← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ثلاث سمعتها من النبي ﷺ يقولها فيهم، سمعته يقول: "هُم أشدُّ أمتي علي الدجال" وجاءت صدقاتهم فقال ﷺ : "هذه صدقات قومنا" وكانت سبيةٌ منهم عند عائشة فقال ﷺ : "أعتيقها فإنها من ولد إسماعيل". ١٠٩٣ - * روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "غِلَظُ القلوب وجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز". ١٠٩٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألينُ قلوباً، الإيمانُ يُمانٍ، والحكمة يمانية ورأس الكفر قبل المشرق، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقارُ في أهل الغنم". ١٠٩٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان ههنا وأشار بيده إلى اليمن، والقسوة وغلظُ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرناً الشيطان في ربيعة ومُضر". قال النووي: وقوله ﷺ (في الفدادين) فزعم أبو عمرو الشيباني أنه بتخفيف الدال وهو جمع فدِّاد بتشديد الدال وهو عبارة عن البقرة التي يحرث عليها حكاه عنه أبو عبيد وأنكره عليه وعلى هذا المراد بذلك أصحابها فحذف المضاف والصواب في الفدادين بتشديد الدال جمع فداد بدالين أولاهما مشددة، وهذا قول أهل الحديث والأصمعي وجمهور أهل اللغة (١)، وهو من الفديد وهو الصوت الشديد فهم الذين تعلو أصواتهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم ونحو ذلك. وقال أبو عبدة معمر بن المثنى هم المكثرون من الإبل الذين يملك

стр. 1192

أحدهم المائتين منها إلى الألف. وقوله إن القسوة في الفدادين عند أصول أذناب الإبل معناه الذين لهم جلبةً وصياح عند سوقهم لها. وقوله ﷺ "حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر" قوله ربيعة ومضر بدل من الفدادين، وأما قرنا الشيطان فجنبا رأسه، وقيل هما جمعاه اللذان يغريهما بإضلال الناس، وقيل شيعتاه من الكفار والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر. أهـ. ١٠٩٦ - * روى الترمذي عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ نظر قِبَلَ اليمن فقال: "اللهم أقْبِل بقلوبهم، وبرك لنا في صناعنا ومُدنا". ١٠٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرفُ أصوات رُفقةِ الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنتُ لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو قال العدو، قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم". قال الحافظ في الفتح: قوله (قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم) أي تنتظروهم من الانتظار ومعناه أنه لفرط شجاعته كان لا يفر من العدو بل يواجههم ويقول لهم إذا أرادوا الانصراف مثلاً: انتظروا الفرسان حتى يأتوكم، ليثبتهم على القتال. هذا بالنسبة إلى الشق الثاني وهو قوله (أو قال العدو)، وأما على الشق الأول وهو قوله (إذا لقي الخيل) فيحتمل: أن يريد بها خيل المسلمين، ويشير بذلك إلى أن أصحابه كانوا رجالةً فكان هو يأمر الفرسان أن ينتظروهم ليسيروا إلى العدو جميعاً، وهذا أشبه بالصواب. قال ابن التين: معنى كلامه أن أصحابه يحبون القتال في سبيل الله ولا يبالون بما يصيبهم.

стр. 1193

١٠٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ، ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم". ١٠٩٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نِعْمَ القومُ الأزد، طيبةً أفواههم، برةً أيمانهم، نقيةً قلوبهم". ١١٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسيُّ إلى النبي ﷺ فقال: إن دوساً قد هلكت، عصتْ وأبتْ، فادعُ الله عليهم، فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال: "اللهم اهدِ دوساً وائتِ بهم". ١١٠١ - * روى الترمذي عن جابر أن الصحابة قالوا: يا رسول الله أخرقتنا نبالُ ثقيفٍ فادع الله عليهم فقال: "اللهم اهدِ ثقيفاً". ١١٠٢ - * روى البزار عن ابن مسعود، قال: شهدتُ النبي ﷺ يدعو لهذا الحي من النخع أو قال يُيني عليهم حتى تمنيت أني رجل منهم. ١١٠٣ - * روى أحمد عن طارقٍ بن شهابٍ قال (١): قدم وفدُ بجيلة على النبي ﷺ ،

стр. 1194

فقال: "اكتُبوا البجليينَ وابدءوا بالأحمسيْينَ". وفي رواية (١): قَدِم وفدُ أحمسَ ووفدُ قيسٍ على النبي ﷺ ، فقال: "ابدءوا بالأحمسيين قبل القيسيين" ثم دع لأحمس: "اللهم بارك في أحمس وخيلها ورجالها" سبع مراتٍ. ١١٠٤ - * روى الطبراني عن غالب بن أبجر قال: ذكرت قيس عند النبي ﷺ فقال: "رحم الله قيساً" قيل: يا رسول الله: ترَحَّمُ على قيس؟ قال: "نعم، إنه كان على دين أبينا إبراهيم خليل الله، يا قيسُ حيِّ يَمناً، يا يمن حي قيساً، إن قيساً فُرسانُ الله في الأرض، والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان ليس لهذا الدين ناصر غير قيس، إنما قيس بيضة فغلقت عنا أهل البيت، إن قيساً ضراء الله، يعني أُسْدُ الله". ١١٠٥ - * روى أبو يعلي والبزار عن عمر أن النبي ﷺ ذكر عنزة ذات يوم، فقال أصحابه: يا رسول الله وما عنزةُ؟ فأشار بيده نحو المشرق، فقال: "حيٌّ من ههنا مبغيٍّ عليهم منصورون". ١١٠٦ - * روى مسلم عن أبي ذر أن النبي ﷺ بعث رجلاً إلى حيٍّ من أحياء العرب فسبُّوه وضربوه، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال ﷺ : "لو أن أهل عُمان أتيت ما سَبُّوك ولا ضربوك".

стр. 1195

١١٠٧ - * روى أحمد وأبو يعلي عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم أرضاً يقال لها عُمان ينضِحُ بناحيتها البحرُ، لو أتامه رسولي ما رموه بسهم ولا حجرٍ". * * *

стр. 1196

فصل في آل بيته

стр. 1197

من دوائر الشرف العظمى حول الرسول ﷺ دائرة أهل بيته فهي الدائرة الأشد لصوقاً به ﵊، ولذلك كان الكلام عنها ألصق بسيرته، وسنرى أنه يدخل في هذه الدائرة: أزواجه وأبناؤه وبناته وأحفاده، كما يدخل في ذلك أقاربه الأدنون. وكل كلمة مرت معنا في الفصل السابق في فضل العرب أو قريش أو من أدلى بسبب إلى رسول الله ﷺ ، فأهل بيته وعشيرته الأقربون يدخلون فيها من باب أولى. ومع ذلك فقد وردت نصوص تدل على خصوصية الأقربين: قال تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٢) فسرها بعضهم إلا أن تودوا قرابتي ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٣). ١١٠٨ - * روى الترمذي والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أحِبُّوا الله لما يغذُوكم به من نعمه وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي". ١١٠٩ - * روى مسلم عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أيها الناسُ إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تاركُ فيكم ثقلين، أولهما كتابُ الله فيه الهدى والنورُ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: "وأهلُ بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" فقال له حصين: ومن أهلُ بيته يا زيدُ؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بته ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيلٍ وآلُ جعفرٍ وآلُ عباسٍ، قال: كل هؤلاء حُرمَ الصدقة؟ قال: نعم. وفي رواية: فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال لا وايمُ الله، إنَّ

стр. 1198

المرأة تكونُ مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجعُ إلى أبيها وقومها. ١١١٠ - * روى الطبراني عن جابر أنه سمع عمر يقول للناس حين تزوج بنت علي: ألا تهنوني؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ينقطعُ يوم القيامة كل سببٍ ونسبٍ، إلا سببي ونسبي". من هذه النصوص وأمثالها نعلم أنه قد خص آل بيت رسول الله ﷺ أياً ما أطلق عليه هذا الاسم - بأحكام، ومن ذلك أنه وجب لهم في أعناق المسلمين الاحترامُ، ويتأكد هذا الاحترامُ كلما ضاقت الدائرة، فإذا وصلت إلى عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين فههنا قطب دائرة المحبة والاحترام. وذلك أنه ولد لرسول الله ﷺ من خديجة أربعُ بنات وذكران كلهم توفوا في عهد رسول الله ﷺ إلا فاطمة فقد تأخرت عنه، وجاء له من مارية القبطية ﵂ ابنهُ إبراهيم، وقد توفي صغيراً، لقد توفي أبناؤه الذكور وهم صغار ولم تنجب بنتاه أم كلثوم ورقية، ولقد أنجبت زينبُ ﵂ لكن ذريتها لم تستمر، وفاطمة وحدها هي التي أنجبت وبقي عقبُها فاستمرت ذرية الرسول ﷺ في أبناء علي ﵁، ولهذا وغيره مما سنراه قلنا: إن هذه الدائرة تخص بمزيد الاحترام. والنصوص التي مرت معناه تدل على وجوب محبة آل بيت رسول الله ﷺ وأنهم مظنة الهدى والهداية، وأنهم محل عناية رسول الله ﷺ في الآخرة هم ومن اتصل بهم، والملاحظ أن رواية مسلم أخرجت من كلمة آل البيت أزواجه ﵊ وأدخلت دائرة محددة في هذه، الكلمة، والأمر بجملته يحتاج إلى تفصيل: فقد توضّعت حول هذا الموضوع خلافات كثيرة بين أهل السنة والجماعة من جهة وبين بعض الفرق التي انشقت عن جسم الأمة الإسلامية من جهة أخرى فمن غالٍ إلى حاقد، وكل ذلك يترك آثاره على مسيرة الإسلام والمسلمين، كما أنه بسبب من الجهل أو العصبية يدخل الكثيرون في دائرة الضلال أو الفسوق أو الكفر لموقف من آل بيت رسول الله ﷺ (١)، ونحن ذاكرون في هذا الفصل ما يرتاح له قلبُ المسلم وعقله إن شاء الله تعالى وما هو محل

стр. 1199

الاعتبار والنجاة. * * * تطلق كلمة آل البيت على معنى أعم وعام ومعنى خاص ومعنى أخص فهي بمعناها الأعم يدخل فيها كل مؤمن ومؤمنة، وهي بمعناها العام يدخل فيها أزواجه وبناته وأحفاده وأقاربه الأدنون، وهي بمعناها الخاص يدخل فيها من حرمت عليه الصدقة على خلاف بين الفقهاء في ذلك، ورواية مسلم المذكورة تذكر إحدى وجهات النظر، وهي بمعناها الأخص يدخل فيها علي وفاطمة وأبناؤهما وذرية الحسن والحسين خاصة. فلكلمة آل البيت إذن معان متعددة باعتبار المقامات، فهي ترد على أكثر من معنى، والسياق هو الذي يعطيها مدلولها الأعم أو الأخص، فهي ترد ويراد بها جميعُ المؤمنين ولو كانوا عصاة، لأن كل مؤمن بينه وبين الرسول ﷺ رحم فالله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١) أي وهو أبوهم، وعلى هذا حمل بعض العلماء كلمة آل البيت إذا وردت في الدعاء فقولنا: (اللهم صل على سيدنا محمد وآله) يراد بالآل هنا كل المؤمنين على رأي هؤلاء، وفي مقام الزكاة يراد بالآل بنو هاشم وبنوعبد المطلب عند الشافعية، وبنو هاشم فقط عند المالكية والحنابلة. وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وآل الحارث عند الحنفية، وعلى هذا الخلاف حمل كل من المذاهب كلمة آل البيت حيث وردت في بحث الزكاة في أنها لا تجوز لمحمد وآل بيته، وقد وردت نصوص تدخل في أهل بيته أزواجه ﵊ خاصة وأن قوله ﷻ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢) قد جاء في سياق الخطاب لأزواجه ﵊. ١١١١ - * روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ

стр. 1200

عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قال: نزلت في نساء النبي ﷺ . ثم قال عكرمة: من شاء باهلْتُه، أنها نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة. وعلق ابن كثير على قول عكرمة، فقال: فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن، فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك. كما جاءت نصوص تخص علياً وفاطمة والحسن والحسين بالذكر: ١١١٢ - * روى أحمد والترمذي عن أم سلمة أن النبي ﷺ جللَ على الحسنِ والحسين وعلي وفاطمة ثم قال: "هؤلاء هلُ بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً" قالت أم سلمة: وأنا منهم يا رسول الله؟ قال: "إنك إلى خير". وهذا الحديث يدل على أن الآية أعم من أن تكون في أزواج رسول الله ﷺ فقط. ١١١٣ - * روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ الآية دعا النبي صلى الله عليه سلم علياً وفاطمة وحسناً وحُسيناً فقال: "اللهم هؤلاء أهلي". فهذان نصان يذكران آل البيت بالمعنى الأخص. ١١١٤ - * روى أحمد والطبراني عن عائشة قالت: أُهدِيَ لرسول الله ﷺ قلادةً من جَزْع ملمعة بالذهب، ونساؤه مجتمعات في بيتٍ كلهن، وأمامة بنت أبي العاص

стр. 1201

ابن الربيع جارية تلعب في جانب البيت بالتراب، فقال رسول الله ﷺ : "كيف ترين هذه؟ " فنظرنا إليها فقلنا: يا رسول الله، ما رأينا أحسن من هذه قط، ولا أعجب، فقال: "اردُدْنَها إليّ" فلما أخذها قال: "والله لأضعنها في رقبة أحب أهل البيت إليَّ" قالت عائشة: فأظلمت علي الأرض يني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن، ولا أراهن إلا أصابهن مثلُ الذي أصابني، ووجمنا جميعاً سكوت، فأقبل هبا حتى وضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص فسُرِّيَ عنا. دل هذا الحديث على أن أحفاده من غير فاطمة من أهل بيته، فمن باب أولى أبناؤه وبناته، ولذلك سنعقد (وصلاً) ههنا عن أبنائه وبناته وأحفاده، وقد مر معنا حديث مسلم الذي ذكر فيه زيد بن أرقم وجهة نظره التي تذكر آل عقيل وآل جعفر وآل عباس، لكن هناك نصوصاً تدخل غيرهم معهم في حرمة الصدقة. ١١١٥ - * روى مسلم عن المطلب بن ربيعة بن الحاث أنه قال: اجتمع ربيعةُ بن الحارث والعباس بن عبد المطلب. فقالا: والله! لو بعثنا هذين الغُلامين (قالا لي وللفضل بن عباس) إلى رسول الله ﷺ فكلماهُ، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناسُ، وأصابا مما يُصيبُ الناسُ! قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب. فوقف عليهما. فذكرا له ذلك. فقال علي بن أبي طالب: لا تفعلا. فوالله! ما هو بفاعلٍ. فانتحاه ربيعةُ بن الحارث فقال: والله! ما تصنعُ هذا إلا نفاسةٌ منك علينا. فوالله! لقد نلتَ صِهرَ رسول الله ﷺ فما نفسناهُ عليك. قال عليٍّ: أرسلوهما. فانطلقا. واضطجع عليٍّ. قال: فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سبقناهُ إلى الحُجرةِ فقمنا عندها. حتى جاء فأخذ بآذاننا. ثم قال: "أخرجا ما تُصرِّرانِ" ثم

стр. 1202

دخل ودخلنا عليه. وهو يومئذٍ عند زينب بنت جحش. قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله! أنت أبرُّ الناس وأوصلُ الناس. وقد بلغنا النكاح. فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات. فنؤدي إليك كما يؤدي الناسُ، ونصيبُ كما يصيبون قال: فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلمه. قال: وجعلتْ زينبُ تُلمِعُ علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماهُ. قال: ثم قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمدٍ. إنما هي أوساخ الناس. ادعوا لي محمية" (وكان على الخُمُس) "ونوفلَ ابن الحاث بن عبد المطلب" قال: فجاءاه. فقال لمحمية: "أنكحْ هذا الغلام ابنتك" (للفضل بن عباسٍ) فأنكحهُ. وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك" (لي) فأنكحني. وقال لمحمية: "أصدق عنهما من الخُمُسِ كذا وكذا" قال الزهري: ولم يسمه لي. وكل ذلك دعانا إلى أن نعقد (وصلا) عن بعض من يدخل في آل بيته في الدائرة الأوسع. وعلى هذا فسنعقد في هذا الفصل عدة وصول: وصلا عن أزواجه، ووصلاً عن أبنائه وبناته وأحفاده ومنهم الحسن والحسين، ووصالً عن بعض أقاربه ممن يدخلون في دائرة آل البيت بالمعنى الخاص. وقد كان من حق الحسن أن نذكره أثناء الكلام عن الخلفاء الراشدين لكنا قدمناه ههنا، وكان من حق علي ﵁ أن نضعه ههنا فذكرناه مع الخلفاء الراشدين وتقديم الكلام ههنا عمن سنذكرهم اضطرنا إليه سياق الكتاب. وهذا عذرنا لمن ينتقدنا لِمَ لَمْ نقدم الكلام عن أبي بكر وعمر وهما أفضل الأمة بعد رسولها ﵊، ونحب أن ننبه أن من نذكرهم هنا اجتمع لهم فضلان: فضل الصحبة إذا توافرت شروطها (١)، وفضل

стр. 1203

القرابة، وهناك استطرادات يضطرنا إليها السياق سنتحدث عنها بمناسبتها. ١١١٦ - * روى أحمد عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله ﷺ : "إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله ، ممدودٌ ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يرِدا على الحوض". ١١١٧ - * روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يبغضُنا أهل البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار". ١١١٨ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتُها من النبي ﵌؟ قلت: بلى فاهدها إليَّ قال: سألنا رسول الله ﵌ فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاةُ عليكم أهل البيت؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ" وقد روى هذا الحديث بإسناده وألفاظه حرفاً بعد حرف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن موسى بن إسماعيل في الجامع الصحيح، وإنما خرجتُه ليعلم المستفيد أن أهل البيت والآل جميعاً هم، وأبو فروة هو عروةُ بن الحاث الهمداني من أوثق التابعين بالكوفة. ١١١٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: أن أبا بكرٍ قال: ارقُبوا محمداً ﷺ في أهل بيته. ١١٢٠ - * روى الطبراني عن محمد بن علي بن الحسين أن النبي ﷺ بايع الحسن والحسينَ

стр. 1204

وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفرٍ وهم صغار ولم يبقُلوا ولم يبلُغوا، ولم يبايع صغيراً إلا منا. ١١٢١ - * روى أبو يعلي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُكم خيركم لأهلي من بعدي" قال أبو خيثمة: الناس يقولون لأهل وقال هذا لأهلي. * * *

стр. 1205

الوصل الأول في أزواجه ﵊

стр. 1206

توطئة: الحديث عن أزواجه جزء مهم من الحديث عن سيرته ﵊، فلا ينفصل الكلام عن أزواجه عن الكلام عنه، ثم إن أزواجه ﵊ هنّ القدوة للمرأة المسلمة. والنساء يشكلن حيزاً كبيراً من المجتمع الإنساني، وإن كانت الأسرة تشكل دائرة مهمة من دوائر المجتمع فمن المهم أن يتعرف الإنسان على رسول الله ﷺ في أسرته. وهذا الوصل والوصل الذي بعده يعطينا صورة عن الرسول ﷺ في أسرته ويعطينا صورة عن أكمل أسرة في تاريخ الوجود، وسنذكر بين يدي نصوص هذا (الوصل) مقدمتين: مقدمة عامة، ومقدمة عن التفضيل بين أزواجه ....... وكان الكمال في البحث يقتضي أن تذكر مع ترجمة كل من زوجاته ﵊ مجموع رواياته عنه عليه الصلاة فهي المقصود الأعظم من الترجمة، وبذلك تظهر الصورة الحقيقية عن حياة الرسول ﷺ الزوجية، لكن هذا سيؤثر على أبحاث هذا الكتاب الأخرى لأن مرويات الزوجات ذات موضوعات متعددة، وهذا يقتضي أن نذكرها عند موضوعاتها في هذا الكتاب، ومن قبل قلنا إن هذا الكتاب بكل أقسامه مع تفسير القرآن هو السيرة كلها، فليعتبر القارئ إذن أن الحديث موصول عنه وعن زوجاته في بقية أقسام الكتاب، ومن ههنا فإن قارئ هذا البحث عن زوجاته سيجد فراغات كثيرة وقصوراً كبيرةً، إلا أن ذلك من مقتضيات طريقتنا في عرض السنة في هذا الكتاب، وفي الأصل فإن جامعي السنة يتحدثون عادة عما يسمى بالمناقب، وهذا البحث يكاد يكون أشبه بذلك. * * *

стр. 1207

المقدمة الأولى لمحة عامة عن أزواجه وسراريه ﵇ قال المباركفوري: معلوم أن النبي ﷺ كان ممتازاً عن أمته بحل التزوج بأكثر من أربع زوجات لأغراض كثيرة، فكان عدد من عقد عليهن ثلاث عشرة امرأة، منهن تسع مات عنهن، واثنتان توفيتا في حياته، إحداهما خديجة، والأخرى أم المساكين زينبُ بنت خزية. واثنتان لم يدخل بهما، وها هي أسماؤهن وشيء عنهن. ١ - خديجة بنت خويلد ﵂. ٢ - سودة بنت زمعة، تزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة عشر من النبوة، بعد وفاة خديجة بأيام، وكانت قبله عند ابن عم لها يقال له السكران بن عمرو فمات عنها. ٣ - عائشة بنت أبي بكر الصديق، تزوجها في شوال سنة إحدى عشرة من النبوة، بعد زواجه بسودة بسنةٍ، وقبل الهجرة بسنتين وخمسة أشهر، تزوجها وهي بنت ست سنين، وبنى بها في شوال بعد بدر - على ما قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات-، وكانت بكراً، ولم يتزوج بكراً غيرها، وكانت أحب الخلق إليه، وأفقه نساء الأمة، وأعلمهن على الإطلاق. ٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب، تأيَّمت من زوجها خُنيس بن حُذافة السهمي بين بدر واحد، فتزوجها رسول الله ﷺ سنة ٣ هـ. ٥ - زينب بنت خزيمة من بني هلال بن عامر بن صعصعة، وكانت تسمى أم المساكين، لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، كانت تحت عبد الله بن جحش، فاستشهد في أحد، فتزوجها رسول الله ﷺ سنة ٤ هـ. ماتت بعد الزواج بشهرين أو ثلاثة أشهر. ٦ - أم سلمة هند بنت أبي أمية، كانت تحت أبي سلمة، فمات عنها في جمادي الأخرى سة ٤ هـ فتزوجها رسول الله ﷺ في شوال من السنة نفسها.

стр. 1208

٧ - زينب بنت جحش بن رباب من بني أسد بن خزيمة، وهي بنت عمة رسول الله ﷺ ، وكانت تحت زيد بن حارثة- الذي كان يعتبر ابنا للنبي ﷺ فطلقها زيد. فأنزل الله تعالى يخاطب رسول الله ﷺ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١) وفيها نزلت من سورة الأحزاب آيات فصلت قضية التبني. تزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة. ٨ - جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من خُزاعة، كانت في سبي بني المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها، وتزوجها في شعبان سنة ٦ هـ. ٩ - أم حبيبة رَمْلَةُ بنت أبي سفيان، كانت تحت عبيد الله بن جحش، وهاجرت معه إلى الحبشة، فارتد عبيد الله وتنصر وتوفي هناك، وثبتت أم حبيبة على دينها وهجرتها، فلما بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري بكتابه إلى النجاشي في المحرم سنة ٧ هـ. خطب عليه أم حبيبة فزوجها إياه وبعث بها مع شُرحبيل بن حسنة. ١٠ - صفية بنت حيي بن أخطَب من بني إسرائيل، كانت من سبي خيبر، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فأعتقها وتزوجها بعد فتح خيبر سنة ٧ هـ. ١١ - ميمونة بنت الحاث أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث، تزوجها في ذي القعدة سنة ٧ هـ، في عمرة القضاء بعد أن حل منها على الصحيح. فهؤلاء إحدى عشرة سيدة تزوج بهن الرسول ﷺ ، وبنى بهن وتوفيت منهن اثنتان - خديجة بنت خويلد وزينب أم المساكين - في حياته، وتوفي هو عن التسع البواقي. وأما الاثنتان اللتان لم يبن بهما فواحدة من بني كلاب، وأخرى من كندة وهي المعروفة بالجونية، وهناك خلافات لا حاجة إلى بسطها. وأما السراري فالمعروف أنه تسري باثنتين إحداهما مارية القبطية. أهداها له المُقوقِس

стр. 1209

فأولدها ابنه إبراهيم الذي توفي صغيراً بالمدينة في حياته ﷺ ، في ٢٨/أو ٢٩ من شهر شوال سنة ١٠ هـ وفق ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ م. والسرية الثانية هي ريحانة بنت زيد النضرية أو القُرظية، كانت من سبايا قريظة فاصطفاها لنفسه، وقيل بل هي من أزواجه ﷺ ، أعتقها فتزوجها والقول الأول رجحه ابن القيم، وزاد أبو عبيدة اثنتين أخريين، جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. أهـ. * * * المقدمة الثانية: في التفضيل قال الشيخ عبد السلام اللقاني: وأما تفضيل الزوجات الشريفات، فأفضلُهُنّ: خديجة، وعائشة، وفي أفضلهن خلاف، صحح ابن العماد تفضيل خديجة وفاطمة، فتكون أفضل من عائشة ولما سئل السبكي عن ذلك قال: الذي نختاره وندينُ الله به، أن فاطمة بنت سيدنا محمد ﷺ أفضل ثم أمها خديحة ثم عائشة. واختار السبكي أن مريم أفضل من خديجة؛ لقوله ﵊: "خير نساء العالمين مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خُويلد، ثم فاطمة بنت محمد ﷺ ، ثم آسية بنت مُزاحم امرأة فرعون" (١) وللاختلاف في نبوتها. أقول: التفضيل لفاطمة على خديجة من حيثيةٍ كونها جزءاً من رسول الله ﷺ والتفضيل لخديجة على فاطمة من حيثية ما قامت به. قال الشيخ اللقاني: وقال شيخ الإسلام في شرح البخاري: الذي اختاره الآن أن الأفضلية محمولة على أحوالٍ، فعائشة أفضلهن من حيث العلم، وخديجة من حيث تقدمها وإعانتها له صلى الله

стр. 1210

عليه وسلم في المهمات، وفاطمة من يحث القرابة، ومريم من حيث الاختلاف في نبوتها، وذكرها في القرآن مع الأنبياء، وآسية امرأة فرعون من هذه الحيثية، ولكن لم تذكر مع الأنبياء، وعلى ذلك تنزيل الأخبار الواردة في أفضليتهن، وهذا جيد إن قلنا: إن التفضيل بالأحوال وكثرة الخصال الجميلة، وأما إن قلنا: إنه باعتبار كثرة الثواب، فالأقربُ الوقفُ كما هو قول الأشعري. وفي كلام البرهان الحلبي أن زينب بنت جحش تلي عائشة رضوان الله تعالى عليهما، ولم يقف أستاذنا على نص في باقيهن، ولا في مفاضلة بعض أبنائه الذكور على بعض، ولا في المفاضلة بينهم وبين البنات الشريفات، سوى ما شرف الله به الذكور على الإناث مطلقاً، ولا بينهن سوى فاطمة، بأنها أفضل بناته الكريمات، ولا بين باقي البنات سوى فاطمة مع الزوجات الطاهرات، وإن جرت علة فاطمة بالبعضية في الجميع، فالوقف أسلم، والله أعلم. أهـ. وهذه سيرة مختصرة للزوجات الطاهرات.

стр. 1211

١ - خديجة بنت خويلد ﵂ يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: خديجة أم المؤمنين وسيدة نساء العالمين في زمانها، أم القاسم ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، القرشية الأسدية، أم أولاد رسول الله ﷺ وأول من آمن به وصدقه قبل كل أحد، وثبتت جأشَهُ، ومضت به إلى ابن عمها ورقة. ومناقبها جمة، وهي ممن كمُلت من النساء. كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة، من أهل الجنة، وكان النبي ﷺ يثني عليها، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين ويبالغ في تعظيمها، بحيث إن عائشة كانت تقول: ما غرت من امرأةٍ ما غرت من خديجة، من كثرة ذكر النبي ﷺ لها. ومن كرامتها عليه ﷺ أنها لم يتزوج امرأة قبلها، وجاء منها عدة أولاد، ولم يتزوج عليها قط، ولا تسري عليها قط، ولا تسري إلى أن قضت نحبها، فوجِد لفقدها، فإنها كانت تعم القرين وكانت تنفق عليه من مالها، ويتجر هو ﷺ لها. قال الزبير بن بكار: كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة، وأمها هي فاطمة بنت زائدة العامرية. كانت خديجة أولاً تحت أي هالة بن زُرارة التميمي، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم بعده النبي ﷺ ، فبنى بها وله خمس وعشرون، وكانت أسنُّ منه بخمس عشرة سنة. عن عائشة: أن خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة، وقيل: توفيت في رمضان ودفنت بالحجون (هو جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها) عن خمس وستين سنة. قال الواقدي: خرجوا من شعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين فتوفي أبو طالب، وقبله خديجة بشهر وخمسة أيام، وقال الحاكم: ماتت بعد أبي طالب بثلاثة أيام.

стр. 1212

قال ابن إسحاق: تتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلاك أبي طالب وخديجة، وكانت خديجة وزيرة صدق وهي أقرب إلى قُصي من النبي ﷺ برجل (١)، وكانت متمولة، فعرضت على النبي ﷺ أن يخرج في مالها إلى الشام فخرج مع مولاها ميسرة، فلما قدم باعت خديجة ما جاء به فأضعف، فرغبت فيه (٢)، فعرضت نفسها عليه فتزوجها، وأصدقها عشرين بكرة. فأولادها منه: (القاسم، والطيب، والطاهر، ماتوا رضعاً، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وفاطمة). قال الشيخ عز الدين بن الأثير: خديجة أول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين. وقال الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى: أول من آمن بالله ورسوله خديجة، وأبو بكر، وعلي ﵃. قال الواقدي: توفيت في رمضان ودفنت بالحجون. وقال قتادة: ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وكذا قال عروةُ أهـ كلام الذهبي. وهذه نصوص تتحدث عنها: ١١٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "خيرُ نسائها: مريم بنت عمران، وخير نسائها: خديجة بنت خويلد". قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض.

стр. 1213

١١٢٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريلُ ﵇ النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام - أو طعام، أو شرابٌ - فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها، ومني وبشرها ببيتٍ في الجنة من قصبٍ، لا صخب فيه ولا نصب. ١١٢٤ - * روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوطٍ فقال: "أتدرون ما هذا؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : "أفضلُ نساء أهل الجنة خديجةُ بنتُ خُويلدٍ، وفاطمةُ ابنةُ محمدٍ، ومريمُ ابنةُ عمران، وآسيةُ ابنةُ مُزاحمٍ امرأةُ فرعون". ١١٢٥ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ سُئل عن خديجة أنها ماتتْ قبل أنْ تُنزل الفرائضُ والأحكام، قال: "أبصرتُها على نهرٍ من أنهار الجنة في بيت من قصبٍ لا لغو فيه ولا نصب" وسئل عن أبي طالب هل نفعتهُ؟ قال: "أخرجْتُهُ من جهنم إلى ضحضاح منها".

стр. 1214

١١٢٦ - * روى أحمد والترمذي والحاكم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حسبُك من نساء العالمين: مريمُ بنت عمران، وخديجةُ بنت خويلدٍ، وفاطمة بنت محمد ﷺ ، وآسيةُ امرأةُ فرعون". ١١٢٧ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما غِرتُ على أحدٍ من نساء النبي ﷺ ما غرتُ على خديجة قط، وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يُكثرُ ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلتُ له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: "إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولدٌ". وفي رواية قالت (١): وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمرهُ ربُّه أو جبريل ﵇ أن يُبشرها ببيتٍ في الجنةِ من قصبٍ. قال في رواية (٢): وأمره الله أن يُبشرها ببيتٍ من قصبٍ، وإنْ كان ليذْبحُ الشاة، فيُهدي في خلائلها منها ما يسعهُنَّ. وفي أخرى (٣): وكان إذا ذبح الشاة يقولُ: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة" قالت: فأغضبْتُه يوماً، فقلتُ: خديجة؟ فقال: "إني رُزقت حُبَّها".

стр. 1215

وفي أخرى قالت (١): استأذنت هالة بنت خويلدٍ - أخت خديجة - على رسول الله ﷺ ، فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك، فقال: "اللهم هالةُ بنت خويلد" فغِرْتُ، فقلت: ما تذكر من عجوزٍ من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيارً منها. ولمسلم: قالت (٢): ما غِرْتُ للنبي ﷺ على امرأةٍ من نسائه، ما غرْتُ على خديجة لكثرةِ ذكره إياها، وما رأيتها قط، وقالت: لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت. وفي رواية الترمذي قالت (٣): ما غِرْتُ على أحدٍ من أزواج النبي ﷺ ما غرتُ على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله ﷺ لها، وإن كان ليذبح الشاة، فيتتبعُ بها صدائق خديجة، فيهديها لهُنَّ. وفي أخرى قالت: ما حسدتُ أحداً ما حسدت خديجة، وما تزوجني رسول الله ﷺ إلا بعد ما ماتتْ، وذلك أن رسول الله ﷺ بشرها ببيتٍ في الجنةٍ من قصبٍ - يعني: من قصب اللؤلؤ - لا صخب فيه ولا نصب. ١١٢٨ - * روى البخاري ومسلم عن إسماعيل بن أبي خالدٍ قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أكان رسول الله ﷺ بشر خديجة ببيتٍ في الجنة؟ قال: نعم، بشرها ببيت في الجنة من قصبٍ، لا صخب فيه ولا نصب.

стр. 1216

قال في الفتح: وعند الطبراني في "الأوسط" من حديث فطمة قالت: قلت يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: "في بيت من قصب" قلت أمن هذا القصب؟ قال: "لا، من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت" قال السهيلي: النكتة في قوله: "من قصب" ولم يقل من لؤلؤ. أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ هذا الحديث انتهى. وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على ضراه بكل ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها. وأما قوله "ببيت" فقال أبو بكر الإسكاف في "فوائد الأخبار": المراد به بيت زائد على ما أعد الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال "لا نصب فيه": أي لم تتعب بسببه. قال السهيلي: لذكر البيت معنى لطيف لأنها ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي ﷺ بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضاً غيرها. قال: وجزاء الفعل يذكر غالباً بلفظه وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر انتهى. وفي ذكر البيت معنى آخر؛ لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها، لما ثبت في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قالت أم سلمة "لما نزلت دعا النبي ﷺ فاطمة وعليا والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي" الحديث أخرجه الترمذي وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة، لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها" وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها. وقوله (لا صخب فيه ولا نصب) الصخب بفتح المهملة والمعجمة بعدها موحدة: الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب بفتح النون والمهملة بعدها موحدة التعب. وأغرب الداودي فقال: الصخب العيب، والنصب العوج. وهو تفسير لا تساعد عليه اللغة. وقال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين- أعني المنازعة والتعب - أنه ﷺ لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعاً فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي

стр. 1217

يبشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها. ١١٢٩ - * روى الطبراني عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يُكثرُ ذكر خديجة، فقلتُ: ما أكثرَ ما تكثرُ من ذكر خديجة، وقد أخلف الله تعالى لك من عجوزٍ حمراء الشدقين، وقد هلكت في دهرٍ، فغضب رسول الله ﷺ غضباً ما رأيته غضب مثله قط، وقال: "إن الله رزقه مني ما لم يرزُق أحداً منكُن" قلت: يا رسول الله اعفُ عني، والله لا تسمعني أذكرُ خديجة بعد هذا اليوم بشيء تكرهه. وفي رواية (١): كان رسول الله ﷺ إذا كر خديجة لم يكن يسأم من ثناءٍ عليها والاستغفار، قال: "ورزقت مني الولد إذ حُرِمْتُنَّه مني" فغدا عليِّ بها وراح شهراً. ١١٣٠ - * روى أحمد عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى فأحسن الثناء. قالت: فغِرتُ يوماً فقلتُ: ما أكثر ما تذكر حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيراً منها. قال: "أبدلني الله خيرا منها؟ قد آمنت بي إذ كفر بي الناسُ، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناسُ، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس". ١١٣١ - * روى الطبراني عن الزهري قال: لَمْ يتزوج رسول الله ﷺ على خديجة حتى ماتت. ١١٣٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: لما تُوفيت خديجة اشتد ذلك على رسول الله ﷺ حتى تزوج عائشة. * * *

стр. 1218

٢ - سودة أم المؤمنين ﵂ يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: سودة أم المؤمنين بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية وهي أول من تزوج بها النبي ﷺ بعد خديجة، وانفردت به نحواً من ثلاث سنين أو أكثر حتى د خل بعائشة. وكانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة، وكانت أولاًً عند السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو العامري وهي التي وهبت يومها لعائشة، رعاية لقلب رسول الله ﷺ وكانت قد فركت ﵂ أي قل ميلها إلى الرجال-. لها أحاديث، وخرج لها البخاري، حدث عنها ابن عباس، ويحيى بن عبد الله النصاري توفيت في آخر خلافة عمر بالمدينة. قال ابن سعد: أسلمت سودة وزوجها، فهاجرا إلى الحبشة. قال الأعمش عن إبراهيم، قالت سودة: يا رسول الله صليت خلفك البارحة فركعت بي، حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم، فضحك، وكانت تضحكه الأحيان بالشيء. وقالت عائشة: استأذنت سودة ليلة المزدلفة أن تدفع قبل حطمة (١) الناس - وكانت امرأة ثبطة - أي ثقيلة - فأذن لها. قال ابن سعد: إن عمر بعث إلى سودة بغرارةٍ دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في الغرارة مثل التمر، يا جارية: بلغيني القنع (٢)، ففرقتها. يروى لسودة خمسة أحاديث، منها في الصحيحين حديث واحد عند البخاري، أهـ كلام الذهبي. حجت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع ثم لم تحج بعد ذلك لقوله ﵇

стр. 1219

لأزواجه: (هذه ثم ظهور الحصر) والحصر جمع حصير وهو ما يفرش بالبيت. أي: الزَمْنَ بيوتكن بعد هذه الحجة. وهذه بعض نصوص في أصول الكتاب عنها: ١١٣٣ - * روى الطبراني عن سهل بن حُنيفٍ قال: ثم تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة، وكانت قبلهُ تحت السكران بن عمرو أخي بني عامر بن لؤي. ١١٣٤ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: تزوج النبي ﷺ سودة بنت زمعة فجاء أخوها من الحج عبد بن زمعة فجعل يحثو على رأسه التراب، فلما أسلم قال: إني لسفيه يوم أحثو على رأسي التراب أن تزوج النبي ﷺ سودة. ١١٣٥ - * روى مسلم عن عائشة قالت: ما رأيتُ امرأة أحبُّ إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة. من امرأة فيه حدةً. قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة. قالت: يا رسول الله! قد جعلتُ يومي منك لعائشة. فكان رسول الله ﷺ يقسمُ لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة. ١١٣٦ - * روى البخاري عن عائشة قالت: خرجت سودةُ - بعدما ضُرب الحجابُ - لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودةُ، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عَرقَ، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجتُ لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه (١)، ثم رُفع عنه

стр. 1220

وإنَّ العرَقَ في يده ما وضعه فقال: "إنه قد أذن لكُنَّ أن تخرجُن لحاجتِكن". ١١٣٧ - * روى أبو داود والترمذي عن عكرمة مولى ابن عباس ﵀ قال: قيل لابن عباس بعد صلاة الصبح: ماتت فلانة - لبعض أزواج رسول الله ﷺ فسجد، فقيل له: أتسجدُ هذه الساعة؟ فقال: أليس قد قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتُم آيةً فاسجدوا؟ " فأيُّ آيةٍ أعظم منْ ذهاب أزواج النبي ﷺ ؟. * * *

стр. 1221

٣ - عائشة أم المؤمنين ﵂ يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: عائشة بنت الإمام الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، بن كعب بن لؤي، القرشية التيمية المكية، النبوية، أم المؤمنين، زوجة النبي ﷺ ، أفقه نساء الأمة على الإطلاق، وأمها أم رُومان بنت عامر بن عويمر، بن عبد شمس، هاجر بعائشة أبواها، وتزوجها نبي الله قبل مهاجره بعد وفاة الصديقة خديجة بنت خويلد وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهراً، وقيل: بعامين، ودخل بها في شوال سنة اثنتين، بعد منصرفه ﵊ من غزوة بدر، وهي ابنة تسع. روت عنه علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وعن أبيها، وعن عمر وفاطمة وسعد، وحمزة ابن عمرو الأسمي وجُدامة بنت وهب أخت عُكاشة بن مِحْصَن الأسدي لأمه وهي صحابية لها سابقة وهجرة. وكانت عائشة امرأة بيضاء جميلة، ومن ثم يقال لها: الحميراء، ولم يتزوج النبي ﷺ بكراً غيرها، ولا أحب امرأة حبها، ولا أعلم في أمة محمد ﷺ بل ولا النساء مطلقاً امرأة أعلم منها، وذهب بعض العلماء إلى أنها أفضل من أبيها، وهذا مردود، وقد جعل الله لكل شيء قدراً، بل نشهد أنها زوجة نبينا ﷺ في الدنيا والآخرة فهل فوق ذلك مفخرة، وإن كان للصديقة خديجة شأوً لا يلحق، وأن واقف في أيتهما أفضل نعم جزمت بأفضلية خديجة عليها لأمور ليس هذا موضعها. وكان تزويجه ﷺ بها إثر وفاة خديجة، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد ثم دخل بسودة فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر، فما تزوج بكراً سواها وأحبها حباً شديداً كان يتظاهر به. وحبه ﵇ لعائشة كان أمراً مستفيضاً، ألا تراهم كيف كانوا يتحرون بهداياهم ومها تقرباً إلى مرضاته.

стр. 1222

وعن عليٍّ ﵁ أنه ذكر عائشة، فقال: خليلةُ رسول الله ﷺ (١)، وهذا يقوله أمير المؤمنين في حق عائشة مع ما وقع بينهما، فرضي الله عنهما، ولا ريب أن عائشة ندمت كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورها يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ، فعن عمارة بن عمير، عمن سمع عائشة إذا قرأت ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢) بكت حتى تبل خمارها. قال أبو إسحاق، عن مصعب بن سعد، قال: فرض عمر لأمهات المؤمنين عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين، وقال: إنها حبيبة رسول الله ﷺ . عن الشعبي أن عائشة قالت: رويت للبيدٍ نحواً من ألف بيت، وكان الشعبي يذكرها، فيتعجب من فقهها وعلمها، ثم يقول: ما ظنكم بأدب النبوة. قال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأحسن الناس رأياً في العامة. قال حفص بن غياث: حدثنا إسماعيل، عن أبي إسحاق، قال: قال مسروق: لولا بعض الأمر لأقمت المناحة على أم المؤمنين، يعني عائشة. ويريد بقوله: بعض الأمر: خروجها إلى حرب الجمل. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: قدم رجل فسأله أبي: كيف كان وجدُ الناس على عائشة؟ فقال: كان فيهم وكان، قال: أما إنه لا يحزن عليها إلا من كانت أمه. عن صالح بن كيسان وغيره: أن عائشة جعلت تقولُ: إن عثمان قُتِلَ مظلوماً، وأنا أدعوكم إلى الطلب بدمه، وإعادة الأمر شُورى. وقد سقتُ وقعة الجمل مُلخصة في مناقب عليٍّ، وإن علياً وقف على خباء عائشة يلُومُها على مسيرها. فقالت: يا ابن أبي طالب، ملكت فأسجح (٣). فجهزها إلى المدينة، وأعطاها اثني عشر ألفاً. فرضي الله عنه وعنها.

стр. 1223

عن عروة بن الزبير: أن معاوية بعث مرة إلى عائشة بمئة ألفِ درهم، فوالله ما أمست حتى فرقتها. فقالت لها مولاتُها: لو اشتريت لنا منها بدرهم لحماً؟ فقالت: ألا قلتِ لي. عن عطاء: أن معاوية بعث إلى عائشة بقلادة بمئة ألف، فقسمتها بين أمهات المؤمنين. عن عائشة: أنها تصدقت بسبعين ألفاً؛ وإنها لترفع جانب درعها ﵂. قال محمد بنُ عامر: حدثا ابن جُريج، عن نافع، قال: شهدتُ أبا هريرة صلى على عائشة بالبقيع، وكان خليفة مروان على المدينة، وقد اعتمر تلك الأيام. قال عروة بن الزبير: دفنت عائشة ليلاً، قال هشام بن عروة، وأحمد بن حنبل، وشبابٌ، وغيرهم: تُوفيت سنة سبع وخمسين. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى، والواقدي، وغيرهما: سنة ثمان وخمسين. عن قيس، قال: إن عائشة كانت تُحدثُ نفسها أن تُدفن في بيتها، فقالت: إني أحدثت بعد رسول الله ﷺ حدثاً، ادفنوني مع أزواجه. فدُفِنتْ بالبقيع ﵂. قال الذهبي: تعني بالحدث: مسيرها يوم الجمل، فإنها ندمت ندامة كلية، وتابت من ذلك: على أنها ما فعلت ذلك إلا مُتأولة قاصدة للخير، كما اجتهد طلحةُ بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعة من الكبار، رضي الله عن الجميع. ومدةُ عمرها، ثلاث وستون سنة وأشهر. ومسند عائشة يبلغ ألفين ومئتين وعشرة أحاديث. اتفق لها البخاري ومسلم على مئة وأربعة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين وانفرد مسلم بتسعة وستين. وعائشة ممن وُلِدَ في الإسلام، وهي أصغرُ من فاطمة بثماني سنين. وكانت تقول: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين. وذكرت أنها لحقت بمكة سائس الفيل شيخاً أعمى يستعطي أهـ الذهبي بتصرف. وقد ذكر الذهبي حوالي (١٨٥) اسماً ممن رووا عنها حديث رسول الله ﷺ فرضي الله

стр. 1224

عنها وأرضاها ولعن من أبغضها وشانها. ومن أهم أحداث حياتها في حياة رسول الله ﷺ : ١ - حادثة الإفك. ٢ - حادثة ضياع عقدها وما ترتب عليه من نزول آية التيمم. ٣ - حادثة التخيير بين البقاء والطلاق. ٤ - وفاة الرسول ﷺ في بيتها. ومن أهم أحداث جاءتها بعد رسول الله ﷺ خروجها مطالبة بدم عثمان ﵁ وما ترتب عليه من موقعة الجمل التي تعتبر من أعظم المآسي في تاريخ المسلمين، وقد كان رسول الله ﷺ حذرها من ذلك وقد ندمت بعد ذلك ندماً شديداً. وقد مرت معنا حادثة الإفك في أحداث السنة الخامسة وحادثة الوفاة في أحداث السنة الحادية عشر، وستمر معنا حادثة التيمم عند بحث التيمم وسنذكر ههنا بعض روايات التخيير وبعض روايات لها صلة بموقعة الجمل وهي من معجزاته ﷺ . وهذه بعض نصوص في أصول هذا الكتاب عنها ﵂: ١١٣٨ - * روى أحمد عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطبٍ، قالا: لما هلكتْ خديجة جاءت خولة بنت حكيمٍ امرأةُ عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج قال: "مَنْ" قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً قال: "فمن البكر" قالت: بنت أحبِّ خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر قال: "ومن الثيب" قالت: سودة ابنة زمعة قد آمنتْ بك واتبعتك على ما تقول قال: "اذهبي فاذكريهما عليِّ" (١) فأتت أمَّ

стр. 1225

رُومن فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبُ عليه عائشة قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبُ عائشة. قال: وهل تصلح له إنما هي ابنةُ أخيه فرجعتْ إلى رسول الله ﷺ فذكرتْ له قال: "ارجعي فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي" فرجعتُ فذكرت ذلك له فقال انتظري وخرج قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي كان قد ذكرها على ابنه فوالله ما وعد وعداً قط فأخلفه لأبي بكر. فدخل أبو بكر على مُطعم بن عدي وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مُصبٍ صاحبنا مدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك، قال أبو بكر للمُطعم بن عدي: أقول هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعد، فقال لخولة: ادعي لي رسول الله ﷺ فدعته، فزوجها إياهُ، وعائشة ﵂ يومئذٍ بنت ست سنين، ثم خرجتْ فدخلتْ على سودة بنت زمعة فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبُك عليه قالت: ودِدْتُ، أدخُلي على أبي فاذكري ذلك له، وكان شيخاً كبيراً قد أدركته السن قد تخلف عن الحج فدخلتْ عليه فحيته بتحية الجاهلية فقال: من هذه فقالت: خولة ابنة حكيم، قال: فما شأنكِ؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطبُ عليه سودة، فقال: كفؤ كريم. فإذا تقول صاحبتُك؟ قالت: تُحبُ ذلك. قال: ادعيه لي فجاء رسول الله ﷺ فزوجها إياه فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل يحثي على رأسه التراب؛ فقال بعد أن أسلم: لعمري إني لسفيه يوم أحثي في رأٍي التراب أن تزوج رسول الله ﷺ سودة ابنة زمعة. قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج بالسُّنْحِ قالت: فجاء رسول الله ﷺ فدخل بيننا فجاءت بي أمي وأنا في أرجوحةٍ ترجح بي بين عدقين فأنزلتني من الأرجوحة ولي جُمَيْمَة ففرقتها ومسحت وجهي بشيءٍ من ماءٍ ثم أقبلتْ تقودني حتى وقفتُ عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي (١)، ثم دخلت بي فإذا رسول الله ﷺ جالسٌ على

стр. 1226

سريرٍ في بيتنا، وعندهُ رجالٌ ونساءٌ من الأنصار، فاحتبستني في حجرة، ثم قالت: هؤلاء أهلُك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا، ما نُحِرت عليَّ جزورُ ولا ذُبحت عليَّ شاةً، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنةٍ كان يُرسل بها إلى رسول الله ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذٍ ابنةُ سبع سنين. ١١٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أُريتُك في المنام ثلاث ليالٍ، جاءني بك الملك في سرقةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفُ عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول: إن يك من عند الله يُمضه". وفي رواية (١): أن جبري لجاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ ، فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. قال النووي: (إن يك هذا من عند الله يمضه) قال القاضي: إن كانت هذه الرؤيا قبل النبوة، وقبل تخليص أحلامه ﷺ من الأضغاث. فعناها: إن كانت رؤيا حق. وإن كانت بعد النبوة فلها ثلاث معانٍ؛ أحدها أن المراد إن تكن الرؤيا على وجهها وظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير، فسيمضيه الله تعالى وينجزه، فالشك عائد إلى أنها رؤيا على ظاهرها أم تحتاج إلى تعبير وصرفٍ عن ظاهرها. الثاني: أن المراد إن كانت هذه الزوجة في الدنيا يمضها الله، فالشك في أنها زوجته في الدنيا أم في الجنة.

стр. 1227

الثالث: أنه لم يشك، ولكن أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك. كما قال: أأنت أم سالم؟ وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة يسمونه تجاهل العارف. وسماه بعضهم مزج الشك باليقين. أهـ النووي على مسلم. قال في الفتح: قوله (جاءني بك الملك) وقع في رواية أبي أسامة "إذا رجل يحملك" فكأن الملك تمثل له حينئذ رجلاً. ووقع في رواية ابن حبان من طريق أخرى عن عائشة "جاء بي جبريل إلى رسول الله ﷺ " وقوله (في سَرَقةِ من حرير) السرقة بفتح المهملة والراء والقاف هي القطعة، ووقع في رواية ابن حبان "في خرقة حرير" وقال الداودي: السرقة الثوب، فإن أراد تفسيره هنا فصحيح، وإلا فالسرقة أعم. وأغرب المهلب فقال: السرقة كالكلة أو كالبرقع. وعند الآجري من وجه آخر عن عائشة "لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني" ويجمع بين هذا وبين ما قبله بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة والخرقة في راحته، ويحتمل أن يكون نزل بالكيفيتين لقولها في نفس الخبر "نزل مرتين" وقوله (فكشف عن وجهك الثوب) في رواية أبي أسامة "فأكشفها" فعبر بلفظ المضارع استحضاراً لصورة الحال. قال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه، ويكون الضمير في "أكشفها" للسرقة أي أكشفها عن الوجه، وكأنه حمله على ذلك أن رؤيا الأنبياء وحي، وأن عصمتهم في المنام كاليقظة، وقال أيضاً: في الاحتجاج بهذا الحديث للترجمة نظر، لأن عائشة كانت إذ ذاك في سن الطفولة فلا عورة فيها البتة، ولكن يستأنس به في الجملة في أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد. أهـ. ١١٤٠ - * روى البخار يعن عروة بن الزبير ﵄: أن النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر، إنما أنا أخوك، فقال: "أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال". قال في الفتح: وقال ابن بطال (١): يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعاً ولو كانت في

стр. 1228

المهد، لكن لا يُمكن منها حتى تصلح للوطء، فرمز بهذا إلى أن لا فائدة للترجمة لأنه أمر مجمع عليه. قال: ويؤخذ من الحديث أن الأب يزوج البكر الصغيرة بغير استئذانها. قلت: كأنه أخذ ذلك من عدم ذكره، وليس بواضح الدلالة، بل يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود الأمر باستئذان البكر وهو الظاهر، فإن القصة وقعت بمكة قبل الهجرة. وقول أبي بكر "إنما أنا أخوك" حصر مخصوص بالنسبة إلى تحريم نكاح بنت الأخ، وقوله ﷺ في الجواب "أنت أخي في دين الله وكتابه" إشارة إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ونحو ذلك، وقوله "وهي حلال لي" معناه وهي مع كونها بنت أخي يحل لي نكاحها لأن الأخوة المانعة من ذلك أخوة النسب والرضاع لا أخوة الدين. ١١٤١ - * روى الحاكم عن عائشة: ما تزوجني رسول الله ﵌ حتى أتاه جبريل بصورتي وقال هذه زوجتك، وتزوجني وإني لجارية علي حوف فلما تزوجني ألقى الله علي حياء وأنا صغيرة. ١١٤٢ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: قدمنا مهاجرين فسلكنا في ثنيةٍ صعبة فنفر جملٌ كنتُ عليه نفوراً منكراً، فوالله ما أنسى قول أمي يا عُريسة فركب بي رأسه، فسمعت قائلاً يقول والله ما أراه: ألقي خِطامَهُ، فألقيته، فقام يستدير كأنما إنسان قائم تحته يمسكه. ١١٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكتُ (١)،

стр. 1229

فتعرق شعري، فوفَّ جُمَيْمَة، فأتتني أمي - أم رومان- وإني لفي أرجوحةٍ، ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي؟ فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهجُ، حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئاً من ماء فمسحتْ به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني غليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرُعني إلا رسول الله ﷺ ضُحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذٍ بنتُ تسع سنين. وفي رواية (١) نحوه، إلا أن فيه: فأخذت بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هه، ههْ، حتى ذهب نفسي وفيه: فغسلن رأسي، وأصلحنني، فلم يرعْني إلا رسول الله ﷺ ، فأسلمْنَنِي إليه. وفي أخرى (٢): أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسعٍ، ومكثتْ عنده تسعاً. وفي أخرى (٣) عن عروة قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين - أو قريباً من ذلك - ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنتُ تسع سنين. ولمسلم (٤) عن عائشة: أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنتُ سبع سنين وزُفَّتْ إليه وهي

стр. 1230

بنتُ تسع سنين، ولعبها معها، ومات عنها وهي بنتُ ثماني عشرة. وفي أخرى (١): تزوجها وهي بنتُ ست سنين، وبنى بها وهي بنتُ تسع، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة. قال في الفتح: "تزوجني وأنا بنت ست سنين" أي عقد عليَّ. وقولها "فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج" أي لما قدمت هي وأمها وأختها أسماء بنت أبي بكر كما سأبينه، وأما أبوها فقدم قبل ذلك مع النبي ﷺ . قوله (فتمزق شعري) بالزاي أي تقطع والكشميهني "فتمرق" بالراء أي انتتف. قوله (فوفي) أي كثر، وفي الكلام حذف تقديره ثم فصلت من الوعك فتربى شعري فكثر، وقولها "جميمة" بالجيم مصغرة الجُمة بالضم وهي مجتمع شعر الناصية، ويقال للشعر إذا سقط على المنكبين جمة، وإذا كان إلى شحمة الأذنين وفرة. وقولها "في أرجوحة" بضم أوله معرفة وهي التي تلعب بها الصبيان، وقوله "أنهج" أي أتنفس عالياً، وقولهن "على خير طائر" أي على خير حظ ونصيب، وقولها "فلم يُرعني": بضم الراء وسكون العين أي لم يفزعني شيء إلا دخوله عليِّ، وكنتْ بذلك عن المفاجأة بالدخول على غير عالم بذلك فإنه يفزع غالباً. أهـ. ١١٤٤ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كُنْتُ ألعبُ بالبنات عند رسول الله ﷺ وكان لي صواحبُ يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عيه وسلم إذا دخل ينقمعْنَ منه فيَُربهُن إليَّ فيلعبن معي. وفي رواية أبي داود (٢) قالت: كنتُ ألعبُ بالبنات، فربما دخل علي رسول الله ﷺ وعندي الجواري، فإذا دخل خرجن، وإذا خرج دخلن. وله في أخرى (٣): أن رسول الله ﷺ قدِمَ من غزوة تبُوكَ - أو خيبر وفي سهوتها
следующие страницы →