← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الباب الثاني من البعثة حتى الاستقرار في المدينة

стр. 177

هذه المرحلة في سطور * بعد ثلاث سنوات من العزلة والخلوة، وبعد ستة شهر من الرؤيا الصادقة، وفي يوم الإثنين لإحدى وعشرين مضت من رمضان ليلاً - على ما رجحه المباركفوري في (الرحيق المختوم) - وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة قمرية وستة أشهر واثني عشر يوماً، أي تسعة وثلاثين سنة شمسية وثلاثة أشهر واثني عشر يوماً، نزل عليه الوحي. * أخبر الرسول ﷺ خديجة بما حدث فطمأنته، وأخبرت هي بدورها ورقة بن نوفل فطمأنها وبشرها بأنها النبوة. * فتر الوحي بعد ذلك أياماً لتذهب حرة المفاجأة وليحدث التشوق، ثم ظهر له جبريل مرة ثانية جالساً على كرسي بين السماء والأرض، فعاد إلى أهله طالباً التزمل والتدثر فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ....﴾ و ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * ....﴾، وكان في ذلك الأمر بالتبليغ والدعوة. * بدأ الرسول ﷺ يدعو سراً، واستمرت الدعوة السرية ثلاث سنين، ثم دعا جهراً في مكة، فلم يتحرك أحد من أهلها أو ممن حولها أو ممن يأتي إليها حاجاً أو معتمراً إل وقد حاول إيصال الدعوة إليه، على مدى سبع سنين بعد الدعوة السرية، ثم حاول أن يخرج بالدعوة إلى الطائف في السنة العاشرة، ولكن أهل الطائف لم يستجيبوا له، فعاد إلى مكة ودخلها في حماية المطعم بن عدي، ثم بعد ذلك وعلى مدار ثلاث سنوات دخل الإسلام إلى المدينة المنورة، وتمت في اسنتين الأخيرتين بيعتا العقبة الأولى والثانية، ثم كان الإذن بالهجرة والاستقرار في المدينة. * استجاب للدعوة خلال المرحلة السرية حوالي أربعين نفراً - ويرى بعضهم أن هذا العدد لم يكتمل إلا في السنة السادسة أي بعد ثلاث سنين من الجهر على رأي ابن هشام - وكانت الصلاة المفروضة عليهم وقتذاك - وبقي هذا حتى حادثة الإسراء - ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي - على قولٍ -، وقد فرض عليهم في المرحلة الأولى قيام الليل. * بدأت الدعوة الجهرية بدعوة عشيرته الأقربين جهراً، دعوة جماعية، ثم دعا قريشاً

стр. 178

جميعها دعوةً جماعيةً، ثم بدأ ينقض البنيان الديني للناس نقضاً مباشراً وصريحاً؛ وههنا بدأ أصعب صراع وأشده، ومنذ المرحلة السرية بدأ الكيد يأخذ أبعاده الكثيرة المتعددة، والإيذاء ينصب على المسلمين الذين لا يجدون حماية. * ثم زاد الأمر شدة فتمخض ذلك عن الهجرة الأولى إلى الحبشةن وانطلق أول فوج في رجب من السنة الخامسة للبعثة وكان مكوناً من اثني عشر رجلاً وأربع نسوة. * ثم حدثت حادثة مشاركة المشركين لرسول الله ﷺ في سجوده إثر تلاوة سورة (النجم)، فبلغ ذلك مهاجري الحبشة فظنوا أن قريشاً أسلمت فرجعوا، ثم تبين لهم كذب الشائعة فرجع بعضهم إلى الحبشة، ودخل بعضهم مكة مستخفياً أو في جوار، واشتد البلاء على المسلمين، فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وفي هذه المرة هاجر ثلاثة وثمانون رجلاً وثماني عشرة امرأة أو تسع عشرة امرأة، وكادت قريش للمسلمين عند النجاشي ولكنها لم تفلح. * ثم لجأت قريش إلى تهديد أبي طالب وإغرائه ليتخلى عن محمد ﷺ أو يُسلمه إياها، فباءت محاولاتها بالفشل. * وأسلم في السنة السادسة للبعثة حمزة وعمر بن الخطاب وكان إسلامهما نصراً وفتحاً، وههنا مالت قريش للمفاوضة والمسالمة فلم تنجح، وجد أبو طالب في الحماية فعبأ بني هاشم وبني المطلب لذلك. فاجتمعوا على ذلك ما عدا أبا لهب. * وعلى إثر هذا كله تعقدت قريش في السنة السابعة للبعثة على مقاطعة المسلمين ومقاطعة بني هاشم وبني المطلب، ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم، حتى يُسلموا إليهم رسول الله صلى الله لعيه وسلم. وكانت محنةً عظيمة استمرت ثلاث سنين. * وفي المحرم سنة عشر من النبوة حدث نقض الصحيفة وفك الميثاق بتوفيق من الله، تم بترتيب من بعض المتعاطفين وأصحاب الأريحية. * ثم حاولت قريش المحاولة الأخيرة مع أبي طالب ليثنوا محمداً ﷺ عن دعوته، وهو

стр. 179

على فراش المرض، فلم تنجح. * وكان العام العاشر للبعثة عام حزن، فقد توفي فيه أبو طالب في رجب سنة عشر للبعثة بعد الخروج من الشعب بستة أشهر، وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين - على قولٍ - توفيت أم المؤمنين خديجة ﵂ وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة ولها خمس وستون سنة ورسول الله ﷺ في الخمسين من عمره، وفقد بذلك الدعم البيتي والدعم الخارجي، ولله في ذلك حكمة، وتجرأ المشركون على رسول الله ﷺ وزادوا في أذاه، فخرج إلى الطائف لعله يجد أرضاً أكثر خصباً، ولكن لم يجد استجابة. * وفي شوال من السنة العاشرة تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة ﵂ على إثر وفاة خديجة، وكانت ممن أسلم قديماً وهاجرت الهجرة الثانية إلى الحبشة مع زوجها السكران بن عمرو الذي توفي بأرض الحبشة أو بعد العودة إلى مكة. * وفي موسم الحج في السنة الحادية عشرة من النبوة دخلت الكوكبة الأولى من خزرج المدينة في الإسلام وكانوا ستة وعادوا دعاة مبشرين، ففشا ذكر الرسول ﷺ في المدينة، وفي شوال من نفس السنة عقد رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ وكانت صغيرة السن؛ لذلك لم يدخل بها إلا بعد الهجرة. * وفي هذه المرحلة حدثت حادثة الإسراء - على خلاف كبير في تعيين زمنها، هل هو في السابع والعشرين من رجب في السنة العاشرة للبعثة؟ أم في رمضان في السنة الثانية عشرة للبعثة؟ أو المحرم في السنة الثالثة عشرة للبعثة؟ أو ربيع الأول في السنة الثالثة عشرة؟ وهناك أقوال أخرى. وأشهر الأقوال وأقواها القول الأول. * وفي السنة الثانية عشر للبعثة وافى موسم الحج اثنا عشر نفراً من المدينة منهم خمسة سبقوا في العام السابق وسبعة جدد وكانت بيعة، وأرسل رسول الله ﷺ مع هؤلاء مصعب ابن عمير ليعلمهم ويفقههم ويقرئهم القرآن ويدعو إلى الله، وانتشر الإسلام في المدينة. * وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة تمت بيعة العقبة الثانية مع بضع وسبعين نفراً من أهل المدينة المنورة، واختاروا بأمر النبي ﷺ اثني عشر نقيباً منهم.

стр. 180

* جاء بعد ذلك الإذن بالهجرة، وتآمرت قريش على رسول الله ﷺ ليقتلوه وأنجاه الله منهم، وكانت الهجرة، وتم الاستقرار في المدينة، وكانت مرحلة جديدة. * * * من ملامح هذه المرحلة ١ - إنها مرحلة تبليغ ودعوة مستمرين، فلقد سمع بالدعوة كل العرب تقريباً، ولقد استفاد رسول الله ﷺ من موسم الحج، فبلغ تبليغاً مباشراً على مدى سنوات كل من استطاع الوصول إليهم. قال المقريزي: ثم عرض نفسه على القبائل أيام الحج، ودعاهم إلى الإسلام وهم: بنو عامر وغسان وبنو فزارة وبنو مرة وبنو حنيفة وبنو سليم وبنو عبس وبنو نصر وثعلبة بن عكاية وكندة وكلب وبنو الحارث بن كعب وبنو عُذرة وقيس بن الخطيم وأبو الحيسر أنس بن أبي رافع وبنو شيبان وبنو مجاشع وسويد بن الصامت والطفيل بن عمرو الدوسي وصمام بن ثعلبة. وقد اقتص الواقدي أخبار هذه القبائل قبيلة قبيلة. ويقال: إنه ﷺ بدأ بكِندة فدعاهم إلى الإسلام ثم أتى كلباً ثم بنى حنيفة ثم بني عامر، وجعل يقول: مَنْ رجلٌ يحملني إلى قومه فينعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟ هذا؛ وعمُّه أبو لهب وراءه يقول للناس: إنه كاذب، إنه ساحر، إنه كاهن، إنه شاعر، أكاذيب يقترفونه بها حسداً من عند أنفسهم وبغياً؛ فيُصغي إليهم من لا تمييز له من أحياء العرب، وأما الألباء فإنهم إذا سمعوا كلامه ﷺ وتفهموه شهدوا بأن ما يقوله حق وصدق، وأن قومه يفترون عليه الكذب، فيسلمون. ٢ - إنها مرحلة تكوين رفيع المستوى للجيل الأول، فقد انصهر فيها ذلك الجيل بالمعاني القرآنية واحترق بمعاني العبادة، وخرج ذهباً من محنة الاضطهاد والإيذاء

стр. 181

والتشكيك، وتجرد للآخرة حق التجرد، وانسلخ عن الجاهلية انسلاخاً تاماً، وبذلك وُجِدَ الجيل القادر على حمل الدعوة وصهرِ الناس فيها حتى إذا جاءت مرحلة الدولة في المدينة المنورة كان الملاك القيادي معداً. لقد كانت المرحلة المكية مرحلة تعريف وتكوين، وضع فيها الأساس للعمل الدعوي والتكويني إلى قيام الساعة، كما أنها المرحلة التي تعد لأعباء المرحلة اللاحقة مرحلة الجهاد المتواصل، على أعلى وأرقى ما يكون. لقد كانت مرحلة مران على ضبط النفس والطاعة المطلقة، وكانت مرحلة تعلق بالمثل العليا - وهم رسل الله ﷺ جميعاً - ولذلك نزلت أكثر قصص الأنبياء في هذه المرحلة. وقد أخذ الأستاذ البنا ﵀ من هذه المرحلة والمرحلة اللاحقة فكرته الرئيسية: أن الدعوة الإسلامية مر بثلاث مراحل: مرحلة التعريف ومرحلة التكوين ومرحلة التنفيذ. ولقد صاغ نظريته هذه متأسياً بالسيرة، ومنسجماً مع اكتمال الوحي واستقرار التشريع، وملاحظاً الأوضاع المعاصرة للمسلمين، فكانت نظرية لا أجمل منها ولا أكمل. ٣ - وتجد في هذه المرحلة أن الرسول ﷺ كان يتجنب الصراع السياسي والصراع العسكري، ويكرس كل جهوده للوصول بالدعوة إلى قلوب الناس وعقولهم، دون أن يعطي لعدوه فرصة الاستئصال للدعوة والداعية، بل كان كثير الحرص على تأمين الحماية للدعوة والداعية والمستجيبين، ولقد عدّد الطرق التي تتأمن بها الحماية: فمن دخول في حماية، إلى أمر بهجرة، إلى طلب لبعضهم أن يعيشوا في أكناف قبائلهم مستفيداً من الأعراف والعادات والتقاليد. وهذا وضع يجب أن يفطن له الدعاة فلا يعطوا فرصاً لخصومهم كي يستأصلوهم، وعليهم أن يستفيدوا من الأعراف الدولية والقوانين المحلية ليعطوا لدعوتهم فرصة السير. ٤ - كما أنه من الواضح في هذه المرحلة أن الرسول ﷺ كان دائب البحث عن الجهة القادرة على حماية هذا الدين ونصرته والقيام بنشره، وفي اصطلاح عصرنا كان دائم

стр. 182

البحث عما تقوم به دولة الإسلام يعيش المسلمون في ظلها أحراراً آمنين، وتقوم هذه الدولة بحمل الإسلام والتبشير به والانتصار له ولأهله، وجاءت الفرصة بقبول الأوس والخزرج القيام بهذا الدور، وبذلك قامت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة، وهذا درس للدعاة ألا تقف هممهم دون الوصول إلى دولة للإسلام تقيمه في واقع الحياة وتحمي حماه. ٥ - إنها مرحلة بطيئة من حيث الكم كبيرة من حيث الكيف؛ لأنها المرحلة التي تمهد لكل المراحل اللاحقة إلى قيام الساعة. * * *

стр. 183

فصل: في بدء الوحي وفترته واستئنافه ٤٨ - * روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاءُ، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنثُ فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لِمُثُلِهَا. حتى جاءه الحق - وفي رواية: حتى فجأه الحق - وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئٍ، قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأن قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهدُ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ!؟ فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني،

стр. 184

فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (١). فرجع بها رسول الله ﷺ يرجُف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: "زملوني، زملوني، زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الروعُ، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر -: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسدٍ بن عبد العزى ابن عم خديجة - وكان امرءاً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي - فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيه جذاعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أو مخرجي هم؟ " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحي. قال البخاري: وتابعه هلال بن رداد عن الزهري، وقال يونس ومعمر: (ترجف بوادره). وفي حديث معمر عن الزهري عند مسلم (فوالله لا يحزنك الله أبداً) بالحاء والنون. وزاد البخاري (٢) في رواية أخرى قال: (وفتر الوحي فترة، حتى حزن النبي ﷺ

стр. 185

فيما بلغنا - حُزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يُلقي نفسه منه: تبدى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك). وأخرج الترمذي (١) طرفاً من هذا الحديث عن عائشة قالت: (أول ما ابتُدئ به رسول الله صلى الله عيه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به: أن لا يرى شيئاً إلا مثل فلق الصبح فمكث على ذلك ما شاء الله أن يمكث، وحبب إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو. * * * السر في الخلوة: عند قوله: (ثم حبب إليه الخلاء) قال صاحب الفتح: والخلاء بالمد الخلوة، والسر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له. أقول: وقد أخذ بعض أهل السلوك إلى الله من ذلك فكرة الخلوة مع الذكر والعبادة في مرحلة من مراحل السلوك؛ لتنوير القلب وإزالة ظلمته وإخراجه من غفلته وشهوته وهفواته، وبعضهم يستحبها للسالك في أول سيره ويركز على الاعتكاف في رمضان وغيره، أخذاً من حال رسول الله ﷺ في الابتداء والانتهاء. * * * حياته قبل النبوة: عند قول خديجة: (كلا والله لا يخزيك الله أبداً. إنك .....). قال صاحب الفتح: استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبداً بأمر استقرائي،

стр. 186

وصفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو من لا يستقل، وذلك كله مجموع فيما وصفناه به. أقول: لعل أبلغ وصف توصف به حياته ﵊ قبل النبوة ما وصفته به خديجة - وهي أعرف الخلق به - لقد اجتمع له ﵊ أطهر قلبٍ وأكرمُ سلوكٍ، فكانت كرامة الله. * * * المراحل الأولى للوحي: قال في الفتح: (فائدة): وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان. وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين وهي ما بين نزول اقرأ ويا أيها المدثر عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط. ثم راجعت المنقول عن الشعبي من تاريخ الإمام أحمد، ولفظه من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه. فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة. أخرجه ابن أبي خيثمة من وجه آخر مختصراً عن داود بلفظ: "بعث لأربعين، ووكل به إسرافيل ثلاث سنين، ثم وكل به جبريل. فعلى هذا فيحسن - بهذا المرسل إن ثبت - الجمع بين القولين في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، فقد قيل ثلاث عشرة، وقيل عشر، ولا يتعلق ذلك بقدر مدة الفترة، والله أعلم. وقد حكى ابن التين هذه القصة، لكن وقع عنده ميكائيل بدل إسرافيل، وأنكر

стр. 187

الواقدي هذه الرواية المرسلة وقال: لم يقرن به من الملائكة إلا جبريل، انتهى. ولا يخفى ما فيه، فإن المثبت مقدم على النافي إلا إن صحب النافي دليل نفيه فيقدم، والله أعلم. وأخذ السهيلي هذه الرواية فجمع بها المختلف في مكثه ﷺ بمكة، فإنه قال: جاء في بعض الروايات المسندة أن مدة الفترة سنتان ونصف، وفي رواية أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر. فمن قال مكث عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة، ومن قال ثلاث عشرة أضافهما. وهذا الذي اعتمده السهيلي من الاحتجاج بمرسل الشعبي لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أياماً. أقول: على القول: إن فترة الوحي كانت ثلاث سنين فيكون نزول سورة المدثر والمزمل بعد بدء الوحي بثلاث سنين، وبسبب هذا القول ذهب من ذهب أن النبوة كانت على رأس الأربعين، وأن الرسالة كانت بعد ثلاث سنين، والراجح عندي أن الأمر بالدعوة لم يكن متأخراً كثيراً عن بدء الوحي، ولكن منذ بدء الوحي حتى انتهاء الفترة السرية كان ثلاث سنين، وعلى كل الأحوال فإن سورة ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ نزلت بعد فترة الوحي، وعلى هذا تحمل الرواية التي تذكر أن أول ما نزل سورة المدثر فهي أولية نسبية ذلك أنها أول ما نزل بعد فترة الوحي. ٤٩ - * روى الحاكم عن جابر ﵁ قال: سعت رسول الله ﷺ وهو يُحدث عن فترة الوحي قال: "فقلت زملوني فدثروني فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ " قال هي الأوثان. يؤكد هذا الحديث أن سورة المدثر نزلت بعد فترة الحي فليس هي أول سورة نزلت بإطلاق، بل هي أول ما نزل بعد فترة الوحي. ٥٠ - * روى البخاري عن جُندُب بن سفيان البجلي ﵁ قال: اشتكى رسولُ

стр. 188

الله ﷺ ، فلميقُم ليلتين أو ثلاثاً، فجاءته امرأةٌ، فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١). وفي رواية قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ : فقال المشركون: قد ودع محمدٌ، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. ٥١ - * روى الترمذي عن جُندب البجلي قال: كنتُ مع النبي ﷺ في غارٍ، فدميتْ إصبعه، فقال النبي ﷺ : هل أنتِ إلا إصبع دميتِ ... وفي سبيل الله ما لقيتِ؟ قال: فأبطأ عليه جبريل ﵇، فقال المشركون: قد ودع محمدٌ، فأنزل الله ﵎: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. ذكرت هذه الرواية ههنا لأنه اختلط على بعض العلماء فترة الوحي هذه بفترة الوحي التي كانت بعد فجأة الوحي وليس ذلك صحيحاً. قال صاحب الفتح: والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول والضحى غير الفترة المذكورة في ابتداء الحي. فإن تلك دامت أياماً وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثاً. وههنا إشكال: أن بعض الروايات تذكر: أن خديجة قالت رسول الله ﷺ : ما أرى ربك إلا قد قلاك، وقد قال صاحب الفتح في هذا: وقع في رواية أخرى عن الحاكم (فقالت خديجة) وأخرجه الطبري أيضاً من طريق عبد الله بن شداد (فقالت خديجة ولا أرى ربك) ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه

стр. 189

(فقالت خديجة لما ترى من جزعه)، وهذان طريقان مرسلان ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كلاً من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل عبرت - لكونها كافرة - بلفظ شيطانك. وخديجة عبرت - لكونها مؤمنة - بلفظ ربك أو صاحبك، وقالت أم جميل شماتة وخديجة توجعاً. وفي الجمع بين سببي النزول لقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، أقول: إنه قد يتكرر نزول الآية مرة بعد مرة على إثر حوادث متعددة. ٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال أبو سلمة سألت جابراً، فقلت له مثل ما قلت لي، فقال لي جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله لعيه وسلم، قال: "جاروتُ بحراءٍ شهراً، فلما قضيت جواري، هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرتُ عن شمالي، فلم أر شيئاً، ونظرتُ أمامي فلم أر شيئاً، ونظرتُ خلفي، فلم أر شيئاً، فرفعتُ رأسي، فرأيت شيئاً، فأتيتُ خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، وصبوا علي ماء بارداً، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١) " وذلك قبل أن تفرض الصلاة. وفي رواية (٢) "فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديتُ فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فلم أر أحداً، ثم نوديتُ، فنظرت فلم أر أحداً، ثم نوديتُ فرفعتُ رأسي، فإذا هو قاعدٌ على عرشٍ في

стр. 190

الهواء - يعني جبريل - فأخذتني رجفةً شديدةً، فأتيت خديجة فقلت: دثرُوني، فدثِّروني، وصبوا عليَّ ماءً بارداً، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ". وفي رواية (١) "فإذا هو جالسٌ على العرش بين السماء والأرضِ". وفي رواية (٢) عن أبي سلمة عن جابرٍ قال: سمعتُ النبي ﷺ يُحدثُ عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعتُ رأسي، فإذا الملكُ الذي جاءني بحراءٍ جالسٌ على كُرسيٌّ بين السماء والأرض فجُثِثْتُ منه رعباً، فرجعت، فقلتُ: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ " قبل أن تُفرض الصلاة، والرُّجزُ هي الأوثان. وفي أخرى "فجُثِثْتُ منهُ حتى هويت إلى الأرضِ" وفيه: قال أبو سلمة (والرُّجزُ: الأوثان) قال: "ثم حمِيَ الوحيُ، وتتابع". وأول هذه الرواية: أن رسول الله ﷺ قال: ثُمَّ فترَ الوحيُ عنِّي فترةً، فبينا أنا أمشي ... " ثم ذكر نحوه. أقول: أولية نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أولية نسبية فهي أول ما نزل بعد فترة الوحي. فالصحيح أن أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وأما ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فكانت بعد ذلك. ويصدق في ذلك ما وقع في بعض روايات هذا الحديث "فإذا الملك الذي جاءني بحراء" وقوله "ثم تتابع الوحي" أي بعد فترته.

стр. 191

وقبل كل ذلك الحديث الطويل الذي رواه الشيخان عن عائشة ﵂ في قصة أول بعثته ﷺ ونزول جبريل عليه بحراء. بدأ الوحي بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وبعد فترة نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .... ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فلنقف وقفة عند ذلك: عند قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال السهيلي: أي لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربك وإعانته، فهو يعلمك، كما خلقكم وكما نزعه عنك علق الدم وغمز الشيطان في الصغر، وعلم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمية. أقول: أخذ بعض أهل السلوك إلى الله من هذا أن السالك إلى الله يبدأ بقراءة هذا الكون مستعيناً باسم الله، حتى إذا احترق بالذكر وأذن له شيوخه بالدعوة إلى الله قام بالدعوة، وعليه في هذا الحال أن يجتمع له دعوة وعبادة ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ولا ينجح بالدعوة إلا من اجتمع له تعظيم الله ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وطهارة الظاهر والباطن ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ والتباعد عن عبادات الجاهلية ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ والعمل مع رؤية التقصير ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ والصبر على مقتضيات الدعوة ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. * * *

стр. 192

فصل: في ظاهرة الوحي ٥٣ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشامٍ ﵁ سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول اللهِ، كيف يأتيك الوحيُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحياناً يأتيني مثل صلصلةِ الجرسِ - وهو أشَدُّه عليَّ - فيَفْصِمُ عني وقد وعيتُ عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيُكلمني، فأعي ما يقولُ". قالت عائشة ﵂: ولقدْ رأيته ينزلُ عليه الوحيُ في اليوم الشديد البردِ فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصدُ عرقاً. وفي رواية النسائي (١) إلى قوله: "فيفصمُ عني وقدْ وعيتُ عنهُ" ثم قال: "وهو أشدُّ عليَّ، وأحياناً يأتيني في مثل صورة الفتى، فيبذُهُ إليِّ". ٥٤ - * روى الترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدويِّ النحلِ، فانزل عليه يوماً فمكثنا ساعةً فسُرِّي عنهُ فاستقبل القبلةَ ورفع يديهِ وقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنا، وأعطنا ولا حرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا"، ثم قال ﷺ : "أُنزل علي عشر آياتٍ، من أقامهن دخل الجنة" ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) حتى ختم عشر آيات. ٥٥ - * روى أحمد عن عائشة قالت: إنْ كان ليُوحي إلى رسول الله ﷺ وهو على

стр. 193

راحلته فتضرب بجِرَانِهَا. ٥٦ - * روى الطبراني عن زيد بن ثابت قال: كنُتُ أكتبُ الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه أخذتهُ برحاء شديدةً وعرقَ عرقاً شديداً مثل الجانِ ثم سُرِّي عنهُ، فكنتُ ادخلُ عليه بقطعةِ العسبِ أو كسرهِ فأكتبُ وهو يملي عليَّ، فما أفرغُ حتى تكادُ رجلي تنكسرُ من ثقل القرآن حتى أقول لا أمشي على رجلي أبداً، فإذا فرغتُ قال اقرأهُ فإن كان فيه سقط أقامه، ثم أخرج به إلى الناس. ٥٧ - * روى مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبيُّ الله ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي كُرِب لذلك، وتربَّدَ وجهه. وفي رواية: كان النبي ﷺ إذا أُنزل عيه الوحيُ نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما أبلَّ عنه رفع رأسهُ. وفي رواية (١): كان النبي ﷺ إذا أُنزل عليه كُرِبَ لذلك، وتربّد له وجهه، فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سُري عنه قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البِكرُ بالبِكرِ جلدُ مائةٍ، ونفيُ سنة، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مائة والرجمُ".

стр. 194

سبب ورود قول النبي ﷺ : "قد جعل الله لهن سبيلاً" أن الله قد أنزل في سورة النساء في الحكم بشأن من يزني من النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١). قال مكي بن أبي طالب في الإيضاح: كان الله جل ذكره قد فرض في الزانين المحصنين إذا شهد عليهما بالزنا أربعة شهود أن يحبسا في البيت حتى يموتا أو يجعل الله لهما سبيلاً، فجعل الله السبيل بالرجم، المتواتر نقله، الثابت حكمه للمنسوخ تلاوته. ٥٨ - * روى البخاري عن صفوان بن يعلي بن أمية، أني يعلي كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي، فلما كان النبي ﷺ بالجعُرانة وعليه ثوب قد أظل عليه ومعه الناس من أصحابه، إذ جاءهُ رجل متضمخٌ بطيب فقال: يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب، فنظر النبي ﷺ ساعة فجاءه الوحي: فأشار عمر إلى يعلي أي تعال، فجاء يعلي فأدخل رأسه، فإذا هو محمرُّ الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سرى عنه فقال: أين الذي يسألني عن العمرة آنفاً؟ فلا تمس الرجل فجيء به إلى النبي ﷺ فقال: "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجُبة فأنزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك". ذكرنا هذه النصوص ههنا للتعريف على ظاهرة الوحي في حياة رسول الله ﷺ وهي ظاهرة لا تشبه أي ظاهرة من الظواهر التي علل بها الكافرون لحدوثها عند رسول الله ﷺ ، إن تعليلاتهم حقد خالص، فمن يصدق أن ظاهرة مرضية من الظواهر التي يزعمون أن يخرج على أثرها نص كنصوص القرآن؟ وقد ناقش الأستاذ البوطي في كتابه فقه السيرة المشككين في ظاهرة الوحي ثم قال:

стр. 195

إن هذه الحالة التي مر بها رسول الله ﷺ ، تجعل مجرد التفكير في كون الوحي إلهاماً نفسياً ضرباً من الجنون، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمله بمثل هذه الأحوال. وإذاً فإن حديث بدء الوحي على النحو الذي ورد في الحديث الثابت الصحيح، ينطوي على تهديم كل ما يحاول المشككون تخييله إلى الناس في أمر الوحي والنبوة التي أكرم الله بها محمداً ﵊، وإذا تبين لك ذلك أدركت مدى الحكمة الإلهية العظيمة في أن تكون بداءة الوحي على النحو الذي أراده الله . وربما عاد بعد ذلك محترفو التشكيك، يسألون: فلماذا كان ينزل عليه ﷺ الوحي بعد ذلك وهو بين الكثير من أصحابه فلا يرى الملك أحدٌ منهم سواه؟ والجواب: أنه ليس من شرط وجود الموجودات أن تُرى بالأبصار، إذ إن وسيلة الإبصار فينا محدودة بحد معين، وإلا لاقتضى ذلك أن يصبح الشيء معدوماً إذا ابتعد عن البصر بعداً يمنع من رؤيته. على أن من اليسير على الله ﷻ وهو الخالق لهذه العيون المبصرة - أن يزيد في قوة ما شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى، يقول مالك بن نبي في هذا الصدد: إن عمي الألوان مثلاً يقدم لنا حالة نموذجية، لا يمكن أن ترى فيها بعض الألوان بالنسبة لكل العيون، وهناك أيضاً مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شيء يثبت علمياً أنها كذلك بالنسبة لجميع العيون. فلقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية. ثم إن استمرار الوحي بعد ذلك يحمل نفس الدلالة على حقيقة الوحي وأنه ليس كما أراد المشككون: ظاهرة نفسية محضة. ونستطيع أن نجمل هذه الدلالة فيما يلي. ١ - التمييز الواضح بين القرآن والحديث، إذ كان يأمر بتسجيل الأول فوراً، على حين يكتفي بأن يستودع الثاني ذاكرة أصحابه، لا لأن الحديث كلام من عنده لا علاقة للنبوة بله، بل لأن القرآن موحي به إليه بنفس اللفظ والحروف بواسطة جبريل ﵇. أما

стр. 196

الحديث فمعناه وحي من الله ، ولكن لفظه وتركيبه من عنده ﵊، فكان يحاذر أن يختلط كلام الله الذي يتلقاه من جبريل بكلامه هو. ٢ - كان النبي ﷺ يُسأل عن بعض الأمور فلا يجيب عليها، وربما مر على سكوته زمن طويل، حتى إذا نزلت آية من القرآن في شأن ذلك السؤال، طلب السائل وتلا عليه ما نزل من القرآن في شأن سؤاله. وربما تصرف الرسول في بعض الأمور على وجه معين، فتنزل آيات من القرآن تصرف عن ذلك الوجه، وربما انطوت على عتب أو لوم له. ٣ - كان رسول الله ﷺ أمياً، وليس من الممكن أن يعلم إنسان بواسطة المكاشفة النفسية حقائق تاريخية، كقصة يوسف، وأم موسى حينما ألقت وليدها في اليم، وقصة فرعون، ولقد كان هذا من جملة الحِكَم في كونه ﷺ أمياً: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١). ٤ - إن صدق النبي ﷺ أربعين سنة مع قومه واشتهاره فيهم بذلك، يستدعي أن يكون ﷺ من قبل ذلك صادقاً مع نفسه بما لا يمكن أن يشك في صدقه فيما بعد ذلك، أهـ. وقال الدكتور مصطفى السباعي: إن الله إذا أراد لعبد أن يوجهه لدعوة الخير والإصلاح ألقى في قلبه كره ما عليه مجتمعه من ضلال وفساد. إن محمداً ﵊ لم يكن يستشرف للنبوة، ولا يحلم بها. وإنما كان يلهمه الله الخلوة للعبادة تطهيراً، وإعداداً روحياً لتحمُّل أعباء الرسالة. ولو كان ﵊ يستشرف للنبوة، لما فزع من نزول الوحي عليه، ولما نزل إلى خديجة يستفسرها عن سر تلك الظاهرة التي رآها في غار حراء. ولم يتأكد من أنه رسول إلا بعد رؤية جبريل يقول له: يا محمد أنت رسول الله. وأنا جبريل، وإلا بعد أن أكد له ولخديجة وورقة بن نوفل أن ما رآه في الغار هو الوحي الذي كان ينزل على موسى ﵊. * * *

стр. 197

أقسام الوحي: ذكر ابن القيم وغيره مراتب الوحي فأوصلوها إلى الثمانية: إحداها: الرؤيا الصادقة. وكانت مبدأ وحيه ﷺ . الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها. فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته". الثالثة: أنه ﷺ كان يتمثل له الملك رجلاً فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحياناً. الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه فيلتبس به الملك، حتى أن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، وحتى أن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها. الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم. السادسة: ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها. السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعاً بنص القرآن. وثبوتها لنبينا ﷺ هو في حديث الإسراء. وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي: تكليم الله له كفاحاً من غير حجاب، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف. [الرحيق المختوم]. * * *

стр. 198

حفظ أمر السماء بعد النبوة: ٥٩ - * روى البخاري عن ابن عباس قال: انطلق رسول الله ﷺ في طائفةٍ من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظٍ، وقد حِيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبني خبر السماء، وأرسلت علينا الشهبُ. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث؟ فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء؟ قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخالة وهُو عامدٌ إلى سوق عكاظٍ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بنكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نُشرك بربنا أحداً. وأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) وإنما أوحي إليه قول الجن. هذه رواية البخاري. وقد أخرجها مسلم مع زيادة فيها نفي ابن عباس لرؤية الجن

стр. 199

وذلك محمول على ما كان في ابتداء النبوة وهو ما ذكره ابن عباس هنا، أما رواية ابن مسعود التي ذكر فيها اجتماع رسول الله ﷺ بالجن فتلك حادثة متأخرة سنراها، قال الحافظ في الفتح جامعاً بين نفي ابن عباس وإثبات ابن مسعود (ويمكن الجمع بالتعدد). قال في الفتح: وفي الحديث إثبات وجود الشياطين والجن وأنهما لمسمى واحد، وإنما صارا صنفين باعتبار الكفر والإيمان، فلا يقال لمن آمن منهم إنه شيطان. وفيه أن الصلاة في الجماعة شرعت قبل الهجرة. وفيه مشروعيتها في السفر. والجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وأن الاعتبار بما قضى الله للعبد من حسن الخاتمة لا بما يظهر منه من شر ولو بلغ ما بلغ، لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان بمجرد استماع القرآن لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشر ما اختارهم للتوجه إلى الجهة التي ظهر له أن الحدث الحادث من جهتها. ومع ذلك فغلب عليهم ما قضي لهم من السعادة بحسن الخاتمة. أهـ. وهناك روايات صحيحة تثبت أن الشهب كانت موجودة قبل البعث فلا تعارض بغيرها لذلك قال الزهري في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (١) غلظ أمرها وشدد. قال في الفتح: والشهب عند علماء الكون نيازك تشتعل إذا اصطدمت بالهواء من جراء الاحتكاك. وإثبات هذا المعنى لا ينفي أن يكون لبعضها آثار على عالم الجن فأن يكون لشيء واحد مظهر حسي وارتباط عيني فذلك جائز كالموت يكون له سبب حسي كالمرض وهو أثر عن نزع الروح كذلك. ومن فكرة أن اشتعال النيازك إنما يكون بعد ملامستها الهواء، ومن تفسير المفسرين: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ أي قصدناها فُهِمَ أن مقاعد الجن في السماء إنما هي في جو الأرض. والتشديد في حراسة السماء لا يمنع أن يستمر الجن في المحاولة وأن يسمعوا شيئاً.

стр. 200

قال صاحب الفتح: فإن الشياطين مع شدة التغليظ عليهم في ذلك بعد المبعث لم ينقطع طمعهم في استراق السمع في زمن النبي ﷺ فكيف بما بعده، وقد قال عمر لغيلان بن سلمة لما طلق نساءه: إني أحسب أن الشياطين فيما تسترق السمع سمعت بأنك ستموت فألقت إليك ذلك الحديث، أخرجه عبد الرزاق وغيره. فهذا ظاهر في أن استراقهم السمع استمر بعد النبي ﷺ ، فكانوا يقصدون استماع الشيء مما يحدث فلا يصلون إلى ذلك إلا أن اختطف أحدهم بخفة حركته خطفة فيتبعه الشهاب، فإن أصابه قبل أن يلقيه لصحبه فاتت وإلا سمعوها وتداولها. أهـ. ومن الحديث نعلم أن السماء قد حفظت من بدء رسالته ﵊ حتى لا يشتبه أمر النبوة على الخلق. * * *

стр. 201

القرآن معجزة الرسول ﷺ الخالدة ٦٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثلهُ آمن عليه البشرُ، وإنما كان الذي أوتيتهُ وحياً أوحاهُ الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة". المعجزة الرئيسية لرسول الله ﷺ هي القرآن، والقرآن معجزة فيها معجزات: ففي القرآن كله إعجاز مظهره عجز البشر أن يأتوا بسورة مثله مع أنه كلام يتألف من اسم وفعل وحرف، وزيادة على الإعجاز الموجود في القرآن كله فهناك معجزات كثيرة أخرى، من مثل إخباره عن غيوب سابقة ولاحقة، ومن مثل حديثه عن أسرار كونية لم تعرف إلا في عصور متأخرة لاحقة. وبالإعجاز القرآني والمعجزات القرآنية تقوم الحجة على الخلق إلى قيام الساعة أن محمداً رسول الله ﷺ . ولكن إذا كانت المعحزة الرئيسية لرسولنا هي القرآن فهناك معجزات أخرى لا تعد ولا تحصى تقوم بها الحجة، فهناك خوارق للعادات حدثت في عصره على يديه، وهناك نبوءات تحققت في عصره وفيما بعد ذلك، وهناك كرامات أولياء أمته. وبسبب من كون القرآن هو المعجزة الرئيسية لرسولنا ﵊، وبسببٍ من كون هذا القرآن باقياً محفوظاً، فالمعجزة مستمرة في حق الأمم وهي محسوسة ملموسة، بينما معجزات الرسل انقضت بوقوعها فلم يصل إلى الأمم إلا خبرها، فمن هذه الحيثية فإن للتوقع أن يكون أتباع رسول الله ﷺ كثراً

стр. 202

بهذا القرآن بدأ الرسول ﷺ دعوته، وبهذا القرآن ربي من استجاب له وعلمهم، وبهذا القرآن واجه وجابه، ولأمر أراده الله لم تصلنا تفصيلات شاملة كاملة عن تسلسل الآيات في النزول، وقد تكون الحكمة قطع الطريق على التفكير في إعادة ترتيب القرآن لأن ترتيبه رباني ومعجز كما أثبتنا ذلك في كتاب (الأساس في التفسير)، وعلى كل فقد بقيت هناك معالم كبرى للقرآن الذي نزل في مكة قبل الهجرة، ومعالم كبرى لما نزل في المدينة، كما أن هناك معالم كبرى في تحديد زمن نزول بعض السور، فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) نزل بعد أربع سنين من البعثة، وسورة المزمل نزلت في أوائل البعثة. ومن استعراض لهذه المعالم الكبرى نستطيع أن نتعرف على كيفية المواجهة والمجابهة بين الوحي والفكر الجاهلي، كما نتعرف على مجموع الأفكار التي واجهت بها الجاهلية هذه الدعوة، لكن الترتيب الرباني لسور القرآن تسلسلت فيه المعاني على نمط لا يتقيد بترتيب النزول، وقد كان هذا بصيغة خالدة تسع الزمان والمكان فالتسلسل ذاك ملاحظ به الجيل الأول، أما هذا فقد جاء بشكل آخر يسع احتياجات البشر بعد كمال التشريع، ولا يفوت قارئ القرآن حالياً أن يستأنس بمكيتها أو مدنيتها ليتعرف على ما كان في المرحلة الأولى والثانية. * * * متى وكيف نزل القرآن: قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣). فيستشهد بذلك على أن القرآن أنزل في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وهذا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون أراد بدء النزول وأوله، لأن القرآن نزل في أكثر من عشرين

стр. 203

سنة في رمضان وغيره، والثاني: ما قاله ابن عباس: أنه نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا، فجُعل في بيت العزة مكنوناً في الصحف المكرمة، المرفوعة المطهرة، ثم نزلت منه الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة، في أجوبة السائلين، والنوازل الحادثة، إلى أن توفي ﷺ وهذا التأويل أشبه بالظاهر، وأصح في النقل والله أعلم. * * *

стр. 204

فصل: في الدعوة السرية بعد نزول قوله تعالى ﴿اقْرَأْ﴾ عرض رسول الله ﷺ ما حدث على خديجة وورقة بن نوفل فآمنا ابتداء لمجرد العرض دون دعوة منه ﵊، وبنزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ....﴾ (١) أصبح الرسول ﷺ مكلفاً بالإنذار ومكلفاً بالصلاة والطهارة والتوحيد والصبر وتجنب الأوثان، وهي هي التكاليف التي جاءت بعد فترة الوحي، ولم يسبق ذلك إلا التكليف بالقراءة باسم الله وذلك في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ...﴾ (٢) وهكذا بدأ التكليف بالتوحيد والعبادة والدعوة والصبر. والعبادة في هذه المرحلة تتلخص في الصلاة وقراءة القرآن والذكر والفكر، فالصلاة رافقت نزول سورة المدثر، وعلى رواية المقريزي أنها رافقت نزول سورة اقرأ، ولذلك فسنرى روايات تذكر الصلاة من الابتداء، وقد دخل في تكليف الصلاة ابتداء صلاة في الصباح وصلاة في المساء على سعة في الوقتين، ثم تكليف بقيام الليل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ...﴾ (٣) وبعد سنة خفف الأمر بقيام الليل عن عامة المسلمين وبقي في حقه ﵊ فريضة، واستمر الحال على ذلك حتى حادثة الإسراء والمعراج إذ فرضت الصلوات الخمس، وقد بدأت الدعوة سرية وفردية حتى جاء الأمر بالجهر بالإنذار والصدع بالدعوة وذلك على القول الراجح بعد ثلاث سنين من البعثة، ويبدو أن الاضطهاد بدأ مبكراً منذ هذه المرحلة، واشتد بعد الجهر بالدعوة مما ألجأ إلى الاختباء في دار الأرقم ثم أسفر عن الهجرتين إلى الحبشة، وقد شدد المشركون القبضة بفرض المقاطعة والحصار مما ألجأ المسلمين ومن تعاطف معهم إلى الانكماش في شعب أبي طالب ... كما سنراه. وإذ كنا لا نملك تأريخاً محققاً لكل حادثة في المرحلة المكية متى كانت إلا في حدود ضيقة، فإننا سنعرض الروايات على تسلسل معين مستأنسين لهذا التسلسل ببعض المعاني، لكنه في الكثير من الأحيان لا يصل إلى حد الجزم فليلاحظ القارئ ذلك، فبعض

стр. 205

الروايات التي نذكرها قبل الهجرتين إلى الحبشة قد يكون زمنها بعد الهجرتين، وبعض الروايات التي نذكرها بعد الهجرتين قد تكون وقعت قبلهما. ولنعد إلى استعراض الحال قبل نزول الأمر بالجهر بالدعوة، فالدعوة في هذه المرحلة سرية وفردية وقد قام بها رسول الله ﷺ بنفسه أو بمن استجاب له كأبي بكر ﵁. قال المقريزي: ثم استجاب له عبادُ الله من كل قبيلةٍ، فكان حائز قصب السبق؛ أبو بكر عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن غالب القرشي التيمي ﵁ فآزره في دين الله وصدقه فيما جاء به، ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجاب لأبي بكر ﵁ جماعة منهم: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي القرشي الأموي، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي، وسعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، والزبير بن العوام بن خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصي الأسدي، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة بن كلاب القرشي الزهري، فجاءهم رسول الله ﷺ حتى استجابوا له بالإسلام وصلوا، فصار المسلمون ثمانية نفر، أول من أسلم وصلى الله تعالى. وأما عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي فلم يشرك بالله قط، وذلك أن الله تعالى أراد به الخير فجعله كفالة ابن عمه سيد المرسلين محمد ﷺ ، فعندما أتى رسول الله ﷺ الوحي، وأخبر خديجة ﵂ وصدقت، كانت هي وعلي بن أبي طالبن وزيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العُزى بن امرئ القيس بن عامر ابن عبد وُد ابن كنانة بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة الكلبي، حِبُّ رسول الله صلى الله لعيه وسلم يصلون معه، وكان ﷺ يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصلي صلاة الضحى، وكانت صلاة لا تنكرها قريش. وكان إذا صلى في سائر اليوم بعد ذلك قعد عليٌّ أو زيدٌ ﵄ يرصُدانه.

стр. 206

وكان ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشِّعاب فُرادى ومثنى، وكانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين قبل الهجرة. فلم يحتج علي ﵁ أن يُدعى، ولا كان مشركاً حتى يوحد فيقال أسلم، بل كان - عندما أوحى الله إلى رسول الله ﷺ عمرهُ ثماني سنين؛ وقيل سبع سنين، وقيل إحدى عشرة سنة. وكان مع رسول الله ﷺ في منزله بين أهله كأحدِ أولاده يتبعه في جميع أحواله. وكان أبو بكر ﵁ أول من أسلم ممن له أهلية الذبُّ عن رسول الله ﷺ والحماية والمناصرة. هذا هو التحقيق في المسألة لمن أنصف وترك الهوى من الفريقين. أي: الذين يقدم أحدهما إسلام أبي بكر، والآخر إسلام علي ﵄. وقال صاحب الرحيق المختوم: ومن أوائل المسلمين: بلال بن رباح الحبشي، ثم تلاهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر ابن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم المخزوميان، وعثمان بن مظعون وأخواه قُدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوي، وامرأته فاطمة بنت لاخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود الهُذلي وخلق سواهم، وأولئك هم السابقون الأولون، وهم من جميع بطون قريش وعدهم ابن هشام أكثر من أربعين نفراً. وفي ذكر بعضهم في السابقين الأولين نظر. قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتُحدث به. أسلم هؤلاء سراً، وكان الرسول ﷺ يجتمع بهم ويرشدهم إلى الدين متخفياً لن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية، وكان الوحي قد تتابع وحمي نزوله بعد نزول أوائل المدثر. وكانت الآيات وقطع السور التي تنزل في هذا الزمان آيات قصيرة، ذات فواصل رائعة منيعة، وإيقاعات هادئة خلابة تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق، تشتمل على تحسين تزكية النفوس، وتقبيح تلويثها برغائم الدنيا، تصف الجنة والنار كأنهما رأي عين، تسير

стр. 207

بالمؤمنين في جو آخر غير الذي فيه المجتمع البشري آنذاك. وتعليقاً على سرية الدعوة في السنين الثلاثة الأولى للدعوة قال الدكتور البوطي: وبناءً على ذلك فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية في كل عصر أن يستعملوا المرونة في كيفية الدعوة - من حيث التكتم والجهر، أو اللين والقوة - حسبما يقتضيه الظرف وحال العصر الذي يعيشون فيه. وهي مرونة حددتها الشريعة الإسلامية اعتماداً على واقع سيرته ﷺ ... على أن يكون النظر في كل ذلك إلى مصلحة المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية. ومن أجل هذا أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم، إذا ما أجمعوا قتالهم، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لأن المصلحة المقابلة وهي مصلحة حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع. ويقر العز بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا الجهاد قائلاً: فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام، لما في الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة. ليس في طيها مصلحة. وتقديم مصلحة النفس هنا من حيث الظاهر فقط، أما من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد، فإنها في الواقع مصلحة دين، إذ المصلحة الدينية تقتضي - في مثل هذه الحال - أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى. وإلا فإن هلاكهم يعتبر إضراراً بالدين نفسه وفسحاً للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدوداً أمامهم من السبل. أهـ. أقول: إن صاحب الدعوة لابد أن يعطيها فرصة لتتمكن في الأنفس فلا تؤثر فيها الأعاصير، قدر لو أن الرعيل الأول انشغل بغير التكوين النفسي فكيف سيكون قادراً على الصبر والتحمل إذا جاءت المحنة؟ وكيف يستطيع مقارعة الباطل وشبهه؟ وهل يستطيع صهر المستجيبين وحمل الدعوة؟.

стр. 208

٦١ - * روى الإمام أحمد بن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي عن أبيه عن جده قال: كنت امرءاً تاجراً فقدمت الحج، فأتيتُ العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة وكان امرءاً تاجراً، فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجلٌ من خباءٍ قريبٍ منه فنظر إلى الشمس فلما رآها مالت قام يُصلي، قال: ثم خرجت امرأةً من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه يصلي، قال: فقلت للعباس من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، قال فقلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة ابنة خويلد، قال قلت: من هذا الفتى؟ قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه، قال فقلت: فما هذا الذي يصنع؟ قل: يصلي وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه على أمره إل امرأته وابن عمه، هذا الفتى، وهو يزعم أنه يفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. قال: فكان عفيف وهو ابن عم الأشعث بن قيس يقول: - وأسلم بعد ذلك وحسُنَ إسلامه - لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثالثاً مع علي بن أبي طالب. قال صاحب الفتح الرباني: مالت الشمس: أي إلى جهة المغرب، وجاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ صلى بهما حين زالت الشمس فهي تفسر ما هنا، ولا يعارضه قول مقاتل كانت الصلاة أول فرهضا ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (١) فقد قيل العشي ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه قيل للظهر والعصر صلاتا العشي (قال الحافظ) كان ﷺ قبل الإسراء يصلي قطعاً وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا؟ فقيل إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى ﴿وَسَبِّحْ﴾ أي: صل حال كونك متلبساً ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ

стр. 209

قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١). ٦٢ - * روى الطبراني عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ سُئِلَ عن ورقة بن نوفلٍ فقال: "يُبعثُ يوم القيامة أمةً وحده". وذلك لأنه آمن ونوى النصرة وتوفي قبل أن يدعى. ٦٣ - * روى أحمد والترمذي عن زيدٍ بن أرقم قال: أول من صلى (وفي لفظ) أول من أسلم مع رسول الله ﷺ عليٍّ (قال عمرو أحد الرواة) فذكرت ذلك لإبراهيم (أي: النخعي) فأنكر ذلك، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق ﵁. قال في الفتح: وروى ابن إسحاق في السيرة قال: أول ذكر ٍآمن برسول الله ﷺ وصدقه علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين، وكان في حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام. وقال محمد بن كعب: أول من أسلم من هذه الأمة خديجة، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعليٍّ، وأسلم علي قبل أبي بكر وكان علي يكتم إيمانه خوفاً من أبيه حتى لقيه أبوه قال: أسلمت؟ قال: نعم. قال: آزر ابن عمك وانصره، قال: وكان أبو بكر الصديق أول من أظهر الإسلام، وروى الطبراني عن أبي رافع: صلى النبي ﷺ أول يوم الإثنين وصلت خديجة آخره، وصلى علي يوم الثلاثاء، وروى الحاكم في المستدرك من حديث بريدة الأسلمي قال: أوحى إلى رسول الله ﷺ يوم الإثنين وصلى عليٍّ يوم الثلاثاء. وصححه الحاكم وأقره الذهبي. وتوفيقاً بين النصوص التي تذكر أول من أسلم قال صاحب الفتح: ولا منافاة، فإن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وعليًّا أول من أسلم من الصبيان، فقد روي أنه كان حينذاك بين تسع سنين وعشر، وكان إسلامه قبل إسلام أبي بكر رضي

стр. 210

الله عنهما. ٦٤ - * روى أحمد والبزار عن حبَّة العُرني قال: رأيتُ علياً ﵁ يضحكُ على المنبر لم أرهُ ضحِكَ ضحكاً أكثر منه حتى بدت نواجذُهُ، ثم قال: ذكرتُ قول أبي طالب: ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله ﷺ ونحن نُصلي ببطن نخلة فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: ما بالذي تصنعان بأس، ولكن لا تعلوني إستي أبداً. فضحك تعجباً لقولة أبيه ثم قال: اللهم لا أعترف عبداً من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك - ثل ثمرات - لقد صليتُ قبل أن يصلي الناس سبعاً. ٦٥ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال: أول من أسلم زيد بن حارثة. زيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وقصة تبني رسول الله ﷺ لزيد بعد عتقه مشهورة، وإسلام زيد وأمثاله ممن هم أكثر الناس خلطة برسول الله ﷺ وأكثرهم معرفة به علم من أعلام نبوته. ٦٦ - * روى الترمذي عن جَبَلة بن حارثة ﵁ قال: قَدِمْت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ابعثْ معي أخي زيداً، قال: "هو ذا، فإن انطلق معك لم أمنعه". قال زيد: يا رسول الله، والله لا أختار عليك أحداً، قال: فرأيت رأي أخي أفضل من رأيي. ٦٧ - * روى أحمد عن ابن مسعود قال: كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبي

стр. 211

مُعيطٍ، فجاء النبي ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين، فقالا: يا غلام هل عندك من لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما. كان هذا أول الإسلام قبل إسلام عبد الله بن مسعود، وقد يكون المراد بالفرار في الرواية: ما كان يفعله رسول الله ﷺ وأصحابه من استخفاء إذا ما أرادوا الصلاة ولكن الظاهر أن الأمر غير ذلك، وهذا يفيد أن الاضطهاد بدأ مبكراً، والرواية تدلنا على أمانة ابن مسعود مما يشير إلى أن هذه النوعية من الناس هي التي تملك الاستعداد الرفيع للدخول في الإسلام كما حدث لابن مسعود، وسؤاهما اللبن كان بناء على أن من حق ابن مسعود أن يسقيهما كأن يكون هو صاحب الغنم أو أنه مأذون بالضيافة. ٦٨ - * روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد رأيتُني وأنا ثُلُثُ الإسلام. وفي رواية: ما أسلم أحدٌ إلا في أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيامٍ، وإني لثلث الإسلام. قال في الفتح شارحاً قوله: (وإني لثلث الإسلام) قال ذلك بحسب اطلاعه، والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه، ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي ﷺ وأبا بكر، وقد كانت خديجة أسلمت قطعاً فلعله خص الرجال، وقد تقدم في ترجمة الصديق حديث عمار (رأيت النبي ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر) وهو يعارض حديث سعد، والجمع بينهما ما أشرت إليه، أو يحمل قول سعد على الأحرار البالغين يخرج الأعبد المذكورون وعلي ﵁، أو لم يكن اطلع على أولئك، ويدل على هذا الأخير أنه وقع عند الإسماعيلي من رواية يحيى بن سعيد الأموي عن هاشم بلفظ (ما أسلم أحد قبلي) ومثله عند ابن سعد من وجه آخر عن عامر بن سعد عن أبيه، وهذا مقتضى رواية الأصيلي، وهي مشكلة لأنه قد أسلم قبله جماعة، لكن يحمل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ. وقد رأيت في (المعرفة لابن منده) من طريق أبي بدر عن هاشم بلفظ (ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه) وهذا

стр. 212

لا إشكال فيه إذ لا مانع أن يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم، لكن أخرجه الخطيب من الوجه الذي أخرجه ابن منده فأثبت فيه (إلا) كبقية الروايات فتعين الحمل على ما قلته. ٦٩ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إنه نزلت فيه آياتٌ من القرآن، قال: حلفت أمُّ سعدٍ أن لا تكلمهُ أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمتَ أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غُشي عليها من الجهد فقام ابن لها يُقال له: عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعدٍ، فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (١) ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢). قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمةٌ عظيمةٌ، فإذا فيها سيفٌ، فأخذتهُ فأتيتُ به رسول الله ﷺ ، فقلت: نفَّلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حالهُ، فقال: "رُده من حيث أخذته" فانطلقت حتى إذا أردتُ أن ألقيهُ في القبض، لامتنى نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته: "رُده من حيث أخذتهُ"، قال: فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٣). ومرضتُ، فأرسلتُ إلى النبي ﷺ ،

стр. 213

فأتاني، فقلتُ: دعْنِي أقسمُ مالي حيثُ شئتُ، قال: فأبي، قلتُ: فالنصفُ، قال: فأبي قلتُ: فالثلثُ، قال: فسكت، فكان بعدُ الثلثُ جائزاً، قال: وأتيتُ على نفرٍ من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعِمُكَ، ونُسقيك خمراً - وذلك قبل أن تُحرم الخمرُ - قال: فأتيتُهم في حشٍّ - والحشُ: البُستانُ - فإذا رأس جزورٍ مشويٍّ عندهم، وزق من خمر فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصارُ والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خيرٌ من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحي الرأس، فضربني به، فجرح أنفي، فأتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرتهُ، فأنزل الله في - يعني نفسهُ - شأن الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١). وفي رواية في قصة أم سعد: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعمواه شجروا فاها بعصاً، ثم أوجروها. وفي آخرها: فضرب به أنف سعدٍ ففزرهُ، فكان أنف سعدٍ مفزوراً. واختصره الترمذي (٢) قال: أُنزلت في أربع آياتٍ، فذكر قصةً فقالت أم سعدٍ: أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا أطعم طعاماً، ولا أشربُ شراباً حتى أموتُ، أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها شجروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ...﴾ (٣) الآية. ٧٠ - * روى البخاري عن عمار بن ياسر ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبدٍ وامرأتان وأبو بكرٍ. نجد ههنا نوعية المستجيبين الأوائل لرسول الله ﷺ أصحاب الأصالة ومكارم الأخلاق والمضطهدين والنساء، وفي ذلك تذكير للدعاة ألا يهملوا المضطهدين والفقراء من عمال

стр. 214

وفلاحين، وألا يهملوا النساء، وأن يركزوا على المثقفين. ٧١ - * روى أحمد عن سالم بن أبي العجد قال: دعا عثمان ناساً من أصحاب النبي ﷺ فيهم عمار بن ياسر فقال: إني سائلكم وإني أحبُّ أن تصدقوني، نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان يؤثر قريشاً على سائر الناس ويؤثر بني هاشم على سائر قريش؟ فسكت القوم فقال عثمان: لو أن يبدئ مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم، فبعث إلى طلحة والزبير فقال عثمان: ألا أحدثكما عنه - يعني عماراً - أقبلتُ مع رسول الله ﷺ آخذا بيدي نتمشى بالبطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وعليه يُعذبون، فقال أبو عمار: يا رسول الله الدهر هكذا؟ فقال له النبي ﷺ : "اصبر"، ثم قال: "اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت". ٧٣ - * روى الحاكم عن جابر أن رسول الله ﷺ مر بعمارٍ وأهله وهم يعذبون فقال: "أبشروا آل عمران وآل ياسر فإن موعدكم الجنةُ". ٧٣ - * روى الحاكم عن كردوس: أن خباباً أسلم سادس ستة، كان سُدس الإسلام. ٧٤ - * روى ابن ماجه عن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب إلى عمر فقال: ادن فما أحد أحقُّ بهذا المجلس منك إلا عمار، فجعل خباب يريه آثاراً بظهره مما عذبه المشركون

стр. 215

٧٥ - * روى البخاري عن خبابِ بن الأرتِّ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسِّد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال: "كان الرجلُ فيمن قبلكم يحفرُ له في الأرض فيُجعلُ فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضعُ على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصب وما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه. ولكنكم تستعجلون". ٧٦ - * روى مسلم عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنتُ، وأنا في الجاهلية، أظن أن الناس على ضلالةٍ. وأنهم لسوا على شيء. وهم يعبدون الأوثان. فسمعت برجلٍ بمكة يخبر أخباراً. فقعدتُ على راحلتي. فقدمتُ عليه. فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً، جرءاءُ عليه قومه. فتلطفتُ حتى دخلت عليه بمكة. فقلت له: ما أنت؟ قال: "أنا نبي" فقلت: ما نبي؟ قال: "أرسلني الله" فقلت: وبأي شيءٍ أرسلك؟ قال: "أ ﴿سلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يُوحد الله لا يشرك به شيء" قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: "حر وعبدٌ" (قال ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فقلت: إني مُتبعُك. قال: "إنك لا تستطيعُ ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك. فإذا سمعت بي قد ظهرتُ فأتني" قال: فذهبت إلى أهلي. وقدم رسول الله ﷺ المدينة. وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار ... أقول: قوله ﵊: "ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت
следующие страницы →