سريرٍ في بيتنا، وعندهُ رجالٌ ونساءٌ من الأنصار، فاحتبستني في حجرة، ثم قالت: هؤلاء أهلُك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا، ما نُحِرت عليَّ جزورُ ولا ذُبحت عليَّ شاةً، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنةٍ كان يُرسل بها إلى رسول الله ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذٍ ابنةُ سبع سنين.
١١٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أُريتُك في المنام ثلاث ليالٍ، جاءني بك الملك في سرقةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفُ عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول: إن يك من عند الله يُمضه".
وفي رواية (١): أن جبري لجاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ ، فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة.
قال النووي:
(إن يك هذا من عند الله يمضه) قال القاضي: إن كانت هذه الرؤيا قبل النبوة، وقبل تخليص أحلامه ﷺ من الأضغاث. فعناها: إن كانت رؤيا حق. وإن كانت بعد النبوة فلها ثلاث معانٍ؛ أحدها أن المراد إن تكن الرؤيا على وجهها وظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير، فسيمضيه الله تعالى وينجزه، فالشك عائد إلى أنها رؤيا على ظاهرها أم تحتاج إلى تعبير وصرفٍ عن ظاهرها.
الثاني: أن المراد إن كانت هذه الزوجة في الدنيا يمضها الله، فالشك في أنها زوجته في الدنيا أم في الجنة.
стр. 1227
الثالث: أنه لم يشك، ولكن أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك. كما قال: أأنت أم سالم؟ وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة يسمونه تجاهل العارف. وسماه بعضهم مزج الشك باليقين. أهـ النووي على مسلم.
قال في الفتح: قوله (جاءني بك الملك) وقع في رواية أبي أسامة "إذا رجل يحملك" فكأن الملك تمثل له حينئذ رجلاً. ووقع في رواية ابن حبان من طريق أخرى عن عائشة "جاء بي جبريل إلى رسول الله ﷺ " وقوله (في سَرَقةِ من حرير) السرقة بفتح المهملة والراء والقاف هي القطعة، ووقع في رواية ابن حبان "في خرقة حرير" وقال الداودي: السرقة الثوب، فإن أراد تفسيره هنا فصحيح، وإلا فالسرقة أعم. وأغرب المهلب فقال: السرقة كالكلة أو كالبرقع. وعند الآجري من وجه آخر عن عائشة "لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني" ويجمع بين هذا وبين ما قبله بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة والخرقة في راحته، ويحتمل أن يكون نزل بالكيفيتين لقولها في نفس الخبر "نزل مرتين" وقوله (فكشف عن وجهك الثوب) في رواية أبي أسامة "فأكشفها" فعبر بلفظ المضارع استحضاراً لصورة الحال. قال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه، ويكون الضمير في "أكشفها" للسرقة أي أكشفها عن الوجه، وكأنه حمله على ذلك أن رؤيا الأنبياء وحي، وأن عصمتهم في المنام كاليقظة، وقال أيضاً: في الاحتجاج بهذا الحديث للترجمة نظر، لأن عائشة كانت إذ ذاك في سن الطفولة فلا عورة فيها البتة، ولكن يستأنس به في الجملة في أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد. أهـ.
١١٤٠ - * روى البخار يعن عروة بن الزبير ﵄: أن النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر، إنما أنا أخوك، فقال: "أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال".
قال في الفتح: وقال ابن بطال (١): يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعاً ولو كانت في
стр. 1228
المهد، لكن لا يُمكن منها حتى تصلح للوطء، فرمز بهذا إلى أن لا فائدة للترجمة لأنه أمر مجمع عليه. قال: ويؤخذ من الحديث أن الأب يزوج البكر الصغيرة بغير استئذانها. قلت: كأنه أخذ ذلك من عدم ذكره، وليس بواضح الدلالة، بل يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود الأمر باستئذان البكر وهو الظاهر، فإن القصة وقعت بمكة قبل الهجرة. وقول أبي بكر "إنما أنا أخوك" حصر مخصوص بالنسبة إلى تحريم نكاح بنت الأخ، وقوله ﷺ في الجواب "أنت أخي في دين الله وكتابه" إشارة إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ونحو ذلك، وقوله "وهي حلال لي" معناه وهي مع كونها بنت أخي يحل لي نكاحها لأن الأخوة المانعة من ذلك أخوة النسب والرضاع لا أخوة الدين.
١١٤١ - * روى الحاكم عن عائشة: ما تزوجني رسول الله ﵌ حتى أتاه جبريل بصورتي وقال هذه زوجتك، وتزوجني وإني لجارية علي حوف فلما تزوجني ألقى الله علي حياء وأنا صغيرة.
١١٤٢ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: قدمنا مهاجرين فسلكنا في ثنيةٍ صعبة فنفر جملٌ كنتُ عليه نفوراً منكراً، فوالله ما أنسى قول أمي يا عُريسة فركب بي رأسه، فسمعت قائلاً يقول والله ما أراه: ألقي خِطامَهُ، فألقيته، فقام يستدير كأنما إنسان قائم تحته يمسكه.
١١٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكتُ (١)،
стр. 1229
فتعرق شعري، فوفَّ جُمَيْمَة، فأتتني أمي - أم رومان- وإني لفي أرجوحةٍ، ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي؟ فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهجُ، حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئاً من ماء فمسحتْ به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني غليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرُعني إلا رسول الله ﷺ ضُحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذٍ بنتُ تسع سنين.
وفي رواية (١) نحوه، إلا أن فيه: فأخذت بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هه، ههْ، حتى ذهب نفسي وفيه: فغسلن رأسي، وأصلحنني، فلم يرعْني إلا رسول الله ﷺ ، فأسلمْنَنِي إليه.
وفي أخرى (٢): أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسعٍ، ومكثتْ عنده تسعاً.
وفي أخرى (٣) عن عروة قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين - أو قريباً من ذلك - ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنتُ تسع سنين.
ولمسلم (٤) عن عائشة: أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنتُ سبع سنين وزُفَّتْ إليه وهي
стр. 1230
بنتُ تسع سنين، ولعبها معها، ومات عنها وهي بنتُ ثماني عشرة.
وفي أخرى (١): تزوجها وهي بنتُ ست سنين، وبنى بها وهي بنتُ تسع، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة.
قال في الفتح: "تزوجني وأنا بنت ست سنين" أي عقد عليَّ. وقولها "فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج" أي لما قدمت هي وأمها وأختها أسماء بنت أبي بكر كما سأبينه، وأما أبوها فقدم قبل ذلك مع النبي ﷺ . قوله (فتمزق شعري) بالزاي أي تقطع والكشميهني "فتمرق" بالراء أي انتتف. قوله (فوفي) أي كثر، وفي الكلام حذف تقديره ثم فصلت من الوعك فتربى شعري فكثر، وقولها "جميمة" بالجيم مصغرة الجُمة بالضم وهي مجتمع شعر الناصية، ويقال للشعر إذا سقط على المنكبين جمة، وإذا كان إلى شحمة الأذنين وفرة. وقولها "في أرجوحة" بضم أوله معرفة وهي التي تلعب بها الصبيان، وقوله "أنهج" أي أتنفس عالياً، وقولهن "على خير طائر" أي على خير حظ ونصيب، وقولها "فلم يُرعني": بضم الراء وسكون العين أي لم يفزعني شيء إلا دخوله عليِّ، وكنتْ بذلك عن المفاجأة بالدخول على غير عالم بذلك فإنه يفزع غالباً. أهـ.
١١٤٤ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كُنْتُ ألعبُ بالبنات عند رسول الله ﷺ وكان لي صواحبُ يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عيه وسلم إذا دخل ينقمعْنَ منه فيَُربهُن إليَّ فيلعبن معي.
وفي رواية أبي داود (٢) قالت: كنتُ ألعبُ بالبنات، فربما دخل علي رسول الله ﷺ وعندي الجواري، فإذا دخل خرجن، وإذا خرج دخلن.
وله في أخرى (٣): أن رسول الله ﷺ قدِمَ من غزوة تبُوكَ - أو خيبر وفي سهوتها
стр. 1231
سِتْرٌ، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بناتٍ لعائشة لُعَبٍ، فقال: "ما هذا يا عائشة" قالت: بناتي، ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاعٍ، فقال: "ما هذا الذي أرى وسطهن؟ " قالت: فرسٌ، قال: "وما هذا الذي عليه؟ " قالت: جناحان، قال: "فرسٌ له جناحان؟ " قالت: أما سمعت أن لسليمان ﵇ خيلاً لها أجنحةً؟ قالت: فضحك حتى رأيتُ نواجذَهُ.
قال النووي: قوله (عن عائشة أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ قال القاضي: فيه جواز اللعب بهن. قال: وهن مخصوصات من الصور المنهي عنها لهذا الحديث ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن. قال: وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن، وروي عن مالك كراهة شرائهن، وهذا محمول على كراهة الاكتساب بها وتنزيه ذوي المروات عن تولي بيع ذلك لا كراهة اللعب. قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن وقالت طائفة: هو منسوخ بالنهي عن الصور هذا كلام القاضي. قولها (كانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ فكان يسربهن إلي) معنى ينقمعن يتغيبن حياء منه وهيبة وقد يدخلن في بيت ونحوه وهو قريب من الأول يسربهن بتشديد الراء أي يرسلهن وهذا من لطفه ﷺ وحسن معاشرته.
١١٤٥ - * روى أبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ قال: ما رأيت صانعاً طعاماً مثل صفية، صنعت لرسول الله صلى الله عيه وسلم طعاماً فبعثت به، فأخذني أفكل فكسرت الإناء، فقلت يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ قال: "إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام".
١١٤٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال (١): كان رسول الله ﷺ
стр. 1232
عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفةٍ فيها طعامٌ، فضربتِ التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفةُ، فانفلقتْ، فجمع رسول الله ﷺ فِلَق الصحفة، ثم جعل يجمعُ فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: "غارت أمُّكُم، غارت أمكم" ثم حبس الخادم، حتى أتى بصحفةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرتْ صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كُسر فيها.
وفي رواية النسائي (١) أن أم سلمة أتت بطعامٍ في صحفةٍ لها إلى النبي ﷺ وأصحابه، فجاءت عائشة مُتِّزرةً بكساء، ومعها فِهْرُ، ففلقت به الصحفة، فجمع النبي ﷺ بين فلقتي الصحفة، ويقول: "كُلوا، غارت أمُّكم" - مرتين - ثم أخذ رسول الله ﷺ صحفة عائشة، فبعث بها إلى أم سلمة، وأعطى صحفة أم سلمة عائشة.
١١٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة. قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة على عائشة وحفصة فخرجتا معه جميعاً، وكان رسول الله ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها. فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين بعيري وأركب بعيرك، فتنظرين وانظر؟ قالت: بلى. فركبت عائشة على بعير حفصة. وركبت حفصة على بعير عائشة. فجاء رسول الله ﷺ إلى جمل عائشة، وعليه حفصة، فسلم ثم سار معها. حتى نزلوا. فافتقدته عائشة فغارتْ. فلما نزلوا جعلت تجعلُ رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب! سلط عليَّ عقرباً أو حية تلدعني. رسولك ولا أستطيعُ أن أقول له شيئاً.
стр. 1233
قال الحافظ في الفتح (رسولك) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو رسولك، وإنما تتعرض لحفصة لأنها هي التي أجابتها طائعة فعادت على نفسها باللوم.
وقال في الفتح أيضاً: قوله (إذا أراد سفراً) مفهومه اختصاص القرعة بحالة السفر وليس على عمومه بل لتعين القرعةُ من يسافر بها، وتجري القرعة أيضاً فيما إذا أراد أن يقسم بين زوجاته فلا يبد بأيهن شاء بل يقرع بينهن فيبدأ بالتي تخرج لها القرعة، إلا أن يرضين بشيء فيجوز بلا قرعة. قوله (أقرع بين نسائه) زاد ابن سعد من وجه آخر عن القاسم عن عائشة "فكان إذا خرج سهم غيري عرف فيه الكراهية" واستدل به على مشروعية القرعة في القسمة بين الشركاء وغير ذلك كما تقدم في أواخر الشهادات، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه لأنه من باب الخطر والقمار، وحكى عن الحنفية أجازتها أهـ، وقد قالوا به في مسألة الباب، واحتج من منع من المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضر بحال الرجل، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى، قوال القرطبي: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحاً بغير مرجح أهـ. وفيه مراعاة للمذهب مع الأمن من رد الحديث أصلاً لحمله على التخصيص، فكأنه خصص العموم بالمعنى قال الداودي: يحتمل أن تكون المسايرة في ليلة عائشة ولذلك غلبت عليها الغيرة فدعت على نفسها بالموت، وتعقب بأنه يلزم أنه يوجب القَسْم في المسايرة، وليس كذلك إذ لو كان لما كان يخص عائشة بالمسايرة دون حفصة حتى تحتاج حفصه تتحيل على عائشة، ولا يتجه القسم في حالة السير إلا إذا كانت الخلوة لا تحصل إلا فيه بأن يركب معها في الهودج وعند النزول يجتمع الكل في الخيمة فيكون حينئذ عماد القسم السير، أما المسايرة فلا، وهذا كله مبني على أن القسم كان واجباً على النبي ﷺ وهو الذي يدل عيه معظم الأخبار، ويؤيد القول بالقرعة أنهم اتفقوا على أن مدة السفر لا يحاسب بها المقيمة بل يبتدئ إذا رجع بالقسم فيما يستقبل، فلو سافر بمن شاء بغير قرعة فقدم بعضهن في القسم للزم منه إذا رجع أن يوفي من تخلفت حقها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن ذلك لا يجب، فظهر أن للقرعة فائدة وهي أن لا يؤثر بعضهن بالتشهي لما يترتب على
стр. 1234
ذلك من ترك العدل بينهن، وقد قال الشافعي في القديم: لو كان المسافر يقسم لمن خلف لما كان للقرعة معنى بل معناها أن تصير هذه الأيام لمن خرج سهمها خالصة انتهى، ولا يخفى أن محل الإطلاق في ترك القضاء في السفر ما دام اسم السفر موجوداً، فلو سافر إلى بلدة فأقام بها زماناً طويلاً ثم سافر راجعاً فعليه قضاء مدة الإقامة، وفي مدة الرجوع خلاف عند الشافعية، والمعنى في سقوط القضاء أن التي سافرت وفازت بالصحبة لحقها من تعب السفر ومشقته ما يقابل ذلك والمقيمة عكسها في الأمرين معاً أهـ من الفتح.
وفي الحديث جواز الحيلة التي لا تفوّت مقصد الشريعة.
١١٤٨ - * روى أحمد وأبو يعلي والطبراني عن عائشة قالت: أُهدي لرسول الله ﷺ قلادة من جزعٍ مُلَمَّعةً بالذهب ونساؤه مجتمعات في بيتٍ كلهن، وأمامة بنت أبي العاص ابن الربيع جاريةٌ تلعبُ في جانب البيت بالتراب فقال رسول الله ﷺ : "كيف تريْنَ هذه؟ " فنظرنا إليها، فقلنا: يا رسول الله ما رأينا أحسن من هذه قط ولا أعجب فقال: "اردُدْنَها إليَّ" فلما أخذها قال: "والله لأضعنها في رقبة أحَبَّ أهل البيت إليَّ" قالت عائشة: فأظلمتْ عليَّ الأرضُ بيني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن ولا أراهنَّ إلا أصابهن مثلُ الذي أصابني ووجمنا جميعاً سُكُوتاً، فأقبل بها حتى وضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص فسُرِّي عنَّا.
١١٤٩ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرجَ مِنْ عندها ليلاً، قالت: فغِرْتُ عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: "مالك يا عائشة، أغرْتِ؟ " فقلتُ: وما لي لا يغارُ مثلي على مثلك، فقال رسول الله ﷺ : "أقد جاءك شيطانُك؟ " قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: "نعم" قلتُ: (١) ومع
стр. 1235
كل إنسان؟ قال: "نعم" قلتُ: ومعك يا رسول الله؟ قال: "نعمْ، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم".
قال النووي في شرح مسلم: فأسلم: برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه: أسلم أنا من شره وفتنته، ومن فتح قال: إن القرين أسلم من الإسلام، وصار مؤمناً لا يأمرني إلا بخير، واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع، ورجح القاضي عياض الفتح، وهو المختار لقوله: فلا يأمرني إلا بخير، قال النووي: قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه، وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته، وإغوائه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان. أهـ.
١١٥٠ - * روى الطبراني عن مسروق أنهُ قيل له: هل كانت عائشةُ تُحسِنُ الفرائض قال: والذي نفسي بيده لقد رأيتُ مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرائض.
١١٥١ - * روى الطبراني عن الزهري أن النبي ﷺ قال: "لو جُمِعَ عِلم نساء هذه الأمة فيهن أزواج النبي ﷺ كان عِلْمُ عائشة أكثر مِنْ علمهِنَّ".
١١٥٢ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري رض الله عنه قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قطُّ، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً.
١١٥٣ - * روى أحمد والبزار عن عروة قال (١): قلت لعائشة إني أفكر في أمْرِكِ
стр. 1236
فأعْجَبُ. أجِدُكِ من أفقه الناس فقلت ما يمنعُها؟ زوجة رسول الله ﷺ وابنةُ أبي بكر وأجدك عالمةً بأيام العرب وأنسابها وأشعارها؟ فقلتُ: وما يمنعها؟ وأبوها علامةُ قريش؟ ولكن أعجبُ أني أجدك عالمةً بالطبِّ فمنْ أين؟ فأخذت بيدي وقالت: يا عُرية إن رسول الله ﷺ كثُرَتْ أسقامه فكان أطباء العرب والعجم يبعثون له فتعلمتُ ذلك.
١١٥٤ - * روى الطبراني عن معاوية قال: والله ما رأيت خطيباً قطُّ أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة.
وفي رواية (١): ما رأيت أحداً كان أفصح من عائشة ﵂.
١١٥٥ - * روى الطبراني عن عروة قال: ما رأيت امرأة أعلم بطبِّ ولا بفقهٍ ولا بشعرٍ من عائشة.
١١٥٦ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﵌ ذكر فاطمة ﵂: فتكلمتُ أنا، فقال: "أما ترضين أنْ تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة" قلت: بلى والله. قال: "فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة".
١١٥٧ - * روى الحاكم عن عبد الله بن زياد الأسدي قال: سمعتُ عَمار بن ياسر يحلف بالله إنها زوجته ﵌ في الدنيا والآخرة.
١١٥٨ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: خِلال في سبعٌ لم تكن في أحد من النساء إلا ما آتى الله مريم بنت عمران والله ما أقول هذا فخراً على أحدٍ من صواحبي، فقال لها
стр. 1237
عبد الله بن صفوان: وما هُنَّ يا أم المؤمنين؟ قالت: نزل الملك بصورتي، وتزوجني رسول الله ﷺ لسبع سنين، وأُهديتُ إليه لتسع سنين، وتزوجني بكراً، ولم يشركهُ فيِّ أحدٌ من الناس، وكان الوحي يأتيه وأنا وهو في لحافٍ واحدٍ، وكنتُ أحَبَّ النسا إليه وبنت أحب الناس إليه، وقد نزل في آيات من القرآن، وقد كادت الأمةُ تهلكُ فيّ، ورأيتُ جبريل ولم يره أحدٌ من نسائه غيري، وقُبِضَ في بيتي لم يله أحد غيري والملك.
١١٥٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ يوماً: "يا عائشُ، هذا جبريلُ يقرئك السلام" قالت: فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، قالت قالت: -وهو يرى ما لا يرى- تُريدُ: رسول الله ﷺ .
وفي رواية (١) للنسائي قالت: أوحى الله إلى النبي ﷺ وأنا معهُ، فقُمتُ فأجفْتُ الباب بيني وبينه، فلما رُفِّه عنه قال لي: "يا عائشةُ إن جبريل يُقرئك السلام".
قال ابن حجر: وقال ابن بطال عن المهلب: سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال جائز إذا أمنت الفتنة؛ وفرق المالكية بين الشابة والعجوز سداً للذريعة، ومنع منه ربيعةُ مطلقاً. وقال الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لأنهن مُنعن من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة، قالوا: ويستثنى المحرم فيجوز لها السلام على محرمها. وقال المتولي: إن كان للرجل زوجة أو محرم أو أمة فكالرجل مع الرجل، وإن كانت
стр. 1238
أجنبية نُظِر: إن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لم يشرع السلام لا ابتداء ولا جواباً، فلو ابتدأ أحدهما كره للآخر الرد، وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها جاز. وحاصل الفرق بين هذا وبين المالكية التفصيل في الشابة بين الجمال وعدمه. فإن الجمال مظنة الافتتان، بخلاف مطلق الشابة، فلو اجتمع في المجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة. أهـ.
١١٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: "كَمُلَ من الرجال كثيرٌ، ولم يكمُلْ من النساء إلا مريمُ بنتُ عمران، وآسيةُ امرأةُ فرعون. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
وفي رواية الكسائي (١) عن أبي موسى وعائشة ﵄ قالا: قال النبي ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
١١٦١ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "إن لأعْلُم إذا كُنت عَنِّي راضيةً، وإذا كنت على غضبي" قالت: فقلتُ: ومن أيْنَ تعْرِفُ ذلك؟ فقال: "أما إذا كُنْتِ عني راضيةً فإنك تقولين: لا وربِّ محمدٍ، وإذا كنتِ غضبي، قلت: لا وربِّ إبراهيم" قالت: قلتُ: أجل والله يا رسول الله، ما أهجرُ إلا اسمك.
وفي رواية (٢): "إني لأعرف غضبك من رضاك ... " وذكر بمعناه.
١١٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص ﵁: أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"
стр. 1239
فقلت: من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر بن الخطاب" فعدُ رجالاً.
إن سؤال عمرو بن العاص هذا يدل على أن كل من كان يحيط برسول الله ﷺ يستشعر أنه أحب إلى رسول الله ﷺ وهذا أدب عظيم ينبغي أن يتخلق به وُرَّاث الأنبياء.
١١٦٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: إن الناس كانوا يتحرون هداياهُم يوم عائشة يبتغون بها - أو يبتغون بذلك - مرضاة رسول الله ﷺ .
١١٦٤ - * روى البخاري عن عائشة قالت: إن نساء رسول الله ﷺ كُنِّ حِزْبينِ، فحِزْبُ فيه: عائشة وحفصةُ وصفيةُ وصفيةُ وسوْدةُ، والحزب الآخر: أُمُّ سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ ، وكان المسلمون قد علموا حُب رسول الله ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هديةٌ يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ أخرها، حتى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة. فكلم حزْبُ أم سلمة، فقُلْنَ لها: كلمي رسول الله ﷺ يُكلم الناس، فيقول: منْ أراد أن يُهدي إلى رسول الله ﷺ هدية فليُهْدها حيثُ كان من بيوت نسائه، فكلمتْهُ أمُّ سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئاً، فسألنها. فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن لها: فكلميه، قالت: فكلمْتُه حين دار إليها أيضاً، فلم يقل لها شيئاً، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن لها، كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأةٍ إلا عائشة" قالت. فقلتُ: أتوبُ إلى الله من أذاك يا رسول الله، ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فأرسلنها إلى رسول الله ﷺ تقول: إن نساءك ينشدْنك العدل في بنت أبي بكرٍ، فكلمته، فقال: "يا بُنيَّةُ (١)، ألا تُحبين ما
стр. 1240
أحبه؟ " فقالت: بلى، فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه فأبتْ أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته فأغلظتْ، وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي قحافة، فرفعت صوتها، حتى تناولت عائشة، وهي قاعدة، فسبَّتْها، حتى إن رسول الله ﷺ لينظر إلى عائشة: هل تكلمُ؟ قال: فتكلمت عائشة ترُدُّ على زينب، حتى أسكتتها، قال: فنظر النبي ﷺ إلى عائشة، فقال: "إنها ابنةُ أبي بكر".
وفي أخرى (١) قال: كان الناس يتحرون بهداياهُم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريدُ الخير، كما تُريده عائشة، فمُري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان، أو حيث دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ . قالت: فأعْرَضَ عني، قالت: فلما عاد إليّ ذكرْتُ له ذلك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرتُ ذلك فقال: "يا أم سلمة: لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأةٍ منكن غيرها".
وفي أخرى (٢) قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمن فاستأذنت عليه وهو مُضطجعُ معي في مِرْطي، فأذن لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنةِ أبي قُحافة، وأنا ساكتةٌ، قالت: فقال لها رسول الله ﷺ : "أيّ بنيةُ، ألستِ تحبين ما أحب؟ " فقالت: بلى، قال: "فأحبي هذه" قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ، فرجعتْ إلى أزواج النبي ﷺ ، فأخبرتْهُن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله ﷺ ، فقلن لها: ما تُراك أغنيتِ عنا من شيءٍ، فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجكَ
стр. 1241
ينشدْنك العدل في ابنة أبي قُحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبداً، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحشٍ، زوج النبي ﷺ ، وهي التي كانت تُساميني منهنَّ في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدقُ به، وتقربُ به إلى الله تعالى ما عدا سؤرة من حدٍّ كانت فيها، تُسرعُ منها الفيئةُ، قالت: فاستأذنت على رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقُب طرفة، هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفتُ أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيتُ عليها - وفي روايةٍ: لم أنشبْها أن أثخنْتُها غلبةً - فقال رسول الله ﷺ ، وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر".
قال ابن حجر: وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لعائشة، وقد استدل به على فضل عائشة على خديجة وليس ذلك بلازم لأمرين: أحدهما احتمال أن لا يكون أراد إدخال خديجة في هذا، وأن المراد بقوله "منكن" المخاطبة وهي أم سلمة ومن أرسلها أو من كان موجوداً حينئذ من النساء، والثاني على تقدير إرادة الدخول فلا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق كحديث "أقرؤكم أبي وأفرضكم زيد" ونحو ذلك، ومما يسأل عنه الحكمة في اختصاص عائشة بذلك، فقيل لمكان أبيها (١)، وأنه لم يكن يفارق النبي ﷺ في
стр. 1242
أغلب أحواله، فسرى سره لابنته مع ما كان لها من مزيد حبه ﷺ . وقيل إنها كانت تبالغ في تنظيف ثيابها التي تنام فيها مع النبي ﷺ ، والعلم عند الله تعالى. قال السبكي الكبير: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة: والخلاف شهير ولكن الحق أحقُّ أن يتبع. وقال ابن تيمية: جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة. وكأنه رأى التوقف. وقال ابن القيم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله فذاك أمر لا يُطلعُ عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أري كثرة العلم فعائشة لا محالة؛ وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة فقد ثبت النص لفاطمة وحدها. قلت: امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهن متن في حياة النبي ﷺ ، وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإن لخديجة ما يقابله وهي أنها أول من أجاب إلى الإسلام ودعا إليه وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام؛ فلها مثل أجر من جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلا الله. وقيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة. (فرع): ذكر الرافعي أن أزواج النبي ﷺ أفضل نساء هذه الأمة، فإن استثنيت فاطمة لكونها بضعة فأخواتها شاركنها. وقد أخرج الطحاوي والحاكم بسند جيد عن عائشة أن النبي ﷺ قال في زينب ابنته لما أوذيت عند خروجها من مكة: "هي أفضل بناتي، أصيبت في" وقد وقع في حديث خطبة عثمان حفصة زيادة في مسند أبي يعلي "تزوج عثمان خيراً من حفصة، وتزوج حفصة خير من عثمان" ويحتمل أن يقدر من (أفضل بناتي) وأن يقال كان ذلك قبل أن يحصل لفاطمة جهة التفضيل التي امتازت بها عن غيرها من أخواتها، قال ابن التين: فيه أن الزوج لا يلزمه التسوية في النفقة بل يفضل من شاء بعد أن يقوم للأخرى بما يلزمه لها، قال: ويمكن أن لا يكون فيها دليل لاحتمال أن يكون من خصائصه، كما قيل أن القسم لم يكن واجباً عليه وإنما كان يتبرع به.
١١٦٥ - * روى أبو يعلي والبزار عن عائشة قالت (١): دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا
стр. 1243
أبْكِي، فقال: "ما يُبْكيكِ؟ " قلتُ: سبتَّني فاطمة فقال: "يا فاطمة سببت عائشة؟ " قالت: نعم يا رسول الله، قال: "أليس تُحبين من أحبُّ؟ " قالت: نعم. قال: "فإني أحبُّ عائشة فأحبيها" قالت فاطمة: لا أقول لعائشة شيئاً يؤذيها أبداً.
١١٦٦ - * روى الطبراني عن عامر الشعبي قال: قال رجلٌ: كل أمهاتِ المؤمنين أحبُّ إليَّ من عائشة، قلتُ له: أما أنت فقد خالفت رسول الله ﷺ هي كانت أحبهن إلى رسول الله ﷺ .
١١٦٧ - * روى الطبراني في الوسط عن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال: بعث زياد إلى أزواج النبي ﷺ بمالٍ، وفضل عائشة، فجعل الرسولُ يعتذرُ إلى أمة سلمة، فقالت: يعتذرُ إلينا زيادٌ! فقد كان يُفضلها من كان أعظم علينا تفضيلاً من زيادٍ، رسول الله ﷺ .
١١٦٨ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله أرأيت لو نزلت وادياً فيه شجرةً قد أُكِلَ منها، ووجدت شجراً لم يؤكل منها؛ في أيها كُنتَ تُرتعُ بعيرك؟ قال: "في التي لم يُرتَعْ منها" يعني: أن النبي ﷺ لم يتزوجْ بكراً غيرها.
قال في الفتح: وفي هذا الحديث مشروعية ضرب المثل وتشبيه شيء موصوف بصفة بمثله مسلوب الصفة. وفيه بلاغة عائشة وحسن تأتيها في الأمور، ومعنى قوله ﷺ "في التي لم يرتع منها" أي أوثر ذلك في الاختيار على غيره. فلا يرد على ذلك كون الواقع منه أن الذي تزوج من الثيبات أكثر، ويحتمل أن تكون عائشة كنت بذلك عن المحبة بل عن أدق من ذلك أهـ.
стр. 1244
١١٦٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله: كُلُّ صواحبي لهُنَّ كُنّآ، قال: "فاكتني بابنك عبد الله بن الزبير" فكانت تُكنى: بأم عبد الله.
١١٧٠ - * روى أبو داود عن النعمان بن بشير ﵄ قال: استأذن أبو بكر رحمة الله عليه على النبي ﷺ فسمع صوت عائشة عالياً، فلما دخل تناولها ليلطُمَها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يحجزه، وخرج أبو بكر مُغْضَباً، فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر: "كيف رأيتني أنقذْتُكِ من الرجل؟ " قال: فمكث أبو بكر أياماً، ثم استأذن على رسول الله ﷺ فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكهما كما أدخلتماني في حربكما فقال النبي ﷺ : "قد فعلنا قد فعلنا".
قال عبد الحق الدهلوي: اللطم: ضرب الخد بالكف وهو منهي عنه، ولعل هذا كان قبل النهي أو وقع ذلك منه لغلبة الغضب أو أراد ولم يلطم.
قلت: قوله: أنقذتك من الرجل ولم يقل من أبيك، وإبعاده ﷺ أبا بكر عن عائشة تطييباً وممازحة كل ذلك داخل في المزاح.
١١٧١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسِمُ لعائشة يومها ويوم سودة.
١١٧٢ - * روى مسلم عن عائشة قالت (١): ما رأيتُ امرأة أحبُّ إليَّ أنْ أكون في
стр. 1245
مِسْلاخها: من سودة بنت زمعة، من امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة. قالت: يا رسول الله، قد جعلتُ يومي منك لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسِمُ لعائشة يومين: يومها ويوم سودة، زاد في رواية: قالتْ: " وكانتْ أول امرأةٍ تزوُجها من بعدي.
وقول عائشة فيها حدة: وردت من قبل في وصف سودة وفسرناها على ظاهرها، ولكن النووي فسرها تفسيراً آخر وذلك من زيادة أدبه فقال: لم تُرِدْ عائشة عيب سودة بذلك، بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحدة هنا.
قال ابن حجر: قوله (إن سودة بنت زمعة) هي زوج النبي ﷺ ، وكان تزوجها وهو بمكة بعد مت خديجة ودخل عليها بها وهاجرت معه. ووقع لمسلم من طريق شريك عن هشام في آخر حديث الباب "قالت عائشة: وكانت أول امرأة تزوجها بعدي" ومعناه عقد عليها بعد أن عقد على عائشة، وأما دخوله عليها فكان قبل دخوله على عائشة بالاتفاق، وقد نبه على ذلك ابن الجوزي. قوله (وهبت يومها لعائشة) تقدم في الهبة من طريق الزهري عن عروة بلفظ "يومها وليلتها" وزاد في آخره "تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ ". ووقع في رواية مسلم من طريق عقبة بن خالد عن هشام "لما أن كبرت سودة وهبت" وله نحوه من رواية جرير عن هشام، وأخرج أبو داود هذا لحديث وزاد فيه بيان سببه أوضح من رواية مسلم، فروى عن أحمد بن يونس عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة بالسند المذكور "كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم" الحديث، وفيه "ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك منها، ففيها وأشباهها نزلت ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ الآية" وتابعه ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد في وصله، ورواه سعيد بن منصور عن ابن أبي الزناد مرسلاً لم يذكر فيه عن عائشة، وعند الترمذي من حديث ابن عباس موصولاً نحوه، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر بمعنى ذلك (١)،
стр. 1246
فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت، وأخرج ابن سعد بسندٍ رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة مرسلاً" أن النبي ﷺ طلقها طلقة رجعية فقعدت له على طريقه فقالت: والذي بعثك بالحق مالي في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها علي؟ قال: لا. قالت: فأنشدك لما راجعتني، فراجعها. قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حِبّةِ رسول الله ﷺ ". قوله (وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة) في رواية جرير عن هشام عند مسلم "فكان يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة. أهـ فتح الباري.
١١٧٣ - * روى أحمد وابن ماجه عن عائشة قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته.
١١٧٤ - * روى البخار يعن عروة قال: كان عبدُ الله بن الزبير ﵁ أحب البشر إلى عائشة بعد النبي ﷺ وأبي بكر، وكان أبرَّ الناس بها، وكانت لا تمسك شيئاً مما جاءها من رزق الله تصدقت، فقال ابن الزبير: ينبغي أن يؤخذ على يديها، فقالت: أيؤخذُ على يدي؟! عليَّ نذرٌ إن كلمته، فاستشفع إليها برجال من قريش، وبأخوال رسول الله ﷺ خاصة، فامتنعت، فقال له الزهريُّون أخوال النبي ﷺ منهم عبد الرحمن ابن الأسود بن عبد يغوث والمسْوَرُ بن مخزمة-: إذا استأذنا فاقتحم الحجاب، ففعل، فأرسل إليها بعشر رقابٍ فأعتقتهم، ثم لم تزل تُعتِقْهم حتى بلغت أربعين، فقالت: وددت أني جعلت حين حلقتُ عملاً أعمله، فأفرغ منه. وفي رواية طرف منه، قال عروة: ذهب عبد الله بن الزبير مع أناسٍ من بني زُهرة إلى عائشة، وكانت أرق شيء عليهم لقربتهم من رسول الله ﷺ .
стр. 1247
١١٧٥ - * روى البخاري عن عوفِ بن مالك بن الطفيل ﵀ وهو ابن أخي عائشة زوج النبي ﷺ لأمها - أن عائشة حدثت: أن عبد الله بن الزبير قال- في بيع أو غطاء أعطته عائشة-: والله لتنتهين عائشة أو لأحجُرَنَّ عليها، قالت: أو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله عليَّ نذرٌ أن لا أكلم ابن الزبير أبداً، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله، لا أشفع فيه أبداً، ولا أتحنث إلى نذري، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث - وهما من بني زُهرة- وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحلُّ لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسورُ وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما، حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلامُ عليك ورحمة الله وبركاته، أندخلُ؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلُّكم، ولا تعلمُ أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، وطفق يُناشدها ويبكي، وطفق المسورُ وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلتْ منه، ويقولان: إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة، فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثِ ليالٍ، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج، طفقت تذكرهما، وتبكي، وتقول: إني نذرت، والنذرُ شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك، فتبكي، حتى تبُلَّ دموعُها خِمَارَها.
حكى الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عائشة ﵂ أنها قتلتْ جانا (١)، فأُتيتْ في منامها: والله لقد قتلتِ مسلماً. قالت: لو كان مسلماً لم يدخل على أزواج النبي ﷺ .
стр. 1248
فقيل: أو كان يدخل عليك إلا وعليك ثيابك" فأصبحت فزعة، فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلتها في سبيل الله. كذا في سير أعلام النبلاء.
١١٧٦ - * روى البخاري عن القاسم بن محمد: أن عائشة اشتكتْ، فجاء ابن عباس، فقال: يا أم المؤمنين، تقدمين على فرطِ صدقٍ، على رسول الله ﷺ ، وعلى أبي بكر.
١١٧٧ - * روى البخاري عن ابن أبي مُليكة ﵀ قال: استأذن ابن عباس على عائشة قُبيل موتها وهي مغلوبةٌ قالت: أخشى أن يُثني عليّ، فقيل: ابن عم رسول الله ﷺ ، ومن وجوه المسلمين قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير، إن اتقيتُ قال: فأنتِ بخير إن شاء الله تعالى" زوجة رسول الله ﷺ ، ولم ينْكِحْ بكراً غيرك، ونزل عُذْرُك من السماء. ودخل ابن الزبير خلافه، فقالت: دخل ابن عباس فأثنى علي، وددتُ أني كنت نسياً منسياً.
قال أهل العلم: ينبغي أن يجمع العبد بين الخوف والرجاء، ويغلب الخوف حال الصحة والرجاء عند الاحتضار، ففعل ابن عباس من الفقه.
وفي الحديث جواز عيادة المريضة غير المحرم بشرط الحجاب، وكان الصحابة يدخلون على أمهات المؤمنين وبينهم ستار صفيق.
١١٧٨ - * روى الحاكم عن ابن أبي مُليكة قال: جاء ابن عباس يستأذن على عائشة ﵂ في أن تأذن فقال لها بنو أخيها: ائذني له فإنه من خير ولدك قالت (١): دعُوني
стр. 1249
من تزكيته، فلم يزالوا بها حتى أذنتْ له، فلما دخل عليها، قال ابن عباس: إنما سُميت أم المؤمنين لتسعدي، وإنه لاسْمُكِ قبل أن تُولدي إنك كنت من أحب أزواج النبي ﵌ إليه ولم يكن رسول الله ﵌ يُحب إلا طيباً، وما بينك وبين أن تلقي الأحبة إلا أن تفارق الروح الجسد، ولقد سقطت قلادتك ليلة الأنواء فجعل الله للمسلمين خيرةً في ذلك، فأنزل الله ﵎ آية التيمم ونزلتْ فيكِ آيات من القرآن، فليس مسجدُ من مساجد المسلمين إلا يُتلى فيه عُذرك آناء الليل وآناء النهار فقالت: دعني من تزكيتك لي يا ابن عباس فوددت أني كنتُ نسياً منسياً.
وأما حادثة التخيير فقد كان سببها طلب أزواجه منه التوسعة الدنيوية عليهن، وقد ورد في بعض روايات صلتها بالآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ (١) والظاهر أن ذلك الطلب وحادثة التحريم كانتا في وقت واحد، وتتعدد الروايات حول سبب نزول آية التحريم، ولا مانع من تعدد سبب النزول.
قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: أخرج البخاري (٢) في التفسير عن عائشة بلفظ: كان رسول الله ﷺ يشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش، ويمكث عندها فواطأت أنا وحفصة عن أيتنا دخل عليها، فلتقل له: أكلت مَغَافير، إني أجد منك ريح مغافير قال: "لا ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً".
والمغافير: صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط (نوع من الشجر)، فيوضع في ثوب، ثم ينضح بالماء فيشرب، وله ريح منكرة.
وثمت سبب آخر في نزول الآية، فقد أخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح فيما قاله الحافظ إلى مسروق قال: حلف رسول الله لحفصة لا يقرب أمته، وقال: علي حرام، فنزلت الكفارة ليمينه، وأُمِرَ أن لا يحرم ما أحل الله له، وأخرج الضياء المقدسي في
стр. 1250
"المختارة" من مسند الهيثم بن كليب، ثم من طريق جرير بن حازم، عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحداً أن أم إبراهيم علي حرام" قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) وأخرج الطبراني في عشرة النساء، وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية ببيت حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك: فذكر نحوه، وللطبراني من طريق الضحاك، عن ابن عباس قال: دخلت حفصة بيتها، فوجدته يطأ بمارية، فعاتبته فذكر نحوه. قال الحافظ: وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معاً. وقد روى النسائي من طريق حماد، عن ثابت، عن أنس هذه القصة مختصرة أن النبي ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢) الآية. أهـ.
وحادثة التخيير علم من أعلام نبوته ﵊، فأن يطلب منه أزواجه ﵊ التوسعة الدنيوية وهو قادر عليها، ويأبى ﵊ إلا أن يعيش هو وأهله حياة التقشف والشظف، ويتأصلهن على ذلك بأمر الله:
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣)
١١٧٩ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن أبا بكر جاء يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس ببابه جُلوساً، لم يؤذنْ لهم فأُذِنَ له فدخل، ثم أقبل عمرُ، فاستأذن فأُذن له، فوجد رسول الله ﷺ جالساً حوله نساؤه، (قبل الأمر
стр. 1251
بالحجاب) واجماً ساكتاً، فقال أبو بكر: لأقولن شيئاً أُضْحِك به رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة تسألني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها؟ فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: "هن حولي كما ترى يسألنني النفقة" فقام عمر إلى حفصة يجأُ عُنُقها، وقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله أبداً شيئاً ليس عندهُ، قال: ثم اعتزلهُن شهراً أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ - حتى بلغ - ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) قال: فبدأ بعائشة، فقال: "يا عائشةُ، إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك" قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أنْ لا تُخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً مُيسراً".
١١٨٠ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس. قال: لم أزل حريصاً أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢) حتى حج عُمر وحججتُ معه. فلما كنا ببعض الطريق عدل عمر وعدلتُ
стр. 1252
معه بالإداوة. فتبرزَ ثم أتاني فسكبْتُ على يديه. فتوضأ. فقلتُ: يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله لهما ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس! (قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه) قال: هي حفصة وعائشة. ثم أخذ يسوقُ الحديث. قال: كنا معشر قريش، قوماً نغلبُ النساء. فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم. فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم. قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيدٍ، بالعوالي. فتغضبْتُ يوماً على امرأتي فإذا هي تُراجعني فأنكرْتُ أن تُراجعني. فقالت: ما تُنْكِرُ أنْ أراجعك؟ فوالله! إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه. وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فانطلقت فدخلت على حفصة. فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ فقالت: نعمْ. فقلت: أتهجره إحداكُن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر. أفتأمنُ إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ . فإذا هي قد هلكت. لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تساليه شيئاً. وسليني ما بدا لك ولا يغُرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحبُّ إلى رسول الله ﷺ منكِ (يريد عائشة). قال: وكان لي جارٌ من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ . فينزلُ يوماً وأنزلُ يوماً فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك وكنا نتحدثُ، أن غسان تُنعِلُ الخيل لتغزونا. فنزل صاحبي ثم أتاني عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه. فقال: حدث أمر عظيمٌ. قلت: ماذا؟ أجاءت غسانُ؟ قال: لا. بل أعظمُ من ذلك وأطولُ. طلق النبي ﷺ نساءه. فقلتُ: قد خابت حفصة وخسرتْ. قد كنتُ أظنُّ هذا كائناً. حتى إذا صليتُ
стр. 1253
الصبح شددتُ علي ثيابي. ثم نزلتُ فدخلته على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقكُنَّ رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري ها هو ذا معتزل في هذه المشربةِ. فأتيتُ غلاماً له أسود. فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إليَّ. فقال: قد ذكرتك له فصمت. فانطلقتُ حتى انتهيت إلى المنبر فجلست. فإذا عنده رهطٌ جلوس يبكي بعضهم فجلست قليلاً. ثم غلبني ما أجدُ ثم أتيتُ الغلام فقلتُ: استأذن لعمر فدخل ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتُك له فصمت. فوليت مدبراً. فإذا الغلام يدعوني. فقال: ادخل فقد أذن لك فدخلتُ فسلمتُ على رسول الله ﷺ فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثرَ في جنبه فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إليَّ وقال: "لا" فقلت: الله أكبر! لو رأيتنا، يا رسول الله! وكنا معشر قريشٍ، قوماً نغلبُ النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فتغضبت على امرأتي يوماً فإذا هي تُراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلتُ: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم منك وأحبُّ إلى رسول الله ﷺ منك فتبسم أخرى فقلت استأنسُ: يا رسول الله! قال: "نعمْ" فجلستُ فرفعتُ رأسي في البيت فوالله ما رأيتُ فيه شيئاً يَرُدُّ البصر، إلا أهباً ثلاثة. فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع علي أُمَّتِكَ فقد وسع على فارس والروم. وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالساً ثم قال: "أفي شك أنتَ؟ يا ابن الخطاب (١)! أولئك قوم عُجلت لهم طيباتهم في الحياة
стр. 1254
الدنيا" فقلتُ: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهنُ حتى عاتبه الله .
قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة. قالت: لما مضى تسعٌ وعشرون ليلة، دخل علي رسول الله ﷺ . بدأ بي فقلتُ: يا رسول الله! إنك أقسمتَ أن لا تدخل علينا شهراً وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهُن. فقال: "إن الشهر تسع وعشرون" ثم قال: "يا عائشة إني ذاكرٌ لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك" ثم قرأ عليّ الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قالت عائشة: قد علم والله أن أبويَّ لم يكونا ليأمراني بفراقه. قالت فقلتُ: أو في هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريدُ الله ورسوله والدار الآخرة.
قال معمرٌ: فأخبرني أيوب أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتُك. فقال لها النبي ﷺ : "إن الله أرسلني مُبلغاً ولم يرسلني متعنتاً".
قال قتادة: صفتْ قلوبكما: مالت قلوبكما.
وفي رواية (١) لمسلم عن عبد الله بن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه قال: دخلتُ المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. فقال عمر فقلت: لأعلمنِّ ذلك اليوم. قال: فدخلت على عائشة فقلت: يا بنت أبي بكر! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب؟ عليك بعيبتك. قال: فدخلتُ على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ر؟ والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يُحبك ولولا أنا لطلقك رسول الله ﷺ .
стр. 1255
فبكت أشد البكاء. فقلت لها: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: هو في خزانته في المشربة. فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعداً على أُسْكُفَّةِ المشربة مُدلٍّ رجليه على نقير من خشب. وهو جِذْعٌ يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر فناديتُ: يا رباحُ! استأذنْ لي عندك على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً ثم قلت: يا رباحُ! استأذنْ لي عندك على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً. ثم رفعتُ صوتي فقلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئتُ من أجل حفصة. والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها ورفعت صوتي. فأومأ إليّ أن ارْقَهْ. فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلستُ. فأدنى عليه إزاره ولبس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرْتُ ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع. ومثلها قرظاً في ناحية الغرفة وإذا أفيق مُعَلّقْ. قال: فابتدرت عيناي. قال: "ما يبكيك يا ابن الخطاب؟! " قلت: يا نبي الله مالي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك. وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصرُ وكسرى في الثمار والأنهار. وأنت رسول الله ﷺ وصفوتهُ. وهذه خزانتك. فقال: "يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ (١) "
стр. 1256
قلت: بلى. قال: ودخلتُ عليه حين دخلتُ وأنا أرى في وجهه الغضب. فقلت: يا رسول الله! ما يشُقُّ عليك من شأن النساء؟ فإنْ كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمتُ، وأحمدُ الله، بكلام إلا رجوت أن يكون الله يُصدق قولي الذي أقول. ونزلت هذه الآية آية التخيير ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (١) وكانت عائشة بنتُ أبي بكرٍ وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ . فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: "لا" قلت: يا رسول الله! إني دخلتُ المسجد والمسلمون ينْكُتُون بالحصى يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه. أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: "نعم. إن شئت" فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر فضحك. وكان من أحسن الناس ثغراً. ثم نزل نبي الله ﷺ ونزلتُ. فنزلتُ أتشبثُ بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسهُ بيده فقلت: يا رسول الله! إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين. قال: "إن الشهر يكون تسعاً وعشرين" فقمت على باب المسجد فناديتُ بأعلى صوتي: لم يُطلقْ رسول الله ﷺ نساءه ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) فكنت أنا استنبطتُ ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير.
стр. 1257
وفي رواية للبخاري ومسلم (١) عن عبد الله بن عباس قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آيةٍ فما أستطيع أن أسأله هيبةً له حتى خرج حاجاً فخرجتُ معه. فلما رجع، فكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراكِ لحاجةٍ له. فوقفت له حتى فرغ ثم سرتُ معه فقلتُ: يا أمير المؤمنينّ! من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشةُ. قال فقلت له: والله! إن كنتُ لأريد أنْ أسألك عن هذا منذ سنةٍ فما أستطيع هيبةً لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه. فإن كنت أعلمه أخبرتك. قال: وقال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعُد للنساء أمراً حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم. قال: فبينما أنا في أمر أأتمره، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا! فقلت لها: ومالك أنت ولما ههنا؟ وما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجباً لك، يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان. قال عمر: فأخذ ردائي ثم أخرج مكاني. حتى أدخل على حفصة فقلت لها: يا بنية! إنك لتراجعين رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله! إنا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أُحذرك عقوبة الله وغضب رسوله. يا بنية! لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها وحب رسول الله ﷺ إياها. ثم خرجتُ حتى أدخل على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها فقالت لي أم سلمة: عجباً لك يا ابن الخطاب! قد دخلت في كُلِّ
стр. 1258
شيءٍ حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه! قال: فأخذتني أخذاً كسرتني عن بعض ما كنت أجدُ. فخرجتُ من عندها وكان لي صاحب من الأنصار إذا غِبْتُ أتاني بالخبر وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر. ونحن حينئذ نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا. فقد امتلأت صدورنا منه. فأتى صاحبي الأنصاري يدق الباب. وقال: افتح. افتح. فقلت: جاء الغساني؟ فقال: أشد من ذلك. اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه. فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة. ثم آخذ ثوبي فأخرج حتى جئت. فإذا رسول الله ﷺ في مشربةٍ له يُرتقى إليها بعجلةٍ. وغلامٌ لرسول الله ﷺ أسود على رأس الدرجة. فقلت: هذا عمر. فأُذن لي. قال عمر: فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث. فلما بلغتُ حديث أم سلمة تبسم رسول الله ﷺ . وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء. وتحت رأسه وسادة من أُدمٍ حشوها ليفٌ، وإن عند رجليه قرظاً مضبوراً. وعند رأسه أهباً مُعلقةً. فرأيتُ أثر الحصير في جنب رسول الله ﷺ . فبكيت. فقال: "ما يُبكيك؟ " فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هُما فيه. وأنت رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولك الآخرة؟ ".
قال محقق الجامع: وفي الحديث من الفوائد: سؤال العالم عن بعض أمور أهله وإن كان عليه فيه غضاضة إذا كان في ذلك سنة تنقل ومسألة تحفظ. وفيه توقير العالم ومهابته عن
стр. 1259
استفسار ما يخشى من تغيره عند ذكره. وترقب خلوات العالم ليسأل عما لعله لو سئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل وفيه أن شدة الوطأة على النساء مذموم، لأن النبي ﷺ أخذ بسيرة الأنصار في نسائهم وترك سيرة قومه. وفيه تأديب الرجل ابنته وقرابته بالقول لأجل إصلاحها لزوجها. وفيه سياق القصة على وجهها وإن لم يسأل عن ذلك، إذا كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وبيان، لا سيما إذا كان العالم يعلم أن الطالب يؤثر ذلك، وفيها البحث في العلم في الطرق والخلوات وفي حال القعود والمشي، وفيه ذكر العالم ما يقع من نفسه وأهله بما يترتب عليه فائدة دينية وإن كان في ذلك حكاية ما يستهجن، وجواز ذكر العمل الصالح لسياق الحديث على وجهه، وبيان ذكر وقت التحمل وفيه الصبر على الزوجات والإغضاء عن خطابهن والصفح عما يقع منهن من ذلك في حق المرء دون ما يكون من حق الله تعالى. وفيه جواز اتخذا الحاكم عند الخلوة بواباً يمنع من يدخل إليه بغير إذنه. وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصة عند الأمر يطوقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه ويخرج إلى الناس وهو منبسط إليهم، فإن الكبير إذا احتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذن ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر، عظيم المنزلة عنده وفيه أن المرء إذا رأى صاحبه مهموماً استحب له أن يحدثه بما يزيل همه ويطيب نفسه، لقول عمر: لأقولن شيئاً يضحك النبي ﷺ ويستحب أن يكون ذلك بعد استئذان الكبير في ذلك. كما فعل عمر، وفيه التجمل بالثوب والعمامة عند لقاء الأكابر، وفيه التناوب في مجلس العالم إذا لم تتيسر المواظبة على حضوره لشاغل شرعي من أمر ديني أو دنيوي، وفيه أن الأخبار التي تشاع ولو كثر ناقلوها إن لم يكن مرجعها إلى أمر حسي من مشاهدة أو سماع لا تستلزم الصدق، فإن جزم الأنصاري في روايته بوقوع التطليق، وكذا جزم الناس الذين رآهم عند المنبر بذلك، محمول على أنهم شاع بينهم ذلك من شخص بناء على التوهم الذي توهمه من اعتزال النبي ﷺ فظن لكونه لم تجر عادته بذلك أنه طلقهن فأشاع أنه طلقهن، فشاع ذلك فتحدث الناس به، وفيه أن الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني المألوف منه، لقول عمر: ثم غلبني ما أجد ثلاث مرات، وفيه كراهة سخط النعمة واحتقار ما أنعم الله به ولو قليلاً، والاستغفار من وقوع ذلك، وطلب الاستغفار من أهل الفضل، وإيثار القناعة، وعدم الالتفات إلى ما خص به الغير من أمور الدنيا
стр. 1260
الفانية. أهـ.
١١٨١ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُحبُّ العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر مما كان يحتبسُ، فغِرْتُ فسألت عن ذلك؟ فقيل لي: أهدتْ لها امرأة من قومها عُكَّةً من عسل فسقت النبي ﷺ منه شربةً، فقلت: أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقول له: يا رسول الله أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجدُ؟ - زاد في رواية: وكان رسول الله ﷺ يشتدُّ عليه أن يُوجد منه الريحُ - فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرستْ نحلهُ العُرْفُط، وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية مثل ذلك، قالت: تقول سودة: فوالله الذي لا إله إلا هو، ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أبادئه بما أمرتني فرقاً منك، دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: "لا" قالت: فما هذه الريح التي أجدُ منك؟ قال: "سقتني حفصة شربة عسلٍ" فقالت: جرست نحلهُ العُرْفُطَ، فلما دار إليّ، قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية، قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة، قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه" قالت: تقول سودة: والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي.
وفي رواية (١) قالت: كان رسول الله ﷺ يمكثُ عند زينب بنت جحش، فيشربُ عندها عسلاً، قالت: فتواطأت أنا وحفصة، أنا أيتنا ما دخل عليها رسول الله ﷺ ،
стр. 1261
فلنقل له: إني أجدُ منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له فقال: بل شربتُ عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١) ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٣) لقوله: بل شربتُ عسلاً ولنْ أعود له، وقد حلفتُ، فلا تخبري بذلك أحداً.
قال محقق الجامع: وهذه الرواية من طريق عبيد بن عمير عن عائشة، في "الصحيحين" أيضاً من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وفيه أن شرب العسل كان عند حفصة بنت عمر، قال الحافظ: وأخرج ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن شرب العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا على وفق ما في رواية عبيد بن عمير، وإن اختلفا في صاحبة العسل وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدد، فلا يمنع تعدد السبب للأمر الواحد، فإن جنح إلى الترجيح، فرواية عبيد بن عمير أثبت لموافقة ابن عباس لها، على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدم في التفسير، وفي الطلاق من جزم عمر بذلك، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في التظاهر بعائشة، لكن يمكن تعدد القصة في شرب العسل وتحريمه، واختصاص النزول بالقصة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصة التي وقع فيها شرب العسل عند حفصة كانت سابقة، ويؤيد هذا الحمل أنه لم يقع في طريق هشام بن عروة التي فيها: أن شرب العسل كان عند حفصة تعرض للآية، ولا يذكر سبب النزول. والراجح أيضاً أن صاحبة العسل زينب لا سودة، لأن طريق عبيد بن عمير أثبت من طريق ابن أبي مليكة بكثير، ولا جائز أن تتحد بطريق هشام بن عروة، لأن فيها أن سودة كانت ممن وافق عائشة على قولها: أجد ريح مغافير، ويرجحه أيضاً ما ثبت عن عائشة أن نساء النبي كن حزبين، أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، فهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، ولهذا
стр. 1262
غارت منها لكونها من غير حزبها والله أعلم. أهـ.
قال صاحب عون المعبود: لِمَ تُحَرَمُ ما أحل الله لك: من شرب العسل أو مارية القبطية. قال ابن كثير والصحيح أنه كان في تحريم العسل. وقال الخطابي: الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية حين حرمها على نفسه، ورجحه في فتح الباري بأحاديث عند سعيد بن منصور والضياء في المختارة والطبراني في عشرة النساء وابن مردويه والنسائي ولفظه عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة ﵄ حتى حرمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال القسطلاني: ولكن قال الخطابي في معالم السنن: في الحديث دليل على أن يمين النبي ﷺ إنما وقعت في تحريم العسل لا في تحريم أم ولده مارية القبطية كما زعمه بعض الناس. قال الخازن: قال العلماء: إنها في قصة العسل لا في قصة مارية القبطية المروية في غير الصحيحين ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح أهـ عون المعبود.
أقول: يلاحظ أن الخطابي قد رجح أن التحريم كان بسبب حادثة العسل ولا مانع أن تكون الآيات قد نزلت مرتين بسبب هاتين الحادثتين والمرة الثانية كانت مذكرة بأن النص نفسه ينطبق على الحادثة الجديدة.
قال في الفتح:
قوله (وكان إذا انصرف من العصر) كذا للأكثر، خالفهم حماد بن سلمة عن هشام بن عروة فقال "الفجر" أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن أبي النعمان عن حماد، ويساعده رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس ففيها "وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس وله حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها" الحديث أخرجه ابن مردويه، ويمكن الجمع بأن الذي كان يقع في أول النهار سلاماً ودعاء محضاً، والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة، لكن المحفوظ في حديث عائشة ذكر العصر ورواية حماد بن سلمة شاذة. قوله (دخل على نسائه) في رواية أبي أسامة أجاز إلى نسائه أي مشى،
стр. 1263
ويجيء بمعنى قطع المسافة، ومنه فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، أي أول من يقطع مسافة الصراط. قوله (فيدنو منهن) أي فيقبل ويباشر من غير جماع كما في الرواية الأخرى. قوله (فاحتبس) أي أقام، زاد أبو أسامة "عندها". قوله (فسألت عن ذلك) ووقع في حديث ابن عباس بيان ذلك ولفظه "فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة فقالت: لجويرية حبشية عندها يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ما يصنع". قوله (فلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك) في رواية أبي أسامة "فذكرت ذلك لسودة وقلت لها: إنه إذا دخل عليك سيدنو منك" وفي رواية حماد بن سلمة "إذا دخل على إحداكن فلتأخذ بأنفها، فإذا قال: ما شأنك؟ فقولي: ريح المغافير" قوله (والله لقد حرمناه) بتخفيف الراء أي منعناه. قوله (قلت لها اسكتي) كأنها خشيت أن يفشو ذلك فيظهر من كيدها لحفصة. وفي الحديث من الفوائد ما جبل النساء عليه من الغيرة. وأن الغيراء تعذر فيما يقع منها من الاحتيال فيما يدفع عنها ترفع ضرتها عليها بأي وجه كان، وترجم عليه المصنف في كتاب ترك الحيل "ما يكره من احتيال المرأة من الزوج والضرائر" وفيه الأخذ بالحزم من الأمور وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح خشية من الوقوع في المحذور. وفيه ما يشهد بعلو مرتبة عائشة عند النبي ﷺ حتى كانت ضرتها تهابها وتطيعها في كل شيء تأمرها به حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدراً. وفيه إشارة إلى ورع سودة لما ظهر منها من التندم على ما فعلت لأنها وافقت أولا على دفع ترفع حفصة عليهن بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصل إلى بلوغ المراد من ذلك لحسم مادة شرب العسل الذي هو سبب الإقامة. لكن أنكرت بعد ذلك أنه يترتب عليه منع النبي ﷺ من أمر كان يشتهيه وهو شرب العسل مع ما تقدم من اعتراف عائشة الآمرة بذلك في صدر الحديث، فأخذت سودة تتعجب مما وقع منهن في ذلك. ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها "اسكتي" بل أطاعتها وسكتت لما تقدم من اعتذارها في أنها كانت تهابها وإنما كانت تهابها لما تعلم من مزيد حب النبي ﷺ لها أكثر منهن، فخشيت إذا خالفتها أن تغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبي ﷺ ولا تحتمل ذلك، فهذا معنى خوفها منها. وفيه أن عماد القسم الليل، وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع لكن بشرط أن لا تقع
стр. 1264
المجامعة إلا مع التي هو في نوبتها كما تقدم تقريره. وفيه استعمال الكنايات فيما يستحيا من ذكره لقوله في الحديث "فيدنو منهن" والمراد فيقبل ونحو ذلك، ويحقق ذلك قول عائشة لسودة" إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له إني أجد كذا" وهذا إنما يتحقق بقرب الفم من الأنف، ولا سيما إذا لم تكن الرائحة طافحة، بل المقام يقتضي أن الرائحة لم تكن طافحة لأنها لو كانت بحيث يدركها النبي ﷺ ولأنكر عليها عدم وجودها منه، فلما أقر على ذلك دل على ما قررناه أنها لو قدر وجودها لكانت خفية وإذا كانت خفية لم تدرك بمجرد المجالسة والمحادثة من غير قرب الفم من الأنف، والله أعلم، أهـ ابن حجر.
١١٨٢ - * روى ابن ماجه عن عائشة قالت: أقسم رسول الله ﷺ أن لا يدخُلَ على نسائه شهراً فمكث تسعة وعشرين يوماً، حتى إذا كان مساء ثلاثين دخل عليَّ، فقلت: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً فقال: "الشهر كذا"، يُرسل أصابعه فيه ثلاث مراتٍ والشهر كذا، وأرسل أصابعه كلها وأمسك أُصبعاً واحداً في الثالثة.
١١٨٣ - * روى النسائي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة، حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١).
قال محقق الجامع: ذكر ابن كثير في تفسيره عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحداً، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام" فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: فوالله لا أقربها" قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه "المستخرج". أهـ.
стр. 1265
١١٨٤ - * روى أبو يعلي عن أم سلمة قالت: إن النبي ﷺ كان يدخل على أزواجه كل غداةٍ فيسلم عليهن، فكانت منهن امرأة عندها عسلٌ، فكان إذا دخل عنها أحضرت له منه شيئاً فيمكث عندها، وإن عائشة وحفصة وجدتا من ذلك. فلما دخل عليهما قالتا: يا رسول الله إنا نجد منك ريح مغافير. فترك ذلك العسل.
١١٨٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه فلم يعددها علينا شيئاً.
أقول: إن حادثة التخيير من أعلام نبوته ﷺ بل هي أعظم رد على أعدائه، فالرسول ﵊ مهمته الارتقاء بالنفس البشرية ابتداء من أهل بيته إلى أن يعم الخير كل الناس. ومن أعظم أنواع الارتقاء أن يتمحض الإنسان للآخرة فتكون تطلعاته وأعماله أخروية فلما أراد أزواجه أن ينزلن عن هذا الأفق الرفيع كان الهجران ثم التخيير بين البقاء والطلاق، وأن تخير الجميع بمن في ذلك عائشة وحفصة فذلك يدل على أن الأمر رباني أولاً وأخيراً. وإلا فمن يقف هذا الموقف لولا الثقة المطلقة بالله ولولا أنه منفذ لأمر الله.
قد يقال إن التوسع في المباح جائز، وإنما طلبن أمراً جائزاً، فنجيب أن من الكمال لمن يلي أمور الناس أن يعيش كأدناهم في الرزق حتى لا ينساهم في صولة السلطان، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون لما ولوا الخلافة، وكذلك فعل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، ولكن ليس ذلك من الواجبات، وكثيراً ما يفسد أمور الناس أنهم يطالبون أمراءهم بالاخشيشان متناسين الزمان والمكان والاستعداد، في كثير من الأحيان يكون توسع الأمراء جائزاً فهذا الذي لا نرى فيه حرجاً ولكن الكمال هو الأول (١).