الأولى فياه انتفاجة أرنب؟ " قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله قال: "اتبِعُوا هذا" قال: ورجل مُقَفٍّ حينئذ. قال: فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبيه، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: هذا. قال: "نعم" قال: وإذا هو عثمان بن عفان ﵁.
وفي رواية (١): كنا مع النبي ﷺ في سُفَرٍ من أسفاره فنزل الناس منزلاً ونزل رسول الله ﷺ في ظل دومةٍ فرآني مُقبلاً من حاجةٍ لي وليس غيري وغير كاتبه وقال فيه: فإذا في صدر الكتاب أبو بكر. وعمر وقال فيه: أصنعُ ماذا يا رسول الله؟ قال: "عليك بالشام" وقال فيه: فلا أدري كيف قال في الآخرة؟ ولأن أكون علمتُ كيف قال في الآخرة أحبُّ إليَّ من كذا وكذا.
أقول: في الحديث إشارة إلى "أنه سيحصل خلاف وفتنة يكون عثمان بن عفان ﵁ على الحق ومعارضوه على الباطل. وإشارة إلى أن الشام ستكون في معزل عن هذه الفتنة فمن أراد السلامة فليلحق بها، وهذا ما وقع فعلاً فإن أحداً من الشام لم يخرج على عثمان.
١٠٢٦ - * روى الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: وقف رسول الله ﷺ بالأسواق، وبلال معه، فدلى رجليه في البئر، وكشف عن فخذيه، فجاء أبو بكر يستأذن، فقال: "يا بلال ائذنْ له وبشره بالجنة" فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخذيه، ثم جاء عمر يستأذن. فقال: "ائذن له يا بلال وبشره بالجنة" فدخل فجلس عن يسار رسول الله ﷺ ودلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه، ثم جاء عثمان يستأذن، فقال: "ائذن له يا بلال وبشره بالجنة على بلوى
стр. 1157
تصيبه، فدخل عثمان فجلس قُبالة رسول الله ﷺ ودلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه.
١٠٢٧ - * روى أحمد والطبراني عن ابن عمر قال: رأى النبي ﷺ على عمر ثوباً أبيض، فقال: "أجديد ثوبُك أم غسيل؟ " فقال: فلا أدري ما رد عليه. فقال النبي ﷺ : "ألبس جديداً وعش حميداً ومُت شهيداً ويرزقك الله قُرة عين في الدنيا والآخرة".
وزاد الطبراني بعد قوله: "يرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة" قال: وإياك يا رسول الله.
١٠٢٨ - * روى أحمد والبزار عن أبي رافع: أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: "إنه سيكون بينك وبين عائشة أمرٌ" قال: أنا يا رسول الله؟ قال: "نعم" قال: أنا؟ قال: "نعم" قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: "لا ولكن إذا كان ذلك فاردُدها إلى مأمنها".
١٠٢٩ - * روى الطبراني عن أبي أُسيد الساعدي ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ على قبر حمزة بن عبد المطلب فجعلوا يجرون النِّمرة على وجهه فتنكشف قدماه ويجرونها على قدميه فينكشف وجهه، فقال رسول الله ﷺ : "اجعلوها على وجهه، واجعلوا على قدميه من هذا الشجر" قال: فرفع رسول الله ﷺ رأسه، فإذا أصحابه يبكون، فقال رسول الله ﷺ : "إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف فيُصيبون منها مطعماً وملبساً ومركباً" أو قال: "مراكب فيكتبُون إلى أهليهم (١):
стр. 1158
هلم إلينا، فإنكم بأرض حجازٍ جدويةٍ، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون".
١٠٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل لكم من أنماط؟ " قلتُ: وأنى يكون لنا الأنماط؟ قال: "أما وإنها ستكون لكم الأنماط"- فأنا أقول لها - يعني امرأته - أخرى عنا أنماطك، فتقول: ألم يقل رسول الله ﷺ : إنها ستكون لكم الأنماط فأدعُها.
وفي رواية النسائي قال (١): قال رسول الله ﷺ : "هل تزوجت؟ " قلت: نعم، قال: "اتخذتم أنماطاً". وذكر الحديث إلى قوله: "ستكون".
١٠٣١ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فُتحت خيبرُ أُهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سُمٌّ، فقال رسول الله ﷺ : "اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود" فجُمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أبُوكم؟ " قالوا: أبونا فُلان، فقال رسول الله ﷺ : "كذبتُم، بل أبوكم فلان" فقالوا: صدقت وبررت، فقال: "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أهلُ النار؟ " فقالوا: نكون فيها يسيراً، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : "اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً" ثم قال لهم: "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سُماً؟ " فقالوا: نعم. فقال: "ما حملكم على ذلك؟ " قالوا: أرْدنا إن كنت كاذباً نستريحُ منك، وإن كنت نبياً لم يضُركَ.
стр. 1159
١٠٣٢ - * روى أبو داود عن عاصم بن كُليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر: "أوسِعْ من قِبَلِ رجليه، أوسع من قبل رأسه" فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء، وجيء بالطعام، فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه، ثم قال: "أجِدُ لحم شاةٍ أُخذتْ بغير إذن أهلها" فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة، فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها، فقال رسول الله ﷺ : "أطعميه الأسارى".
١٠٣٣ - * روى أحمدُ عن حُذيفة أن نبي الله ﷺ قال: "في أُمتي كذابُون ودجالون سبعةٌ وعشرون منهم أربعُ نسوةٍ، وإني خاتمُ النبيين لا نبي بعدي".
١٠٣٤ - * روى الطبراني عن النعمان بن بشير قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة كذابين".
стр. 1160
١٠٣٥ - * روى أبو داود عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وُضع السيفُ في أمتي، لم يُرفع عنها إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائلُ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبُد قبائل من أمتي الأوثان وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعمُ أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله".
أقول: وضع السيف في عهد عثمان ﵁ ولم يرفع بعد ذلك.
١٠٣٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمر أن كان عند رجل من أهل الكوفة فجعل يحدثه عن المختار. فقال ابن عمر: إن كان كما تقول فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالاً كذاباً".
وللطبراني في رواية قال (١): "بين يدي الساعة الدجالُ، وبين يدي الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر" قلنا: ما آيتهم؟ قال: "أن يأتُوكم بسُنةٍ لم تكونوا عليها يُغيرون بها سُنتكم ودينكم، فإذا رأيتمُوهم فاجتنبوهم وعادوهم".
والروايات الصحيحة في هذا المعنى كثيرة.
أقول: إن المختار بن أبي عبيد آل أمره إلى ادِّعاء أنه يوحى إليه، وادعى ادعاءات كثيرة كاذبة ولذلك أجمع العلماء على أنه كذاب ثقيف الذي ورد ذكره في النصوص.
١٠٣٧ - * روى الطبراني عن أبي إسحق قال: قلت لعبد الله بن عمر: إن المختار يزعمُ أنه يُوحى إليه. قال: صدق. وإن الشياطين ليُوحُون إلى أوليائهم.
стр. 1161
١٠٣٨ - * روى الطبراني عن أبي نوفل بن أبي عقرب العَرَنْجي قال: صلَبَ الحجاجُ ابن الزبير على عقبةٍ المدينة ليُري ذلك قريشاً، فلما أن تفرقوا جعلوا يمرون فلا يقفون عليه حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خُبيب (قالها ثلاث مرات) لقد كنت نهيتُك عن ذا (قالها ثلاث مرات) لقد كنت صواماً قواما، تصل الرحم. فبلغ الحجاج موقفُ عبد الله بن عمر فبعث إليه، فاستنزلهُ فرمى به في قبور اليهود، وبعث إلى أسماء بنت أبي بكر أن تأتيه وقد ذهب بصرها، فأبتْ، فأرسل إليها لتجيئن أو لأبعثن إليك من يسحبُك بقُرونك، قالت: والله لا آتيك حتى تُرسل إليَّ من يسحبني بقروني، فأتاه رسوله فأخبره، فقال له: يا غلام ناولني سَبْتِيِّتَيِّ فناوله نعليه، فقام وهو يتوقدُ، حتى أتاها، فقال: كيف رأيت الله صنع بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وأما ما كنت تُعَيِّرُه بذات النطاقين، أجل لقد كان لي نطاقان: نطاق أُغطي به طعام رسول الله ﷺ من النمل ونطاق آخر لابد للنساء منه، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن في ثقيف مُبيراً وكذاباً، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت ذاك" قال: فخرج.
١٠٣٩ - * روى أبو يعلي عن أبي الجلاس قال (١): سمعتُ علياً يقولُ لعبد الله السبئي
стр. 1162
ويلك، والله ما أفضى إلي بشيء كتمهُ أحداً من الناس، ولكن سمعتهُ يقول: "إنَّ بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً وإنك لأحدهُم".
١٠٤٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قدِمَ مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: إن جعل لي محمدٌ الأمر من بعده تبعته، وقدمها في بشرٍ كثيرٍ من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريدٍ، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: "لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريتُ فيه مارأيتُ، وهذا ثابت يُجيبك عني" ثم انصرف عنه، قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ : إنك أرى الذي أريتُ فيه ما أريت فأخبرني أبو هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "بينما أنا نائمٌ رأيتُ في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام: أن انفخهُما فنفختهُما، فطارا، فأولتهما، كذابين يخرجان بعدي، أحدهما: العنسي، والآخر: مسيلمة".
وفي رواية عبيد لله بن عبد الله بن عتبة، قال (١): بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة، فنزل في دار بنت الحارث، وكانت تحتهُ بنتُ الحارث بن كُرْيزٍ، وهي أم عبد الله ابن عامرٍ، فأتاه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وهو الذي يقال له: خطيبُ رسول الله ﷺ ، وفي يد رسول الله ﷺ قضيبٌ، فوقف عليه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك، فقال رسول الله ﷺ : "لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه، وإني لأراك الذي أُريتُ فيه ما أريتُ، وهذا ثابت بن قيس وسيُجيبك عني" فانصرف رسول الله ﷺ ، قال عبيد الله: سألتُ عبد الله بن عباس عن قول رسول الله ﷺ الذي أريت فيه ما أريتُ، فقال
стр. 1163
ابن عباس: ذُكِرَ لي - وفي رواية: أخبرني أبو هريرة ... وذكر الحديث- وفي آخره: أحدهما العنسيُّ الذي قتله فيروز باليمن، والآخر: مسيلمة.
وفي رواية: قال عبيد الله (١): سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا رسول الله ﷺ التي ذكر، فقال ابن عباس ذُكِرَ لي أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم أُريتُ أنه وُضِعَ في يدي سواران من ذهبٍ، فقطعتهُما وكرهتُهما، فأّذن لي، فنفختُهما، فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان" فقال عبيد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر: مسيلمة الكذاب.
قال ابن حجر: قوله (قدم مسيلمة الكذاب على عهد النبي ﷺ أي المدينة، ومسيلمة مصغر بكسر اللام ابن ثمامة بن كبير بموحدة ابن حبيب بن الحارث من بني حنيفة. قال ابن إسحاق: ادعى النبوة سنة عشر، وزعم وثيمة في "كتاب الردة" أن مسيلمة لقب واسمه ثمامة، وفيه نظر لأن كنيته أبو ثمامة، فإن كان محفوظاً فيكون ممن توافقت كنيته واسمه، وسياق القصة يخالف ما ذكره ابن إسحاق أنه قدم مع وفد قومه، وأنهم تركوه في رحالهم بحفظها لهم، وذكروه لرسول الله ﷺ وأخذوا منه جائزته، وأنه قال لهم: إنه ليس بشركم وأن مسيلمة إنما ادعى أنه أشرك في النبوة مع رسول الله ﷺ احتج بهذه المقالة، وهذا مع شذوذه ضعيف السند لانقطاعه، وأمر مسيلمة كان عند قومه أكثر من ذلك، فقد كان يقال له: رحمان اليمامة لعظم قدره فيهم، وكيف يلتئم هذا الخبر الضعيف مع قوله في هذا الحديث الصحيح أن النبي ﷺ اجتمع به وخاطبه وصرح له بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة الجريدة ما أعطاه، ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى: كان تابعاً، وكان رئيس بني حنيفة غيره؛ ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرة متبوعاً وفيها خاطبه النبي ﷺ ، أو القصة واحدة وكانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة منه واستكباراً أن يحضر مجلس النبي ﷺ ، وعامله النبي ﷺ معاملة الكرم على عادته في الاستئلاف، فقال لقومه: إنه ليس
стр. 1164
بشركم أي بمكان، لكونه كان يحفظ رحاله، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يُفد في مسيلمة توجه بنفسه إليهم ليقيم عليهم الحجة ويعذر إليه بالإنذار والعلم عند الله تعالى، ويستفاد من هذه القصة أن الإمام يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار إذا تعين ذلك طريقاً لمصلحة المسلمين. قوله (إن جعل لي محمد الأمر من بعده) أي الخلافة، وسقط لفظ "الأمر" هنا عند الأكثر وهو مقدر، وقد ثبتت في رواية ابن السكن وثبتت أيضاً في الرواية المتقدمة في علامات النبوة. قوله (وقدمها في بشر كثير) ذكر الواقدي أن عدد من كان مع مسيلمة م قومه سبعة عشر نفساً، فيحتمل تعدد القدوم كما تقدم. قوله (ولن تعدو أمر الله) كذا للأكثر، ولبعضهم لن تعد بالجزم وهو لغة، أي الجزم بلن، والمراد بأمر الله حكمه. وقوله (ولئن أدبرت) أي خالفت الحق، وقوله (ليعقرنك) بالقاف أي يهلكك. قوله (وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني) أي لأنه كان خطيب الأنصار، وكان النبي ﷺ قد أُعطي جوامع الكلم فاكتفى بما قاله لمسيلمة وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب في الخطاب فهذا الخطيب يقوم عني في ذلك، ويؤخذ منه استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد ونحو ذلك. أهـ.
١٠٤١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر، فقال لرجل ممن يُدعى بالإسلام: "هذا من أهل النار" فلما حضرنا القتال: قاتل الرجل قتالاً شديداً، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت له آنفاً: إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً، وقد مات؟ فقال النبي ﷺ : " إلى النار" فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك، إذ قيل: إنه لم يمتْ، ولكن به جراحاً شديداً، فلما كان من الليل لم يصبر على الجرح، فقتل نفسه، فأخبر النبي ﷺ ، فقال: "الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله" ثم أمر بلالاً فنادى في الناس: "إنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مسلمة، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".
стр. 1165
وفي رواية عن عبيد الله بن كعب قال (١): أخبرني من شهد مع النبي ﷺ خيبر ... الحديث
١٠٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون، فاقتتلوا، فلما مال النبي ﷺ إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجلٌ لا يدعُ لهم شاذةً ولا فاذةً إلا اتبعها، يضربها بسيفه - فقيل ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه من أهل النار"- وفي رواية: فقالوا: أينا من أهل الجنة، إن كان هذا من أهل النار؟ - فقال رجلٌ من القوم: أنا صاحبهُ، قال: فخرج معه، كلما وقف وقف، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجُرح الرجل جُرحا شديداً فاستعجل الموت، فوضع سيفه بالأرض، وذبابة بن ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفاً أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجتُ في طلبه، ثم جُرح جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذُبابة بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "إن الرجل ليعملُ عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعملُ عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة".
стр. 1166
وفي رواية نحوه بمعناه، وفي آخره (١): من قوله ﵇: "وإنما الأعمالُ بالخواتيم، أو بخواتيمها".
١٠٤٣ - * روى الطبراني عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: جلس عميرُ بن وهبٍ الجُمحي مع صفوان بن أمية بعد مُصاب أهل بدر من قريش في الحِجْر بيسير، وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه، ويلقون منه عنتاً، إذ هم بمكة وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى أصحاب بدر، قال: فذكروا أصحاب القليب بمصائبهم، فقال صفوان: والله إنْ في العيش خيرٌ بعدهم، وقال عمير بن وهب: صدقت والله لولا دينٌ عليَّ ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبتُ إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة، ابني عندهم أسير في أيديهم، فاغتنمها صفوان فقال: عليَّ دينُك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا لا يسعهم شيء نعجز عنهم، قال عمير: اكتُم عليَّ شأني وشأنك، قال: أفعلُ، قال: ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذَ وسُمَّ، ثم انطلق إلى المدينة، فبينا عمر بن الخطاب بالمدينة في نفر من المسلمين يتذاكرون يوم بدر، وما أكرمهم الله به وما أراهم من عدوهم إذ نظر إلى عمير بن وهب قد أناخ بباب المسجد متوشح السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر، هذا الذي حَرَّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله. هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشح السيف، قال: "فأدخله" فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال عمر لرجال ممن كان معه من الأنصار: أدخلُوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده
стр. 1167
واحذروا هذا الكلب عليه، فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه، فقال: "أرسِله يا عمر، أدْنُ يا عميرُ" فدنا، فقال: انعموا صباحاً، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله ﷺ : "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، السلام تحيةُ أهل الجنة" فقال أما والله يا محمد إن كنتُ لحديث عهد بها، قال: "فما جاء بك؟ " قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا إليه، قال: "فما بال السيف في عنقك؟ " قال: قبحها الله من سيوف، فهل أغنت شيئاً؟ قال: "اصدقني ما الذي جئت له"؟ قال: ما جئت إلا لهذا، قال: "بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر فتذاكرتُما أصحاب القَلِيب من قريش، فقلت: لولا دينٌ علي وعيالي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل صفوان لك بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائلٌ بينك وبين ذلك" قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أنبأك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول الله ﷺ : "فقهُوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره" ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهداً على إطفاء نور الله شديد الأذى على من كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم كما كنت أؤذي أصحابك في دينهم، فأذن له رسول الله ﷺ فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب قال لقريش: أبشروا بواقعة تأتيكم الآن تُنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبداً، ولا ينفعه بنفع أبداً، فلما قَدم عمر مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي من يخالفه أذى شديداً، فأسلم على يديه ناسٌ كثير.
وللطبراني في رواية عن عروة بن الزبير نحوه مرسلاً، قال (١) فيه: ففرح المسلمون حين
стр. 1168
هداه الله، وقال عمر بن الخطاب: لخنزير كان أحبَّ إليَّ منه حين اطلع وهو اليوم أحبُّ إليَّ منْ بعض بنيَّ.
١٠٤٤ - * روى الحاكم عن عائشة قالت: لما جاءت أهل مكة في فداء أسارهم بعثتْ زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص وبعثتْ فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها. فلما رآها رسول الله ﵌ رق لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتُم أن تُطلقوا لها أسيرها، وتردُّوا عليها الذي لها فافعلوا" قالوا: نعم يا رسول الله وردوا عليه الذي لها. قال: وقال العباس: يا رسول الله إني كنتُ مسلماً، فقال رسول الله ﵌: "الله أعلم بإسلامك فإن يكنْ كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك: نوفل بن الحاث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عُتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر" فقال: ما ذاك عندي يا رسول الله. قال: "فأين المالُ الذي دفنت أنت وأمُّ الفضل؟ فقلت لها إن أُصبتُ فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقُثَمٍ" فقال: والله يا رسول الله إني أشهدُ أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمَهُ أحدٌ غيري وغيرُ أم الفضل فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مالٍ كان معي فقال رسول الله ﵌: "أفعل". ففدى العباس نفسه وابني أخويه وحليفه وأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فأعطاني مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً كلهم في يده مالٌ يضربُ به مع ما أرجو من مغفرة الله .
١٠٤٥ - * روى الطبراني عن أنس بن مالك قال: نعى رسول الله ﷺ أهل مؤتةَ على
стр. 1169
المنبر، قال: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله".
الشاهد في الحديث: أنه بلغهم ذلك إذ علمه عن طريق الوحي وأخبر به فور وقوعه ولم يصل الخبر عن طريق الناس إلا بعد أسابيع، فهو دليل على الوحي. لا يكذب به إلا كافر مكابر.
١٠٤٦ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قَدِمَ من سفرٍ، فلما كان قُربَ المدينة هاجت ريحٌ شديدةٌ تكادُ أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله ﷺ قال: "بُعثت هذه الريحُ لموت منافق" فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين، قد مات.
١٠٤٧ - * روى البزار عن ابن عباس قال: خرج عليا رسول الله ﷺ وقد أظلتنا سحابة ونحن نطمع فيها، فقال: "إن الملك الذي يسوقها أو يسوقُ هذه السحابة دخل عليَّ فسلم عليَّ فأخبرني أنه يسوقها إلى وادي كذا".
١٠٤٨ - * روى أحمد عن عمر بن الخطاب قال: وُلد لأخي أم سلمة زوج النبي ﷺ غلامٌ فسموه الوليد فقال النبي ﷺ "سميتموه باسم فراعنتكم، ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو شر على هذه الأمة من فرعون لقومه".
لعل في ذلك إشارة إلى الوليد بن يزيد وقد أشيعت عنه إشاعات كثيرة وقد اتهمه بنو أمية أنفسهم بالكفر وقتلوه أخيراً، والله أعلم بشأنه.
١٠٤٩ - * روى الطبراني عن (جُبير بن نقيرٍ) قال (١): كان عبد الله بن وزاح قديماً لهُ
стр. 1170
صُحبة يقول إنَّ النبي ﷺ قال: "يُوشِكُ أن يؤمر عليهم الرُّوَيجل فيجتمع إليه قومٌ مُحلقةً أقفيتهُم بيضٌ قُمُصُهُم فكان إذا أمرهُم بشيءٍ حضروا" فشاء ربُّك أن عبد الله بن وزاح ملك بعض المدن فاجتمع إليه قومٌ من الدهاقين محلقةً أقفيتهم بيض قُمُصهم فكان إذا أمرهم بشيء حضروا، فيقول: صدق الله ورسوله.
أقول: لعل ظهور ما ورد في هذا الحديث في عصرنا أكثر منه في عصر مضى وإن كانت بوادر ما ذكره الحديث قد ظهرت مبكرة.
١٠٥٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمانٌ، لا يدري القاتلُ في أي شيء قتل، ولا يدري المقتولُ في أي شيء قُتِل".
وفي رواية (١) فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: "الهرْجُ، القاتلُ والمقتولُ في النارِ".
١٠٥١ - * روى أبو يعلي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يظهرُ معدن في أرض بني سُليمٍ يقال له فرعونُ، وفرعانُ. وذلك بلسان أبي جهم قريب من السوء- يخرجُ إليه شرارُ الناس أو يُحشر إليه شرارُ الناس".
أقول: لعل في ذلك إشارة إلى ما ظهر من معادن في أنحاء من الجزيرة العربية وأعطي الامتياز فيها لبعض الشركات الأجنبية.
* * *
стр. 1171
الباب السادس
دوائر شرف
حول الرسول ﷺ
стр. 1172
تقديم
بُعث رسول الله ﷺ إلى الإنس والجن، وفي ذلك شرف للفريقين إذا استحقوا الخطاب من الله والتكليف، وكان رسول الله ﷺ من العرب، وكان العرب هم المخاطبين الأُوَلَ برسالته، فكان ذلك شرفاً وتشريفاً لهم، وكان هاشمياً قرشياً وكان ذلك شرفاً للقبيلة والعشيرة، واستجاب له من استجاب ممن شاهده ورآه فحاز هؤلاء أعظم شرف بعد النبوة وهو شرف الصحبة الذي لا يعدله بعد شرف النبوة شرف، وهؤلاء الأصحاب منهم المهاجرون ومنهم الأنصار ولكل شرفه وفضله، وبعض الأصحاب كان له مزيدُ شرفٍ لزيادة وصف كمن اجتمعت له الصحبة والقرابة، أو من اجتمعت له الصحبة والزوجية، كأزواجه ﵊، أو من اجتمعت له الصحبة والبنوة، فهذه كلها دوائر من الشرف بعضها أرقى من بعض ولا شرف عند الله لمن كفر برسول الله ﷺ .
ونحن سنُدْخِلُ في هذا الباب فصولاً شتى يجمعها أنها دوائرُ أحاطت برسول الله ﷺ بعض هذه الفصول قصير وبعضها طويل وبعضها متداخل مع بعض، ولكنها جميعاً لابد منها لدارس سيرته وسنته ﵊، وبعض من مواد هذه الباب يعتبر ألصق بأبواب أخرى، ولذلك فإننا سنذكره حيث الأجمل، وسنحاول ما استطعنا الاختصار، ونسأل الله الحفظ والتوفيق.
* * *
стр. 1173
فصل في فضل أمته
стр. 1174
من المعلوم من الدين بالضرورة أن بعثته ﵊ كانت إلى الإنس والجن، فالثقلان مكلفان برسالته إلى يوم القيامة، ومن ههنا فالعالمون كلهم أمته، لكن العلماء يفرّقون بين أمة الدعوة وأمة الاستجابة، فالإنس والجن عموماً هم أمة الدعوة، والذين استجابوا منهم فآمنوا وأسلموا هم أمة الاستجابة، وقد وردت في فضل أمة الاستجابة نصوص في الكتاب كقوله تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١)
كما وردت نصوص في السنة:
١٠٥٢ - * روى الترمذي عن معاوية بن حَيْدة أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "إنكم تُتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمُها على الله".
١٠٥٣ - * روى البخاري عن أبي موسى رفعه: "مثلُ المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجلٍ استأجر قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجْرِك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم وخُذوا أجركم كاملاً، فأبوا وتركزا واستأجر آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطتُ من الأجْر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: كل ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعَلْتَ لنا فيه فقال لهم: أكمِلُوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا فاستأجر قوماً أن يعملوا بقية يومهمْ، فعملوا بقية
стр. 1175
يومهم حتى غابت الشمسُ واستكملوا أجر كليهما، فذلك مثلهُم ومثلُ ما قبلوا من هذا النور".
١٠٥٤ - * روى البخاري عن ابن عمر رفعه: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين العصر إلى غروب الشمس. أُوتيَ أهلُ التوراة التوراةَ فعملوا بها حتى انتصف النهار، ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أُوتي أهلُ الإنجيل الإنجيلَ فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطُوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهلُ الكتابين أي ربنا أعطيتَ هؤلاء قيراطين قراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً ونحن كنا أكثر عملاً قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال فهو فضلي أوتيه من أشاءُ".
وفي رواية (١): "مثلكم ومثلُ أهل الكتابين كمثل رجلٍ استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوةٍ إلى نصف النهار على قيراطٍ؟ فعملتِ اليهودُ، ثم قال: من يعملُ لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراطٍ؟ فعمِلتِ النصارى، ثم قال: من يعملُ لي من العصر إلى تغيُّب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل عطاء؟ قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء".
وفي أخرى (٢): "قال إنما أجلكم في أجل مَنْ خلا من الأمم بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثلُ اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عُمالاً فقال: مني عملُ لي إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ " بنحوه.
دلت هذه النصوص على أن هذه الأمة أفضل الأمم وأكرمها، والمراد بها من تابع محمداً
стр. 1176
صلى الله عليه وسلم وآمن به، والمراد بالأمم الأخرى من تابع الأنبياء الذين أرسلوا إليهم، فالمقارنة ههنا بين الأتباع المسلمين، أما الكافرون فلا وزن لهم أصلاً، فأتباع محمد ﷺ أفضل من أتباع موسى وعيسى وغيرهما من الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقوله: (سبعون أمة) يشير إلى أن هناك سبعين أمة قد أرسل لها رسل: وبنو إسرائيل واحدة من الأمم، يفهم من ذلك كثرة الأمم التي أرسل لها رسل فالهنود أرسل لهم، والفرس أرسل لهم، والصينيون أرسل لهم، وغيرهم أرسل لهم، ولا يبعد أن يكون الهنود أُمماً، والصينيون أُمماً، وكل أمة منهم أرسل لها رسول، وتتبع روايات الأمم وعلى المقارنة بين الأديان يمكن أن يوصلانا إلى شيء في هذا الشأن إذا كان المتتبع والمقارن مسلماً، على أن المسألة في النهاية لا تخرج عن كونها من الظنيات ما دام الكتاب والسنة لم يفصلا. قال تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٢) ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٤).
١٠٥٥ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن أبي الدرداء: رفعه إن الله تعالى يقول: "يا عيسى إني باعث منْ بعدك أُمة إن أصابهم ما يُحبون حَمِدُوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، قال يا رب: كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال أعطيهم من حلمي وعلمي" فضل الله وحده على هذه الأمة هو الذي جعل لها هذا المقام عند الله، فعلى هذه الأمة أن تشكر، وعليها ألا تفتر ولا تبطر.
стр. 1177
يفهم من الحديث أن الفضل منوط بالعلم والحلم، فمن لم يعطه الله علماً ولا حلماً فلا فضل له.
نسأل الله العلم والحلم ونسأله أن يوفقنا لتحصيل ذلك.
١٠٥٦ - * روى الترمذي عن أنس رفعه: "مثلُ أُمتي مثلُ المطر لا يدري أوله خيرٌ أم آخره".
قد يفهم فاهم أن الخيرية في هذه الأمة مقصورة على الأجيال الأولى فجاء هذا الحديث ليصحح هذا الوهم. نعم: للأجيال الأولى فضل لا تلحقهم به أجيال أخرى.
١٠٥٧ - * روى البخاري ومسلم عن المغيرة رفعه: "لا يزالُ ناسٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللهم وهم ظاهرون".
١٠٥٨ - * روى الترمذي عن معاوية بن قرة عن أبيه رفعه: "إذا فسد أهلُ الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة".
١٠٥٩ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رفعه (١): "لا يزال أهل الغرب
стр. 1178
ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعةُ".
تدل هذه الأحاديث أن الحق مستمر في هذه الأمة وخاصة في بعض أقطارها، وقد جعل الله الشام ميزاناً يعرف به مقدار الخيرية في هذه الأمة، ومن تأمل حال فلسطين والأردن ولبنان وسورية حين تأليف هذا الكتاب عرف سوء الحال، وهذا يقتضي من أهل الخير في الشام أن يبذلوا مزيد جهد فجهادهم في الشام له انعكاساته على الأرض كلها.
١٠٦٠ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربهُ طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال: "سألتُ ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحخدة، سألت ربي أن لا يُهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلك أُمتي بالغرق فأعطانيها، وسألتُه أن لا يجعل بأسهُم بينهم فمنعنيها".
وللترمذي (١) عن خباب بن الأرت: "سألتُه أنْ لا يُهِلكَ أمتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألته أن لا يُسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يُذيق بعضهم بأس بعضٍ فمنعنيها".
هذه الأمة مبتلاة ببعضها وموعودة بعدم الاستئصال غرقاً أو باجتياح كوني أو عالمي، وهذا لا ينافي أن يغرق بعض أجزائها أو تنزل ببعضها جوائحُ أو يسلط على بعضها الكفار فيغلبوهم أو يستأصلوهم فالمنفي هو الاستئصال، وهذا التاريخ شاهد وذلك معجزة الرسول ﷺ .
١٠٦١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك. قال: مُرَّ بجنازةٍ فأُثْني عليها
стр. 1179
خيراً. فقال نبي الله ﷺ : "وجبت وجبت وجبتْ" ومُرَّ بجنازة فأثني عليها (١) شراً. فقال نبي الله ﷺ : "وجبتْ وجبت وجبتْ". قال عمر: فدى لك أبي وأمي! مَرِّ بجنازة فأثنى عليها خيراً فقلت: وجبتْ وجبت وجبتْ. ومُرَّ بجنازةٍ فأثنى عليها شراً فقلت: وجبتْ وجبت وجبتْ؟ فقال رسول الله ﷺ : "من أثنيتُم عليه خيراً وجبت له الجنة. ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النارُ. أنتمْ شهداء الله في الأرض. انتم شهداء الله في الأرض. أنتم شهداء الله في الأرض".
١٠٦٢ - * روى البخاري عن عمر رفعه: "أيما مسلم شهد له أربعةُ نفرٍ بخيرٍ أدخله الله الجنة" فقلنا وثلاثة؟ قال: "وثلاثة" فقلنا واثنان فقال: "واثنان" ثم لم نسأله عن الواحد.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢) فهذه الأمة أكرمها الله بأن جعلها شهيدة على الأمم قبلها وعلى الأمم المعاصرة لها.
وقوله تعالى: (وسطاً) أي خياراً عدولاً. وذلك يدل على أن الشهيد من هذه الأمة هو من اجتمع له الخيرية والعدالة، فلا عبرة لشهادة غير الخيار العدول، وعلى هذا يحمل الحديثان اللذان مرا، فمن شهد له عدلان بالخيرية فتك علامة على أنه من أهل الجنة، ويُستأنسُ بذلك لفقه الحركة أنه من زكاه عضوان استحق أن ينال صفة العضوية.
١٠٦٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "أضل الله تعالى عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يومُ السبتِ، وكان
стр. 1180
للنصارى يومُ الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخِرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق".
١٠٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فُرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فهم لنا فيه تبع فاليهود غداً والنصارى بعد غد".
١٠٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عمران بن حُصين أن النبي ﷺ لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: أُنزلت عليه هذه وهو في سفرٍ، فقال: "أتدرُون أي يومٍ ذلك؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلمُ، قال: "ذلك يوم يقول الله لآدم ابعثْ بعث النار فقال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائةٍ وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة؟ " قال: فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ﷺ : "قاربُوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية" قال: "فيؤخذ العددُ من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرَّقْمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير" ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا رُبع أهل الجنة" فكبروا ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة" فكبروا ثم قال (١):
стр. 1181
"إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبرُوا، قال: لا أدري قال الثلثين أم لا؟
وفي رواية عن عمران بن حُصين قال: كنا مع النبي ﷺ في سفرٍ فتفاوت بين أصحابه في السير فرفع رسول الله ﷺ صوته بهاتين الآيتين ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فلما سمع ذلك أصحابه حَثُّوا المطي وعرفوا أنه عند قوله يقوله، فقال: "هل تدرون أي يوم ذلك؟ " قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "ذاك يوم ينادي الله فيه آدم فيناديه ربه فيقول: يا آدم ابعث بعث النار فيقول: يا رب؟ وما بعث النار، فيقول: مِنْ كل ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةُ وتسعون في النار وواحد في الجنة" فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكةٍ، فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بأصحابه، قال: "اعملوا وأبشروا فوالذي نفسُ محمدٍ بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيءٍ إلا كثرتاهُ يأجوجُ ومأجوجُ ومنْ مات من بني آدم وبني إبليس" قال: فسُري عن القوم بعض الذي يجدون، فقال: "اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمدٍ بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة".
١٠٦٦ - * روى أحمد والترمذي عن أبي أمامة رفعه: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألف وثلاث حثيات من حثياته".
١٠٦٧ - * روى أحمد والترمذي عن بُريدة: قال: قال رسول الله ﷺ (١): "أهل الجنة
стр. 1182
عشرون ومائة صفٍ، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم".
١٠٦٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رفعه "يدخل الجنة من أمتي زُمرةٌ هم سبعون ألفاً تُضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" فقام عكاشةُ بن محصن الأسدي، فرفع نمرة عليه فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم، قال: "اللهم اجعل منهم" ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك عكاشةُ".
١٠٦٩ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كن يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلمٍ يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فكاكُك من النار".
ذكر كثرة يأجوج ومأجوج في سياق أنه يذهب من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار يفيد أن يأجوج ومأجوج كثيرون بالنسبة لأهل الأرض وأنهم مع كثرتهم كافرون ولو أننا تأملنا شعوب الأرض التي لا زالت كافرة والتي تشكل أكثرية مطلقة بالنسبة لأهل الأرض فإننا نجد شعوب الكتلتين الشرقية والغربية وبعض شعوب شرقي آسيا ومنهم الشعب الصيني فهل يدخل هؤلاء جميعاً في هذه التسمية؟
ذهب بعض علماء نجد أن الشعوب الآرية كلها يمكن أن تدخل في هذه التسمية
стр. 1183
والغربيون عامة من الشعوب الآرية، وذهب بعضهم إلى أن يأجوج ومأجوج هم سكان ما وراء جبال تركستان، وعلى هذا فإنه يدخل في ذلك التتار والمغول والصينيون، ولعل المتأمل لا يستبعد بعد ما ذُكِرَ الحديثُ أن يكون يأجوج ومأجوج هم كل هؤلاء تناسلوا من أصل واحد، وفي الإسلام متسع لكل الشعوب، ومن أسلم نجا.
١٠٧٠ - * روى أحمد والترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مِنْ أمتي من يشفعُ للفئام من الناس، ومنهم مني شفع للقبيلة، ومنهم من يشفعُ للعصبة، ومنهم من يشفعُ للرجل حتى يدخلوا الجنة".
١٠٧١ - * روى الترمذي عن عبد الله بن أبي الجدعاء قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثرُ من بني تميم" قلنا: سواك يا رسول الله؟ قال: "نعم سواي".
١٠٧٢ - * روى مسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى إذا أراد رحمة أمة من عباده، قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها، وإذ أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حيٌّ فأهلكها وهو ينظرُ، فأقر عينهُ بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره".
١٠٧٣ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ (١): "أنا حظكُم مِنَ
стр. 1184
الأنبياء وأنتم حظي من الأمم".
١٠٧٤ - * روى أبو داود والحاكم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
رأس كل مائة سنة: أولها. يجدد لها دينها: قال المناوي: أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله، ويكسر أهل البدعة ويذلهم. قال ابن كثير: والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم. أقول: فليس شرطاً أن يكون المجدد واحداً ولكن قد يكون، وشاهد الحال انه ما انقطع المجددون من هذه الأمة بدليل بقاء الإسلام وعلومه وتجدد حيويته والعلماء مختلفون في تعيين المجددين في كل عصر ولا حرج في ذلك، ولأهل الفضل فضلهم، على أن معرفتنا بالمجدد مهمة من حيث إن ذلك يعطي لكلامه وزناً خاصاً.
والذي جعل العلماء يحتملون أن يكون المجدد واحداً أو أكثر هو كلمة (من) في الحديث فهي تحتمل الواحد والجمع.
* * *
стр. 1185
فصل في فضل العرب وقريش
وبعض القبائل
стр. 1186
جل الله أن يكون في أفعاله عبث فهو الحكيم، وكل ما يصدر منه فهو على غاية الحكمة، فأن يختار الله رسوله محمداً ﷺ من العرب ثم من قريش ثم من بني عبد مناف ثم من بني هاشم فكل ذلك لحكم يعلمها ﷻ وأن يختار لرسوله ﷺ مكة ثم المدينة فذلك لحكم لا يحيط بها إلا هو، وقد ورد الكتاب بقوله تعالى:
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١) ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (٢) أي لشرف لك ولقومك قريش خاصة والعرب عامة ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٣) ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٤) ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥)
وقد وردت نصوص السنة ي فضل العرب وخصت بعض النصوص قريشاً وما تفرع عنها بالذكر، وذكرت نصوص أخرى قبائل من العرب كما ذكرت أهل أوطان بأعيانها.
١٠٧٥ - * روى مسلم عن واثلة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قُريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم".
١٠٧٦ - * روى الترمذي عن العباس قلتُ: يا رسول الله إن قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلَك كمثلِ نخلةٍ في كيوةٍ من الأرض فقال ﷺ "إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم: من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني في خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً".
стр. 1187
١٠٧٧ - * روى أحمد والترمذي عن سلمان: قال رسول الله ﷺ : "لا تبغضني فتفارق دينك" قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله، قال: "تبغضُ العرب فتبغضني".
١٠٧٨ - * روى أحمد والترمذي عن سعدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد هوان قريش أهانه الله".
١٠٧٩ - * روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم أذقت أول قريش نكالاً فأذِقْ آخرهم نوالا".
١٠٨٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نساء قريش خير نساء ركِبْن الإبل، أحناهُ على طفلٍ في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده" ويقول أبو هريرة في أثر ذلك: ولم تركب مريمُ ابنةُ عمران بعيراً قط، ولو علمت أنها ركبت بعيرا ما فضلتُ عليها أحداً.
١٠٨١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (١): "الناس
стр. 1188
تبع لِقُريشٍ في هذا الشأن، مسلمهُم تبع لمسلمهم وكافرهم تبعٌ لكافرهم، والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهُوا تجدون من يخر الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه".
١٠٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : طلا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان".
١٠٨٣ - * روى البخاري عن معاوية أنه بلغه وهو عندهُ في وفدٍ من قريش - أن عبد الله بن عمرو بن العاص يُحدث أنه سيكون ملكٌ من قحطان، فغضب معاوية، فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعدُ فإنه بلغني أن رجالاً منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثرُ عن رسول الله ﷺ ، فأولئك جُهالكم، فإياكم والأمانيُّ التي تُضل أهلها، فإني مسعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا الأمر في قريشٍ، لا يعاديهم أحد إلا كبهُ الله على وجهه، ما أقاموا الدين".
قال ابن حجر: قوله (من قحطان) هو جماع اليمن، وفي إنكار معاوية ذلك نظر لأن الحديث الذي استدل به مقيد بإقامة الدين فيحتمل أن يكون خروج القحطاني إذا لم تقم قريش أمر الدين وقد وُجِدَ ذلك، فإن الخلافة لم تزل في قريش والناس في طاعتهم إلى أن استخفوا بأمر الدين فضعُف أمرهم وتلاشى إلى أن لم يبق لهم من الخلافة سوى اسمها المجرد في بعض الأقطار دون أكثرها. أهـ.
أقول: ليس شرطاً أن يكون الذي يسوق الناس بعصاه هو الإمام العظم بل قد يكون سلطاناً من السلاطين، فصلاح الدين مثلاً ساق الناس بعصاه وأصوله كردية، والنسابون العرب مجمعون على أن الأكراد عرب قحطانيون، والله أعلم.
стр. 1189
١٠٨٤ - * روى أحمد والترمذي عن عمرو بن العاص، قال رجل عنده: لتنتهين قُريش أو ليجعلن الله هذا الأمر في جمهور من العرب غيرهم. فقال عمرو بن العاص: كذبت سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة".
١٠٨٥ - * روى أحمد عن جُبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للقُرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش" قال الزهري عني بذلك نُبْلَ الرأي.
١٠٨٦ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ "لايزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمعُ عليهم الأمة" فسمعتُ كلاماً من النبي ﷺ لم أفهمه، فقلت لأبي ما يقول؟ قال: كلهم من قريش.
١٠٨٧ - * روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المُلكُ في قريشٍ، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة، والأمانة في الأزد" وزاد أحمد، "والسرعة في اليمن".
١٠٨٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قُريش والأنصار وجُهينةُ ومُزينة وأسلمُ وأشجعُ وغِفارُ مواليَّ ليس لهم مولى دون الله ورسوله".
стр. 1190
١٠٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أرأيتم إن كان جهينة ومزينةُ وأسلم وغِفار خيراً من بني تميم وبني أسد ومن بني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعة" فقال رجل: خابُوا وخسروا، فقال: "هم خيرٌ من بني تميم ومن بني أسد ومن بني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعةً".
خابوا وخسروا: قال في الفتح: وقد ظهر مصداق ذلك عقب وفاة رسول الله ﷺ فارتد هؤلاء مع طلحة بن خويلد وارتد بنو تميم مع سجاح.
١٠٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: أن الأقرع بن حابس قال للنبي ﷺ : إنما بايعك سُراق الحجيج من أسلم وغفار ومُزينة - وأحسبه وجهينة، ابن أبي يعقوب شك- قال النبي ﷺ : "أرأيت إن كان أسلم وغِفارٌ ومُزينة وأحسِبه وجهينة خيراً من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان خابوا وخسروا؟ " قال: نعم. قال: "والذي نفسي بيده إنهم لأخيرُ منهم".
١٠٩١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أسلمُ سالمها الله، وغِفارُ غفر الله لها، أما إني لم أقلها ولكن الله قالها".
١٠٩٢ - *روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه قال (١): "لا أزال أحب بني تميم بعد
стр. 1191
ثلاث سمعتها من النبي ﷺ يقولها فيهم، سمعته يقول: "هُم أشدُّ أمتي علي الدجال" وجاءت صدقاتهم فقال ﷺ : "هذه صدقات قومنا" وكانت سبيةٌ منهم عند عائشة فقال ﷺ : "أعتيقها فإنها من ولد إسماعيل".
١٠٩٣ - * روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "غِلَظُ القلوب وجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز".
١٠٩٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألينُ قلوباً، الإيمانُ يُمانٍ، والحكمة يمانية ورأس الكفر قبل المشرق، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقارُ في أهل الغنم".
١٠٩٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان ههنا وأشار بيده إلى اليمن، والقسوة وغلظُ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرناً الشيطان في ربيعة ومُضر".
قال النووي: وقوله ﷺ (في الفدادين) فزعم أبو عمرو الشيباني أنه بتخفيف الدال وهو جمع فدِّاد بتشديد الدال وهو عبارة عن البقرة التي يحرث عليها حكاه عنه أبو عبيد وأنكره عليه وعلى هذا المراد بذلك أصحابها فحذف المضاف والصواب في الفدادين بتشديد الدال جمع فداد بدالين أولاهما مشددة، وهذا قول أهل الحديث والأصمعي وجمهور أهل اللغة (١)، وهو من الفديد وهو الصوت الشديد فهم الذين تعلو أصواتهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم ونحو ذلك. وقال أبو عبدة معمر بن المثنى هم المكثرون من الإبل الذين يملك
стр. 1192
أحدهم المائتين منها إلى الألف. وقوله إن القسوة في الفدادين عند أصول أذناب الإبل معناه الذين لهم جلبةً وصياح عند سوقهم لها. وقوله ﷺ "حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر" قوله ربيعة ومضر بدل من الفدادين، وأما قرنا الشيطان فجنبا رأسه، وقيل هما جمعاه اللذان يغريهما بإضلال الناس، وقيل شيعتاه من الكفار والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر. أهـ.
١٠٩٦ - * روى الترمذي عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ نظر قِبَلَ اليمن فقال: "اللهم أقْبِل بقلوبهم، وبرك لنا في صناعنا ومُدنا".
١٠٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرفُ أصوات رُفقةِ الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنتُ لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو قال العدو، قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم".
قال الحافظ في الفتح: قوله (قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم) أي تنتظروهم من الانتظار ومعناه أنه لفرط شجاعته كان لا يفر من العدو بل يواجههم ويقول لهم إذا أرادوا الانصراف مثلاً: انتظروا الفرسان حتى يأتوكم، ليثبتهم على القتال. هذا بالنسبة إلى الشق الثاني وهو قوله (أو قال العدو)، وأما على الشق الأول وهو قوله (إذا لقي الخيل) فيحتمل: أن يريد بها خيل المسلمين، ويشير بذلك إلى أن أصحابه كانوا رجالةً فكان هو يأمر الفرسان أن ينتظروهم ليسيروا إلى العدو جميعاً، وهذا أشبه بالصواب. قال ابن التين: معنى كلامه أن أصحابه يحبون القتال في سبيل الله ولا يبالون بما يصيبهم.
стр. 1193
١٠٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ، ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم".
١٠٩٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نِعْمَ القومُ الأزد، طيبةً أفواههم، برةً أيمانهم، نقيةً قلوبهم".
١١٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسيُّ إلى النبي ﷺ فقال: إن دوساً قد هلكت، عصتْ وأبتْ، فادعُ الله عليهم، فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال: "اللهم اهدِ دوساً وائتِ بهم".
١١٠١ - * روى الترمذي عن جابر أن الصحابة قالوا: يا رسول الله أخرقتنا نبالُ ثقيفٍ فادع الله عليهم فقال: "اللهم اهدِ ثقيفاً".
١١٠٢ - * روى البزار عن ابن مسعود، قال: شهدتُ النبي ﷺ يدعو لهذا الحي من النخع أو قال يُيني عليهم حتى تمنيت أني رجل منهم.
١١٠٣ - * روى أحمد عن طارقٍ بن شهابٍ قال (١): قدم وفدُ بجيلة على النبي ﷺ ،
стр. 1194
فقال: "اكتُبوا البجليينَ وابدءوا بالأحمسيْينَ".
وفي رواية (١): قَدِم وفدُ أحمسَ ووفدُ قيسٍ على النبي ﷺ ، فقال: "ابدءوا بالأحمسيين قبل القيسيين" ثم دع لأحمس: "اللهم بارك في أحمس وخيلها ورجالها" سبع مراتٍ.
١١٠٤ - * روى الطبراني عن غالب بن أبجر قال: ذكرت قيس عند النبي ﷺ فقال: "رحم الله قيساً" قيل: يا رسول الله: ترَحَّمُ على قيس؟ قال: "نعم، إنه كان على دين أبينا إبراهيم خليل الله، يا قيسُ حيِّ يَمناً، يا يمن حي قيساً، إن قيساً فُرسانُ الله في الأرض، والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان ليس لهذا الدين ناصر غير قيس، إنما قيس بيضة فغلقت عنا أهل البيت، إن قيساً ضراء الله، يعني أُسْدُ الله".
١١٠٥ - * روى أبو يعلي والبزار عن عمر أن النبي ﷺ ذكر عنزة ذات يوم، فقال أصحابه: يا رسول الله وما عنزةُ؟ فأشار بيده نحو المشرق، فقال: "حيٌّ من ههنا مبغيٍّ عليهم منصورون".
١١٠٦ - * روى مسلم عن أبي ذر أن النبي ﷺ بعث رجلاً إلى حيٍّ من أحياء العرب فسبُّوه وضربوه، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال ﷺ : "لو أن أهل عُمان أتيت ما سَبُّوك ولا ضربوك".
стр. 1195
١١٠٧ - * روى أحمد وأبو يعلي عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم أرضاً يقال لها عُمان ينضِحُ بناحيتها البحرُ، لو أتامه رسولي ما رموه بسهم ولا حجرٍ".
* * *