(٤)
شرط الكمال المطلق
قد يوجد في تاريخ البشرية من سيرتُه تاريخية ولا يعتبر ذلك وحده كافياً للهداية والاقتداء، بل قد تكون سيرة هؤلاء شراً وخبثاً، فلابد أن يجتمع مع شرط التاريخية شرط آخر لتصلح السيرة للاقتداء والاهتداء، هذا الشرط هو أن يكون تصرف صاحب السيرة في الصغيرة والكبيرة هو الكمال المطلق، وهذا الذي نجده على الكمال والتمام في سيرة النبي ﷺ وهذا هو محور المحاضرة الرابعة، فلقد أخذ المؤلف يضرب على ذلك الأمثال في الصغيرة والكبيرة من تصرفاته ﷺ قبل النبوة وبعدها في حياته البيتية وغيرها مقيماً الأدلة على ذلك.
ومن كلامه في هذه المحاضرة:
إن أعظم الناس وأجلهم إذا انقلب إلى بيته كان فيه رجلاً من الرجال وواحداً كآحاد الناس، ولقد صدق فولتير في كلمته المشهورة: (إن الرجل لا يكون عظيماً في داخل بيته، ولا بطلاً في أسرته) يريد أن عظمة المرء لا يعترف بها من هو أقرب الناس إليه، لاطلاعه على دخيلته في مباذله.
وهذا الحكم يشذ عن الرسول ﷺ فيقول باستور سميث: (إن ما قيل عن العظماء في مباذلهم لا يصح - على الأقل - في محمد رسول الإسلام) واستشهد بقول كين: (لم يمتحن رسول من الرسل أصحابه كما امتحن محمد صلى أصحابه" إنه قبل أن يتقدم إلى الناس جميعاً، تقدم إلى الذين عرفوه إنساناً، المعرفة الكاملة، فطلب من زوجته وغلامه وأخيه وأقرب أصدقائه إليه وأحب خلانه أن يؤمنوا به نبياً مرسلاً، فكل منهم صدق دعواه وآمن بنبوته، وإن حليلة المرء أكثر الناس علماً بباطن أمره ودخيلة نفسه وألصقهم به، فلا يوجد من هو أعرف منها بنهاته ونقائصه، أليس أول من آمن بمحمد رسول الله زوجه الكريمة التي عاشرته خمسة عشر عاماً، واطلعت على دخائله في جميع أموره وأحاطت به علماً ومعرفة فلما ادعى النبوة كانت أول من صدقه في نبوته).
стр. 107
إن أعظم الناس لا يأذن لزوجه - وإن كانت له زوج واحدة - بأن تحدث الناس عن جميع ما تراه من تحليلها، وأن تعلن كل ما شاهدته من أحواله. لكن رسول الله كانت له في وقت واحد تسع زوجات، وكانت كل منهن في إذن من الرسول بأن تقول عنه للناس كل ما تراه منه في خلواته، وهُن في حِلٍّ من أن يخبرن الناس في وضح النهار كل ما رأين منه في ظلمة الليل، وأن يتحدثن في الساحات والمجامع بما يشاهدن منه في الحجرات، فهل عرفت الدنيا رجلاً كهذا الرجل يثق بنفسه كل هذه الثقة، ولا يخاف قالة السوء عنه من أحد لأنه أبعد الناس عن السوء.
إن النبي ﷺ أذن لأصحابه ولمن يحضر مجالسه أن يبلغوا عنه لمن غاب عنها، وهذا الإذن عام لما يكون عنه في بيته وبين أهله وعياله، أو ما يصدر عنه في حلقته مع أصحابه، أو ما يقفون عليه من أعماله وأقواله، عند تعبده في مسجده، أو قيامه على منبره خطيباً، أو جهاده في ساحة الحرب تجاه أعدائه، وهو يسوِّي صفوف المجاهدين في سبيل الله، أو إذا خلا إلى ربه في حجرة منعزلة في بيته يعبد الله ويتضرع إليه فكان أزواجه وأصحابه يتحدثون جميعاً بكل ما يصدر عنه من قول أو عمل.
ثم إنه كان تجاه مسجده صُفَّة يأوي إليها فقراء الصحابة الذين لم تكن لهم بيوت يأوون إليها، فكانوا يتناوبون الخروج إلى ما بعد بنيان المدينة يحتطبون من أشجار الصحراء والجبل، ويبيعون مايأتون به ليقتاتوا جميعاً بثمنه، ولم يكن لسائرهم عمل غير صحبة النبي ﷺ ولزوم مجالسه ليحفظوا عنه ما يقول وما يعمل ثم يروونه للناس بعناية وأمانة، وقد بلغ عدد أهل الصَفَّة هؤلاء [في بعض الأحوال] سبعين رجلاً، كان منهم أبو هريرة الذي لم يكن صحابي أكثر منه حديثاً عن رسول الله ﷺ وهؤلاء السبعون يسرهم الله لحفظ كل ما يستطيعون حفظه مما يدخل في موضوع الحديث النبوي لا يفترون عن ذلك أناء الليل وأطراف النهار، وقد استمر الحال بهم على ذلك يومياً، وإذا ارتحل الرسول ﷺ عن المدينة في غزوة أو حج كانوا معه، وكذلك غيرهم من الصحابة، حتى لم تخف عنهم خافية من أمره، ولم يغب عنهم معنى من معاني رسالته، ولما كان فتح مكة كان معه من أصحابه
стр. 108
حوالي عشرة آلاف، ولما سار إلى تبوك كان في معسكره حوالي ثلاثين ألفاً، ولما حج حجة الوداع حج معه تلك السنة حوالي مائة ألف مسلم، ينطبق عليهم عنوان الصحابة، وما منهم إلا من يحرص على الوقوف على شيء من هداية نبيه ﷺ أو أي أمر من أموره فيتحدث عنه، بل هو الذي أمرهم أن يبلغوا عنه ما يسمعون منه أو يرون من تصرفاته، فما ظنكم به بعد ذلك هل يخفى عن التاريخ وجه من وجوه حياته أو ناحية من نواحيها.
هذا من جهة أصحابه، وأما أعداؤه فإنهم أفرغوا جهدهم، واستنفدوا سعيهم ليقفوا على دخيلة من دخائله وليؤاخذوه بحقيقة يعلمونها عنه فلم يستطع أحد منهم أن يجد له ناحية ضعف ولا ما يندد به وأقصى ما استطاع أعداؤه في كل زمان ومكان أن يقولوه عنه إنه سلَّ سيفه للقتال وأنه كان كثير الزوجات.
وقد تبين لكم أن حياته الطاهرة هي حياة العصمة من كل نقص، البريئة من كل عيب.
إن الرسول ﷺ لم يقض حياته كلها بين أحبائه وأصحابه، بل قضى أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث، فكان بين أهلها مشركي قريش، وكان يتعاطى فيهم التجارة، ويعاملهم في أمور الحياة ليل نهار، وهي الحياة اليومية وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء، ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق للمرء فيتبين للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة وإخفار عهد وأكل مال بالباطل، وعقبات من الخديعة والخيانة وتطفيف الكيل وبخس الحقوق وإخلاف الوعد.
وإن الرسول صلى الله لعيه وسلم اجتاز هذه السبيل الشائكة الوعرة وخلص منها سالماً نقياً لم يصبه شيء مما يصيب عامة الناس، حتى لقد دعوه (الأمين) وإن قريشاً بعد بعثته وادعائه النبوة كانوا يودعون عنده ودائعهم وأموالهم لعظيم ثقتهم به، وقد علمتم أنه ﷺ لمَّا هاجر من مكة خلفَ عليها علياً ليردِّ ما كان لديه من الودائع إلى أهلها. فقريش خالفوه أشد الخلاف في دعوته ولم يتركوا سبيلاً إلى ذلك إلا سلكوه، فقاطعوه وعاندوه وصدوا عن
стр. 109
سبيله، وألقوا عليه سلى جزور وهو يصلي، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم، وسموه ساحراً ودعوه شاعراً، وفندوا آراءه وسخفوا حلمه، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على أن يقول شيئاً في أخلاقه، ولا أن يرميه بالخيانة، أو ينسب إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد أو إخفار الذمة أو نقض العهد.
وإن من ادعى النبوة وقال إن الله يوحي إليه فكأنه ادعى العصمة البراءة من جميع المفاسد ومساوئ الأعمال. ألم يكن يكفي قريشاً في ردهم على الرسول أن يذكروا أموراً عمل فيها الرسول بغير الحق، وأن يشهدوا عليه بأنه أخلفهم وعداً أو خانهم في أموالهم أو كذبهم في شيء مما قاله لهم؟ إن قريشاً أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسول، وضحوا بفلذات أكبادهم في قتاله حتى قتل منهم وجرح كثيرون، لكنهم لم يستطيعوا أن يُدنسوا ذيله الطاهر ولا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه. وكانت أحوال الرسول ﷺ وشئونه وهديه ظاهرة لجميع الناس معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه ولم يخف عليهم شيء من أمره.
ثم أفاض المؤلف في ذكر الأعجوبة الهائلة أن يقدم شخص للعالم كل ما يحتاجه هذا العالم، بحيث يزيد سعة وشمولاً ويفوق كمالاً - مع السلامة من النقص - على ما تبنيه الأمم خلال عصور، مما لا نجده في ما وصلنا عن أحد غيره، ألا أنها الرسالة والنبوة.
ويختتم محاضرته بقوله:
نحن لا نزال نقدم للناس تلك السيرة الكاملة، التي هي لنا سراج وهاج في جميع شئون الحياة البشرية، فكأن السيرة المحمدية مرآة صافية للدنيا كلها، يرى فيها كل إنسان صورته وروحه، ظاهره وباطنه، قوله وعمله، خلقه وأدبه، هديه وسنته، وفي استطاعته أن يصلح أخلاقه ويثقف عوجه بحسب ما يراه في تلك المرآة الصافية.
لأجل ذلك لا ترى أمة مسلمة تبحث - في خارج دينها وبمنأى عن سيرة نبيها - عن أصول وضوابط تقوم بها اعوجاجها وتثقف منآدها وتصلح زيفها. لأنها في غنى عما هو أجنبي عنها، وعندها في هدي سيرة نبيه ﷺ الميزان القويم والقسطاس المستقيم، الذي تبين
стр. 110
به ما في العلم من خير وشر وتميز به الحق من الباطل.
وفي الحق إن العالم كله لفي حاجة شديدة إلى سيرة بشر كامل تتخذ من حياته الأسوة العظمى، وليس في الدنيا إنسان كامل يعرف التاريخ سيرته على التفصيل كما يعرف تفاصيل حياة محمد ﷺ خاتم النبيين، فالناس كلهم في أمس الحاجة إلى أن يتخذوا من السيرة المحمدية منهاج حياتهم ففيها الأسوة الطاهرة، وهي الحياة المثالية للناس جميعاً، صلى الله عليه سلم.
* * *
(٥)
شرط الشمولية
قد توجد التاريخية في حياة بعض الناس، وقد يوجد شيء من الكمال في حياة هؤلاء، ولكن أن تكون حياتهم من الخصب والغنى بحيث تسع الناس زماناً ومكاناً - حيث إن هذا هو المطلوب في سيرة القدوة والهادي - فليس ذلك لأحد إلا لرسول الله ﷺ فقد اجتمع في سيرته التاريخية والكمال في التصرفات، والشمولية، حتى لتسع سيرته الزمان والمكان والأشخاص، بالقدوة والهداية، وهذا هو محور المحاضرة الخامسة.
يقول المؤلف:
ليس من الممكن أن يكون جميع الداخلين في دين من الأديان من طائفة بشرية واحدة، أو أن يكونوا من شعب إنساني واحد، لأن الدنيا قد قام بنيانها على التنوع في الأعمال والاختلاف في الأفعال، ولولا أن الناس مختلفون في مهنهم ومكاسبهم وأشغالهم ومعايشهم، وهم يتعاونون ويساعد بعضهم بعضاً، لخربت الدنيا.
ولابد للعالم من ملك أو رئيس جمهورية أو وال يتولى أمورهم العامة، وحاكم يحكم بينهم فيما يختلفون فيه. وكذلك لا تخلو الدنيا من رعية يرعى أمورهم رئيس، ومن محكومين يحكم فيهم حاكم، ومن خصوم يقضي بينهم قاض بالعدل، ليسود الأمان ويستتب
стр. 111
السلام. وكذلك الأمم تحتاج إلى أن يكون لها جنود يدافعون عن كيانها، وأن يكون على الجنود ضباط وقادة، وتجد فيهم الفقراء الذين يعانون الشدة والبؤس، كما تجد فيهم الأغنياء من أهل الترف والسرف. وفيهم عباد لله يقومون بطاعته في جوف الليل، وزهاد تحرروا من متع الدنيا وزخرفها، ومجاهدون في سبيل الله يقارعون الباطل ويقيمون الحق في الأرض، وكذلك الدنيا لا تخلو من قادة الأمم وساسة الشعوب وزعماء الأحزاب.
وعلى شتى الطوائف ومختلف الفرق قام نظام هذه الدنيا، وكل منهم يحتاج في عمله إلى حياة مثالية وأسوة كاملة يقتدي بها ليكون سعيداً في الحياة. والإسلام دعا جميع هذه الفرق والطوائف والأحزاب لأن يتبعوا سنة محمد ﷺ ويقتفوا آثاره ويسلكوا طريقه.
ومن تتبع ذلك يتبين له أن السيرة المحمدية تكفي جميع شعوب البشر وطوائفهم وفرقهم، إذا اتخذوا منها الأسوة والقدوة، ففيها النور الذي يستضاء به في ظلمات الحياة الاجتماعية وكم من ظلمة حالكة في الحياة! ومن هنا تعلم أن سيرة محمد رسول الله ﷺ جامعة تجد فيها كل طائفة من طوائف البشر المثل الأعلى الذي تقتدي به، والأسوة التي يتأسى بها.
ومن الظاهر الواضح أن حياة المحكوم لا تصلح لأن تكون قدوة لحياة الحاكم، كما أن حياة الحاكم لا تلح لأن تكون قدوة لحياة المحكوم. وكذلك الفقير المعدم لا يتسنى له أن يسير في معيشته على ضوء من حياة الغني المثري" ومن ثم مست الحاجة إلى أن تكون الحياة المحمدية جامعة يجد فيها الناس كلهم - على اختلاف طوائفهم - الأسوة الكاملة في جميع ألوان الحياة وأطوارها، وإن مثلها كمثل الياقة الجامعة لكل أصناف الزهور والورود بجميع ألوانها، ففيها الأحمر القاني والأبيض الناصع والأخضر الناضر والأصفر الفاقع.
وفي البشر طوائف مختلفة وفرق شتى تحتاج كلها إلى حياة مثالية تكون نموذجاً لها في حياتها ومعيشتها. ولكل إنسان من هذه الطوائف أعمال وأحوال تتقلب عليه بتقلب الظروف، بين قيام وقعود ومشي وأكل وشرب ونوم ويقظة وضحك وبكاء وارتداء الملابس وخلعها وأخذ وعطاء وتعلم وتعليم، وقد يموت حتف أنفه أو يقتل، ويكون محسناً لغيره أو محتاجاً لإحسان الآخرين إليه، وقد يكون في عبادة ربه أو في معاملة الناس
стр. 112
ومعاشرتهم، وقد ينزل على غيره ضيفاً أو يستقبل الضيف ويقوم له بحق القِرَى. هذه الأحوال وغيرها تطرأ على الإنسان وتعرض له فيما يتعلق بجسمه وجوارحه فيحتاج في كل حال منها إلى هداية نافعة وأسوة كاملة.
وأعظم من الأسوة في أعمال الإنسان الظاهرة، الأسوة فيما يتعلق بخطرات القلوب ومجالات الفكر ونزعات العواطف، فنحن نشعر بين كل حين وآخر بنزعات وعواطف تخالج قلوبنا وأفكارنا، فنرضي ونسخط، ونفرح ونحزن وتعترينا السكينة والطمأنينة أو القلق والضجر، وتترتب على هذه الأحوال عواطف مختلفة ونوازع متعددة، وليس الخلق الحسن إلا التعديل بين هذه الأحوال، وإقامة الوزن بالقسط بين العواطف القوية والنوازع الثائرة، ولا يحظى بنصيبه من مكارم الأخلاق إلا الذي يعرف كيف يكبح النفس عند جموحها، ويحسن التصرف فيها وقت ثورتها، ومع ذلك فلابد للإنسان من إمام تكون له فيه الأسوة التامة في هذه الأمور، فيأتم به في قهر هذه القوى الثائرة والعواطف المتوثبة، إلى أن تسكن ثورة نفسه، ويسلك في ذلك مسلك قدوته الأعظم، وهو النبي ﷺ الذي يحمل بين جنبيه قلباً زكياً ونفساً طاهرة وروحاً عالية نزيهة.
وهكذا المرء في كل خلة من خلال العزيمة والشجاعة والشكر والتوكل والرضا بالقدر والصبر على النوائب والتضحية والقناعة والاستغناء والإيثار والجود والتواضع والمسكنة، وسائر ما يطرأ على البشر في منفسح حياتهم ومدى عيشهم، وما ربما يعتري هذه الخصال في ساعات مختلفة من مضطرب حياة الإنسان، فإنه يحتاج في كل ذلك إلى أسوة وهداية ممن سبق له العمل بذلك، وأنى لنا هذه الأسوة الكاملة والهداية التامة إلا في حياة محمد رسول الله ﷺ .
إذا كنت غنياً مثرياً فاقتد بالرسول ﷺ عندما كان تاجراً يسير بسلعه بين الحجاز والشام، وحين ملك خزائن البحرين.
وإن كنت فقيراً معدماً فلتكن لك أسوة به وهو محصور في شعب أبي طالب، وحين قدم إلى المدينة مهاجراً إليها من وطنه وهو لا يحمل من حطام الدنيا شيئاً.
стр. 113
وإن كنت ملكاً فاقتد بسنه وأعماله حين ملك أمر العرب، وغلب على آفاقهم، ودان لطاعته عظماؤهم، وذوو أحلامهم، وإن كنت رعية ضعيفاً فلك في رسول الله أسوة حسنة أيام كان محكوماً بمكة في نظام المشركين.
وإن كنت فاتحاً غالباً فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوه في بدر وحنين ومكة، وإن كنت منهزماً - لا قدر الله ذلك - فاعتبر به في يوم أحد وهو بين أصحابه القتلى ورفقائه المثخنين بالجراح.
وإن كنت معلماً فانظر إليه وهو يعلم أصحابه في صُفَّة المسجد، وإن كنت تلميذاً متعلماً فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثياً مسترشداً. وإن كنت واعظاً ناصحاً ومرشداً أميناً فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد المسجد النبوي.
وإن أردت أن تقيم الحق وتصدع بالمعروف وأنت لا ناصر لك ولا ميعن فانظر إليه وهو ضعيف بمكة لا ناصر ينصره ولا معين يعينه، ومع ذلك فهو يدعو إلى الحق ويعلن به. وإن هزمت عدوك، وخضدت شوكته، وقهرت عنده، فظهر الحق على يدك، وزهق الباطل، واستتب لك الأمر، فانظر إلى النبي صلى لله عليه وسلم يوم دخل مكة وفتحها.
وإن أردت أن تصلح أمورك وتقوم على ضياعك فانظر إليه ﷺ وقد ملك ضياع بني النضير وخيبر وفدك كيف دبر أمورها وأصلح شئونها وفوضها إلى من أحسن القيام عليها.
وإن كنت يتيماً فانظر إلى فلذة كبد آمنة وزوجها عبد الله وقد توفيا وابنهما صغير رضيع. وإن كنت صغير السن فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية. وإن كنت شاباً فاقرأ سير راعي مكة. وإن كنت تاجراً مسافراً بالبضائع فلاحظ شئون سيد القافلة التي قصدت بُصرى.
وإن كنت قاضياً أو حكماً فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوغ الشمس ليضع الحجر الأسود في محله وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرة أخرى وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين الناس بالعدل يستوي عنده منهم الفقير المعدم والغني المثري.
стр. 114
وإن كنت زوجاً فاقرأ السيرة الطاهرة والحياة النزيهة لزوج خديجة وعائشة. وإن كنت أبا لأولاد فتعلم ما كان عليه والد فاطمة الزهراء وجد الحسن والحسين.
وأياً من كنت، وفي أي شأن كان شأنك، فإنك مهما أصبحت أو أمسيت وعلى أي حال بت أو أضحيت فلك في حياة محمد ﷺ هداية حسنة وقدوة صالحة تضيء لك بنورها دياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أودك، وتقوِّم بسنته عوجك.
وإن السيرة الطيبة الجامعة لشتى الأمور هي ملاك الأخلاق وجماع التعاليم لشعوب الأرض وللناس كافة في أطوار الحياة كلها وأحوال الناس على اختلافها وتنوعها، فالسيرة المحمدية نور للمستنير، وهديها نبراس للمستهدي وإرشادها ملجأ لكل مسترشد.
بمثل هذا البيان تحدث المؤلف عن الشمولية في السيرة النبوية، وقارن في هذه المحاضرة بين حياة محمد ﷺ وحياة غيره من الأنبياء، فأثبت أن سيرة غير سيرته لم يثقل لنا منها مثل هذه الشمولية، ومن ثم كلف الله الإنسانية جميعاً - وإلى قيام الساعة - أن تقتدي به، وبيّن أن الاقتداء بغيره ليس كافياً، عدا عن كونه لا يمثل التكليف الإلهي بعد بعثته ﵊.
وقدّم في جملة ما قدّم براهين على شمولية سيرته ﷺ أن دعوته منذ نشأتها كانت موجهة لكل الناس، ودخل فيها كل الناس، وكل الأصناف، وظهرت في أتباعه جميع الطبقات، وكلهم سواء كانوا سياسيين أو عسكريين أو زهاداً أو عباداً أو علماء مربين وسعتهم سيرته وكان لهم القدوة الكاملة.
وكما أنه في المحاضرة السابقة استطرد ليبعث على الإيمان بمحمد ﷺ ويستجلب التصديق، فههنا كذلك استطرد ليعمق الإيمان، فضرب الأمثلة على الانقلاب الهائل الذي حدث في حياة أصحاب رسول الله ﷺ فأصبحوا أكمل الخلق في كل شيء، كما تحملوا في سبيل هذه الدعوة ما لا يتحمله إل أصحاب الدعوات الربانية، وذلك وحده علامة من علامات الرسالة.
стр. 115
وختم هذه المحاضرة بقوله:
لقد بينت لكم في هذه المحاضرة ما كان في الرسول الأعظم ﷺ من خلالٍ جامعة. وقد أشرت إلى مظاهرها العديدة ونواحيها المختلفة، وإخالكم قد ألفتم مما درستم في طبيعة الكون من ألوان مختلفة، وما عرفتم في طبائع البشر من مواهب شتى وهذه الدنيا ليست إلا مظهراً من مظاهر الحياة متنوعة الألوان - أن العالم لا يمكن أن تكون هدايته إلا بالمصلح الأخير للدنيا وهو خاتم رسل الله محمد ﷺ الذي اجتمعت فيه خلال الإرشاد كلها وخصال الإصلاح للنوع البشري بأجمعه، ولذلك قال له الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) فوجه الرسول ﷺ الدعوة إلى كل من يدعي محبة الله بأن يتبعه ويطيع أمره، ونادى الملوك في ممالكهم، والرعاع في شوارعهم، والمعلمين في مدارسهم، والتلاميذ في فصولهم، والفقراء في أكواخهم، والأغنياء في قصورهم، كما دعا المظلومين والمقهورين والمخذولين، بل أهاب بالعالم كله أن يتبعوا سبيله ويقتفوا أثره، لأن سيرته الشريفة هي المثل الأعلى، وفيها الأسوة الكاملة لكل من يحب الخير ويبتغي الصلح لنفسه.
اللهم صل وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين.
* * *
(٦)
واقعية السيرة المحمدية
وبعد أن أثبت تاريخية السيرة المحمدية وكمالها وشمولها، خشي أن يفهم فاهم أن هذه السيرة غير عملية أو غير واقعية أو غير ممكنة التطبيق فكانت المحاضرة السادسة في ذلك: فأثبت واقعيتها من خلال نقطتين، الأولى: أن رسول الله ما كان يأمر بشيء إلا فعله. الثانية: أنه ارتفع بأصحابه إلى تطبيق ما دعا إليه، فسيرته قائمة على التطبيق العملي في حياة
стр. 116
القدوة، وفي حياة الجيل الذي رباه، والذي كان خيراً على العالم لا يمكن أن يكون إلا عملياً وواقعياً وقابلاً للتطبيق، هذا مع الكمال والشمول والنقل التاريخي التفصيلي، إن ذلك لم يجتمع لأحد إلا لرسول الله ﷺ وذلك دليل من أدلة رسالته، وذلك يجعله القدوة الأولى لهذا العالم.
استعرض في هذه المحاضرة أعظم التكليفات الإسلامية وبرهن أنه ﵊ كان أكثر خلق الله التزاماً بها، وأعظمهم تطبيقاً لها، سواء في ذلك الأذكار والدعوات أو الصلوات والإنفاق أو الصوم والجهاد.
كما استعرض كل الأخلاق التي استقر في ضمير البشرية تقديسها وتعظيم أهلها، من ثبات على الدعوة، إلى الرحمة والعفو، إلى العدل والحزم، إلى التوكل والصبر، إلى الرضا بالقضاء والتسليم لله في المحنة إلى الشجاعة والنجدة، إلى غير ذلك من أخلاق عظيمة وكيف أن رسول الله كان أكمل خلق الله فيها.
هذا مع القدرة والاقتدار، فلم يكن حليماً لأنه لا يستطيع إلا الحلم، بل كان حليماً وهو قادر على البطش. ولم يكن رحيماً وهو عاجز عن العقوبة، بل كان قادراً على الاستئصال.
وكما كان في نفسه كذلك فإنه كان يحمل أصحبه وأهله على ذلك، حتى سمَا بهم هذا السمو الذي لم يعرف في تاريخ البشرية إلا لماماً.
لقد تحدث المؤلف عن هذه الموضوعات فأطنب، وضرب كثير الأمثال حتى استوعب وأقام الحجة واستخرج من القلوب كوامن الفطرة، داعياً إياها إلى الإيمان بمحمد ﷺ فكان معلماً وداعية وواعظاً في محاضرته بآن واحد.
وهكذا من خلال تطبيق رسول الله ﷺ لما دعا إليه، ومن خلال ارتقاء الجيل الذي رباه للتطبيق العملي رجالاً ونساء وأطفالاً وشيوخاً وحاكمين ومحكومين ومحاربين ومسالمين، أثبت المؤلف العملية والواقعية وإمكانية التطبيق في الرسالة المحمدية.
* * *
стр. 117
(٧)
عالمية السيرة المحمدية
بعد أن أقام المؤلف الحجة على أن سيرة محمد ﷺ هي السيرة المثلى التي لا يوجد في غيرها ما يوجد فيها، بيَّن في المحاضرة السابعة أن هذه السيرة وهذه الرسالة تُطالب بها الأمم جميعها، تطالب بالاهتداء بها والاقتداء بصاحبها، فهي رسالة للجميع ويطالب بها الجميع، ولا نجاة لأحد ولا فلح لإنسان إلا باتباعها، وقد سلك لإقامة الحجة في هذا مسالك شتى.
تحدث عن التوقيت في حياة الرسل، وتحدث عن التخصيص في حياة الرسل، فكل رسول قبل محمد ﷺ كان لزمان، والدليل على ذلك ضياع هديهم، وكل رسول بعث لقومه خاصة والدليل على ذلك موجود في كتبهم، أما محمد ﷺ فقد بَشَّر به من سبقه، وهذه نصوص دعوته محفوظة، وقد دعا كل الأقوام، وأتى على كل ذلك بالأدلة الكثيرة.
ثم سلك في إقامة الحجة مسلكاً آخر، فذكر أن الدين الذي يحتاجه كل إنسان هو ما اجتمع في تفصيل في قضايا الإيمان والعبادة والمعاملات والآداب والأخلاق، ويدخل في المعاملات القوانين والمبادئ الدستورية، ويدخل في الأخلاق والآداب: أخلاق النفس وآداب السلوك وآداب التعامل الاجتماعي.
ثم تحدث عن أن هذه الأمور لا تجد تفصيلاتها إلا في الإسلام، ومع هذا فإن كل جزء منها معقول المعنى صحيح المضمون ممكن الفهم والتطبيق، أما الأديان الأخرى - كما هي عليه منذ الدعوة المحمدية - فلا تجد فيها شيئا صمن ذلك، فكم من خرافات في شأن الربوبية عند الأديان القائلة بها، وكم من أباطيل في التصورات، ثم إنك لا تجد أي تفصيل لقضية العبادات في أي من الكتب الدينية المنقولة إلينا، وفي المعاملات لا تجد تفصيلاً، وإذا وجدت تفصيلاً ففي الغالب يرافق التطبيق حرج، وأكثر الأخلاق التي فصلتها كتب الأديان أخلاق سلبية بعضها جيد تجده في الإسلام وبعضها تفنى به الحياة، لكن الإسلام كما فصل في الرذائل فصل في الفضائل، كبيرها وصغيرها.
وبعد جولة موفقة في هذه الأمور كلها، قال:
стр. 118
والذي يعنينا الآن من هذا الكلام على الرسالة المحمدية ناحية الكمال فيها، وإتمامه ما كان ناقصاً في الديانات السابقة مما يرجع إلى العقائد والأعمال، فأصلحت ما كان من قبل فاسداً، وردَّت البدع الطارئة، وقمعت المفاسد العظيمة الفاشية التي شَوَّهَتْ وجه الإنسانية، وكانت باباً لكل شر، وأصلاً لكل فسادن وبذلك سدت في أصول الدين جميع الثلمات التي تسربت منها المفاسد، التي كانت سبباً في انحطاط الإنسانية عن مستواها الكريم.
ثم سلك في إقامة الحجة على عالمية الإسلام، وأنه التكليف الوحيد للإنسان، وأن أي إنسان لا يكون منسجماً مع فطرته وعقله إلا باتباعه الإسلام، عدة مسالك يطول شرحها ثم سلك في إقامة الحجة في ذلك مسلكاً آخر، هو مسلك التركيز على جوانب بعينها من الرسالة المحمدية تقوم بها الحجة على كل مخلوق.
فتحدث عن التوحيد، وكيف أن الإسلام بواسطته نقل الإنسان من كونه أحط المخلوقات بسبب الشرك إلى أن أصبح سيد الوجود بسبب التوحيد، ثم تحدث عن نظرة الإسلام إلى الإنسان، وكيف أن فطرته بريئة في الأصل، بل كيف أن تكاليف الإسلام هي الفطرة، فالفطرة والدين توأمان بل متطابقان، وأن لإنسان ليس مسؤولاً إلا عن عمله ولا يتحمل وزر من تقدمه أو سبقه أو ولده، أين هذا من الأديان القائلة بالتناسخ، والتي تجعل الإنسان الحالي أثراً عن مل من تقدمه؟ أين ذلك من الأديان التي تجعل الأصل في الإنسان الشر، وتجعله مسؤولاً عن خطيئة أبيه، وتنطلق في التكليف من مبدأ التناقض مع الفطرة؟
إن هذه المعاني وحدها كافية لإقناع المنصف أن الإسلام هو دين الله، وأنه الدين الحق، وأنه ليس أمام الإنسان إلا طريق وحيد هو الإيمان به، والالتزام بتعاليمه، فهو تكليف الله إلى كل الأمم، وقد جعل الله فيه من مشرقات البراهين ما لا يسع المنصف إلا التسليم به.
ثم سلك المؤلف مسلكاً آخر للتدليل على عالمية الإسلام، وأن البشرية مطالبة به، ذلك أن الإسلام هو الذي طالب بالإيمان برسل الله جميعاً، فطالب بالإيمان بهم وعدم التفريق فيما
стр. 119
بينهم وصحح النظرة إليهم، فالغلاة من أتباعهم أرجعهم إلى القصد، والمنتقصون لأقدارهم أرجعهم إلى الرشد.
بهذا وأمثاله وبمسالك متعددة أقام المؤلف الحجة على عالمية الإسلام، وأنه لكل الأمم، وأن على الأمم جميعاً أن تؤمن به، وأن تقتدي بسيرة رسوله ﷺ وأن تهتدي بهداه.
* * *
(٨)
حقية الرسالة المحمدية وأياديها على البشرية
وبعد أن برهن المؤلف على أن الرسالة المحمدية لكل الأمم، وأن على جميع الشعوب والأفراد أن يدخلوا فيها، ختم محاضراته بالمحاضرة الثامنة التي تحدث فيها عن حقية هذه الرسالة، وعن حقية مضموناتها، وعن بعض أياديها على البشرية، وعن احتياجات البشرية حالاً واستقبالاً لها.
تحدث عن مظاهر متعددة من انحراف البشر قديماً وحديثاً، وكيف أن الرسالة المحمدية صححت، وأنها وحدها أعطت الحلِّ الصحيح والجواب لمشكلات البشرية ولتساؤلاتها.
تحدث بالنسبة للذات الإلهية عما وقعت فيه البشرية من تشبيه وتمثيل، وكيف أن الإسلام صحح ذلك.
وأن نظريات الخير والشر وفلسفة الخير والشر وأسباب الخير والشر، كل ذلك قد وجدت فيه أخطاء، وجاء الإسلام فصحح ذلك.
وأن فكرة تعذيب الأجسام أصبحت جزءاً من كل الديانات، فجاء الإسلام وحسم ذلك.
وأن فكرة الانتحار تضحية لله في زعمهم أو فراراً من ألم كانت ولا زالت جزءاً من تفكير
стр. 120
الإنسان، وجاء الإسلام فأبطل ذلك وحرمه.
وأن فكرة قتل الأولاد أو وأد البنات أو حرق المرأة نفسها بعد وفاة زوجها كانت في بعض الأديان، ولا زالت في بعضها بصور شتى، وجاء الإسلام فحرم ذلك وأبطله.
ومن أكبر الجرائم التي اقترفتها الأمم ولا تزال باقية في بلاد لم تبلغها دعوة الإسلام ولم تشرق أنواره في أرضها، أنهم جعلوا ثراء المال ونقاء الدم وشرف النسب وكرم المحتد ولون البشرة أساس الكرامة ورأس ما يتفاضلون به ويتفاخرون، فجاء الإسلام بأسس جديدة هي وحدها الأسس الحميدة في تقويم الإنسان.
وكانت حياة الرقيق والمستعبدين والأسرى لا تطاق، فجاء الإسلام برحمته الشاملة، ففتح الباب لتحرير الرقيق، ووضع الأساس لحسن التعامل مع الأسير.
ولقد وجد من فرَّق بين الدين والدنيا، وجاء الإسلام فألغى هذا التناقض، ولقد جاء الإسلام وفي العالم رهبانية وعزلة رهيبة عن الحياة فوضع الأمور مواضعها، فهناك واجبات حياتية لا يسع أحداً أن يفرط فيها.
وفي شأن المرأة كانت ولا زالت أخطاء، وفي شأن الأسرة كانت ولا زالت أخطاء، وفي شأن السلم والحرب، وفي شأن الحياة الاقتصادية كانت ولا زالت أخطاء، وفي علاقات الشعوب مع بعضها البعض، وفي نظرة الإنسان إلى الإنسان، جاء الإسلام مصححاً وموجهاً ومعلمً ومربياً وقاطعاً الطريق على الانحراف.
كل ذلك بعض أيادي الإسلام على البشرية، وكل ذلك وغيره تحتاجه البشرية بلا استثناء، وكل ما في الإسلام حق وعدل.
فيا شعوب هذا العالم ويا أبناءه ليس أمامكم إلا الإسلام فآمنوا به والتزموا هديه.
وقد عرض المؤلف هذه المعاني كلها أجمل عرض وأقواه وضرب له من الأمثلة ما يشفي ويغني.
وقد ترددت كثيراً أن أجعل هذا التلخيص جزءاً من هذه المقدمة لطوله، ولكن غلبني أسره فأثبته.
* * *
стр. 121
وعلى كل حال فقد عرفنا من هذه المحاضرات القيمة الكبرى لدراسة كل ما له علاقة بالرسالة المحمدية، وعرفنا أن السيرة النبوية لا تعني فقط أن ندرس بعض أحداث هذه السيرة تاريخياً، وقد أصاب الشيخ محمد الغزالي عندما ختم كتابه (فقه السيرة) بهذه الكلمات:
قد تظن أنك درست حياة محمد ﷺ إذا تابعت تاريخه من المولد إلى الوفاة، وهذا خطأ بالغ، إنك لن تفقه السيرة حقاً إلا إذا درست القرآن الكريم والسنة المطهرة. وبقدر ما تنال من ذلك تكون صلتك بنبي الإسلام ﷺ . أهـ.
* * *
ولقد صحح ما نقلناه عن الشيخ سليمان الندوي بعض المفاهيم والأغلاط ورسَّخ بعض المعاني، وقد آن الأوان لنكمل أغراض هذه المقدمة في التصحيح والترسيخ فأقول:
السيرة في الاصطلاح هي التأريخ لحياته ﵊ كما جرت عليه عادة كتاب السيرة. فالسيرة من هذه الحيثية يدخل فيها جزء من أفعاله وأقواله وتاريخه ﷺ وفي السيرة بالمعنى الاصطلاحي يقع بعض الناس في أغلاط.
من هذه الأغلاط أن بعضهم يعتبر السيرة النبوية بالمعنى الاصطلاحي وكأنها المصدر التشريعي الوحيد الذي تستخرج منه الأحكام، وبعضهم يستخرجون من السيرة قواعد وعموميات ويحاولون تطبيقها على جزئيات حياتية قد تدخل فيها وقد لا تدخل، وأحياناً يفرضون على الأمة ألا تخرج على ما يستنبطون، ويحرمون على الأمة ألا تسير على ما يستخرجون، وهناك ناس يعتبرون أفعال رسول الله ﷺ كلها على حد سواء في فرضية الاقتداء، وهناك ناس يعطون أنفسهم حق التمييز بين أفعال الرسول ﷺ فهذا سنة وهذا مباح، وهذا فعَله بحكم رئاسته للدولة، وهذا فعله بحكم أنه مشرع للأمة، يعطون أنفسهم هذا الحق وهم ليسوا مؤهلين لذلك، وهذا كله يستدعي توضيحاً.
إن أفعال الرسول ﷺ كلها جزء من سنته، وسنته هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، ومصادر التشريع الأصلية أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. أما المصادر
стр. 122
الفرعية فمتعددة وهي محلُّ خلاف بين المذاهب الأربعة، ومنها: الاستحسان والاستصحاب والاستصلاح .. إلخ.
والمسلمون بمجموعهم مكلفون أن يسيروا على ضوء حكم الله في الواقعة التي تواجههم، والمسلم مكلف بالسير على ضوء حكم الله في الواقعة التي تواجهه، وحكم الله يؤخذ من المصادر الأصلية والفرعية، وتطرأ عليه طوارئ بسبب من ظروف خاصة زماناً أو مكاناً أو شخصاً، فما دام المسلم ملتزماً بحكم الله وبالفتوى المبصرة من أهلها فهو على إسلام، وهو على سنة، وهو مقتد برسول الله ﷺ ويدخل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) وهكذا لا تقيد الأمة الإسلامية ولا الفرد المسلم إلا بهذا القيد، وهو الفتوى البصيرة من أهلها.
فإذا اتضح هذا نقول: إن من مصادر التشريع - التي تبني عليها الفتوى - السنة، وأفعال الرسول جزء من السنة النبوية وسيرته من أفعاله، وللأصوليين مباحث بخصوص هذا الشأن منها: هل إذا فعل رسول الله ﷺ فعلاً فذلك يفيد الوجوب إلا إذا وجدت قرينة، أم أنه لا يفيد الوجوب إلا إذا وجدت قرينة؟ هناك وجهتا نظر.
قال أبو حامد الغزالي في (المنخول):
والمختار عندنا وهو مذهب الشافعي ﵁ أنه إن اقترن به قرينة الوجوب كقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" فهو للوجوب. وإن لم يقترن نظر، فإن وقع من جملة الأفعال المعتادة، من أكل، وشرب، وقيام وقعود، واتكاء، واضطجاع، فلا حكم له أصلاً. وظن بعض المحدثين أن التشبه به في كل أفعاله سنة، وهو غلط؛ وإن تردد بين الوجوب والندب، فإن اقترنت به قرينة القربة فهو محمول على الندب، لأنه أقل، والوجوب متوقف فيه. وإن تردد بين القربة والإباحة، فيتلقى منه رفع الحرج، وليس هذا متلقى من صيغة الفعل، إذ الفعل لا صيغة له، ومستنده مسلك الصحابة فإنا نعلم أن الممنوع من فعل فيما بينهم، لو نقل عن الرسول ﷺ فعله لفهموا منه رفع الحرج.
стр. 123
وأما الإباحة فلا نتلقاه، فإنه حكم يقتضي التخيير مع تساوي الطرفين، وهو يناقض الندب، والفعل متردد بينه وبين رفع الحرج، فأقل الدرجات رفع الحرج.
فإن تمسك أبو حنيفة ﵀ بإجماع الأمة على كون النبي ﵇ أسوة وقدوة ومطاعاً، وشرطه الاقتداء به في كل ما يأتي ويذر.
قلنا: معناه أن أمره ممتثل، كما يقال: الأمير مطاع في قومه، ولا يراد به أنهم يتربعون إذا تربع، أو ينامون إذا نام.
فإن تمسك بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) فكل ذلك محمول على الأمر، وهو الذي أتانا به دون الفعل.
وهل الأصل فيما لم يفعله الرسول ﷺ الحرمة أو الإباحة؟ الذي عليه جماهير الأمة سلفاً وخلفاً أن الأصل في الأشياء الإباحة، ومن هنا ندرك خطأ الذين يقولون: هات الدليل على أن هذا الشيء فعله رسول الله ﷺ لكي يعتبر جائزاً، الصواب أن يقال: هات الدليل على أن الرسول ﷺ حرّمه، فشيء لم يفعله ولم يأمر به ولم ينه عنه فالأصل فيه الجواز.
إذا اتضحت هذه المعاني فإننا نستطيع أن ندرك كثيراً من الأخطاء، خطأ الذين يحرمون شيئاً لأن رسول الله ﷺ لم يفعله، وخطأ الذين يعتبرون أن مجرد فعل الرسول ﷺ يفيد الفرضية.
لقد وجد ناس قرأوا السيرة فاستخرجوا منها أن المنحى العام لرسول الله ﷺ في إقامة الدولة الإسلامية كان على طريقة معينة: دعوة دون قتال مع طلب النصرة ثم هجرة ثم ... ، وبناء عليه فن الأمة الإسلامية يفترض عليها أن تسير على نفس المنحى، مع أن الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية تختلف، والأحكام قد اكتملت ولم يعد النسخ في الشريعة متصوراً، والعبرة لآخر ما استقر عليه التشريع، ومن ثم فالمسلم مكلف في ما
стр. 124
يواجهه أن يبحث عن حكم الله، والأمة الإسلامية مقيدة في سيرها بحكم الله، فقد يكون حكم الله القتال ابتداء، وقد يكون غير ذلك.
وأفعال الرسول ﷺ منها ما يفيد الإباحة، ومنها ما يفيد السنية، ومنها ما يفيد الوجوب، والقرائن هي التي تحدد، وحتى أوامره ونواهيه ﷺ للقرائن دخل في فهم الوجوب أو الحرمة منها، وفهم هذه القضية بالمكان الأعلى من فقه الحركة، صحيح أن من قلد رسول الله ﷺ في أفعاله غير المنسوخة فهو مأجور في كل حال، ولكن هذا شيء وادعاء الفرضية أو الحرمة شيء آخر.
ولاشك أن بعض أفعال رسول الله ﷺ ينطبق عليه وصف السياسة الشرعية، وبالتالي فبعض أفعاله جزء من السياسة اليومية التي كان يفعلها رسول الله ﷺ بحكم إدارته لشؤون المسلمين.
ولكن هل كل أحد مرشح لأن يقول عن أفعال رسول الله ﷺ إن هذا يفيد السنية، وهذا يفيد الوجوب؟ وهل كل إنسان مرشح لأن يقول: هذا من السياسة اليومية وهذا من التشريع الدائم؟
إن هناك معلومات من الدين بالضرورة يستوي في معرفتها والفتوى بها العام والخاص ولكن ما سوى ذلك من أمور مشتبهات لا يستطيعها إلا مجتهد استشرف نصوص الكتاب والسنة واستوعب الكليات والجزئيات، أمثال هؤلاء هم المرشحون للبيان قال ﵊ في الحدث الصحيح: "وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس" وإذن فهناك م يعلمها وهم الأئمة المجتهدون، ولخطورة أن يتكلم في هذا الموضوع أحد لم يصل إلى رتبة الاجتهاد، حكم الأئمة على من يتصدر للاجتهاد وليس أهلاً له بأنه ضال مُضِل، لأنه في هذه الحالة يجعل الحرام حلالاً، والواجب مباحاً، أو المباح حراماً، أو يعطل لنصوص بحجة أنها مؤقتة بوقت، أو كانت مرحلية، إلى غير ذلك من أقوال إن لم تكن صادقة فهي الضلال عينه.
* * *
وإلى الباب الأول من قسم السيرة النبوية.
стр. 125
الباب الأول
من
سيرته ﷺ
وهو
من البدء حتى النبوة الشريفة
стр. 126
هذه المرحلة في سطور
* لم نقصد بكلمة (البدء) الميلاد، وإنما أردنا في هذا الباب أن نذكر بعض النصوص التي تعتبر معالم كبرى متعلقة به ﷺ قبل النبوة، سواء كانت قبل الميلاد أو بعده.
* أخذ الله على الرسل جميعاً أن يؤمنوا بمحمد ﷺ إذا بعث وهم أحياء، وقد بشر به الرسل أقوامهم، ولا زالت في بقايا الوحي آثار كثيرة تبشر به ﷺ ففي كتب الهند الدينية، وفي كتب الفرس الدينية، وفي العهدين القديم والجديد، كثير من البشارات به، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا (الرسول ﷺ وهو مع ذلك كله من ذرية إبراهيم عن طريق إسماعيل ﵉.
* ظهرت إرهاصات كثيرة تبشر ببعثته، وظهرت علامات تمهد لاستقبال الوحي.
* ولد من أبوين قرشيين، يعتبران أكرم خلق الله نسباً، هما: عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب الزهرية.
* ولد عام الفيل، ونبئ على رأس الأربعين، توفي أبوه في المدينة المنورة وأمه حامل به - على القول الراجح -، ومن حواضنه: بركة أم أيمن، ومن مراضعه: ثويبة مولاة أبي لهب، وحليمة السعدية.
* بقي في حضانة حليمة السعدية حتى السنة السادسة من عمره - في رواية - ثم أعادته إلى أمه بعد حادثة شق الصدر، وفي نفس السنة ذهبت أمه إلى المدينة المنورة لزيارة قبر زوجها، وفي العودة توفيت ودفنت بالأبواء بين مكة والمدينة.
* وفي أوائل السنة التاسعة من عمره توفي كافله ومربيه: جده عبد المطلب، بعد أن عهد إلى ابنه أبي طالب بكفالته.
* وفي أوائل السنة الثالثة عشرة من عمره خرج به أبو طالب إلى الشام، وأرجعه من الطريق بناء على وصية بَحِيرا الراهب.
* وفي السنة العشرين من عمره - على قول - حضر حرب الفجار التي كانت بين قومه
стр. 127
وكتانة وبين قيس، وكان يجهز فيها النبل لأعمامه.
* وشارك بعد حرب الفجار في حلف الفضول في دار ابن جدعان، وهذا الحلف من مكارم قريش الكبرى، إذ كان حلفاً على نصرة المظلوم.
* وقد رعى أثناء هذه المرحلة الغنم، وكان لا يألو جهداً في العمل.
* وأخيراً أجر نفسه لخديجة، فذهب هو وغلامه ميسرة إلى الشام في تجارة لها، وتمخضت العلاقة التجارية عن زواج رسول الله ﷺ بها وهو ابن خمس وعشرين سنة وهي بنت أربعين، وولدت له جميع أولاده وبناته، ما عدا إبراهيم ﵇.
* ووالى العمل التجاري بعد ذلك، وكان له في مرحة من المراحل شريك هو السائب ابن أبي السائب.
* وشارك وهو في سن الخامسة والثلاثين في بناء الكعبة، وحكّمته قريش فيمن يضع الحجر الأسود.
* وغلبت عليه العبادة في أخريات هذه المرحلة، وأصبحت رؤياه كفلق الصبح، ورأى خلال هذه المرحلة نوراً، وسمع صوتاً، وكلمته بعض الجمادات، وحدث له في صغره حادثة شق الصدر، ثم تكررت.
* ولم يشارك طوال حيته في أعمال الجاهلية، ولا في عبادات أهلها، وكان قومه يطلقون عليه لقب الأمين.
* تبنى زيد بن حارثة بعد أن أعتقه على إثر إيثار زيد له ﷺ على أهله، وبقائه معه.
* وكانت له صداقاته القليلة، وعلاقاته النظيفة، وسمعته الطاهرة، واجتمع له الفقر والعمل مع مكارم الأخلاق كلها.
* كفل في أخريات هذه المرحلة عليّ بن أبي طالب، ليخفف عن عمه أبي طالب.
стр. 128
* وصفته خديجة بعد النبوة - ملخصة صفاته قبل النبوة بما معناه - بأنه: يحمل المنقطع، ويقري الضيف، ويغيث الملهوف، ويعين على نوائب الحق، مستدلة بهذه الصفات على السلامة من الآفات، ومثبتة له على أمر النبوة.
* * *
стр. 129
فَصْلٌ: في فضل النَّسَبِ وفي فضل الجيل
نسب الرسول ﷺ :
* ذكر البخاري (١) نسب رسول الله ﷺ فقال: (هو ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان).
أقول: ثم يصل نسبه إلى إبراهيم ﵇ ويرى بعض النسابين أن بين عدنان وإبراهيم أربعين جداً لرسول الله ﷺ ، فهو من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ثم بعد ذلك يدخل في ينسب إبراهيم الذي تلمع فيه نبوات ورسالات كبرى إلى آدم - عليه السام - وإنما اتصل نسب إبراهيم ﵇ بالعرب من خلال ابنه إسماعيل، حيث أسكنه وأمه بوادٍ غير ذي زرع في مكة المكرمة، كما هو معلوم من القرآن والسنة الصحيحة.
* * *
اصطفاء نبينا من خير بني آدم ومن خير الأجيال (٢):
١ - * روى مسلم عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولدِ إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
٢ - * روى الترمذي عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت:
стр. 130
يا رسول الله إن قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض فقال ﷺ : "إن الله خلق الخلق، فجعلني من خيرهم من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوتَ، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً".
٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بُعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً، حتى كنت من القرن الذي كنت منه".
٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: قال: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (١) "من صلب نبي إلى صلب نبي حتى صرت نبياً".
وقد علق الدكتور البوطي على ما ورد بخصوص نسبه الشريف ﷺ بقوله: فيما أوضحناه من نسبه الشريف ﷺ ، دلالة واضحة على أن الله ميَّزَ العرب على سائر الناس، وفضل قريشاً على سائر القبائل الأخرى.
واعلم أن مقتضى محبة رسول الله ﷺ ، محبة القوم الذين ظهر فيهم والقبيلة التي ولد فيها، لا من حيث الأفراد ... بل من حيث الحقيقة المجردة، ذلك لأن الحقيقة العربية القرشية، قد شرف كل منها - ولا ريب - بانتساب رسول الله ﷺ إليها.
ولا ينافي ذلك ما قد يلحق من سوء بكل من قد انحرف من العرب أو القرشيين، عن صراط الله وانحط عن مستوى الكرامة الإسلامي التي اختارها الله لعباده، لأن هذا الانحراف أو الانحطاط من شأنه أن يودي بما كان من نسبة بينه وبين رسول الله صلى الله لعيه وسلم ويلغيها من الاعتبار.
стр. 131
أقول:
وفي الحديث قبل الأخير ما يفيد أن إيجابيات بعض النفوس البشرية في عصره كانت أرقى منها في أي عصر مضى أو سيأتي بعده، ومن عرف خصائص جيل الصحابة أدرك أنه جيل فريد لم يوجد مثله ولن يوجد جيل في مستواه.
* * *
تزكية الله لنبيه ﷺ وللصحابة (١):
٥ - * روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله نظر في قُلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوبِ العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالاته، ثم نظر في قولب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه. يقاتلون عن دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء.
فائدة:
هذا الحديث أصل من الأصول التي يستدل بها على حجية الإجماع. وفيه تعليل لاختيار الله محمداً ﷺ . كما أن فيه تعليلاً لفضل الصحابة على غيرهم، ولفضل جيلهم على الأجيال. ومن الحديث تعرف سر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) فقلب من نوع معين هو الذي يستأهل أن يتلقى الوحي ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٣).
* * *
стр. 132
[هاجر] جدة رسولنا - عليهما الصلاة والسلام - (١):
٦ - * روى البخار يعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لم يكذبْ إبراهيم النبي ﵇ قط، إلا ثلاث كذباتٍ، ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٢)، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٣). وواحدة في شن سارة، فإنه قدم أرض جبارٍ ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار، إن يعلم أنك امرأتي، يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك.
فلما دخل أرضهُ رآها بعض أهل الجبار، أتاهُ فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها. فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة.
فلما دخلتْ عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضتْ يدهُ قبضةً شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك. ففعلتْ، فعاد، فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله أن لا أضرك، ففعلتْ، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتيتني
стр. 133
بشيطانٍ، ولم تأتني بإنسانٍ، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر.
قال: فأقبلت تمشي، فلما رآها إبراهيم ﵇ انصرف، فقال لها: مهيمُ، قالت: خيراً، كف الله يد الفاجرِ، وأخدم خادماً".
قال أبو هريرة: فتلك أمكمْ يا بني ماء السماء.
تعليق حول صدق إبراهيم ﵇ -:
ما ذكره إبراهيم ﵇ في المواقف الثلاثة إنما هو من التورية الجائزة، وإنما أطلق عليه الكذب مجازاً، قال النووي في شرحه لمسلم:
وأما قوله ﷺ : " .... ثنتين في ذات الله - تعالى - .... ، وواحدة في شأن سارة .. " فمعناه:
أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم الخاطب والسامع، وأما في نفس الأمر فليست كذباً مذموماً، لوجهين، أحدهما: أنه ورَّى بها، فقال في سارة: أختي في الإسلام، وهو صحيح في باطن الأمر، وسنذكر - إن شاء الله تعالى - تأويل اللفظين الآخرين (١). والوجه الثاني: أنه لو كان كذباً لا تورية فيه لكان جائزاً في دفع الظالمين، وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنساناً مختفياً ليقتله، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصباً، وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز بل واجب لكونه في دفع الظالم فنبه النبي ﷺ على أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم.
ولعله من أجل كمال صدق إبراهيم ﵇ سماه الله - تعالى - في التنزيل الشريف: ﴿.... صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (٢)، ولعل أيضاً من إنعامات الله عليه لهذا الصدق أن
стр. 134
جعل من نسله إمام الصديقين وخاتم المرسلين محمداً ﷺ الذي ربى أمة على الصدق في القول والحال والعمل، فكانت خير أمة أخرجت للناس.
قصة إسماعيل الذبيح ﵇ وبناء البيت (١):
٧ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما اتخذ النساءُ المنطق من قِبَلِ أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل - وهي تُرضعه - حتى وضعها عند البيت، عند دوحةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم: قالت: إذاً لا يُضيعنا.
ثم رجعت، فانطلق إبراهيمُ حتى إذا كان عند التثنية - حيث لا يرونه - استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ (٢).
وجعلت أمُّ إسماعيل تُرضعُ إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفدَ ما في السِّقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال: يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظرُ هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت
стр. 135
المروة، فقامت عليها فنظرت، هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مراتٍ قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فذلك سعي الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: صَهٍ - تريدُ نفسها - ثم تسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عند غِواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبهِ - أو قال: بجناحهِ - حتى ظهر الماء، فجعلت تخوضه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرفُ من الماء في سقائها، وهو يفورُ بعد ما تغرفُ. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "يرحمُ الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرفُ من الماء - لكانت زمزمُ عيناً معيناً". قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملكُ: لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيعُ أهله.
وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذُ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رُفقة من جُرهُم - أو أهل بتٍ من جُرهم - مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدورُ على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جرياً أو جريِّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا - قال: وأم إسماعيل عند الماء - فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندكِ؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم.
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحبُّ الأنس" فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بهما أهل أبياتِ منهم، وشبَّ الغلامُ، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم.
وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم، بعد ما تزوج إسماعيل، يطالعُ تركته، فلم يجد
стр. 136
إسماعيل، فسأل امرأته عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بِشَرّ، نحن في ضيق وشدة، فشكتْ إليه، قال: فإذا جاء زوجُك فاقرئي ﵇، وقولي له: يُغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخٌ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني: كيف عيشُنا؟ فأخبرته أنا في جهدٍ وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيِّر عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقَكِ، الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى.
فلبِثَ عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعدُ، فلم يجدْه، فدخل على امرأته، فسألها عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخيرٍ وسعة، وأثنتْ على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحمُ، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي ﷺ : "ولم يكن لهم يومئذٍ حبٍّ. ولو كان لهم دعا لهم فيه"، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاهَ.
قال: فإذا جاء زوجُكِ فاقرئي ﵇، ومُريه يثبتُ عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخٌ حسنُ الهيئة - وأثنت عليه - فسألني عنك؟ فأخبرته، فسألني، كيف عيشُنا؟ فأخبرته أنا بخيرٍ، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرُك أن تُثبتَ عتبة بابك، قال: ذاك أب وأنتِ العتبة، أمرني أن أمِسكَكِ.
ثم لبِثَ عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيلُ يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولدُ بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنعْ ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً - وأشار إلى أكمة مرتفعةٍ على ما حولها -
стр. 137
فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيمُ يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١).
٨ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله :
قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) من شيعة نوح إبراهيم على منهاجه وسنته.
﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (٣): شب حتى بلغ سعيه سعى إبراهيم في العمل.
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾: ما أمرا به.
﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٤): وضع وجهه إلى الأرض، فقال: لا تذبحني وأنت تنظر، عسى أن ترحمني فلا تجهز عليَّ، اربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي على الأرض، فلما أدخل يده ليذبحه، فلم يحك المدية حتى نودي:
﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٥): فأمسك يده ورفع.
قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٦): بكبش عظيم متقبل.
وزعم ابن عباس أن الذبيح إسماعيل.
أقول:
ما قاله ابن عباس يوافق دقائق فهم القرآن من أن الذبيح إسماعيل ﵇، ولا
стр. 138
أعلم في تاريخ العالم مثلاً أرقى على لاستسلام لله من هذا المثل، فلا عجب أن أكرم الله ﵎ إبراهيم وإسماعيل أن جعل من نسلهما محمداً ﷺ أول المسلمين وخاتم المرسلين.
وقد سارع إبراهيم وإسماعيل إلى تحقيق الرؤيا، لأن رؤيا الأنبياء وحيّ واجب الطاعة، وأما رؤيا غير الأنبياء فحملها النظر.
فائدة في التعريف بالقبائل العربية (١):
يحسن بنا ونحن بصدد بعض النصوص التي تتحدث عن نسب رسول الله ﷺ ، أن نتعرف في عجالة سريعة على قبائل العرب، خاصة العرب المستعربة، أو العدنانية المنحدرة من صلب إسماعيل، عليه وعلى نبينا أفضل الصلوات وأتم التسليمات.
قال المباركفوري في الرحيق المختوم (٢):
أقوام العرب قد قسمها المؤرخون إلى ثلاثة أقسام، بحسب السلالات التي ينحدرون منها:
١ - العرب البائدة: وهم العرب القدامى الذين لم يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخهم، مثل: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وعملاق، وسواها.
٢ - العرب العاربة: وهم العرب المنحدرة من صلب يَعْرُبْ بن يَشْجُبَ بن قحطان، وتسمى بالعرب القحطانية.
٣ - العرب المستعربة وهم العرب المنحدرة من صلب إسماعيل، وتسمى بالعرب العدنانية. فأما العرب العاربة - وهي شعب قحطان - فمهدها بلاد اليمن، وقد تشعبت قبائلها
стр. 139
وبطونها، فاشتهرت منها قبيلتان:
أ - حِمْيَر، وأشهر بطونها: زيد الجمهور، وقضاعة، والسكاسك.
ب - كهْلان: وأشهر بطونها: هَمْدان، وأنمار، وطييء، ومَذْحج، وكِندة، ولخْم، وجُذام، والأزد، والأوس، والخزرج، وأولاد جفنة ملوك الشام (١).
وأما العرب المستعربة، فأًل جدهم الأعلى - وهو سيدنا إبراهيم ﵇ من بلاد العراق، من بلدة يقال لها (أور) على الشاطيء الغربي من نهر الفرات، بالقرب من الكوفة ... ومعلوم أن إبراهيم ﵇ هاجر منها إلى حاران - أو حران -، ومنها إلى فلسطين، فاتخذها قاعدته لدعوته، وكانت له جولات في أرجاء هذه البلاد وغيرها، وقدم مرة إلى مصر، وقد حاول فرعون مصر كيداً وسوءاً بزوجته سارة، ولكن الله رد كيده في نحره، وعرف فرعون ما لسارة من الصلة القوية بالله، حتى أخدمها (هاجر) اعترافاً بفضلها، وزوجتها سارة إبراهيم (٢).
ورجع إبراهيم إلى فلسطين، ورزقه الله من هاجر إسماعيل، وغارت سارة حتى ألجأت إبراهيم إلى نفي هاجر مع ولدها الصغير - إسماعيل - فقدم بهما إلى الحجاز، وأسكنهما بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المحرم الذي لم يكن إذ ذاك إلا مرتفعاً من الأرض كالرابية .... والقصة معروفة بطولها (٣).
وقد كان إبراهيم يرحل إلى مكة بين آونة وأخرى ليطالع تركته، ولا يعلم كم كانت هذه الرحلات، إلا أن المصادر التاريخية حفظت أربعة منها (٤).
وقد رزق الله إسماعيل من ابنة مضاض (٥) اثني عشر ولداً ذكراً، وهم: نابت أو
стр. 140
بنالوط، وقيدار، وأدبائيل، ومبشام، ومشماع، ودوما، وميشا، وحدد، ويتما، ويطور، ونفيس، وقديمان.
وتشعبت من هؤلاء اثنتا عشرة قبيلة، سكنت كلها في مكة مدة، وكانت جُلُّ معيشتهم التجارة من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ومصر، ثم انتشرت هذه القبائل في أرجاء الجزيرة بل إلى خارجها، ثم أدرجت أحوالهم في غياهب الزمان، إلا أولاد نابت وقيدار.
وازدهرت حضارة الأنباط في شمال الحجاز، وكونوا حكومة قوية دان لها من بأطرافها، واتخذوا البتراء عاصمة لهم، ولم يكن يستطيع مناوأتهم أحد حتى جاء الرومان فقضوا عليهم، وقد رجح السيد سليمان الندوي بعد البحث الأنيق والتحقيق الدقيق أن ملوك آل غسان وكذا الأنصار من الأوس والخزرج لم يكونوا من آل قحطان، وإنما كانوا من آل نابت بن إسماعيل، وبقاياهم في تلك الديار.
وأما قيدار بن إسماعيل فلم يزل أبناؤه بمكة يتناسلون هناك حتى كان منه عدنان وولده معد، ومنه حفظت العرب العدنانية أنسابها، وعدنان هو الجد الحادي والعشرون في سلسلة النسب النبوي، وقد ورد أنه ﷺ كان إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ويقول: "كذب النسابون" فلا يتجاوزه. وذهب جمع من العلماء إلى جواز رفع النسب فوق عدنان، مضعفين للحديث المشار إليه، وقالوا: إن بين عدنان وبين إبراهيم ﵇ أربعين أباً بالتحقيق الدقيق.
وقد تفرقت بطون معد من ولده نزار - قيل: لم يكن لمعد ولد غيره - فكان لنزار أربعة أولاد، تشعبت منهم أربعة قبائل عظيمة: إياد وأنمار وربيعة ومضر، وهذان الأخران هما اللذان كثرت بطونهما واتسعت أفخاذهما، فكان من ربيعة: أسد بن ربيعة، وعنزة، وعبد القيس، وأبنا وائل - بكر وتغلب -، وحنيفة، وغيرها. وتشعبت قبائل مضر إلى شبعتين عظيمتين: قيس عيلان بن مضر، وبطون إلياس بن مضر، فمن قيس عيلان: بنو سليم، وبنو هوازن، وبنو غطفان - ومن غطفان: عبس وذبيان وأشجع وغني بن أعصر. ومن إلياس بن مضر: تميم بن مرة، وهذيل بن مدركة، وبنو أسد بن خزيمة، وبطون كنانة بن خزيمة.
стр. 141
ومن كنانة قريش، وهم أولاد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وانقسمت قريش إلى قبائل شتى، من أشهرها: جمع وسهم وعدي ومخزوم وتيم وزهرة، وبطون قصي بن كلاب وهي عبد الدار بن قصي وأسد بن عبد العُزى بن قصي وعبد مناف بن قصي.
وكان من عبد مناف أربع فصائل: عبد شمس، ونوفل، والمطلب، وهاشم. وبيت هاشم هو الذي اصطفى الله - تعالى - منه سيدنا محمداً بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ﷺ (١).
ولما تكاثر أولاد عدنان تفرقوا في أنحاء شتى من بلاد العرب، متتبعين مواقع القطر ومنابت .. (٢).
وبقي بتهامة بطون كنانة، وأقام بمكة وضواحيها بطون قريش، وكانوا متفرقين لا تجمعهم جامعة حتى نبغ فيهم قصي بن كلاب، فجمعهم، وكون لهم وحدة شرفتهم ورفع من أقدارهم.
* * *
стр. 142
فصل: في بعض البشارات بنبينا ﷺ
بشارات في الكتب السابقة:
٩ - * روى البخاري عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃: أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١). قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتُك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخابٍ بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعف ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً.
١٠ - * روى الإمام أحمد عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، خرج منها نور، أضاءت له قصور الشام، وكذلك أمهات النبيين يرين".
١١ - * روى الطبراني عن أبي مريم ﵁ قال: أقبل أعرابي حتى أتى النبي ﷺ ، وعنده خلق من الناس، فقال: ألا تعطيني شيئاً أتعلمه وأحمله وينفعني ولا يضرك؟
стр. 143
فقال الناس: مه، اجلس.
فقال النبي ﷺ : "دعوه، فإنما يسأل الرجل ليعلم".
فأفرجوا له حتى جلس.
فقال: أيُّ شيء كان أول نبوتك؟
قال: "أخذ الله الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (١) وبشر بي المسيح ابن مريم.
ورأت أم رسول الله ﷺ في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام".
فقال الأعرابي: هاه، وأدنى منه رأسه، وكان في سمعه شيء.
فقال النبي ﷺ : ووراء ذلك".
قصة تدل على أن الراسخين في العلم من أهل الكتاب كانوا يعرفون علامات في شأنه:
١٢ - * روى ابن سعد عن عائشة ﵂ قالت: سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات، فلما كان ليلة وُلد رسول الله ﷺ ، قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه، قال: أخطأت والله حيث كنت أكره، انظروا يا معشر قريش، واحصوا ما أقول لكم: وُلِدَ الليلة نبي هذه الأمة أحمد الآخر. فإن
стр. 144
أخطأكم فبفلسطين. به شامةً بين كتفيه سوداء صفراء، فيها شعرات متواترات، فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في منازلهم ذكروا لأهاليهم، فقيل لبعضهم: وُلِدَ لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام فسماه محمداً، فالتقوا بعد من يومهم فأتوا اليهودي في منزله فقالوا: أعلمت أنه ولد فينا مولود؟ قال: أبعد خبري أم قبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد، قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا معه حتى دخلوا على أُمِّه، فأخرجته إليهم، فرأى الشامة في ظهره، فغشي على اليهودي ثم أفاق، فقالوا: ويلك! مالك؟ قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل، وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب يقتلهم ويبزُّ أحبارهم، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش؟ أما والله ليسطُونَّ بكم سطوةً يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب.
تعليق:
تحدث العقاد في كتابه (مطلع النور) عن كتاب بعنوان (محمد في الأسفار الدينية العالمية) لمؤلفه (عبد الحق فدبارتي) ونقل منه نقولاً واضحة الدلالة على أن محمداً ﷺ مذكور في كتب العهدين القديم والجديد، ومذكور في كتب الهند الدينية السامافيدا وغيرها، وفي كتب الديانة الفارسية القديمة المنسوبة لزرادشت.
وقد نقلنا في كتابنا (الرسول ﷺ الكثير من هذه النقول، سواء ما كان منها موجوداً في هذا الكتاب أو في غيره، ومن تتبع هذا الأمر في مصادره، ومن تأمل النصوص والحوادث والأحدث يجد أن الأمر كان على غاية الوضوح عند أصحاب الديانات أن رسولاً عربياً اسمه محمد ﷺ سيبعث.
وقد ذكرنا الحديث الأخير هنا ليعلم أنه كان عند أهل الكتاب علامات كثيرة يتعرفون بها على الحدث الجلل والنبأ العظيم، نبأ الرسالة الخاتمة، وهذا معنى سيتأكد لك مرة بعد مرة.
أقول:
وقد أشارت الأحاديث إلى التمهيدات الكبرى التي قدمت لبعثته ونبوته ﷺ . ولقد اختير لرسول الله ﷺ الزمان والمكان والنسب والبيئة، كما اختيرت له حتى الأسماء، فكان في ذلك توفيق على توفيق على توفيق، وذلك من أعلام نبوته ﷺ .
стр. 145
و في قصة بحيرا شاهد على أنه ﵊ مبشر به:
١٣ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبط فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت.
قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عيه وسلم، قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما عِلْمُكَ؟
فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً ولا يسجدان إلى لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به فكان هو في رعية الإبل فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.
قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعةٍ قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أُخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما اخترنا خيرة لك بطريقك هذا.