزْوادِهم" فدعا وبرَّك عليهم ثم دعاهُم بأوعيتهم، فاحْتثى الناسُ حتى فرَغُوا، ثم قال رسول الله ﷺ : "أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله".
قال النووي في شرحه على مسلم: وقولهم:
(لو أذنت لنا) هذا من أحسن آداب خطاب الكبار والسؤال منهم فيقال: لو فعلت كذا أو أمرت بكذا لو أذنت في كذا وأشرت بكذا، ومعناه لكان خيراً أو لكان صواباً ورأياً متيناً أو مصلحة ظاهرة وما أشبه هذا، فهذا- أجمل من قولهم للكبير: افعل كذا بصيغة الأمر وفيه أنه لا ينبغي لأهل العسكر من الغزاة أن يضيعوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا إذا رأى مصلحة أو خاف مفسدة ظاهرة والله أعلم أهـ.
٩٥٣ - * روى أحمد عن النعمانِ بن مُقَرِّنٍ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في أربعمائة من مُزَينة، فأمارنا رسول الله ﷺ بأمره، فقال بعض القومِ: يا رسول الله مالنا طعام نتزودُه، فقال النبي ﷺ عمر: "زَوَّدهُم" فقال: ما عندي إلا فاضلةٌ من تمرٍ، وما أراها تُغني عنهم شيئاً: فقال: "انطلِقْ فزودهم" فانطلق بنا إلى عَليِّةٍ له، فإذا فيها تمر مثل البَكْر الأورق، فقال: خذوا فأخذ القوم حاجتهم، قال: وكنتُ أنا في آخرِ القوم، قال: فالتفتُّ وما أفقدُ موضع تمرةٍ، وقد احتمل منه أربعمائة رجلٍ.
٩٥٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال (١): أتيتُ النبي ﷺ بتمراتٍ،
стр. 1100
فقلت: يا رسول الله ادعُ الله فيهنَّ بالبركة فصمهُنَّ ثُم دع لي فيهن بالبركة، فقال: "خُذْهُن واجعلهُن في مِزْوَدَِ هذا أو في هذا المِزْوَدِ كُلما أردْتَ أن تأخذ منه شيئاً فأدخِلْ فيه يدكَ فخذْهُ ولا تنْثُرْهُ نثراً" فقدْ حمَلْتُ من ذلك التمر كذا وكذا من وسْقٍ في سبيل الله، فكُنا نأكلُ منهُ ونُطْعِمُ، وكان لا يُفارقُ حِقْوِي حتى كان يومُ قَتْلِ عثمان فإنه انقطع.
وزاد رزين: من حقوي، فسقط فحزنت عليه حزناً شديداً.
٩٥٥ - * روى البخاري؛ عن جبر بن عبد الله ﵄: أن أباه تُوفي وترك ثلاثين وسقاً لرجلٍ من اليهود، فاستنْظَرَهُ جابر، فأبى أن يُنْظِرَهُ، فكلم جابرٌ رسول الله ﷺ ليشفع له إليه، فجاءه رسول الله ﷺ ، فكلم اليهودي ليأخذ تَمْرَ نخلهِ بالذي له، فأبى، فدخل رسول الله ﷺ النخل، فمشى فيها، ثم قال لجابر: "جُدِّ له، فأوف الذي له" فجَدَّه بعد ما رجع رسول الله ﷺ ، فأوفاه ثلاثين وسقاً، وفضلتُ له سبعة عشر وسقاً، فجاء جابر رسول الله ﷺ ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلا انصرف أخبرهُ بالفضلِ، فقال "أخْبِر ذلك ابن الخطاب" فذهب جابرٌ إلى عمر فأخبرهُ، فقال له عمر: لقد علمتُ حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليُباركنَّ فيها.
وفي رواية أخرى قال (١): تُوفي أبي وعليه دينٌ، فعرضتُ على غُرمائهِ أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاء، فأتيتُ النبي ﷺ ، فذكرتُ ذلك له، فقال: "إذا جَدَدتَهُ فوضعْتَه في المِربدِ آذنت رسول الله ﷺ " فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجس عليه ودعا بالبركة، ثم قال: "ادعُ غرماءك فأوْفهم" فما تركتُ أحداً له على أبي
стр. 1101
دينٌ ألا قضيتُهُ، وفضل ثلاثة عشر وسقاً: سبعة عجوةً، وستةً لونُ - أو ستةً عجوةٌ وسبعةُ لون - فوافيتُ مع رسول الله ﷺ المغرب، فذكرتُ ذلك له، فضحك، فقال: "ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما" فقالا: لقد عَلمنا إذْ صنع رسول الله ﷺ ما صنع أن سيكون ذلك.
وقال في رواية (١): "صلاة العصر" وفي رواية (٢): "صلاة الظهر".
وفي أخرى قال (٣): تُوفِّيَ عبد الله بن عمرو بن حرام وعليه دينٌ، فاستعنتُ بالنبي ﷺ على غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب النبي ﷺ إليهم، فلمْ يفعلوا، فقال لي النبي ﷺ : "اذهب، فصنف تمرك أصنافاً: العجوة على حدة، وعذق ابن زيد على حدة، ثم أرسل إليِّ" ففعلتُ، ثم أرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فجلس على أعلاه - أو في وسطه- ثم قال: كلْ للقومِ، فكلتَهُم، حتى أوفيْتهُم الذي لهم وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء.
وفي رواية (٤): فما زال يكيلُ لهم حتى أدَّاه.
وفي أخرى نحوه، وفيه زيادة، قال جابر ﵁ (٥): أُصيبَ عبدُ الله وتركَ عيالاً وديناً، فطلبتُ إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضاً من دَينهِ فأبوا، فأتيت النبي ﷺ فاستشفعتُ به فأتوا. فقال: "صنِّفْ تمرك كل شيءٍ منه على حدتهِ: عذِقٍ ابن زيدٍ على حدة، واللين على حدةٍ، والعجوة على حدةٍ، ثم أحضرهم حتى آتيك" ففعلتُ. ثم جاء ﷺ فقعد عليه، وكال لكل رجل حتى استوفى، وبقي التمر كما هو كأنه لم
стр. 1102
يُمَسُّ وغزوتُ مع النبي ﷺ على ناضحٍ لنا، فأزْحَفَ الجملُ فتخلف على فوكزهُ النبي ﷺ .
وفي أخرى (١): أن أباهُ استُشهد يوم أُحُدٍ وترك ستُ بناتٍ ترك عليه ديناً، فلما حضرهُ جِذاذُ النخلِ أتيتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أُحُد وترك عليه ديناً كثيراً، وإني أُحبُّ أن يراك الغرماء، قال: "اذهب فبيدِرْ كل تمرٍ على ناحيةٍ" ففعلتُ، ثم دعوته، فلما نظروا إليه أُغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدراً ثلاث مراتٍ، ثم جلس عليه ثم قال: "ادعُ أصحابك فما زال يكيلُ لهم حتى أدى الله أمانة والدي، وأنا والله راضٍ أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أُرجعُ إلى أخواتي تمرةً، فسلم والله البيادرُ كلُّها حتى أني أنظرُ إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنه لم ينقُص تمرةً واحدةً.
وفي أخرى (٢): أن أباه تُوفي وعليه دينٌ، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه ديناً، وليس عندي إلا ما يُخرجُ نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلقْ معي لكيلا يُفْحِشَ عليَّ الغُرماء، فمشى حول بيدرٍ من بيادر التمر، فدعا، ثم آخر، ثم جلس عليه، فقال: "انزِعوهُ فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم".
وفي أخرى (٣): أن أباه قُتل يوم أُحُدٍ شهيداً، فاشتد الغرماءُ في حقوقهم، فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي، ويُحَلِّلوا أبي، فأبوا فلم يعطهم ولم يكسره لهم، ولكن قال: "سأغد عليك إن شاء الله"، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل، فدعا في ثمره بالبركة، فجددتُها، فقضيتُهم حقوقهم، وبقي لنا من ثمرها
стр. 1103
بقية، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو جالس فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ لعمر وهو جالسٌ: "اسمع يا عمر" فقال عمر: ألا يكونُ قد علمنا أنك رسول الله؟ والله إنك لرسول الله.
وفي رواية أبي داود (١): أنأباهُ تُوفي وترك عليه ثلاثين وسقاً لرجلٍ من يهود، فاستنظرهُ جابرٌ فأبى، فكلم جابرٌ رسول الله ﷺ أن يشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ وكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له عليه، فأبى عليه، وكلمه رسول الله أن يُنظرَهُ، فأبى، وساق الحديث
وللنسائي في رواية قال (٢): كان ليهودي على أبي تمر، فقُتِلَ يوم أُحُد، وترك حديقتين، وتمر اليهودي يستوعبُ ما في الحديقتين، فقال النبي ﷺ : "هل لك أن تأخذ العام نصفه، وتؤخر نصفه؟ " فأبى اليهودي، فقال النبي ﷺ : "هل لك أن تأخذ الجِدادَ؟ " فآذني، فآذنته، فجاء هو وأبو بكرٍ، فجعل يُجدُّ ويُكالُ منْ أسفلِ النخل، ورسول الله ﷺ يدعو بالبركة، حتى وفيناه جميع حقه من أصغر الحديقتين، فيما يحسبُ عمار، ثم أتيتُهم برُطبٍ وماء، فأكلوا وشربوا ثم قال: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه".
قال ابن حجر: وأصناف تمر المدينة كثيرة جداً، فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجويني في "الفروق" أنه كان بالمدينة فبلغه أنهم عدوا عند أمرها صنوف التمر الأسود خاصة فزادت على السنين. قال: والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم.
٩٥٦ - * روى أحمد والدارمي عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المشركين ليقاتلهم فقال أبي عبد الله: يا جابرُ لا عليك أن تكون في نظاري
стр. 1104
أهل المدينة، حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بناتٍ لي بعدي لأحببتُ أن تُقتل بين يديَّ. قال: فبينما أنا في الناظرين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي لتدفنهُما في مقابرنا فلحق رجل ينادي: إن النبي ﷺ يأمرُكم أن تردوا القتلى فتدفنوها في مضجعها حيث قُتلتْ، فرددناهما فدفناهما في مضجعهما حيثُ قُتلا فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيانٍ إذ جاءني رجلٌ فقال: يا جابر بن عبد الله، لقد أثار أباك عُمال مُعاوية، فبدأ فخرج طائفة منهم، فانطلقت إليه فوجدتُه على النحو الذي دفنته، لم يتغير إلا ما لم يدع القتيل قال: فواريته. وترك أبي عليه ديناً من التمر، فاشتد عليَّ بعض غرمائه في التقاضي، فأتيتُ رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم كذا وكذا، وإنه ترك عليه ديناً من التمر، وإنه قد اشتد عليَّ بعض غرمائه في الطلب، فأحِبُّ أن تُعينني عليه لعلهُ أن يُنظرني طائفة من تمره إلى هذا الصِّرَام المقبل، قال: "نعم آتيك إن شاء الله قريباً من وسط النهار"، قال: فجاء ومعه حواريوه، قال: فجلسوا في الظل وسلم رسول الله ﷺ واستأذن، ثم دخل علينا قال: وقد قلت لامرأتي: إن رسول الله ﷺ جاء اليوم وسط النهار فلا يُرينَّكِ، ولا تؤذي رسول الله ﷺ في شيء ولا تكلميه ففرشت فراشاً ووسادة فوضع رأسه فنام. فقلتُ لمولي لي: اذبح هذه العِناق- وهي داجنٌ سمينةٌ- فالوَحا والعجَل، افرُغْ منها قبل أن يستيقظ رسول الله ﷺ وأنا معك، فلم نزل فيها حتى فرغنا منها وهو نائم. فقلتُ: إن رسول الله ﷺ حين يستيقظُ يدعُو بطُهُوره، وأنا أخاف إذا فرغ أن يقوم - أي أن يذهب- فلا يفرغ من طُهُوره حتى يوضع العِناقُ بين يديه. فلما استيقظ قال: "يا جابر إيتني بطهُور" قال: نعم، فلم يفرغ من وضوئه حتى وُضِعَتْ العناقُ بين يديه. قال: فنظر إليَّ فقال: "كأنك قد عَلِمْت حُبَّنا اللحم. ادع أبا بكر" ثم دعا حوارييه، قال: فجيء بالطعام فوُضِعَ. قال: فوضع يده وقال: "بسم الله كلوا"، فأكلوا حتى شبعوا، وفضل منها لحمٌ كثير. وقال (١): [الراوي
стр. 1105
جابر] والله إن مجلس بني سلمة لينظرون إليهم: هو (أي النبي ﷺ أحبُّ إليهم من أعينهم ما يقربُونه مخافة أن يُؤذُوه. ثم قام وقام أصحابُه فخرجوا بين يديه، وكان يقول: "خَلُّوا ظهري للملائكة" قال: فاتبعتهم حتى بلغت أُسْكُفَّة الباب، فأخرجت امرأتي صدرها وكانت ستيرة، فقالت: يا رسول الله صلْ عليَّ وعلى زوجي. قال "صلى الله عليك وعلى زوجك" ثم قال: ادعوا لي فلاناً، للغريم الذي اشتد عليَّ في الطلب، فقال: "أنْسيء جابراً طائفةً من دينك الذي على أبيه إلى هذا الصِّرام المُقبل، قال ما أنا بفاعل. قال: واعتل وقال: إنما هو مال يتامى فقال رسول الله ﷺ : "أين جابر؟ " قال: قلت: أنا ذا يا رسول الله. قال: "كِلْ له من العجوة فإن الله تعالى سوف يُوفيه" فرفع رأسه إلى السماء فإذا الشمسُ قد دلكت. قال: "الصلاة يا أبا بكر" قال: فاندفعوا إلى المسجد. فقلت لغريمي: قرِّب أوْعيتك، فكِلْتُ له من العجْوة فوفاه الله، وفضل لنا من التمر كذا وكذا، قال: فجئتُ أسعى إلى رسول الله ﷺ في مسجده كأني شرارة، فوجدت رسول الله ﷺ قد صلى، فقلت له: يا رسول الله إني قد كِلْتُ لغريمي تمرهُ فوفاهُ الله، وفضل لنا من التمر كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : "أين عمر بن الخطاب؟ " قال: فجاء يُهرْول قال: "سل جابر بن عبد الله عن غريمه وتمره" قال: ما أنا بسائله. قد علمتُ أن الله سوف يوفيه إذْ أخبرت أن الله سوف يوفيه. فردُدَ عليه وردد عليه هذه الكلمة ثلاث مرات، كل ذلك يقول: ما أنا بسائله. وكان لا يُراجعُ بعد المرة الثالثة فقال: "ما فعل غريمك وتمرك؟ قال: قلتُ (١): وفاه الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا
стр. 1106
فرجعتُ إلى امرأتي. فقلت: ألم أكن نهيتُكِ أن تكلمي رسول الله ﷺ في بيتي؟ فقالت: تظن أن الله تعالى يُورِدُ نبيهُ في بيتي ثم يخرج ولا أسأله الصلاة عليَّ وعلى زوجي.
٩٥٧ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: تعُدُّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعُدُّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة - والحديبية بئر - فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناءٍ من ماءٍ، فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيدٍ، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابُنا.
وفي رواية نحوهُ، إلا أنه قال (١): "ائتوني بدلوٍ من مائها" فأتِيَ به فبصق فدعا، ثم قال: "دعُوها ساعة" قال: فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلُوا.
قال ابن حجر:
قوله (ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان) يعني قوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٢) وهذا موضع وقع فيه اختلاف قديم، والتحقيق أنه يختلف ذلك باختلاف المراد من الآيات، فقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ المراد بالفتح هنا الحديبية لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين، لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن ورفع الحرب وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما: ثم تبعت الأسباب بعضها بعضاً إلى أن كمل الفتح. وقد ذكر ابن إسحاق في المغازي عن الزهري قال: لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه إنما كان الكفر حيث القتال (٣) فلما أمن الناس كلهم كلم بعضهم بعضاً وتفاوضوا في
стр. 1107
الحديث والمنازعة ولم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئاً إلا بادر إلى الدخول فيه، فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. أهـ.
٩٥٨ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله: سافرنا مع رسول الله ﷺ فحضرتِ الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "أما في القوم طهورٌ؟ " قال: فجاء رجل بفضل ماء في إداوةٍ. قال: فصبهُ في قدح فتوضأ رسول الله ﷺ . قال: ثم إن القوم أتوا بقية الطهور. فقال- (أحدهم) - تمسحُوا به، فسمعهم رسول الله ﷺ . فقال: "على رسلكم" فضرب رسول الله ﷺ يده في القدح في جوف الماء، ثم قال: "أسبغُوا الطهُور" فقال جابر بن عبد الله: والذي أذهب بصري - قال: وكان قد ذهب بصره- لقد رأيت الماء ينبعُ من بين أصابع رسول الله ﷺ فلم يرفع يده حتى توضؤوا أجمعُون قال عبيدة، قال الأسود، حسبتُهُ قال: كنا مائتين أو زيادة.
٩٥٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نعدُّ الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فقل الماء، فقال: "اطلبوا فضلةً من ماءٍ" فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: "حي على الطهور المبارك، والبركة من الله تعالى" فلقد رأيتُ الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكلُ.
وفي رواية النسائي قال (١): كنا مع النبي ﷺ : فلم يجدوا ماءً، فأُتي بتورٍ فأدْخَل يدهُ، فلقد رأيتُ الماء يتفجرُ من بين أصابعه، ويقول: "حيَّ على الطهور، والبركة
стр. 1108
من الله تعالى".
قال الأعمش: فحدثني سالمُ بن أبي الجعْدِ قال: قلتُ لجابرٍ: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف وخمسمائة.
٩٦٠ - * روى ابن ماجة عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! لقد جئتُك من عندِ قومٍ ما يتزوَّدُ لهم راعٍ، ولا يخطرُ لهم فحلٌ فصعِدَ المنبر، فحمد الله ثم قال: "اللهم اسقنا غيثاً مُغيثاً مريئاً طبقاً مريعاً غدقاً عاجلاً غير رائثٍ" ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا قد أحيينا.
٩٦١ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ربما ذكرتُ قول الشاعر- وأنا أنظرُ إلى وجه رسول الله يستسقي" فما ينزلُ حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يُستسقي الغمامُ بوجهه ... ثِمَال اليتامى عصمةً للأراملِ
وهو قول أبي طالب.
стр. 1109
٩٦٢ - * روى مالك عن أبي الطفيل عامر بن واثلة؛ أن معاذ بن جبلٍ أخبرهُ أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ ، عام تبوك. فكان رسول الله ﷺ يجمعُ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال: فأخر الصلاة يوماً. ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل. ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً. ثم قال: "إنكم ستأتون غداً، إن شاء الله، عينَ تبوك. وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهارُ. فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً. حتى آتى" فجئناها، وقد سبقنا إليها رجلان. والعين تَبِضُّ بشيء من ماءٍ. فسألهما رسول الله ﷺ : "هل مسسْتُما من مائها شيئاً؟ " فقالا: نعم. فسبهما رسول الله ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول. ثم غَرَفُوا بأيديهم من العين، قليلاً قليلاً. حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله ﷺ ، فيه وجهه ويديه. ثم أعاده فيها. فجرتِ العينُ بماءٍ كثير. فاستقى الناسُ. ثم قال رسول الله ﷺ : "يُوشِكُ، يا معاذ، إن طالت بك حياة، أن ترى ما ههنا قد ملئ جناناً".
٩٦٣ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: عُطِشَ الناسُ يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحو - وفي رواية (١): جهش الناس نحوه- فقال رسل الله ﷺ : "مالكم؟ " قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب، إلا ما في رَكْوَتِكَ، قال: فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، قال: فقلتُ لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألفٍ لكفانا، كنا خمسَ عشرة مائةً.
هذا حديث البخاري، وهو أتم، ولم يُخرجْ مسلم منه إلا قوله (٢): لو كنا مائة ألفٍ لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.
стр. 1110
وله أيضاً في رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعْد، قال (١): قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وأربعمائة، لم يزد.
وللبخاري أن جابراً قال (٢): قد رأيتُني مع النبي ﷺ وقد حضرت العصرُ، وليسمعنا ماء غير فضلةٍ، فجُعل في إناءٍ، فأتى النبي ﷺ به، فأدخل يده فيه، وفرَّج أصابعه، ثم قال: "حيَّ على أهل الوضوء، والبركةُ من الله" فلقد رأيت الماء يتفجرُ من بين أصابعه، فتوضأ الناس وشربُوا، فجعلتُ لا آلو ما جعلتَ في بطني منه، فعلمت أنه بركة، قلت لجابرٍ: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفٌ وأربعمائة.
قال البخاري: وقال حُصينُ وعمروُ بن مُرة عن سالم عن جابر: خمس عشرة مائة.
وأخرج مسلم (٣) من رواية حُصينٍ وعمرو بن مُرة بالإسناد.
وللبخاري (٤) من حديث ابن المسيب: أن قتادة قال له: لقد بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة فقال لي سعيد: حدثني جابر: كانوا خمس عشرة مائة، الذين بايعوا النبي ﷺ يوم الحديبية.
قال البخاري تابعه أبو داود عن قرة عن قتادة، وقد قال بعض الرواة: عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن ابن المسيب قال: نسي جابر، كانوا خمس عشرة مائة ولم يقل: حدثني جابر.
٩٦٤ - * روى أحمد والطبراني عن البراء بن عازب قال: كُنا مع رسول الله ﷺ في مسير فأتينا على ركيةٍ دمنةٍ - أي قليلة الماء - قال: فنزل فيها ستةٌ أنا سادسُهم
стр. 1111
ماحةً. قال: فأدليتْ إلينا دلوٌ قال: ورسول الله ﷺ على شفة الرَّكي، قال: فجعلنا فيها نصفها أو قريب ثلثيها فرُفعت إلى رسول الله ﷺ . قال البراء: فجئتُ بإنائي هل أجد شيئاً أجعله في حلقي؟ فما وجدتُ، فرُفِعَتِ الدلُو إلى رسول الله ﷺ فغمس يده فيها، فقال: ما شاء الله أن يقول: فأعيدتْ إلينا الدلْوُ بما فيها. قال: فقد رأيتُ آخرَنا أُخْرِجَ بقوةٍ خشية الغرقِ. قال: ثم ساحت - يعني جرت نهراً-.
٩٦٥ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العُسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قَيْظٍ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحرُ بعيره فيعصِرُ فرثَهُ فيشربُه، ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إنْ اله قد عوْدك في الدعاء خيراً، فادع له. فقال: "أتحبُّ ذلك؟ " قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهُما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جازت العسكر.
٩٦٦ - * روى البخاري ومسلم عن عمران بن حصين قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ وإنا أشريْنا حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان - يسميهم أبو رجاء فنسي عوفٌ- ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي ﷺ إذا نام لم يُوقَظْ حتى يكون هو نستيقظ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه. فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس - وكان رجلاً جليداً - فكبَّرَ ورفع صوته بالتكبير، فما زال يُكبِّرُ ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي ﷺ ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال (١): "لا ضير
стр. 1112
- أو لا يضيرُ - ارتحِلوا" فارتحل، فسار غير بعيدٍ، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونُودِيَ بالصلاة فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجلٍ معتزلٍ لم يُصلِّ مع القوم، قال: "ما منعك يا فلان أن تُصلي مع القوم؟ " قال: أصابتني جنابةٌ ولا ماء. قال: "عليك بالصعيد. فإنه يكفيك" ثم سار النبي ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلاناً - كان يسميه أبو رجاءٍ نسيه أبو عوفٌ- ودعا علياً فقال: "اذهبا فابتغيا الماء" فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعيرٍ لها فقالا لها: أين الماءُ؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خُلوفاً. قالا لها: انطلقي إذاً. قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ . قالت الذي يُقال له الصابئُّ. قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي. فجاءا بها إلى النبي ﷺ وحدثاهُ الحديث. قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودع النبي ﷺ بإناء ففرَّغَ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ أفواههُما وأطلق العزالي ونُودي في الناس: اسقوا واستقوا. فسقى من شاء واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماءٍ. قال: اذهب فأفرغه عليك. وهي قائمة تنظرُ إلى ما يُفْعَلُ بمائها. وايمُ الله لقد أُقْلعَ عنها وإنه ليُخيَّلُ إلينا أنها أشدُّ ملأةُ منها حين ابتدأ فيها. فقال النبي ﷺ : "اجمعوا لها" فجمعوا لها - من عجوةٍ ودقيقةٍ وسويقةٍ- حتى جمعوا لها طعاماً، فجعلوها في ثوبٍ وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: "تعلمين ما رزِئْنا من مالك شيئاً، ولكن الله هو الذي أسقانا" فأتتْ أهلها وقد احتبسَتْ عنهم. قالوا: ما حَبَسكِ يا فُلانةُ؟ قالت: العجبُ، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقالُ له الصابئُّ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحرُ الناس من بين هذه وهذه (١) - وقالت بإصبعيْها الوُسطى والسبابة فرفعتهما إلى
стр. 1113
السماء تعني السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقاً. فكان المسلمون بعد لك يُغيرون على من حولها من المشركين ولا يُصيبون الصِّرْمَ الذي هي منه. فقالت يوماً لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعُونكم عمداً، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام.
٩٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ وحانتْ صلاةُ العصر، فالتمس الناسُ الوضوء، فَلَمْ يجدوهُ، فأُتي رسول الله ﷺ بوضوءٍ، فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يدهُ، وأمر الناس أن يتوضؤوا منهُ، قال: فرأيتُ الماء ينْبُع من تحتِ أصابعه، حتى توضؤُوا منْ عند آخرهم.
وفي رواية قال (١): إن النبي ﷺ دعا بماءٍ، فأُتي بقدحٍ رحراحٍ، فجعل القومُ يتوضؤون، فحزرْتَ ما بين الستين إلى الثمانين، قال: فجعلتُ أنظرُ إلى الماء ينبعُ من بين أصابعه.
وللبخاري قال (٢): حضرتِ الصلاةُ، فقام من كان قريب الدارِ من المسجد يتوضأ، وبقي قومٌ، فأُتي رسول الله ﷺ بمِخْضَبٍ من حجارةٍ فيه ماءٌ، فوضع كفه فصغُر المِخْضَبَ أنْ يبْسط فيه كفُهُ، فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القومُ كلهم جميعاً، قلت: كمْ كانوا؟ قال: ثمانون رجلاً.
وله في أخرى قال (٣): خرج النبي ﷺ في بعض مخارجه، ومعه ناسٌ من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة، فلم يجدوا ماء يتوضؤون، فانطلق رجلٌ من القوم
стр. 1114
فجاء بقدحٍ من ماءٍ يسير، فأخذه النبي ﷺ فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع على القدح، ثم قال: "قومُوا فتوضؤوا"، فتوضأ القومُ حتى بلغوا فيما يُريدون من الوضوء، وكانوا سبعين، أو نحوه.
ولهما في رواية قال (١): أُتي النبيُّ ﷺ بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبعُ من بين أصابعه، فتوضأ القومُ.
قال قتادةُ: قلتُ لأنسٍ: كَمْ كنتُم؟ قال: ثلاثمائةٍ، أو زُهاء ثلاثمائة.
ولمسلم (٢): أن نبي الله ﷺ كان وأصحابه بالزوراء - قال: والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمَّه - دعا بقدح فيه ماءٌ، فوضع كفه فيه فجعل ينبعُ من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، قال: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زُهاء الثلاثمائة.
وللنساء قال (٣): طلب بعضُ أصحاب رسول الله ﷺ وضوءاً، فقال رسول الله ﷺ : "هل مع أحدٍ منكُم ماءٌ؟ " فوضع يدهُ في الماء، ويقول: "توضؤوا بسم الله" فرأيت الماء يخرُج من بينِ أصابِعِه، حتى توضؤوا من عند آخرهم. قال ثابت: قلت لأنس: كمْ تراهُم؟ قال: نحواً من سبعين.
٩٦٨ - * روى مسلم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلبُ العلمَ في هذا الحي من الأنصار، قبل أن يهلكوا فكان أول من لقينا أبا اليسر، صاحب رسول الله ﷺ . ومعهُ غلامٌ لهُ. معهُ صمامةٌ من صُحُفٍ وعلى أبي اليسر بردة ومعافري. وعلى غُلامه بردة ومعافري. فقال له أبي: يا عمِّ! إني أرى في وجهك
стр. 1115
سفعة من غضبٍ. قال: أجل كان لي على فلان بن فلان الحرامي مالٌ. فأتيتُ أهلهُ فسلمتُ. فقلت: ثم هو؟ قالوا: لا. فخرج علي ابن له جفرٌ. فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي. فقلت: اخرجْ إليَّ. فقدْ علمتُ أين أنت. فخرج. فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله! أُحدثك. ثم لا أكذبُك. خشيتُ، والله! أن أحدثك فأكذبك. وأن أعدك فأخلفك. وكنت صاحب رسول الله ﷺ . وكنت، والله! معسراً. قال: قلتُ: آلله! قال: اللهِ! قلت: آللهِ! قال: الله. قلت: آلله! قال: الله. قال فأتى بصحيفته فمحاها بيده. فقال: إن وجدت قضاء فاقضني. وإلا أنت في حِلٍّ، فأشهدُ بصر عيني هاتين (ووضع إصبعيه على عينيه) وسمع أذني هاتين، ووعاهُ قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه) رسول الله ﷺ وهو يقول: "من أنْظَرَ معسراً" أو وضعه عنهُ، أظلهُ الله في ظله".
قال فقلتُ له أنا: يا عم! لو أنك أخذت بُردة غُلامِكَ وأعطيتَهُ معافريكَ، وأخذت معافريهُ وأعطيته بُرْدَتك، فكانت عليك حُلةً وعليه حُلةً. فمسح رأسي وقال: اللهم! بارك فيه. يا ابن أخي! بصرُ عيني هاتين، وسمع أذني هاتين، ووعاه قلبي هاذ (وأشار إلى مناط قلبه) رسول الله ﷺ وهو يقول: "أطعموهم مما تأكلون. وألبسوهم مما تلبسون". وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون عليَّ منْ أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة.
ثم مضينا حتى أتينا جابر بن عبد الله في مسجده، وهو يُصلي في ثوبٍ واحدٍ (١)،
стр. 1116
مشتملاً به. فتخطيتُ القومَ حتى جلستُ بينه وبين القِبْلَة. فقلت: يرحمُك الله! أتصي في ثوبٍ واحدٍ ورداؤك إلى جنبك؟ قال: فقال بيده في صدري هكذا. وفرَّق بين أصابعه وقوسها: أردتُ أن يدخل علي الأحمق مثلك، فيراني كيف أصنعُ، فيصنعُ مثله.
أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طابٍ، فرأى في قبلة المسجد نُخامة فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال: "أيكم يُحبُّ أن يُعْرِض الله عنه؟ " قال فخشعنا. ثم قال: "أيكُمْ يُحبُّ أن يُعْرِض الله عنه؟ " قال فخشعنا. ثم قال: "أيُّكُم يُحبُّ أن يُعْرِض الله عنه؟ " قلنا: لا أينا، يا رسول الله! قا: "فإن أحدكم إذا قام يُصلي، فإن الله تبارك وتعلى قِبَلَ وجهه فلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وجهه. ولا عن يمينه. وليبصُق عن يساره، تحت رجله اليُسْرى. فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا" ثم طوى ثوبه بعضه على بعضٍ فقال: "أرثوني عبيراً" فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله. فجاء بخلوقٍ في راحتِه. فأخذه رسول الله ﷺ فجعله على رأس العُرْجُونِ. ثم لطخَ به على أثر النُّخامة.
فقال جابرٌ: فمِنْ هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم.
стр. 1117
سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطنِ بُواطٍ. وهو يطلبُ المجديَّ بن عمرو الجُهنيِّ وكان الناضحُ يعقبهُ منا الخمسةُ والستةُ والسبعةُ. فدارت عُقبةُ رجلٍ من الأنصار على ناضحٍ له فأناخه فركبه. ثم بعثهُ فتلدَّن عليه بعض التلدُّن. فقال له: شأْ لعنك الله. فقال رسول الله: "من هذا اللاعنُ بعيرهُ؟ " قال: أنا يا رسول اله! قال: "انزلْ عنهُ، فلا تصحبنا بملعونٍ. لا تدعُوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكُمْ، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسألُ فيها عطاء، فيستجيبُ لكم".
سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كانت عُشيْشيةُ ودنونا ماء من مياه العرب، قال رسول الله ﷺ : "من رجلُ يتقدمنا فيمدُرُ الحوضَ فيشربُ ويسقينا؟ " قال جابر: فقمتُ فقلتُ: هذا رجلٌ، يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "أيُّ رجلٍ مع جابرٍ؟ " فقام جبارُ بن صَخْرٍ. فانطلقنا إلى البئر. فنزعنا في الحوض سجلاً أو سجلين. ثم مدرناهُ. ثم نزعنا فيه حتى أفقهناهُ. فكان أول طالعٍ علينا رسول الله ﷺ . فقال: "أتأذنانِ؟ " قلنا: نعم يا رسول الله! فأشرع ناقتهُ فشربتْ شنق لها فشجتْ فبالتْ. ثم
стр. 1118
عَدَلِ بها فأنخها، ثم جاء رسول الله ﷺ إلى الحوض فتوضأ منه ثم قُمتُ فتوضأت من متوضإ رسول الله ﷺ . فذهب جبارُ بن صخرٍ يقضي حاجته. فقام رسول الله ﷺ ليصلي. وكانت عليَّ بردة ذهبتُ أن أخالف بين طرفيها فلم تبلغ لي وكانت لها ذياذبُ فنكستُها ثم خالفت بين طرفيها. ثم تواقصْتُ عليها. ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينيه، ثم جاء جبارُ بن صخرٍ فتوضأ. ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفهُ. فجعل رسول الله ﷺ يرمقُني وأنا لا أشعرُ. ثم فطِنْتُ به. فقال هكذا، بيده. يعني شُدَّ وسطك. فلما فرغ رسول الله ﷺ قال "يا جابرُ! " قلتُ: لبيك يا رسول الله قال: "إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه. وإذا كان ضيقاً فاشدده على حقوك".
سِرْنا مع رسول الله ﷺ وكان قُوتُ كل رجلٍ منا، في كل يوم، تمرة. فكان يمُصُّها ثم يصرها في ثوبه وكنا نختبط بقِسينا ونأكل حتى قَرِحَتْ أشداقنا فأقسم أخطئها رجلٌ منا يوماً. فانطلقنا به نتعشَهُ. فشهدنا أنه لم يعطها. فأعطيها فقام فأخذها.
سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا وادياً أفْيح. فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتبعته بإداوةٍ من ماء فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئاً يستتر به. فإذا شجرتان بشاطيء الوادي فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصنٍ من أغصانها. فقال: "انقادي علي بإذن الله" فانقادت معه كالبعير المخشوشِ، الذي يُصانع قائدهُ. حتى أتى
стр. 1119
الشجرة الأخرى. فأخذ بغصن من أغصانها فقال: "انقادي علي بإذن الله" فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنصفِ مما بينهما، لأم بينهما (يعني جمعهُمَا) فقال: "التئما علي بإذن الله" فالتأمنا. قال جابر: فخرجتُ أحْضِرُ مخافة أن يُحِسَّ رسول الله ﷺ بقرْبي فيبتعد (وقال محمدُ بن عياد: فيتبعد) فجلسْتُ أحدث نفسي. فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلاً. وإذا الشجرتان قد افترقتا كلُّ واحدةٍ منهما على ساقٍ. فرأيتُ رسول الله ﷺ وقف وقفةً. فقال يرأسه هكذا (وأشار أبو إسماعيل برأسه يميناً وشمالاً) ثم أقبل. فلما انتهى إلىَّ قال: "يا جابر! هل رأيت مقامي؟ " قلت: نعم. يا رسول الله! قال "فانطلقْ إلى الشجرتين فاقطعْ مِنْ كل واحدة منهما عُصْناً. فأقبل بهما. حتى إذا قمت مقامي فأرسل غُصناً عنْ يمينك وغُصْناً عن يسارك".
قال جابر: فقُمتُ فأخذتُ حجراً فكسرتُهُ وحسرْتُهُ فانذلق لي. فأتيتُ الشجرتين فقطعتُ من كل واحدةٍ منهما غُصْناً. ثم أقبلتُ أجرهما حتى مقام رسول الله ﷺ أرسلْتُ غصْناً عن يميني وغصْناً عن يساري. ثم لحقتهُ فقلتُ: قد فعلتُ يا رسول الله! فعَمِّ ذاك؟ قال: "إني مررتُ بقبرينِ يُعذَّبان. فأحْبَبْتُ، بشفاعتي، أنْ يَرَفَّه عنَّهما، ما دام الغُصّْنَانِ رطْبيَيْنِ".
قال: فأتيْنا العسْكَرْ، فقال رسول الله ﷺ "يا جابرُ! نادِ بوضوءٍ" فقلتْ: ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ قال قلتُ: يا رسول الله! ما وجَدْتُ في الرَّكْبِ مِنْ قطرةٍ. وكان رجلُ من الأنصار يُبَرِّدُ لرسول الله ﷺ الماء، في أشجابٍ له (١)؛ على حِمارةٍ
стр. 1120
منْ جريدٍ. قال فقال لي: "انطلق إلى فلان بن فلانٍ الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيءٍ؟ " قال: فانطلقت إليه فنظرْتَ فيها فلم أجد إلا قطرة في غزلاء شجب منها، لو أني أفرِغَهُ لشربهُ يابسُهُ. فأتيتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسول الله! إني لمْ أجد فيها إلا قطرةً في غزلاء شجبٍ منها. لو أني أفرغُهُ لشربهُ يابسُهُ. قال: "اذهب فأتني به" فأخذه بيده فجعَل يتكلمُ بشيءٍ لا أدري ما هو ويغمزُهُ بيديه. ثم أعطانيه فقال: "يا جابرُ! ناد بجفنةٍ" فقلتُ: يا جفنة الركبِ! فأتيتُ بها تُحْمَلُ. فوضعتها بين يديه. فقال رسول الله ﷺ بيده في الجفنةِ هكذا. فبسطها وفرق بين أصابعِه. ثم وضعها في قعر الجفنةِ. وقال: "خُذْ. يا جابرُ! قصُب عليَّ. وقل: باسم الله" فصببتُ عليه وقلتُ: باسم الله. فرأيتُ الماء يفورُ بين أصابع رسول الله ﷺ . ثم فارتِ الجفنة ودارت حتى امتلأت فقال: "يا جابرُ! ناد من كان له حاجة بماءٍ" قال فأتى الناس فاستقوا حتى رووا. قال فقلت: هل بقي أحدٌ له حاجةً؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى.
وشكا الناسُ إلى رسول الله ﷺ الجوع. فقال: "عسى الله أن يُطْعِمكُمْ" فأتينا سيف البحر فزخر البحر زخرةَ. فألقى دابةً. فأورينا على شقها النار. فاطبخنا واشتوينا، وأكلنا حتى شبعنا قال جابرُ: فدخلت أنا وفلان وفلان، حتى عد خمسة، في حجاج عينها. ما يرانا أحد. حتى خرجنا. فأخذنا ضلعاً من أضلاعه فقوسناه. ثم دعونا بأعظم
стр. 1121
رجلٍ في الركبِ، وأعظم جملٍ في اركب، وأعظم كفل في الركبِ، فدخل تحتهُ ما يطأطئ رأسه.
٩٦٩ - * روى الطبراني عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي فانتهيتُ إليهم وأنا طاوٍ، فانتهيت إليهم وهم يأكلون دما، فقلت: إنما جئتُ أنهاكُم عن هذا، فوضعتُ رأسي فقمتُ وأنا مغلوب فأتاني آتٍ في منامي بإناء فيه شراب، فقال: خذ هذا واشرب ثم كظني بطني فشبعت ثم رويت، فسمعتهم يقولون أتاكُم رجلٌ من سُراة قومكم فلم تنجعوه بالمذيقة، فأتوني بمذيقتهم، فقلت: لا حاجة لي فيها إن الله أطعمني وسقاني فأريتُهم بطني فأسلموا عن آخرهم.
٩٧٠ - * روى البخاري عن عائشة قالت: لقدْ تُوفي النبي ﷺ وما في رفِّي مِنْ شيء يأكله ذو كبدٍ إلا شطرُ شعيرٍ في رف لي فأكلتُ منه حتى طال علي فكلتُهُ ففَنِيَ.
٩٧١ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عهما: أن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في عكةٍ لها سمناً، فيأتيها بنوها، فيسألون الأدْم، وليس ندهم شءٌ، فتعمدُ إلى الذي كانت تُهدي فيه للنبي ﷺ فتجدُ فيه سمناً، فما زال يقيم لها أدْمَ بيتُها حتى عصرتْهُ، فأتت النبي ﷺ ، فقال: "عصرتيها" قالت: نعم، قال: "لو تركتيها ما زال قائماً".
стр. 1122
٩٧٢ - * روى الطبراني عن قيس بن النعمان السكوني قال: انطلق رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر مستخفيان من قريش، فمروا براعٍ، فقال له رسول الله ﷺ : "هل من شاة ضربها الفحْل؟ " قال: لا، ولكن ههنا شاة قد خلفها الجهد، قال: "ائتني بها" فأتاه بها فمسح ضرعها ودعا بالبركة، فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال له: تالله ما رأيتُ مثلك، من أنت؟ قال: "إن أخبرتك تكْتُم عليَّ؟ " قال: نعم، قال: "أنا محمدٌ رسول الله" قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: "إنهم يقولون ذلك"، قال: فإني أشهد إنك رسول الله، وإنه لا يقدر على ما فعلت إلا رسول، ثم قال له: اتبعك، فقال له النبي ﷺ : "أما اليوم فلا، ولكن إذا سمعت أنا قد ظهرنا فأتنا" فأتى النبيُ ﷺ بعد ما ظهر بالمدينة.
٩٧٣ - * روى البخاري أن أبا هريرة كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإنْ كنت لأشُدُّ الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليُشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال "يا أبا هِرّ" قلتُ: لبيكَ رسول الله، قال: "الحقْ" ومضى. فتبعتُه، فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح فقال: "من أين هذا اللبن؟ " قالوا أهداهُ لك فلان - أو فلانة - قال: "أبا هر" قلتُ: لبيك يا رسول الله، قال: "الحق إلى أهل الصفة فادعُهم لي" قال: وأهلُ الصفة أضيافُ الإسلام، لا يأوون على أهلٍ ولا مالٍ ولا على أحدٍ، إذا أتتهُ صدقةً بعث إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها (١)، فإذا جاءوا
стр. 1123
أمرني فكنتُ أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلُغني من هذا للبن، ولم يكنْ من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بُد، فأتيتُهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: "يا أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "خذ فأعطهم" فأخذتُ القدح فجعلتُ أعطيه الرجل فيشربُ حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، فيشربُ حتى يروى، ثم يردُّ عليَّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليَّ فتبسم فقال: "أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "بقيتُ أنا وأنت" قلتُ: صدقت يا رسول الله، قال: "أٌعدْ فاشرب" فقعدتُ فشربت، فقال: "اشربْ" فشربت، فما زال يقول: "اشرب" حتى قلتُ: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكاً. قال: "فأرني" فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة.
٩٧٤ - * روى الحاكم عن هشام بن حُبيش بن خويلد صاحب رسول الله ﵌: أن رسول الله ﵌ خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة، وأبو بكر ﵁، ومولى أبي بكر عامرُ بن فُهيرة، ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط، مرُّوا على خيمتيْ أم سعيدٍ الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحماً وتمراً ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك (١)، وكان
стр. 1124
القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله ﵌ إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبدٍ؟ " قالت: شاة خلفها الجهدُ عن الغنم. قال: "هل بها من لبن؟ " قالت: هي أجهد من ذلك: قال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟ " قالت: بأبي أنت وأمي. إنْ رأيت بها حلباً فاحلبْها فدعا بها رسول الله ﵌ فمسح بيده ضرعها، وسمى الله تعالى، ودعا لها في شاتها فتفاجتْ عليه درتْ فاجترتْ، فدعا بإناء يُرْبِض الرهْطَ فحلب فيه ثَجًّا حتى علا لبنها البهاءُ، ثم سقاها حتى زويتْ، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم حتى أراضوا، ثم حلب فيه الثانية على هداةٍ حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها، ثم بايعها وارتحلوا عنها فما لبثتْ حتى جاءها زوجُها أبو معبدٍ، ليسوق أعنزاً عجافاً يتساوكْنَ هزالاً، مخهنِّ قليل، فلما رأى أبو معبد اللين أعجبه، قال: من أين لك هذا يا أم معبد، والشاء عازبُ حائلُ، ولا حلوب في البيت؟ قلت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخَلْق، لم تعبْه ثُجْلَةٌ، ولم تُزريه صعلةً، وسيم قسيمٌ، في عينيه دعجٌ، وفي أشفاره وطفٌ، وفي صوته صهلٌ (١)، وفي
стр. 1125
عنقه سطعٌ، وفي لحيته كثاثةٌ، أزجُّ أقرنُ، إن صمتُ فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق، فصلاً لا تزر ولا هدر كأن منطقهُ خرزاتُ نظمٍ يتحدرن، ربعةٌ لا تشنؤهُ من طولٍ، ولا تقتحمه عين من قصرٍ، غصن بين غصنين، فهو أنضرُ الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً له رُفقاء يحفون به، إن قال سمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفودٌ محشدٌ، لا عابس ولا مفند. قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر، ولقد هممت أنْ أصحبه، ولأفعلن إنْ وجدت إلى ذلك سبيلاً وأصبح صوت بمكة عالياً يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه: وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسي رفيق محمد
فيسأل قُصي ما زوى الله عنكم ... به من فعالٍ لا تجازى وسؤدد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يُسعد الله يسعد
وليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبتْ ... عليه صريحاضرة الشاة مزيد
فغادره رهناً لديها لحالب ... يرددها في مصدر بعد مورد