فأتيته فسألتُه، فقال: "إن حدث بعثمان حدث فتباً لكم الدهر تباً".
١٤٧٦ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أله الدرجات العُلى ليراهُم من تحتهم، كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما".
١٤٧٧ - * روى أبو داود عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل من أهل عليين ليُشرفُ على أهل الجنة، فتُضيءُ الجنةُ لوجهه، كأنه كوكبٌ دُريٌ" قال- وهكذا جاء في الحديث "دُريٌّ" مرفوع الدال لا يُهمز- "وإن أبا بكر وعمر لمنهُم، وأنعما".
١٤٧٨ - * روى الطبراني عن ابن مسعود أن سعيد بن زيد قال: يا أبا عبد الرحمن قُبض رسول الله ﷺ فأين هو؟ قال: في الجنة، قال: تُوفي أبو بكر فأين هو؟ قال: ذاك الأواهُ عند كل خيرٍ يبتغي، قال: تُوفي عمر فأين هو؟ قال: إذا ذُكر الصالحون فحيهلا بعمر.
١٤٧٩ - * روى ابن ماجه والحاكم عن ابن أبي مليكة قال: سمعتُ ابن عباس يقول: لما وُضع عمر على سريره اكتنفه الناس يدعون ويصلون أو قال: يثْنُون ويُصلون عليه قبل أن يُرفع وأنا فيهم، فلم يرُعْني إلا رجلٌ قد زحمني وأخذ بمنكبي فالتفتُّ فإذا عليُّ ابن أ [ي طالب، فترحم على عمر ثم قال: ما خلفت أحداً أحبُّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله (١)
стр. 1472
منك، وايم الله إنْ كنتُ لأظنُّ ليجعلنك الله مع صاحبيك: وذلك أني كنتُ أكثر أن أسمع رسول الله ﷺ يقول: ذهبتُ أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فكنتُ أظن ليجعلنك الله مع صاحبيك.
١٤٨٠ - * روى أحمد عن عبد خير قال: قام علي بن أبي طالب ﵁ على المنبر فذكر رسول الله ﷺ فقال: قُبض رسول الله ﷺ واستُخلف أبو بكر فعمل بعمله وسار بسيرته حتى قبضه على ذلك، ثم استُخلف عمر فعمل بعملهما وسار بسيرتهما حتى قبضه الله على ذلك.
١٤٨١ - * روى أحمد والطبراني عن علي قال: سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنه أو أصابتنا فتنة يعفوا الل عمن يشاء، رواه أحمد، وقال ثم خبطتنا فتنة، يريد أن يتواضع بذلك.
١٤٨٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلوٌ، فنزعتُ منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنُوباً أو ذَنُوبين، وفي نزعِه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالتْ غرباً، فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس ينزعُ نزع عمر بن الخطاب حتى ضرب الناسُ بعطنٍ" (١).
стр. 1473
وللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: "بينما أنا نائم رأيتُ أني على حوضي أسقي الناس، فأتاني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليُريحني، فنزع ذنوبين، وفي نزعه ضعفٌ، والله يغفر له، فأتى ابن الخطاب، فأخذه منه، فلم يزل ينزعُ حتى تولى الناس والحوض يتفجر"؟
وفي أخرى (٢) لمسلم: قال: "بينا أنا نائم أريت أني أنزعُ على حوضي أسقي الناس، فجاءني أبو بكر، فأخذ الدلو من يدي ليُروِّحني، فنزع دلوين، وفي نزعه ضعفٌ، والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب فأخذ منه، فلم أر نزع رلٍ قط أقوى حتى تولى الناس والحوض ملآنُ يتفجر".
١٤٨٣ - * روى الطبراني عن عائشة قالت قُبض رسول الله ﷺ فارتدتِ العربُ واشرأبَّ النفاق فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها قالت فما اختلفوا في نقطةٍ إلا طار أبي بحطها وسنائها، ثم ذكرت عمر بن الخطاب فقالت: كان والله أحوذياً نسيج وحده قدْ أعدَّ للأمور أقرانها.
قال الرياشيُّ يُقال للرجل البارع الذي لا يشبه به أحدٌ نسيجُ وحدِهُ.
١٤٨٤ - * روى الحاكم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مشيتُ مع النبي صلى الله عليه وآله وسلمإلى امرأةٍ فذبحت لنا شاة، فقال رسول الله ﵌ "ليدخلن رجلٌ من أهل الجنة" فدخل أبو بكر ﵁. ثم قال: "ليدخلنَّ رجلٌ من أهل الجنة" فدخل عمر ﵁ ثم قال: "ليدخلنَّ رجلٌ من أهل الجنة اللهم إن شئت فاجعله علياً" قال: فدخل علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 1474
١٤٨٥ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن علي قال: يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: "إن تُؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة وإنْ تؤمروا عمر تجدوهُ قوياً أميناً لا تأخذُه في الله لومة لائم. وإن تؤمروا علياً ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذُ بكم الطريق المستقيم".
قوله: "ولا أراكم فاعلين" أي أن تؤمروا علياً بعد عمر، وليس ذلك مطعناً في تأمير عثمان، بل هو إشارة إلى أن الأمر يكون أكثر استقامة، وقد تبين سر الحديث فيما بعد إذ حدثت الفتنة الكبرى في زمن عثمان والتي لا زال المسلمون يعانون من آثارها.
* * *
عطف: في المهاجرين والأنصار
١٤٨٦ - * روى أحمد والطبراني والحاكم عن جرير قال: قال النبي ﷺ : "المُهاجرون والأنصارُ بعضهمْ أولياءُ بعضٍ في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش والعُتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة".
١٤٨٧ - * روى البخاري عن غيلان بن جرير قال قلتُ لأنسٍ: أرأيت اسم الأنصار كنتم تُسمون به أم سماكم الله تعالى؟ قال: بل سمانا الله، وكنا ندخلُ على أنسٍ فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم، ويُقبلُ عليِّ أو على رجلٍ من الأزد فيقول: فعل قومُك يوم كذا وكذا كذا وكذا (١).
(فعل قومك يوم كذا وكذا كذا وكذا) أي يجلي ما كان من مآثرهم في المغازي ونصر
стр. 1475
الإسلام وقومك هم الأنصار - الأوس والخزرج-.
والأوس ينسبون إلى أوس بن حارثة، والخزرج ينسبون إلى الخزرج بن حارثة، وهما ابنا قيلة وهو اسم أمهم، وأبوهم هو حارثة بن عمرو بن عامر الذي يجتمع إليه أنساب الأزد.
١٤٨٨ - * روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ "الأنصار لا يُحبهم إلا مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافقُ، فمن أحبهم أحبهم الله، ومن أبغضهم أبغضه الله".
١٤٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "آية الإيمان حبُّ الأنصار، وآية المنافق بغضُ الأنصار".
١٤٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: رأى النبي ﷺ النساء والصبيان مقبلين - قال: حسبتُ أنه قال من عُرس - فقام النبي ﷺ ممثلاً فقال: "اللهم أنتم من أحب الناس إليَّ" قالها ثلاث مرارٍ يعني الأنصار.
١٤٩١ - * روى البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار" زاد الترمذي (١): "ولنساء الأنصار".
ولمسلم (٢) عن أنس: "ولموالي الأنصار".
стр. 1476
١٤٩٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أوصيكم بالأنصار فإنهم كَرِي وعيبتي، قد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم".
١٤٩٣ - * روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: قالت الأنصارُ يا نبي الله: لكل نبي أتباعُ وإنا قد اتبعناك فادعُ الله أن يجعل أتباعنا منا. فدعا به.
١٤٩٤ - * روى البخاري عن أنس قال: دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يُقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تُقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها. قال: "إما لا فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيُصيبكم بعدي أثرة".
وفي رواية (١): "حتى تلقوني على الحوض".
١٤٩٥ - * روى البخاري عن قتادة قال: ما نعلم حياً من أحياء العرب أكثر شهيداً أغر يوم القيامة من الأنصار. قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحدٍ سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون. قال: وكان بئر معونة على عهد رسول الله ﷺ ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مُسيلمة الكذاب.
١٤٩٦ - * روى البخاري عن أبي أُسيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "خيرُ دُور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو
стр. 1477
ساعدة، وف يكل دُور الأنصار خير" فقال سعدٌ: ما أرى النبي ﷺ إلا قد فضلَ علينا، فقيل: قد فضلكم على كثير. وقال عبد الصمد: حدثنا شُعبة حدثنا قتادةُ سمعت أنساً قال أبو أسيد عن النبي ﷺ بهذا وقال (سعدُ بن عُبادة).
١٤٩٧ - * روى البخاري عن أبي حميدٍ عن النبي ﷺ قال: "إن خير دورِ الأنصار دارُ بني النجار، ثم عبد الأشهل، ثم دارُ بني الحارث، ثم بني ساعدة، وفي كل دُور الأنصار خيرٌ" فلحقنا سعد بن عبادة، فقال أبا أسيد: ألم تر أن نبي الله ﷺ خيرَ الأنصار فجعلنا أخيراً؟ فأدرك سعد النبي ﷺ فقال: يا رسول الله خُيرَ دورُ الأنصار فجُعلنا آخراً، فقال: "أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ ".
قال ابن حجر:
وهذا يعارض رواية مسلم: فإن فيها أن سعداً رجع عن إرادة مخاطبة النبي ﷺ في ذلك لما قال له ابن أخيه، ويمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عن قصد رسول الله ﷺ لذلك خاصة ثم إنه لما لقي رسول الله ﷺ في وقت آخر ذكر له ذلك، أو الذي رجع عنه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار والذي صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة ولهذا قال له ابن أخيه في الأول "أترد على رسول الله أمره". قوله: "من الخيار" أي الأفاضل لأنهم بالنسبة إلى من دونهم أفضل، وكأن المفاضلة بينهم وقعت بحسب السبق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله، ونحو ذلك أهـ.
١٤٩٨ - * روى ابن ماجه عن أنس أن النبي ﷺ مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوارٍ يضربن بدُفّهنِّ ويتغنين ويقلن:
نحن جوارٍ من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فقال ﷺ : "الله يعلم إني لأحبكن" (١).
стр. 1478
١٤٩٩ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن عيبتي التي آوي إليها: أهل بيتي، وإن كرشي الأنصارُ فاعفوا عن مسيئهم، واقبلوا من محسنهم.
١٥٠٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شِعْباً لسلكتُ في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امرءاً من الأنصار" فقال أبو هريرة: ما ظلم، بأبي وأمي، آووه ونصروه، أوكلمة أخرى.
١٥٠١ - * روى أحمدعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - وكان أبوه أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه واستغفر للشهداء الذين قُتلوا بأحدٍ ثم قال: "إنكم يا معشر المهاجرين تزيدون وإن الأنصار لا يزيدون وإن الأنصار عيبتي التي أويتُ إليها أكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم فإنهم قد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم".
١٥٠٢ - * روى الطبراني عن أنس بن مالك قال خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ألا إن لكل نبي تركةً وصنيعةً وإن تركتي وصنيعتي الأنصارُ فاحفظوني فيهم".
١٥٠٣ - * روى أحمد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "لا يُبغضُ الأنصار رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر" (١).
стр. 1479
١٥٠٤ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن محمد ومحمود ابني جابر بن عبد الله قالا: خرجنا يوم دخل حسنُ بن دلجة المدينة بعد الحَرَّةِ بعامٍ، فدخل المدينة حتى ظهر المنبر ففزع الناس فخرجنا بجابرٍ في الحرة وقد ذهب بصرهُ فنكبه الحجرُ فقال: أخاف الله من أخاف رسول ﷺ فقالها مرتين أو ثلاثاً قبل أن نسأله فقلنا: يا أبتاه ومنْ أخاف رسول الله ﷺ . فقال: أشهدُ لسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أخاف الأنصار فقد أخاف ما بين هذين" وفي رواية ووضع يديه على جنبيه.
١٥٠٥ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن أنس بن مالك قال: شق على الأنصار النواضحُ، فاجتمعوا عند النبي ﷺ يسئلُونه أن يكري لهم نهراً سحا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "مرحباً بالأنصار، مرحباً بالأنصار، مرحباً بالأنصار، لا تسئلوني اليوم شيئاً إلا أعطيتكموه، ولا أسألُ الله لكم شيئاً إلا أعطانيه" فقال بعضهم لبعض: اغتنموها وسلوه المغفرة، قالوا: يا رسول الله ادعُ لنا بالمغفرة فقال: "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار" وفي رواية: "ولأزواج الأنصارِ".
١٥٠٦ - * روى البزار والطبراني عن ابن عباس قال: عاد رسول الله ﷺ رجلاً من الأنصار، فلما دنا من منزله سمعه يتكلمُ في الداخل فلما استأذن عليه دخل فلم ير أحداً فقال له رسول الله ﷺ : "سمعتُك تكلمُ غيرك" فقال (١): يا رسول الله لقد دخلت الداخل اعتماماً
стр. 1480
من كلام الناس مما بي من الحمى فدخل عليِّ رجل ما رأيتُ رجلاً بعدك أكرم مجلساً ولا أحسن حديثاً منه، قال: "ذاك جبريلُ وإن منكم لرجالاً لو أن أحدهُم أقسم على الله لأبرَّه".
١٥٠٧ - * روى البخاري عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قالت الأنصارُ يا نبي الله، لكل نبي أتباع، وإنا قد اتبعناك، فادعُ الله أن يجعل أتباعنا منا، فدعا به.
وفي رواية (١): فقال النبي ﷺ : "اللهم اجعلْ أتباعهم منهم".
قال عمرو بن مُرة: فنميْتُ ذلك إلى ابن أبي ليلى، فقال: قد زعم ذلك زيدٌ.
١٥٠٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن الطُّفيل بن عمرو الدَّوسي أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هل لك في حصنٍ حصينٍ ومنعةٍ؟ (قال: حصنٌ كان لدوسٍ في الجاهلية)، فبى ذلك النبيُّ ﷺ للذي ذَخَرَ الله للأنصار، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، هاجر إليه الطُّفيلُ بن عمرو، وهاجر معه رجلٌ من قومه، فاجتواُوا المدينة، فمرض فجزع جزعاً شديداً، فأخذ مشاقِصَ، فقطع بها براجمَهُ، فشخبَتْ يداه حتى مات، فرآه الطفيلُ بن عمرو في منامه في هيئةٍ حسنةٍ، ورآه مُغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربُّك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلأى نبيه، فقال: مالي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نُصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيلُ على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وليديه فاغفرْ".
стр. 1481
قال النووي: في الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة.
(هل لك في حصن حصين منعة): أي ألا تهاجر إلى اليمن ديار قبيلتي دوس فنحميك من قومك. وكان الطفيل سيد دوس.
١٥٠٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: خرج النبي ﷺ وعليه ملحفةً متعطفاً بها على منكبيه، وعليه عصابةٌ دسماءُ، حتى جلس على المنبر، فحمد لله أثنى عليه، ثم قال: "أما بعدُ، أيها الناسُ، فإن الناس يكثرون، وتقِلُّ الأنصارُ، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولى منكم أمراً يضُرُّ فيه أحدا أو ينفعه، فليقبلْ من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم".
وفي رواية (١) مثله، وفيه: بملحفة وقد عصب رأسه بعصابة دهماء ... وذكره، وقال: "فمن ولي منكم شيئاً يضرُّ فيه قوماً، وينفعُ فيه آخرين، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم" فكان آخر مجلس جلس فيه النبي ﷺ .
١٥١٠ - * روى الترمذي عن أبي بن كعب ﵁ قال. قال رسولُ ﷺ : "للا الهجرةُ لكنتُ امرءاً من الأنصار".
وفي رواية (٢) عن النبي ﷺ : "لو سلك الناسُ وادياً أو شعباً لكنتُ مع الأنصار".
١٥١١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك. قال: خرجتُ مع جرير بن عبدِ
стр. 1482
الله البجلي في سفرٍ. فكان يخدمُني. فقلتُ له: لا تفعلْ. فقال: إني قدْ رأيتُ الأنصارَ تصنعُ برسول الله ﷺ شيئاً، آليت أنْ لا أصحبَ أحداً منهم إلا خدمتُهُ.
* * *
عطف: في أصحاب الصفة
١٥١٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: رأيتُ سبعين من أهل الصُّفِّةِ، ما منهم رجلٌ عليه رداءٌ، إما إزارُ، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعُه بيده، كراهيةَ أن تُرى عورتُه.
١٥١٣ - * روى الترمي عن فضالة بن عبيد ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى يخرُّ رجالٌ من قامتهم في الصلاة من الخصاصة، وهم أصحابُ الصُّفَّة، حتى يقول الأعرابُ: مجانينُ - أو مجانُون - فإذا صلى الله رسول الله ﷺ انصرف إليهم، فقال: "لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجةً". قال فضالة: وأنا يومئذٍ مع رسول الله ﷺ .
١٥١٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: إنه أصابهم جوع، فأعطاهم رسول الله ﷺ تمرة تمرةً (١).
* * *
стр. 1483
الوصل الثاني
في
خُلفائه الراشدين
стр. 1484
المقدمة
الكلام عن خلفائه الراشدين ﵊ كالكلام عنه من أكثر من حيثية:
أولاً: لأنهم يعتبرون امتداداً له ﵊.
ثانياً: لأننا مأمورون أن نقتدي بسنتهم وهداهم، ومن ثم يأخذ الحديث عمن يعتبرون خلفاء راشدين مسرى معيناً، فكل ما فعله خليفة راشد يعتبر سابقة دستورية لهذه الأمة تستطيع أن تقتدي بها، أما الحكام الذين لم تسلم لهم الأمة أنهم خلفاء راشدون فأفعالهم وأقوالهم تخضع للبحث، فإن كانوا من الصحابة دخلت أفعالهم وأقوالهم في حيز فعل الصحابي وقوله، ما لم تكن نصوص الكتاب والسنة واضحة في هذا القول وفي هذا الفعل، ومن سواهم تخضع أقوالهم وأفعالهم لتمحيص أئمة الاجتهاد والفتوى، فما أجازوه منها جاز وما حرموه منها حرم، على أنهم إن كانوا مسلمين مؤمنين فلأقوالهم وأفعالهم الجائزين حكم الإلزام بالنسبة لمن ولاهم الله عليهم إذا توافرت شروط معينة.
وعلى هذا فما لم تكن خلافة راشدة فالحكم الحقيقي للمجتهد ولأهل الفتوى ومن ههنا فسر ابن عباس ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) بأنهم العلماء الفقهاء.
والسنة النبوية تشير إلى بعض من يعتبرون خلفاء راشدين ففي حديث سفينة الحسن الصحيح: "الخلافةُ بعدي ثلاثون ثم تكونُ مُلكاً عاضاً" (٢)، وعلى هذا فالخلفاء الراشدون المعنيون بهذا الحديث هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن الذي دامت خلافته ستة أشهر رضي الله عن الجميع.
* * *
стр. 1485
وقد اعتبر أهل العلم عمر بن عبد العزيز خليفة راشداً يقتدى به وليس من الصحابة بل هو تابعي، ولذلك فلن نذكره ههنا، وسيأتي كلام عنه في كتاب (الوجيز في التاريخ الإسلامي) إن شاء الله تعالى وهناك أمراء وسلاطين وخلفاء قاربوا أن يكونوا خلفاء راشدين، والسنة الصحيحة تشير إلى أن الخلافة الراشدة ستعود مرة أخرى، وسأل الله أن يجعلنا ممن يحيونها ويمهدون لذلك.
* * *
ولقد قام بعض الصحابة بأكثر منمحاولة لإعادة الخلافة الراشدة، منها محاولة الحسين ﵁، ومنها محاولة عبد الله بن الزبير، ومنها محاولة عبد الله بن حنظلة وقد انتهت المحاولات كلها بمآس كبيرة ضخمة، فقد استشهد الحسين واستشهد ابن الزبير واستشهد ابن حنظلة وانتهكت حرمتا مكة والمدينة.
والمحققون من العلماء يعتبرون عبد الله بن الزبير هو الخليفة الشرعي في مرحلة من حياته، ولذلك فسنتحدث ههنا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن الزبير، أما الحسن والحسين فقد مر حديث عنهما في فصل سابق.
* * *
ومن كلام علماء أهل السنة والجماعة في الصحابة:
وخيرهم من ولي الخلافة ... وأمرهم في الفضل كالخلافة
أي وخير الصحابة من ولي الخلافة منهم، والمقصود بذلك الخلفاء الراشدون الأربعة لأن تتمة العشرة أفضل من غيرهم من الصحابة، وترتيب الفضل بين الأربعة كترتيبهم في خلافتهم.
قال الشيخ الباجوري ﵀ في شرحه لهذا البيت: والنفر هم الخلفاء الأربعة، فلقد تولاها أبو بكر الصديق ﵁ سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وتولاها عمر ﵁ عشرة سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وتولاها عثمان ﵁ إحدى عشرة سنة
стр. 1486
وأحد عشر شهراً وتسعة أيام، وتولاها علي ﵁ كرم وجهه أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام، فالمجموع تسعة وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة أيام، وبأيام الحسن بن علي ﵄ تكمل المدة التي قدرها النبي ﷺ ، كذا حرره السيوطي.
وأمرهم في الفضل كالخلافة: أي وشأن الخلفاء الأربعة في ترتيبهم في الفضل - بمعنى كثرة الثواب - على حسب ترتيبهم في الخلافة عند أهل السنة، فأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃.
وقد قال السعد: على هذا وجدنا السلف والخلف، وقال أبو منصور البغدادي من أكابر أئمة الشافعية: أجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة أبو بكر فعمر فعثمان فعلي، فبقية العشرة المبشرة بالجنة، فأهل بدر، فباقي أهل أُحد، فباقي أهل بيعة الرضوان، فباقي الصحابة ﵃، والظاهر أنه لو لم يكن لهم دليل على ذلك لما حكموا به. أهـ.
* * *
стр. 1487
أبو بكر الصديق ﵁ (١)
اسم أبي بكر ﵁ ونسبه:
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، كان يسمى في الجاهلية عبد الكعبة، وقيل عبد اللات، وقيل عبد العزى، وقد سماه رسول الله ﷺ عبد الله. وكان يلقب بالعتيق لأن رسول الله ﷺ بشره بأن الله تعالى أعتقه من النار، ولقب بالصديق لسبقه ومبادرته إلى تصديق رسول الله ﷺ في كل ما يقول ولا سيما صبيحة الإسراء.
مولده ﵁:
ولد أبو بكر ﵁ في مكة بعد الفيل بعامين. ونشأ في مكة وشب فيها وكان محبوباً بين أقرانه، أثيراً لديهم منذ نعومة أظفاره.
صفاته وسجاياه:
كان أبو بكر ﵁ في الجاهلية من سراة قريش وأشرافها وأهل مشورتها وكانت تساق إليه الديات والمغارم التي يقوم بها من يتقرب بها إلى العشيرة، لم يشرب الخمر التي كانت فاشية في الجاهلية، وكان عالماً بأنساب العرب وأخبارها، وكان تاجراً مرموقاً.
وهو ﵁ أول من أسلم من الرجال، وتجشم منأجل ذلك المشقات والأهوال، وجند نفسه لخدمة دين الله والدعوة إليه، فأسلم على يديه خلق كثير، منهم كبار الصحابة: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله ﵃.
كان ﵁ أحب أصحاب رسول الله ﷺ إلى رسول الله، فقد كان رفيق صباه وصاحبه عندما اصطفاه الله للرسالة، وبقي معه كظله لا ينفك عنه.
عرف أبو بكر ﵁ بالشجاعة والإقدام والحزم في الخطوب، شهد المشاهد كلها
стр. 1488
مع رسول الله ﷺ وكان من النفر الذين ثبتوا يوم أُحد وحنين فلم يجبنوا ولم يفروا، كان ﵁ كريماً جواداً أنفق ماله كله في سبيل الله، الزهد دثاره والتواضع شعاره، وعرف بغزارة العلم وسعة الأففق وسداد الحجة، وصدق الفراسة، ودقة الفهم.
مبايعته بالخلافة:
انتقل الرسول ﷺ إلى جوار ربه ولم يوص لأحد بالخلافة، بل ترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يرونه أهلاً لهذه المسئولية الجسيمة، وعلى أثر وفاته ﷺ اجتمع نفر من الأنصار في سقيفة بني ساعدة في المدينة، ورادوا أن يبايعوا سعد بن عبادة سيد الخزرج خليفة للمسلمين فقد كره المسلمون أن يعيشوا دون إمام يجتمع عليه أمرهم ويستقيم به شأنهم، وجرت مشادة بين نفر من الأنصار والمهاجرين حول هذا الأمر، وحضر أبو بكر الصديق ﵁ وقام خطيباً في الحاضرين بين بالحجة والدليل أن هذا لأمر، لا يستقيم إلا في قريش نظراً لمكانتها وشرفها، وعرض الصديق على المسلمين في السقيفة أن يبايعوا عمر ابن الخطاب، أو أبا عبيدة بن الجراح. فقام عمر ﵁ وبايع أبا بكر بالخلافة لسابقته وفضله فهو خير من طلعت عليه الشمس بعد النبيين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وباذل ماله في سبيل الله، وأحب الصحابة إلى رسول الله، وقد أمره أن يصلي بالناس أثناء مرضه ﷺ ، وبايع الأنصار أبا بكر كأنما دعاهم من السماء داع وغرب الخلاف مع غروب شمس ذلك اليوم، وسميت هذه البيعة بالبيعة الخاصة وكانت البيعة العامة في المسجد في اليوم التالي، وقد اتفق الصحابة ﵃ على بيعة الصديق.
أعماله ﵁ أثناء فترة خلافته:
كانت خلافة أبي بكر ﵁ حافلة بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، وقد كتب له القدر أني تولى أمور المسلمين استجابة لتبعات إيمانه ومسؤوليات دينه ليواجه أحداثاً جساماً، وأموراً عظاماً:
أولاً: إنفاذ جيش أسامة بن زيد ﵁ لقتال الروم:
كان الرسول ﷺ قد جهز جيشاً تحت إمرة أسامة بن زيد ﵄ وجهته الشام
стр. 1489
لقتال الروم، وعندما توفي الرسول ﷺ كان هذا الجيش يعسكر على بعد ثلاثة أميال من المدينة يتهيأ للسير، وأرجأت وفاة الرسول ﷺ زحفه، وتباينت الآراء واختلفت وجهات النظر بشأنه.
فقد رأى فريق من الصحابة فيهم عمر بن الخطاب أن إنفاذ جيش أسامة ينطوي على مخاطرة رهيبة ومغامرة عجيبةن لأن المدينة المنورة عاصمة الإسلام مهددة بغزو المرتدين فالمسلمون محتاجون لهذا الجيش في قمع الردة واستئصال شأفة المرتدين، فقد ارتد كثير من العرب بعد وفاة الرسول ﷺ وخالطت الردة كل مكان تقريباً سوى مكة والمدينة والطائف وجواني - وهي مدينة قرب الهفوف الآن في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية - وغدا الخطر الماحق يهددُ مستقبل الدعوة الإسلامية ومصيرها وكان أسامة بن زيد قائد الجيش من أنصار هذا الرأي ومؤيديه.
ورأى الخليفة ﵁ إنفاذ هذا الجيش، لأن خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح وقال ﵁: (والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ ، ولو أن الطير تخطفنا ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن جيش أسامة).
فقد رأى الصديق ببصيرته النفاذة، وفراسته الصادقة، وعقله الراجح أن المصلحة كل المصلحة في بعث جيش أسامة، لما في ذلك من إظهار قوة المسلمين ومنعتهم، فقد عادت كثير من القبائل التي مر بها هذا الجيش وهو في طريقه إلى الشام إلى صوابها ورشدها، وقالت: لو كانت المدينة تعاني من الضعف والوهن والخلاف لما أرسل هذا الجيش لقتال الروم، لقد ثبط هذا الجيش كثيراً من القبائل التي كانت فتنة الردة توشك أن تتسلل إليها، وأظهر قوة المسلمين العسكرية في هذا الوقت العصيب، وعاد جيش أسامة من غزوته تلك سالماً غانماً منصوراً، وقد رأى أبو بكر ﵁ أن قضية بعث جيش أسامة ليست مما يعرض للشورى بعد أن أعطى الرسول أمره والشورى لا تكون فيما ورد فيه الأمر من رسول الله ﷺ فقال: ما كنت لأرد قضاء قضاه رسول الله ﷺ .
وقد رأى بعض المسلمين أن يكون على الجيش قائد غير أسامة لأنه كان صغير السن، غض الإهاب، قليل الخبرة، ضئيل التجربة وفي الجيش سادات الصحابة وأجلاؤهم، ولكن
стр. 1490
أبا بكر ﵁ أبي أشد الإباء أن يخلع رجلاً ولاه الرسول وهو حي فقال: أيوليه الرسول وتأمرني بعزله.
ثانياً: قتال المرتدين:
وقد استشرت الردة بعد وفاة الرسول ﷺ ونجم النفاق، وأشرأبت اليهودية والنصرانية وانشقت الأرض عن أنبياء كذبة، وحاقدين موتورين متربصين سحروا أعين الناس واسترهبوهم وقادوهم ببراعة الإفك المبين.
فقد وقف طليحة الأسدي يعلن نبوة كاذبة وآزره كثير من قبائل أسد وغطفان وطيء وعبس وذبيان وامتد سعار الردة إلى بني عامر، وهوازن، وتأججت نار الردة وأوارها في بني تميم إذ جاءت لهم سجاح تعلن نبؤتها الكاذبة، ونجم مسيلمة الكذاب في اليمامة وأصبح المسلمون يواجهون جيوشاً جرارة كثيرة العدد والعُدد، قوامها عشرات الآلاف من المقاتلين، وسرت عدوى الردة إلى البحرين وعُمان ومهرة اليمن وغدا الإسلام في خطر داهم.
وثبت أهل مكة والمدينة والطائف على إسلامهم ولم تؤثر فيهم تلك الفتنة العمياء التي رفعت رأسها في شبه جزيرة العرب.
لقد دفعت العصبية العمياء، وشهوة الاستعلاء بعض القبائل العربية إلى انتحال النبوة فتنبأ رجال قبل وفاة النبي ﷺ وبعدها.
قتال مسيلمة الكذاب: (معركة اليمامة في شهر ربيع الأول سنة ١٢ هـ):
لقد كان مسيلمة الكذاب أشد المرتدين خطراً، وقد انضم إليه الرَّحال بن عنفوة بن نهشل وهو من أكبر من أضل أهل اليمامة، فقد كان وفد إلى النبي ﷺ وقرأ سورة البقرة، وجاء زمن الردة إلى أبي بكر فبعثه إلى أهل اليمامة يدعوهم إلى الله ويثبتهم على الإسلام فارتد مع مسيلمة وشهد له بالنبوة، ومما تجدر الإشارة إليه أن مسيلمة الكذاب قد اتصل بسجاح التميمية التي ادعت النبوة وتزوجها فانضمت بأتباعها إليه. وقد زعم مسيلمة أنه نبي مرسل وأنه أشرك مع النبي ﷺ وأرسل إلى النبي يطلب منه أن يشركه في النبوة فكتب إليه الرسول ﷺ : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى أما
стр. 1491
بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ............ .
وبعد وفاة الرسول ﷺ أشخص الصديق ﵁ عكرمة بن أبي جهل لقتال مسيلمة وقفي على آثاره بشرحبيل بن حسنة فعجل عكرمة بلقاء مسيلمة قبل مجيء شرحبيل فنكب، فأرسل الصديق خالد بن الوليد على رأس جيش ردء لعكرمة على مقدمته شرحبيل ابن حسنة، فلما سمع مسيلمة بقدوم خالد حشد أهل اليمامة، ودار قتال ضار لم يعهد له مثل، وصبر الصحابة وصابروا وأعملوا السيوف في رقاب المرتدين يحصدونهم حصداً، حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت وانقض البراء بن مالك على الباب كالصاعقة بعد أن احتمله الصحابة بالرماح فوق الجحف - أي التروس - وألأقوه من فوق سورها وفتح الباب، حلت بالمرتدين قاصمة الظهور، وخر مسيلمة صريعاً يخور كما يخور الثور بعد أن طعنه وحشي بالحربة، وعلاه سِمَاك بن خرَشَة بالسيف ففلق رأسه. ويروى أن الذي قتله عبد الله بن زيد بن عاصم، وقتل ف يالمعركة عشرة آلاف من المرتدين، وقضى نحبه من المسلمين خمسمائة فيهم عدد كبير من سادات الصحابة وأعيان الناس، فمن سادات الصحابة الذين شرفهم الله بالشهادة: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي ﷺ وحامل لواء الأنصار، وضرية بن أبي وهب وولداه عبد الرحمن، ووهب وزيد بن الخطاب حامل لواء المهاجرين، وأبو دجانة سِماك بن خرشة الذي عل مسيلمة بالسيف بعد أن رماه وحشي بالحربة، وشجاع بن وهب والطفيل بن عمرو بن طريف، وعباد بن بشر بن وقش الأنصاري، وسالم مولى أبي حذيفة.
وهكذا قضى المسلمون على فتنة عاصفة مدمرة رفعت رأسها في شبه جزيرة العرب.
قتال طليحة الأسدي:
ارتد طليحة الأسدي في حياة النبي ﷺ وتابعه بنو أسد وطيء وخلق كثير، فلما مات رسول الله ﷺ قام بمؤازرته عيينة بن حصن بن بدر، وقد سيّر الصديق ﵁ خالد بن الوليد لقتال طليحة وانم إليه مائة وخمسون فارساً من طيء وجديلة بعد أن رجعوا إلى رشدهم وصوابهم بعد إقناع عدي بن حتم لهم بذلك، والتقى خالد بطليحة في مكان يقال له بُزاخة ودارت الدائرة على طليحة المتنبئ الكذاب وأشياعه فأخذوا وقتلوا
стр. 1492
تقتيلاً، وأسر عيينة بن حصن وكان ردءاً لطليحة في سبعمائة من بني فزارة واقتيد إلى المدينة يداه مغلولتان إلى عنقه فاستتابه الصديق وعفا عنه وحسن إسلامه، وأما طليحة فقد هرب بامرأته إلى الشام ونزل على بني كلب، ولكنه رجع إلى الإسلام بعد ذلك، واعتمر أيام الصديق واستحيا أن يواجهه.
اجتمعت فلول المنهزمين يوم بُزاخة إلى امرأة من سيدات العرب يقال لها أم زَمِل كانت مضرب المثل لكثرة أولادها وعزة قبيلتها وشايعها أخلاط من بني سُليم وطيء وهوازن وأسد فاستفحل أمرها، فسار إليهم خالد بن الوليد وقاتلهم واستمر القتل في أتباع أم زمل وعقر جملها وقتلت.
ارتداد أهل البحرين وعودتهم إلى الإسلام:
ارتد أهل البحرين على أدبارهم بعد وفاة ملكهم المنذر بن ساوي، ولم يبق في البحرين بلدة على الإسلام سوى قرية يقال لها جواثا، وأحاط الحُطم بن ضبيعة ومن حطب في حيلة من بني بكر بالمسلمين وحاصروهم، فأرسل الصديق العلاء بن الحضرمي لقتل المرتدين، وكان العلاء من سادات الصحابة العلماء العبّاد مجاب الدعوة، ولما دنا من البحرين انضم إليه ثُمامةُ بن أُثال في محفل كبير، ونزل العلاء بالقرب من جيوش المرتدين، ولما كان الليل آنس منهم غرة وعلم عن طريق عيونه أن القوم سكارى فباغتهم وأعمل السيف في رقابهم واستولى على جميع أموالهم ومحاصيلهم وأثقالهم وقتل الحُطُم بن ضبيعة زعيم المرتدين وعادت البحرين إلى حوزة الإسلام من جديد، وكلمة البحرين كانت تطلق قديماً على قطر والكويت وجزر البحرين والمنطقة الشرقية من السعودية في عصرنا.
ردّة أهل عمان ومهرَة اليمن:
ارتد أهل عمان ومهرة اليم على أدبارهم وخعلوا ربقة الإسلام من أعناقهم، فقد نجم في عُمان لقيط بن مالك الأزدي - ذو التاج - فادعى النبوة، وتابعه الجهلة من أهل عُمان، فدانت له عُمان وألجأ عمال الخليفة إلى أطرافها.
أرسل الصديق ﵁ أميرين هما حذيفة بن مِحْصَن الحِمْيري، وعرْفجة البارقي
стр. 1493
من الأزد ولحق بهما عكرمة بن أبي جهل بأمر من الصديق، والتقى المسلمون بالمرتدين، وكان قتال شديد ضار، وابتلي المسلمون وكادوا أن يولوا مدبرين لولا أن الله من عليهم بالمدد في الساعة الحاسمة من بني ناجية وعبد القيس فكان النصر المبين، وفر المرتدون لا يلوون على شيء، وقتل منهم عشرة آلاف مقاتل، وغنم المسلمون الذراري والأموال.
ومضى المسلمون نحو مَهْرة اليمن بقيادة عكرمة وكان فيها أميران المصبح المحاربي وشخريت، وقد دبت بينهما عقارب العداوة والشحناء فاستمال عكرمة شخريتا فانضم إليه وأصر المصبح على عناده وطغيانه مغتراً بكثرة عدده وعُدده، فهزمه المسلمون شر هزيمة وقتل خلق كثير من قومه وغنم المسلمون أموالهم.
ولقد كانت فتنة الردة ضخمة، وكان أبو بكر لها بالمرصاد، قطع دابرها، وطهر الأرض من أرجاسها وأدناسها، ووطد دعائم الدولة الإسلامية وواجهها بالحزم والعزم والثبات، وقد عقد الألوية لأحد عشر قائداً في وقت واحد:
١ - خلد بن الوليد ووجهته طليحة بن خويلد فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة في البطاح.
٢ - عكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة.
٣ - المهاجر بن أبي أمية: اليمن.
٤ - عمرو بن العاص ووجهته قضاعة ووديعة والحارث.
٥ - سعيد بن العاص ووجهته مشارف الشام.
٦ - حذيفة بن محصن الغلفائي وأمره بأهل دبا بعمان.
٧ - عرفجة بن هرثمة ووجهته مهرة اليمن.
٨ - شُرحْبيل بن حسنة، بعثه الصديق في إثر عكرمة لقتال مسيلمة الكذاب، وأمره باللحاق بعمرو بن العاص عند الفراغ من قتال مسيلمة.
стр. 1494
٩ - طرفة بن حاجز ووجهته بنو سليم ومن معهم من هوازن.
١٠ - سويد بن مُقرن ووجهته تهامة اليمن.
١١ - العلاء بن الحضرمي ووجهته تهامة البحرين.
وعادت هذه الجيوش ظافرة منصورة، بعد أن هزمت المرتدين وأخضعتهم، ومما تجدر الإشارة إليه أن هؤلاء المرتدين قد أقروا بالصلاة وامتنعوا عن أداء الزكاة ومنهم من امتنع عن دفعها إلى الصديق ﵁ محتجاً بالآية الكريمة:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)
وقالوا لن ندفع زكاتنا إلا لمن صلاته سكن لنا.
وقد رأى فريق من الصحابة أن يذر الصديق المرتدين وما هم عليه من الامتناع عن دفع الزكاة ويتألفهم حتى يتعمق الإيمان في قلوبهم ثم هم يزكون بعد ذلك، ولكن الصديق ﵁ أبى أشد الإباء وقال: والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعه. إن الزكاة حق المال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
ثالثاً: الفتوح:
وجّه الصديق ﵁ خالد بن الوليد بعد الفراغ من اليمامة إلى العراق، وأن يدعو أهلها إلى الله فإن أبوا أخذ منهم الجزية فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم، وشرع الصديق ﵁ في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمداداً لخالد ﵁.
سار خالد ﵁ حتى نزل ببعض قرى السواد (بانقيا وباروسما) فصالحه أهلها، ثم نزل الحيرة فصالح أهلها على الجزية ثم مضى خالد إلى الأبلة وهي من أمنع حصون فارس وأشدها شوكة وكانت معركة ذات السلاسل، فهزم المسلمون الفرس شر هزيمة واستحوذوا على
стр. 1495
أمتعتهم وأسلحتهم فبلغت وِقْر ألف بعير، وقتل هرمز قائد الفرس فيها، وسميت هذه الغزوة ذات السلاسل لكثرة من سلسل بها من فرسان فارس كيال يفروا، وهزم خالد الفرس في وقعة المذار في صفر في السنة الثانية عشرة للهجرة وأعمل السيف في رقابهم وغنم الأموال وسبى الذراري، ثم كانت وقعة الولجة ووقعة أُلْيس في صفر في السنة نفسها وقد دارت فيهما الدائرة على الفرس ومن شايعهم من بكر بن ائل من نصارى العرب، وقد قتل المسلمون في وقعة أليس وحدها من الفرس ما يربو على سبعين ألفاً، واستحوذ المسلمون على الحيرة وصالح خالد أهلها على الجزية كما تقدم.
ثم ركب إلى الأنبار وفتحها وصالح أهلها، وسميت هذه الغزوة ذات العيون لكثرة ما فقأ المسلمون فيها من عيون الفرس لما رشقوهم بالنبال، ولما استقل خالد بالأنبار استناب عليها الزبرقان بن بدر وقصد عين التمر وبها يومئذ مهران بن بهرام في جمع عظيم من العرب، وحولهم من الأعراب طوائف من النمر وتغلب وإياد عليهم عقة بن أبي عقة، فأسر خالد عقة فانهزم جيشه وهرب مهران بن بهرام، وضرب خالد عنق عقة ومن أسر معه وغنم الحصن وقتل من فيه وسبى الذراري ونفل الأموال.
ولما فرغ خالد من عين التمر قصد إلى دُومة الجَنْدَل، فلما سمع أهلها بمسيرة خالد إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وتنوخ والضجاعم والتقى بهم خالد فهزمهم، وقتل منهم خلقاً كثيراً واقتحم الحصن وقتل من فيه من المقاتلة وغنم أموالهم وسبى ذراريهم.
ثم سار خالد ومن معه إلى الفراض- وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة-، فأقام هناك شهر رمضان مفطراً لشغله بالأعداء، ولما علم الروم بقرب خالد من بلادهم جمعوا جموعاً كثيرة واستمدوا تغلب وإياد والتمر، وعبروا نهر الفرات لمناجزة المسلمين فهزم الله جموع الروم وقتل منهم في هذه المعركة مائة ألف وقفل المسلمون منصورين غانمين.
فتوح الشام في خلافة أبي بكر ﵁:
جمع الصديق ﵁ الناس لغزو الشام، وعقد اللواء لأربعة من الأمراء هم:
١ - أبو عبيدة بن الجراح ووجهته حمص، ومركز القيادة الجابية، في حوران.
стр. 1496
٢ - يزيد بن أبي سفيان، وجعل وجهته دمشق
٣ - عمرو بن العاص، وجعل وجهته فلسطين.
٤ - شرحبيل بن حسنة ووجهته وادي الأردن.
وأمر الصديق كل أمير أن يسلك طريقاً غير طريق الآخر لما في ذلك من المصالح. وجعل الصديق ﵁ يمدهم بالجيوش، وأمرهم أن يعاون بعضهم بعضاً وأن يكونوا جميعاً تحت إمرة أبي عبيدة، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل العرما من أرض الشام. ونزل يزيدبن أبي سفيان البلقاء. ونزل شرحبيل بن حسنة بالأردن ونزل أبو عبيدة بالجابية.
وقعة اليرموك:
لما توجهت جيوش المسلمين نحو الشام أفزع ذلك الروم، وخافوا خوفاً شديداً وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بالأمر، فأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية ليكون في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش عرمرم جرّر، فكتب الأمراء إلى الصديق يعلمونه بما وقع من الأمر، فكتب إليهم أن يجتعوا ويكونوا جنداً واحداً للقاء جنود الروم، وكتب الصديق إلى خالد بن الويد أن يستنيب على العراقوأن يقفل بمن جاء معه إلى العراق من اليمامة والحجاز إلى الشام لمساعدة المسلمين وأن يكون الأمير عليهم، فاستناب خالد المثني بن حارثة على العراق وسار في تسعة آلاف وخمسمائة يجتاب البراري والقفار، ترفعه نجاد، وتحطه وهاد حتى وصل في خمسة أيام فخرج على الروم من ناحية تدمر، فصالحه أهلها، وخرج من شرقي دمشق، وسار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة يحاربون أهلها، فصالحه صاحبها وسلمها لخالد فكانت أول مدينة فتحت من الشام.
وقد نزلت الروم في الواقوصة فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر وأذرعات (درعاً) خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة، وتكامل جيش الروم أربعين ومائتي ألف، وتكامل جيش المسلمين ستة وثلاثين ألفاً إلى الأربعين، وكانت الروم تحت إمرة باهان وهو قائد أرمني عرف فيه هرقل الشجاعة والإقدام، ورتب
стр. 1497
خالد الجيش في كراديس وجعل أبا عبيدة في القلب، وعمرو بن العاص على الميمنة، ويزيد ابن أبي سفيان على الميسرةن ودارت رحى حرب ضروس، وأبلى المسلمون بلاء حسناً، وهُزم الروم هزيمة منكرة، وهوى من الروم مائة وعشرون ألفاً في وادي اليرموك، وشاركت النساء المسلمات في المعركة لصد هجمات الروم بعد أن اضطر المسلمون إلى التقهقر عدة مرات، وكن يعدن المنهزمين من المسلمين إلى حومة الوغى يلقين في قلوبهن الشجاعة والحمية.
وكان نصر المسلمين في اليرموك مؤزراً مبيناً، وبينما كان المسلمون يقاتلون الروم جاء البريد من الحجز، فدفع إلى خالد وفيه وفاة أبي بكر الصديق ﵁، واستخلاف عمر الفاروق ﵁ واستنابة أبي عبيدة على الجيوش في اليرموك، فكتم خالد الأمر لئلا يحصل وهو ضعف في نفوس المسلمين، وقد عزى خالد المسلمين بوفاة الصديق وسلم قيادة الجيش لأبي عبيدة بن الجراح وغدا ندياً يقاتل تحت إمرته حرصاً على وحدة المسلمين وقوتهم حتى يستمروا في مسيرتهم الجهادية المظفرة المباركة. وشرع أبو عبيدة ﵁ في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس إلى الحجاز وسار نحودمشق حتى نزل مرج الصفر، فأقام أبو عبيدة حتى جاءه كتاب الفاروق يأمره بفتحها.
ومما تجدر الإشارة إليه أن معركة حامية الوطيس دارت بين المسلمين والفرس في العراق بعد رحيل خالد إلى الشام، فقد اغتنم الفرس غيبة خالد فبعثوا إلى نائبه المثنى بن حارثة جيشاً عرمرماً نحواً من عشرة آلاف مقاتل عليهم هرمز بن جاذويه، فسار المثنى إلى بابل والتقى بالفرس بمنكان عند العراق الأول، فاقتتلوا قتالاً شديداً فأرسل الفرس فيلاً ليفرق خيل المسلمين، فحملعليه المثنى فقتله واستمر القتل في الفرس، ودارت عليهم الدائرة، وفروا حتى انتهوا إلى المدائن، وغنم المسلمون منهم مالاً عظيماً. وقد أوصى الصديق وهو على فراش المرض عمر بن الخطاب أن يندب الناس لقتال أهل العراق مع المثنى وأن يرد أصحاب خالد إلى العراق بعد فتح الشام لأنهم أعلم بحربه.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: كانت وفاة الصديق ﵁ في يوم الإثنين عشية، وقيل بعد المغرب ودفن من ليلته وذلك لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث
стр. 1498
عشرة بعد مرض خمسة عشر يوماً، وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وكان عمره يوم توفي ثلاثاً وستين سنة، للسن الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ، وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه. أهـ.
وقد ترجم ابن حجر في الإصابة ترجمة مختصرة ومما قاله في ترجمته:
صحب النبي ﵌ قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج في الناس في حياة رسول الله ﵌ سنة تسع، واستقر خليفة في الأرض بعده ولقبه المسلمون خليفة رسول الله، وقد أسلمأبوه، وروى عن النبي ﵌ وروى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر وابن عمرو وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر ومعقل بن يسار وأنس وأبو هريرة وأبو أمامة وأبو برزة وأبو موسى وابنتاه عائشة واسماء وغيرهم من الصحابة. وروى عنه من كبار التابعين الصنابحي ومرة بن شراحيل الطبيب وواسط البجلي وقيس بن أبي حازم وسويد بن غفلة وآخرون.
وفي المعرفة لابن منده:: كان أبيض نحيفاً خفيف العاضين معروق الوجه ناتئ الجبهة يخضب بالحناء والكتم.
وقال ابن إسحاق: كان أنسب العرب، وقال البجلي: كان أعلم قريش بأنسابها، وقال ابن إسحق في السيرة الكبرى: كان أبو بكر رجلاً مؤلفاً لقومه محبباً سهلاً وكان أنسب قريش لقريش وأعلمهم بما كان منها من خير أو شر، وكان تاجراً ذا خلق ومعروف وكنوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به فأسلم على يديه عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ...
وأخرج أبو داود في لازهد بسند صحيح عن هشام بن عروة أخبرني أبي قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم قال عروة وأخبرتني عائشة أنه مات وما ترك ديناراً ولا
стр. 1499
درهماً. وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا هشام عن أبيه أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها في سبيل الله وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله أعتق بلالاً وعامر بن فُهيرة وزنيرة والنهدية وابنتها وجارية بني المؤمل وأم عُبيس.
ومناقب أبي بكر ﵁ كثيرة جداً، وقد أفرده جماعة بالتصنيف وترجمته في تاريخ ابن عساكر قدر مجلد، ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع.
وثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﵌ قال لأبي بكر وهما في الغار "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في هذه المنقبة غيره، وعند أحمد من طريق شهر بن حوشب عن أبي تميم أن النبي ﵌ قال لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعما في مشورة ما خالفتكما" وأخرج الطبراني من طريق الوضين بن عطاء عن قتادة بن نسي عن عبد الرحمن بن تميم عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﵌ لما أراد أن يرسل معاذاً إلى اليمن استشار فقال: كل برأيه فقال: إن الله يكره فوق سمائه أن يُخطأ أبو بكر، وعند أبي يعلي من طريق أبي صالح الحيي عن علي قال: قال لي رسول الله ﵌ يوم بدر ولأبي بكر: مع أحدكما جبرائيل ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، وفي الصحيح عن عمرو بن العاص قتلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قلت من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ فذكر رجالاً، وأخرج الترمذي والبغوي والبزار جميعاً عن أبي سعيد الأشج عن عقبة بن خالد عن شعبة الجريري عن أبي نصرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر في السقيفة ألست أول من أسلم؟ ألست أحق بهذا الأمر؟ ألست كذا ألست كذا؟ رجاله ثقات.
وأخرج البغوي بسند جيد عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن عبد الله بن جعفر
стр. 1500
قال: ولينا أبو بكر - فخير خليفة أرحم بنا وأحناه علينا وقال إبراهيم النخعي: كان يسمى الأواهُ لرأفته.
ومن أعظم مناقب أبي بكر أن ابن الدغنة سيد القارة لما رد إلي جواره بمكة وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبي ﵌ لما بعث فتواردا فيها على نعت واحد من غير أن يتواطأ على ذلك وهذا غاية في مدحه لأن صفات النبي ﵌ منذ نشأ كانت أكمل الصفات. أهـ.
١٥١٥ - * روى الطبراني عن عروة بن الزبير قال: أبو بكر الصديق اسمهُ عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة بن لؤيٍ، شهد بدراً مع رسول الله ﷺ ، وأم أبي بكرٍ أمُّ الخير سلمى بنتُ صخر بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالكٍ، وأم أمِّ الخير دلافٌ وهي أميمةُ بنتُ عبيد ابن الناقد الخزاعي، وجدةُ أبي بكرٍ أمُّ أبي قُحافة أمينة بنت عبد العُزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عُويج بن عدي بن كعبٍ.
١٥١٦ - * روى الطبراني عن الليث بن سعد قال: إنما سُمي أبو بكر عتيقاً لعتاقة وجهه وكان اسمه عبد الله بن عثمان.
١٥١٧ - * روى الطبراني عن أبي حفصٍ عمرو بن علي أنه كان يقول: كان أبو بكر معروق الوجه، وإنما سثمي عتيقاً لعتاقة وجهه وكان اسمه عبد الله بن عثمان، وقد رُوي أن رسول الله ﷺ سماه عتيقاً من النار (١).
стр. 1501
١٥١٨ - * روى الطبراني عن حكيم بن سعد قال: سمعت علياً يحلفُ: لله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق.
١٥١٩ - * روى البزار والطبراني عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ نظر إلى أبي بكر ﵁ فقال: "هذا عتيقُ الله من النار" فمن يومئذ سمى عتيقاً، وكان قبل ذلك اسمه عبد الله بن عثمان.
١٥٢٠ - * روى أحمد والترمذي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: أولُ من أسلم عليّ. قال عمر بن مرة: فذكرتُ ذلك لإبراهيم النخعي، فأنكرهُ، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديقُ.
ولا وجه للإنكار، فإن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وإن علياً أول من أسلم من الصبيان.
١٥٢١ - * روى الطبراني عن معاوية قال: دخلتُ مع أبي على أبي بكر الصديق فرأيتُ أسماء قائمة على رأسه بيضاء، ورأيتُ أبا بكر أبيض نحيفاً، فحملني وأبي على فرسين، ثم عرضنا عليه وأجازنا.
١٥٢٢ - * روى الطبراني عن رافع بن عمرو قال: مر بي أصحاب رسول الله ﷺ في غزو أو حج فتأملتُهم فلم أر منهم أحسن هيئةً من أبي بكر قد جُلل عليه كساءٌ من الحرِّ والبرد (١).
стр. 1502
١٥٢٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدِمَ رسول الله ﷺ وليس في أصحابه أشمطُ غير أبي بكر فغلفها بالحناء والكتم.
١٥٢٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لَمْ أعْقِلْ أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأيتنا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار، بُكرةً وعشيةً، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة، حت إذا بلغ برْك الغِمادِ، لقيه ابن الدغنةِ - وهو سيدُ القارة- فقال: اين تريدُ يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريدُ أن أسيحَ في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدُّغُنةِ: فإن مثلكَ يا أبا بكر لا يخرجُ ولا يُخْرَجُ، إنك تكْسِبُ المعدوم، وتصلُ الرحم، وتحملُ الكل، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جارٌ، ارجعْ واعبدْ ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدُّغُنَّة، فطاف ابن الدغنة عشيةً في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكرٍ لا يخرج مثله ولا يُخْرَج، أتُخْرِجُون رجلاً يكسبُ المعدوم، ويصلُ الرحم، ويحملُ الكل، ويقري الضيف، ويعينُ على نوائب الحق؟ فلم تُكَذِّبْ قريش بجوار ابن الدٌّغنة- وقالوا لابن الدُّغُنة: مُرْ أبا بكر فليعبدْ ربهُ في داره، فليُصلِّ فيها (١)،
стр. 1503
وليقرأ ما شاء، ولا يؤذنا بذلك، ولا يستعلنْ به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدُّغُنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبُدُ ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير دره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقذفُ عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكاء، لا يملكُ عينيه إذا قرأ القرآن؛ فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدُّغُنة، فقَدِمَ عليهم، فقالوا: إنا كُنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانههُ؛ فإن أحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يُعلن بذلك، فسله أن يرُد إليك ذمتك، قإنا قد كرهنا أن نُخفِرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدتُ لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني قد أُخفرتُ ذمتي في رجل عقدت له، فقال له أبو بكر: فإني ردُّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله - والنبي صلى الله لعيه وسلم يومئذ بمكة - فقال النبي ﷺ للمسلمين: "إني أُريتُ دار هجرتكم ذات نخلٍ، بين لابتين"- وهما الحرَّتان فهاجر من هاجر قِبَل المدينة، ورجع عامةُ من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَل المدينة، فقال رسول الله ﷺ : "على رسلك، فإني أرجو أن يُؤذن لي" فقال أبو بكر: وهل ترجوذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمُر- وهو الخبط - أربعة أشهر (١).
стр. 1504
قال ابن شهاب (١): قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جُلوسٌ في بيت أبي بكر في نحرِ الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مُنَقنِّعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر - فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فذِن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك - بأبي أنت يا رسول الله - فاقل: "فإني قد أُذن لي في الخروج" قال أبو بكر: الصحابة، بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "نعم" قال أبو بكر: فخُذ بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله ﷺ : "بالثمن" قالت عائشة: فجهزناهما أحثَّ الجهاز، ووضعنا لهما سُفرةً في جرابٍ، فقطعتْ أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبل ثورٍ، فكمنا فيه لاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلامٌ شابٌ ثقِفٌ لقِنٌ، فيُدْلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائتٍ، فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاهُ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعلى عليهما عامر بن فهُيرة - مولى أبي بكر - منحةً من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعةٌ من العشاء، فيبيتان في رسلٍ -وهو لبنُ منحتهما،
стр. 1505
ورضيفُهما- حتى ينعِق بها عامر بن فُهيرة بغلسٍ، يفعل ذلك في كل ليلةٍ من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيل- وهو من بني عبد بن عديِّ - هادياً خريتاً- والخريتُ: الماهر بالهداية- قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كُفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فأتاهما صُبح ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما ابن فهيرة، والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل.
وفي رواية: طريق الساحل.
قال ابن شهاب تلعيقاً: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المُدلجيُّ- وهو ابن أخي سُراقة ابن جُعشم - أن أباه أخبره: أنه سمع سُراقة بن جُعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر ديةَ كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالسٌ في مجلس من مجالس قومي بني مُدلج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيتُ آنفاً أسوده بالساحل، أُراها محمداً وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا، ثم لبثتُ في المجلس ساعة، ثم قمتُ فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمةٍ، فتحبسها عليِّ، وأخذتُ رُمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزُجِّهِ الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تُقرب بي، حتى دونتُ منهم، فعثرتْ بي فرسي، فخررتُ عنها (١)، فقمت فأهويتُ بيدي إلى كنانتي فاستخرجتُ
стр. 1506
منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضُرُّهم، أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي - وعصيتُ الأزلام - تُقرب بي، حتىإذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكثر الالتفات: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضتْ، فلم تكد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عُثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتُهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي - حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبس عنهم - أن سيظهر أمر رسول الله ر، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية -وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم - وعرضتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني شيئاً، ولم يسألاني، إلا أن قال: "أخف عنا ما استطعت" فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب لي في رُقعةٍ من أدمٍ، ثم مضى رسول الله ﷺ .
قاب ابن شهاب (١): فأخبرني عروة بن الزبير أن رسل الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين تجاراً قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه، حتى يردهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى
стр. 1507
بيوتهم أوفى رجلٌ من يهود على أطمٍ من آطامهم لأمرٍ ينظر إليه، فبصُرَ برسول الله ﷺ وأصحابه مُبيضين، يزولُ بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدُّكم الذي تنتظرون، قال: فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتاً، فطفِقَ من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف النسا رسول الله ﷺ عند ذلك. فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أُسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ ، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينةن وهو يصلي فيه يومئذ رجالٌ من المسلمين، وكان مربداً للتمر، لسهل وسهيل - غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بَركتْ راحلته: "هذا إن شاء الله المنزل" ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل نهبُه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبةً حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللَّبِنَ في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن:
هذا الحمالُ لاحمالُ خيبرْ ... هذا أبرُّ ربنا وأطهرْ
يقول (١):
стр. 1508
اللهم إنالأجر أجرُ الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة
فتمثل بشعر رجل من المهاجرين، لم يسمِّ لي.
قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت تامٍّ غير هذه الأبيات.
قال ابن حجر عن المعلق الأول:
قوله (قال ابن شهاب) هو موصول بإسند حديث عائشة، وقد أفرده البيهقي في "الدلائل" وقبله الحاكم في "الإكليل" من طريق ابن إسحق "حدثني محمد بن مسلم هو الزهري به" وكذلك أورده الإسماعيلي منفرداً من طريق معمر والمعافي في الجليس من طريق صالح بن كيسان كلاهما عن الزهري.
وقال عن المعلق الثاني:
قوله (قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب) هو متصل إلى ابن شهاب بالإسناد المذكور أولاً، وقد أفرده الحاكم من وجه آخر عن يحيى بن بكير بالإسناد المذكور، ولم يستخرجه الإسماعيلي أصلاً وصورته مرسل، لكنه وصله الحاكم أيضاً م طريق معمر عن الزهري قال "أخبرني عروة أنه سمع الزبير" به، وأفاد أن قوله "وسمع المسلمون إلخ" من بقية الحديث المذكور. وأخرجه موسى بن عقبة عن ابن شهاب به وأتم منه وزاد "قال: ويقال لما دنا من المدينة كان طلحة قدم من الشام، فخرج عائاً إلى مكة إما متلقياً وإما معتمراً، ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلما لقيه أعطاه فلبس منها هو وأبو كبر" انتهى، وهذا إن كان محفوظاً احتمل أن يكون كل من طلحة والزبير أهدى لهما من الثياب. والذي في السير هـ والثاني، ومال الدمياطي إلى ترجيحه على عادته في ترجيح ما في السير على ما في الصحيح، والأولى الجمع بينهما وإلا فما في الصحيح أصح، لأن الرواية التي فيها طلحة من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، والتي في الصحيح من طريق عقيل عن الزهري عن عروة. ثم وجدت عند ابن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه نحو رواية أبي الأسود، وعند ابن
стр. 1509
عائذ في المغازي من حديث ابن عباس "خرج عمرو والزبير وطلحة وعثمان وعياش بن أبي ربيعة نحو المدينة، فتوجه عثمان وطلحة إلى الشام" فتعين تصحيح القولين، أهـ.
١٥٢٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب - يعني الجنة - يا عبد الله هذا خيرٌ. فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهادن ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومنْ كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان". فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة. وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر".
١٥٢٦ - * روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ جلس على المنبر فقال: "إن عبداً خيرهُ الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده" فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر النبي ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الحياة الدنيا وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان ﷺ هو المخير، وأبو بكر أعلمنا به، فقال ﷺ : "إن من من الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذتُ أبا بكر، ولكنْ أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخةُ أبي بكر".
١٥٢٧ - * روى مسلم عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله ﷺ بيتي، قال (١):
стр. 1510
"مُروا أبا بكرٍ فليُصل بالناس" قالت فقلت: يا رسو الله! إن أبا بكر رجلٌ رقيقٌ. إذا قرأ القرآن لا يملك دمعهُ. فلو أمرت غير أبي بكر! قالت: والله! ما بي إلا كراهيةُ أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله ﷺ . قالت فراجعته مرتين أو ثلاثاً. فقال: "ليُصل بالناس أبو بكر. فإنكن صواحبُ يوسف".
١٥٢٨ - * روى البخاي ومسلم عن عائشة قالت: لقد راجعتُ رسول الله ﷺ في ذلك. وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لمي قع في قلبي أن يُحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبداً. وإلا أني كنتُ أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به. فأردتُ أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر.
١٥٢٩ - * روى البزار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة دُعي الإنسانُ بأكثر عمله فإن كانت الصلاة أفضل دُعي بها وإن كان صيامه دعي به، وإن كان الجهاد دُعي به، ثم يأتي باباً من أبواب الجنة يُقال له الريانُ يدعى منه الصائمون" قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله أثم أحدٌ يُدعى بعملين قال: "نعم أنت".
١٥٣٠ - * روى الحاكم عن عمر ﵁ قال: كان أبو بكرٍ سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الهل ﵌.
١٥٣١ - * روى عبد الله بن أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار سُدُّوا كل خوخةٍ، في المسجد غير خوخةِ أبي بكرٍ" (١).