ومن كنانة قريش، وهم أولاد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وانقسمت قريش إلى قبائل شتى، من أشهرها: جمع وسهم وعدي ومخزوم وتيم وزهرة، وبطون قصي بن كلاب وهي عبد الدار بن قصي وأسد بن عبد العُزى بن قصي وعبد مناف بن قصي.
وكان من عبد مناف أربع فصائل: عبد شمس، ونوفل، والمطلب، وهاشم. وبيت هاشم هو الذي اصطفى الله - تعالى - منه سيدنا محمداً بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ﷺ (١).
ولما تكاثر أولاد عدنان تفرقوا في أنحاء شتى من بلاد العرب، متتبعين مواقع القطر ومنابت .. (٢).
وبقي بتهامة بطون كنانة، وأقام بمكة وضواحيها بطون قريش، وكانوا متفرقين لا تجمعهم جامعة حتى نبغ فيهم قصي بن كلاب، فجمعهم، وكون لهم وحدة شرفتهم ورفع من أقدارهم.
* * *
стр. 142
فصل: في بعض البشارات بنبينا ﷺ
بشارات في الكتب السابقة:
٩ - * روى البخاري عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃: أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١). قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتُك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخابٍ بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعف ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً.
١٠ - * روى الإمام أحمد عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، خرج منها نور، أضاءت له قصور الشام، وكذلك أمهات النبيين يرين".
١١ - * روى الطبراني عن أبي مريم ﵁ قال: أقبل أعرابي حتى أتى النبي ﷺ ، وعنده خلق من الناس، فقال: ألا تعطيني شيئاً أتعلمه وأحمله وينفعني ولا يضرك؟
стр. 143
فقال الناس: مه، اجلس.
فقال النبي ﷺ : "دعوه، فإنما يسأل الرجل ليعلم".
فأفرجوا له حتى جلس.
فقال: أيُّ شيء كان أول نبوتك؟
قال: "أخذ الله الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (١) وبشر بي المسيح ابن مريم.
ورأت أم رسول الله ﷺ في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام".
فقال الأعرابي: هاه، وأدنى منه رأسه، وكان في سمعه شيء.
فقال النبي ﷺ : ووراء ذلك".
قصة تدل على أن الراسخين في العلم من أهل الكتاب كانوا يعرفون علامات في شأنه:
١٢ - * روى ابن سعد عن عائشة ﵂ قالت: سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات، فلما كان ليلة وُلد رسول الله ﷺ ، قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه، قال: أخطأت والله حيث كنت أكره، انظروا يا معشر قريش، واحصوا ما أقول لكم: وُلِدَ الليلة نبي هذه الأمة أحمد الآخر. فإن
стр. 144
أخطأكم فبفلسطين. به شامةً بين كتفيه سوداء صفراء، فيها شعرات متواترات، فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في منازلهم ذكروا لأهاليهم، فقيل لبعضهم: وُلِدَ لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام فسماه محمداً، فالتقوا بعد من يومهم فأتوا اليهودي في منزله فقالوا: أعلمت أنه ولد فينا مولود؟ قال: أبعد خبري أم قبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد، قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا معه حتى دخلوا على أُمِّه، فأخرجته إليهم، فرأى الشامة في ظهره، فغشي على اليهودي ثم أفاق، فقالوا: ويلك! مالك؟ قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل، وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب يقتلهم ويبزُّ أحبارهم، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش؟ أما والله ليسطُونَّ بكم سطوةً يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب.
تعليق:
تحدث العقاد في كتابه (مطلع النور) عن كتاب بعنوان (محمد في الأسفار الدينية العالمية) لمؤلفه (عبد الحق فدبارتي) ونقل منه نقولاً واضحة الدلالة على أن محمداً ﷺ مذكور في كتب العهدين القديم والجديد، ومذكور في كتب الهند الدينية السامافيدا وغيرها، وفي كتب الديانة الفارسية القديمة المنسوبة لزرادشت.
وقد نقلنا في كتابنا (الرسول ﷺ الكثير من هذه النقول، سواء ما كان منها موجوداً في هذا الكتاب أو في غيره، ومن تتبع هذا الأمر في مصادره، ومن تأمل النصوص والحوادث والأحدث يجد أن الأمر كان على غاية الوضوح عند أصحاب الديانات أن رسولاً عربياً اسمه محمد ﷺ سيبعث.
وقد ذكرنا الحديث الأخير هنا ليعلم أنه كان عند أهل الكتاب علامات كثيرة يتعرفون بها على الحدث الجلل والنبأ العظيم، نبأ الرسالة الخاتمة، وهذا معنى سيتأكد لك مرة بعد مرة.
أقول:
وقد أشارت الأحاديث إلى التمهيدات الكبرى التي قدمت لبعثته ونبوته ﷺ . ولقد اختير لرسول الله ﷺ الزمان والمكان والنسب والبيئة، كما اختيرت له حتى الأسماء، فكان في ذلك توفيق على توفيق على توفيق، وذلك من أعلام نبوته ﷺ .
стр. 145
و في قصة بحيرا شاهد على أنه ﵊ مبشر به:
١٣ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبط فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت.
قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عيه وسلم، قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما عِلْمُكَ؟
فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً ولا يسجدان إلى لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به فكان هو في رعية الإبل فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.
قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعةٍ قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أُخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما اخترنا خيرة لك بطريقك هذا.
стр. 146
قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس ردهُ؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه قال: أنشدكم بالله أيكم وليهُ؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزودهُ الراهب من الكعك والزيت.
فائدة حول موضوع الكشف للأولياء:
تحدثنا في كتابنا (تربيتنا الروحية) عما يسمى في اصطلاح العلماء بالكشف، وذكرنا هناك أدلة وجوده وإمكانية وقوعه، وههنا نقول:
إن الكشف في حق الأنبياء معجزة، وهو في حق الأولياء كرامة، فقد يكشف للنبي من أمر الغيب، وقد يكشف للنبي الشيء ولا يُكشف لمن هم معه، وذلك يمكن أن يكون لأولياء هذه الأمة، ومن سياق قصة الراهب بحيرا نعلم أنه من بقايا أهل الكتاب الذين حافظوا على ديانة المسيح نقية، ومن ثم فإن تعليلنا لبعض ما ورد فيها أنه كشف كوشف به الراهب بحيران فلقد كوشف بأمر محمد ﷺ ، وكوشف بسجود الشجر والحجر له ﵊.
* * *
стр. 147
فصل: في الميلاد
متى ولد رسول الله ﷺ ؟
١٤ - * روى الحاكم عن أبي قتادة؛ أن أعرابياً سأل النبي ﷺ عن صوم يوم الإثنين فقال: "إن ذلك اليوم لذي وُلدتُّ فيه وأُنزل عليَّ فيه".
١٥ - * روى الترمذي عن قيس بن مخزمة قال: وُلدتُ أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم أخا بني يعمر بن ليثٍ: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبر مني، وأنا أقدم منه في الميلاد، قال: ورأيت حذق الطير أخضر محيلاً.
١٦ - * روى الطبراني عن قيس بن مخزمة قال: وُلد النبي ﷺ عام الفيل، وبين الفِجار والفيل عشرون سنة، وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة، وبين بناء الكعبة ومبعثه ﷺ خمس سنين، فبُعث وهو ابن أربعين.
فائدة:
قال الشيخ الغزالي في فقه السيرة:
كانت حرب الفجار بالنسبة إلى قريش دفاعاً عن قداسة الأشهر الحرم، ومكانة أرض الحرم، وهذه الشعائر بقية مما احترمه العرب من دين إبراهيم، وكان احترامها مصدر نفع
стр. 148
كبير لهم، وضماناً لانتظام مصالحهم وهدوء عداوتم. كان الرجل يلقى قاتل أبيه خلالها فيحجزه عن إدراك ثأره شعوره بهذه الحرمات.
ولكن أهل الجاهلية ما لبثوا أن ابتُلوا بمن استباحها، فظلموا أنفسهم فيها، وكانت حرب الفجار من آثار هذه الاستباحة الجائرة، وليس هنا تفصيل خبرها، وقد ظلت أربعة أعوام كان عُمْرُ (محمد ﷺ في أثنائها بين الخمسة عشرة والتسعة عشر، قيل: قاتل فيها بنفسه. وقيل: بل أعان المقاتلين.
أقول:
اختير له ﵊ في جملة ما اختير له عام الميلاد، فكان ميلاده في عام الفيل، وهو العام الذي وقع فيه أعظم حدث في تاريخ الجزيرة العربية وقتذاك، مما مكن لقريش ولكعبتها.
* * *
ولد يتيماً ﷺ :
١٧ - * روى الحاكم عن قيس بن مخرمة أنه ذكر ولادة رسول الله ﷺ ، فقال: تُوفي أبوه وأمه حُبلى به.
أقول:
يذكر أهل السير أن أباه توفي في المدينة وأمه حُبلى به، وأن أمه توفيت بعد زيارة لقبر زوجها، وهو ﵊ في الستة السادسة من عمره، ودفنت بالأبواء، وتوفي جده عبد المطلب بعد السنة الثامنة من مولده فانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب الذي كان فقيراً.
стр. 149
تعليق حول الحكمة من هذا اليتم وذاك الفقر:
يقول الدكتور سعيد رمضان البوطي في كتابه فقه السيرة:
لقد اختار الله لنبيه هذه النشأة لحكمٍ باهرةٍ، لعل من أهمها أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريب القلوب، أو إيهام للناس بأن محمد ﷺ إنما وضع لبان دعوته ورسالته التي نادى بها منذ صباه، بإرشادٍ وتوجيهٍ من أبيه وجده، ولم لا؟ وإنَّ جده عبد المطلب كان صدراً في قومه، فلقد كانت إليه الرفادة (١) والسقاية.
ومن الطبيعي أن يُربي الجد حفيده أو الأب ابنه على ما يحفظ لديه هذا الميراث.
لقد شاءت حكمة الله أن لا يكون للمبطلين من سبيل إلى مثل هذه الريبة، فنشأ رسوله بعيداً عن تربية أبيه وأمه وجده، وحتى فترة طفولته الأولى، فقد أرادت حكمة الله أن يقضيها في بادية بني سعد بعيداً عن أسرته كلها، ولما توفي جده وانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب الذي امتدت حياته إلى ما قبل الهجرة بثلاث سنوات كان من تتمة هذه الحكمة أن لا يُسلم عمه. حتى لا يُتوهم أن لعمه مدخلاً في دعوته، وأن المسألة مسألة قبيلةٍ وأسرةٍ وزعامةٍ ومنصب.
وهكذا أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيماً، تتولاه عناية الله وحدها، بعيداً عن الذراع التي تمعن في تدليله، والمال الذي يزيد في تنعيمه، حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة، فتلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني.
* * *
стр. 150
فصل: في أسمائه ﷺ
١٨ - * روى البخاري عن جُبير بن مُطعمٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لي خمسةُ أسماءٍ: أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر النسا على قدمي، وأنا العاقبُ"، والعاقب الذي: ليس بعده نبي. وقد سماه الله رؤوفاً رحيماً.
١٩ - * روى مسلم عن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُسمى لنا نفسه أسماء فقال:
"أنا محمدٌ، وأحمدُ، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة" وفي رواية (١) "ونبي الملاحم"، وفي أخرى (٢): "وإذا كان يوم القيامة كنتُ إمام المرسلين، وصاحب شفاعتهم".
٢٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مُذمماً، ويلعنون مذمماً، وأن محمد".
стр. 151
تعليق:
أسماؤه ﷺ مشتقة من صفات قائمة به توجب له المدح والكمال.
فمحمد: اسم مفعول، مشتق من الفعل المضعف حمد، فهو ﷺ يستجلب الحمد من الناس بصفاته وأقواله وأفعاله، وهو محل الحمد، ومن ههنا فهو محمد.
وأحمد: اسم على زنة أفعل التفضيل، مشتق - أيضاً - من الحمد، فهو ﷺ أكثر خلق الله حمداً لله، فمن ههنا كان أحمد.
والحاشر الذي يحشر الناس على قدمه: بمعنى أنه ﷺ أول من يُحشر من الخلق، ثم يحشر الناس على قدمه، أي: على أثره، وقيل: أراد ﷺ عهده وزمانه، يقال: كان ذلك على رِجْلِ فلان وعلى قدم فلان، أي: في عهده.
والمقفي: الذاهب المولي، لأنه ﷺ آخر الأنبياء، وإذا قفى فلا نبي بعده. وقيل: المقفي المُتبع، أراد أنه مُتبع النبيين.
ونبي الملاحم: الملاحم جمع ملحمة وهي من التلاحم في لحرب، أي: التقاء اللحم باللحم، أو التقاء السيف باللحم. وفي وصفه ﷺ لنفسه بأنه نبي الملاحم إشارة إلى المعارك الكبرى التي خاضتها أمته والتي ستخوضها، كما أنه يمكن أن يكون فيها إشارة إلى أن عهد نبوته الممتد إلى قيام الساعة ستكون فيه معارك ضخمة، وعلى هذا الفهم فالحربان العالميتان الأولى والثانية من جملة الملاحم.
* * *
٢١ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم".
стр. 152
أقول:
يفيد الحديث أن من مهماته ﷺ القسمة، والقسمة تقتضي عدلاً، ولذلك كان ﷺ يقبل على أصحابه إقبالاً واحداً في التربية والتعليم والتوجيه، حتى ليكاد يظن كل واحد من أصحابه أنه أحب إليه مما سواه ثم إن كل إنسان يأخذ على قدر استعداده، وذلك هو العطاء الرباني.
وفي هذا الباب أدب للدعاة أن يقبلوا على المريدين إقبالاً واحداً، كما أن في ذلك درساً للذين يزهدون في بعض المريدين فمن يدري فقد يكون المزهود فيه خيراً من كثير من المرغوب فيهم، وفي سورة (عبس) درس.
* * *
ما جاء عن رضاعه وتنشئته في البادية:
٢٢ - * روى أبو يعلي عن حليمة بنت الحارث - أم رسول الله ﷺ السعدية التي أرضعته - قالت: خرجت في نسوة من بني سعد بن بكرٍ نلتمس الرُّضعاء بمكة على أتانٍ لي فمراء قد أذمت بالرُكب. قالت: وخرجنا في سنة شهباء لم تُبقِ لنا شيئاً، ومعي زوجي الحارث بن عبد العُزى. قالت: ومعنا شارفٌ لنا والله إن يبض علينا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي، إن تنام ليلتنا مع بكائه، ما في ثديي ما يمصه، وما في شارفنا من لبن نغذوه، إلا أنا
стр. 153
نرجو. فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عُرِض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرج كرامة رضاعهِ من والد المولود، وكان يتيماً، فكنا نقول، ما عسى أن تصنع أمه. حتى لم يبق من صواحبي امرأةً إلا أخذت صبياً غيري، وكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئاً وقد أخذ صواحبي فقلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك فلآخذنه.
قالت: فأتيته فأخذته فرجعته إلى رحلي، فقال زوجي: قد أخذتيه؟ فقلت: نعم، والله ذاك أني لم أجد غيره. فقال: قد أصَبْتِ، فعسى الله أن يجعل فيه خيراً. فقالت: والله ما هو إلا أن حملته في حجري، قالت: فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللبن. قالت: فشرب حتى روي، وشربه أخوه - تعني ابنها - حتى روي، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل فإذا هي حامل، فحلبت لنا ما شئنا، فشرب حتى روي، قالت: وشربت حتى رويت، فبتنا ليلتنا تلك بخيرٍ شباعاً رواء، وقد نام صبينا. قالت يقول أبوه - يعني زوجها -: والله يا حليمة ما أراك إلا أصبتِ نسمةً مباركةً، قد نام صبينا وروي. قالت: ثم خرجنا فوالله لخرجت أتاني أمام الركب قد قطعته، حتى ما يبلغونها، حتى أنهم ليقولون: ويحك يا بنت الحارث كفي علينا: أليست هذه بأتانك التي خرجت عليها، فأقول: بلى والله، وهي قدامنا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر.
فقدمنا على أجدبِ أرض الله فوالذي نفسُ حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعي غنمي، فتروح غنمي بطاناً لبناً حفلاً، وتروح أغنامهم جياعاً هالكةً ما بها من لبن. قال: فشربنا ما شئنا من لبن، وما في الحاضر أحد يحلب قطرة ولا يجدها. فيقولون لرعاتهم: ويلكم ألا تسْرحون حيث يسرح راعي حليمة. فيسرحون في الشعبِ الذي يسرح فيه راعينا.
قالت: وكان ﷺ يشبُّ في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة، فبلغ ستاً وهو غلام جفر. قالت: فقدمنا أمه فقلنا لها، وقال لها أبوه: رُدوا علينا ابني فلنرجع به، فإنا نخشى عليه وباء مكة. قلت: ونحن أضن بشأنه لما رأينا من بركته قالت: "فلم نزل بها حتى قالت: ارجعا به فرجعنا به.
فمكث عندنا شهرين قالت: فبينما هو يلعب وأخوه يوماً خلف البيوت يرعيان بُهماً
стр. 154
لنا، إذ جاءنا أخوه يشتدُّ، فقال لي ولأبيه، أدرِكا أخي القرشي، قد جاءه رجلان فأضجعاه، فشقا بطنه. فخرجنا نحوه نشتدُّ، فانتهينا إليه وهو قائم منتقعٌ لونه فاعتنقه أبوه واعتنقته، ثم قلنا: مالك يا بُني؟ قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بياضٍ فأضجعاني، ثم شقا بطني، فوالله ما أدري ما صنعا. قالت: فاحتملناه فرجعنا به. قالت يقول أبوه: والله يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه. قالت فقلت: لا والله إنا كففناه وأدينا الحق الذي يجبُ علينا فيه. ثم تخوفتُ الأحداث عليه. فقلت: يكون في أهله. قالت فقالت أمه: والله ما ذاك بكما، فأخبراني خبركما وخبره، قالت: فوالله ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره. قالت: فتخوفتما عليه، كلا والله إن لابني هذا لشأنا، ألا أخبركما عنه، إني حملت به فلم أر حملاً قط كان أخفه ولا أعظم بركة منه، ثم رأيت نوراً كأنه شهاب خرج من حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببُصرى، ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعاً يده بالأرض رافعاً رأسه إلى السماء، دعاه والحقا بشأنكما.
فائدة حول تنشئته ﷺ في البادية:
قال الشيخ الغزالي في كتابه فقه السيرة:
وتنشئة الأولاد في البادية، ليمرحوا في كنف الطبيعة، ويستمتعوا بجوها الطلق وشعاعها المرسل، أدنى إلى تزكية الفطرة وإنماء الأعضاء والمشاعر، وإطلاق الأفكار والعواطف.
إنها لتعاسة أن يعيش أولادنا في شقق ضيقة من بيوت متلاصقة كأنها علب أغلقت على من فيها، وحرمتهم لذة التنفس العميق والهواء المنعش.
ولا شك أن اضطراب الأعصاب الذي قارن الحضارة الحديثة يعود - فيما يعود إليه - إلى البعد عن الطبيعة، والإغراق في التصنع. ونحن نقدر لأهل مكة اتجاههم إلى البادية لتكون عرصاتها الفساح مدارج طفولتهم. وكثير من علماء التربية يود لو تكون الطبيعة هي المعهد الأول للطفل حتى تتسق مداركه مع حقائق الكون الذي وجد فيه، ويبدو أن هذا حُلمٌ عَسِر التحقيق. أهـ.
стр. 155
فصل: في شق صدر النبي ﷺ وتكرار هذه الحادثة
* سبق ذكر ما ورد عن حليمة السعدية في مسألة شق الصدر، في الفصل السابق.
٢٣ - * روى الحاكم عن عتبة بن عبد السُّلمى أن رجلاً سأل رسول الله ﵌: كيف كان أول ِأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعد ابن بكر، فانطلقتُ أنا وابن لها في بُهمٍ لنا، ولم نأخذ معنا زاداً فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزادٍ من عند أمنا فانطلق أخي، وكنت عند البهم، فأقبل طيرانِ أبيضانِ كأنهما نسرانِ فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفاء، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: حصهُ - يعني خِطهُ - واختم عليه بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، واجعل ألفاً من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخروا عليِّ، فقالا: لو أن أمته وُزنت به لمال بهم. ثم انطلقا وتركاني وفرقت فرقاً شديداً، ثم انطلقتُ إلى أمي فأخبرتها بالذي رأيت، فأشفقتْ أن يكون قد التبس بي فقالت: أعيذُك بالله، فرحلت بعيراً لها فجعلتني على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا أمي فقالت: أديتُ أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت. فلم يرُعها ذلك، فقالت: إني رأيت خرج مني نوراً أضاءت منه قصور الشام".
٢٤ - * روى مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان - فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئرهُ - فقالوا: إن محمداً قد قتل؛ فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.
стр. 156
٢٥ - * روى النسائي عن أنس - أيضاً - قال: إن الصلوات فُرضت بمكة، وإن ملكين أتيا رسول الله ﷺ فذهبا به إلى زمزم، فشقا بطنه، وأخرجا حشوه في طستٍ منْ ذهبٍ، فغسلاه بماء زمزم، ثم كبسا جوفه حكمةً وعلماً.
أقول:
الحادثة التي أخرجها مسلم غير الحادثة التي ذكرها النسائي، فتلك في الصحراء وهذه في مكة، وهذه متأخرة.
٢٦ - * روى عبد الله بن أحمد عن أُبي بن كعب، أن أبا هريرة كان حريصاً على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله! ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالساً، وقال: "لقد سألت أبا هريرة، إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهرٍ، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا برجلٍ يقول لرجلٍ: أهو هُوَ؟ قال: نعم" فاستقبلاني بوجوهٍ لم أرها لخلق قط، وأرواحٍ لم أجدها من خلق قط، وثيابٍ لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحدٍ منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مساً، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصرٍ، فقال أحدهما لصاحبه: أفلق صدرهُ. فهوى أحدهما إلى صدري ففلقها - فيما أرى - بلا دمٍ ولا وجعٍ. فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئةِ العلقةِ، ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرحمة والرأفة، فإذا مثلُ الذي أخرج شبيه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، فقال: أغدُ وأسلم فرجعتُ بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة على الكبير".
стр. 157
فوائد حول حادثة شق الصدر:
١ - قال الشيخ الغزالي:
وهذه القصة التي روعت حليمة وزوجها، ومحمد مسترضع فيهم، نجدها قد تكررت مرة أخرى ومحمد ﵊ رسول جاوز الخمسين من عمره، فعن مالك بن صعصعة أن رسول الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال: بينا أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجع بين النائم واليقظان أتاني آتٍ، فشق ما بين هذه إلى هذه - يعني ثغرة نحره إلى شعرته - قال: فاستخرج قلبي: ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً، فغسل قلبي، ثم حُشيَ ثم أُعيد ... .
وشيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الآثار، أن بشراً ممتازاً كمحمد لا تدعه العناية غرضاً للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، فإذا كانت للشر (موجات) تملأ الآفاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها فقلوب النبيين - بتولي الله لها - لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في (متابعة الترقي) لا في (مقاومة التدلي) وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته.
* * *
٢ - قال القسطلاني في المواهب:
وهذا الشق روي أنه وقع له ﵊ مرات في حال طفولته إرهاصاً، وتقدم المعجزة على زمان البعثة جائز للإرهاص.
* * *
٣ - أقول:
لقد ذكر العلماء أن هناك قلباً حسياً للإنسان يرتبط به - نوع ارتباط - القلب الذي هو محل الكفر والإيمان ومحل الرجاء والخوف والحب والبغض، ولا شك أن الشق الحسي
стр. 158
استهدف القلب الثاني الذي هو غيب من الغيب، وإن كان بعض ما يجري فيه وعليه محساً من الإنسان، هذا القلب يمرض، وتتراكم عليه تراكمات، وتطرأ عليه الحجب.
تكرر حادثة الشق بل النبوة أي قبل التكليف فيه إشارة إلى إرادة الله في أن يبقى قلب محمد على حالة خاصة استصلاحاً وإعداداً، وهذا يفيد أنه حتى أطهر القلوب يحتاج إلى شيء من عالم الأسباب ليبقى على صفاء ونقاء، وتكرر حادثة شق الصدر قبيل الإسراء والمعراج فيه إشارة إلى أن بعض مقامات القلوب يحتاج إلى مزيد من الصفاء القلبي.
* * *
فصل: في رعيه ﷺ الغنم والحكمة من ذلك
٢٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم" فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: "نعم، كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكة".
فوائد:
١ - عن حكمة رعي الغنم: قال الحافظ في الفتح: قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أني جعل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها، وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها،
стр. 159
ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة؛ لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل البقر، وبالإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقياداً من غيرها، وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم أنه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمننه عليه وعلى إخوانه الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.
٢ - وعن الأخذ بالأسباب للتكسب: أقول: يتحدث بعض العلماء عن الأخذ بالأسباب، وعن التجريد في موضوع كسب القوت، ويعتبرون كُلا منهما في محله هو الكمال. وهكذا كان شأن رسول الله ﷺ ، فقد كانت حياته قبل النبوة عملاً متواصلاً لكسب القوت، فمن رعى غنم إلى رعي إبل إلى تجارة، ومن إجارة إلى شركة، وقد استمر هذا بعد النبوة ضمن حدد، حتى إذا اقتضت الدعوة الإسلامية تجريداً لم يبق لمحاولة الكسب محل، فكان التجريد على أكمله، فحتى فتحت خيبر لم يكن له ﵊ معلوم في الرزق، بل هو الزهد والعفة والتوكل، وكلا المقامين من أعلام نبوته ﵊.
* * *
стр. 160
فصل: في عصمته ﷺ مما يشينه حتى قبل البعثة
بناء البيت وعصمته من كشف العورة:
٢٨ - * روى الحاكم عن أبي الطفيل، قال: لما بُني البيت كان الناسُ ينقلون الحجارة والنبي ﷺ ينقل معهم، فأخذ الثوب ووضعه على عاتقه فنودي: لا تكشف عورتك، فألق الحجر ولبس ثوبه.
٢٩ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما بُنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي ﷺ : اجعل إزارك على رقبتك يقك من الحجارة، فخر إلى الأرض، وطمحت عيناهُ إلى السماء، ثم أفاق فقال: "إزاري إزاري"، فشد عليه إزاره.
قال في الفتح: وقد وردت رواية بنحوها وفيها: فما رئي بعد ذلك عرياناً ﷺ .
* * *
عصمته من فعل الجاهلية:
٣٠ - * روى الحاكم عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما هممت بما كان أهل الجاهلية يُهمون به إلا مرتين من الدهر، كلاهما يعصمني الله تعالى منهما، قلت ليلةً لفتى كان معي من قُريش في أعلى مكة في أغنام لأهلها ترعى: أبصر لي غنمي حتى أسْمُر هذه الليلة بمكة كما تسمر الفتيان قال: نعم، فخرجتُ فلما جئتُ أدنى دارٍ من دور مكة سمعتُ غناء وصوت دفوفٍ وزمرٍ فقلت: ما هذا؟ قالوا فلان تزوج فلانة لرجل من قريش تزوج امرأة، فلهوتُ
стр. 161
بذلك الغناء والصوت حتى غلبتني عيني فنمتُ فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، فرجعتُ فسمعتُ مثل ذلك فقيل لي مثل ما قيل لي فلهوت بما سمعتُ وغلبتني عيني فما أيقظني إلا مس الشمس. ثم رجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت فقلت: ما فعلت شيئاً. قال رسول الله ﷺ : "فوالله ما هممتُ بعدها أبداً بسوءٍ مما يعملُ أهلُ الجاهلية حتى أكرمني الله تعالى بنبوته".
تعليق:
في هذه الأحاديث مظهر من مظاهر حفظ الله لرسوله ﷺ من كل ما يتنافى مع الهمة العلية والسيرة المرضية، فالمرشحون لجلائل الأعمال لا يليق بهممهم أن تتوجه إلى مثل هذه الأفعال.
* * *
стр. 162
فصل: في حضوره ﷺ حلف الفضول
٣١ - * روى ابن سعد عن جُبير بن مُطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أُحبُّ أن لي بحلفٍ حضرته بدار ابن جُدعان حُمر النعم وأني أغدر به، هاشمٌ وزُهرةُ وتيمٌ، تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بل بحر صوفةً، ولو دُعيت به لأجبتُ، وهو حلف الفضول". قال محمد بن عمر: ولا نعلم أحداً سبق بني هاشم بهذا الحلف.
تعليق:
قال ابن هشام: وكان حلف الفضول بعد الفجار، وذلك أن حرب الفجار كانت في شعبان، وكان حلف الفضول في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة.
فوائد حول حادث حلف الفضول:
١ - قال الشيخ الغزالي في حلف الفضول:
أما حلف الفضول فهو دلالة على أن لحياة مهما اسودت صحائفها وكلحت شرورها، فلن تخلو من نفوس تهزها معاني النبل، وتستجيشها إلى النجدة والبر.
ففي الجاهلية الغافلة نهض رجال من أولي الخير، وتواثقوا بينهم على إقرار العدالة وحرب المظالم، وتجديد ما اندرس من هذه الفضائل في أرض الحرم. أهـ.
٢ - هل يجوز لبعض المسلمين أن يتعاقدوا عقداً كعقد حلف الفضول؟ وهل يجوز للمسلمين أن يتعاقدوا عقداً مع غيرهم كعقد الفضول؟
أقول:
لقد أوجب الله على المسلمين التعاون على البر والتقوى بقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى
стр. 163
الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) فأن يتعاقد بعض المسلمين عقداً في مثل هذا، فذلك جائز، لأنه ليس إلا مجرد تأكيد لشيء مطلوب شرعاً، على ألا يكون ذلك شبيهاً بمسجد الضرار، بحيث يتحول التعاقد إلى نوع الحزبية الموجهة ضد مسلمين آخرين ظلماً وبغياً، وأما تعاقد المسلمين مع غيرهم على دفع ظلم أو في مواجهة ظالم، فذلك جائز لهم، على أن تلحظ في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين في الحاضر وفي المستقبل، وفي هذا الحديث دليل، والدليل فيه هو استعداد الرسول ﷺ للاستجابة بعد الإسلام لمن ناداه بهذا الحلف.
* * *
стр. 164
فصل: في الإجارة عند خديجة ثم زواجه ﷺ منها
٣٢ - * روى الحاكم عن جابر، قال: استأجرت خديجة - رضوان الله عليها - رسول الله ﷺ سفرتين إلى جَرَشٍ، كل سفرة بقَلوصٍ.
٣٣ - * روى الطبراني عن جابر بن سمرة - أو رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كان النبي ﷺ يرعى غنماً، فاستعلى الغنم فكان في الإبل، هو وشريكٌ له. فأكْريا أخت خديجة، فلما قضوا السفر بقي لهم عليها شيء، فجعل شريكهم يأتيها فيتقاضهم، ويقول لمحمد: انطلق فيقول: اذهب أنت فإني أستحي. فقالت مرة وأتاهم: فأين محمد؟ قال: قد قلت له، فزعم أنه يستحي. فقالت: ما رأيت رجلاً أشد حياء ولا أعف ولا ولا، فوقع في نفس أختها خديجة، فبعثت إليه فقالت: ائت أبي فاخطبني. قال: أبوكِ رجل كثيرُ المال، وهو لا يفعل. قالت: انطلق فألقه فكلمه فأنا أكفيك، وائتِ عند سُكْرِه. ففعل، فأتاه فزوجه، فلما أصبح جلس في المجلس، فقيل له: أحسنت زوجت محمداً. فقال: أو قد فعلتُ. قالوا: نعم. فقام فدخل عليها فقال: إن الناس يقولون إني قد زوجت محمداً وما فعلتُ. قالت: بلى فلا تسفهن رأيك فإن محمداً كذا. فلم تزل به حتى رضي، ثم بعثت إلى محمد ﷺ بوقيتين من فضة، أو ذهبٍ وقالت: اشتر حلة وأهدها لي وكبشاً وكذا وكذا، ففعل.
٣٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس - فيما يحسب حماد أن رسول الله ﷺ ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن أن يُزوجه، فصنعت طعاماً وشراباً، فدعتْ أباها ونفراً
стр. 165
من قريش، فطَعِمُوا وشربوا حتى ثمِلُوا. فقالت خديجة: إن محمد بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه. فزوجها إياه، فخلعته وألبسته حلةً، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء. فلما سري عنه سَكْرُه نظر فإذا هو مخلق وعليه حُلة. فقال: ما شأني؟ ما هذا؟ قالت: زوجتني محمد بن عبد الله. فقال أنا أزوج يتيم أبي طالب إلا لعمري. قالت خديجة: ألا تستحي، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخير الناس أنك كنت سكران. فلم تزل به حتى رضي.
تعليق حول الروايات السابقة:
قال الواقدي: والثابت عندنا المحفوظ عن أهل العلم، أن أباها (أي خديجة) خويلد ابن أسد مات قبل الفجار، وأن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله ﷺ .
أقول:
وفي زواج خديجة روايات كثيرة، وإنما أثبتنا هنا ما ذكر في الأصول التي اعتمدناها، وقد حمل بعضهم حملاتٍ منكرةً على هاتين الروايتين، لما ذكر فيهما من إسكار خديجة والدها، ولا أرى في ذلك شيئاً، بل هذا يدل على دهائها وحسن تأتيها للأمور، إذ الوقت وقت جاهلية ولا تحليل فيه ولا تحريم، وإذا انتفى المحظور، فبالإمكان الجمع بين هاتين الروايتين والمشهور، فقد تطلق العرب على العم أباً، فيكون المراد بالأب في الروايتين عم خديجة، إذا ثبت أن أباها كان متوفى وقتذاك.
* * *
стр. 166
فصل: في رجاحة عقله صلى الله عليه سلم وتلقيبه بالأمين قبل البعثة
٣٥ - * روى الإمام أحمد عن مجاهد عن مولاه أنه حدثه أنه كن فيمن يبني الكعبة في الجاهلية، قال: ولي حجر أنا أنحته بيدي أعبده من دون الله تعالى، فأجيء باللبن الخاثر الذي آنفه على نفسي فأصبه عليه فيجيء الكلب فيلحسه ثم يشفر فيبول، فبنينا حتى بلغنا موضع لحجر، وما يرى الحجر أحدٌ، فإذا هو وسط حجارتنا مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل، فقال بطن من قريش: نحن نضعه، وقال آخرون: نحن نضعه فقالوا: اجعلوا بينكم حكماً، قالوا أول رجلٍ يطلع من الفج.
فجاء النبي ﷺ فقالوا: أتاكم الأمين فقالوا له فوضعه في ثوبٍ، ثم دعا بطونهم فأخذوا بنواحيه معه فوضعه هو ﷺ .
٣٦ - * روى الطبراني عن علي بن أبي طالبٍ - في بناء الكعبة - قال: لما رأوا النبي ﷺ قد دخل قالوا: قد جاء الأمين.
فائدة حول تحكيمه ﷺ في وضع الحجر الأسود:
في حادثة تجديد بناء الكعبة تجد كمال الحفظ الإلهي وكمال التوفيق الإلهي في سيرة رسول الله ﷺ ، كما أنك تجد كيف أن الله أكرم رسوله بهذه القدرة الهائلة على حل المشكلات بأقرب طريق وأسهله، وذلك ما تراه في حياته كلها، وذلك معلم من معالم رسالته، فرسالته إيصال للحقائق بأقرب طريق، وحل للمشكلات بأسهل أسلوب وأكمله.
* * *
стр. 167
بركته ومحبة الناس له وثقتهم به:
٣٧ - * روى الحاكم عن كندر بن سعيد عن أبيه قال: حججتُ في الجاهلية فإذا أنا برجلٍ يطوفُ بالبيت وهو يرتجزُ ويقول:
رب رُدَّ إلي راكبي محمداً ... ردهُ إليَّ واصطنعْ عندي يداً
فقلت: من هذا؟ فقالوا: عبد المطلب بن هاشم، بعث بابن ابنه محمدٍ في طلب إبل له ولم يبعثه في حاجة إلا أنجح فيها، وقد أبطأ عليه، فلم يلبث أن جاء محمد والإبل فاعتنقه، وقال: يا بُني لقد جزعت عليك جزعاً لم أجزعه على شيء قط، والله لا أبعثك في حاجةٍ أبداً، ولا تفارقني بعد هذا أبداً.
أقول:
ذكرت هذا الحديث هنا ليعلم كيف أن البركة والحب والشفقة كانت تحيط برسول الله ﷺ دائماً وأبداً، فبركته يحسها الجميع، وكل من يعرف يحبه أصفى الحب وأرقاه، وكل من يخالطه يمتلئ قلبه ثقة به في صغره وكبره، ولو أنك تتبعت الروايات التي سجلها كتاب سيرته ﷺ لوجدتها كلها تنصب فيما ذكرناه.
٣٨ - * روى الحاكم عن صهيب قال: لقد صحبت رسول الله ﷺ قبل أن يوحي إليه.
أقول:
نذكر هذا الحديث تأسيساً لموضوع سيطالعنا كثيراًن وهو أن كل من عرف رسول الله ﷺ وخالطه قبل النبوة آمن به بعد النبوة كأشد ما يكون الإيمان وأرقاه، وصهيب واحد من هؤلاء، وذلك من أعلام نبوته، فلولا أن حياته قبل النبوة تستدعي الإيمان به، ما كان مخالطوه ليؤمنوا به على مثل هذه الشاكلة، فهذه خديجة وزيد وأبو بكر ... وغيرهم
стр. 168
فصل: في مقدمات بعثته ﷺ
تطلعات إلى دين جديد صحيح:
٣٩ - * روى البخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نُفيلٍ بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي، فقُدمت إلى النبي ﷺ سُفرةً، فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إني لست آكل مما تبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسمُ الله عليه، وأن زيد بن عمروٍ كان يعيبُ على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكاراً لذلك وإعظاماً له.
٤٠ - * روى البخاري قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله - ولا أعلمهُ إل تحدث به عن ابن عمر - أن زيد بن عمرو بن نُفيلٍ خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيدٌ: ما أفرُّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأني أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دينُ إبراهيم؛ لم يكن يهودياً ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. فخرج زيدٌ فلقي عالماً من النصارى، فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحملُ من لعنةِ الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأني أستطيع؟ فهل تدلُّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيدٌ قولهم في إبراهيم ﵇ خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهدُ أني على دين إبراهيم.
٤١ - * روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: رأيتُ زيد بن
стр. 169
عمرو بن نُفيل قائماً مُسنداً ظهرهُ إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يحيى الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنتهُ: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها.
٤٢ - * روى أبو يعلي عن سعيد بن زيدٍ، قال: سألتُ أنا وعمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن زيد بن عمرو، فقال: "يأتي يوم القيامة أمةً وحده".
أقول:
ذكرت هذه الروايات عن زيد بن عمرو بن نفيل ههنا للإشعار بأنه كانت قبل البعثة تطلعات لدين يروي ظمأ القلوب العطشى إلى الحق، ولكن هذه التطلعات كانت ترتد خائبة، فتجتهد، وكل ما تصل إليه كان محدوداً، وهذا كله من أعلام نبوته ﷺ ، فالناس بحاجة إلى دين صحيح، والاجتهادات لا تغني فتيلاً في هذا الشأن عن الوحي المعصوم، فأن يظهر رجل يروي الظمأ ويقيم صرح دينٍ كله حق يملأ الساحة البشرية إلى قيام الساعة فذلك وحده دليل على أن الرجل رسول الله وعلى أن دينه دين الله.
ضلال العرب في عقائدهم وفساد تصرفاتهم:
٤٣ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: إذا سَرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ
стр. 170
سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿.... قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١).
أقول:
تذكر الآيات فيما بعد ذلك من سورة الأنعام أن العرب حرموا الإناث من الأنعام كما اعتبروا أن ما يفعلونه من كفر وشرك يمثل مشيئة الله، وتذكر هذه الآيات تكذيب العرب بالآيات واليوم الآخر، وإشراكهم بالله ، ولو أنك تتبعت نصوص الكتاب والسنة التي تتحدث عما كان عليه العرب وغيرهم قبل البعثة النبوية لرأيت عجباً، ولخلصت إلى أن من أعلام النبوة أن يبعث الله محمداً ﷺ والحال على ما هي عليه، لأنه لا أمل في أي نوع من الهداية للبشرية إلا بهذه البعثة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢).
٤٤ - * روى البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاحُ الناس اليوم يخطبُ الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدتُ، فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه،
стр. 171
فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن راياتٍ تكن علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطتة به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بُعث محمدٌ ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم.
أقول:
هذا نموذج على ما كان عليه الحال في الجاهلية، فإذا ما عرفت أن بعض النساء كن يطفن بالكعبة عاريات أدركت أين وصل الإسفاف في العبادات وفي العلاقات، فإذا ما اجتمع لذلك عبادة الأصنام عرفت الرحمة الإلهية بالبشرية إذ بعث الله محمداً ﷺ فأعطى أصفى أنواع التوحيد وأرقى أنواع العبادة وأطهر أنواع المعاملات والآداب.
نقل حول ما وصل إليه العرب من سوء الأحوال وحاجتهم إلى الدين الجديد:
لخص الأستاذ الندوي الحال التي كان عليها العرب وغيرهم وقتذاك بقوله:
كانت الأوضاع الفاسدة، والدرجة التي وصل إليها الإنسان في منتصف القرن السادس المسيحي أكبر من أن يقوم لإصلاحها مصلحون ومعلمون في أفراد الناس، فلم تكن القضية قضية إصلاح عقيدة من العقائد، أو إزالة عادة من العادات، أو قبول عبادة من العبادات، أو إصلاح مجتمع من المجتمعات، فقد كان يكفي له المصلحون والمعلمون الذين لم يخل منهم عصر ولا مصر.
ولكن القضية كانت قضية إزالة أنقاض جاهلية، ووثنية تخريبية، تراكمت عبر القرون والأجيال، ودفنت تحتها تعاليم الأنبياء والمرسلين، وجهود المصلحين والمعلمين، وإقامة بناء شامخ مشيد البنيان، واسع الأرجاء، يسع العالم كله، ويؤوي الأمم كلها، قضية إنشاء إنسان جديد، يختلف عن الإنسان القديم في كل شيء، كأنه ولد من جديد، أو عاش من جديد ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي
стр. 172
الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) قضية اقتلاع جرثومية الفساد واستئصال شأفة الوثنية، واجتثاثها من جذورها، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، وترسيخ عقيدة التوحيد في أعماق النفس الإنسانية ترسيخاً لا يتصور فوقه، وغرس ميل إلى إرضاء الله وعبادته، وخدمة الإنسانية، والانتصار للحق، يتغلب على كل رغبة، ويقهر كل شهوة، ويجرف بكل مقاومة، وبالجملة الأخذ بحجز الإنسانية المنتحرة التي استجمعت قواها للوثوب في جحيم الدنيا والآخرة، والسلوك بها على طرق أولها سعادة يحظى بها العارفون المؤمنون. وآخرها جنة الخلد التي وعد المتقون، ولا تصوير أبلغ وأصدق من قول الله - تعالى - في معرض المن يبعثه محمد ﷺ : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (٢).
* * *
الفترة التي بين عيسى ونبينا - عليهما الصلاة والسلام -:
٤٥ - * روى البخار يعن سلمان ﵁ قال فترة بين عيسى ومحمد - عليهم الصلاة والسلام - ستمائة سنةٍ.
نقل:
قال الحافظ في الفتح: المراد بالفترةِ المدة التي لا يبعث فيها رسول من الله، ولا يمتنع أن ينبأ فيها من يدعو إلى شريعة الرسول الأخير، ونقل ابن الجوزي الاتفاق على ما اقتضاه حديث سلمان هذا، وتعقب بأن الخلاف في ذلك منقول، فعن قتادة: .... خمسمائة وستين سنة أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه.
стр. 173
أقول:
قد يكون مرجع الخلاف بين روايتي سلمان وقتادة إلى أن أحدهما اعتبر الزمن الواقع بين البعثة والبعثة، وآخر اعتبر الزمن الواقع بين بعثة وميلاد، ولا يترتب على ذلك حكم، أو أن أحدهما أعتبر السنين الشمسية والآخر القمرية، والمشهور أن بين المولدين ٥٧٠ سنة شمسية، والقياس بالسنة الشمسية أو القمرية يترتب عليه فارق كبير.
ويلحظ من هذا الحديث طول فترة انقطاع الوحي، مما يؤكد حاجة الناس إلى من يصحح لهم المسار، ويربطهم من جديد بالسماء.
* * *
إرهاصات بنبوته ﷺ :
٤٦ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجراً بمكة، كان يُسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن".
٤٧ - * روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لخديجة: "إني أرى ضوءاً وأسمع صوتاً وإني أخشى أن يكون بي جنن". قالت: لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله. ثم أتت ورقة بن نوفل فذكرت ذلك له فقال: إن يك صادقاً فإن هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث وأنا حي فسأعززه وأنصره وأومن به.
فائدة:
في هذا الحديث والذي قبله مظهران من الإرهاصات والتمهيدات التي هيأت رسول الله ﷺ للأمر الجلل وهو استقبال الوحي
стр. 174
خاتمة الباب
ونختم هذا الباب بتعليق:
هذه السيرة العامرة العطرة النظيفة قبل النبوة، كانت من أعظم التمهيدات للنبوة وللثقة بصاحبها، فإذا ما اجتمع إلى ذلك التمهيدات القديمة لهذه النبوة، فإن رصيداً ضخماً من المقدمات أوصل إلى أن يستقبل هذا العالم النبوة الخاتمة كاستقبال المطر، فلا غرو أن تنتشر رسالته هذا الانتشار.
انظر إلى وصفه من قومه بالأمين قبل النبوة.
انظر إلى وصف خديجة له - بما معناه - من أنه يصل الرحم، ويحمل المنقطع، ويقري الضيف، ويغيث الملهوف، ويعين على نوائب الحق.
ثم انظر إلى البشارات به في النبوات السابقة، واصطفائه من العرب الأمة الفطرية، واختياره من ذرية إبراهيم لتكون له عراقة النبوة.
وانظر إلى ما اختار الله له من كمال الاسم والنسب والتركيب الخلقي والخُلقي، وإلى الإرهاصات التي رافقت حياته الأولى.
ثم انظر إلى ما سخره الله له وما هيأه له من علاقات نظيفة، وما كان فيه من فقر وعمل ويُتْمٍ وحلم وبُعد عن التطلعات الهابطة أو التطلعات الدنيوية.
فإنك تجد في هذا كله قوة الأساس للمرحلة اللاحقة (مرحلة النبوة).
إن هذا وغيره ليدل على أن قدر الله يسوق كل شيء لصالح هذه النبوة وهذه الرسالة، فلقد سبقت هذه الرسالة بمرحلة ممتدة في الزمان. وُجِدَت فيها كل المقدمات التي تخدم الدعوة الخاتمة من مكانة قريش بين العرب، والنسب إلى إبراهيم ﵊ وحفظ النسب من السفاح والضياع، وأخذ العهد على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أن يؤمنوا بمحمدٍ إذا بعث، وما سبق من تعميق قضية النبوة في الحياة البشرية.
стр. 175
كل ذلك كان مقدمات خدمت الرسالة الخاتمة والدين الخاتم الذي ستطالب به البشرية كلها.
ولعل من أهم المقدمات التي تقدمت الدعوة الإسلامية فساد الدين والدنيا قبل البعثة؛ فالنصوص الدينية حُرفت، والتصورات خرفِت، والضمائر فسدت، والظلم كثر، والشهوات تحكمت، والفطرة البشرية السليمة بدأت تتطلع إلى نبوة جديدة ورسول، وجاءت النبوة والرسالة لمحمد بن عبد الله ﷺ .
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ
* * *
стр. 176
الباب الثاني
من
البعثة حتى الاستقرار في المدينة
стр. 177
هذه المرحلة في سطور
* بعد ثلاث سنوات من العزلة والخلوة، وبعد ستة شهر من الرؤيا الصادقة، وفي يوم الإثنين لإحدى وعشرين مضت من رمضان ليلاً - على ما رجحه المباركفوري في (الرحيق المختوم) - وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة قمرية وستة أشهر واثني عشر يوماً، أي تسعة وثلاثين سنة شمسية وثلاثة أشهر واثني عشر يوماً، نزل عليه الوحي.
* أخبر الرسول ﷺ خديجة بما حدث فطمأنته، وأخبرت هي بدورها ورقة بن نوفل فطمأنها وبشرها بأنها النبوة.
* فتر الوحي بعد ذلك أياماً لتذهب حرة المفاجأة وليحدث التشوق، ثم ظهر له جبريل مرة ثانية جالساً على كرسي بين السماء والأرض، فعاد إلى أهله طالباً التزمل والتدثر فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ....﴾ و ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * ....﴾، وكان في ذلك الأمر بالتبليغ والدعوة.
* بدأ الرسول ﷺ يدعو سراً، واستمرت الدعوة السرية ثلاث سنين، ثم دعا جهراً في مكة، فلم يتحرك أحد من أهلها أو ممن حولها أو ممن يأتي إليها حاجاً أو معتمراً إل وقد حاول إيصال الدعوة إليه، على مدى سبع سنين بعد الدعوة السرية، ثم حاول أن يخرج بالدعوة إلى الطائف في السنة العاشرة، ولكن أهل الطائف لم يستجيبوا له، فعاد إلى مكة ودخلها في حماية المطعم بن عدي، ثم بعد ذلك وعلى مدار ثلاث سنوات دخل الإسلام إلى المدينة المنورة، وتمت في اسنتين الأخيرتين بيعتا العقبة الأولى والثانية، ثم كان الإذن بالهجرة والاستقرار في المدينة.
* استجاب للدعوة خلال المرحلة السرية حوالي أربعين نفراً - ويرى بعضهم أن هذا العدد لم يكتمل إلا في السنة السادسة أي بعد ثلاث سنين من الجهر على رأي ابن هشام - وكانت الصلاة المفروضة عليهم وقتذاك - وبقي هذا حتى حادثة الإسراء - ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي - على قولٍ -، وقد فرض عليهم في المرحلة الأولى قيام الليل.
* بدأت الدعوة الجهرية بدعوة عشيرته الأقربين جهراً، دعوة جماعية، ثم دعا قريشاً
стр. 178
جميعها دعوةً جماعيةً، ثم بدأ ينقض البنيان الديني للناس نقضاً مباشراً وصريحاً؛ وههنا بدأ أصعب صراع وأشده، ومنذ المرحلة السرية بدأ الكيد يأخذ أبعاده الكثيرة المتعددة، والإيذاء ينصب على المسلمين الذين لا يجدون حماية.
* ثم زاد الأمر شدة فتمخض ذلك عن الهجرة الأولى إلى الحبشةن وانطلق أول فوج في رجب من السنة الخامسة للبعثة وكان مكوناً من اثني عشر رجلاً وأربع نسوة.
* ثم حدثت حادثة مشاركة المشركين لرسول الله ﷺ في سجوده إثر تلاوة سورة (النجم)، فبلغ ذلك مهاجري الحبشة فظنوا أن قريشاً أسلمت فرجعوا، ثم تبين لهم كذب الشائعة فرجع بعضهم إلى الحبشة، ودخل بعضهم مكة مستخفياً أو في جوار، واشتد البلاء على المسلمين، فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وفي هذه المرة هاجر ثلاثة وثمانون رجلاً وثماني عشرة امرأة أو تسع عشرة امرأة، وكادت قريش للمسلمين عند النجاشي ولكنها لم تفلح.
* ثم لجأت قريش إلى تهديد أبي طالب وإغرائه ليتخلى عن محمد ﷺ أو يُسلمه إياها، فباءت محاولاتها بالفشل.
* وأسلم في السنة السادسة للبعثة حمزة وعمر بن الخطاب وكان إسلامهما نصراً وفتحاً، وههنا مالت قريش للمفاوضة والمسالمة فلم تنجح، وجد أبو طالب في الحماية فعبأ بني هاشم وبني المطلب لذلك. فاجتمعوا على ذلك ما عدا أبا لهب.
* وعلى إثر هذا كله تعقدت قريش في السنة السابعة للبعثة على مقاطعة المسلمين ومقاطعة بني هاشم وبني المطلب، ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم، حتى يُسلموا إليهم رسول الله صلى الله لعيه وسلم. وكانت محنةً عظيمة استمرت ثلاث سنين.
* وفي المحرم سنة عشر من النبوة حدث نقض الصحيفة وفك الميثاق بتوفيق من الله، تم بترتيب من بعض المتعاطفين وأصحاب الأريحية.
* ثم حاولت قريش المحاولة الأخيرة مع أبي طالب ليثنوا محمداً ﷺ عن دعوته، وهو
стр. 179
على فراش المرض، فلم تنجح.
* وكان العام العاشر للبعثة عام حزن، فقد توفي فيه أبو طالب في رجب سنة عشر للبعثة بعد الخروج من الشعب بستة أشهر، وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين - على قولٍ - توفيت أم المؤمنين خديجة ﵂ وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة ولها خمس وستون سنة ورسول الله ﷺ في الخمسين من عمره، وفقد بذلك الدعم البيتي والدعم الخارجي، ولله في ذلك حكمة، وتجرأ المشركون على رسول الله ﷺ وزادوا في أذاه، فخرج إلى الطائف لعله يجد أرضاً أكثر خصباً، ولكن لم يجد استجابة.
* وفي شوال من السنة العاشرة تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة ﵂ على إثر وفاة خديجة، وكانت ممن أسلم قديماً وهاجرت الهجرة الثانية إلى الحبشة مع زوجها السكران بن عمرو الذي توفي بأرض الحبشة أو بعد العودة إلى مكة.
* وفي موسم الحج في السنة الحادية عشرة من النبوة دخلت الكوكبة الأولى من خزرج المدينة في الإسلام وكانوا ستة وعادوا دعاة مبشرين، ففشا ذكر الرسول ﷺ في المدينة، وفي شوال من نفس السنة عقد رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ وكانت صغيرة السن؛ لذلك لم يدخل بها إلا بعد الهجرة.
* وفي هذه المرحلة حدثت حادثة الإسراء - على خلاف كبير في تعيين زمنها، هل هو في السابع والعشرين من رجب في السنة العاشرة للبعثة؟ أم في رمضان في السنة الثانية عشرة للبعثة؟ أو المحرم في السنة الثالثة عشرة للبعثة؟ أو ربيع الأول في السنة الثالثة عشرة؟ وهناك أقوال أخرى. وأشهر الأقوال وأقواها القول الأول.
* وفي السنة الثانية عشر للبعثة وافى موسم الحج اثنا عشر نفراً من المدينة منهم خمسة سبقوا في العام السابق وسبعة جدد وكانت بيعة، وأرسل رسول الله ﷺ مع هؤلاء مصعب ابن عمير ليعلمهم ويفقههم ويقرئهم القرآن ويدعو إلى الله، وانتشر الإسلام في المدينة.
* وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة تمت بيعة العقبة الثانية مع بضع وسبعين نفراً من أهل المدينة المنورة، واختاروا بأمر النبي ﷺ اثني عشر نقيباً منهم.
стр. 180
* جاء بعد ذلك الإذن بالهجرة، وتآمرت قريش على رسول الله ﷺ ليقتلوه وأنجاه الله منهم، وكانت الهجرة، وتم الاستقرار في المدينة، وكانت مرحلة جديدة.
* * *
من ملامح هذه المرحلة
١ - إنها مرحلة تبليغ ودعوة مستمرين، فلقد سمع بالدعوة كل العرب تقريباً، ولقد استفاد رسول الله ﷺ من موسم الحج، فبلغ تبليغاً مباشراً على مدى سنوات كل من استطاع الوصول إليهم.
قال المقريزي:
ثم عرض نفسه على القبائل أيام الحج، ودعاهم إلى الإسلام وهم: بنو عامر وغسان وبنو فزارة وبنو مرة وبنو حنيفة وبنو سليم وبنو عبس وبنو نصر وثعلبة بن عكاية وكندة وكلب وبنو الحارث بن كعب وبنو عُذرة وقيس بن الخطيم وأبو الحيسر أنس بن أبي رافع وبنو شيبان وبنو مجاشع وسويد بن الصامت والطفيل بن عمرو الدوسي وصمام بن ثعلبة.
وقد اقتص الواقدي أخبار هذه القبائل قبيلة قبيلة.
ويقال: إنه ﷺ بدأ بكِندة فدعاهم إلى الإسلام ثم أتى كلباً ثم بنى حنيفة ثم بني عامر، وجعل يقول: مَنْ رجلٌ يحملني إلى قومه فينعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟ هذا؛ وعمُّه أبو لهب وراءه يقول للناس: إنه كاذب، إنه ساحر، إنه كاهن، إنه شاعر، أكاذيب يقترفونه بها حسداً من عند أنفسهم وبغياً؛ فيُصغي إليهم من لا تمييز له من أحياء العرب، وأما الألباء فإنهم إذا سمعوا كلامه ﷺ وتفهموه شهدوا بأن ما يقوله حق وصدق، وأن قومه يفترون عليه الكذب، فيسلمون.
٢ - إنها مرحلة تكوين رفيع المستوى للجيل الأول، فقد انصهر فيها ذلك الجيل بالمعاني القرآنية واحترق بمعاني العبادة، وخرج ذهباً من محنة الاضطهاد والإيذاء