يُصلح الله على يديه فئتين عظيمتين".
وفي رواية أبي (١) داود قال: قال رسول الله ﷺ للحسن بن عليٍّ: "إن ابني هذا سيدٌ، وإني أرجو أن يُصلح الله به بين فئتين من أمتي".
وفي رواية: "ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين".
١٣٣٣ - * روى الترمذي عن أبي جحيفة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وكان الحسنُ بن عليٍّ يشبهه.
١٣٣٤ - * روى البخاري عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: صلى أبوب كر العصر، ثم خرج يمشي ومعه عليّ، فرأى الحسن يلعبُ مع الصبيان فحمله على عاتقه، وقال: بأبي، شبيه بالنبي، ليس شبيهاً بعلي، وعليٌّ يضحك.
١٣٣٥ - * روى أحمد والترمذي عن أبي الحوراء السعدي: قال قلت للحسن بن علي ما تذكر من رسول الله ﷺ قال: أذكر أني أخذتُ تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فيّ فانتزعها رسول الله ﷺ بلعابها فألقاها في التمر فقال له رجل ما عليك لو أكل هذه التمرة قال: "إنا لا نأكل الصدقة" قال وكان يقول: "دعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة" قال وكان يعلمنا هذا الدعاء: "اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنه لا يذلُ من واليت" ربما قال: "تباركت ربنا وتعاليت".
١٣٣٦ - * روى الطبراني عن أبي جميلة أن الحسن بن علي حين قُتل عليٍّ استُخِلف فبينا
стр. 1367
هو يصلي بالناس إذ وثب إليه رجل فطعنه بخنجر في ورُكه فتمرض منها أشهراً ثم قام على المنبر يخطب فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإنا أُمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فما زال يومئذ يتكلمُ حتى ما نرى في المسج إلا باكياً.
ذكر الذهبي (١) في السير عن هوذة: عن عوفٍ، عن محمدٍ، قال: لما ورد معاوية الكوفة واجتمع عليه النسا، قال له عمرو بن العاص: إن الحسن مرتفعٌ في الأنفس لقرابته من رسول الله ﷺ ، وإنه حديث السن عييّ، فمره فليخطبْ، فإنه سيعيي، فيسقطُ من أنفس الناس، فأبى فلم يزالوا به حتى أمره، فقام على المنبر دون معاوية: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: لو ابتغيتم بين جابَلْقَ وجابَرْس (أي المشرق والمغرب) رجلاً جدُّه نبيٌّ غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنا قد أعطينا معاوية بيعتنا، ورأينا أن حقْنَ الدماء خيرٌ ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، وأشار بيده إلى معاوية. فغضب معاويةُ، فخطب بعده خطبة عييةً فاحشةً، ثم نزل. وقال: ما أردت بقولك: فتنةً لكم ومتاع؟ قال: أردتُ بها ما أراد الله بها.
١٣٣٧ - * روى الحاكم عن جبير بن نُفير قال: قلتُ للحسن: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة. فقال: قد كانت جماجمُ العرب في يدي، يُسالمون من سالمتُ، ويحاربون من حاربت، تركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقني دماء أمة محمد ﷺ ، ثم أبتزها بأتياسِ الحجاز؟
١٣٣٨ - * روى البزار عن رجاء بن ربيعة قال كنت جالساً بالمدينة في مسجد الرسول ﷺ في حلقةٍ فيها أبو سعيد وعبد الله بن عمرو، فمر الحسنُ بن علي فسلم فرد عليه القومُ وسكت عبد الله بن عمرو، ثم اتبعه فقال: وعليك السلام ورحمة الله. ثم قال: هذا أحبُّ
стр. 1368
أهل الأرض إلى أهل السماء. والله ما كلمته منذ ليالِ صفين. فقال أبو سعيد: ألا تنطلق إليه فتعذر إلأيه؟ قال: نعم، قال: فقام فدخل أبو سعيد فاستأذن فأذن له، ثم استأذن لعبد الله بن عمر فدخل، فقال أبو سعيد لعبد الله بن عمرو: حدثنا بالذي حدثتنا به حيث مر الحسن، فقال: نعم، أنا أحدثكم إنه أحبُّ أهل الأرض إلى أهل السماء. قال: فقال له الحسن: إذ علمت أني أحب أهل الأرض إلى أهل السماء فلم قاتلتنا أو كثرت يوم صفين؟ قال: أما إني والله ما كثرت سواداً ولا ضربت معهم بسيف ولكني حضرت مع أبي أو كلمة نحوها. قال: أما علمت أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله؟ قال: بلى ولكني كنت أسردُ الصوم على عهد رسول الله ﷺ فشكاني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن عمرو يصوم النهار ويقوم الليل، قال "صم وأفطر وصل ونم، فإني أنا أًلي وأنام وأصوم وأفطر قال لي: يا عبد الله اطع أباك" فخرج يوم صفين وخرجت معه.
١٣٣٩ - * روى الطبراني عن المقبري قال: كان مع أبي هريرة، فجاء الحسن بن علي ﵄ فسلم فرد عليه القوم ومعنا أبو هريرة لا يعلم، فقيل، له: هذا حسن بن علي يسلم فلحقه فقال: وعليك يا سييد فقيل له: تقول: يا سيدي؟ فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قال إنه سيد.
١٣٤٠ - * روى الطبراني عن ابي الطفيل قال: خطبنا الحسنُ بن علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه وذكر أمير المؤمنين علياً ﵂ خاتم الأوصياء ووصىِّ الأنبياء وأمين الصديقين والشهداء ثم قال: يا أيها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، لقد كان رسول الله ﷺ يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه (١)، لقد قبضه الله في الليلة التي قبض فيها وصيّ
стр. 1369
موسى، وعُرج بروحه في الليلة التي عُرج فيها بروح عيسى بن مريم وفي الليلة التي أنزل الله فيها الفرقان، والله ما ترك ذهباً ولا فضة وما في بيت ماله إلا سبعمائة وخمسون درهماً فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادماً لأم كلثومٍ، ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الل عليه وسلم ثم تلاه هذ الآية قول يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ثم أخذ في كتاب الله، ثم قال: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، وأنا ابن النبي، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم وولايتهم فقال فيما أنزل على محمد ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وفي رواية وفيها قُتل يوشعُ بن نونٍ فتى موسى.
١٣٤١ - * روى أحمد والطبراني عن عمير بن إسحاق، قال: رأيتُ أبا هريرة لقي الحسن بن علي فقال له: اكشف عن بطنك حيث رأيتُ رسول الله ﷺ يقبلُ منه فكشف عن بطنه فقبله، فقبل سُرَّته.
١٣٤٢ - * روى البخاري عن الحسن البصري ﵀ قال: استقبل والله الحسنُ بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إني لأرى كتائب لا تُولي حتى تقتُل أقرانها، فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين-: أي عمرو: أرأيت إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ منْ لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمُرة (١)، وعبد
стр. 1370
الله بن عامر، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه، وتكلما، وقالا له، وطلبا إليه، فقال لهم الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرضُ عليك كذا وكذا، ويطلبُ إليك ويسألك؟ قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئاً إلا قالا: نحنُ لك به، فصالحهُ فقال الحسن: لقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن عليٍّ إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: "إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
تصويبات:
١ - لا شك أن الحسن ﵁ هو الخليفة الراشد الخامس وتنازله عن الخلافة لمعاوية ﵁ وهو الأحق منه بالخلافة يرشدنا إلى أنه يجوز لولي الأمر أن يتنازل عن إمرته إذا وجد أن في ذلك مصلحة للمسلمين، وهكذا قدمت لنا الخلافة الراشدة نموذجين، نموذجاً على الاستمرار بالتمسك بالحق وعدم الرضوخ لمطالب الثائرين كما فعل عثمان ﵁، ونموذجاً على التنازل حقناص لدماء المسلمين، وكل ذلك سنة لخليفة راشد.
٢ - لقد كان الحسن ﵁ على رأس الأمر وعنده كتائب كأمثال الجبال ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فلم يكن تنازله لمعاوية ﵁ عن تقية ولكن كان عن قناعة وروية ومصلحة وهذا حجةً على الشيعة في أكثر من مقام، وبالنسبة للمستقبل فإنه يفتح للشيعة الباب أن يخضعوا لأي خليفة فضلاً عن خليفة يختاره المسلمون.
* * *
стр. 1371
٢ - الحسين الشهيد بن علي ﵄
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
الإمام الشريفُ الكامل، سِبطُ رسول الله ﷺ ، وريحانته من الدنيا، ومحبوبُه. أبو عبد الله الحسين بن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن عبد مناف ابن قصي القرشي الهاشمي.
حدث عن جده، وأبويه، وصهره عمر، وطائفة.
حدث عنه: والداه عليٌّ وفاطمةُ، وعبيد بن حنين، وهمام الفرزدق، وعكرمة، والشعبي، وطلحة العقيلي، وابن أخيه زيد بن الحسن، وحفيده محمد بن علي الباقر، ولم يدركه، وبنته سُكينة، وآخرون.
قال الزبير: مولده في خامس شعبان سنة أربع من الهجرة.
قال جعفر الصادق: بين الحسن والحسين في الحمل طهر واحد.
حماد بن زيد: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد بن حُنين، عن الحسين، قال: صعدتُ المنبر إلى عمر، فقلت: انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك. فقال: إن أبي لم يكن له منبر، فأقعدني معه، فلما نزل، قال: أي بني من علمك هذا؟ قلت: ما علمنيه أحد. قال: أي بني! وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا الله ثم أنتم، ووضع يده على رأسه، وقال: أي بني! لو جعلت تأتينا وتغشانا. إسناده صحيح.
روى جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عمر جعل للحسين مثل عطاء عليٍّ، خمسة آلاف.
حماد بن زيد: عن معمر، عن الزهري: أن عمر كسا أبناء الصحابة؛ ولم يكن في ذلك ما يصلح للحسن والحسين؛ فبعث إلى اليمن، فأُتي بكسوة لهما، فقال: الآن طابت نفسي.
يونس بن أبي إسحاق: عن العَيْزار بن حُريث، قال: بينا عمرو بن العاص في ظل الكعبة، إذ رأى الحسين، فقال هذا أحبُّ أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم.
стр. 1372
وعن سعيد بن عمرو؛ أن الحسن قال للحُسين: وددتُ أن لي بعض شدة قلبك، فيقول الحسين: وأنا وددتُ أن لي بعض ما بُسط من لسانك.
عن أبي المهزم، قال: كنا في جنازة، فأقبل أبو هريرة ينفُضُ بثوبه التراب عن قدم الحسين.
بلغنا أن الحسين لم يعجبه ما عمل أخوه الحسنُ من تسليم الخلافة إلى معاوية، بل كان رأيه القتال، ولكنه كظم، وأطاع أخاه، وبايع. وكان يقبَلُ جوائز معاوية، ومعاوية يرى له، ويحترمه، ويُجله، فلما أن فعل معاوية ما فعل بعد وفاة السيد الحسن من العهد بالخلافة إلى ولده يزيد، تألم الحسين، وحق له، وامتنع هو ابن أبي بكر وابن الزبير من المبايعة، حتى قهرهم معاوية، وأخذ بيعتهم مكرهين، وغُلبوا، وعجزوا عن سلطان الوقت. فلما مات معاوية، تسلم الخلافة يزيدُ، وبايعه أكثر الناس، ولم يبايع له ابن الزبير ولا الحسين، وأنفوا من ذلك، ورام كل واحد منهما الأمر لنفسه، وسارا في الليل من المدينة.
قالوا: ولما حُضر معاوية، دعا يزيد، فأوصاه، وقال: انظر حُسيناً، فإنه أحبُّ الناس إلى الناس، فصِلْ رحمه، وارفق به، فإن يك منه شيء، فسيكفيك الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه.
ومات معاوية في نصف رجب، وبايع الناس يزيد، فكتب إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: أن ادعُ الناس وبايعهم، وابدأ بالوجوه، وارفقب الحسين، فبعث إلى الحسين وابن الزبير في الليل، ودعاهما إلى بيعة يزيد، فقالا: نُصبح وننظر فيما يعمل الناس. ووثبا، فخرجا. وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فشتمه حسين، وأخذ بعمامته، فنزعها، فقال الوليد: إن هجنا بهذا إلا أسداً. فقال له مروان أو غيره: اقتله. قال: إن ذاك لدم مصون.
وخر جالحسين وابن الزبير لوقتهما إلى مكة، ونزل الحسين بمكة دار العباس، ولزم
стр. 1373
عبد الله الحِجر، ولبس المعافريِّ (١) وجعل يُحرض على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراقن ويقول: هم شيعتكم، وكان ابن عباس ينهاه.
وقال له عبد الله بن مطيع: فداك أبي وأمي، متعنا بنفسك ولا تسر، فوالله لئن قُتلت ليتخذونا خولاً وعبيداً.
ولقيهما عب الله بن عمر، وعبد الله بن عياش بنأبي ربيعة منصرفين من العمرة، فقال لهما: أذكركما الله إلا رجعتما، فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس وتنظران، فإن اجتمع عليه الناس لم تشاذ، وإن افترق عليه كان الذي تريدان.
وقال ابن عمر للحسين: لا تخرج، فإن رسول الله ﷺ خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها، ثم اعتنقه، وبكى وودعه. فكان ابن عمر يقول: غلبنا بخروجه، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك.
وقال له ابن عباس: أين تريد يا ابن فاطمة؟ قال: العراق وشيعتي
قال: إني كاره لوجهك هذا، تخرج إلى قومٍ قتلوا أباك ...
إلى أن قال: وقال له أبو سعيد: اتق الله، والزم بيتك.
وكلمه جابر، وأبو واقد الليثي. وقال ابن المسيب: لو أنه لم يخرج لكان خيراً له.
قال: وكتبتْ إليه عمرةُ تعظم ما يريد أن يصنع، وتُخبره أنه إنما يساقُ إلى مصرعه، وتقول: حدثتني عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُقتل حسين بأرض بابل" فلما قرأ كتابها، قال: فلابد إذاً من مصرعي.
وكتب إليه عبد الله بن جعفر يُحذره ويناشده الله. فكتب إليه: إني رأيت رؤيا، رأيت فيها رسول الله ﷺ ، وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له.
стр. 1374
وأبي الحسين على كل من أشار عليه إلا المسير إلى العراق.
وقال له ابن عباس: إني لأظنك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك كما قُتل عثمان، وإني لأخاف أن تكون الذي يُقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال: أبا العباس! إنك شيخ قد كبرت.
فقال: لولا أن يُزري بي وبك، لنشبتُ يدي في رأسك، ولو أعلمُ أنك تقيم، إذاً لفعلت، ثم بكى، وقال: أقررت عين ابن الزبير. ثم قال بعد لابن الزبير: قد أتى ما أحببت؛ أبو عبد الله يخرج إلى العراق، ويتركك والحجاز:
يا لك من قنبرة (١) بمعمر ... خلا لك البر فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
وقال أبو بكر بن عياش: كتب الأحنف إلى الحسين: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢).
عوانة بن الحكم: عن لبطة بن الفرزدق، عن أبيه قال: لقيتُ الحسين، فقلت: القلوبُ معك، والسيفو مع بني أمية.
ابن عُيينة: عن لبطة، عن أبيه قال: لقيني الحسين وهو خارج من مكة في جماعة عليهم يلامق الديباج؛ فقال: ما وراءك؟ قال: وكان في لسانه ثِقل من برسام (٣) عرض له. وقيل: كان مع الحسين وجماعته اثنان وثلاثون فرساً.
وروى ابنُ سعد بأسانيده: قالوا: وأخذ الحسينُ طريق العُذيب، حتى نزل قصر أبي مقاتل، فخفق خفقة، ثم استرجع، وقال: رأيتُ كأن فارساً يسايرنا، ويقول: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم. ثم نزل كربلاء، فسار إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص
стр. 1375
كالمكره. إلى أن قال: وقُتِل أصحابه حوله، وكانوا خمسين، وتحول إليه من أولئك عشرون، وبقي عامة نهاره لا يقدم عليه أحد، وأحاطت به الرجالة، وكان يشد عليهم، فيهزمهُم، هم يكرهون الإقدام عليه، فصرخ بهم شمر! ثكلتكم أمهاتكم، ماذا تنتظرون به؟ وطعنه سنان بن أنس النخعي ف يترقوته، ثم طعنه في صدره فخر واتز رأسه خولي الأصبحي لا ﵄.
ذكر ابن سعد بأسانيد له قالوا: قدم الحسين مسلم [بن عقيل]، وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة، ويكتب إليه بخبر الناس، فقدم الكوفة مُستخفياً، وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم، وكتب إلى الحسين: بايعني إلى الآن ثمانية عشر ألفاً، فعجَّل؛ فليس دون الكوفة مانع، فأغذ السير حتى انتهى إلى زبالة، فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مئة ألف، وكان على الكوفة النعمان بن بشير، فخاف يزيد أن لا يقدم النعمان على الحسين. فكتب إلى بعيد الله وهو على البصرة. فضم إليه الكوفة، وقال له: إن كان لك جناحان، فطرْ إلى الكوفة! فبادر متعمماً متنكراً، ومر في السوق، لما رآه السفلة، اشتدوا بين يديه: يظنونه الحسين، وصاحوا: يا ابن رسول الله! الحمد لله الذي أراناك، وقبلوا يده ورجله؛ فقال: ما أشد ما فسد هؤلاء. ثم دخل المسجد، فصلى ركعتين، وصعد المنبر، وكشف لثامهم، وظفر برسول الحسين - وهو عبد الله بن بقطر - فقتله. وقدم مع عبيد الله؛ شريك بن الأعور - شيعي-؛ فنزل على هانئ بن عروة، فمرض، فكان عبيد الله يعوده، فهيؤوا لعبيد الله ثلاثين رجلاً ليغتالوه، فلم يتم ذلك. وفهم عُبيد الله، فوثب وخرج، فنم عليهم عبدُ لهانئ، فبعث إلى هانئ - وهو شيخ - فقال: ما حملك على أن تُجيز عدوي؟ قال: يا ابن أخي، جاء حق هو أحقُّ من حقك، فوثب إليه عبيد الله بالعنزة حتى غرز رأسه بالحائط.
وبلغ الخبر مُسلماً، فخرج في نحو الأربع مئه، فما وصل إلى القصر إلا في نحو الستين، وغربت الشمس، فاقتتلوا، وكثر عليهم أصحاب عبيد الله، وجاء الليل، فهرب مسلم، فاستجار بامرأةٍ من كندة، ثم جيء به إلى عبيد الله، فقتله؛ فقال: دعني أوص. قال: نعم. فقال لعمر بن سعد: يا هذا! إنْ لي إليك حاجة، وليس هنا قرشي غيرك، وهذا
стр. 1376
الحسين قد أظلك، فأرسل إليه لينصرف، فإن القوم قد غروه، وكذبوه، وعليِّ دين فاقضه عني، وار جُثتي، ففعل ذلك. وبعث رجلاً على ناقة إلى الحسين، فلقي عليِّ أربع مراحل، فقال له ابنه على الأكبر: ارجع يا أبه، فإنهم أهل العراق وغدرهم وقلةُ وفائهم. فقالت بنو عقيل: ليس بحين رجوع، وحرضُوه، فقال حسين لأصحابه: قد ترون ما أتانا، وما أرى القوم إلا سيخذلوننا، فمن أحب أن يرجع، فليرجع، فانصرف عنه قوم.
وأما عبيد الله فجمع المقاتلة، وبذل لهم المال، وجهز عمر بن سعد في أربعة آلاف، فأبى، وكره قتال الحسين، فقال: لئن لم تسر إليه لأعزلنك، ولأهدمن دارك، وأضرب عنقك. وكان الحسين في خمسين رجلاً، منهم تسعة عشر من أهل بيته. وقال الحسين: يا هؤلاء! دعونا أرجع من حيث جئنا، قالوا: لا. وبلغ ذلك عبيد الله، فهم أن يخلي عنه، وقال: والله ما عرض لشيء من عملي، وما أراني إلا مخل سبيله يذهب حيث يشاء، فقال شمر: إنْ فعلت، وفاتك الرجل، لا تستقيلها أبداً فكتب إلى عمر.
الآن حيث تعلقته حبالنا ... يرجو النجاة ولات حين مناص
فناهضه، وقال لشمر: سر فإن قاتل عمر، وإلا فاقتله، وأنت على الناس. وضبط عبيد الله الجسر، فمنع من يجوزه لما بلغه أن ناساً يتسللون إلى الحُسين.
قال: فركب العسكر، وحسين جالس، فرآهم مقبلين، فقال لأخيه عباس: القهُم فسلهم: ما لهم؟ فسألهم، قالوا: أتانا كتابُ الأمير يأمرنا أن نعرض عليك النزول على حكمه، أو نُناجزك. قال: انصرفوا عنا العشية حتى ننظر الليلة، فانصرفوا.
وجمع حسينُ أصحابه ليلة عاشوراء، فحمد الله، وقال: إني لا أحسبُ القوم إلا مقاتلوكم غداً، وقد أذنت لكم جميعاً، فأنتم في حل مني، وهذا الليل قد غشيكم، فمن كانت له قوة، فيضم إليه رجلاً من أهل بيتي، وتفرقوا في سوادكم، فإنهم إنما يطلبونني، فإذا رأوني، لهوا عن طلبكم. فقال أهل بيته: لا أبقانا الله بعدك، والله لا نفارقك. وقال أصحابه كذلك.
الثوري: عن أبي الجحاف، عن أبيه: أن رجلاً قال للحسين: إن عليِّ ديناً. قال: لا
стр. 1377
يُقاتل معي من عليه دين.
رجع الحديث إلى الأول:
فلما أصبحوا، قال الحسينُ: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت فيما نزل بي ثقةٌ، وأنت وليُّ كل نعمة، وصاحبُ كل حسنة. وقال لعمر وجنده: لا تعجلوا، والله ما أتيتُكم حتى أتتني كتب أماثلكم بأن السُّنة قد أُميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عُطلت؛ فاقدمْ لعل الله يصلح بك الأمة. فأتيتُ؛ فإذْ كرهتُم ذلك، فأنا راجع، فارجعوا إلى أنفسكم؛ هل يصلحُ لكم قتلي، أو يحلُّ دمي؟ ألستُ ابن بنت نبيكم ابن ابن عمه؟ أو ليس حمزة والعباسُ وجعفر عمومتي؟ ألم يبلغكم قول رسول الله ﷺ فيَّ وفي أخي: "هذان سيدا شباب أهل الجنة"؟ فقال شِمْر: هو يعبدُ الله على حرف إن كان يدري ما يقول، فقال عُمر: لو كان أمرُك إليَّ، لأجبتُ. وقال الحسينُ: يا عمر! ليكوننْ لما ترى يومُ يسوؤك. اللهم إنَّ أهل العراق غرُّوني، وخدعوني، وصنعوا بأخي ما صنعوا. اللهم شَتّتْ عليهم أمرهم، وأحصهم عدداً.
فكان أول من قاتل مولى لعبيد الله بن زياد، فبرز له عبدُ الله بنُ تميم الكلبي، فقتله، والحسينُ جالسٌ عليه جَبَّةُ خَزٍّ دكناء، والنبل يقع حوله، فوقعت نبلةُ في ولدٍ له ابن ثلاث سنين، فلبس لأمتهُ، وقاتل حوله أصحابه حتى قُتلوا جميعاً، وحمل ولده عليُّ الأكبر يرتجز:
أنا عليُّ بن الحسين بن عليِّ ... نحنُ وبيت الله أولى بالنبي
فجاءته طعنة، وعطش حسينُ فجاء رجلٌ بماء، فتناوله، فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع في فيه، فجعل يتلقى الدم بيده ويحمد الله. وتوجه نحو المسناة يريد الفرات، فحالوا بينه وبين الماء، ورماه رجل بسهمٍ، فثبته في حنكه، وبقي عامة يومه لا يقدم عليه أحد، حتى أحاطت به الرجالةُ، وهو رابط الجأش، يُقاتل قتال الفارس الشجاع، إن كان ليشُدُّ عليهم فيتكشفون عنه انكشاف المعزى شد فيها الأسد، حتى صاح بهم شِمر: ثكلتكم أمهاتكم! ماذا تنتظرون به؟ فانتهى إليه زرعةُ التميمي، فضرب كتفه، وضربه
стр. 1378
الحسينُ على عاتقه، فصرعه، وبرز سنان النخعي، فطعنه في ترقوته وفي صدره، فخرَّ، ثم نزل ليحتز رأسه، ونزل خولي الأصبحي، فاحتز رأسه، وأتى به عبيد الله بن زياد، فلم يُعطه شيئاً.
قال: ووُجد بالحسين ثلاث وثلاثون جراحة، وقُتل من جيش عمر بن سعد ثمانية وثمانون نفساً.
قال: ولم يُفلت من أهل بيت الحسين سوى ولده عليِّ الأصغر، فالحسينية من ذريته، كان مريضاً، وحسن بن حسن بن علي وله ذرية، وأخوه عمرو، ولا عقب له، والقاسم ابن عبد الله بن جعفر، ومحمد بن عقيل، فقدم بهم وبزينب وفاطمة بنتي علي، وفاطمة وسكينة بنتي الحسين، وزوجته الرباب الكلبية والدة سكينة، وأم محمد بنت الحسن بن علي، وعبيد وإماء لهم.
قال: وأُخذ ثَقَل الحسين، وأخذ رجل حليَّ فاطمة بنت الحسين، وبكى؛ فقالت: لم تبكي؟ فقال: أأسلب بنت رسول الله ﷺ ، ولا أبكي؟ قالت: فدعه، قال: أخاف أن يأخذه غيري.
وأقبل عمر بن سعد، فقال: ما رجع رجل إلى أهله بشر مما رجعتُ به، أطعت ابن زياد، وعصيت الله، وقطعتُ الرحم. وورد البشير على يزيدح فلما أخبره، دمعت عيناه، وقال: كنتُ أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. وقالت سكينة: يا يزيد؛ أبنات رسول الله سبايا؟ قال: يا بنت أخي هو والله عليَّ أشدُ منه عليك، أقسمت ولو أن بين ابن زياد وبين حُسين قرابة ما أقدم عليه، ولكن فرقتْ بينه وبينه سمية، فرحم الله حُسيناً، عجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنتُ صاحبه، ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا بنقص بعض عمري، لأحببتُ أن أدفعه عنه، ولوددتُ أن أُتيتُ به سلماً.
ثم أقبل على عليِّ بن الحسين، فقال: أبوك قطع رحمي، ونازعني سلطاني. فقام رجلٌ، فقال: إن سباءهم لنا حلال. قال عليٍّ: كذبت إلا أن تخرج من ملتنا. فأطرق يزيدُ، وأمر بالنساء، فأُدخلن على نسائه، وأمر نساء آل أبي سفيان، فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيام، إلى أن قال: وبكت أمُّ كلثوم بنتُ عبد الله بن عامر، فقال يزيد وهو
стр. 1379
زوجُها: حق لها أن تُعْوِلَ عل كبير قريش وسيدها.
أحمد بن جناب المصيصي: حدثنا خالدُ بن يزيد القسري، حدثنا عمار الدُّهني: قلتُ لأبي جعفر الباقر: حدثني بقتل الحسين. فقال: مات معاوية، فأرسل الوليدُ بن عتبة والي مكة إلى الحسين ليبايع، فقال: أخرني، ورفق به، فأخره، فخرج إلى المدينة، فأتاه رسلُ أهل الكوفة، وعليها النعمان بن بشير، فبعث الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل: أن سِرْ، فانظر ما كتبوا به، فأخذ مسلم دليلين وسار، فعطشوا في البرية، فمات أحدهما. وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فكتب إليه: امض إلى الكوفة، ولم يُعفه، فقدمها، فنزل على عوسجةٍ (١) فدب إليه أهل الكوفة، فبايعه اثنا عشر ألفاً، فقام عُبيد الله بن مسلم؛ فقال للنعمان: إنك لضعيف! قال: لأن أكون ضعيفاً أحبُّ إليَّ من أنْ أكون قوياً في معصية الله، وما كنتُ لأهتك ستراً ستره الله. وكتب بقوله إلى يزيد، وكان يزيدُ ساخطاً على عُبيد الله بن زياد، فكتب إليه برضاه عنه، وأنه ولاه الكوفة مُضافاً إلى البصرة، وكتب إليه أن يقتُل مسلماً، فأسرع عبيدُ الله في وجوه أهل البصرة إلى الكوفة مُتَلثَّماً، فلا يمر بمجلس، فيسلمُ عليهم إلا قالوا: وعليك السلام يا ابن رسول الله، يظنونه الحسين. فنزل القصر؛ ثم دعا مولى له، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وقال: اذهب حتى تسأل عن الذي يُبايع أهل الكوفة؛ فقل: أنا غريبٌ، جئت بهذا المال يتقوى به، فخرج، وتلطف حتى دخل على شيخٍ يلي البيعة، فأدخله على مُسلم، وأعطاه الدراهم وبايعه، ورجع، فأخبر عُبيد الله.
وتحوَّل مسلم إلى دار هانئ بن عُروة المرادي، فقال عُبيد الله: ما بالُ هانئ لم يأتنا؟ فخرج إليه محمد بنُ الأشعث وغيره، فقالوا: إن الأمير قد ذكرك فركِبَ معهم، وأتاه وعنده شُريح القاضي، فقال عُبيد الله: "أتتك بحائنٍ رجلاه" "ميت أو هالك" فلما سلم، قال: يا هانئ أين مسلم؟ قال: ما أدري؛ فخرج إليه صاحبُ الدراهم، فلما رآه، قطع به، وقال: أيُّها الأمير؛ والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء، فرمى نفسه عليَّ. قال:
стр. 1380
ائتني به. قال: والله لو كان تحت قدميَّ، ما رفعتهما عنه، فضربه بعصاً، فشجه، فأهوى هانئ إلى سيف شرطي يستلُّه، فمنعه. وقال: قد حل دمك، وسجنه، فطار الخبرُ إلى مذجج، (قبيلة هانئ) فإذا على باب القصر جلية، وبلغ مُسلماً الخبرُ، فنادى بشعاره، فاجتمع إليه أربعون ألفاً، فعبأهم، وقصد القصر، فبعث عُبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة، فجمعهم عنده، وأمرهم، فأشرفوا من القصر على عشائرهم، فجعلوا يُكلمونهم، فجعلوا يتسللون حتى بقي مُسلم في خمس مئة، وقد كان كتب إلى الحُسين ليُسرع، فلما دخل الليل، ذهب أولئك، حتى بقي مسلم وحده يترددُ في الطرق، فأتى بيتاً! فخرجتْ إليه امرأة، فقال: اسقني، فسقته. ثم دخلتْ، ومكثت ما شاء الله، ثم خرجتْ، فإذا به على الباب، فقالت: يا هذا، إن مجلسك مجلسُ ريبة، فقُم؛ فقال: أنا مسلمُ بن عقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت: نعم فأدخلته، وكان ابنها مولى محمد بن الأشعث، فانطلق إلى مولاه فأعلمه، فبعث عبيد الله الشُّرَطَ إلى مسلم؛ فخرج، وسل سيفه، وقاتل، فأعطاه ابن الأشعث أماناً، فسلم نفسه، فجاء به إلى عُبيد الله، فضرب عنقه وألقاه إلى الناس، وقتل هانئاً.
قال: وأقبل حسين على كتاب مسلم، حتى إذا كان على ساعةٍ من القادسية، لقيه رجل؛ فقال للحسين: ارجعْ، لم أدع لك ورائي خيراً، فهمَّ أن يرجع. فقال إخوةُ مسلم: والله لا نرجع حتى نأخذ بالثأر، أو نُقتل؛ فقال: لا خير في الحياة بعدكم. وسار. فلقيتهُ خيلُ عبيد الله، فعدل إلى كربلاء، وأسند ظهره إلى قصمياً حتى لا يقاتل إل من وجهٍ واحد، وكان معه خمسة وأربعون فارساً ونحو من مئة راجل.
وجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص - وقد ولاه عبيد الله بن زياد على العسكر - وطلب من عبيد الله أن يعفيه من ذلك، فأبى، فقال الحسين: اختاروا واحدة من ثلاث؛ إما أن تدعوني فألحق بالثغور؛ وإما أن أذهب إليى يزيد، أو أُردَّ إلى المدينة. فقبل عمر ذلك، وكتب به إلى عبيد الله، فكتب إليه: لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي. فقال الحسين: لا والله؛ وقاتل، فقُتل أًحابه، منهم بضعة عشر شاباً من أهل بيته.
قال: ويجيء سهمٌ، فيقعُ بابنٍ له صغير، فجعل يمسحُ الدم عنه، ويقول: اللهم احكُمْ
стр. 1381
بيننا وبين قومنا، دعونا لينصرونا، ثم يقتلوننا. ثم قاتل حتى قُتل. قتله رجل مذحجي، وحز رأسه، ومضى به إلى عبيد الله، فقال:
أوقِر ركابي فضةً وذهبا ... فقد قتلتُ الملك المحجبا
قتلت خير الناس أُماً وأبًّا
قال الجماعةُ: مات يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، زاد بعضهم يوم السبت وقيل: يوم الجعة، وقيل: يوم الاثنين.
مولده في شعبان سنة أربع من الهجرة.
عبد الحميد بن بهرام، وآخر ثقة، عن شهر بن حوشب، قال: كنتُ عند أم سلمة زوج النبي ﷺ حين أتاها قتلُ الحسين، فقالت: قد فعلوها؟! ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، ووقعت مغشيةً عليها، فقمنا.
وحدثتني رياً؛ ن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان فبعث، فجيء به، وقد بقي عظماً أبيض، فجعله في سفطٍ، وطيبه، وكفنه ودفنه في مقابر المسلمين. فلما دخلت المسودةُ (١) سألوا عن موضع الرأس فنبشوه، وأخذوه، فالله أعلم ما صُنِعَ به.
وذكر باقي الحكاية وهي قوية الإسناد.
وممن قُتل مع الحسين إخوتُه الأربعة؛ جعفرُ، وعتيق، ومحمد (٢)، والعباسُ الأكبر. وابنه الكبير عليٍّ، وابنه عبد الله، وكان ابنه عليٍّ زينُ العابدين مريضاً، فسِلَم. وكان ييد يُكرمه ويرعاه
وقُتِلَ مع الحسين، ابنُ أخيه القاسمُ بن الحسن، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب، ومحمد وعون ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
стр. 1382
فأولاد الحسين هم؛ عليٍّ الأكبر الذي قُتِلَ مع أبيه، وعليِّ زين العابدين، وذريته عدد كثير، وجعفر، وعبد الله ولم يُعقبا.
فولد لزين العابدين الحسن والحسين ماتا صغيرين، ومحمد الباقر، وعبد الله، وزيدٌ، وعمر، وعليٍّ، ومحمد الأوسط ولم يعقب، وعبد الرحمن، وحسين الصغير، والقاسم ولم يعقب. أهـ من السير.
١٣٤٣ - * روى أحمد عن ربيعة بن شيبان أبي الحوراء قال: قلت للحسين بن عليّ ﵉: ما تعقل عن رسول الله ﷺ ؟ قال صعدت عرفة فأخذت تمرة فسلكتها في فيِّ قال: فقال النبي ﷺ : "ألقها فإنا لا تحل لنا الصدقة".
١٣٤٤ - * روى ابن ماجه عن يعلي بن مرة أنهم خرجوا مع النبي ﷺ إلى طعام دعُوا له. فإذا حسين يلعب في السكةِ. قال: فتقدم النبي ﷺ أمام القوم، وبسط يديه. فجعل الغلامُ يفرُّ ههنا وههنا، ويضاحكه النبي ﷺ حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى في فأس رأسه (١) فقَبَّلهُ. وقال: "حُسينٌ منيِّ، وأنا من حُسينٍ. أحب الله من أحب حُسيناً. حسينٌ سبطٌ من الأسباط".
١٣٤٥ - * روى الطبراني عن أبي رجاء العطاردي قال: لا تسبوا علياً ولا أحداً من أهل البيت فإن جاراً لنا من بلهجيم قال: ألم تروا إلى هذا الفاسق الحسين بن علي قتله الله. فرماه الله بكوكبين في عينيه فطمس الله بصره.
١٣٤٦ - * روى الطبراني عن منذر الثوري قال: كنا إذا ذكرنا حسيناً ومن قُتِلَ معه
стр. 1383
قال محمد بن الحنفية قُتل معه سبعة عشر كلهم ارتكض في رحم فاطمة ﵂ وعنهم.
١٣٤٧ - * روى الطبراني عن الليث يعني ابن سعد قال أبي الحسين بن علي أن يستأسر فقاتلوه فقتلوه وقتلوا ابنيه وأصحابه الذين قاتلوا معه بمكان يقال له: الطَّفُّ، وانطلق بعلي بن حسين وفاطمة بنت حسين وسكينة بنت حسين إلى عبيد الله بن زياد وعليٍّ يومئذٍ غلام قد بلغ فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية فأمر بسكينة فعجلها خلف سريره لئلا ترى رأس أبيها وذوي قرابتها، وعليُّ بن حسينٍ في غُلٍّ فوضع رأسه فضرب على ثنيتي الحسين فقال:
نُفلق هاماً من رجالٍ أحبةٍ ... إلينا وهم كانوا أعسقَّ وأظلما
فقال عليٍّ بن حسين: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فثقل على يزيد أن يتمثل ببيتِ شعرٍ وتلا عليُّ بن الحسين آية من كتاب الله ، فقال يزيدُ: بل بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير، فقال عليٍّ أما والله لو رآنا رسول الله ﷺ مغلولين لأحب أن يُخلينا من الغُل. فقال: صدقت، فخلوهم من الغل، فقال: ولو وقفنا بين يدي رسول الله ﷺ على بعدٍ لأحب أن يقربنا. قال: صدقت، فقربوهم. فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لتريا رأس أبيهما، وجعل يزيد يتطاول في مجلسه ليستر رأسه، ثم أمر بهم فجهزوا وأصلح إليهم وأُخرجوا إلى المدينة.
١٣٤٨ - * روى الطبراني عن الليث بن سعدٍ قال: توفي معاويةُ في رجب لأربع ليال خلون منه، واستخلف يزيد سنة ستين وفي سنة إحدى وستين قتل الحسين بن علي وأصحابه ﵃ لعشر ليال خلون من المحرم يوم عاشوراء. وقُتل العباس بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين عامريةُ، وعفر بن علي بن أبي طالب (١)، وعبد الله بن علي
стр. 1384
ابن أبي طالب، وعثمان بن علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن علي بن أبي طالب وأمه ليلى بنت مسعودٍ نهشلية؛ وعليُّ بن الحسين بن أبي طالب الأكبر وأمه ليلى ثقفية وعبد الله بن الحسين وأمه الربابُ بنت مُري كلبية، وأبو بكر بن الحسين لأم ولدٍ، والقاسم بن الحسين لأم ولد، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب وسليمان مولى الحسين، وقُتل الحسين وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنة ﵃.
١٣٤٩ - * روى الطبراني عن دُويد الجعفي عن أبيه قال: لما قتل الحسين انتهبت جوزر من عسكره فلما طبخت إذا هي دم.
١٣٥٠ - * روى الطبراني عن عمرو بن بعجة قال: أول ذل دخل على العرب قتل الحسين بن علي وادعاء زياد.
١٣٥١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال استأذنني حسين في الخروج، فقال (أي ابن عباس) لولا أن يُزري ذلك بي أو بك لشبكتُ بيدي في رأسك، فكان الذي رد عليِّ أن قال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ من أن يُستحل بي حرم الله ورسوله قال: فذلك الذي سلى بنفسي عنه.
١٣٥٢ - * روى البزار والطبراني عن الشعبي قال: إنما أرا الحسين بن علي أن يخرج إلى أرض أراد ان يلقى ابن عمر فسأل عنه فقيل له: إنه في أرضٍ له، فأتاه ليوةدعه، فقال له: إني أريد العراق. فقال: لا تفعل فإن رسول الله صلى الله علي وسلم قال: "خُيرْتُ بين أنْ أكون ملكاً نبياً أو نبياً عبداً فقيل لي: تواضعْ، فاخترتُ أن أكون نبياً عبداً" (١) وإنك
стр. 1385
بضعةٌ من رسول الله صلى الله عيه وسلم فلا تخرج قال: فأبى فودعه وقال أستودعك الله من مقتول.
١٣٥٣ - * روى الطبراني عن الزبير بن بكار قال: ولد الحسينُ لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقُتل يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، قتله سنان ابن أبي أنس، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، وحز رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد فقال سنان:
أوقِرْ ركابي فضة وذهباً ... أنا قتلت الملك المحجبا
قتلتُ خير الناس أماً وأبا
١٣٥٤ - * روى الطبراني عن الشعبي قال رأيتُ في النوم كان رجالاً من السماء نزلوا معهم حِرابٌ يتتبعون قتلة الحسين فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم.
١٣٥٥ - * روى الطبراني عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ جالساً ذات يوم في بيتي قال: لا يدخل عليَّ أحدٌ فانتظرتُ فدخل الحسين فسمعتُ نشيج رسول الله ﷺ يبكي فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي ﷺ يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل. فقال: "إن جبريل ﵇ كان معنا في البيت قال أفتحبه؟ قلت: أما في الدنيا فنعم". قال: إن أمتك ستقتلُ هذا بأرض يُقال لها: كربلاءُ فتناول جبريل من تربتها فأراها النبي ﷺ فلما أحيط بحسينٍ حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاءُ. فقال: صدق الله ورسوله كربُ وبلاءٌ، وفي رواية صدق رسول الله ﷺ أرض كربٍ وبلاءٍ.
١٣٥٦ - * روى الطبراني عن الزهري قال: قال لي عبد الملك: أيُّ واحد أنت إن أعلمتني أيُّ علامةٍ كانت يوم قتل الحسين. فقال قلتُ (١): لم ترفع حصاةً ببيتِ المقدس إلا
стр. 1386
وجد تحتها دم عبيطٌ، فقال لي عبد الملك: إني وإياك في هذا الحديث لقرينان.
١٣٥٧ - * روى الطبراني عن الزهري قال ما رُفع بالشام حجرٌ يوم قتل الحسين بن علي إلا عن دمٍ.
١٣٥٨ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجلي الكوفي ﵀ قال: كنتُ شاهداً لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض؟ فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، فقال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي ﷺ ، وسمعت النبي ﷺ يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا! ".
وفي رواية (١): أن رجلاً من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يُصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى هذا يسأل عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ ، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدُّنيا".
١٣٥٩ - * روى البخار يعن انس بن مالك رضي الله عن هقال: أُتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجُعل في طستٍ، فجعل ينكتُ، وقال في حُسنه شيئاً، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ وكان مخضوباً بالوسمة.
وفي رواية (٢) قال: كنت عند ابن زيادٍ، فجيء برأس الحسين، فجعل يضربُ بقضيبٍ
стр. 1387
في أنفه، ويقول: ما رأيتُ مثل هذا حُسناً، فقلت: أما إن كان من أشبههم برسول الله ﷺ .
١٣٦٠ - * روى الترمذي عن عُمارة بن عمير ﵀ قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زيادٍ وأصحابه نُضدتْ في المسجد في الرحبة، فانتهيتُ إليهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تُخلل الرؤوس، حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد، فمكثت هنيهةً، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبتْ، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً.
١٣٦١ - * روى الترمذي وابن ماجه عن يعلي بن مرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حُسينٌ مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب حُسيناً، حسين سبط من الأسباط".
١٣٦٢ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله ﷺ من الحسين بن عليّ.
وفي رواية (١): من الحسنِ.
стр. 1388
١٣٦٣ - * روى الطبراني عن أبي قُبيل قال: لما قُتل الحسين بن علي انكسفت الشمسُ كسفةً حتى بدت الكواكبُ نصف النهار حتى ظننا أنها هي.
١٣٦٤ - * روى البزار والطبراني عن أنس قال: لما أُتي عبيد الله بن زيادٍ برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقولُ: لقد كان (أحسبُه قال) جميلاً، فقلت: والله لأسوءنك إني رأيت رسول الله ﷺ يلثم حيث يقعُ قضيبك، قال: فانقبض.
١٣٦٥ - * روى الطبراني عن محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي قال: كان جسد الحسين شبه جسد رسول الله ﷺ .
١٣٦٦ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ فرج ما بين فخذي الحسين وقبل زبيبته.
١٣٦٧ - * روى أحمد عن عائشة أو أم سلمة أن النبي ﷺ قال لإحداهما: "لقد دخل عليَّ البيت ملك فلم يدخلء عليَّ قبلها، قال: إن ابنك هذا حسينا مقتول وإن شئت أريتُك من تربة الأرض التي يُقتل بها" قال: فأخرج تربة حمراء.
١٣٦٨ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن الحضرمي أنه سار مع علي ﵁ وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوي وهو منطلقٌ إلى صفين فنادى علي اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات. قلتُ (١): وما ذاك؟ قالك دخلتُ على النبي ﷺ
стр. 1389
ذات يومٍ وإذا عيناه تذرفان، قلت: يا نبي الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: "بل قام من عندي جبريل ﵇ قيل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات: قال فقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قلت: نعم. قال: فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا".
١٣٦٩ - * روى أبو يعلي عن جار قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقوله.
١٣٧٠ - * روى الطبراني عن أسلم المنقري قال: دخلتُ على الحجاج فدخل سنان بن أبي أنسٍ قاتل الحسين فإذا شيخ آدمُ فيه خنا، طويل الأنف، في وجهه يبرشٌ، فأوقف بحيال الحجاج، فنظر إليه الحجاج فقال: أنت قتلت الحسين؟ قال: نعم، قال: وكيف صنعت به؟ قال: عمتُه بالرمح وهبرتُه بالسيف هبراً فقال له الحجاج: أما إنكما لن تجتمعا في دار.
١٣٧١ - * روى الطبراني عن أم سلمة قالت: سمعت الجن تنوحُ على الحسين بن علي.
١٣٧٢ - * روى الطبراني عن الأعمش قال: خري رجلٌ على قبر الحسين فأصاب أهل ذلك البيت خبلٌ وجنونٌ وجُذامٌ وبرصٌ وفقر.
١٣٧٣ - * روى الطبراني والبزار عن عمارة بن يحيى بن خالد بن عُرفطة قال: كنا عند خالد بن عرفطة يوم قتل الحسين بن علي ﵄ فقال لنا خالد: هذا ما سمعت من رسول الله ﷺ إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي.
стр. 1390
١٣٧٤ - * روى أحمد والطبراني عن ابن عباس قال: رأيتُ النبي ﷺ في المنام بنصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دمُ يلتقطه أو يتبعُ فيها شيئاً فقلت: ما هذا؟ قال: "دمُ الحسين وأصحابه" فلم أزل أتتبعه منذ اليوم.
١٣٧٥ - * روى الطبراني عن أبي الطفيل قال: استأذن ملك القطْرِ أن يسلم على النبي ﷺ في بيت أم سلمة، فقال: "لايدخل علينا أحدٌ" فجاء الحسين بن علي ﵄ فدخل، فقالت أم سلمة: هو الحسين فقال النبي ﷺ : طدعيه" فجعل يعلو رقبة النبي ﷺ ويعبثُ به والملك ينظر، فقال الملك: أتحبه يا محمد؟ قال: "أي والله إني لأحبُّه" قال. أما إن أمتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان، فقال بيده فتناول كفاً من تراب فأخذتْ أم سلمة التراب فصرتْه في خمارها فكانوا يرون أن ذلك التراب من كربلاء.
١٣٧٦ - * روى الطبراني عن علي قال: ليُقتلنَّ الحسينُ، وإني لأعرف التربة التي يقتلُ فيها قريباً من النهرين.
١٣٧٧ - * روى الطبراني عن عبد الملك بن عمير قال: دخلتُ على بعيد الله بن زياد وإذا رأس الحسين قدامهُ على تُرسٍ، فوالله ما لبثتُ إلا قليلاً حتى دخلت على المختار فإذا رأس عبيد الله بن زياد على ترس، فوالله ما لبثت إلا قليلاً حتى دخلتُ على مصعب بن الزبير وإذا رأس المختار على ترس، فوالله ما لبثتُ إلا قليلاً حتى دخلتُ على عبد الله وإذا رأسُ مصعب بن الزبير على ترسي.
١٣٧٨ - * روى الطبراني عن ابن أبي ليلى قال: قال حسين: حين أحسَّ بالقتل (١):
стр. 1391
ائتوني ثوباً لا يرغب فيه أحد أجعله تحت ثيابي لا أجردُ فقيل له: تبان؟ فقال: لا، ذاك لباس من ضُربتْ عليه الذلة، فأخذ ثوباً فخرقه فجعله تحت ثيابه. فلما أن قتل جردوه.
١٣٧٩ - * روى الطبراني عن إبراهيم النخعي قال: لو كنتُ فيمن قتل الحسين ثم غفر لي ثم أدخلت الجنة استحييت أن أمر على النبي ﷺ فينظر في وجهي.
تصويبات:
١ - إذا لم يكن الحسين ﵁ من أئمة الهدى الين يقتدى بهم، فمن هم أئمة الهدى؟ وعلى هذا فتصرفاتُ الحسين محل القدوة ومن تصرفاته نأخذ:
أنه يجوز الخروج على الحاكم إذا وصل إلى الحكم عن غير طريق شرعي، كما يجوز الخروج عليه إذا اختل فيه شرط من شروط الإمامة على أن الجواز شيء والوجوب شيء آخر، وإذا كان هذا جائزاً لمثل الحسين في فضله فإن على غيره أن يعقد موازنات كثيرة قبل أن يقرر الخروج.
٢ - إن خروج الحسين ﵁ علامة على الخيرية في هذه الأمة فهو يمثل صحوتها ورقابتها، ولقد أسقط بفعله عن الأمة إثماً كبيراً، تصور أن تصبح الخلافة ملكاً عضوضاً ولا يتحرك أحد من المسلمين، لقد تحرك الحسين ﵁ ضد أيلولة الخلافة إلى الملك العضوض فأعطى الأمة درساًن صحيح أن الملك استمر وقتل الحسين، لكن استشهاده، وضع الأساس لإنهاء ملك بني أمية، ومع أن الملك العضوض استمر بعد بني أمية لكن الدرس الذي أعطاه الحسين للأمة باقٍ، ألا تسمح لأحد أن يصل إلى حكم المسلمين إلا بالطريق الشرعي، وإلا فالثورات والاضطرابات لا تنتهي.
* * *
стр. 1392
الوصل الثالث
في
بعض أقاربه الأدنين ممن يدخُل في لفظة أهل البيت
بالمعنى العام
стр. 1393
مقدمة
الجد الرابع لرسول الله ﷺ هو قصيّ، فهو ﵊ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، وولد لقصيٍّ أربعة ذكور وامرأتان، اشتهر من الذكور عبد مناف وعبد الدار، وجاء لعبد مناف أربعة نفر: هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل وهم أركان حلف الفضول ابتداء، ثم انسحب من حلف الفضول آل عبد شمس ونوفل، وبقي بنو هاشم وبنو المطلب، ومن ثم استمرت نصرة هذين الفرعين لبعضهما، ومن ههنا حرم بعضهم الزكاة على بني هاشم وبني المطلب، فأبناؤهم وبناتهم هم آل البيت بالمعنى العام على هذا الرأي.
وولد لهاشم أربعة نفر وخمس نسوة: عبد المطلب وأسد وأبو صفي، ونضلة والشقاءُ وخالدة وضعيفة ورقية، وجية.
وولد لعبد المطلب عشرة نفر وست نسوة: العباس وحمزة وعبد الله وأبو طالب والزبير والحارث وحجلا والمقوم وضرار وأبو لهب، وصفية وأم حكيم البيضاء وعاتكه وأميمة وأروى وبرة.
وقد أسلم من أعمامه حمزة ﵁ لكنه استشهد مبكراً ولم يرزق ذكراً، والعباس وقد أنجب، ولذلك فقد دخل آل العباس فيمن تحرم عليهم الصدقة، وأسلم من أولاد عمه أبي طالب: علي وعقيل وجعفر، وقد أنجبوا، فمن ثم أدخل بعضهم هؤلاء الثلاثة فيمن تحرم عليهم الصدقة.
وعلى هذا فالآل بالمعنى العام على رأي هؤلاء هم آل العباس وآل عقيل وآل جعفر وآل علي ﵃ مع خصوصية لآل علي، ونحن سنترجم في هذا الوصل لبعض من كان هاشمياً أو مطلبياً فضلاً عن بعض من يدخلون في الدائرة الأضيق.
مبتدئين بحمزة والعباس ﵃ وصفية من أعمامه وعماته، ثم بجعفر وعقيل ابني عمه أي طالب، وبعض أبناء عمه، ثم نذكر اثنين من أحفاد أعمامه، مع ملاحظة أننا سنؤخر ذكر الإمام علي لنستوفي الكلام عنه مع إخوانه الخلفاء الراشدين.
* * *
стр. 1394
أسلم من أعمامه: حمزة والعباس. وقد استشهد حمزة ﵁.
وأسلم من عماته: صفية بيقين وأروى وعاتكة وأميمة على قول.
وأسلم من أولاد عمه أبي طالب: علي وجعفرٌ وعقيلٌ، وقد استشهد اثنان منهما علي وجعفر. وأسلمت من بنات أبي طالب: أم هانئ.
وأسلم من أولاد عمه أبي لهب: درة ابنته.
وأسلم من أولاد عمه الزبير: ضباعة زوجة المقداد بن الأسود، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وقد استشهد في قتال مع الروم.
وأسلم من أولاد عمه الحارث بن عبد المطلب: نوفلُ بن الحاث، وأسلم معه ابنه الحارث ابن نوفل، وكذلك أبو سفيان بن الحاث وابنه جعفر، وكذلك عبيدة بن الحارث الذي استشهد يوم بدر، وكذلك ربيعة بن الحارث وعبد الله بن الحارث، ولربيعة ابن اسمُه عبد المطلب بن ربيعة له صحبة.
وقد أسلم من أولاد عمه العباس، قُثَم، وقد استشهد بسمرقند، ومعبد بن عباس وكثير ابن العباس وهو تابعي، وتمام ابن عباس والفضل وعبد الله وعبيد الله، وممن له صحبة من أبناء جعفر بن أبي طالب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
والملاحظ أن كثيراً من أقاربه الأدنين من أعمامه وأبناء أعمامه وأبنائهم قد استشهدوا.
ونحن سنترجم ههنا لعمه حمزة والعباس وعمته صفية.
وسنترجم من أبناء عمومته: لجعفر وعقيل وأم هانئ ودرة وعبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس.
وسنترجم من أحفاد أعمامه عبد الله بن جعفر.
* * *
стр. 1395
١ - من أعمامه وعماته ﵊
حمزة بن عبد المطلب
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.
الإمام البطل الضِّرغام أسد الله أبو عُمارة، وأبو يعلي القرشيُّ الهاشميُّ المكيُّ ثم المدنيُّ البدريُّ الشهيد، عم رسول الله، ﷺ ، وأخوه من الرضاعة.
استشهد يوم أحد، قتله وحشي.
ووجدوا حمزة قد بُقر بطنه، واحتمل وحشي كبده إلى هند في نذر نذرته حين قتل أباها يوم بدر. فدفن في نمرةٍ كانت عليه، إذا رُفعت إلى رأسه، بدتْ قدماه، فغطوا قدميه بشيء من الشجر. أهـ.
وقال الحاكم في المستدرك: حمزة بن عبد المطلب كانت له كنيتان أبو يعلي وأبو عمارة لابنيه يعلي، وعمارة، أسلم حمزة في السنة السادسة من النبوة، وكان أسن من رسول الله ﵌ بأربع سنين، وقتل يوم السبت في المغزى بأحد لسبع خلون من شوال سنة ثلاث من الهجرة (١).
١٣٨٠ - * روى الطبراني والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : طسيدُ الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله".
١٣٨١ - * روى الطبراني عن يعقوب بن عُتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريقٍ حليف
стр. 1396
بني زهرة: أن أبا جهلٍ اعترض لرسول الله ﷺ بالصفا فآذاه، وكان حمزةُ ﵁ صاحب قَنْصٍ وصيدٍ، وكان يومئذٍ في قنصه، فلما رجع قالت له امرأتُه وكانت قد رأت ما صنع أبو جهل برسول الله ﷺ : يا أبا عُمارة لو رأيت ما صنع - تعني أبا جهل- بابن أخيكَ فغضب حمزة ومضى كما هو قبل أن يدخل بيته، وهو معلق قوسه في عنقه حتى دخل المسجد فوجد أبا جهل في مجلس من مجالس قريش فلم يكلمه حتى علا رأسه بقوسه فشجه فقام رجالٌ من قريش إلى حمزة يمسكونه عنه فقال حمزة: ديني دينُ محمد أشهد أنه رسول الله فوالله لا أنثني عن ذلك فامنعوني من ذلك إن كنتم صادقين. فلما أسلم حمزة عزَّ به رسول الله ﷺ والمسلمون، وثبت لهم بعضُ أمرهم وهابت قريشُ وعلموا أن حمزة ﵁ سيمنعُه.
١٣٨٢ - * روى الطبراني عن ابن شهابٍ في تسميةِ من شهد بدراً مع رسول الله ﷺ حمزة بن عبد المطلب بن عبد منافٍ.
١٣٨٣ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁ قال: قال لي أمية بنُ خَلَفٍ، وأنا بينه وبين ابنه علي، آخذ بأيديهما: يا عبد الإله من الرجلُ منكم المُعلم بريْشَةِ نعَامةٍ في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزةُ بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل.
١٣٨٤ - * روى الحاكم عن علي قال: قال لي رسول الله، ﷺ : "نادِ حمزة فقلتُ: من هو صاحب الجمل الأحمر؟ فقال حمزةُ: هو عتبة بن ربيع. فبارز يومئذ حمزة عتبة فقتله.
١٣٨٥ - * روى أحمد والحاكم عن أنس قال: لما كان يوم أحد وقف رسول الله ﷺ ، على حمزة وقد جُدع ومُثِّل به، فقال: "لولا أن تجدَ صفيةُ في نفسها (١)، لتركتُه حتى
стр. 1397
يحشره الله من بطون السباع والطيرِ". وكُفن في نمرةٍ إذا خَمِّر رأسهُ، بدت رجلاه، وإذا خُمرت رجلاه بدا رأسه. ولم يُصلِّ على أحدٍ من الشهداء، وقال: "أنا شهيدٌ عليكم" وكان يجمعُ الثلاثة في قبر، والاثنين فيسأل: "أيهما أكثر قرآناً" فيقدمه في اللحد وكفن الرجلين والثلاثة في ثوب.
١٣٨٦ - * روى أحمد والحاكم عن ابن عمر قال: سمع رسول الله ﷺ نساء الأنصار يبكين على هلكاهُن فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجئن فبكين على حمزة عنده. إلى أن قال: "مُرُوهن لا يبكين على هالكٍ بعد اليوم".
وقد ذكرنا رواية وحشي عن قتله حمزة في غزوة أحد.
١٣٨٧ - * روى أحمد عن عروة قال: أخبرني أبو الزبير ﵁ أنه كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى قال فكره النبي ﷺ أن تراهم فقال: "المرأة المرأة"، قال الزبير ﵁ فتوسمت أنها أمي صفية قال فخرجت أسعى إلأيه فأدركتُها قبل أن تنتهي إلى القتلى قال: فلدمتْ في صدري وكانت امرأة جلدة قالت: إليك لا أرض لك قال: فقلت: إن رسول الله ﷺ عزم عليك قال، فوقفتُ وأخرجتُ ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما قال: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة قال فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له فقلنا لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له.
стр. 1398
١٣٨٨ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقولُ إذا ذكر أصحاب أحد: "أما والله لوددتُ أني غودرت مع أصحاب فَحْصِ الجبل".
* * *
العباس بن عبد المطلب
عم رسول الله ﷺ
قال الذهبي في ترجمته: قيل: إنه أسلم قبل الهجرة، وكتم إسلامه، وخرج مع قومه إلى بدر فأُسر يومئذ، فادَّعى أنه مُسلم. فالله أعلم.
وليس هو في عداد الطُّلقاء؛ فإنه كان قدم إلى النبي ﷺ قبل الفتح؛ ألا تراه أجار أبا سثفيان بن حرب.
وله عدة أحاديث، منها خمسة وثلاثون في مُسند بقي وفي (البخاري ومسلم) حديث، وفي (البخاري) حديث، وفي (مسلم) ثلاثة أحاديث.
وقدم الشام مع عُمر.
فعن أسلم مولى عمر: أن عمر لما دنا من الشام تَنحَّى ومعه غلامه، فعمد إلى مركب غلامه فركبه، وعليه فروّ مقلوب، وحوَّل غُلامه على رَحل نفسه.
وإنَّ العباس لبين يديه على فرس عتيق، وكان رجلاً جميلاً فجعلت البطارقةُ يُسلِّمون عليه، فيشير: لستُ به: وإنه ذاك.
قال الكلبي: كان العباس شريفاً، مهيباً، عاقلاً، جميلاً، أبيض بضاً، له ضفيرتان.
وُلد قبل عام الفيل بثلاث سنين.
стр. 1399
كان من أطولِ الرجال، وأحسنِهم صورة، وأبهاهم، وأجهرهم صوتاً مع الحلم الوافر والسؤدد. قال الزبير بن بكار: كان للعباس ثوب لعاري بني هاشم، وجفنة لجائعهم، ومنظرة (١) لجاهلهم وكان يمنع الجار، ويبذُل المال، ويُعطي في النوائب.
ونديمه في الجاهلية أبو سفيان بن حرب.
قال ابن سعد: الطبقة الثانية من المهاجرين والأنصار ممن لم يشهد بدراً؛ فبدأ بالعباس، قال: وأمه نُتيلة بنت جناب بن كليب. وسرد نسبها إلى ربيعة بن نزار بن معدٍ.
وعن ابن عباس: وُلد أبي قبل أصحاب الفيل بثلاث سنين.
وبنوه: الفضل - وهو أكبرهم- وعبد الله البحر، وعبيد الله، وقُثَم ولم يُعقِب - وعبد الرحمن - توفي بالشام ولم يُعقب - ومعبد - استشهد بإفريقية- وأم حبيب: وأمهم: أمُّ الفضل لبابة الهلالية، وفيها يقول ابن يزيد الهلالي:
ما ولدت نجيةُ من فحل ... بجبلٍ نعلمه أو سهل
ككستة من بطن أم الفضل ... أكرمْ بها من كهلةِ وكهلِ
قال الكلبي: ما رأينا ولد أم قط أبعد قبوراً من بني العباس.
ومن أولاد العباس: كثير - وكان فقيهاً - وتمَّام- وكان من أشد قريش - وأميمة؛ وأمُّهم أمُّ ولد. والحارث بن العباس، وأمه حُجيلة بنت جُندب التميمية. فعدتهم عشرة.
ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الثقة قال: كان العباس إذا مر بعمر أو بعثمان، وهما راكبان، نزلا حتى يُجاوزهما إجلالاً لعم رسول الله.
الضحاك بن عثمان الحزامي قال: كان يكون للعباس الحاجةُ إلى غلمانه وهم بالغابة، فيقفُ على سلعٍ، وذلك في آخر الليل، فيُناديهم فيُسمعهم. والغابةُ نحو من تسعة أميال.
стр. 1400
وقال: كان تامِّ الشكل، جهوري الصوت جداً، وهو الذي أمره النبي ﷺ أن يهتف يوم حُنين: يا أصحاب الشجرة.
قال القاضي أبو محمد بن زبر: حدثنا إسماعيل القاضي، أخبرنا نصرُ بن علي: أخبرنا الأصمعي، قال: كان للعباس راعٍ يرعى له على مسيرة ثلاثة أميال، فإذا أراد منه شيئاً صاح به، فأسمعه حاجته.
ليث: حدثني مجاهد، عن علي بن عبد الله، قال: أعتق العباس عند موته سبعين مملوكاً.
وقال: لم يزل العباس مُشفِقاً على النبي ﷺ ، مُحباً له، صابراً على الأذى، ولما يُسلم بعد، بحيث إنه ليلة العقبة عرف، وقام مع ابن أخيه في الليل، وتوثق له من السبعين، ثم خرج إلى بدر مع قومه مكرها، فأُسر؛ فأبدى لهم أنه كان أسلم، ثم رجع إلى مكة. فما أدري لماذا أقام بها (١).
ثم لا ذِكر له يوم أُحد، ولايوم الخندق، ولا خرج مع أبي سفيان، ولا قالت له قريش في ذلك شيئاً، فيما علمت.
ثم جاء إلى النبي ﷺ مهاجراً قُبيل فتح مكة؛ فلم يتحرر لنا قدومُه.
وثبت أن العباس كان يوم حُنين، وقت الهزيمة، آخذاً بلجام بغلة النبي ﷺ ، وثبت معه حتى نزل النصر.
وقال خليفة، وغيره: بل مات سنة أربع وثلاثين، وقال المدائني: سنة ثلاث وثلاثين.
وقد اعتنى الحفاظُ بجمع فضائل العباس رعاية للخلفاء.
وبكل حال، لو كان نبينا ﷺ ممن يُورثُ لما ورثه أحد، بعد بنته وزوجاته، إلا العباس.
стр. 1401
وقد صار الملكُ في ذُرية العباس.
وإذا اقتصرنا من مناقب عم رسول الله ﷺ على هذه النبذة، فلنذكر وفاته: كانت في سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وله ست وثمانون سنة؛ ولمي بلغ أحد هذه السن من أولاده، ولا أولادهم، ولا ذُريته الخلفاء.
عن نملة بن أبي نملة، عن أبيه، قال: لما مات العباس بعثتْ بنو هاشم من يُؤذِن أهل العوالي: رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب. فحشدَ الناس.
فلما أُتي به إلى موضع الجنائز، تضايق، فقدموا به إلى البقيع. فلما رأيت مثل ذلك الخروج قط، وما يقدرُ أحد يدنو إلى سريره. وازدحموا عند اللحد، فبعث عثمان الشرطة يضربون الناس عن بني هاشم، حتى خلص بنو هاشم، فنزلوا في حفرته.
ورأيتُ على سريره بُرد حِبرة قد تقطع من زحامهم.
وفي مستدرك الحاكم (١)، عن محمد بن عقبة، عن كُريبٍ، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يُجلُّ العباس إجلال والده.
عن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يُجل أحداً ما يُجلُّ العباس أو يُكرم العباس (٢).
ورد أن عمر عمدَ إلى ميزابٍ للعباس على ممر الناس، فقلعه. فقال له: أشهد أن رسول الله ﷺ هو الذي وضعه في مكانه. فأقسم عمرُ لتصعدن على ظهري، ولتضعنه موضعه (٣).
عن سعد: كنا مع النبي ﷺ في نقيع الخيلِ، فأقبل العباس، فقال النبي ﷺ : "هذا العباسُ عمُّ نبيكم، أجودُ قريش كفاً، وأوصلها لها" رواه عدةٌ عنه (٤).
стр. 1402
عن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قُحِطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسلُ إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا. قال: فيسقون (١).
قال الحافظ في "الفتح" وقد بيَّنَ الزبيرُ بن بكار في "الأنسابط صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له ان العباس لما استسقى به عمر، قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، قد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. وكان ذلك عام الرمادةِ سنة ثمان عشرة.
عن ابن عباس، أن رجلاً من الأنصار وقع في أبٍ للعباس كان في الجاهلية، فلطمه العباس، فجاء قومُه، فقالوا: والله لنلطمنَّه كما لطمه، فلبسوا السلاح. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عيه وسلم؛ فصعد المنبر، فقال: "أيُّها الناسُ، أيُّ أهلِ الأرض أكرمُ على الله؟ " قالوا: أنت. قال: "فإن العباس، مني وأنا منه، لا تسبُّوا أمواتنا فتؤذُوا أحياءنا" فجاء القوم فقالوا: نعوذ بالله من غضبك يا رسول الله (٢).
عن حُميد بن هلال قال: بعث العلاء بنُ الحضرمي إلى رسول الله ﷺ بمال ثمانين ألفاً من البحرين، فنُثِرتْ على حصير، فجاء النبي ﷺ ، فوقف، وجاء الناسُ؛ فما كان يومئذ عدُّ ولا وزن، ما كان إلا قبضاً. فجاء العباسُ بخميصةٍ عليه، فأخذ، فذهب يقوم، فلم يستطع، فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: ارفع عليَّ. فتبسم رسول الله حتى خرج ضاحكطُه - أو نابه - فقال: أعد في المال طائفة، وقم بما تُطيق. ففعل. قال: فجعل العباسُ يقول- وهو منطلق - أما إحدى اللتين وعدنا الله، فقد أنجزها - يعني قوله:
стр. 1403
﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) (ونزلت الآية بعد غزوة بدر) فهذا خيرٌ مما أُخذ مني. ولا أدري ما يُصنع في المغفرة (٢).
عن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ عُمر على الصدقة ساعياً، فمنع ابنُ جميلٍ، وخالدٌ، والعباسُ. فقال رسول الله: "ما ينقمُ ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله! وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً، إنه قد احتبس أدراعه وأعتادهُ في سبيل الله؛ وأما العباس، فهي عليَّ ومثلها". ثم قال: "أما شعرت أن عم الرجل صِنْو أبيه" (٣).
المطلب بن ربيعة، قال: قال رسول الله ﷺ "ما بالُ رجال يُؤذُونني في العباس، وإن عم الرجل صِنو أبيه، من آذى العباس فقد آذاني" (٤) أهـ.
١٣٨٩ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال لعمر في العباس: "إنَّ عم الرجل صِنوُ أبيه" وكان عمر كلمه في صدقة.
١٣٩٠ - * روى الترمذي عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب: أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مُغضباً وأنا عندهُ، فقال: "ما
стр. 1404
أغضبك؟ " قال يا رسول الله ما لنا ولقريش، إذا تلاقو بينهم تلاقوا بوجوهٍ مبشرةٍ، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، ثم قال "والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجلٍ الإيمانُ حتى يُحبكمْ لله ولرسوله، ثم قال: يا أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني فإنما عمُّ الرجل صِنوُ أبيه".
١٣٩١ - * روى الطبراني عن أبي رزين قال: قيل للعباس: أيما أكبر أنت أم النبيُّ ﷺ فقال: هذا أكبر مني، وأنا وُلدتُ قبله وكان العباس أسن من النبي ﷺ ولد قبل الفيل بثلاث سنين.
١٣٩٢ - *روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للعباس "إذا كان غداة الاثنين فائتني أنت وولدك، حتى أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها وولدك" قال: فغدا وغدونا معه، وألبسنا كساء، ثم قال: "اللهم اغفر للعباس وولده، مغفرة ظاهرة وباطنة، لا تغادر ذنباً، اللهم احفظه في ولده".
١٣٩٣ - * روى الطبراني عن أبي أٍيد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب "لا تبرحْ منزل وبنوك غداً حتى آتيكم فإن لي فيكم حاجة" فانتظروه حتى بعد ما أضحى فدخل عليهم فقال "السلام عليكم" قالوا: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته قال "كيف أصبحتم" قالوا نحمدُ الله قال "تقاربوا بزحف بعضكم إلى بعض" حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته، ثم قال: "يارب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملائتي هذه" فأمنت أسكُفةَ الباب وحوائطُ البيت فقالت: آمين آمين آمين (١).
стр. 1405
١٣٩٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌ "العباس مني وأنا منه".
١٣٩٥ - * روى الحاكم عن جابر قال: كان العباس بالمدينة فطلبت الأنصار ثوباً يلبسونه فلم يجدوا قميصاً يصلحُ عليه إلا قميص عبد الله بن أبي فكسوه إياه قال جابر: وكان العباس أسير رسول الله ﵌ يوم بدر وإنما أخرج كُرهاً، فحمل إلى المدينة فكساهُ عبد الله بن أبي قميصه، فلذلك كفنه رسول الله ﵌ في قميصه مكافأة لما فعل بالعباس.
١٣٩٦ - * روى الحاكم عن عقبة بن عبد الغافر اقل: دخل عبد الله بن العباس على معاوية بن أبي سفيان وقد تحلقت عنده بطون قريش فسأله معاوية عن آبائهم إلى أن قال: فما تقول في أبيك العباس بن عبد المطلب؟ فقال رحم الله أبا الفضل كان والله عم نبي الله، وقرة عين رسول الله، سيد الأعمام والأخدان جد الأجداد وآباؤه الأجوادُ وأجداده الأنجادُ، له علم بالأمور، قد زانه حلم، وقد علاه فهمٌ، كان يُكسبُ حباله كل مهند، ويُكسبُ لرأيه كل مخالفٍ رعديد، تلاشت الأخدان عند ذكر فضيلته، وتباعدت الأنسابُ عند ذكر عشيرته، صاحبُ البيت والسقاية والنسب والقرابة ولم لا يكون كذلك؟ وكيف لا يكون كذلك؟ ومدبر سياسته أكرمُ من دبر وأفهم من نشأ من قريش وركب.
١٣٩٧ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: لما قُبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر خاصم العباس عليا في أشياء تركها رسول الله ﷺ فقال أبو بكر شيء تركه رسول الله صلى الله علي هوسلم فلم يحركه فلا أحركه فلما استُخلف عمر اختصما إليه فقال: (١) شيء لم يحركه أبو بكر فلستُ أحركه فلما استُخلف عثمان اختصما إليه فأسكت عثمان ونكس رأسه قال ابن عباس فحسبتُ