قال السندي: وجعل عتقها صداقها: قيل يجوز ذلك لكل من يريد أن يفعل كذلك، وقيل بل هو مخصوص به إذ يجوز له النكاح بلا مهر وليس لغيره ذلك.
١٢٢٤ - * روى مسلم عن أنسٍ: كنتُ رِدْفَ أبي طلحة يوم خيبر، وقدمي تمسُّ قدم النبي ﷺ ، قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم، فقالوا: محمد والخميسُ، قال: فقال رسول الله ﷺ : "خرِبَتْ خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين" قال: وهزمهم الله، ووقعت في سهم دحية جاريةً جميلةً، فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤسٍ، ثم دفعها إلى أُمِّ سُليمٍ تُصنعُها له وتُهيِّئُها، قال: وأحسبُهُ قال: وتعتدُّ في بيتها، وهي صفية بنت حيي، قال: وجعل رسول الله ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن، فُحصت الأرض أفحايص، وجيء بالأنطاع، فوضعت فيها، وجيء بالأقط والسمن، فشبع الناس، قال: وقال الناس: لا ندري: أتزوجها، أم اتخذها أم ولدٍ؟ فقالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يجبها فهي أم ولدٍ، فلما أراد أن يركب حجبها، فقعدت على عجز البعير، فعرفوا أنه قد تزوجها، فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله ﷺ ودفعنا، قال: فعثرتِ الناقة العضباءُ، وندر رسول الله ﷺ وندرتْ، فقام فسترها، وقد أشرفت النساء، فقلن: أبعد الله اليهودية، قال: قلت: يا أبا حمزة، أوقع رسول الله ﷺ ؟ قال: إي والله لقد وقع، قال أنس: وشهدتُ وليمة زينب، فأشبع الناس خُبزاً ولحماً، وكان يبعثني فأدعو الناس، فلما فرغ قام وتبعته، فتخلف رجلان استأنس بهما الحديث لم يخرجا، فجعل يمرُّ على نسائه، فيُسلمُ على كل واحدة منهن: (١) "سلامٌ عليكم، كيف أنتم يا أهل
стр. 1297
البيتِ؟ " فيقولون: بخيرٍ يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فيقول: "بخير" فلما فرغ رجع، ورجعت معه، فلما بلغ الباب إذا هو بالرجلين قد استأنس بهما الحديث، فلما رأياه قد رجع قاما فخرجا، فوالله ما أدري، أنا أخبرته، أم أُنزل عليه الوحي بأنهما قد خرجا؟ فرجع ورجعت معه، فلما وضع رجله في أسكفة الباب أرخى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية (١).
وفي أخرى له (٢) قال: صارت صفية لدحية في مقسمِهِ، وجعلوا يمدحونها عند رسول الله صلى الله علي وسلم، ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها، قال: فبعث إلى دحية، فأعطاهُ بها ما أراد، ثم دفعها إلى أمي، فقال: "أصلحيها" قال: ثم خرج رسول الله ﷺ من خيبر، حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثم ضرب عليها القُبة، فلما أصبح رسول الله ﷺ قال: "من كان عنده فضلُ زادٍ فليأتنا به" قال: فجعل الرجلُ يجيءُ بفضل التمر وفضل السويق، حتى جعلوا م ذلك سواداً حيساً، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس، ويشربون من حياضٍ إلى جنبهم من ماء السماء، قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ عليها، قال: فانطلقنا حتى إذا رأينا جُدُر المدينة هششنا إليها، فرفعنا مطينا، ورفع رسول الله ﷺ مطيته، قال: وصفيةُ خلفهُ قد أردفها رسول الله ﷺ ، قال: فعثرتُ مطية رسول الله صلى الله عليه وسلمن فصُرع وصُرعت، قال: فليس أحدٌ من الناس ينظر إليه ولا إليها، حتى قام رسول الله ﷺ فسترها، قال: فأيتناهُ، فقال: "لم نُضَرُّ" قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشتمن بصرعتها.
١٢٢٥ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما دخل رسول الله ﵌ بصفية باتَ أبو أيوب على باب النبي ﵌ فلما أصبح
стр. 1298
فرأى رسول الله ﵌ كبرَ، ومع أبي أيوب السيفُ، فقال: يا رسول الله كانت جارية حديثة عهدٍ بعُرسٍ، وكنت قتلت أباها وأاها وزوجها فلم آمنها عليك فضحك رسول الله ﵌ وقال له خيراً.
١٢٢٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: كان بعيني صفية خضرة، فقال لها النبي ﷺ : "ما هذه الخضرة بعينيك؟ " قالت قلتُ لزوجي: إني رأيتُ فيما يرى النائم، كأن قمراً وقع في حجري. فلطمني وقال: أتريدين ملك يثرب قالت: وما كان أبغض إليَّ من رسول الله ﷺ قتل أبي وزوجي فما زال يعتذرُ إليَّ وقال: "يا صفية إن أباك ألب عليَّ العرب، وفعل. وفعل" حتى ذهب ذلك من نفسي (١).
* * *
стр. 1299
١١ - ميمونة أم المؤمنين ﵂
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
بنت الحارث بن حزن بن بُجير بن الهُزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية.
زوج النبي ﷺ ، وأخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد، وخالة ابن عباس.
تزوجها أولاً مسعود بن عمرو الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها. وتزوجها أبو رُهم بن عبد العزى، فمات. فتزوج بها النبي ﷺ في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة سبع في ذي القعدة. وبنى بها بسرف- أظنه المكان المعروف بأبي عُروة-.
وكانت من سادات النساء. روت عدة أحاديث.
حدث عنها ابن عباس، وابن أختا الآخر: عبد الله بن شداد بن الهاد، وعُبيدُ بن السباق، وعبد الرحمن بن السائب الهلالي وابن أختها الرابع: يزيد بن الأصم، وكُريب مولى ابن عباس، ومولاها سليمان بن يسار، وأخوه: عطاء بن يسار. وآخرون.
وقال خليفة: توفيت سنة إحدى وخمسين. ﵂.
روى لها سبعة أحاديث في "الصحيحين"، وانفرد لها البخاري بحديث. ومسلم بخمسة. وجميع ماروت ثلاثة عشر حديثاً. أهـ.
١٢٢٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "الأخوات المؤمنات ميمونة زوج النبي ﷺ ، وأم الفضل امرأة العباس، وأسماء بنت عُميس امرأة جعفر، وامرأة حمزة وهي أختهن لأمهنْ" (١).
стр. 1300
١٢٢٨ - * روى الحاكم عن ابن عباس قال: كان اسم حالتي ميمونة برة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة.
١٢٢٩ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ تزوج ميمونة بن الحارث ﵂ وأقام بمكة ثلاثاً، فأتاه حويطبُ بن عبد العُزى في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا له: إنه انقضى أجلك فاخرج عنا قال: "وما عليكم لو تركتموني فأعرستُ بين أظهركم، فصنعتُ لكم طعاماً، فحضرتموه" قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا فخرج بميمونة بنت الحارث ﵂ حتى أعرس بها بسرفٍ.
١٢٣٠ - * روى الطبراني عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة بسرف.
١٢٣١ - * روى الحاكم عن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة قال: تلقيتُ عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن لطلحة بن عبيد الله وهو ابن أختها وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة، فأصبنا منه، فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله، وأقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله تعالى ساقك حتى جعلك في أهل بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة ورُمي برسنك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم.
قال الذهبي في التلخيص:
فيه دليل على أن ميمونة ماتت قبل عائشة فبطل قول من قال ماتت سنة إحدى وستين، أهـ (١).
стр. 1301
١٢٣٢ - * روى أحمد عن أبي رافع قال: كنت في بعثٍ مرة فقال رسول الله ﷺ "اذهب فائتني بميمونة" فقلت: يا رسول الله إني في البعث، فقال رسول الله ﷺ "أليس تُحبُّ ما أحبُّ" فقلت: بلى. قال: "فاذهب فائتني بها" فذهبت فجئت بها.
قال في الفتح الرباني:
وتوفيت ميمونة في الموضع الذي بنى فيه رسول الله ﷺ باتفاق ودفنت في موضع قبتها وذلك سنة إحدى وخمسين على الصحيح كما في التقريب. أهـ.
١٢٣٣ - * روى الطبراني عن يزيد بن الأصم قال: رأيت ميمونة تحلقُ رأسها بعد رسول الله ﷺ فقلت ليزيد بن الأصم فقال: أراها تبتذل.
١٢٣٤ - * روى أبو يعلي عن يزيد بن الأصم قال: ثقلت ميمونة زوج النبي ﷺ بمكة وليس عندها أحد من بني أخيها. فقالت: أخرجوني من مكة، فإني لا أموت بها، كان رسول الله ﷺ أخبرني أني لا أموت بمكة. قال: فحملوها حتى أتوا بها سرف إلى الشجرة التي بنى بها رسول الله ﷺ تحتها في موضع الفيئة قال: فماتت، فلما وضعناها في لحدها أخذت ردائي فوضعته تحت خدها في اللحد، فأخذه ابن عباس فرمى به.
١٢٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن عطاء قال (١): حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة
стр. 1302
زوج النبي ﷺ بسرف فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا فإنه كان عند النبي ﷺ تسع كان يقسم لثمانٍ ولا يقسم لواحدة.
فكان يقسم لثمان: من جملتهن ميمونة ﵂، أي فينبغي أن تعرفوا فضلها وتراعوه.
١٢٣٦ - * روى الطبراني عن ميمون بن مهران قال: أتيت صفية بنت شيبة امرأة كبيرة فقلت لها: أتزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم؟ قالت: لا، ولقد تزوجها وهما حلالان.
* * *
هؤلاء من أزواج رسول الله ﷺ اللاتي بنى عليهن ودخل فيهن وثبت لهن اسم أمهات المؤمنين فعليهن رضوان الله (١).
* * *
стр. 1303
عطف: فيمن عقد عليهن ولم يدخل بهنّ
والمشهور أن هناك ثنتين عقد عليهما رسول الله ﷺ ولم يدخل بهما:
إحداهما من بني كلاب وأخرى من كندة وهي المعروفة بالجونية، وقيل إن الكلابية والجونية واحدة، وبعضهم يرى أن المعقود عليهن بلا دخول أكثر من ذلك، وجميع هؤلاء لم تثبت لهن التسمية بأمهات المؤمنين وليس لهن حقوق الأزواج.
ونحن هنا سنذكر بعض الروايات الواردة في أصولنا عن ذلك مما يتوافر فيه شرطنا، كما سنذكر بعض الروايات التي لها علاقة بسراريه والواهبات أنفسهن له ﵊، وكل ذلك تحت عنوان عطف على وصل.
* * *
стр. 1304
عطف على وصل
١٢٣٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: إن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: "لقد عُذتِ بعظيم، الحقي بأهلك".
وفي رواية النسائي (١): أن الكلابية لما دخلتْ على النبي ﷺ ... الحديث.
قال السندي: قوله (الحقي بأهلك) نعلم منه أن الطلاق لا يتوقف على التصريح بل يقع بالكناية.
قال في الفتح: والصحيح أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل كما في حديث أبي أسيد، وقال مرة: أميمة بنت شراحيل فنسبت لجدها، وقيل اسمها أسماء، وروى ابن سعد عن الواقدي عن ابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "تزوج النبي ﷺ الكلابية" فذكر مثل حديث الباب، وقوله الكلابية غلط وإنما هي الكندية، فكأنما الكلمة تصحفت. نعم للكلابية قصة أخرى ذكرها ابن سعد أيضاً بهذا السند إلى الزهري وقال: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، فاستعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعْرَ وتقول: أنا الشقية. قال وتوفيت سنة ستين. ومن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن الكندية لما وقع التخيير اختارت قومها ففارقها، فكانت تقول: أنا الشقية". ومن طريق سعيد بن أبي هند أنها استعاذت منه فأعاذها. ومن طريق الكلبي اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو، وحكى ابن سعد أيضاً أن اسمها عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل بنت يزيد بن الجون. وأشار ابن سعد إلى أنها واحدة اختلف في اسمها، والصحيح أن التي استعاذت منه هي الجونية. وروى ابن سعد من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: لم تستعذ منه امرأة غيرها. قلت: وهو الذي يغلب على الظن، لأن ذلك وقع للمستعيذة بالخديعة المذكورة فيبعد أن تخدع أخرى بعدها بمثل ما خدعت به بعد شيوع
стр. 1305
الخبر بذلك. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن النبي ﷺ تزوج الجونية. واختلفوا في سبب فراق فقال قتادة: لما دخل عليها دعاها فقالت: تعال أنت. فطلقها. وقيل كان بها وضح (١) كالعامرية قال: وزعم بعضهم أنها قالت أعوذ بالله منك فقال: "قد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني" فطلقها. قال: وهذا باطل إنما قال له هذا امرأة من بني العنبر وكانت جميلة فخاف نساؤه أن تغلبهن عليه فقلن لها إنه يعجبه أن يقال له نعوذ بالله منك ففعلت، فطلقها. كذا قال، وما أدري لم حكم ببطلان ذلك مع كثرة الروايات الواردة فيه وثبوته في حديث عائشة في صحيح البخاري. أهـ فتح الباري.
١٢٣٨ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵄ قال: ذُكر لرسول الله ﷺ امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل فقدمت، فنزلت في أُجُمِ بني ساعدة، فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءها، فدخل عليها، فإذا امرأة منكسةً رأسها، فلما كلها رسول الله ﷺ قالت: أعوذ بالله منك، قال: "قد أعذْتُك مني" فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله، جاءك ليخطبك، قالت: أنا كنت أشقى من ذلك، قال سهل: فأقبل رسول الله ﷺ يومئذٍ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: "اسقنا"- لسهلٍ- قال: فأخرجت لهم هذا القدح، فأسقيتهم فيه، قال أبو حازم: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا فيه، ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز، فوهبه له.
١٢٣٩ - * روى البخاري عن أبي أُسيد ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ ، حتى انطلقنا إلى حائطٍ يقال له: الشوطُ، حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي
стр. 1306
صلى الله عليه وسلم "اجلسوا هاهنا" ودخل، وقد أُتي بالجونية فأنزلت في بيتٍ في نخلٍ، في بيتِ أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتُها حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: "هي نفسك لي" قالت: وهل تهب الملكةُ نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يدهُ عليها لتسكُن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "قد عُذتِ بمعاذٍ" ثم خرج علينا فقال: "يا أبا أُسيد اكسُها رازقيين، وألحقها بأهلها".
وفي رواية (١) عن أبي أسيد، وعن سهل بن سعد قالا: تزوج النبي ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيدٍ أن يجهزها ويكسوها ثوبيين رازقيين.
قال صاحب الفتح: (حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ : اجلسوا ههنا ودخل) أي إلى الحائط. وفي رواية لابن سعد عن أبي أسيد قال "تزوج رسول الله ﷺ امرأة من بني الجون فأمرني أن آتيه بها فأتيته بها فأنزلتها بالشوط من وراء ذباب في أطم، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فخرج يمشي ونحن معه. وذُباب بضم المعجمة وموحدتين مخففاً جبل معروف بالمدين، والأطم الحصون هو الأجم أيضاً والجمع آطام وآجام كعنق وأعناق، وفي رواية لابن سعد أن النعمان بن الجون الكندي أتى النبي ﷺ مسلماً فقال: ألا أزوجك أجمل أيم في العرب؟ فتزوجها وبعث معه أبا أسيد الساعدي، قال أبو أسيد: فأنزلها في بني ساعدة فدخل عليها نساء الحي فرحين بها وخرجن فذكرن من جمالها. قوله (فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل) هو بالتنوين في الكل، وأميمة بالرفع إما بدلاً عن الجونية وإما عطف بيان، وظن بعض الشراح أنه بالإضافة فقال في الكلام على الرواية التي بعدها: تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل ولعل التي نزلت في بيتها بنت أخيها، وهو مردود فإن مخرج الطريقين واحد، وإنما جاء الوهم من إعادة لفظ "في بيت" وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في
стр. 1307
مسنده عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال "في بيت في النخل أميمة إلخ" وجزم هشام بن الكلبي بأنها أسماء بنت النعمان بن شراحيل بن الأسود بن الجون الكندية، وكذا جزم بتسميتها أسماء محمد بن إسحاق ومحمد بن حبيب وغيرهما، فلعل اسمها أسماء ولقبها أميمة. ووقع في المغازي رواية يونس بن بكير عن ابن إسحق" أسماء بنت كعب الجونية" فلعل في نسبها من اسمه كعب نسبها إليه، وقيل هي أسماء بنت الأسود بن الحارث بن النعمان. قوله (ومعها دايتها حاضنة لها) الداية بالتحتانية الظئر المرضع وهي معربة، ولم أقف على تسمية هذه الحاضنة. قوله (هبي نفسك لي إلخ) السوقة بضم السين المهملة يقال للواحد من الرعية والجمع، قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم فيساقون إليه ويصرفهم على مراده، واما أهل السوق فالواحد منهم سوقي. قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بملك كائناً من كان، فكأنه استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، وكان ﷺ قد خير أن يكون ملكاً نبياً فاختار أن يكون عبداً نبياً تواضعاً منه ﷺ لربه، ولم يؤاخذها النبي ﷺ بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها، وقال غيره يحتمل أنها لم تعرفه ﷺ فخاطبته بذلك، وسياق القصة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال، نعم سيأتي في أواخر الأشربة م طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال "ذكر للنبي ﷺ امرأة من العرب، فأمر أبا أٍيد الساعدي أن يرسل إليها فقدمت، فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبي ﷺ حتى جاء بها فدخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها قالت: أعوذ بالله منك، قال: لقد أعذتك مني" فقالوا لها أتدرين من هذا؟ هذا رسول الله ﷺ جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك. فإن كانت القصة واحدة فلا يكون قوله في حديث الباب ألحقها بأهلها ولا قوله في حديث عائشة الحقي بأهلك تطليقاً، ويتعين أنها لم تعرفه. وإن كانت القصة متعددة ولا امنع من ذلك فلعل هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها الاضطراب. وقد ذكر ابن سعد بسند فيه العزرمي الضعيف عن ابن عمر قال "كان في نساء النبي ﷺ سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، قال: وكان النبي ﷺ بعث أبا أسيد الساعدي يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر، قال ابن سعد: اختلف عينا اسم الكلابية فقيل فاطمة بنت الضحاك بن سفيان وقيل عمرة بنت يزيد بن عبيد
стр. 1308
وقيل سنا بنت سفيان بن عوف وقيل العاليةب نت ظبيان بن عمرو بن عوف، فقال بعضهم هي واحدة اختلف في اسمها، وقال بعضهم بل كن جمعاً ولكن لكل واحدة منهن قصة غير قصة صاحبتها". ثم ترجم الجونية فقال: أسماء بنت النعمان. ثم أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون قال "قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على رسول الله ﷺ مسلماً فقال: يا رسول الله ألا أزوجك أجمل أيم في العرب، كانت تحت ابن عم لها فتوفي وقد رغبت فيك؟ قال: نعم. قال: فابعث من يحملها لك. فبعث معه أبا أسيد الساعي. قال أبو أسيد فأقمت ثلاثة أيام ثم تحملت معي في محفة فأقبلت بها حتى قدمت المدينة فأنزلتها في بني ساعدة، ووجهت إلى رسول الله ﷺ وهو في بني عمرو بن عوف فأخبرته" الحديث. قال ابن أبي عون: وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع. ثم أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم عن أبي أسيد قال "بعثني رسول الله ﷺ إلى الجونية فحملتها حتى نزلت بها في أطم بني ساعدة، ثم جئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فخرج يمشي على رجليه حتى جاءها" الحديث. ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: اسم الجونية أسماء بنت النعمان بن أبي الجون، قيل لها اسعيذي منه فإنه أحظى لك عنده، وخدعت لما رؤي من جمالها، وذكر لرسول الله ﷺ من حملها على ما قالت فقال: "إنهن صواحب يوسف وكيدهن" فهذه تنزل قصتها على حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، وأما القصة التي في حديث الباب من رواية عائشة فيمكن أن تنزل على هذه أيضاً فإنه ليس فيها إل الاستعاذة، والقصة التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصة، فيقوى التعدد، ويقوي أن التي في حديث أبي أسيد اسمها أميمة والتي في حديث سهل اسمها أسماء والله أعلم. وأميمة كان قد عقد عليها ثم فارقها وهذه لم يعقد عليها بل جاء ليخطبها فقط. قوله (فأهوى بيده) أي أمالها إليها. ووقع في رواية ابن سعد، فأهوى إليها ليقبلها، وكان إذا اختلى النساء أقعى وقبل" وفي رواية لابن سعد "فدخل عليها داخل من النساء وكانت من أجمل النساء فقالت: إنك من الملوك فإن كنت تريدين أن تحظي عند رسول الله ﷺ فإذا جاءك فاستعيذي منه" ووقع عنده عن هشام بن محمد عن عبد الرحمن بن الغسيل بإسناد حديث الباب "أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت فمشطتاها وخضبتاها، وقالت لها إحداهما: إن النبي ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول أعوذ بالله
стр. 1309
منك". قوله؛ فقال: قد عذت بمعاذ) هو بفتح الميم ما يستعاذ به، أو اسم مكان العوذ، والتنوين فيه للتعظيم. وفي رواية ابن سعد "فقال بكمه على وجهه وقال: عذت معاذاً. ثلاث مرات" وفي أخرى له "فقال أمن عائذ الله" قوله (ثم خرج علينا فقال: "يا أبا أٍيد اكسها رازقيين" براء ثم زاي ثم قاف بالتثنية صفة موصوف محذوف العلم به، والرازقية ثياب من كتان بيض طوال قاله أبو عبيدة. وقال غيره: يكون في داخل بياضها زرقة، والرازقي الصفيق. قال ابن التين: متعها بذلك إما وجوباً وإما تفضلاً. قلت: سيأتي حكم المتعة في كتاب النفقات قوله (وألحقها بأهلا) قال ابن بطال: ليس في هذا أنه واجهها بالطلاق. وتعقبه ابن المنير بأن ذلك ثبت في حديث عائشة أول أحاديث الباب، فيحمل عل أنه قال لها الحقي بأهلك، ثم لما خرج إلى أبي أسيد قال له ألحقها بأهلها، فلا منافاة، فالأول قصد به الطلاق والثاني أراد به حقيقة اللفظ وهو أن يعيدها إلى أهلها، لأن أبا أسيد هو الذي كان أحضرها كما ذكرناه. ووقع في رواية لابن سعد عن أبي أسيد قال "فأمرني فرددتها إلى قومها" وفي أخرى له "فلما وصلت بها تصايحوا وقالوا: إنك لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت: خُدعتُ. قال فتوفيت في خلافة عثمان". قال "وحدثني هشام بن محمد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية أنها ماتت كمداً" ثم روى بسند فيه الكلبي "أن المهاجر بن أبي أمية تزوجها، فأراد عمر معاقبتها فقالت: ما ضرب عليَّ الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين. فكف عنها" وعن الواقدي: سمعت من يقول عن عكرمة بن أبي جهل خلف عليها، قال: وليس ذلك يثبت. ولعل ابن بطال أراد أنه لم يواجهها بلفظ الطلاق. وقد أخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الوليد بن عبد الملك كتب إيه يسأله، فكتب إليه: ما تزو النبي ﷺ كندية إلا أخت بني الجون فملكها. فلما قدمت المدينة نظر إليها فطلقها ولم يبن بها. فقوله فطلقها يحتمل أن يكون باللفظ المذكور قبل ويحتمل أن يكون واجهها بلفظ الطلاق، ولعل هذا هو السر في إيراد الترجمة بلفظ الاستفهام دون بت الحكم. واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها إذ لم يجر ذكر صورة العقد، وامتنعت أن تهب له نفسها فكيف يطلقها؟ والجواب أنه ﷺ كان له أن يزوج من نفسه بغير إذن المرة وبغير إذن وليها، فكان مجرد إرساله إليها وإحضارها ورغبته فيها كافية في ذلك، ويكون قوله "هي لي نفسك" تطييباً لخاطرها واستمالة لقلبها، ويؤيده قوله في
стр. 1310
رواية لابن سعد "أنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وأن أباها قال له: إنها رغبت فيك وخطبت إليك" أهـ.
١٢٤٠ - * روى البخاري عن ثابت البناني ﵀ قال: كنت عند أنس وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها! واسوأتاه، واسوأتاه، قال: هي خيرٌ منك، رغبت في النبي ﷺ ، ففرضت عليه نفسها.
قال في الفتح: (قوله) (وعنده ابنة له) لم أقف على اسمها وأظنها أُمينة بالتصغير. قوله (جاءت امرأة) لم أقف على تعيينها، وأشبه من رأيت بقصتها ممن تقدم ذكر اسمهن في الواهبات ليلى بنت قيس بن الخطيم، ويظهر لي أن صاحبة هذه القصة غير التي في حديث سهل، قوله (واسوأتاه) أصل السوءة- وهي بفتح المهملة وسكون الواو بعدها همزة - الفعلة القبيحة. وتطلق على الفرج، والمراد هنا الأول. والألف للندبة والهاء للسكت. ثم ذرك المصنف حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة مطولاً، وسيأتي شرحه بعد ستة عشر باباً، وفي الحديثين جواز عرض المرأة نفسه على الرجل وتعريف رغبتها فيه وأن لا غضاضة عليها في ذلك. وأن الي تعرض المرأة نفسها عليه بالاختيار لكن لا ينبغي أن يصرح لها بالرد بل يكفي السكوت. وقال المهلب: فيه أن على الرجل أن لا ينكحها إلا إذا وجد في نفسه رغبة فيها، ولذلك صعد النظر فيها وصوبه. كما سيرد انتهى. وليس في القصة دلالة لما ذكره. قال: وفيه جواز سكوت العالم ومن سئل حاجة إذا لم يرد الإسعاف، وأن ذلك لين في صرف السائل وأأدب من الرد بالقول. أهـ فتح الباري.
١٢٤١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال لم يكن عند النبي ﷺ امرة وهبت نفسها له (١).
стр. 1311
١٢٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن عروة عن عائشة ﵂: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ ، فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل؟ فلما نزلت ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ (١) قلت: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.
وفي أخرى (٢)، قلت: كنت أغارُ على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، وذكر نحوه.
وفي أخرى (٣)، قالت: إن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا، بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (٤) فقلتلها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنتُ أقول له: إن كان ذاك إليَّ، فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً.
قال السندي: قوله: أما تستحي المرأة قالته تقبيحاً لهذا الفعل وتنفيراً للنساء عنه لئلا تهب النساء أنفسهن له ﷺ فيكثرن عنده، قال القرطبي: وسبب ذلك لقوة الغيرة، وإلا فقد علمت أن الله تعالى أباح له هذا خاصة وأن النساء معذورات ومشكورات في ذلك لعظيم بركته ﷺ وأي منزلة أشرف من القرب لا سيما مخالطة اللحوم ومشابكة الأعضاء قوله: فقلت إن ربك إلخ كناية عن ترك ذلك التنفير والتقبيح لما رأت من مسارعة الله تعالى في مرضاة النبي ﷺ أي كنت أنفر النساء عن ذلك فلما رأيت الله أنه يسارع في مرضاة النبي ﷺ تركت ذلك لما فيه من الإخلال بمرضاته ﷺ ، وقال النووي: معنى يسارع في هواك يخفف عنك ويوسع عليك في الأمور ولها خير، وقيل: قولها
стр. 1312
المذكور أبرزته للغيرة والدلال وإلا فإضافة الهوى إلى النبي ﷺ غير مناسبة فإنه ﷺ منزه عن الهوى لقوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (١) وهو ممن ينهى النفس عن الهوى. ولو قالت في مرضاتك كان أولى وقد يقال المذموم هو الهوى الخالي عن الهدى لقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) والله أعلم فتأمل.
قال النووي: هذا من خصائص رسول الله ﷺ . وهو زواج من وهبت نفسها له بلا مهر، قال الله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) واختلف العلماء في هذه الآية، وهي قوله: (تُرجي من تشاء) فقيل: ناسخة لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٤) ومبيحة له أن يتزوج ما يشاء. وقيل: بل نسخت تلك الآية بالسنة، قال زيد بن أرقم: تزوج رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومليكة، وصفية، وجويرية، وقالت عائشة ﵂: ما مات رسول الله صلى الل عليه وسلم حتى أحل له النساء. وقيل عكس هذا، وأن قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ناسخة لقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ والأول: أصح. قال أصحابنا: الأصح: انه ﷺ ما توفي حتى أبيح له النساء مع أزواجه.
قال في الفتح: قوله (كنت أغار) كذا وقع بالغين المعجمة من الغيرة. ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمد بن بشر عن هشام بن عروة بلفظ "كانت تعير اللاتي وهبن أنفسهن" بعين مهملة وتشديد. قوله (وهبن أنفسهن) هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة، ويأتي في النكاح حديث سهل بن سعد "أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني وهبت نفسي لك" الحديث، وفيه قصة الرجل الذي طلبها قال "التمس ولو خاتماً من حديد" ومن حديث أنس "أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت له: إن لي ابنة - فذكرت من جمالها - فآثرتك بها. فقال: وقد قبلتها" فلم تزل تذكر حتى قالت: لم تصدع قط. فقال: "لا حاجة لي في ابنتك" وأخرجه أحمد أيضاً، وهذه امرأة أخرى بلا شك. وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ هي خولة بنت حكيم،
стр. 1313
وسيأتي الكلام عليه في كتاب النكاح، فإن البخاري أشار إليه معلقاً. ومن طريق الشعبي قال: من الواهبات أم شريك. وأخرجه النسائي من طريق عروة. وعند أبي عبيدة معمر ابن المثنى أن من الواهبات فاطمة بنت شريح. وقيل إن ليلى بنت الحطيم ممن وهبت نفسها له. ومنهن زينب بنت خزيمة، جاء عن الشعبي وليس بثابت. وخولة بنت حكيم وهو في الصحيح. ومن طريق قتادة عن ابن عباس قال: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ هي ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع. وأورده من وجه آخر مرسل وإسناده ضعيف.
ويعارضه حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس "لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له "أخرجه الطبري وإسناده حسن، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له وإن كان مباحاً له لأنه راجع إلى إرادته لقوله تعالى ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ وقد بينت عائشة في هذا الحديث سبب نزول قوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ وأشارت إلى قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وقوله تعالى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ وروى ابن مردويه من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس أيضاً قال: فرض عليهم أن لا نكاح إلا بولي وشاهدين. وقوله (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) أي ما أرى الله إلا موجداً لما تريد بلا تأخير، منزلاً لما تحب وتختار. وقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي تؤخرهن بغير قسم، وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزين وغيرهم، وأخرج الطبري أيضاً عن الشعبي في قوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قال: كن نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ ، فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم ينكحهن، وهذا شاذ، والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات كما تقدم وقيل المراد بقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أنه كان هم بطلاق بعضهن، فقلن له: لا تطلقنا وأقسم لنا ما شئت، فكان يقسم مستوياً، وهن اللاتي آواهن، ويقسم للباقي ما شاء وهن اللاتي أرجأهن. فحاصل ما نقل في تأويل ﴿تُرْجِي﴾ أقوال: أحدها: تطلق وتمسك، ثانيها: تعتزل من شئت منهن بغير طلاق وتقسم لغيرها، ثالثها: تقبل من شئت من الواهبات وترد من شئت. وحديث الباب يؤيد هذا والذي قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة. وظاهر ما حكته عائشة من استئذانه أنه لم يُرج أحداً منهن، بمعنى أنه لم يعتزل، وهو قول الزهري
стр. 1314
"ما أعلم أنه أرجا أحداً من نسائه"أخرجه ابن أبي حاتم، وعن قتادة أطلق له أن يقسم كيف شاء فلم يقسم إلا بالسوية. قوله (يستأذن المرأة في اليوم) أي الذي يكون فيه نوبتها إذا أراد أن يتوجه إلى الأخرى. تكميل: اختلف في المنفي في قوله تعالى في الآية التي تلي هذه الآية وهي قوله ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ هل المراد بعد الأوصاف المذكورة فكان يحل له صنف دون صنف؟ أو بعد النساء الموجودات عند التخيير؟ على قولين، وإلى الأول ذهب أُبي بن كعب ومن وافقه أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وإلى الثاني ذهب ابن عباس ومن وافقه وأن ذلك وقع مجازاة لهن على اختيارهن إياه، نعم الواقع أنه ﷺ لم يتجدد له تزوج امرأة بعد القصة المذكورة، لكن ذلك لا يرفع الخلاف. وقد روى الترمذي والنسائي عن عائشة "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء" وأخرج ابن أبي حاتم عن أم سلمة ﵂ مثله. أهـ.
١٢٤٣ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، جئت أهب نفسي لك، فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسهُ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلستْ، فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: "فهل عندك من شيءٍ؟ " فقال: لا والله يا رسول الله، فقال: "اذهب إلى أهلك فانظُر: هل تجد شيئاً؟ " فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله، ما وجدت شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : "انظر ولو خاتماً من حديد" فذهب، ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتماً من حديدٍ، ولكن هذا إزاري- قال سهل: ماله رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ (١): "ما تصنعُ بإزارك؟ إن لبستهُ لم يكن عليها منهُ شيءٌ، وإن لبسَتْهُ لم يكن عليك منه شيءٌ" فجلس
стр. 1315
الرجل حتى إذا طال مجلسهُ قام، فرآه رسول الله ﷺ مولياً، فأمر به فدُعي، فلما جاء قال: "ماذا معك من القرآن؟ " قال: معي سورة كذا، وسورة كذا - عددها - قال: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ " قال: نعم، قال: "اذهب، فقد ملكتكَها بما معك من القرآن".
وفي حديث زائدة (١): انطلق فقد زوجتكَها، فعلمها من القرآن".
وفي حديث فُضيل بن سليمان (٢): فخفض فيها البصر ورفعه، فلم يُردها، فقال رجل من أصحابه: زوجنيها، وفيه: ولكن أُشقق بُردتي هذه، فأعطيها النصف، وآخذُ النصف، قال: "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم، قال: "اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن".
وفي رواية ابن المديني (٣) قال: إني لفي القوم عند رسول الله ﷺ ، إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول الله، إنها قد وهبتْ نفسها لك، فر فيها رأيك، فلم يُجبها شيئاً، ثم قامت فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك فلمْ يُجبها شيئاً، ثم قامت الثالثة فقالت: إنها قد وهبتْ نفسها لك، فر فيها رأيك فقام رجلٌ، فقال: يا رسول الله أنكحنيها.
وفي أخرى مختصراً (٤): ان النبي ﷺ قال لرجلٍ "تزوج ولو بخاتمٍ من حديدٍ".
١٢٤٤ - * روى مسلم عن أنس بن مالكٍ ﵁ ان رجلاً كان يُتهمُ بأمِّ ولد
стр. 1316
رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ لعلي: "اذهبْ فاضربْ عنقهُ" فأتاهُ فإذا هو في ركيٍّ يتبردُ فيها، فقال له علي: اخرُجْ، فناوله يده، فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف عليٍّ عنه، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنه لمجبوب. ماله ذكر.
قال النووي: قيل: لعله كان منافقاً ومستحقاً للقتل بطريق آخر، وجعل هذا محركاً لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنا، وكف عنه علي ﵁ اعتماد على أن القتل بالزنا، وقد علم انتفاء الزنا.
١٢٤٥ - * روى أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: نُهي رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (١) فأحل الله فتياتكم المؤمنات ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (٢) وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ إلى قوله ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء.
١٢٤٦ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: يا ابن أختي، كان رسول الله ﷺ لا يُفضل بعضنا على بعض في القَسْم من مُكثِهِ عندنا، وكان قل يومٌ إلا وهو
стр. 1317
يطوف علينا جميعاً، فيدنُو من كل امرأةٍ من غير مسيس، حتى يبلغ التي هو يومها، فيبيتُ عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقَتْ أن يُفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: تقول: في ذلك أنزل الله وفي أشباهها ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ (١).
قال في عون المعبود: من غير مسيس: وفي رواية من غير وقاع، وهو المراد هنا، (فرقت): أي خافت. (يا رسول الله يومي لعائشة): أي نوبتي ووقت بيتوتتي لعائشة. والحديث فيه دليل على أنه يجوز للرجل الدخول على من لم يكن في يومها من نسائه والتأنيس لها واللمس والتقبيل، وفيه بيان حسن خلقه ﷺ وأنه كان خير الناس لأهله.
وفيه دليل على جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها ويعتبر رضى الزوج لأن له حقاً في الزوجة فليس لها أن تسقط حقه إلا برضائه.
١٢٤٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيَّتُهنَّ خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأةٍ منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ ، تبتغي بذلك رضي رسول الله ﷺ .
قال في عون المعبود: القرعة: بحال السفر وليس على عمومه بل لتعين القرعة من يسافر بها. واستدل الحديث على مشروعية القرعة بين الشركاء في القسمة وغير ذلك، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة. قال القاضي عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه لأنها من باب الحظر والغمار - وهو الرهان - وحكي عن الحنفية إجازتها. أهـ.
١٢٤٨ - * روى مسلم عن أبي سلمة قال: سألتُ عائشة زوج النبي ﷺ كمْ كان صداقُ
стр. 1318
أزواج رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية، ونشأ قالت: أتدري ما النشءُ؟ قال: قلتُ: لا. قالت: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداقُ رسول الله ﷺ لأزواجه.
١٢٤٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُقَّسِمُ فيعدلُ، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملكُ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"- يَعني القلب.
قال في عون المعبود: يقسم فيعدل: أي فيسوي بين نسائه في البيتوتة، واستدل به من قال إن القسم كان واجباً عليه وذهب البعض إلى أنه لا يجب عليه واستدلوا بقوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية (١) وذلك من خصائصه. (فيما أملك) أي فيما أقدر عليه (فلا تلمني) أي فلا تعاتبني ولا تؤاخذني (فيما تملك ولا أملك) أي عن زيادة المحبة وميل القلب فإنك مقلب القلوب (يعني القلب) هذا تفسير من المؤلف لقوله ما تملك ولا أملك وقال الترمذي يعني به الحب والمودة كذلك فسره أهل العلم. والحديث يدل على أن المحبة وميل القلب أمر غير مقدور للعبد بل هو من الله تعالى، ويدل له قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ - بعد قوله ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (٢) وبه فسروا ﴿اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٣).
١٢٥٠ - * روى أبو يعلي والطبراني عن أم سلمة قالت: قال لنا رسول الله ﷺ في حجةِ الوداع: "هي هذه الحجَّةُ ثم الجلوسُ على ظهور الحُصْرِ في البيوت".
стр. 1319
١٢٥١ - * روى الطبراني عن أنس قال: أوْلم رسول الله ﷺ على أم سلمة بتمر وسمن.
١٢٥٢ - * روى أبو يعلي عن عائشة: أن النبي ﷺ أولم على بعض نسائه بمُدَّيْن من شعير (١).
* * *
стр. 1320
الوصل الثاني
في
بناته وأبنائه وأحفاده
﵊
стр. 1321
كل أبناء رسول الله ﷺ وبناته من زوجته خديجة ﵂ ما عدا إبراهيم ﵇ فإنه من مارية القبطية، سريته ﵂، وكل أبنائه الذكور توفوا في حياته ﵊، وقدتوفيت رقية وأم كلثوم وزينب من بناته ﵊ في حياته ولم تنجب منهن إلا زينب فقد جاءتها بنت هي أمامة ﵂ لكنها توفيت ولم تعقب، ومن تأخرت وفاة فاطمة الزهراء بنته ﵊ إلى ما بعد وفاته بقليل وقد أنجبت الحسن والحسين وغيرهما مما سنرى، لكن استمررا الذرية كان في الحسن والحسين فاستمرت ذريته ﵊ في عقب فاطمة ﵂ وسنتحدث في هذا الوصل عن أبنائه وبناته ﷺ : رقية فأم لثوم فزينب ففاطمة ثم ولداها: السن والحسين.
* * *
стр. 1322
أبناؤه ﵊
١٢٥٣ - * رُوي عن الطبراني الأسود بن سريع قال: لما مات عثمان بنُ مظعون أشفق المسلمون عليه فلما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ قال: "الْحَقْ بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون".
١٢٥٤ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وُلد لي غلامٌ، فسميته باسم أبي إبراهيم" ثم دفعهُ إلى أم سيفٍ - امرأة فَيْنِ، يقال له: أبو سيفٍ - فانطلق يأتيه: واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف - وهو ينفخُ بكيره، قد امتلأ البيت دخاناً - فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا أبا سيف، أمس، جاء رسول الله فأمسك، فدعا النبي ﷺ بالصبي، فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول، فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه - بين يدي رسول الله ﷺ ، فدمعتْ عينا رسول الله ﷺ ، فقال: "تدمعُ العينُ ويحزنُ القلبُ، ولا تقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون".
١٢٥٥ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ كان إبراهيم مُسترضعاً في عوالي المدينة، فكان ينطلقُ ونحن معه، فيدخل البيت، وإنه ليُدِّخَنُ، وكان ظئرهُ قيناً، فيأخذه فيُقبله، ثم يرجع، قال عمرو: فلما تُوفي إبراهيم، قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم ابني، وإنهُ مات في الثدي، وإن له لظئرين تُكملان رضاعه في الجنة" (١).
стр. 1323
١٢٥٦ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما مات إبراهيم ﵇ قال رسول الله ﷺ : "إن له مرضعاً في الجنة".
قال في الفتح: وقع في رواية الإسماعيلي "إن له مرضعاً تُرضعه في الجنة" والمعنى تكمل إرضاعه لأنه لما مات كان ابن ستة عشر شهراً أو ثمانية عشر شهراً على اختلاف الروايتين وقيل إنما عاش سبعين يوماً.
١٢٥٧ - * روى الطبراني عن ابن أبي أوّْفى وقيل له: هل رأيت إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقال: نعم مات وهو صغير أشبه الناس به ﷺ .
١٢٥٨ - * روى ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد قالت: لما تُوفي ابن رسول الله ﷺ إبراهيم بكى رسول الله ﷺ فقال له المعزيْ (إما أبو بكر وإما عمر) أنت أحقُّ من عظمَ الله حقه. قال رسول الله ﷺ : "تدمعُ العينُ ويحزنُ القلب ولا نقول ما يُسخط الرب، لولا أنه وعد صادقٌ وموعودٌ جامعٌ وأن الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم، أفضل مما وجدنا وإنا بك لمحزونون".
١٢٥٩ - * روى البخاري عن إسماعيل بن أبي خالدٍ قال: قلت لابن أبي أوفى ﵁: رأيت إبراهين بن النبي ﷺ ؟ قال: مات صغيراً، ولو قُضي أنْ يكون بعد محمدٍ ﷺ نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعدهُ.
قال في الفتح: قوله (ولو قضى أن يكون بعد محمد نبي عاش ابنه) إبراهيم (ولكن لا نبي بعده) هكذا جزم به عبد الله بن أبي أوفى. ومثل هذا لا يقال بالرأي، وقد تواردعليه جماعة: فأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس قال (١): لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ
стр. 1324
وقال: إن له مرضعاً في الجنة، لو عاش لكان صديقاً نبياً، ولأعتقتُ أخوالهُ القبط، وروى أحمد وابنُ منده من طريق السدي: سألت أنساً كم بلغ إبراهيم؟ قال: كان قد ملأ المهد، ولو بقي لكان نبياً، ولكن لم يكن ليبقى، لأن نبيكم آخر الأنبياء، ولفظ أحمد لو عاش إبراهيم بن النبي ﷺ لكان صديقاً ولم يذكر القصة. فهذه أحاديثُ صحيحة عن هؤلاء الصحابة أنهم أطلقوا ذلك، فلا أدري ما الذي حمل النووي في ترجمة إبراهيم المذكور من كتاب تهذيب الأسماء واللغات على استنكار ذلك ومبالغته حيث قال: هو باطل، وجسارة في الكلام على المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلل. ويحتمل أن يكون استحضر ذلك عن الصحابة المذكورين، فرواه عن غيرهم ممن تأخر عنهم فقال ذلك، وقد استنكر قبله ابن عبد البر في "الاستيعاب" الحديث المذكور فقال هذا لا أدري ما هو، وقد ولد نوح من ليس بنبي، وكما يلد غيرُ النبي نبياً فكذا يجوز عكسه، حتى نسب قائله إلى المجازفة والخوض في الأمور المغيبة بغير علم إلى غير ذلك، مع أن الذي نقل عن الصحابة المذكورين إنما أتوا فيه بقضية شرطية. أهـ.
١٢٦٠ - * روى أحمد عن السُّدي قال: سألتُ أنس بن مالك قلت صلى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم؟ قال: لا أدري رحمةُ الله على إبراهيم لو عاش لكان صِديقاً نبياً (١).
* * *
стр. 1325
بناته ﵊
١ - رُقيةُ بنتُ رسول الله ﷺ
يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: قال ابن سعد: تزوجها عُتبةُ بن أبي لهب قبل النبوة كذا قال، وصوابهُ: قبل الهجرة.
فلما أزِلتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (١)، قال أبوه: رأسي من رأسك حرامٌ، إن لم تطلق بنتهُ. ففارقها قبل الدخول.
وأسلمت مع أمها - خديجة - وأخواتها. ثم تزوجها عُثمان، وولدت من عثمان عبد الله، وبه كان يُكنى، وبلغ ست سنين، فنقرهُ ديك في وجهه، فطَمِر وجهه، فمات (كمر وجهه: ورِمَ وانتفخ.).
قال ابن سعد: هاجرت معه إلى الحبشة، الهجرتين جميعاً، ثم هاجرتْ إلى المدينة بعد عثمان، ومرضت قبيل بدر، فخلف النبي ﷺ عليها عثمان؛ فتُوفيت، والمسلمون ببدر. أهـ.
قال الذهبي في التلخيص: ذكرها عروة في تسمية الذين خرجوا المرة الأولى إلى هجرة الحبشة مع زوجها عثمان. وقيل كانت أصغر من أختها زينب بثلاث سنين وولدت لعثمان عبد الله، مات صغيراً.
١٢٦١ - * روى الطبراني عن الزُّهري قال: تُوفيت رُقية يوم جاء زيدُ بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ببشرى بدرٍ.
* * *
стр. 1326
٢ - زينب بنت رسول الله ﷺ
وأكبرُ أخواتها من المهاجرات السيدات.
يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: تزوجها في حياة أمها ابنُ خالتها أبو العاص: فولدت له: أمامة التي تزوج بها عليُّ بن أبي طالب بعد فاطمة، وولدتْ له: عليٍّ بن أبي العاص الذي يُقال: إن رسول الله ﷺ أرْدفهُ يوم الفتح، وأظنه مات صبياً.
وذكر ابن سعد: أن أبا العاص تزوج بزينب قبل النبوة. وهذا بعيد.
أسلمت زينب، وهاجرت قبل إسلام زوجها بست سنين. أهـ.
وقال الذهبي في تلخيصه للمستدرك: (هي أكبرهن) قاله الزهري فقيل ولدت سنة ثلاثين من مولده - أي مولد النبي ﵊ وماتت سنة ثمان للهجرة. أهـ.
وقال الذهبي في السير: قال الشعبي: أسلمت زينبُ، وهاجرت، ثم أسلم زوجها بعد ذلك وما فرق بينهما.
وكذا قال قتادة، وقال: ثم أنزلت "براءةٌ" بعد. فإذا أسلمت امرأة قبل زوجها؛ فلا سبيل له عليها، إلا بخطبة.
وقال ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ رد ابنته إلى أبي العاص بعد سنين بنكاحها الأول ولم يُحدث صداقاً.
وعن محمد بن إبراهيم التيمي، قال: خرج أبو العاص إلى الشام في عير لقريش، فانتدب لها زيد في سبعين ومئة راكب؛ فلقُوا العير في سنة ست، فأخذوها، وأسروا أناساً، منهم أبو العاص، فدخل على زينب سحراً، فأجارته، ثم سألتْ أباها، أن يرُد عليه متاعه ففعل، وأمرها ألا يقربها ما دام مشركاً، فرجع إلى مكة، فأدى إلى كل ذي حق حقه، ثم رجع مسلماً مهاجراً في المحرم سنة سبع، فرد عليه زينب بذاك النكاح الأول، وتوفيت في أول سنة ثمان. أهـ.
стр. 1327
١٢٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين تُوفيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني" فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حِقوَهُ فقال: "أشعرنها إياهُ" تعني إزاره.
روى البزار (١) عن أبي هريرة: بعث رسول الله ﷺ سرية، وكنت فيهم، فقال: "إن لقيتم هبار بن الأسود، ونافع بن عبد عمرو، فأحرقوهما"، وكانا نخساً بزينب بنت رسول الله حين خرجت، فلم تزل ضَبْنَة حتى ماتت.
ثم قال: "إنْ لقيتموهما، فاقتلوهما؛ فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله".
١٢٦٣ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت لما بعث أهل مكة في فداء أساراهُم بعثت زينب بنت رسول الله ﵌ في فداء أبي العاص بقلادةٍ وكانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها فلما رآها رسول الله ﵌ رق لها رقةً شديدةً، وقال: "إن رأيتُم أن تُطلقوا لها أسيرها وترُدوا عليها الذي لها".
стр. 1328
١٢٦٤ - * روى الطبراني عن عروة بن الزبير أن رجلاً أقبل بزينب بنت رسول الله ﷺ فلحقهُ رجلان من قريش فقاتلاه حتى غلباهُ عليها، فدفعاها فوقعت على صخرة فأسقطتْ وأهريقتْ دماً، فذهبوا بها إلى أبي سفيان، فجاءتهُ نساء بني هاشم فدفعها إليهن، ثم جاءت بعد ذلك مهاجرة فلم تزل وجعة حتى ماتت من ذلك الوجع، فكانوا يرون أنها شهيدة.
١٢٦٥ - * روى الطبراني عن ابن جريج قال: قال لي غير واحد كانت زينبُ بنت رسول الله ﷺ أكبر بنات رسول الله ﷺ .
١٢٦٦ - * روى الطبراني عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة خرجتْ ابنته زينبُ من مكة مع كنانة أو ابن كنانة، فخرجُوا في طلبها فأدركها هبار بن الأسود، فلم يزلْ يطعن بعيرها برُمحه حتى صرعها، وألقت ما في بطنها فتحملت واشتجر فيها بنو هاشمٍ، وبنو أمية، فقال بنو أمية: نحن أحق بها، وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص، وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة، وكانت تقول هذا في سبب أبيك. فقال رسول الله ﷺ : لزيد بن حارثة: "ألا تنطلقُ فتجيء بزينب" قال: بلى يا رسول الله. قال: (١) "فخُذ خاتمي فأعطها إياه" فانطلق زيد فلم يزل يتلطفُ
стр. 1329
فلقي راعياً فقال: لمن ترعى؟ فقال: لأبي العاص. فقال لمن هذه الغنم فقال لزينب بنت محمد ﷺ فسار معه شيئاً، ثم قال هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيها إياهُ، ولا تذكره لأحدٍ قال: نعم. فأعطاه الخاتم فعرفته فقالت، من أعطاك هذا؟ قال رجل قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه فلما جاءته قال لها اركبي بين يدي على بعيره، قالت: لا ولك ناركب أنت بين يدي فركب وركبت وراءه حتى إذا أتت فكان رسول الله ﷺ يقول: "هي خيرُ بناتي أصيبتْ فيِّ "فبلغ ذلك علي بن حسين فانطلق إلى عروة فقال: ما حديث بلغني عنك أنك تحدثه تنتقصُ حق فاطمة، فقال عروة والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني أنتقص فاطمة حقها لها، وأما بعد ذلك إني لا أُحدثُ به أبداً.
١٢٦٧ - * روى الحاكم عن أم سلمة زوج النبي ﵌ أن زينب بنت رسول الله ﵌ أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خُذي لي أماناً من أبيك، فخرجتْ فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي ﵌ في الصبح يُصلي بالناس، فقالت: أيها الناس إني زينب بنت رسول الله ﵌ وإني قدْ أجرتُ أبا العاص، فلما فرغَ النبي ﵌ من الصلاة قال: "أيها الناسُ إنهُ لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يُجيرُ على المسلمين أدناهُم".
١٢٦٨ - * روى الحاكم عن أنس قال: رأيتُ على زينب بنتِ رسول الله ﷺ بُردة سيراء من حرير.
١٢٦٩ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: قدِمَتْ على رسول الله ﷺ حليةً من عند النجاشي أهداها له فيها خاتم من ذهب، فيه فصٍّ حبشيٍّ، قالت (١): فأخذه
стр. 1330
رسول الله ﷺ بعُودٍ معرضاً عنه، أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة ابنة أبي العاص ابنة ابنته زينب، فقال: "تحَلَّي بهذه يا بُنَيَّةُ".
* * *
стр. 1331
٣ - أم كُلثوم بنت رسول الله ﷺ
البضعةُ الرابعة النبوية.
الذهبي في سير أعلام النبلاء: يُقال، تزوجها عُتيبةُ بن أبي لهب، ثم فارقها.
وأسلمت، وهاجرت بعد النبي ﷺ ؛ فلما توفيت أختها رقية تزوج بها عثمان - وهي بكر - في ربيع في ربيع الأول سنة ثلاث، فلم تلد له.
وتوفيتْ في شعبان سنة تسع. فقال النبي ﷺ : "لو كُن عشراً لزوجتهن عثمان" حكاه ابن سعد. أهـ.
١٢٧٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁، قال: شهدنا بنتاً للنبي ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان، قال: فقال: "هل منكم رجلٌ لم يقارف الليلة" فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل، قال: فنزل في قبرها (١).
* * *
стр. 1332
٤ - فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء عنها: سيدةُ نساء العالمين في زمانها البضعة النبوية، والجهة المصطفوية، أم أبيها (كانت كنية لفاطمة ﵂، بنت سيد الخلق رسول الله ﷺ أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيةُ الهاشميةُ، وأم الحسنين.
مولدُها قبل المبعث بقليل. وتزوجها الإمامُ عليُّ بن أبي طالب في ذي القعدة، أو قُبيله، ومن سنة اثنتين بعد وقعة بدر.
وقال ابن عبد البر: دخل بها بعد وقعة أُحُد. فولدتْ له الحسن والحسين، ومحسناً، وأم كلثوم، وزينب.
وروت عن أبيها؛ وروى عنها ابنها الحسين، وعائشة، وأم سلمة، وأنس بن مالك وغيرهم؛ وروايتها في الكتب الستة.
وقد كان النبي ﷺ يُحبها ويُكرمها ويُسرُّ إليها؛ ومناقبُها غزيرةٌ؛ وكانت صابرة دينةً خيرةً صينةً قانعةً شاكرة لله؛ وقد غضب لها النبي ﷺ لما بلغه أن أبا الحسن هم بما رآه سائغاً من خطبة بنت أبي جهل، فترك عليٍّ الخطبة رعاية لها، فما تزوج عليها ولا تسرى فلما توفيت تزوج وتسرى ﵂.
ولما تُوفي النبي ﷺ حزنت عليه، وبكته، وقالت: يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه! يا أبناه! أجاب رباً دعاه! يا أبتاه! جنةُ الفردوس مأواه!
وقالت بعد دفنه: يا أنسُ، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ (١).
وقد قال لها في مرضه: إني مقبوض في مرضي هذا فبكتْ؛ وأخبرها أنها أول أهله
стр. 1333
لحوقاً به، وأنها سيدةُ نساء هذه الأمة فضحكت، وكتمتْ ذلك؛ فلما تُوفي ﷺ ، سألتها عائشةُ؛ فحدثتها بما أسر إليها (١).
وقالت عائشة ﵂: جاءت فاطمةُ تمشي ما تُخطئ مشيتُها مشية رسول الله ﷺ . فقام إليها وقال: "مرحباً بابنتي" (٢).
ولما توفي أبوها تعلقتْ آمالُها بميراثه، وجاءت تطلب ذلك من أبي بكر الصديق. فحدثها أنه سمع من النبي ﷺ يقول: "لا نورثُ، ما تركنا صدقة" فوجدت عليه، ثم تعللت - أي تناست وتشاغلت- (٣).
روى إسماعيل بنُ أبي خالد، عن الشعبيُّ، قال: لما مرضتْ فاطمةُ أتى أبو بكر فاستأذن، فقال عليٍّ: يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذنُ عليك. فقالتْ: أتحبُّ أن آذن له قال: نعم.
قال الذهبي: عملت السنة ﵂، فلم تأذنْ في بيت زوجها إلا بأمره، قال: فأذنت له، فدخل عليها يترضاها، وقال: والله ما تركتُ الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضات الله ورسوله ومرضاتكم أهل البيت.
قال: ثم ترضاها حتى رضيت (٤).
توفيت بعد النبي ﷺ بخمسة أشهر، أو نحوها؛ وعاشت أربعاً أو خمساً وعشرين سنة. وأكثر ما قيل: إنها عاشت تسعاً وعشرين سنة؛ والأول أصحُّ. وكانت أصغر من زينب، زوجة أبي العاص بن الربيع؛ ومن رقية؛ زوجة عثمان بن عفان؛ وقد انقطع نسبُ النبي ﷺ إلا من قبل فاطمة؛ لأن أمامة بنت زينب، التي كان النبيُّ ﷺ يحملُها في صلاته
стр. 1334
تزوجت بعلي بن أبي طالب، ثم من بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وله رؤية، فجاءها منه أولاد.
قال الزبير بنُ بكار: انقرض عقبُ زينب.
وصح أن النبي ﷺ جلل فاطمة وزوجها وابنيهما بكساء، وقال: "اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، اللهم فأذهِبْ عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" (١).
وعن أبي هريرة: نظر النبي ﷺ إلى عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: "أنا حزبٌ لمنْ حاربكم، سِلْمٌ لمن سالمكمُ" (٢).
وعن أبي سعيد: قال رسول الله ﷺ : "لا يُبْغِضُنا أهل البيت - أحد، إلا أدخله الله النار" (٣).
وعن ابن عباس مرفوعاً: "أفضل نساء أهل الجنة خديجةُ وفاطمةُ" (٤).
وكان لها من البنات: أم كلثوم، زوجة عُمر بن الخطاب؛ وزينبُ، زوجةُ عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب.
وعن عائشة، قالت: عاشت فاطمةُ بعد النبي ﷺ ستة أشهر، ودُفنتْ ليلاً.
وقال سعيد بن عفير: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاثٍ خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة؛ وهي بنتُ سبع وعشرين سنة أو نحوها، ودُفِنتْ ليلاً.
وروى يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: مكثت فاطمةُ بعد النبي ﷺ ستةُ أشهر وهي تَذُوب.
стр. 1335
ومما يُنسبُ إلى فاطمة ولا يصح:
ماذا على منْ شَمَّ تربة أحمد ... ألا يشم مدى الزمان غواليا
صُبت عليَّ مصائب لو أنها ... صُبتْ على الأيام عُدن لياليا
ولها في مسند بقيَّ ثمانية عشر حديثاً، منها حديث واحد متفق عليه.
وعن أبي جعفر الباقر: انها تُوفيت بنت ثمانٍ وعشرين سنة، وُلدتْ وقريش تبني الكعبة. قال: وغسلها علي.
وذكر المسبِّحي: أن فاطمة تزوج بها عليُّ بعد عُرس عائشة بأربعة أشهر ونصف، ولفاطمة يومئذ خمس عشرة سنة وخمسةُ أشهر ونصف.
قتيبة بن سعيد: حدثنا محمد بن موسى: عن عون بن محمد بن علي عن أمه أم جعفر. وعن عمارة بن مهاجر، عن أم جعفر: أن فاطمة قالت لأسماء بنت عُميس: إني أستقبحُ ما يُصنَعُ بالنساء، يُطرحُ على المرأةِ الثوبُ، فيصفُها أي وهي على نعشها.
قالت: يا ابنة رسول الله، ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوباً.
فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله! إذا مِتُّ فغسليني أنت وعليِّ، ولاي دخلن أحد عليّ.
فلما تُوفيتْ، جاءتْ عائشة لتدخل، فقالت أسماءُ: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر. فجاء، فوقف على الباب، فكلَّم أسماء. فقالت: هي أمرتني. قال: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف.
قال ابن عبد البر: هي أول من غُطي نعشها في الإسلام على تلك الصفة. أهـ.
١٢٧١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت (١): دعا النبي ﷺ فاطمة عليها