وقد صار الملكُ في ذُرية العباس.
وإذا اقتصرنا من مناقب عم رسول الله ﷺ على هذه النبذة، فلنذكر وفاته: كانت في سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وله ست وثمانون سنة؛ ولمي بلغ أحد هذه السن من أولاده، ولا أولادهم، ولا ذُريته الخلفاء.
عن نملة بن أبي نملة، عن أبيه، قال: لما مات العباس بعثتْ بنو هاشم من يُؤذِن أهل العوالي: رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب. فحشدَ الناس.
فلما أُتي به إلى موضع الجنائز، تضايق، فقدموا به إلى البقيع. فلما رأيت مثل ذلك الخروج قط، وما يقدرُ أحد يدنو إلى سريره. وازدحموا عند اللحد، فبعث عثمان الشرطة يضربون الناس عن بني هاشم، حتى خلص بنو هاشم، فنزلوا في حفرته.
ورأيتُ على سريره بُرد حِبرة قد تقطع من زحامهم.
وفي مستدرك الحاكم (١)، عن محمد بن عقبة، عن كُريبٍ، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يُجلُّ العباس إجلال والده.
عن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يُجل أحداً ما يُجلُّ العباس أو يُكرم العباس (٢).
ورد أن عمر عمدَ إلى ميزابٍ للعباس على ممر الناس، فقلعه. فقال له: أشهد أن رسول الله ﷺ هو الذي وضعه في مكانه. فأقسم عمرُ لتصعدن على ظهري، ولتضعنه موضعه (٣).
عن سعد: كنا مع النبي ﷺ في نقيع الخيلِ، فأقبل العباس، فقال النبي ﷺ : "هذا العباسُ عمُّ نبيكم، أجودُ قريش كفاً، وأوصلها لها" رواه عدةٌ عنه (٤).
стр. 1402
عن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قُحِطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسلُ إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا. قال: فيسقون (١).
قال الحافظ في "الفتح" وقد بيَّنَ الزبيرُ بن بكار في "الأنسابط صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له ان العباس لما استسقى به عمر، قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، قد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. وكان ذلك عام الرمادةِ سنة ثمان عشرة.
عن ابن عباس، أن رجلاً من الأنصار وقع في أبٍ للعباس كان في الجاهلية، فلطمه العباس، فجاء قومُه، فقالوا: والله لنلطمنَّه كما لطمه، فلبسوا السلاح. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عيه وسلم؛ فصعد المنبر، فقال: "أيُّها الناسُ، أيُّ أهلِ الأرض أكرمُ على الله؟ " قالوا: أنت. قال: "فإن العباس، مني وأنا منه، لا تسبُّوا أمواتنا فتؤذُوا أحياءنا" فجاء القوم فقالوا: نعوذ بالله من غضبك يا رسول الله (٢).
عن حُميد بن هلال قال: بعث العلاء بنُ الحضرمي إلى رسول الله ﷺ بمال ثمانين ألفاً من البحرين، فنُثِرتْ على حصير، فجاء النبي ﷺ ، فوقف، وجاء الناسُ؛ فما كان يومئذ عدُّ ولا وزن، ما كان إلا قبضاً. فجاء العباسُ بخميصةٍ عليه، فأخذ، فذهب يقوم، فلم يستطع، فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: ارفع عليَّ. فتبسم رسول الله حتى خرج ضاحكطُه - أو نابه - فقال: أعد في المال طائفة، وقم بما تُطيق. ففعل. قال: فجعل العباسُ يقول- وهو منطلق - أما إحدى اللتين وعدنا الله، فقد أنجزها - يعني قوله:
стр. 1403
﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) (ونزلت الآية بعد غزوة بدر) فهذا خيرٌ مما أُخذ مني. ولا أدري ما يُصنع في المغفرة (٢).
عن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ عُمر على الصدقة ساعياً، فمنع ابنُ جميلٍ، وخالدٌ، والعباسُ. فقال رسول الله: "ما ينقمُ ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله! وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً، إنه قد احتبس أدراعه وأعتادهُ في سبيل الله؛ وأما العباس، فهي عليَّ ومثلها". ثم قال: "أما شعرت أن عم الرجل صِنْو أبيه" (٣).
المطلب بن ربيعة، قال: قال رسول الله ﷺ "ما بالُ رجال يُؤذُونني في العباس، وإن عم الرجل صِنو أبيه، من آذى العباس فقد آذاني" (٤) أهـ.
١٣٨٩ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال لعمر في العباس: "إنَّ عم الرجل صِنوُ أبيه" وكان عمر كلمه في صدقة.
١٣٩٠ - * روى الترمذي عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب: أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مُغضباً وأنا عندهُ، فقال: "ما
стр. 1404
أغضبك؟ " قال يا رسول الله ما لنا ولقريش، إذا تلاقو بينهم تلاقوا بوجوهٍ مبشرةٍ، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، ثم قال "والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجلٍ الإيمانُ حتى يُحبكمْ لله ولرسوله، ثم قال: يا أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني فإنما عمُّ الرجل صِنوُ أبيه".
١٣٩١ - * روى الطبراني عن أبي رزين قال: قيل للعباس: أيما أكبر أنت أم النبيُّ ﷺ فقال: هذا أكبر مني، وأنا وُلدتُ قبله وكان العباس أسن من النبي ﷺ ولد قبل الفيل بثلاث سنين.
١٣٩٢ - *روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للعباس "إذا كان غداة الاثنين فائتني أنت وولدك، حتى أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها وولدك" قال: فغدا وغدونا معه، وألبسنا كساء، ثم قال: "اللهم اغفر للعباس وولده، مغفرة ظاهرة وباطنة، لا تغادر ذنباً، اللهم احفظه في ولده".
١٣٩٣ - * روى الطبراني عن أبي أٍيد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب "لا تبرحْ منزل وبنوك غداً حتى آتيكم فإن لي فيكم حاجة" فانتظروه حتى بعد ما أضحى فدخل عليهم فقال "السلام عليكم" قالوا: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته قال "كيف أصبحتم" قالوا نحمدُ الله قال "تقاربوا بزحف بعضكم إلى بعض" حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته، ثم قال: "يارب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملائتي هذه" فأمنت أسكُفةَ الباب وحوائطُ البيت فقالت: آمين آمين آمين (١).
стр. 1405
١٣٩٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌ "العباس مني وأنا منه".
١٣٩٥ - * روى الحاكم عن جابر قال: كان العباس بالمدينة فطلبت الأنصار ثوباً يلبسونه فلم يجدوا قميصاً يصلحُ عليه إلا قميص عبد الله بن أبي فكسوه إياه قال جابر: وكان العباس أسير رسول الله ﵌ يوم بدر وإنما أخرج كُرهاً، فحمل إلى المدينة فكساهُ عبد الله بن أبي قميصه، فلذلك كفنه رسول الله ﵌ في قميصه مكافأة لما فعل بالعباس.
١٣٩٦ - * روى الحاكم عن عقبة بن عبد الغافر اقل: دخل عبد الله بن العباس على معاوية بن أبي سفيان وقد تحلقت عنده بطون قريش فسأله معاوية عن آبائهم إلى أن قال: فما تقول في أبيك العباس بن عبد المطلب؟ فقال رحم الله أبا الفضل كان والله عم نبي الله، وقرة عين رسول الله، سيد الأعمام والأخدان جد الأجداد وآباؤه الأجوادُ وأجداده الأنجادُ، له علم بالأمور، قد زانه حلم، وقد علاه فهمٌ، كان يُكسبُ حباله كل مهند، ويُكسبُ لرأيه كل مخالفٍ رعديد، تلاشت الأخدان عند ذكر فضيلته، وتباعدت الأنسابُ عند ذكر عشيرته، صاحبُ البيت والسقاية والنسب والقرابة ولم لا يكون كذلك؟ وكيف لا يكون كذلك؟ ومدبر سياسته أكرمُ من دبر وأفهم من نشأ من قريش وركب.
١٣٩٧ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: لما قُبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر خاصم العباس عليا في أشياء تركها رسول الله ﷺ فقال أبو بكر شيء تركه رسول الله صلى الله علي هوسلم فلم يحركه فلا أحركه فلما استُخلف عمر اختصما إليه فقال: (١) شيء لم يحركه أبو بكر فلستُ أحركه فلما استُخلف عثمان اختصما إليه فأسكت عثمان ونكس رأسه قال ابن عباس فحسبتُ
стр. 1406
أن يأخذه فضربتُ بين كتفي العباس، فقلت: يا أبت أقسمتُ عليك إلا سلمته إلى عليٍّ قال: فسلمه له.
* * *
صفية عمةُ رسول الله ﷺ
قال الذهبي: بنت عبد المطلب، الهاشمية. وهي شقيقة حمزة. وأم حواريِّ النبي ﷺ الزبير. وأمُّها من بني زُهرة.
تزوجها الحارث، أخو أبي سفيان بن حرب؛ فتُوفي عنها.
وتزوجها العوامُ أخو سيدة النساء خديجة بنت خويلد، فولدت له: الزبير والسائب، وعبد الكعبة.
والصحيح: أنه ما أسلم من عمات النبي ﷺ سواها.
ولقد وجدت على مصرع أخيها حمزة، وصبرت، واحتسبت.
وهي من المهاجرات الأُوَل، وما أعلم هل أسلمت مع حمزة أخيها، أو مع الزبير ولدها؟
وقد كانت يوم الخندق في حصن حسان بن ثابت. قالت: وكان حسان معنا في الذرية. فمرَّ بالحصن يهوديٍّ، فجعل يُطيفُ بالحصن والمسلمون في نُحور عدوِّهم.
ثم ساقت الحديث، وأنها نزلت، وقتلت اليهودي بعمود.
فروى هشام، عن أبيه، عنها، قالت: أنا أول امرأة قتلت رجلاً: كان حسانُ معنا، فمر بنا يهودي، فجعل يُطيف بالحصن؛ فقلت لحسان: إن هذا لا آمنه أن يدل على عورتنا؛ فقم فاقتله.
قال: يغفر الله لك! لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، فاحجزتْ، وأخذتْ عموداً (١)،
стр. 1407
ونزلتْ، فضربتْه، حتى قتلته (١).
تُوفيت صفية في سنة عشرين، ودُفنت بالبقيع. ولها بضع وسبعون سنة.
عن عائشة: قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام النبي صلى الله لعيه وسلم، فقال: "يا فاطمة بنت محمد، يا صفيةُ بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملكُ لكم من الله شيئاً؛ سلوني من مالي ما شئتم" (٢).
وهي القائلة تندُب رسول الله ﷺ :
عينُ جُودي بدمعةٍ وسهودِ ... واندبي خير هالك مفقود
واندبي المصطفى بحزنٍ شديد ... خالط القلب فهو كالمعمود
كدتُ أقضي الحياة لما أتاهُ ... قدرٌ خط في كتاب مجيد
فلقد كان بالعباد رؤوفاً ... ولهم رحمةً، وخيرَ رشيد
﵁ حياً وميتاً ... وجزاه الجنان يوم الخلودِ
فهذا مما أورد لصفية، فالله أعلم بصحته. أهـ.
* * *
تعليقات
١ - نلاحظ من خلال النظر في سيرة حمزة والعباس وصفية كيف أن الشجاعة سمة في آل بيت رسول الله ﷺ ، نرى ذلك في مواقف حمزة يوم بدر وأُحد ويوم أعلن إسلامه، وترى ذلك في موقف العباس يوم حنين وموقف صفية يوم أُحد، وقتلها الكافر يوم الخندق.
٢ - أنك تلاحظ سعة الأفق ونبل الرأي وافقدام حيث درست حال آل بيت رسول الله ﷺ ، كل واحد منهم أمة.
стр. 1408
٢ - بعض أبناء وبنات أعمامه ﵊
جعفر بن أبي طالب
قال الذهبي: السيد الشهيذُ، الكبير الشأن، علم المجاهدين، أبوعبد الله، ابن عم رسول الله، ﷺ ، عبدِ مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي الهاشمي، أخو علي بن أبي طالب، وهو أسنُّ من علي بعشر سنين.
هاجر الهجرتين، وهاجر من الحبشة إلى المدينة، فوافى المسلمين وهم على خيبر إثر أخذها، فأقام بالمدينة أشهراً، ثم أمره رسول الله، ﷺ على جيش غزوة مؤتة بناحية الكرك، فاستشهد. وقد سُرَّ رسول الله ﷺ كثيراً بقدومه، وحزن والله لوفاته.
(ويقال: عاش بضعاً وثلاثين سنة).
روى شيئاً يسيراً. وروى عنه ابن مسعود، وعمرو بن العاص، وأم سلمة، وابنه عبد الله.
قال الشعبي: تزوج علي أسماء بنت عميس، فتفاخر ابناها محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر. فقال كل منهما: أبي خير من أبيك. فقال علي (زوجها الثالث): يا أسماء اقضي بينهما. فقالت: ما رأيتُ شاباً كان خيراً من جعفر، ولا كهلاً خيراً من أبي بكر. فقال علي: ما تركت لنا شيئاً، ولو قلت غير هذا لمقتك فقالت: والله إن ثلاثة أنت أخسُّهم لخيار.
عن عبد الله بن جعفر قال: ما سألت علياً شيئاً بحق جعفر إلا أعطانيه.
قال شباب: عليّ، وجعفر، وعقيل، أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
قال الواقدي: هاجر جعفر إلى الحبشة بزوجته أسماء بنت عميس، فولدت هناك عبد الله، وعوناً، ومحمداً.
وقال ابن إسحاق: أسلم جعفر بعد أحدٍ وثلاثين نفساً أهـ.
стр. 1409
١٣٩٨ - * عن ابن مسعود قال بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلاً فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى فأتوا النجاشي، وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفراً من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا، قال: فأين هم؟ قال هم في أرضك فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلم ولم يسجدا، فقالوا له: مالك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله ، قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله ﷺ وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله وأمرنا بالصلاة والزكاة قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، قال: ما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟ قالوا: نقول كما قال الله وجل: هو كلمة الله وروحُه ألقاها إلى العراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يفرضها ولد. قال: فرفع عوداً من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوي هذا مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أن رسول الله فإنه الذي نجد في الإنجيل وأنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيت حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد بن مسعود حتى أدرك بدراً وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغه موته.
١٣٩٩ - * روى الحاكم عن جابر ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ من خيبر، قدم جعفر ﵁ من الحبشة، تلقاه رسول الله ﷺ فقبل جبهته ثم قال: "والله ما أدري بأيهما أنا أفرحُ: بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر".
وفي رواية محمد بن ربيعة، عن أجلح: فقبل ما بين عينيه، وضمه واعتنقه (١).
стр. 1410
١٤٠٠ - * روى الإمام أحمد عن أبي قتادة النصاري فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء فقال "عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر ابن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري" فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيداً قال "امضه فإنك لا تدري أي ذلك خير" فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر وأمر أن ينادي الصلاة جامعة فقال رسول الله ﷺ : "باب خير أو بات خير أو ثاب خير" - شك عبد الرحمن - ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيداً فاستغفروا له" فاستغفر له الناس "ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيداً أشهد له بالشهادة فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيداً فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه" ثم رفع رسول الله ﷺ إصبعيه فقال: "اللهم هو سيف من سيوفك فانصره" فمن يومئذ سمي خالد سيف الله ثم قال"انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد" قال فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانا.
١٤٠١ - * روى أبو داود عن يحيى بن عباد حدثني أبي الذي أرضعني وهو أحد بني مرة ابن عوف، وكان في الغزاة غزاة مؤتة، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل.
١٤٠٢ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄، قال: أمر رسول الله ﷺ ، في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ : "إن قُتل زيدٌ فجعفرٌ، وإن قتل جعفرٌ فعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية" (١).
стр. 1411
١٤٠٣ - * روى البخاري عن نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل. فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دُبُره - يعني ظهره".
١٤٠٤ - * روى الحاكم عن عبد الله بن جعفر قال: لما نُعي جعفر قال النبي ﷺ : "اصنعوا لآل جعفرٍ طعاماً، فقد آتاهم أمرٌ يشغلهم".
وفي رواية أحمد: لما جاء نعي جعفر حين قتل. وفيها "أو أتاهم ما شغلهم".
١٤٠٥ - *روى الحاكم عن عائشة قالت: لما أتى نعي جعفر، عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن.
١٤٠٦ - * روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مُرَّ بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مُخضب الجناحين بالدم أبيضُ الفؤاد".
١٤٠٧ - * روى البخار يعن الشعبي: كان ابن عمر إذا سلم علي عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
١٤٠٨ - * روى الطبراني عن ابن عباس بينما رسول الله ﷺ جالسٌ وأسماء بنت عميس قريبة منه رد السلام ثم قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل صلى الله عليهما مروا فسلموا علينا فرددتُ ﵈، وأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا فأصبتُ في جسدي من مقاديمي ثلاثاً وسبعين بين طعنةٍ وضربة، ثم أخذتُ اللواء بيدي اليمنى فقطعت (١)، ثم أخذته باليسار فقطعت فعوضني الله من يدي جناحين أطيرُ بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة أنْزل بهما
стр. 1412
حيثُ شئتُ وآكلُ من ثمارها ما شئت" فقالت أسماء: هنيئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكني أخاف أن لا يصدقني الناس فاصعد المنبر فأخبر الناس يا رسول الله: فصعد المنبر فحمدا الله وأثنى عليه ثم قال "أيها الناس إن جعفر بن أبي طالب مع جبريل ومكائيل له جناحان عوضه الله من يديه يطيرُ بهما في الجنة حيث شاء فسلم علي فأخبر كيف كان أمرهم حين لقي المشركين فاستبان للناس بعد ذلك أن جعفر لقيهم فسمى جعفر الطيار في الجنة ذا جناحين يطيرُ بهما حيث شاء مخضوبة قوادمهُ بالدماء".
١٤٠٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت جعفراً يطيرُ في الجنة مع الملائكة".
١٤١٠ - * روى الترمذي عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال لجعفر بن أبي طالب: "أشبهت خلقي وخُلُقي".
١٤١١ - * روى البخاري عن أبي هريرة، ﵁، قال: إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة، وإني كنتُ ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حتى لا آكلُ الخمير، ولا ألبسُ الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة. وكنتُ ألصقُ بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمُني. وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلبُ بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العُكَّة التي ليس فيها شيء فيشقُّها فنلعقُ ما فيها (١).
стр. 1413
١٤١٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله ﷺ ، أفضل من جعفر بن أبي طالب يعني في الجُود والكرم.
* * *
عقيل بن أبي طالب الهاشمي
قال الذهبي: هو أكبرُ إخوته وآخرهم موتاً، وهو جد عبد الله بن محمد بن عقيل المحدث، وله أولاد: مسلم ويزيد، وبه كان يُكنى، وسعيد، وجعفر، وأبو سعيد الأحول، ومحمد، وعبد الرحمن، وعبد الله.
شهد بدراً مشركاً، وأخرج إليها مكرهاً، فأسر، ولم يكن له مال، ففداه عمه العباس.
ورُوى أن عقيلاً قال للنبي ﷺ يوم أُسِر: من قتلت من أشرافهم؟ قال: قُتِلَ أبو جهل. قال: الآن صفا لك الوادي (أي قتل ألدُّ أعدائك. والوادي: مكة).
قال ابن سعد: خرج عقيل مهاجراً في أول سنة ثمان، وشهد مؤتة، ثم رجع فتمرض مدة، فلم يُسمع له بذكر في فتح مكة ولا حُنين ولا الطائف. وقد أطعمه رسول الله ﷺ بخيبر مئة وأربعين وسقاً كل سنة.
وعن عبد الله بن محمد بن عقيل أن جده أصاب يوم مؤتة خاتماً فيه تماثيل فنفله أباه.
عن زيد بن أسلم قال: جاء عقيل بمخيط، فقال لامرأته: خيطي بهذا ثيابك. فسمع المنادي: ألا لا يغُلنَّ رجل إبرة فما فوقها، فقال عقيل لها: ما أرى إبرتك إلا قد فاتتك.
عن عطاء، رأيتُ عقيل بن أبي طالب شيخاً كبيراً يُقِلُّ الغَرْب (١) قالوا: توفي زمن معاوية.
стр. 1414
وكان أسن من أخيه علي بعشرين سنة؛ ومن أخيه جعفر الطيار بعشر سنين.
هاجر في مدة الهدنة، وشد غزوة مؤتة وله جملة أحاديث.
روى عنه ابنه محمد، وحفيده عبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن طلحة، وعطاء، والحسن، وأبو صالح السمان.
وعُمر بعد أخيه الإمام عليٍّ. ثم وفد على معاوية، وكان بساماً، مزاحاً، علامة بالنسب وأيام العرب أهـ.
١٤١٣ - * روى الحاكم عن أبي إسحاق أن رسول الله ﵌ قال لعقيل ابن أبي طالب: "يا أبا يزيد إني أُحبك حُبين حُباً لقرابتك مني، وحباً لما كنتُ أعلمُ من حب عمي إياك".
* * *
أم هانئ
قال الذهبي: السيدة الفاضلة أمُّ هانئ بنت عم النبي ﷺ ، أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشمية المكية.
أختُ: عليِّ، وجعفر.
اسمها: فاختة. وقيل: هند تأخر إسلامها.
دخل النبي ﷺ إلى منزلها يوم الفتح، فصلى عندها ثمان ركعات ضُحى (١).
روت أحاديث.
حدث عنها: حفيدُها جعدةُ، ومولاها أبو صال حباذام، وكُريب مولى ابن عباس،
стр. 1415
وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومُجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وعُروة بن الزبير؛ وآخرون.
كانت تحت هُبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي، فهرب يوم الفتح إلى نجران. أولداها: عمرو بن هبيرة، وجعدة، وهانئاً، ويوسف.
قال ابن إسحاق: لما بلغ هبيرة إسلامها، قال أبيتاً منها:
وعاذلة هبتْ بليلٍ تلومُني ... وتعذلني بالليل ضل ضلالها
وتزعم أني إن أطعت عشيرتي ... سأوذي وهل يؤذيني إلا زوالها
فإن كنت قد تابعت دين محمد ... وقُطعت الأرحام منك حبالها
فكوني على سحيقٍ بهضبةٍ ... مُلملةٍ غبراء يبسٍ بلالها (١)
قال الذهبي: لم يذكر أحد أن هبيرة أسلم.
وعاشت أم هانئ إلى ما بعد سنة خمسين.
قال الدغولي: كان ابنُها جعدة بن هبيرة، قد ولاه علي بن أبي طالب خراسان، وهو ابن أخته.
وقيل: إن أم هانئ لما بانت عن هبيرة بإسلامها، خطبها رسول الله ﷺ ، فقالت: إني امرأة مصيبة (٢). فسكت عنها.
بلغ مُسندها: ستة وأربعين حديثاً. لها من ذلك حديث واحد أخرجاه أهـ.
١٤١٤ - * روى البخاري ومسلم عن أم هانئ ﵁ أخت علي بن أبي طالب
стр. 1416
رضي الله عنهما، قالت: ذهبتُ إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسلُ، وفاطمةُ ابنته تستره بثوب، فسلمتُ عليه، فقال: "من هذه"؟ فقلت: أنا أمُّ هانئ بنت أبي طالب، فقال: "مرحباً بأم هانئ" فلما فرغ من غُسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفاً في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي علي: أنه قاتل رجلاً قد أجرتهُ - فلان ابن هبيرة - فقال رسول الله ﷺ : "قد أجر من أجرتِ يا أم هانئ"، قالت أم هانئ: وذلك ضُحى.
قال الحافظ في الفتح: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئاً ذكره عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ماورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة.
١٤١٥ - * روى الطبراني عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: خطبني رسول الله صلى الله علي هوسلم فقلتُ: ما بي عنك رعنةٌ يا رسول الله ولكن لا أحب أن أتزوج وبني صغار فقال رسول الله ﷺ "خيرُ نساءٍ ركبن الإبل نساء قريش أحناهُ على طفل في صغره وأرعاه على بعل في ذات يده".
١٤١٦ - * وروى الطبراني عن عبد الرحمن بن أبي رافع أن أمُّ هانئ بنت أبي طالب خرجت متبرحةً قد بدا قُرطاها، فقال لها عمر بن الخطاب: اعملي فإن محمداً لا يغني عنك شيئاً، فجاءت إلى النبي ﷺ فأخبرته به: فقال رسول الله ﷺ "ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنالُ أهل بيتي، وإن شفاعتي تنال حاوحكم" وحاوحكم قبيلتان (١).
* * *
стр. 1417
عبد الله بن عباس البحر
قال الذهبي: حبرُ الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قُصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الهاشمي المكي الأمير ﵁.
مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين.
صحب النبي ﷺ نحواً من ثلاثين شهراً، وحدث عنه بُجملةٍ صالحة، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت وخَلْقٍ.
وقرأ على أُبَّي، وزيد.
قرأ عليه مُجاهد، وسعيد بن جُبير، وطائفة.
روى عنه؛ ابنه علي، وابنأخيه عبد الله بن معبد، ومواليه؛ عِكرمةُ، ومِقْسمُ، وكُريب، وأبو معبد نافذ، وأنسُ بن مالك، وأبو الطُّفيل، وأبو أمامة بن سهل، وأخوه كثير بنُ العباس، وعُروةُ بن الزبير، وعُبيدُ الله بن عبد الله، وطاووس، وأبو الشعثاء جابر، وعلي بن الحسين، وسعيدُ بن جبير، ومجاهدُ بنُ جَبْر، والقاسمُ بنُ محمد؛ وأبو صالح السمان، وأبو رجء العُطاردي، وأبو العالية، وعُبيدُ بن عُمير، وابنه عبد الله، وعطاء بن يسار، وإبراهيمُ بن عبد الله بن معبد، وأربدةُ التميمي صاحبُ التفسير، وأبو صالح باذام، وطليقُ بن قيس الحنفي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبيُّ، والحسنُ، وابن سيرين، ومحمدُ بن كعب القُرظي، وشهر بنُ حوشب، وابنُ أبي مُليْكة، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبو جَمْرة نصرُ بن عمران الضبعيُّ، والضحاكُ بن مُزاحم، وأبو الزُّبير المكيُّ، وبكر بن عبد الله المزني، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيدُ بن أبي الحسن، وإسماعيلُ السُّديُّ، وخلق سواهم.
وفي "التهذيب": من الرواة عنه مئتان سوى ثلاثة أنفس.
стр. 1418
وأُمُّه: هي أمُّ الفضل لبابة بنتُ الحارث بن حَزْ بن بُجير الهلاليةُ من هلال بن عامر.
وله جماعة أولاد؛ أكبرهم العباس، وبه كان يُكنى، وعليُّ أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضلُ، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء.
وكان وسيماً، جميلاً، مديد القامة، ممهيباً، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال.
وأولاده؛ الفضل، ومحمدُ، وعبيد الله، ماتواولا عقب لهم. ولبابةُ ولها أولاد وعقب من زوجها عليِّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنتهُ الأخرى أسماء وكانت عند ابن عمها عبد الله ب عبيد الله بن العباس، فولدت له حسناً، وحُسيناً.
انتقل ابنعباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صح عنه أنه قال: كنتُ أنا وأمي من المستضعفين؛ أنا من الولدان، وأمي من النساء (١) إشارة لقوله تعالى: ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (٢).
قال الزبير بنُ بكار: توفى رسول الله ﷺ ولابن عباس ثلاث عشرة سنة.
قال أبو سعيد بن يونس: غزا ابنُ عباس إفريقية مع ابن أبي سرح؛ وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفساً.
قال أبو عبد الله بنُ مندة: أمه هي أمُّ الفضل أخت أم المؤمنين ميمونة، وُلد قبل الهجرة بسنتين.
وكان أبيض، طويلاً، مُشرباً صفرة (شقرة) جسيماً، وسيماً، صبيح الوجه، وله وفْرةً، يخضِبُ بالحناء، دعا له النبي ﷺ بالحكمة.
قلت: وهو ابن خالة خالد بن الوليد المخزومي.
стр. 1419
سعيد بن سالم، حدثنا ابن جُريج قال: كنا جُلوساً مع عطاء في المسجد الحرام، فتذاكرنا ابن عباس؛ فقال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلا ذكرتُ وجه ابن عباس.
إبراهيم بن الحكم بن أبان؛ عن أبيه، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس إذا مر في الطريق، قُلن النساءُ على الحيطان؛ أمَرَّ المِسكُ، أم مرَّ ابن عباس؟.
عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ دعا له أنْ يزيده الله فهماً، وعلماً.
وعن ابن عباس: دعا لي رسول الله بالحكمة مرتين.
ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: قال لي معاويةُ: أنت على ملة عليٍّ؟ قلتُ: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله ﷺ .
وعن طاووس قال: ما رأيتُ أحداً أشد تعظيماً لحُرمات الله من ابن عباس.
عن ابن عباس، قال: إن كنتُ لأسألُ عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ (إسناده صحيح).
عن سعيد بن جُبير، قال: قال عمر لابن عباس: لقد علمت علماً ما علمناهُ.
عن ابن عباس، قال: دعاني عُمرُ مع الأكابر، ويقولُ لي: لا تتكلمْ حتى يتكلموا، ثم يسألني، ثم يُقبلُ عليهم، فيقول: ما منعكم أن تأتوني بمثل ما يأتيني به هذا الغلامُ الذي لم تستوِ شؤون رأسه (١).
موسى بن عُبيدة، عن يعقوب بن زيد، قال: كان عمر يستشير ابن عباس في الأمر إذا أهمه، ويقول: غُصْ غوَّاصَ.
وعن مُجالد، عن الشعبي قال: قال ابن عباس: قال لي أبي: يا بُني! إنَّ عُمر يُدنيك، فاحفظ عني ثلاثاً: لا تُفْشينَّ له سراً، ولا تغتابنَّ عنده أحداً، ولا يُجرِّيَنَّ عليك كذباً.
стр. 1420
عن عبد اله بن مسعود، قال: لو أدرك ابن عباس أسنانناً ما عشِرهُ منا أحد.
وفي رواية "ما عاشره" (١).
الأعمش: حدثونا أن عبد الله قال: ولنعم ترجمانُ القرآن ابن عباس. أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
الأعمش: عن إبراهيم، قال: قال عبد اللهك لو أن هذا الغلام أدرك ما أدركنا، ما تعلقنا معه بشيء.
وعن عكرمة: سمعتُ معاوية يقول لي: مولاك والله أفقه من مات ومن عاش.
ويُروى عن عائشة قالت: أعلم من بقي بالحح ابن عباس.
عمرو بن دينار: أن أهل المدينة كلموا ابن عباس أن يحاج بهم. فدخل على عثمان، فأمره، فحجَّ، ثم رجع فوجد عثمان قد قُتل؛ فقال لعليٍّ: إن أنت قُمت بهذا الأمر الآن، ألزمك الناس دم عثمان إلى يوم القيامة.
وعن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنه قال لعلي لما قال: سِر فقد وليتُك الشام، فقال: ما هذا برأيٍ، ولكنْ اكتبْ إلى معاوية، فمنه، وعِدْهُ، قال: لا كان هذا أبداً.
ابن جُريج، عن طاووس قال: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس.
وقال مُجاهد: ما رأيتُ أحداً قط مثل ابن عباس. لقد مات يوم مات وإنه لحَبْرُ هذه الأمة.
الأعمش، عن مجاهد، قال: كان ابنُ عباس يُسمى البَحْرَ لكثرة علمه.
стр. 1421
ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ما سمعتُ فُتيا أحسنَ من فتيا ابن عباس إلا أن يقول قائل: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم.
وعن طاووس، قال: أدركتُ نحواً من خمس مئة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس، فخالفوه، فلم يزل يُقررُهم حتى ينتهوا إلى قوله.
قال يزيدُ بن الأصم: خرج مُعاويةُ حاجاً معه ابن عباس، فكان لمعاويةَ موكبٌ، ولابن عباس موكبُ ممن يطلب العلم.
الأعمش: حدثنا أبو وائل قال: خطبنا ابنُ عباس، وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ، ويُفسر، فجعلتُ أقولُ: ما رأيتُ ولاسمعتُ كلام رجل مثل هذا، لو سمعتْه فارس، والروم، والتركُ، لأسلمتْ.
وروى عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل مثله.
روى جويبر، عن الضحاك، قال: ما رأيتُ بيتاً أكثر خُبزاً ولحماً من بيت ابن عباس.
سُليم بن أخضر، عن سليمان التيمي، قال: أنبائي من أرسله الحكم بن أيوب إلى الحسن، فسأله: منْ أولُ من جمع الناس في هذا المسجد يوم عرفة؟ فقال: إن أول من جمع ابن عباس.
وعن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجملُ الناس. فإذا نطق، قلتُ: أفصحُ الناس. فإذا تحدث، قلت: أعلمُ الناس.
قال القاسم بن محمد: ما رأيتُ في مجلس ابن عباس باطلاً قط.
قال سفيان بن عيينة: لم يدركْ مثل ابن عباس في زمانه، ولا مثل الشعبي في زمانه، ولا مثل الثوري في زمانه.
أبو عامر الخزاز: عن ابن أبي مُليكة: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يُصلي ركعتين، فإذا نزل، قام شطر الليل، ويرتلُ القرآن حرفاً حرفاً، ويُكثُر في ذلك من النشيج والنحيب.
стр. 1422
مُعتمر بن سُليمان: عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء، قال: رايت ابن عباس وأسفل من عينيه مثلُ الشراك البالي من البكاء.
وعن الشعبي وغيره: أن علياً ﵁ أقام بعد وقعة الجمل بالبصرة خمسين ليلة، ثم سار إلى الكوفة، واستخلف ابن عباس على البصرة، ووجه الأشتر على مُقدمته إلى الكوفة، فلحقه رجل فقال: من استخلف أمير المؤمنين على البصرة؟ قال: ابن عمه. قال: ففيم قتلنا الشيخ أمس بالمدينة؟ قال: فلم يزل ابن عباس على البصرة حتى سار إلى صفين، فاستخلف أبا الأسود بالبصرة على الصلاة، وزياداً على بيت المال.
وقال الذهبي: وقد كان عليٍّ لما بُويع، قال لابن عباس: اذهب على إمرة الشام. فقال: كلا، أقلُّ ما يصنعُ بي معاوية إنْ لم يقتلني الحبسُ، ولكن استعملهُ، وبين يديك عزلهُ بعد، فلم يقبل منه. وكذلك أشار على عليٍّ أن لا يولي أبا موسى يوم الحكمين، وقال: ولني، أو فول الأحنف، فأراد عليٍّ ذلك، فغلبُوه على رأيه.
قال أبو عبيدة في تسمية أمراء عليٍّ يوم صفين: فكان على الميسرة ابن عباس، ثم رُد بعد إلى ولاية البصرة.
ومما قال حسان ﵁ فيما بلغنا:
إذا ما ابن عباس بدلك وجههُ ... رأيت له في كل أقواله فضلا
إذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ ... بمنتظمات لا ترى بينها فصلا
كفى وشفي ما في النفوس فلم يدع ... لذي أربٍ في القول جداً ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقةٍ ... فنلت ذُراها لا دنيا ولا وغْلا
خُلقت حليفاً للمروءة والندى ... بليجاً، ولم تُخلق كهاماً ولا خبْلا
روى العُتبى عن أبيه، قال: لما سار الحسينُ إلى الكوفة، اجتمع ابن عباس، وابن الزبير، بمكة، فضرب ابن عباس على جيب ابن الزبير، وتمثل:
يا لك من قُنبرةٍ بمعمرِ ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
стр. 1423
وتقري ما شئت أن تُنَقَّري
خلا لك والله يا ابن الزبير الحجازُ، وذهب الحسينُ. فقال ابن الزبير: والله ماترون إلا أنكم حقُّ بهذا الأمر من سائر الناس. فقال: إنما يرى من كان في شك، نحن فعلى يقين. لكن أخبرني عن نفسك: لِمَ زعمت أنك أحق بهذا الأمر من سائر العرب؟ فقال ابن الزبير: لشرفي عليهم. قال: أيما أشرفُ، أنت أم من شُرفتَ به؟ قال: الذي شَرفْتُ به زادني شرفاً. قال: وعلتْ أصواتهما حتى اعترض بينهما رجالٌ من قيش، فسكتوهما.
وعن عكرمة، قال: كان ابن عباس في العلم بحراً ينشقُّ له الأمر من الأمور، وكان النبي ﷺ قال: "اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل" فلما عمي، أتاهُ ناسٌ من أ÷ل الطائف ومعهم علم من علمه -أو قال كتب من كتبه - فجعلوا يستقرؤونه، وجعل يُقدِّم ويؤخر، فلما رأى ذلك، قال: إني قد تلهْتُ من مُصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، فليقرأ عليَّ، فإن إقراري له كقراءتي عليه. قال: فقرؤوا عليه.
تَلِهْتُ: تحيرتُ، والأصل ولهتُ كما قيل في وجاه تجاه.
أبو عوانة: عن أبي الجويرية، قال: رأيت إزار ابن عباس إلى نصف ساقه أو فوق ذلك، وعليه قطيفةٌ روميةٌ وهو يصلي.
رِشْدين بن كُريب: عن أبيه، قال: رأيت ابن عباس يعتمُّ بعمامة سوداء، فيُرخي شِبراً بين كتفيه ومن بين يديه.
ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، أن ابن عباس كان يتخذُ الرداء بألف.
أبو نعيم: حدثنا سلمة بن شابور؛ قال رجل لعطيةَ: ما أضيق كُمكَ قال: كذا كان كمُّ ابن عباس، وابن عُمر.
مالك بن دينار، عن عكرمة: كان ابن عباس يلبس الخز، ويكره المصمت (١).
стр. 1424
١٤١٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: حدثتني أم الفضل بنتُ الحارث (أي أمه) قالت: بينا أنا مارة والنبي ﷺ في الحِجْر فقال: "يا أم الفضل" قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "إنك حاملٌ بغلامٍ" قلت: كيف وقد تحالفت قريش لا يُولدون النساء؟ قال: "هو ما أقول لك، فإذا وضعتيه فائتيني به" قالت: فلماوضعته أتيتُ به النبي ﷺ ، فسماهُ عبد الله، وألباه برقه. قال: "اذهبي به فلتجدنه كيساً" قال: قالت: فأتيتُ العباس فأخبرتهُ، فتبسم، ثم أتى النبي ﷺ ، وكان رجلاً جميلاً مديد القامة، فلما رآه النبي ﷺ قام إلأيه فقبل ما بين عينيه، وأقعده عن يمينه، ثم قال: "هذا عمي فمن شاء فليباه بعمِّه" فقال العباس: بعض القول يا رسول الله قال: "ولم لا أقول؟ وأنت عمي وبقيةُ آبائي والعمُّ والدٌ".
١٤١٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ضمني رسول الله ﷺ إلى صدره، وقال: "اللهم علمْهُ الكتاب" وفي رواية "الحكمة".
وفي رواية (١): أن النبي ﷺ أتى الخلاء، فوضعتُ له وضوءاً، فلما خرج قال: "من وضع هذا؟ " فأُخبر، قال: "اللهم فقهه في الدين".
وعند مسلم (٢): "اللهم فقهه" قال الحميدي: وحكى أبو مسعود قال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
وفي رواية الترمذي (٣) قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: "اللهم علمْهُ الحكمة".
стр. 1425
وفي أخرى (١) قال: دعا لي رسول الله ﷺ أن يؤتيني الحكمة مرتين.
وفي أخرى (٢) قال: إنه رأى جبرل مرتين، ودعا له النبي ﷺ مرتين.
١٤١٩ - * روى أحمد والطبراني عن ابن عباس قال: كنتُ مع أبي عند النبي ﷺ ، وكان كالمُعرِض عن أبي، فخرجنا من عنده، فقال: ألم تر ابن عمك كالمُعرض عني؟ فقلت: إنه كان عنده رجلٌ يُناجيه. قال: أو كان عنده أحد؟ قلت: نعم. فرجع إليه، فقال: يا رسول الله، هل كان عندك أحدٌ؟ فقال لي: "هل رأيته يا عبد الله؟ " قال: قلت نعم. قال: "ذاك جبريلُ، فهو الذي شغلني عنك".
١٤٢٠ - * روى الطبراني عن موسى بن ميسرة أن العباس بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ في حاجة، فوجد عنده رجلاً، فرجع، ولم يُكلمه. فلقي العباس رسول الله ﷺ بعد ذلك، فقال: أرسلتُ إليك ابني، فوجد عندك رجلاً، فلم يستطع أن يكلمه. فقال: "يا عم تدري من ذاك الرجلُ". قال: لا. قال: "ذاك جبيلُ لقيني، لن يموت ابنك حتى يذهب بصرهُ، ويُؤتى علماً".
١٤٢١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس عن أبيه قال أمرني العباس ﵁ قال: بت بآل رسول الله ﵌ ليلة فانطلقتُ إلى المسجد فصلى رسول الله ﵌ العشاء الآخرة، حتى لم يبق في المسجد أحد غيرُه قال: ثم مر بي فقال: "من هذا؟ " فقلت: عبد الله. قال: "فمه؟ " قلت: أمرني أبي أن أبيت بكم الليلة قال: "فالحق" فلما دخل قال: "افرشوا لعبد الله" قال: فأتيت بسادة من مسوح قال: وتقدم إليَّ العباسُ أن لا تنامن حتى تحفظ صلاته قال: فقِدَمَ رسول الله صلى الله وآله وسلم فنام حتى سمعتُ غطيطهُ قال: ثم استوى على فراشه فرفع رأسه إلى السماء
стр. 1426
فقال: "سبحان الملك القُدوس" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية من آخر سورة آل عمران حتى ختمها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم قام فبال ثم استن بسواكه ثم توضأ ثم دخل مُصلاه فصلى ركعتين ليستا بقصيرتين ولا طويلتين قال فصلى ثم أوتر فلما قضى صلاته سمعته يقول: "اللهم اجعلْ في بصري نوراً واجعل في سمعي نوراً، واجعل في لساني نورا، واجعل في قلبي نورا، واجعل عن يميني نوراً، واجعل عن شمالي نورا، واجعل أمامي نوراً، واجعل من خلفي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، واجعل من أسفل مني نوراً، واجعل لي يوم لقائك نوراص، وأعظمْ لي نوراً".
١٤٢٢ - * روى البخاي عن ابن عباس قال ضمني النبي ﷺ إلى صدره ودعا لي بالحكمة.
١٤٢٣ - * روى أحمد والحاكم عن عبد الله، قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونة، فوضعتُ للنبي ﷺ غُسلا، فقال: "مَنْ وضع هذا"؟ قالوا: عبد الله. فقال: "اللهم علمه التأويل وفقههُ في الدين".
١٤٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: أقبلتُ راكباً على أتانٍ، وأنا يومئذ قد ناهزتُ الاحتلام، ورسول الله ﷺ يُصلي بالناس بمنى.
وفي رواية (١) عن ابن عباس قال: أقبلتُ راكباً على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزتُ الاحتلام، ورسول الله صلى الله عيه وسلم يصلي بالناس بمنى، فمررتُ بين يدي بعض الصف، فنزلتُ، فأرسلتُ الأتان ترتع، ودخلتُ في الصف، فلم ينكر ذلك على أحد.
стр. 1427
١٤٢٥ - * روى الحاكم والطبراني عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة. وقد ختنت.
١٤٢٦ - * روى البخاري عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ ؟ قال: أنا يومئذ مختون قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك.
قال الحافظ في (الفتح): المحفوظ الصحيح أنه ولد بالشعب وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة، وبذلك قطع أهل السير وصححه ابن عبد البر، وأورده بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: ولدت وبنو هاشم في الشعب، وهذا لا ينافي قوله: "ناهزت الاحتلام" ولا قوله: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك، لاحتمال أن يكون أدرك، فختن قبل الوفاة النبوية وبعد حجة الوداع، وأما قوله "وأنا ابن عشر" فمحمول على إلغاء الكسر، ورواية أحمد "وأنا ابن خمس عشرة" يمكن ردها إلى رواية ثلاث عشرة بأن يكون ابن ثلاث عشرة وشيء، وولد في أثناء السنة، فجبر الكسرين، بأن يكون ولد مثلاً في شوال، فله من السنة الأولى ثلاثة أشهر، فأطلق عليها سنة، وقبض النبي صلى الله عيه وسلم في ربيع، فله من السنة الأخيرة ثلاثة أخرى، وأكمل بينهما ثلاث عشرة، فمن قال: "ثلاث عشرة" ألغى الكسرين، ومن قال "خمس عشرة" جبرهما، والله أعلم.
١٤٢٧ - * روى الحاكم والطبراني عن ابن عباس قال: لما تُوفي رسول الله ﷺ ، قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم اليوم كثير؛ فقال: (١) واعجباً
стр. 1428
لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي ﵇ من ترى؟ فتركتُ ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديثُ عن الرجل، فآتيه وهو قائل (١)، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريحُ عليَّ التراب، فيخرجُ، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله! ألا أرسلت إلى فآتيك؟ فأقول: أنا أحقُّ أن آتيك، فأسألك. قال: فبقي الرجلُ حتى رآني وقد اجتمع الناسُ عليَّ، فقال: هذا الفتى أعقلُ مني.
١٤٢٨ - * روى البخاري عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أُمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئاً. فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.
١٤٢٩ - * روى أبو داود عن عكرمة أن علياً كرم الله وجهه أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: "لا تُعذبوا بعذاب الله" وكنت قاتلهم بقول رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ قال: "من بدل دينه فاقتلوه" فبلغ ذلك علياً ﵇، فقال: ويح ابن عباس.
стр. 1429
١٤٣٠ - * روى الحاكم عن أبي وائل قال: حججتُ أنا وصاحب لي وابن عباس على الحج فجعل يقرأ سورة النور ويفسرُها فقال صاحبي يا سبحان الله ماذا يخرجُ من رأس هذا الرجل لو سمعت هذا التركُ لأسلمت.
١٤٣١ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا دعا الأشياخ من أصحاب محمد ﵌، دعاني معهم، فدعانا ذات يوم أو ذات ليلة فقال: إن رسول الله ﵌، قال: في ليلة القدر ما قد علمتم فالتمسوها في العشر الأواخر ففي أي الوتر ترونها؟ فقال بعضهم: تاسعه، وقال بعضهم سابعه وخامسه وثالثه، فقال: مالك يا ابن عباس لا تتكلم؟ قلت: إن شئت تكلمتُ؟ قال: ما دعوتك إلا لتكلم فقال: أقول برأي؟ فقال: عن رأيك أسألك. فقلتُ: إني سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: إن الله ﵎ أكثر ذكر السبع، فقال السماوات سبع، والأرضون سبع، وقال: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فالحدائق مُلتفٌّ وكل ملتفٌّ حديقة، والأب ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. فقال عمر ﵁ أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه؟ ثم قال: إني كنت نهيتُك أن تكلم فإذا دعوتك معهم فتكلم.
وفي رواية (١) عن ابن عباس، قال: قدم على عمر رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: ياأمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلتُ (أي ابن عباس): والله ما أُحبُّ أن يُسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة. قال: فزبرني عمر، ثم قال: مهْ فانطلقتُ إلى منزلي مُكتئباً حزيناً، فقلتُ: قد كنتُ نزلتُ من هذا بمنزلة، ولا
стр. 1430
أراني إلا قد سقطت من فسه، فاضطجعت على فراشي، حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجِبْ أمير المؤمنين. خرجتُ، فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال، ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفاً؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين، إنْ كنتُ أسأتُ، فإني أستغفر الله، وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت. قال: لتخبرني. قلتُ: متى ما يُسارعوا هذه المسارعة يحتقوا (١)، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفون يقتتلوا. قال: لله أبوك لقد كنتُ أكتُمها الناس حتى جئت بها".
أقول: ينبغي أن يكون مع التلاوة والحفظ لكتاب الله تعالى التأدب والتخلق على أيدي العلماء والمربين حتى لا يورث العلمُ الغرور إن خلا من الأدب والخلق، كما ينبغي أن يرافق الحفظ الفهم والالتزامُ والعمل والأخذُ بفهم الراسخين في العلم وبذلك ينتفي ما تخوف منه ابن عباس.
١٤٣٢ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس قال: يا ابن شداد ألا تعجب، جاءني الغلامُ وقد أخذت مضجعي للقيلولة، فقال هذا رجل بالباب يستأذن قال: فقلت: ما جاء به هذه الساعة إلا حاجة، ائذن له. قال فدخل فقال: ألا تخبرني عن ذاك الرجل؟ قلت: أي رجل. قال: علي بن أبي طالب. قلتُ عن أي شأنه؟ قال: متى يُبعث؟ قلت: سبحان الله يبعثُ إذا بُعث من في القبور. قال: فقال: ألا أراك تقول كما يقول هؤلاء الحمقاء؟ فقلت: أخرجوا عني هذا، فلا يدخلن علي هذا أو لأضربنه.
١٤٣٣ - * روى الحاكم عن أبي الطفيل قال: إنه رأى معاوية ﵁ يطوف بالكعبة وعن يساره عبد الله بن عباس وأنا أتلوهما في ظهورهما أسمع كلامهما، فطفق معاويةُ يستلم ركني الحِجْر (٢) فيقولُ له ابن عباسٍ: إن رسول الله ﵌ لم
стр. 1431
يكُنْ يستلمُ هذين الركنين، فيقول معاوية: يا ابن عباس فإنه ليس شيء منها مهجوراً فطفق ابن عباس لا يذره كلما وضع يده على شيء من الركنين إلا قال له ذلك.
١٤٣٤ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مليل العِجْليِّ قال: سمعت ابن عباس ﵄ قبل موته بثلاثٍ يقول: اللهم إني أتوبُ إليك مما كنت أُفتي الناس في الصرف.
أقول: المعروف عند العلماء أن الربا نوعان: ربا النسيئة، وربا الفضل؛ وكان ابن عباس لا يرى أن في الفضل رباً، وأن الربا في النسيئة فقط، ثم رجع عن ذلك وتاب منه.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قال ابنُ عبد البر في ترجمة ابن عباس: هو القائل ما رُوي عنه من وجوه:
إن يأخُذِ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نُورٌ
قلبي ذكي وعقلي غيرُ ذي دخلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثورُ
قال سالم بن أبي حفصة: عن أبي كلثوم، أن ابن الحنفية لما دُفن ابن عباس، قال: اليوم مات رباني هذه الأمة.
ورواه بعضهم فقال: عن "مُنذر الثوري" بدل "أبي كلثوم".
قال حسين بن واقد المروزي: حدثنا أبو الزبير قال: لما مات ابن عباس جاء طائرٌ أبيضُ، فدخل في أكفانه.
حماد بن سلمة: عن يعلي بن عطاء، عن بُجير بن أبي عبيد، قال: مات ابن عباس بالطائفِ، فلما خرجُوا بنعشه، جاء طيرٌ عظيمٌ أبيضُ من قِبَل وجٍّ حتى خالط أكفانه، ثم لم يروه، فكانوا يرون أنه عِلْمُه.
قال ابن حزم في كتاب "الإحكام" (١): جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن
стр. 1432
المأمون أحدُ أئمة الإسلام فتاوى ابن عباس في عشرين كتاباً.
عن سعيد (١)؛ قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائرٌ لم يُر على خلْقَتِه، فدخل نعشه، ثم لم يُرَ خارجاً منه، فلما دُفِنَ، تُليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرى من تلاها ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (٢).
رواه بسام الصيرفي، عن عبد الله بن يامين سميَّ الطائر غُرنُوقاً.
وروى فُراتُ بن السائب، عن ميمون بن مهران: شهدتُ جنازة ابن عباس ... بنحو من حديث سالم الأفطس.
فهذه قضية متواترة.
قال علي بن المديني: تُوفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين، وقال الواقدي: والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان. وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة.
ومسنده ألف وست مئة وستون حديثاً. وله من ذلك في "الصحيحين" خمسة وسبعون. وتفرد البخاري له بمئة وعشرين حديثاً، وتفرد مسلم بتسعة أحاديث.
* * *
عبيدُ الله بن العباس
قال الذهبي: ابنعبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ ، وأخو عبد الله وكثير، والفضل، وقُثم، ومعبد، وتمام.
وُلد في حياة النبي ﷺ ، وقيل: له رؤية.
وله حديث عن النبي ﷺ في سُنن النسائي: حُكمه أنه مُرسلٌ.
وكان أميراً، شريفاً، جواداً، مُمدحاً.
стр. 1433
ذكره محمد بن سعد في الطبقة الخامسة من الصحابة فقال: كان أصغر من عبد الله بسنة واحدة؛ ثم قال: سمع من النبي ﷺ . وكان رجلاً تاجراً مات بالمدينة.
فذكر الواقدي: أنه بقي إلى دولة يزيد بن معاوية.
قلتُ: هو شقيق عبد الله. ولي إمرة اليمن لابن عمه عليِّ، وحج بالناس، وقد ذبح بُسر ابن أرطأة ولديه عدوانا وظلماً، تولهت أمهما عليهما، وهرب عبيد الله.
قيل: إن عبدي الله وصل مرة رجلاً بمئة ألف.
قال الفسوي: مات زمن معاوية، وقال خليفة وغيره: مات سنة ثمان وخمسين.
وأما أبو عبيد وأبو حسان الزيادي، فقالا: مات سنة سبع وثمانين. أهـ.
* * *
قُثَم بن العباس الهاشمي
قال الذهبي في السير: ابن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ ، وأخو الفضل وعبد الله وعُبيد الله وكثير.
وأمُّه هي أمُّ الفضل لُبابة بنتُ الحارث الهلالية، وكانت ثانية امرأةٍ أسلمت، أسلمت بعد خديجة. قاله الكلبي.
لقِثم صُحبة، وقد أردفه النبي ﷺ خلفه (١).
وكان أخا الحُسين بن عليٍّ من الرضاعة (٢).
وكان يشبه بالنبي ﷺ ، وهو قليل الرواية.
وعن ابن عباس قال: كان آخر من خرج من لحد رسول الله ﷺ قُثم.
стр. 1434
ولما استخلف عليُّ بن أبي طالب، استعمل قُثَم على مكة، فما زال عليها حتى قُتل عليُّ، قاله خليفةُ بنُ خيَّاط.
وقال الزبير بن بكار: استعمله عليُّ على المدينة. وقيل: إنه لم يُعقب.
قال ابن سعدك غزا قُثُم خراسان وعليها سعيدُ بن عثمان بن عفان، فقال له: أضربُ لك بألف سهم؟ فقال: لا بل خمس، ثم أعطِ الناس حقوقهم؛ ثم أعطني بعدُ ما شئت، وكان قُثم ﵁ سيداً، ورعاً، فاضلاً
قال الزبير: سار قُثم أيام مُعاوية مع سعيد بن عثمان إلى سمرقند، فاستُشهد بها.
قلتُ: لا شيء له في الكتب الستة.
وقد ذكره أبو عبد الله الحاكم في "تاريخ نيسابور"، فقال: كان شبيه النبي ﷺ وآخر الناس به عهداً. وحديثُ أم الفضل ناطق بذلك بأسانيد كثيرةٍ.
قال: فما وفاة قُثَم، وموضعُ قبره، فمختلفٌ فيه، فقيل: إنه تُوفي بسمرقند، وبها قبره، وقيل: إنه تُوفي بمرو. قال الحاكم: والصحيح أن قبره بسمرقند. أهـ.
* * *
مَعْبَد بن العبَّاس
من صغار ولد العباس، وهو من أم الفضل. له أولاد؛ عبد الله، وعباس، وميمونة. وأمهم أم جميل عامرية. وله بقية وذرية كثيرة.
* * *
كثير بن العباس
أُمُّه أُمُّ ولد. تابعي يروي عن أبيه وغيره.
وكان فقيهاً، جليلاً، صالحاً، ثقةً، له عقب. قاله ابنُ سعد.
* * *
стр. 1435
تمَّامُ بنُ العبَّاس
من أمِّ ولد، وهو شقيقُ كثير.
قال ابن سعد: كان تمامُ من أشد أهل زمانه بطشاً.
وله أولاد، وأولادُ أولاد، فانقرضوا وآخرهم يحيى بن جعفر بن تمام مات زمن المنصور، وورثه أعمامُ المنصور، فأطلقوا الميراث كله لعبد الصمد بن علي.
* * *
الفضل بن العباس
هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ ، ويكنى أبا محمد أو أبا عبد الله، وكان أسن ولد العباس، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، وغزا مع رسول الله ﷺ مكة وحنيناً، وثبت يومئذ مع رسول الله ﷺ حين ولي الناس، وشهد معه حجة الوداع، وأردفه رسول الله ﷺ ، وفي صحيح مسلم أن النبي زوَّجه وأمهر عنه، وفي بعض حديثه في حجة الوداع لما حجب وجهه عن الخثعمية: "رأيت شاباً وشابة، فلم آمن عليهما الشيطان"، وكان فيمن غسل النبي ﷺ ، وولي دفنه. مات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يترك ولداً إلا أم كلثوم تزوجها الحسن بن علي، ثم فارقها، فتزوجها أبو موسى الأشعري.
* * *
ربيعةُ بن الحارث
قال الذهبي في السير: ابن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، أبو أروى.
وله من الولد: محمد، وعبد الله، والحارث، والعباس، وأمية، وعبدُ شمس، وعبد المطلب، وأروى الكبرى، وهند، وأروى، وآدم. وآدم: هو المسترضع له في
стр. 1436
هُذيل، فقتله بنو ليث بن بكر في حرب كانت بينهم. وكان صغيراً يحبُو أمام البيوت، فأصابه حجرٌ قتله، فقال النبي ﷺ : "وأولُ دمٍ أضعه دمُ ابن ربيعة بن الحارث".
يرى أن قال فيه: "آدم، رأى في الكتاب دم ابن ربيعة، فزاد ألفاً، والظاهر أنه لصغره ما حفظ اسمه. وقيل: كان اسمه تمام بن ربيعة".
قالوا: وكان ربيعة أسنُّ من عمه العباس بسنتين .. ونوبةَ بدرٍ كان ربيعة غائباً بالشام.
قال ابن سعد: فلما خرج العباس ونوفل إلى رسول الله ﷺ ، مهاجرين أيام الخندق، شيعهما ربيعةُ إلى الأبواء، ثم أراد الرجوع، فقالا له: أين ترجعُ؟ إلى دار الشرك تُقاتلون رسول الله ﷺ ، وتُكذبونه، وقد عز وكثُف أصحابُه، ارجع. فسار معهما حتى قدموا جميعاً مسلمين. وأطعم رسول الله ﷺ ربيعة بخيبر مئة وسق كل سنة، وشهد معه الفتح وحُنيناً، وابتنى داراً بالمدينة، وتوفي في خلافة عمر.
وكان ربيعةُ شريكاً لعثمان في التجارة. وقد جاء في حديث جابر الذي في المناسك، "وإن أول دمٍ أضع دم ابن ربيعة بن الحارث" أراد الذي يستحق ربيعة به الدية من أجل ولده. وقيل: إنه توفي سة ثلاث عشرة، وأمه هي غُزية بنت قيس بن طريف.
* * *
عبد الله بن الحارث
قال الذهبي: ابن عبد المطلب الهاشمي. أخو ربيعة ونوفل. وكان اسمه عبد شمس فغُيِّر. فرُووا أنه هاجر قُبيل الفتح، فسماه النبي، ﷺ عبد الله، وخرج مع النبي ﷺ في بعض مغازيه، فمات بالصفراء فكفنه في قميصه - يعني قميص النبي ﷺ .
وقد قيل إنه قال فيه: هو سعيدٌ أدركته السعادةُ. كذا أورد ابن سعد هذا بلا إسناد. ولا نسل لهذا.
стр. 1437
عبيدةُ بن الحارث
قال الذهبي في السير: ابن المطلب بن عبد مناف بن قُصي القرشي المطلبي، وأمه من ثقيف.
وكان أحد السابقين الأولين. وهو أسنُّ من رسول الله ﷺ بعشر سنين. هاجر هو وأخواه الطفيل وحُصين. وكان ربعةً من الرجال، مليحاً، كبير المنزلة عند رسول الله ﷺ وهو الذي بارز رأس المشركين يوم بدر فاختلفا ضربتين، فأثبت كلُّ منهما الآخر. وشدَّ عليِّ وحمزة على عتبة، فقتلاه، واحتملا عُبيدة وبه رمق. ثم توفي بالصفراء (١)، قال في العشر الأخير من رمضان، سنة اثنتين ﵁.
وقد كان النبي ﷺ أمره على ستين راكباً من المهاجرين، وعقد له لواء.
فكان أول لواء عُقد في الإسلام. فالتقى قريشاً وعليهم أبو سفيان عند ثنية المرُة، وكان ذاك أول قتالٍ جرى في الإسلام. قاله ابن إسحاق، أهـ.
* * *
نوفل بن الحارث
قال الذهبي في السير: ابن عم رسول الله ﷺ ، الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وأبو الحارث أخو أبي سفيان بن الحارث.
كان نوفل أسنُّ من عمه العباس. حضر بدراً مع المشركين، فأُسر، ففداه عمه العباس، ثم أسلم، وهاجر عام الخندق.
وقيل: آخى النبي ﷺ بينه وبين العباس، وقد كانا شريكين في الجاهلية متصافيين.
стр. 1438
شهد نوفل بيعة الرضوان، وأعان رسول الله ﷺ يوم حُنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت معه يومئذ، وما علمتُ له روايةً ولا ذكراً بأكثر مما أوردت.
قيل: مات سنة عشرين، وقيل مات سنة خمس عشرة، وكان أسنُّ بني هاشم في زمانه. اهـ.
* * *
سعيد بن الحارث
قال الذهبي: ابن عبد المطلب. ابن عم رسول الله ﷺ . له حديثٌ واحدٌ وقد ضعُفَ هذا الحديث.
* * *
أبو سفيان بن الحارث
قال الذهبي في السير: هو ابن عم النبي ﷺ المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي. أخو نوفل وربيعة.
تلقى النبي ﷺ في الطريق قبل أن يدخل مكة مسلماً، فانزعج النبي ﷺ وأعرض عنه، لأنه بدت منه أمورٌ في أذية النبي ﷺ فتدلل للنبي ﷺ حتى رق له. ثم حَسُنَ إسلامه، ولزم هو والعباسُ رسول الله يوم حنين إذ فَرَّ الناس، وأخذ بلجام البغلة، وثبت معه.
وقد روى عنه ولده عبد الملك أن النبي ﷺ قال: "يا بني هاشم إياكم والصدقة" وكان أخا النبي ﷺ من الرضاعة، أرضعتهما حليمة.
سماه هشام بن الكلبي، والزبير: مغيرة. وقال طائفة: اسمه كنيته، وإنما المغيرة أخوهم.
وقيل: كان الذين يُشبهُون بالنبي ﷺ جعفر، والحسن بن علي، وقُثَم ابن العباس،
стр. 1439
وأبو سفيان بن الحارث.
وكان أبو سفيان من الشعراء، وفيه يقول حسان:
ألا أبلغْ أبا سفيان عني ... مُغلْغَلةْ، فقد برح الخفاءُ
هجوت محمداً فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء (١)
قيل: إن أبا سفيان حجَّ، فحلقه الحلاقُ، فقطع ثُؤلولاً في رأسه، فمرض منه ومات بعد قدومه بالمدينة، وصلى عليه عمر. ويُقال: مات بعد أخيه نوفل ابن الحارث بأربعة أشهر.
قال أبو إسحاق السبيعي: لما احتُضِرَ أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قال: لا تبكوا عليّ، فإني لم أتنطَّف (٢) بخطيئة منذ أسلمتُ.
قال ابن إسحاق: ولأبي سفيان يرثي النبي ﷺ :
أرقتُ فبات ليلى لا يزولُ ... وليل أخي المصيبة فيه طولُ
وأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليلُ
فقد عظمتْ مُصيبتنا وجلتْ ... عشية قيل قد قُبض الرسول
فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيلُ
وذاك أحقُّ ما سألتْ عليه ... نفوسُ الخلقِ أو كادت تسيلُ
نبي كان يجلو الشك عنا ... بما يُوحي إليه وما يقولُ
ويهدينا فلا نخشى ضلالاً ... علينا، والرسول لنا دليلُ
فلم نر مثله في الناس حياً ... وليس له من الموتى عديلُ
أفاطمُ إن جزعتِ فذاك عُذرٌ ... وإن لم تجزعي فهو السبيلُ
فعُودي بالعزاء فإن فيه ... ثواب الله والفضلُ الجزيلُ
стр. 1440
وقولي في أبيك ولا تملي ... وهل يجزي بفضل أبيك قيلُ
فقبرُ أبيك سيدُ كل قبرٍ ... وفيه سيدُ الناس الرسولُ
وقد انقرض نسل أبي سفيان. قاله ابنُ سعد.
حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيبأن أبا سفيان بن الحارث كان يُصلي في الصيف نصف النهار حتى تُكره الصلاة، ثم يُصلي من الظهر إلى العصر.
عن هشام بن عروة، عن أبيه قال رسول الله ﷺ : "أبو سفيان بنُ الحارث سيدُ فتيانِ أهل الجنة" (١). فحج، فحلقه الحلاق، وفي رأسه ثؤلول فقطعه فمات. فيرؤنه شهيداً.
ويقال مات سنة عشرين بالمدينة. أهـ.
١٤٣٥ - * روى البزار عن عائشة أن رسول الله ﷺ مر به أبو سفيان بن الحارث فقال: "يا عائشة هلمي حتى أريك ابن عمك الذي هجاني".
١٤٣٦ - * روى الطبراني عن أبي حبة البدري قال: كان رسول الله ﷺ يوم حنين لا ينظر في ناحية إلا رأى أبا سفيان بن الحاث يقاتل فقال رسول الله ﷺ : "إن أبا سفيان خير أهلي أو من خير أهلي".
دُرةُ بنت أبي لهب
قال الذهبي في السير: بنتُ عم رسول الله ﷺ أبي لهب بن عبد المطلب الهاشمية. من المهاجرات.
لها حديثٌ واحد، في "المسند" من رواية ابن عمها الحارث بن نوفل.