فلنقل له: إني أجدُ منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له فقال: بل شربتُ عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١) ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٣) لقوله: بل شربتُ عسلاً ولنْ أعود له، وقد حلفتُ، فلا تخبري بذلك أحداً.
قال محقق الجامع: وهذه الرواية من طريق عبيد بن عمير عن عائشة، في "الصحيحين" أيضاً من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وفيه أن شرب العسل كان عند حفصة بنت عمر، قال الحافظ: وأخرج ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن شرب العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا على وفق ما في رواية عبيد بن عمير، وإن اختلفا في صاحبة العسل وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدد، فلا يمنع تعدد السبب للأمر الواحد، فإن جنح إلى الترجيح، فرواية عبيد بن عمير أثبت لموافقة ابن عباس لها، على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدم في التفسير، وفي الطلاق من جزم عمر بذلك، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في التظاهر بعائشة، لكن يمكن تعدد القصة في شرب العسل وتحريمه، واختصاص النزول بالقصة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصة التي وقع فيها شرب العسل عند حفصة كانت سابقة، ويؤيد هذا الحمل أنه لم يقع في طريق هشام بن عروة التي فيها: أن شرب العسل كان عند حفصة تعرض للآية، ولا يذكر سبب النزول. والراجح أيضاً أن صاحبة العسل زينب لا سودة، لأن طريق عبيد بن عمير أثبت من طريق ابن أبي مليكة بكثير، ولا جائز أن تتحد بطريق هشام بن عروة، لأن فيها أن سودة كانت ممن وافق عائشة على قولها: أجد ريح مغافير، ويرجحه أيضاً ما ثبت عن عائشة أن نساء النبي كن حزبين، أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، فهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، ولهذا
стр. 1262
غارت منها لكونها من غير حزبها والله أعلم. أهـ.
قال صاحب عون المعبود: لِمَ تُحَرَمُ ما أحل الله لك: من شرب العسل أو مارية القبطية. قال ابن كثير والصحيح أنه كان في تحريم العسل. وقال الخطابي: الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية حين حرمها على نفسه، ورجحه في فتح الباري بأحاديث عند سعيد بن منصور والضياء في المختارة والطبراني في عشرة النساء وابن مردويه والنسائي ولفظه عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة ﵄ حتى حرمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال القسطلاني: ولكن قال الخطابي في معالم السنن: في الحديث دليل على أن يمين النبي ﷺ إنما وقعت في تحريم العسل لا في تحريم أم ولده مارية القبطية كما زعمه بعض الناس. قال الخازن: قال العلماء: إنها في قصة العسل لا في قصة مارية القبطية المروية في غير الصحيحين ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح أهـ عون المعبود.
أقول: يلاحظ أن الخطابي قد رجح أن التحريم كان بسبب حادثة العسل ولا مانع أن تكون الآيات قد نزلت مرتين بسبب هاتين الحادثتين والمرة الثانية كانت مذكرة بأن النص نفسه ينطبق على الحادثة الجديدة.
قال في الفتح:
قوله (وكان إذا انصرف من العصر) كذا للأكثر، خالفهم حماد بن سلمة عن هشام بن عروة فقال "الفجر" أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن أبي النعمان عن حماد، ويساعده رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس ففيها "وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس وله حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها" الحديث أخرجه ابن مردويه، ويمكن الجمع بأن الذي كان يقع في أول النهار سلاماً ودعاء محضاً، والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة، لكن المحفوظ في حديث عائشة ذكر العصر ورواية حماد بن سلمة شاذة. قوله (دخل على نسائه) في رواية أبي أسامة أجاز إلى نسائه أي مشى،
стр. 1263
ويجيء بمعنى قطع المسافة، ومنه فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، أي أول من يقطع مسافة الصراط. قوله (فيدنو منهن) أي فيقبل ويباشر من غير جماع كما في الرواية الأخرى. قوله (فاحتبس) أي أقام، زاد أبو أسامة "عندها". قوله (فسألت عن ذلك) ووقع في حديث ابن عباس بيان ذلك ولفظه "فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة فقالت: لجويرية حبشية عندها يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ما يصنع". قوله (فلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك) في رواية أبي أسامة "فذكرت ذلك لسودة وقلت لها: إنه إذا دخل عليك سيدنو منك" وفي رواية حماد بن سلمة "إذا دخل على إحداكن فلتأخذ بأنفها، فإذا قال: ما شأنك؟ فقولي: ريح المغافير" قوله (والله لقد حرمناه) بتخفيف الراء أي منعناه. قوله (قلت لها اسكتي) كأنها خشيت أن يفشو ذلك فيظهر من كيدها لحفصة. وفي الحديث من الفوائد ما جبل النساء عليه من الغيرة. وأن الغيراء تعذر فيما يقع منها من الاحتيال فيما يدفع عنها ترفع ضرتها عليها بأي وجه كان، وترجم عليه المصنف في كتاب ترك الحيل "ما يكره من احتيال المرأة من الزوج والضرائر" وفيه الأخذ بالحزم من الأمور وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح خشية من الوقوع في المحذور. وفيه ما يشهد بعلو مرتبة عائشة عند النبي ﷺ حتى كانت ضرتها تهابها وتطيعها في كل شيء تأمرها به حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدراً. وفيه إشارة إلى ورع سودة لما ظهر منها من التندم على ما فعلت لأنها وافقت أولا على دفع ترفع حفصة عليهن بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصل إلى بلوغ المراد من ذلك لحسم مادة شرب العسل الذي هو سبب الإقامة. لكن أنكرت بعد ذلك أنه يترتب عليه منع النبي ﷺ من أمر كان يشتهيه وهو شرب العسل مع ما تقدم من اعتراف عائشة الآمرة بذلك في صدر الحديث، فأخذت سودة تتعجب مما وقع منهن في ذلك. ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها "اسكتي" بل أطاعتها وسكتت لما تقدم من اعتذارها في أنها كانت تهابها وإنما كانت تهابها لما تعلم من مزيد حب النبي ﷺ لها أكثر منهن، فخشيت إذا خالفتها أن تغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبي ﷺ ولا تحتمل ذلك، فهذا معنى خوفها منها. وفيه أن عماد القسم الليل، وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع لكن بشرط أن لا تقع
стр. 1264
المجامعة إلا مع التي هو في نوبتها كما تقدم تقريره. وفيه استعمال الكنايات فيما يستحيا من ذكره لقوله في الحديث "فيدنو منهن" والمراد فيقبل ونحو ذلك، ويحقق ذلك قول عائشة لسودة" إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له إني أجد كذا" وهذا إنما يتحقق بقرب الفم من الأنف، ولا سيما إذا لم تكن الرائحة طافحة، بل المقام يقتضي أن الرائحة لم تكن طافحة لأنها لو كانت بحيث يدركها النبي ﷺ ولأنكر عليها عدم وجودها منه، فلما أقر على ذلك دل على ما قررناه أنها لو قدر وجودها لكانت خفية وإذا كانت خفية لم تدرك بمجرد المجالسة والمحادثة من غير قرب الفم من الأنف، والله أعلم، أهـ ابن حجر.
١١٨٢ - * روى ابن ماجه عن عائشة قالت: أقسم رسول الله ﷺ أن لا يدخُلَ على نسائه شهراً فمكث تسعة وعشرين يوماً، حتى إذا كان مساء ثلاثين دخل عليَّ، فقلت: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً فقال: "الشهر كذا"، يُرسل أصابعه فيه ثلاث مراتٍ والشهر كذا، وأرسل أصابعه كلها وأمسك أُصبعاً واحداً في الثالثة.
١١٨٣ - * روى النسائي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة، حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١).
قال محقق الجامع: ذكر ابن كثير في تفسيره عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحداً، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام" فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: فوالله لا أقربها" قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه "المستخرج". أهـ.
стр. 1265
١١٨٤ - * روى أبو يعلي عن أم سلمة قالت: إن النبي ﷺ كان يدخل على أزواجه كل غداةٍ فيسلم عليهن، فكانت منهن امرأة عندها عسلٌ، فكان إذا دخل عنها أحضرت له منه شيئاً فيمكث عندها، وإن عائشة وحفصة وجدتا من ذلك. فلما دخل عليهما قالتا: يا رسول الله إنا نجد منك ريح مغافير. فترك ذلك العسل.
١١٨٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه فلم يعددها علينا شيئاً.
أقول: إن حادثة التخيير من أعلام نبوته ﷺ بل هي أعظم رد على أعدائه، فالرسول ﵊ مهمته الارتقاء بالنفس البشرية ابتداء من أهل بيته إلى أن يعم الخير كل الناس. ومن أعظم أنواع الارتقاء أن يتمحض الإنسان للآخرة فتكون تطلعاته وأعماله أخروية فلما أراد أزواجه أن ينزلن عن هذا الأفق الرفيع كان الهجران ثم التخيير بين البقاء والطلاق، وأن تخير الجميع بمن في ذلك عائشة وحفصة فذلك يدل على أن الأمر رباني أولاً وأخيراً. وإلا فمن يقف هذا الموقف لولا الثقة المطلقة بالله ولولا أنه منفذ لأمر الله.
قد يقال إن التوسع في المباح جائز، وإنما طلبن أمراً جائزاً، فنجيب أن من الكمال لمن يلي أمور الناس أن يعيش كأدناهم في الرزق حتى لا ينساهم في صولة السلطان، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون لما ولوا الخلافة، وكذلك فعل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، ولكن ليس ذلك من الواجبات، وكثيراً ما يفسد أمور الناس أنهم يطالبون أمراءهم بالاخشيشان متناسين الزمان والمكان والاستعداد، في كثير من الأحيان يكون توسع الأمراء جائزاً فهذا الذي لا نرى فيه حرجاً ولكن الكمال هو الأول (١).
стр. 1266
وأما حادثة الجمل فسنتعرض لها أثناء الكلام عن الإمام علي ﵁ وهذه بعض روايات في شأنها مما له صلة بعائشة ﵂:
١١٨٦ - * روى أحمد والبزار عن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما نزلت على الحوأبِ سمعت نُباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لنا: "أيتكُنَّ ينبحُ عليها كلاب الحوأب" فقال لها الزبير: ترجعين عسى الله أن يُصلح بك بين الناس.
وفي رواية لأحمد (١) قال: لما أقبلت عائشة، فلما بلغت مياه بني عامر ليلا، نبحت الكلاب فقالت: أي ماءٍ هذا؟ قالوا: ماءُ الحوأبِ. قالت: ما أظنني إلا راجعةً. قال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون، فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إن رسول الله ﷺ قال ذات يوم: "كيف بإحداكن تنبحُ عليها كلابُ الحوأب".
١١٨٧ - * روى البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : لنسائه: "ليتَ شعري أيتكن صاحبةَ الجمل الأدَّبَبِ، تخرج فينبحُها كلاب حوأب يُقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير ثم تنجو بعد ما كادت".
стр. 1267
١١٨٨ - * روى البخاري أن عمار بن ياسر قال على المنبر: (إني أعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة) يعني عائشة ﵂. قال ذلك قُبيل موقعة الجمل بعد خروج عائشة على عليٍّ ﵁.
أقول: إن هذه النصوص التي ذكرناها التي تذكر أن عماراً تقتله الفئة الباغية والنصوص الواردة في ذم الخوارج كل ذلك يدل على أن الحق والصواب كان بجانب علي ﵁ وإنما يشفع للمواقف الأخرى النيات والاجتهاد، وذلك ينفع من صحت نيته وتحقق إخلاصه وعائشة ﵂ كانت من هؤلاء يقيناً، ولعل كلام عمار في ذلك وهو من أشد الناس على الخارجين على علي ﵁ يدل على أن هناك إجماعاً على ذلك (١).
* * *
стр. 1268
٤ - حفصة أم المؤمنين ﵂
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
السِّترُ الرفيعُ، بنت أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب. تزوجها النبي ﷺ بعد انقضاء عدتها من خُنَيس بن حُذافة السهمي، أحد المهاجرين، في سنة ثلاث من الهجرة.
قالت عائشة: هي التي كانت تُساميني من أزواج النبي ﷺ .
وروى أن مولدها كان قبل المبعث بخمس سنين. فعلى هذا يكون دخول النبي ﷺ بها ولها نحو من عشرين سنة.
روَتْ عنه عدة أحاديث. روى عنها: أخوها ابنُ عمر، وهي أسنُّ منه بست سنين؛ وحارثة بن وهب، وشُتيرُ بن شكل، والمطالب بن أبي وداعة، وعبد الله بن صفوان الجمحي، وطائفة. تُوفيت حفصة سنة إحدى وأربعين عام الجماعة.
ومسندها في كتاب بقي بن مخلد ستون حديثاً. اتفق لها الشيخان على أربعة أحاديث. وانفرد مسلم بستة أحاديث.
ويُروى عن عمر: أن حفصة وُلدت إذ قريش تبني البيت وقيل: بنى بها رسول الله ﷺ في شعبان سنة ثلاث. أهـ.
١١٨٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن عمر حين تأيمت حفصة من خُنيس بن حّذافة السهمي - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قد شهد بدراً، تُوفي بالمدينة - قال عمر: فلقيتُ عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليَّ شيئاً (١)، فكنتُ أوجد
стр. 1269
عليه مني على عثمان، فلبثتُ ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ ، فأنكحتها إياهُ، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أنن كنتُ علمتُ أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم لأكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها رسول الله ﷺ لقبلْتُها.
قال في الفتح: قله (باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير) أورد عرض البنت في الحديث الأول، وعرض الأخت في الحديث الثاني. قوله (حين تأيمت) بهمزة مفتوحة وتحتانية ثقيلة أي صارت أيما، وهي التي يموت عنها زوجها أو تبين منه وتنقضي عدتها، وأكثر ما تطلق على من مات زوجها. وقال ابن بطال: العرب تطلق على كل امرأة لا زوج لها وكل رجل لا امرأة له أيما" زاد في "المشارق" وإن كان بكراً. قوله (من خنيس) بخاء معجمة ونون وسين مهملة مصغر. قوله (ابن حذافة) وهو أخوعبد الله بن حذافة الذي تقدم ذكره في المغازي. ومن الرواة من فتح أول خنيس وكسر ثانيه، والأول هو المشهور بالتصغير، وعند معمر كالأول ولكن بحاء مهملة وموحدة وشين معجمة. وقوله (وكان من أصحاب النبي ﷺ زاد في رواية معمر كما سيأتي بعد أبواب "من أهل بدر". قوله (فتوفي بالمدينة) قالوا مات بعد غزوة أحد من جراحة أصابته بها، وقيل بل بعد بدر ولعله أولى، فإنهم قالوا إن النبي ﷺ تزوجها بعد خمسة وعشرين شهراً من الهجرة، وفي رواية بعد ثلاثين شهراً، وفي رواية بعد عشرين شهراً، وكانت أحد بعد الهجرة بأكثر من ثلاثين شهراً، وفي رواية بعد عشرين شهراً، وكانت أحد بعد الهجرة بأكثر من ثلاثين شهراً، ولكنه يصح على قول من قال بعد ثلاثين على إلغاء الكسر، وجزم ابن سعد بأنه مات عقب قدوم النبي ﷺ من بدر الأخرى وبه جزم ابن سيد الناس، وهو قول ابن عبد البر أنه شهد أحداً ومات من جراحة بها، وكانت حفصة أسن من أخيها عبد الله فإنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين وعبد الله ولد بعد البعثة بثلاث أو أربع. قوله (أتيت عثمان فعرضت عليه حفصة؟ فقال: سأنظر في أمري، إلى أن قال قد بدا لي أن لا أتزوج) هذا هو الصحيح، ووقع في رواية ربعي بن حراش عن عثمان عند الطبري وصححه هو والحاكم "أن عثمان خطب إلى عمر بنته فرده، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فلما راح إليه عمر قال: يا عمر ألا أدلك على ختن خير من عثمان، وأدل عثمان
стр. 1270
على ختن خير منك؟ قال: نعم يا نبي الله قال: تُزوجني بنك وأزوج عثمان بنتي" قال الحافظ الضياء: إسناده لا بأس به، لكن في الصحيح أن عمر عرض على عثمان حفصة فرد عليه "قد بدا لي أن لا أتزوج". قلت: أخرج ابن سعد من مرسل الحسن نحو حديث ربعي، ومن مرسل سعيد بن المسيب أتم منه، وزاد في آخره "فخار الله لهما جميعاً". ويحتمل في الجمع بينهما أن يكون عثمان خطب أولاً إلى عمر فرده كما في رواية ربعي، وسبب رده يحتمل أن يكون من جهتها وهي أنها لم ترغب في التزوج عن قرب من وفاة زوجها، ويحتمل غير ذلك من الأسباب التي لا غضاضة فيها على عثمان في رد عمر له، ثم لما ارتفع السبب بادر عمر فعرضها على عثمان رعاية لخاطره كما في حديث الباب، ولعل عثمان بلغه ما بلغ أبا بكر من ذكر النبي ﷺ لها فصنع كما صنع من ترك إفشاء ذلك، ورد على عمر بجميل. ووقع في رواية ابن سعد "فقال عثمان: مالي في النساء من حاجة" وذكر ابن سعد عن الواقدي بسند له "أن عمر عرض حفصة على عثمان حين توفيت رقية بنت رسول الله ﷺ وعثمان يومئذ يريد أم كلثوم بنت النبي ﷺ . قلت: وهذا مما يؤيد أن موت خنيس كان بعد بدر فإن رقية ماتت ليالي بدر وتخلف عثمان عن بدر لتمريضها. وقد أخرج إسحاق في مسنده وابن سعد من مرسل سعيد بن المسيب قال "تأيمت حفصة من زوجها وتأيم عثمان من رقية، فمر عمر بعثمان وهو حزين فقال: هل لك في حفصة؟ فق انقضت عدتها من فلان" واستشكل أيضاً بأنه لو كان مات بعد أحد للزم أن لا تنقضي عدتها إلا في سنة أربع، وأجيب باحتمال أن تكون وضعت عقب وفاته ولو سقطاً فحلت. قوله (وكنت أوجد عليه) أي أشد موجدة أي غضاً على أبي بكر من غضبي على عثمان، وذلك لأمرين: أحدهما ما كان بينهما من أكيد المودة، ولأن النبي ﷺ كان آخى بينهما، وأما عثمان فلعله كان تقدم من عمر رده فلم يعتب عليه حيث لم يجبه لما سبق منه في حقه، والثاني لكون عثمان أجابه أولا ثم اعتذر له ثانياً، ولكون أبي بكر لم يعد عليه جواباً. ووقع في رواية ابن سعد "فغضب على أبي بكر وقال فيها: كنت أشد غضباً حين سكت مني على عثمان". وقوله (ولو تكره رسول الله ﷺ قبلتاه) وفيه فضل كتمان السر فإذا أظهره صاحبه ارتفع الحرج عمن سمعه. وفيه عتاب الرجل لأخيه وعتبه عليه واعتذاره إليه وقد جبلت الطباع البشرية على ذلك، ويحتمل أن يكون سبب كتمان أبي بكر ذلك أنه
стр. 1271
خشي أن يبدو لرسول الله ﷺ أن لا يتزوجها فيقع في قلب عمر انكسار، ولعل اطلاع أبي بكر على أن النبي قصد خطبة حفصة كان بإخباره له ﷺ إما على سبيل الاستشارة وإما لأنه كان لا يكتم عنه شيئاً مما يريده حتى ولا ما في العادة عليه غضاضة وهو كون ابنته عائشة عنده، ولم يمنعه ذلك من اطلاعه على ما يريد لوثوقه بإيثاره إياه على نفسه، ولهذا اطلع أبو بكر على ذلك قبل اطلاع عمر الذي يقع الكلام معه في الخطبة. ويؤخذ منه أن الصغير لا ينبغي له أن يخطب امرأة أراد الكبير أن يتزوجها ولو لم تقع الخطبة فضلاً عن الركون. وفيه الرخصة في تزويج من عرض النبي ﷺ بخطبتها أو أراد أن يتزوجها لقول الصديق: لو تركها لقبلتها. وفيه عرض الإنسان بنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه، وأنه لا استحياء في ذلك. وفيه أنه لا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوجاً لأن أبا بكر كان حينئذ متزوجاً. وفيه أن من حلف لا يفشي سر فلان فأفشى فلان سر نفسه ثم تحدث به الحالف لا يحنث لأن صاحب السر هو الذي أفشاه فلم يكن الإفشاء من قبل الحالف، وهذا بخلاف ما لو حدث واحد آخر بشيء واستحلفه ليكتمه فلقيه رجل فذكر له أن صاحب الحديث حدثه بمثل ما حدثه به فأظهر التعجب وقال ما ظننت أنه حدث بذلك غيري فإن هذا يحنث، لأن تحليفه وقع على أن يكتم أنه حدثه وقد أفشاه. وفيه أن الأب يخطب إليه بنته الثيب كما يخطب إليه البكر ولا تخطب إلى نفسها كذا قال ابن بطال، وقوله لا تخطب إلى نفسها ليس في الخبر ما يدل عليه. قال وفيه أنه يزوج بنته الثيب من غير أن يستأمرها إذا علم أنها لا تكره ذلك وكان الخاطب كفؤاً لها، وليس في الحديث تصريح بالنفي المذكور إلا أنه يؤخذ من غيره، وقد ترجم له النسائي "إنكاح الرجل بنته الكبيرة" فإن أراد بالرضا لم يخالف القواعد، وإن أراد بالإجبار فقد يمنع، والله أعلم، أهـ.
١١٩٠ - * روى أبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ طلق حفصة، ثم أرجعها (١).
стр. 1272
قال صاحب عون المعبود: قال الشيخ الدهلوي في المدارج: أن النبي ﷺ طلق حفصة طلقة واحدة فلما بلغ هذا الخبر عمر ﵁ فاهتم له فأوحى إلى النبي ﷺ : راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة. كذا في إنجاح الحاجة. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
١١٩١ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة، وهي تبكي، فقال: ما يبكيك لعل رسول الله ﷺ طلقك، إن النبي ﷺ طلقكِ وراجعكِ من أجلي، والله لئن كان طلقك لا كلمتُكِ كلمةً أبداً.
١١٩٢ - * روى الطبراني والحاكم عن قيس بن يزيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة تطليقة، فأتاها خالاها عثمان وقُدامة ابنا مظعون فقالت: والله ما طلقني عن شبع، فجاء النبي ﷺ فدخل فتجلببت فقال النبي ﷺ : "أتاني جبريل ﵇ فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة".
١١٩٣ - * روى الطبراني عن مالك بن أنس قال: تُوفيت حفصة عام فُتحت إفريقية، وماتت ومروان على المدينة (١).
стр. 1273
٥ - زينب بنت خُزيمة أم المؤمنين ﵂
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
بنت خُزيمة بن الحارث بن عبد الله الهلالية، وتُدعى أيضاً: أم المساكين، لكثرة معروفها أيضاً.
قُتِلَ زوجها عبد الله بن جحش يوم أُحد، فتزوجها رسول الله ﷺ ؛ ولكن لم تكث عنده إلا شهرين، أو أكثر، وتوفيت ﵂.
وهي أخت أم الممنين ميمونة لأمها. أهـ.
أقول: ليس في أصول هذا الكتاب كلام عنها سوى بعض روايات عند الحاكم لا تخرج عما ذكره الذهبي.
* * *
стр. 1274
٦ - أم سلمة أم المؤمنين ﵂
يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء:
السيدة المتحجبة الطاهرة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ابن يقظة بن مُرة، المخزومية، بنت عم خالد بن الوليد، سيف الله، وبنت عم أبي جهل ابن هشام.
من المهاجرات الأول. كانت قبل النبي ﷺ عند أخيه من الرضاعة: أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، الرجل الصالح.
دخل بها النبي ﷺ في سنة أربع من الهجرة. وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسباً.
وكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين. عُمرت حتى بلغها مقتلُ الحسين، الشهيد، فوجمَتْ لذلك، وغُشي عليها، وحزنت عليه كثيراً. لم تلبث بعده إلا يسيراً، وانتقلت إلى الله.
ولها أولاد صحابيون: عمر، وسلمة، وزينب، ولها جملة أحاديث.
روى عنها: سعيد بن المسيب، وشقيق بن سلمة، والأسود بن يزيد، والشعبي، وأبو صالح السمان، ومجاهد، ونافع بن جبير بن مطعم، ونافع مولاها، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وشهرُ بن حوشب، وابن أبي مليكة، وخلق كثير.
عاشت نحواً من تسعين سنة. وأبوها: هو زادُ الراكب، أحد الأجواد - قيل: اسمه - حُذيفة وقد وهم من سماها رملة؛ تلك أم مبيبة. وكانت تعد من فقهاء الصحابيات.
قال مصعب الزبيري: هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة فشهد أبو سلمة بدراً، وولدت له عمر، وسلمة، وزينب، ودرة، وبعض أرخ موتها في سنة تسع وخمسين، فوهم أيضاً والظاهر أيضاً وفاتها سنة إحدى وستين ﵂، وقد تزوجها النبي ﷺ حين حلت في شوال سنة أربع ويبلغ مسندها ثلاث مائة وثمانية وسبعين حديثاً.
стр. 1275
واتفق البخاري ومسلم لها على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر. أهـ. من السير.
وقال الذهبي في التلخيص:
قال الزهري: وممن قدم على رسول الله ﷺ بمكة من هجرة الحبشة الأولى ثم هاجر إلى المدينة أبو سلمة وزوجته أم سلمة.
١١٩٤ - * روى الترمذي عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله ﷺ ، يغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث؟! فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١).
قال مجاهد، فأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (٢).
وكانت أم سلمة أول ظعينةٍ قدمت المدينة مهاجرة.
١١٩٥ - * روى الطبراني عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه أتاها فَلَفَّ رداءه ووضعه على أسكفةِ الباب واتكأ عليه، وقال: "هل لك يا أم سلمة" قالت: إني امرأةٌ شديدة الغيرة وأخاف أن يبدو إلى رسول الله ﷺ مني ما يكره، فانصرف، ثم عاد فقال: "هل لك يا أم سلمة إن كان بك الزيادة في صداقك زدنا" فعادت لقولها فقالت أم عبد: يا أم سلمة تدرين ما يتحدث به نساء قريشٍ؟ يقُلن إن أم سلمة إنما ردتْ محمداً لأنها شابة من قريش أحدث منه سناً وأكثر منه مالاً. قال: فأتت رسول الله ﷺ فتزوجها.
стр. 1276
١١٩٦ - * روى الحاكم عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: "إذا أصابت أحدكم مصيبة، فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مُصيبتي فأجرني فيها" وكنت إذا أردتُ أنْ أقول: وأبدلني بها خيراً منها قلت: ومن خيرً من أبي سلمة فلم أزل حتى قلتها. فلما انقضت عدتها خطبها أبو بكر فردتهُ، وخطبها عمر فردته، فبعث إليها النبي ﵌ ليخطبها فقالت: مرحباً برسول الله ﵌ وبرسوله أقر رسول الله ﵌ السلام وأخبره أني امرأة مُصيبة غيري، وإنه ليس أحد من أوليائي شاهدٌ، فبعث رسول الله ﵌: "أما قولك إني مُصيبةٌ فإن لله سيكفيك صبيانك وأما قولك إني غَيْرَى، فسأدعو الله أن يُذهب غيرتكِ. وأما الأولياء فليس أحدٌ منهم شاهد ولا غائب إلا سيرضاني" فقالت لابنها: قم يا عمر فزوج رسول الله ﵌ فزوجها إياه، وقال لها: "لا أنقصُك مما أعطيتُ أختك فلانة جرتينِ ورحاتين ووسادة من أدم حشوها ليف" فكان رسول الله ﵌ يأتيها وهي تُرضع زينب، فكانت إذا جاء النبي ﵌ أخذتها فوضعتها في حجرها تُرضعها، قالت: فكان رسول الله ﵌ حيياً كريماً فيرجعُ، ففطن لها عمار بن ياسر وكان أخاً لها من الرضاعة، فأراد رسول الهل ﵌ أن يأتيها ذات يوم فجاء عمار فدخل عليها فانتشط زينب من حجرها، وقال دعي هذه المقبوحة المشقُوحة التي قد آذيت بها رسول الله ﵌ فجاء رسول الله ﵌، فدخل يُقلبُ بصره في البيت ويقول: "أين زنَابُ؟ مالي لا أرى زناب؟ " فقالت: جاء عمار فذهب بها، فبني رسول الله ﵌ بأهله، وقال: "إن شئت أن أُسبعَ لك سبُعْتُ للنساء".
١١٩٧ - * روى ابن سعد عن أم سلمة أنها قالت لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموتُ زوجها، وهو من أهل الجنة، ثم لم تزوجْ، إلا جمع الله بينهما في الجنة (١)، فتعال أعاهدك ألا
стр. 1277
تزوج بعدي ولا أتزوج بعدك. قال: أتطيعيني؟ قالت: نعم، قال: إذا مُت تزوجي، اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني لا يحزنُها ولا يؤذيها، فلما مات، قلتُ: من خير من أبي سلمة؟ فما لبثت، وجاء رسول الله ﷺ ، فقام على الباب فذكر الخطبة إلأى ابن أخيها، أو ابنها، فقالت: أردُّ على رسول الله أو أتقدمُ عليه بعيالي، ثم جاء الغد فخطب، وفيه: ثم جاء الغد، فذكر الخطبة، فقلت مثل ذلك، ثم قالت لوليها: إن عاد رسول الله ﷺ فزوجْ، فعاد رسول الله ﷺ فتزوجها.
* * *
стр. 1278
٧ - زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
زينب بنت جحش بن رياب، وابنةُ عمة رسول الله ﷺ .
أمها: أميمةُ بنت عبد المطلب بن هشام. وهي أخت حَمْنَةَ، وأبي أحمد. من المهاجرات الأولى.
كانت عند زيد، مولى النبي ﷺ ، وهي التي يقول الله فيها: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١).
فزوجها الله تعالى نبيه بنص كتابه، بلا وليٍّ ولا شاهد. فكانت تفخرُ بذلك على أمهات المؤمنين، وتقول: زوجكُنَّ أهاليكن، وزوجني الله من فوق عرشه.
وكانت من سادة النساء، ديناً وورعاً وجوداً ومعروفاً، ﵂ وحديثها في الكتب الستة. روى عنها: ابنُ أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم المؤمنين أم حبيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وأرسل عنها القاسم بن محمد.
توفيت في سنة عشرين، وصلى عليها عمر.
عن ابن عمر قال: لما ماتت بنتُ جحش أمر عمر منادياً: ألا يخرج معها إلا ذو محرم. فقالت بنتُ عميس: يا أمير المؤمنين، ألا أريك شيئاً رأيت الحبشة تصنعه بنسائهم؟ فجعلت نعشاً وغشته ثوباً. فقال: ما أحسن هذا وأستره؛ فأمر منادياً، فنادى: أن اخرجوا على أُمِّكُم.
وروى عن عائشة قالت: كانت زينب بنتُ جحش تُساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ؛ ما رأيت امرأة خيراً في الدين من زينب، أتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله
стр. 1279
تعالى ما عدا سورة من حدة كانت فيها تُسرع منها الفيئة.
وعن الأعرج، قال: أطعم رسول الله زينب بنت جحش بخيبر مئة وسق.
ويُروى عن عمرة، عن عائشة، قالت: يرحم الله زينب، لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها، ونطق به القرآن. وإن رسول الله ﷺ قال لنا: "أسرعكن بي لحوقاً أطولكن باعاً" فبشرها بسرعة لحقوها به، وهي زوجته في الجنة.
وكانت صناع اليد، فكانت تدبُغُ، وتخرزُ، وتصدقُ.
وقيل: إن النبي ﷺ تزوج بزينب في ذي القعدة سنة خمس، وهي يومئذ بنت خمس وعشرين سنة. وكانت صالحة، صوامة، قوامة، بارة، ويقال لها: أم المساكين.
ولزينب أحد عشر حديثاً، اتفقا لها على حديثين. أهـ. من السير.
١١٩٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء زيدُ بن حارثة يشكو، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "اتق الله، وأمسِكْ عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت تفخرُ على أزواج رسول الله ﷺ ، تقول: زوجكن أهليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات.
وفي رواية (١) قال: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة.
وفي رواية (٢) قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ في شأن زينب بنت جحش، جاء زيد يشكو، فهم بطلاقها، فاستأمر النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أمسك عليك زوجك، واتق الله".
وفي أخرى له (٣) قال: لما نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ
стр. 1280
مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قال: فكانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكُن أهلوكُن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
وفي رواية النسائي (١) قال: كانت زينبُ بنت جحش تفخرُ على نساء النبي ﷺ ، تقول: إن الله أنكحني من السماء، وفيها نزلت آية الحجاب.
قال محقق الجامع: قال الحافظ في الفتح: وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقاً واضحاً حسناً، ولفظه، بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بم صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس. فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيداً، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء زيد بن حاثة فقال: يا رسول الله إن زينب اشتد عليَّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال: والنبي ﷺ يحب أن يطلقها ويخشى قالة الناس.
قال الحافظ: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته هو المعتمد.
والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعي ابناً ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم. أهـ.
стр. 1281
١١٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس؛ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد. وحبْلٌ ممدود بين ساريتين. فقال: "ما هذا؟ " قالوا: لزينب تُصلي. فإذا كسلت أو فترتْ أمسكت به. فقال "حُلُّوهُ. ليُصلِّ أحدكم نشاطه. فإذا كسل أو فتر قعد". وفي حديث زهير "فليقعدْ".
١٢٠٠ - * روى أبو يعلي عن أنس قال: بنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش فذكر حديث الوليمة إلى أن قال: وإن زينب لجالسة في جنب البيت، قال: وكانتْ المرأة قد أُعطيت جَمالاً وكان رسول الله ﷺ شديد الحياء ... فذكر الحديث.
١٢٠١ - * روى الطبراني عن الهيثم بن عدي قال: أول من هلك من أزواج النبي ﷺ زينبُ بنت جحش هلكتْ في خلافة عمر، وآخر من هلكت أمُّ سلمة زمن يزيد بن معاوية سنة ثنتين وستين.
١٢٠٢ - * روى الطبراني عن الزهري قال: تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحشٍ ابن رئاب بن خزيمة وأمها أميمةُ بنت عبد المطلب بن هاشم عمةُ رسول الله ﷺ قال: وهي أول نساء النبي ﷺ توفيتْ.
١٢٠٣ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌ لأزواجه: "أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً" قالت عائشة (١): فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﵌ نمد أيدينا في الجدار
стр. 1282
نتطاولُ فلم نزَلْ نفعل ذلك حتى توفيت زينبُ بنتُ جحشٍ زوجُ النبي ﵌ وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذٍ أن النبي ﵌ إنما أراد بطول اليد الصدقة قال: وكانت زينبُ امرأةً صناعة اليد فكانت تدبغُ وتخرزُ وتصدق في سبيل الله .
١٢٠٤ - * روى أبو يعلي عن أبي برزَة قال: كان للنبي ﷺ تسع نسوةٍ فقال يوماً: "خيركن أطولكن يداً" فقامت كل واحدة تضعُ يدها على الجدار فقال: "لستُ أعني هذا ولكن أصنعكن يدين".
١٢٠٥ - * روى البزار عن عبد الرحمن بن أبزى أنِّ عمر كَبَّرَ على زينب بنت جحشٍ أربعاً ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ من يدخل هذه قبرها؟ فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها، ثم قال عمر: كان رسول الله ﷺ يقول: "أسرعُكُن بي لحوقاً أطولكن يداً" فقامتْ فكن يتطاولن بأيديهن وإنما كان ذلك لأنها كانت صناعاً تعينُ بما تصنعُ في سبيل الله.
١٢٠٦ - * روى الطبراني عن ابن المنكدر قال: توفيتْ زينبُ بنتُ جحشٍ زوج النبي ﷺ سنة عشرين.
١٢٠٧ - * روى الطبراني عن الشعبي انه صلى مع معمر على زينب وكانت أول نساء النبي ﷺ موتاً، وكان يعجبه أن يُدْخِلها قبرها، فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ : منْ يدخلها قبرها؟ فقلن: من كان يراها في حياتها فليدخلها قبرها.
١٢٠٨ - * (١) روى البخاري عن عائشة ﵂ أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن للنبي
стр. 1283
صلى الله عليه وسلم: "أينا أسرعُ بك لحوقاً؟ قال: "أطولكن يداً" فأخذُوا قصبةً يذرَعُونها، فكانت سودة أطولهن يداً، فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقاً به، وكانت تحب الصدقة.
وفي رواية لمسلم (١) قالت: قال رسول الله ﷺ : "أسرعكن لحاقاً بي أطولكُنَّ يداً" قالت: فكن يتطالون، أيتهن أطول يداً، قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعملُ بيدها وتصدقُ.
قال النووي: (فكانت أطولنا يداً زينب) معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية، وهي الجارحة فكن يَذْرعن أيديهن بقصبة، فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يداً في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود.
قال في الفتح: وروى ابن سعد من طريق برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فتعجبت وسترته بثوب وأمرت بتفرقته، إلى أن كشف الثوب فوجدت تحته خمسة وثمانين درهماً ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت فكانت أول أزواج النبي ﷺ لحوقاً به. وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال: كانت زينب أول نساء النبي ﷺ لحوقاً به وفي الحديث علم من أعلام النبوة ظاهر، وفيه جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة وهو لفظ "أطولكن" إذا لم يكن محذور. قال الزين بن المنير: لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بالوحي أجابهن بلفظ غير صريح وأحالهن على ما لا يتبين إلا بآخر، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية. وفيه أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يُلم وإن كان مراد المتكلم مجازه، لأن نسوة النبي ﷺ حملن طول اليد على الحقيقة فلم ينكر عليهن. وأما ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن الأصم عن ميمونة أن النبي ﷺ قال لهن: ليس ذلك أعني إنما أعني أصنعكن يداً، فهو ضعيف جداً، ولو كان ثابتاً لم
стр. 1284
يحتجن بعد النبي ﷺ إلى ذرع أيديهن كما تقدم في رواية عمرة عن عائشة. وقال المهلب: في الحديث دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة. وما قاله لا يمكن اطراده في جميع الأحوال. والله أعلم أهـ.
* * *
стр. 1285
٨ - جويريةُ بنت الحارث أم المؤمنين ﵂
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
جويرية بنتُ الحارث بن أبي ضرار المُصطلقية.
سُبيتْ يوم غزوة المريْسيع في السنة الخامسة وكان اسمها: بَرَّة، فغير وكانت من أجل النساء. أتت النبي تطلب منه إعانة في فكاك نفسها، فقال: "أو خيرٌ من ذلك؟ أتزوجُك" فأسلمت، وتزوج بها؛ وأطلق لها الأسارى من قومها.
وكان أبوها سيداً مطاعاً.
حدث عنها: ابن عباس، وعبيد بن السباق، وكُريب، ومُجاهد، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي، وآخرون وقد قدم أبوها الحارث على النبي ﷺ ، فأسلم.
وعن جويرية، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ، وأنا بنت عشرين سنة.
تُوفيت أم المؤمنين جُويرية في سنة خمسين. وقيل تُوفيت سنة ست وخمسين، ﵂.
جاء لها سبعة أحاديث: منها عند البخاري حديث، وعند مسلم حديثان. أهـ.
١٢٠٩ - * روى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: كانت جويرية اسمها برَّة، فحوَّل رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة.
١٢١٠ - * روى الحاكم عن عمر ﵁ أن رسول الله ﵌ ضرب على جويرية الحجاب وكان يقسم لها كما يقسمُ لنسائه (١).
стр. 1286
١٢١١ - * روى أحمد وأبو داود عن عائشة ﵂ قالت: وقعتْ جويرية بنتُ الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس - أو ابن عم له - فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة مُلاحةً، تأخذها العينُ قالت عائشة ﵂: فجاءتْ تسألُ رسول الله ﷺ في كتابتها، فلما قامتْ على الباب فرأيتُها كرهتُ مكانها، وعرفْتُ أن رسول الله ﷺ سيرى منها مثل الذي رأيتُ، فقالتْ: يا رسول الله، أنا جُويرية بنُ الحارث، وإنه كان من أمري ما لا يخفى عليك، وإني وقعتُ في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وإني كاتبتُ على نفسي، فجئتُك أسألك في كتابتي، فقال لها رسول الله ﷺ : "فهل لك إلى ما هو خيرٌ منه؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: قد فعلتُ، فتسامع تعني الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية فأرسلوا ما في أيديهم من السبي فأعتقوهم وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ فما رأينا امرأةً كانت أعظم بركة على قومها منها، أُعتق في سبيها مائة أهل بيتٍ من بني المصطلق.
قال صاحب عون المعبود: قال الشامي: نظرها ﷺ حتى عرف حسنها لأنها كانت أمة ولو كانت حرة ما ملأ عينه منها لأنه لا يكره النظر إلى الإماء أو لأن مراده نكاحها (قالت) نعم يا رسول الله (قد فعلت) زاد الواقدي فأرسل إلى ثابت بن قيس فطلبها منه فقال ثابت: هي لك يا رسول الله بأبي وأمي فأدى ﷺ ما كان عليها من كنايتها وأعتقها وتزوجها. (مائة أهل بيت) بالإضافة أي مائة طائفة كل واحدة منهن أهل بيت، ولم تقل مائة هم أهل بيت لإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مراداً وقد روى أنهم كانوا أكثر من سبعمائة قاله الزرقاني وفي أسد الغابة ولما تزوجها رسول الله ﷺ حجبها وقسم لها وكان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ جويرية (١). رواه شُعبة ومِسْعَر وابن
стр. 1287
عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس انتهى قال المنذري وفيه محمد بن إسحاق بن يسار انتهى قلت وقد صرح بالتحديث في رواية يونس بن بكير عنه وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (قال أبو داود هذا) الحديث (حجة في أن الولي هو يزوج) ولو (نفسه) المرأة التي هو وليها لأن النبي ﷺ كان سلطاناً ولا ولي لها والسلطان ولي من لا ولي له أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأيضاً كان ﷺ مولى العتاقة لها ومولى العتاقة ولي المعتقة لكونه عصبة له فلما ثبت أنه ﷺ كان ولياً لها وقد زوجها نفسه الكريمة فقد ثبت أن الولي يزوج نفسه وموضع الاستدلال هو قوله ﷺ "وأتزوجك" فإن قلت قد روى ابن سعد في مرسل أبي قلابة قال سبي جويرية يعني وتزوجها فجاء أبوها فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فخلِّ سبيلها فقال "أرأيت إن خيرتُها أليس قد أحسنت" قال بلى فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا قالت: فإني أختار الله ورسوله، وسنده صحيح كذا في الإصابة وشرح المواهب ففيه أن أباها كان حاضراً وقت التزويج. قلت: أبوها وإن أسلم لكن لم يثبت إسلامه قبل هذا التزويج، فكانت كمن لا ولي لها بل يعلم مما ذكره الحافظ في الإصابة في ترجمة الحارث بن أبي ضرار أبي جويرية أن إسلامه بعد هذا التزويج والله أعلم وقال ابن هشام ويقال اشتراها رسول الله ﷺ من ثابت بن قيس واعتقها وأصدقها أربعمائة درهم. أهـ.
١٢١٢ - * روى الطبراني عن مُجاهد قال: قالت جويرية للنبي ﷺ : "إن أزواجك يفخرن عليَّ ويقلن: لم يتزوجك النبيُّ ﷺ قال: "أو لمْ أُعظِمْ صداقكِ، ألم أعتقْ أربعين من قومك".
١٢١٣ - * روى الطبراني عن الشعبي قال: كانت جويرية ملكَ رسول الله ﷺ فأعتقها وجعل عتقها صداقها، وأعتق كل أسير من بني المصطلق (١).
стр. 1288
١٢١٤ - * روى الطبراني عن الزهري قال: سبى رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار بن الحارث بن عابد بن مالك بن المصطلق من خزاعة، واسم المصطلق خزيمة يوم واقع بني المصطلق (١).
* * *
стр. 1289
٩ - أم حبيبة أم المؤمنين ﵂
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
السيدة المحجبة: رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي.
مسندها خمسة وستون حديثاً. واتفق لها البخاري ومسلم على حديثين، وتفرد مسلم بحديثين.
وهي من بنات عم الرسول ﷺ ، ليس في أزواجه من هي أقربُ نسباً إليه منها، ولا في نسائه من هي أكثر صداقاً منها، ولا من تزوج بها وهي نائيةُ الدار أبعدُ منها.
عُقد له ﷺ عليها بالحبشة، وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربع مئة دينار، وجهزها بأشياء.
حدث عنها، أخوها: الخليفةُ معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وأبو صالح السمان، وصفية بنت شيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وشتيْرُ بن شكل، وأبو المليح عامر الهذلي. وآخرون.
وقدمت دمشق زائرة أخاها. ويقال: قبرها بدمشق. وهذا لا شيء، بل قبرها بالمدينة. وإنما التي بمقبرة باب الصغير: أم سلمة أسماء بنت يزيد الأنصارية.
قال ابن سعد: ولد أبو سفيان: حنظلة، المقتول يوم بدر؛ وأم حبيبة، توفي عنها زوجُها الذي هاجر بها إلى الحبشة: عُبيد الله بن جش بن رباب الأسدي، معتداً متنصراً. عُقِدَ عليها للنبي بالحبشة سنة ست، وكان الولي عثمان بن عفان. كذا قال.
وعن عثمان الأخنسي: أن أم حبيبة ولدت حبيبة بمكة، قبل هجرة الحبشة.
وعن أبي جعفر الباقر: بعث رسول الله ﷺ عمر بن أمية إلى النجاشي يخطبُ عليه
стр. 1290
أمُ حبيبة، فأصدقها من عنده أربع مئة دينار وقد كان لأم حبيبة حُرمة وجلالة، ولا سيما في دولة أخيها؛ ولمكانه منها قيل له: خال المؤمنين. أهز
١٢١٥ - * روى أبو داود عن أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ من حديثها: أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي ﷺ ، وأمهرها عنه أربعة آلافٍ، وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شُرحبيل بن حسنة.
وفي رواية (١): أن النجاشي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله ﷺ على صداق أربعة آلاف درهم، وكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقَبِلَ.
وفي رواية النسائي (٢): أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي بأرض الحبشة، زوجها النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف، وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، ولم يبعث إليها رسول الله ﷺ بشيء، وكان مهر نسائه أربعمائة درهم.
قال في عون المعبود:
فزوجها النجاشي: النجاشي لقب ملك الحبشة، واسم الذي آمن أصحمة، وقد يعد في الصحابة، والأولى أن لا يعد لأنه لم يدرك الصحبة قال القاري: قال الخطابي معنى قوله: زوجها النجاشي رسول الله ﷺ ، أي ساعد إليها المهر، فأضيف عقد النكاح إليه لوجود سببه منه وهو المهر، وقد روى أصحاب السير أن الذي عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص وهو ابن عم أبي سفيان (وأمهرها عنه) أي أصدقها النجاشي عن النبي ﷺ . وفي المواهب: وأم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب وقيل اسمها هند. والأول أصح. وأمها صفية بنت أبي العاص فكانت تحت عبيد الله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ثم تنصر وارتد عن الإسلام ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الإسلام، واختلف في وقت نكاح رسول الله ﷺ إياها وفي موضع العقد، فقيل: إنه عقد
стр. 1291
عليها بأرض الحبشة سنة ست، فروي أنه ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها عليه فزوجها إياه وأصدقها عنه أربع مائة دينار وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة. وقيل: إن عقد النكاح كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة، والمشهور الأول. أهـ.
* * *
стр. 1292
١٠ - صفية أم المؤمنين ﵂
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
صفية بنت حُيي بن أخطب بن سعية، من سبط اللاوي بن نبي الله إسرائيل بن إسحاق ابن إبراهيم، ﵈. ثم من ذرية رسول الله هارون ﵇.
تزوجها قبل إسلامها: سلام بن أبي الحُقيق، ثم خلف عليها كنانةُ بن أبي الحقيق، وكانا من شعراء اليهود، فقُتل كنانةُ يوم خيبر عنها، وسُبيت، وصارت في سهم دحية الكلبي؛ فقيل للنبي ﷺ عنها؛ وأنها لا تنبغي أن تكون إلا لك. فأخذها من دحية، وعوضه عنها سبعة أرؤس ثم إن النبي ﷺ لما طهرت، تزوجها وجعل عتقها صداقها.
حدث عنها: عليُّ بن الحسين، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، وكنانة مولاها، وآخرون.
وكانت شريفة عاقلة، ذات حسب، وجمال، ودين. ﵂.
قال أبو عمر بن عبد البر: روينا أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود. فبعث عمر يسألها. فقالت: أما السبتُ، فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة؛ وأما اليهودُ، فإن لي فيهم رحماً، فأنا أصِلُها، ثم قالت للجارية؛ ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان. قالت: فاذهبي فأنت حرة.
قال الحسن بن موسى الأشيب: حدثنا زهير: حدثنا كنانة، قال: كنتُ أقودُ بصفية لترد عن عثمان، فلقيها الأشترُ، فضرب وجه بغلتها حتى مالت؛ فقالت: ذروني، لا يفضحني هذا! ثم وضعت خشباً من منزلها إلى منزل عثمان، تنقل عليه الماء والطعام (١).
وكانت صفية ذات حلم ووقار، وقبرها بالبقيع وقد أوصت بثلثها لأخٍ لها يهودي، وكان ثلاثين ألفاً.
ورد لها من الحديث عشرة أحاديث، منها واحد متفق عليه. أهـ.
стр. 1293
١٢١٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أنه أقبل هو وأبو طلحة مع النبي ﷺ ، ومع النبي ﷺ صفيةُ يُرْدِفُها على راحلته. فلما كان ببعض الطريق عثرتِ الدابة فصُرع النبي ﷺ والمرأةُ، وإن أبا طلحة قال أحسبُ قال: اقتحم عن بعيره فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، جعلني الله فداءك، هل أصابك من شيء؟ قال: "لا، ولكن عليك المرأة" فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه فقصد قصدها، فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة، فشد لهما على راحلتهما فركبا، فساروا، حتى إذا كانوا بظهر المدينة- أو قال: أشرفوا على المدينة - قال النبي ﷺ : "أيبون، تائبون، عابدون لربنا حامدون" فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة.
١٢١٧ - * روى الترمذي عن صفية بنت حيي ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلامٌ، فذكرت ذلك له، فقال: "ألا قلت: كيف تكونان خيراً مني، وزوجي محمدٌ، وأبي هارون، وعمي موسى؟ " وكان الذي بلغها أنهم قالوا نحنُ أكرم على رسول الله ﷺ منها، وقالوا: نحن أزواج النبي ﷺ ، وبناتُ عمه.
وفي أخرى (١): فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: "ما يبكيكِ؟ " فقالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي، فقال النبي ﷺ : "إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخرُ عليك؟ ثم قال: "اتقي الله يا حفصة".
١٢١٨ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال: لما خلتْ صفية بنتُ حيي رضي الله
стр. 1294
عنها على رسول الله ﷺ فُسْطاطة، حضر ناسٌ وحضرتُ معهم ليكون لي فيها قسمٌ فخرج رسول الله ﷺ ، فقال: "قوموا عن أمكم" فلما كان من العشاء حضرنا، فخرج رسول الله ﷺ إلينا في طرف ردائه نحو من مُد ونصفٍ من تمر عجوة فقال: "كلوا من وليمة أمكم".
١٢١٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كانت صفية من الصفيِّ.
١٢٢٠ - * روى أبو داود عن عامر الشعبي ﵀ قال: كان لرسول الله ﷺ سهم يُدعى: الصفيِّ، إن شاء عبداً، أو أمةً، أو فرساً، يختاره قبل الخُمسِ.
١٢٢١ - * روى أبو داود عن ابن عون ﵀ قال: سألتُ محمداً وهو ابن سيرين - عن سهم رسول الله ﷺ والصفي؟ قال: كان يُضربُ له بسهم مع المسلمين وإن لم يشهد، والصفي: يؤخذ له رأس من الخمس، قبل كل شيء.
قال صاحب فتح الودود: (رأس) عبدُ أو أمة أو فرس كما في الحديث السابق، (من الخمس) ظاهره أن الصفي يكون من الخمس وظاهر ما سبق أنه من تمام الغنيمة قبل الخمس، إلا أن يقال معنى قبل الخمس قبل أن يقسم الخمس فيرجع إلى هذا الحديث.
١٢٢٢ - * روى الطبراني عن وحشي بن حرب أن النبي ﷺ لما أفاء الله عليه صفية قال لأًحابه: "ما تقولون في هذه الجارية؟ " قالوا: نقول إنك أولى الناس بها وأحقهم. قال: "فإني أعتقتها واستنكحتها وجعلت عتقها مهرها" فقال رجل: يا رسول الله الوليمة. قال: "الوليمة حق والثانية معروف والثالثة فخر وحرج" (١).
стр. 1295
١٢٢٣ - * عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة: "التمس لي غلاماً من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر" فخرج بي أبو طلحة مُردفي وأنا غُلام راهقتُ الحُلم، فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل، فكنت أسمعه كثيراً يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز،، والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال" ثم قدمنا خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب - وقد قُتِل زوجُها، وكانت عروساً - فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سد الصهباء حلت، فبنى بها، ثم صنع حيساً في نطع صغير، ثم قال رسول الله ﷺ : "آذن من حولك" فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ على صفية. ثم خرجنا إلى المدينة قال: فرأيتُ رسول الله ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضعُ، ركبتهُ، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب، فسرنا حتى إذا أشرفنا على المدينة نظر إلى أُحدٍ فقال: "هذا جبل يُحبنا ونُحبه" ثم نظر إلى المدينة فقال: "اللهم إني أُحرمُ ما بين لابتيها بمثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم".
وفي رواية له (١) عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ صلى الصبح بغَلسٍ، ثم ركب فقال: "الله أكبر، خربت خيبرُ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحُ المنذرين" فخرجوا يسعون في السكك ويقولون: محمد والخميس - قال: والخميسُ الجيشُ - فظهر عليهم رسول الله ﷺ ، فقتل المقاتلة وسبى الذراري، فصارت صفية لدحية الكلبي، وصارت لرسول الله ﷺ ، ثم تزوجها، وجعل صداقها عتقها. فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد، أنت سألت أنساً ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها فتبسم.
стр. 1296
قال السندي: وجعل عتقها صداقها: قيل يجوز ذلك لكل من يريد أن يفعل كذلك، وقيل بل هو مخصوص به إذ يجوز له النكاح بلا مهر وليس لغيره ذلك.
١٢٢٤ - * روى مسلم عن أنسٍ: كنتُ رِدْفَ أبي طلحة يوم خيبر، وقدمي تمسُّ قدم النبي ﷺ ، قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم، فقالوا: محمد والخميسُ، قال: فقال رسول الله ﷺ : "خرِبَتْ خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين" قال: وهزمهم الله، ووقعت في سهم دحية جاريةً جميلةً، فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤسٍ، ثم دفعها إلى أُمِّ سُليمٍ تُصنعُها له وتُهيِّئُها، قال: وأحسبُهُ قال: وتعتدُّ في بيتها، وهي صفية بنت حيي، قال: وجعل رسول الله ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن، فُحصت الأرض أفحايص، وجيء بالأنطاع، فوضعت فيها، وجيء بالأقط والسمن، فشبع الناس، قال: وقال الناس: لا ندري: أتزوجها، أم اتخذها أم ولدٍ؟ فقالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يجبها فهي أم ولدٍ، فلما أراد أن يركب حجبها، فقعدت على عجز البعير، فعرفوا أنه قد تزوجها، فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله ﷺ ودفعنا، قال: فعثرتِ الناقة العضباءُ، وندر رسول الله ﷺ وندرتْ، فقام فسترها، وقد أشرفت النساء، فقلن: أبعد الله اليهودية، قال: قلت: يا أبا حمزة، أوقع رسول الله ﷺ ؟ قال: إي والله لقد وقع، قال أنس: وشهدتُ وليمة زينب، فأشبع الناس خُبزاً ولحماً، وكان يبعثني فأدعو الناس، فلما فرغ قام وتبعته، فتخلف رجلان استأنس بهما الحديث لم يخرجا، فجعل يمرُّ على نسائه، فيُسلمُ على كل واحدة منهن: (١) "سلامٌ عليكم، كيف أنتم يا أهل
стр. 1297
البيتِ؟ " فيقولون: بخيرٍ يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فيقول: "بخير" فلما فرغ رجع، ورجعت معه، فلما بلغ الباب إذا هو بالرجلين قد استأنس بهما الحديث، فلما رأياه قد رجع قاما فخرجا، فوالله ما أدري، أنا أخبرته، أم أُنزل عليه الوحي بأنهما قد خرجا؟ فرجع ورجعت معه، فلما وضع رجله في أسكفة الباب أرخى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية (١).
وفي أخرى له (٢) قال: صارت صفية لدحية في مقسمِهِ، وجعلوا يمدحونها عند رسول الله صلى الله علي وسلم، ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها، قال: فبعث إلى دحية، فأعطاهُ بها ما أراد، ثم دفعها إلى أمي، فقال: "أصلحيها" قال: ثم خرج رسول الله ﷺ من خيبر، حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثم ضرب عليها القُبة، فلما أصبح رسول الله ﷺ قال: "من كان عنده فضلُ زادٍ فليأتنا به" قال: فجعل الرجلُ يجيءُ بفضل التمر وفضل السويق، حتى جعلوا م ذلك سواداً حيساً، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس، ويشربون من حياضٍ إلى جنبهم من ماء السماء، قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ عليها، قال: فانطلقنا حتى إذا رأينا جُدُر المدينة هششنا إليها، فرفعنا مطينا، ورفع رسول الله ﷺ مطيته، قال: وصفيةُ خلفهُ قد أردفها رسول الله ﷺ ، قال: فعثرتُ مطية رسول الله صلى الله عليه وسلمن فصُرع وصُرعت، قال: فليس أحدٌ من الناس ينظر إليه ولا إليها، حتى قام رسول الله ﷺ فسترها، قال: فأيتناهُ، فقال: "لم نُضَرُّ" قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشتمن بصرعتها.
١٢٢٥ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما دخل رسول الله ﵌ بصفية باتَ أبو أيوب على باب النبي ﵌ فلما أصبح
стр. 1298
فرأى رسول الله ﵌ كبرَ، ومع أبي أيوب السيفُ، فقال: يا رسول الله كانت جارية حديثة عهدٍ بعُرسٍ، وكنت قتلت أباها وأاها وزوجها فلم آمنها عليك فضحك رسول الله ﵌ وقال له خيراً.
١٢٢٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: كان بعيني صفية خضرة، فقال لها النبي ﷺ : "ما هذه الخضرة بعينيك؟ " قالت قلتُ لزوجي: إني رأيتُ فيما يرى النائم، كأن قمراً وقع في حجري. فلطمني وقال: أتريدين ملك يثرب قالت: وما كان أبغض إليَّ من رسول الله ﷺ قتل أبي وزوجي فما زال يعتذرُ إليَّ وقال: "يا صفية إن أباك ألب عليَّ العرب، وفعل. وفعل" حتى ذهب ذلك من نفسي (١).
* * *
стр. 1299
١١ - ميمونة أم المؤمنين ﵂
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
بنت الحارث بن حزن بن بُجير بن الهُزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية.
زوج النبي ﷺ ، وأخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد، وخالة ابن عباس.
تزوجها أولاً مسعود بن عمرو الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها. وتزوجها أبو رُهم بن عبد العزى، فمات. فتزوج بها النبي ﷺ في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة سبع في ذي القعدة. وبنى بها بسرف- أظنه المكان المعروف بأبي عُروة-.
وكانت من سادات النساء. روت عدة أحاديث.
حدث عنها ابن عباس، وابن أختا الآخر: عبد الله بن شداد بن الهاد، وعُبيدُ بن السباق، وعبد الرحمن بن السائب الهلالي وابن أختها الرابع: يزيد بن الأصم، وكُريب مولى ابن عباس، ومولاها سليمان بن يسار، وأخوه: عطاء بن يسار. وآخرون.
وقال خليفة: توفيت سنة إحدى وخمسين. ﵂.
روى لها سبعة أحاديث في "الصحيحين"، وانفرد لها البخاري بحديث. ومسلم بخمسة. وجميع ماروت ثلاثة عشر حديثاً. أهـ.
١٢٢٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "الأخوات المؤمنات ميمونة زوج النبي ﷺ ، وأم الفضل امرأة العباس، وأسماء بنت عُميس امرأة جعفر، وامرأة حمزة وهي أختهن لأمهنْ" (١).
стр. 1300
١٢٢٨ - * روى الحاكم عن ابن عباس قال: كان اسم حالتي ميمونة برة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة.
١٢٢٩ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ تزوج ميمونة بن الحارث ﵂ وأقام بمكة ثلاثاً، فأتاه حويطبُ بن عبد العُزى في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا له: إنه انقضى أجلك فاخرج عنا قال: "وما عليكم لو تركتموني فأعرستُ بين أظهركم، فصنعتُ لكم طعاماً، فحضرتموه" قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا فخرج بميمونة بنت الحارث ﵂ حتى أعرس بها بسرفٍ.
١٢٣٠ - * روى الطبراني عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة بسرف.
١٢٣١ - * روى الحاكم عن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة قال: تلقيتُ عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن لطلحة بن عبيد الله وهو ابن أختها وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة، فأصبنا منه، فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله، وأقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله تعالى ساقك حتى جعلك في أهل بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة ورُمي برسنك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم.
قال الذهبي في التلخيص:
فيه دليل على أن ميمونة ماتت قبل عائشة فبطل قول من قال ماتت سنة إحدى وستين، أهـ (١).