← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضُرُّهم، أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي - وعصيتُ الأزلام - تُقرب بي، حتىإذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكثر الالتفات: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضتْ، فلم تكد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عُثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتُهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي - حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبس عنهم - أن سيظهر أمر رسول الله ر، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية -وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم - وعرضتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني شيئاً، ولم يسألاني، إلا أن قال: "أخف عنا ما استطعت" فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب لي في رُقعةٍ من أدمٍ، ثم مضى رسول الله ﷺ . قاب ابن شهاب (١): فأخبرني عروة بن الزبير أن رسل الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين تجاراً قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه، حتى يردهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى

стр. 1507

بيوتهم أوفى رجلٌ من يهود على أطمٍ من آطامهم لأمرٍ ينظر إليه، فبصُرَ برسول الله ﷺ وأصحابه مُبيضين، يزولُ بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدُّكم الذي تنتظرون، قال: فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتاً، فطفِقَ من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف النسا رسول الله ﷺ عند ذلك. فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أُسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ ، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينةن وهو يصلي فيه يومئذ رجالٌ من المسلمين، وكان مربداً للتمر، لسهل وسهيل - غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بَركتْ راحلته: "هذا إن شاء الله المنزل" ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل نهبُه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبةً حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللَّبِنَ في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن: هذا الحمالُ لاحمالُ خيبرْ ... هذا أبرُّ ربنا وأطهرْ يقول (١):

стр. 1508

اللهم إنالأجر أجرُ الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة فتمثل بشعر رجل من المهاجرين، لم يسمِّ لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت تامٍّ غير هذه الأبيات. قال ابن حجر عن المعلق الأول: قوله (قال ابن شهاب) هو موصول بإسند حديث عائشة، وقد أفرده البيهقي في "الدلائل" وقبله الحاكم في "الإكليل" من طريق ابن إسحق "حدثني محمد بن مسلم هو الزهري به" وكذلك أورده الإسماعيلي منفرداً من طريق معمر والمعافي في الجليس من طريق صالح بن كيسان كلاهما عن الزهري. وقال عن المعلق الثاني: قوله (قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب) هو متصل إلى ابن شهاب بالإسناد المذكور أولاً، وقد أفرده الحاكم من وجه آخر عن يحيى بن بكير بالإسناد المذكور، ولم يستخرجه الإسماعيلي أصلاً وصورته مرسل، لكنه وصله الحاكم أيضاً م طريق معمر عن الزهري قال "أخبرني عروة أنه سمع الزبير" به، وأفاد أن قوله "وسمع المسلمون إلخ" من بقية الحديث المذكور. وأخرجه موسى بن عقبة عن ابن شهاب به وأتم منه وزاد "قال: ويقال لما دنا من المدينة كان طلحة قدم من الشام، فخرج عائاً إلى مكة إما متلقياً وإما معتمراً، ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلما لقيه أعطاه فلبس منها هو وأبو كبر" انتهى، وهذا إن كان محفوظاً احتمل أن يكون كل من طلحة والزبير أهدى لهما من الثياب. والذي في السير هـ والثاني، ومال الدمياطي إلى ترجيحه على عادته في ترجيح ما في السير على ما في الصحيح، والأولى الجمع بينهما وإلا فما في الصحيح أصح، لأن الرواية التي فيها طلحة من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، والتي في الصحيح من طريق عقيل عن الزهري عن عروة. ثم وجدت عند ابن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه نحو رواية أبي الأسود، وعند ابن

стр. 1509

عائذ في المغازي من حديث ابن عباس "خرج عمرو والزبير وطلحة وعثمان وعياش بن أبي ربيعة نحو المدينة، فتوجه عثمان وطلحة إلى الشام" فتعين تصحيح القولين، أهـ. ١٥٢٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب - يعني الجنة - يا عبد الله هذا خيرٌ. فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهادن ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومنْ كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان". فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة. وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر". ١٥٢٦ - * روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ جلس على المنبر فقال: "إن عبداً خيرهُ الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده" فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر النبي ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الحياة الدنيا وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان ﷺ هو المخير، وأبو بكر أعلمنا به، فقال ﷺ : "إن من من الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذتُ أبا بكر، ولكنْ أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخةُ أبي بكر". ١٥٢٧ - * روى مسلم عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله ﷺ بيتي، قال (١):

стр. 1510

"مُروا أبا بكرٍ فليُصل بالناس" قالت فقلت: يا رسو الله! إن أبا بكر رجلٌ رقيقٌ. إذا قرأ القرآن لا يملك دمعهُ. فلو أمرت غير أبي بكر! قالت: والله! ما بي إلا كراهيةُ أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله ﷺ . قالت فراجعته مرتين أو ثلاثاً. فقال: "ليُصل بالناس أبو بكر. فإنكن صواحبُ يوسف". ١٥٢٨ - * روى البخاي ومسلم عن عائشة قالت: لقد راجعتُ رسول الله ﷺ في ذلك. وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لمي قع في قلبي أن يُحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبداً. وإلا أني كنتُ أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به. فأردتُ أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر. ١٥٢٩ - * روى البزار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة دُعي الإنسانُ بأكثر عمله فإن كانت الصلاة أفضل دُعي بها وإن كان صيامه دعي به، وإن كان الجهاد دُعي به، ثم يأتي باباً من أبواب الجنة يُقال له الريانُ يدعى منه الصائمون" قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله أثم أحدٌ يُدعى بعملين قال: "نعم أنت". ١٥٣٠ - * روى الحاكم عن عمر ﵁ قال: كان أبو بكرٍ سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الهل ﵌. ١٥٣١ - * روى عبد الله بن أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار سُدُّوا كل خوخةٍ، في المسجد غير خوخةِ أبي بكرٍ" (١).

стр. 1511

١٥٣٢ - * روى أحمد والطبراني عن ربيعة الأسلمي قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلمفأعطانا أرضاً، وأعطى أبا بكر أرضاً، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلةٍ، فقال أبو بكر: هي في حدي، وقلت أنا: هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكرٍ كلامٌ: فقال أبو بكر كلمةٌ كرهتُها وندم فقال لي: يا ربيعة رُدَّ علي مثلها حتى تكون قصاصاً، فقلت: لا أفعل. فقال أبو بكر: لتفعلن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله لعيه وسلم: فقلتُ: ما أنا بفاعل ورفض الأرض، فانطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ وانطلقت أتلوه فجاء أناسٌ من أسلم فقالوا: يرحمُ الله أبا بكر، في أي شيءٍ يستعدي عليك رسول الله ﷺ وهو الذي قال لك ما قال؟ قلتُ: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، وهو ثاني اثنين وهو ذو شيبة المسلمين، فإياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله ﷺ فيغضبُ لغضبه فيغضبُ الله لغضبهما فتهلك ربيعة قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، فانطلق أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وتبعته وحدي وجعلت أتلوهُ حتى أتى رسول اله ﷺ فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليَّ رأسه فقال: "يا ربيعة مالك وللصديق؟ " قلت يا رسول الله كان كذا، كان كذا، قال لي كلمة كرهتُها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصاً. فقال رسول الله ﷺ : "أجلْ فلا تردنَّ عليه، ولكنْ قل غفر الله لك يا أبا بكر" فولى أبوب بكر وهو يبكي. ١٥٣٣ - * روى البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنتُ جالساً عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ : "أما صاحبُكم فقد غامر" فسلم، وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعتُ إليه، ثم ندمتُ فسألته أن يغفر لي، فأبى عليِّ، فأقبلت إليك، فقال (١): "يغفرُ الله لك

стр. 1512

يا أبا بكرٍ" - ثلاثاً- ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكرٍ، فقال: أثم أبو بكرٍ؟ قالوا: لا، فأتى النبي ﷺ ، فجعل وجهُ النبي ﷺ يتمعَّر، حتى أشفق أبو بكرٍ، فجثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله والله أنا كنتُ أظلمَ - مرتين - فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ " - مرتين- فما أوذي بعدها. وفي أخرى (١) قال: كانت بين أبي بكر وعمر محاورةٌ، فأغضب أبو بكر عم، فانصرف عمر مُغضباً، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى النبي ﷺ قال أبو الدرداء: ونحن عندهُ -فقال النبي ﷺ : "أما صاحبكم هذا فقد غامر" قال: وندم عمرُ على ما كان منه، فأقبل حتى سلم، وجلس إلى النبي ﷺ ، فقص على رسول الله ﷺ الخبر، قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ﷺ ، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنتُ أظلم، فقال النبي ﷺ : "هل أنتمُ تاركون لي صاحبي؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إني قلتُ: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت". ١٥٣٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان لأبي بكرٍ غلامٌ يُخرجُ له الخراجن وكان أبو بكر يأكلُ من خراجه، فجاء يوماً بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تُكهنت لإنسان في الجهالية: وما أُحسنُ الكهانة، إلا أني خدعته، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه (٢).

стр. 1513

١٥٣٥ - * روى الحاكم عن سعيد بن المسيب ﵁، أن أبا بكر الصديق ﵁، لما بعث الجيوش نحو الشام يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشُرحبيل بن حسنة مشى معهم حتى بلغ ثنية الوداع، فقالوا: يا خليفة رسول الله تمشي ونحنُ رُكبان؟ ١٥٣٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوماً: "من أصبح منكم اليوم صائماً؟ " قال أبو بكر الصديق: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: "فمنْ أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ " قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله ﷺ : "ما اجتمعن في رجل إلا دخل النة"؟ ١٥٣٧ - * روى أبو يعلي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما نفعنا مالُ أحدٍ ما نفعنا مالُ أبي بكرٍ". ١٥٣٨ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مالأحدٍ عندنا يد إلا وقد كافأناهُ، ما خلا أبا بكر، فإن له ندنا يداً يكافئهُ الله به يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنتُ متخذاً خليلاً من الناس لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ألا وإن صاحبكم خليلُ الله". (لو كنت متخذاً خليلاص لاتخذت أبا بكر خليلاً) قد ذكرنا معنى الخلة وأنها من المودة، وقيل: هو من تخللها القلب، أي دخولها فيه، والمقصود من الحديث: أن الخلة تلزم فضل مراعاة للخليل، وقيام بحقه، واشتغال القلب بأمره، فأخبر ﷺ أنه ليس عنده فضل مع خلة الحق للخلق، لاشتغال قلبه بمحبة الله سبحانه، فلا يحتمل ميلاً إلى غيره (١).

стр. 1514

١٥٣٩ - * روى أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً، فقلتُ: اليوم أسبِقُ أبا بكر - إن سبقته - يوماً، قال: فجئتُ بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: "يا أبا بكرٍ، ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله وروسله، قلتُ: لا أسبقه إلى شيءٍ أبداً. ١٥٤٠ - * روى الطبراني عن عروة قال: أعتق أبو بكر سبعة ممن كان يعذب في الله منهم: بلال وعامر بن فهيرة. ١٥٤١ - * روى البخاري ومسلم عن جبير بن مُطعمٍ ﵁ قال: أتت امرأة رسول الله ﷺ فأمرها أن ترجع، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ - كأنها تقول: الموت- قال: "إن لم تجديني فائتي أبا بكرٍ". قال الحافظ في "الفتح": وفي الحديث أن مواعيد النبي ﷺ كان على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها ١٥٤٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لو قدْ جاءنا مالُ البحرين لقد أعطيتُك هكذا وهكذا وهكذا" وقال بيديه جميعاً. فقُبض النبي ﷺ قبل أن تجيء مال البحرين. فقدم على أبي بكر بعده. فأمر منادياً فنادى: من كانت له على النبي ﷺ عدةٌ أودينٌ فليأتِ. فقمتُ فقلتُ: إن النبي ﷺ قال "لو قد جاءنا مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا" فحثى أبو بكرٍ مرة. ثم قال لي: عُدها. فعددتُها فإذ هي خمسمائة. فقال: خذْ مثليها (١).

стр. 1515

١٥٤٣ - * روى أحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: لما توفي رسول الله ﷺ قام خطباء الأنصار فقال: يا معشر المهاجرين إن رسول الله ﷺ كان إذا بعث رجلاً منكم قرنه برجلٍ منا فنحن نرى أن يلي هذا الأمر رجلان رجلٌ منا ورجلٌ منكم. فقام زيد بن ثابتٍ ﵁ فقال إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وكنا أنصار رسول الله ﷺ فنحنُ أنصارُ من يقومُ مقامه فقال أبو بكر: جزاكم الله خيراً من حي يا معشر الأنصار وثبت قائلكم. والله لو قلتم غير ذلك ما صالحناكم. ١٥٤٤ - * روى الطبراني عن سالم بن عبيدٍ وكان من أصحاب الصُّفة قال: أغمي على رسول الله ﷺ في مرضه فأفاق فقال: "حضرت الصلاة؟ " قلنا: نعنم قال: "مُروا بلالاً فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة ﵂: إن أبي رجل أسيفُ فلو أمرت غيره فليصل بالناس. ثم أغمى عليه فأفاق فقال: "هل حضرت الصلاة؟ " قلت: نعم. قال: "مروا باللاً فليؤذنْ ومروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة ﵂: إن أبي رجلٌ أسيفٌ فلو أمرت غيره فليصل بالناس. ثم أغمي عليه فأفاق فقال: "أقيمت الصلاة؟ " قلنا: نعم. قال: "ائتوني بإنسان أعتمدُ عليه" فجاءه بُريدة وإنسان آخر فاعتمد عليهما فأتى المسجد فدخله وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس فذهب أبو بكر يتنحى فمنعه رسول الله ﷺ وأجلس إلى جنب أبي بكر حتى فرغ من صلاته. فقُبض رسول الله ﷺ فقال عمر: لا أسمع أحداً يقول مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بالسيف؛ فأخذ أبو بكر بذراعي فاعتمد عليِّ وقام يمشي حتى جئنا فقال: أوسعوا فأوسعوا له، فأكب عليه ومسَّه قال: إنك ميت وإنهم ميتون، قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ مات رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. فعلموا أنه كما قال. قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ أنصلي على رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، يدخل قومٌ فيكبرون ويدعون ويصلون ثم ينصرفون، ويجيء آخرون حتى يغرُغوا. قالوا (١): يا صاحب رسول الله ﷺ

стр. 1516

أيُدفنُ رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قالوا: وأين يدفنُ؟ قال: حيثُ قُبضَ، فإن الله ﵎ لم يقبضه إلا في بقعةٍ طيبةٍ. فعلموا أنه كما قال. ثم قام فقال: عندكم صاحبُكم، فأمرهم يغسلونه، ثم خرج واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار فإن لهم في هذا الأمر نصيباً، فانطلقوا. فقال رجلٌ من الأنصار: منا أميرٌ ومنكم أميرٌ، فأخذ عمر بيد أبي بكر ﵄ فقال: أخبروني من له هذه الثلاث: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي﴾ من هما؟ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ من صاحبه؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فأخذ بيد أبي بكر ﵁ فضرب عليها وقال للناس: بايعوه. فبايعوه بيعةً حسنة جميلة. ١٥٤٥ - * روى أحمد عن بُريدة قال: مرض رسول الله ﷺ فقال: "مروا أبا بكر يصلي بالناس " فقال عائشةُ: يا رسول الله إن أبي رجل رقيقٌ، فقال: "مروا أبا بكر يصلي فإنكن صواحبات يوسف" فأم أبو بكر الناس والنبي ﷺ حي. ١٥٤٦ - * روى الحاكم عن عبد الله قال: ما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسنٌ، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء، وقد رأى الصحابة جميعاً أنْ يستخلفُوا أبا بكرٍ ﵁. ١٥٤٧ - * روى الحاكمعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: ولينا أبو بكر فكان خيرَ خليفةِ الله وأرحمهُ بنا وأحناهُ علينا. ١٥٤٨ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: تذاكر رسول الله ﷺ وأبو بكر ميالدهما عندي وكان رسول الله ﷺ أكبر من أبي بكر، فتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاثٍ وستين، لسنتين ونصف التي عاش بعد رسول الله ﷺ ، يعني أبا بكر (١).

стр. 1517

أقول: المراد من النص أن أبا بكر توفي في السن نفسه الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ١٥٤٩ - * روى الطبراني عن سعيد بن المسيب قال: تُوفي أبو بكر الصديقُ وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنة، وولي سنتين، ودُفن ليلاً وصلى عليه عمر. ١٥٥٠ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: تُوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء ودُفن ليلاً. ١٥٥١ - * روى الطبراني عن الهيثم بن عمران قال: سمعت جدي يقول: توفي أبو بكر الصديق وبه طرف من السل وولي سنتين ونصفاً. ١٥٥٢ - * روى الطبراني عن يحيى بن بكير قال: استُخلف أبو بكرٍ في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ وتُوفي في جُمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. ١٥٥٣ - * روى الطبراني عن الحسن بن علي قال: لما احتُضر أبو بكرٍ قال: يا عائشة انظري اللقحة اليت كنا نشربُ من لبنها والجفنة التي كنا نصطبحُ فيها والقطيفة التي كنا نلبسُها، فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين فإذا متُّ فاردُديه إلى عمر فلما مات أبو بكر أرسلت به إلى عمر فقال عمر: رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتبعت من جاء بعدك (١). * * *

стр. 1518

تعليقات * نستطيع أن نقول: إن أبا بكر الصديق ﵁ كان امتداداً لشخصية رسول الله ﷺ ، يظهر ذلك في أنه تابع عملية الجهاد على الأرض العربية وخارجها وتلك التي وضع رسول الله ﷺ أسسها العملية ونزل القرآن آمراً بها، ومن خلال الرؤية الشاملة لمواقف الصحابة رضوان الله عليهم نجد أنه لولا أبو بكر لما سارت الأمور بالشكل الذي سارت فيه، ومن ثم فإن الفتوحات الإسلامية والانطلاقة التي دثت في عهد عمر ﵁ ومن جاء بعده، كل ذلك في صحيفة أبي بكر، وهي وهو في صحيفة رسول الله ﷺ ، ومن ههنا نقول: إنه لا أفضل من أبي بكر ولا أثقل منه في نميزان الإسلام بعد رسول الله ﷺ . * * * * وإذا كان رسول الله ﷺ هو المؤسس فإن المجدد الأول لهذا الدين هو أبو بكر، فالردةُ كانت شاملة تقريباً، ولقد كادت أن تعصف بكل شيء، فالمستقبل السياسي للإسلام أصبح في خطر، وأحكام الإسلام أصبحت في خطر، وكادت دولة الإسلام أن تنتهي، ولولا مواقف أبي بكر لم تعد الأمور إلى نصابها، ولم يقم الإسلام من جديد، فكان بحق المجدد الأول للإسلام، لكنه تجديد ليس له مثيل ولا عديل، فغيره من المجددين جاؤوا والإسلام في الأرض مكين وتجربته ممتدة، أما تجديده هو فكان في مرحلة عاصفة ونبت الإسلام غض. * ومع الفهم السديد للإسلام ومع هذا العزم والحزم فقد امتلك أبو بكر قوة المبادرة التي قذفت بالمسلمين إلى عوالم جديدة، فلما تسلم الراية عمر ﵁ كانت نقاط الانطلاق محددة فسار بها بحزم وعزم ومبادرات مكافئة، ولكن لأبي بكر فضيلة السبق وشق الطريق، فمن يدعي بعد ذلك أن هناك أثقل من أبي بكر في الميزان؟ * ويرى بعض الباحثين أن موقف أبي بكر من بعث أسامة وموقفه من المرتدين دليل على أن الشورى في حق أمير المؤمنين معلمة لا ملزمة بدليل أن أبا بكر خالف الناس في ذلك والأمر عندنا أن في هاتين القضيتين نصوصاً، وحيثما كانت النصوص فلا محل للشورى، فالرسول ﷺ توفي وهو يوصي بإنفاذ جيش أسامة والرسول ﷺ يقول: "أمرت

стр. 1519

أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ... " ولذلك فإنني لا أرى في هاتين الحادثتين دليلاً على عدم إلزامية الشورى والذي أراه لعصرنا أن المسلمين على شروطهم فحيثما تعاقدوا على حدود للشورى فإنها تلزم المتعاقدين. * * * * ولقد سن أبو بكر سنناً، واجتهد اجتهادات، ولقد خالفه بعد ذلك في بعض اجتهاداته عمر وغيره، ومن ههنا نقول: إن كل تصرفات الخلفاء الراشدين هي من باب السوابق الدستورية لهذه الأمة، وهذه الأمة تستطيع أن تبني على أي سنة من سننهم إذا رأت في ذلك مصلحة وكان ذلك من خلال الشورى. * * * * ومن أهم ميزات أبي بكر ﵁ حسن اختياره للرجال وإعطائهم الفرص لإطلاق طاقاتهم ومعرفته بنفسية رعيته يظهر ذلك من قولة عمر: "رحم الله أبا بكر فلقد كان أعرف مني بالرجال، ومن إطلاقه العنان لخالد في التصرفات ومن تحريكه العرب إلى فتح الشام والعراق مباشرة بعد ما أنهى، ولولا ذلك لأهلك العرب بعضهم بعضاً. * * *

стр. 1520

عمر بن الخطاب ﵁ (١) ميلاده ووفاته: ولد عمر بن الخطاب بمكة قبل حرب الفِجار بنحو أربع سنوات على ما يرويه الطبري. ونشأ نشأة عالية كريمة، فكان فصيحاً بليغاً جريئاً في الحق. وهو من الرهط الذين انتهى إليهم الشرف في الجاهلية، وكانت إليه السفارة في قريش. أسلم في السنة الخامسة للبعثة وأعز الله به الإسلام، كان إسلامه فتحاً، وكانت هجرته نصراً، وكانت إمرته رحمة، وقضى نحبه شهيداً بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسي لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين ﵁. بيعته في الخلافة: بويع عمر بن الخطاب ﵁ سنة ثلاث عشرة للهجرة بعد وفاة الصديق ﵁، واستمرت خلافته حتى سنة ثلاث وعشرين، فكانت خلافته عشر سنين كلها عدل ورحمة وبر وجهاد. وكان أبو بكر الصديق ﵁ قد عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب حرصاً منه على وحدة المسلمين، وجمع شملهم، وقطعاً لدابر الخلاف بينهم، وقد وقع اختيار الصديق على عمر ﵁ لأنه أهل لتحمل أعباء الخلافة والاضطلاع بمسؤولياتها، فعمر رجل شديد في غير عنف، ولين في غير ضعف، وكان الصديق ﵁ في مرضه الأخير يستشير الصحابة في عمر فيثنون عليه خيراً ويشهدون له بالفضل ويقرون له بالجميل، وكان عثمان بن عفان ﵁ هو الذي كتب عهد الصديق إلى عمر بالخلافة، فلما قرئ العهد على المسلمين أقروا به وسمعوا له وأطاعوا. سيرته قبل الخلافة: وقف عمر بن الخطاب ﵁ حياته بعد أن أسلم على نصرة الإسلام والذود عن

стр. 1521

حياضه، فقد صاحب الرسول ﷺ فأحسن صحبته وبالغ في نصرته، كان من أشد الناس على الكفر وأهله، وشهد الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلمن فكان مع النبي ﷺ في بدر وأحد والخندق وبيعة الرضوان وخيبر والفتح وغيرها، كان يشير على الرسول بالأمر فينزل الوحي موافقاً لما أشار به، وكان الصديق ﵁ يستشيره في معضلات الأمور، ومشكل القضايا، وكان الساعد الأيمن للصديق في حرب المرتدين، وهو صاحب الفضل في حمل الصديق على جمع القرآن الكريم وتدوينه. سيرته أثناء الخلافة: كانت حياة الفاروق رضي الله عن حافلة بجلائل الأعمال، فقد قوض الله على يديه أعظم إمبراطوريتين في ذلك العصر: الروم وفارس. وتمت في عهده فتوحات واسعة، تسير جيوشه مكللة بأكاليل النصر والظفر، لا تنكس لها راية، ولا يطوى لها لواء، ناشرة عقيدة التوحيد أينما ألقت عصا التسيار، حاملة مبادئ الخير والعدل والرحمة إل كل الأقطار والأمصار، أهم هذه الفتوحات فتوح الشام، وهذه أهم معاركها في عهد عمر. ١ - فتح دمشق: آلت قيادة الجيش بعد وفاة الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح بعد عزل خالد ﵁ من قبل الفاروق، وارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجيش على مرج الصُّفّر وهو عازم على حصار دمشق فقد نُمي إليه أن هرقل قد تحصن في حمص، وأن جموعاً كبيرة من الروم قد اجتمعت بفحْلٍ من أرض فلسطين، وقد كتب أبو عبيدة إلى الفاروق يستشيره ماذا يصنع؟ فأشار إليه أن يبدأ بفتح دمشق فإنها حصن الروم وبيت مملكتهم، وأن يشغل أهل فحل بخيل تكون تلقاءهم فإن فتح الله عليه دمشق سار إلى فِحْل، فإن فتحها الله له سار وخالد إلى حمص وترك عمرو بن العاص وشرحبيل على الأردن وفلسطين. وكان أبو عبيدة قائداً أريباً نجيباً فقد بعث جيشاً ليكون بين دمشق وفلسطين، وأرسل جيشاً آخر يكون بين دمشق وحمص ليقطع عن دمشق كل مدد يأتيها من قبل الروم. ومضى أبو عبيدة لحصار دمشق معه كبار قادته، فنزل خالد بن الوليد على الباب

стр. 1522

الشرقي، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية الصغير، وشرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد وحاصروا دمشق حصاراً شديداً، فأبلس أهلها وضعفوا، وقوي المسلمون واشتد حصارهم، وآنس خالد من الروم غِرَّة فقد ولد لبطريقهم - وهو القائد عند الروم تعادل اليوم رتبة جنرال- ولد فأكلوا وشربوا وناموا عن مواقعهم، فنهز خالد وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقربٍ في أعناقهم ونصبوا السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات وصعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير وانحدروا إلى البوابين فصرعوهم وفتحوا الباب عنوة، ودخل الجيش من الباب الشرقي وشرع يقتل كل من وجد منأصحاب هذا الباب، وسأل أهل دمشق أمراء المسلمين على بقية الأبواب الصلح فأجابوهم دون أن يعلموا ما صنع خالد، واستقر أمر دمشق على الصلح. ٢ - فتح الأردن: فتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة، وبعث أبو عبيدة خالداً فغلب على البقاع وصالحه أهل بعلبك على أنصاف منازلهم وكنائسهم ووضع الخراج. ٣ - وقعة فِحل: خلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق وسار إلى فِحل وهي بلدة بالغور وعلى مقدمة الجيش خالد بن الوليد، وعلى ميمنته أبو عبيدة، وعمرو بن العاص على الميسرة، ولما علم أهل فحل بخروج المسلمين إليهم انحازوا إلى بيسان، وأرسلوا المياه على الأراضي تفصل بينهم وبين المسلمين فكانت مكيدة عظيمة، وظن الروم أن المسلمين على غرة فركبوا إليهم وهجموا عليهم، وكان المسلمون على أهبة الاستعداد، فقاموا إليهم وأعملوا السيوف في رقابهم، ففر الروم لا يلوون على شيء، وغرقوا في الوحل الذي كادوا به المسلمين، وقتل منهم ما يقارب الثمانين ألفاً وغنموا منهم مالاً جزيلاً، ومضى أبو عبيدة وخالد نحو حمص عملاً بوصية الخليفة الفاروق. واستخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل ابن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم خلقاً كثيراً، ثم صالحه أهلها فضرب عليهم الجزية والخراج على أراضيهم.

стр. 1523

فتوح العراق: لما كان الصديق في مرضه الأخير أوصى عمر بن الخطاب أن يندب الناس لقتال أهل العراق ومناجزتهم، ومن أحرص من ابن الخطاب على تنفيذ وصية الصديق؟ فلما مات الصديق ﵁ طفق عمر يحث الناس على قتال أهل العراق، ويرغبهم في الأجر والثواب، فكان أبو بعيد بن مسعود الثقفي أول من لبّى، وتتابع الناس في الإجابة، وأمر الفاروق أبا عبيد على الجميع وأشخصه إلى العراق ومعه سبعة آلاف رجل، وكتب الفاروق إلى أبي عبيدة أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى أرض العراق، فجهز عشرة آلاف مقاتل ولوا وجوههم شطر العراق. ١ - وقعة الجسر: تذامرت الفرس بينهم بعد الهزيمة التي حاقت بهم أمام الجيش الإسلامي بقيادة أبي عبيد، فأرسل رُستم جيشاً جراراً بقيادة ذا الحاجب - بهمن جاذويه - فوصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر، فطلبوا من المسلمين أن يعبروا النهر فأجابهم أبو عبيد، ودار قتال شديد وبدأت خيول المسلمين تفرّ من الفيلة التي جاءت بها الفرس وعليها الجلاجل، فاحتوشها المسلمون وقتلوها سوى فيل أبيض عظيم حمل عليه أبو عبيد فقطع ذلومه، فهاج الفيل وتخبط أبا عبيد برجليه فصرعه وصرع سبعة من الأمراء الذي نص عليهم أبو عبيد، فوهن المسلمون وولوا مدبرين وقتل منهم خلق كثير. ٢ - وقعة البويب: التقى المسلمون بقيادة المثنى بن حارثة مع الجيش الفارسي الذي يقوده مهران بمكان يقال له (البويب) قريب من الكوفة وبينهما الفرات، فعبرت الفرس إلى المسلمين واقتتلوا اقتتالاً شديداً، فصُرع مهران وهرب الفرس وركب المسلمون أكتافهم وذلت لهذه الواقعة رقاب الفرس وقتل منهم وغرق ما يقارب مائة ألف، وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام. وانتظم شمل الفرس، واجتمع أمرهم على يزدجرد الذي أقاموه من بيت الملك، ونبذ

стр. 1524

أهل الذمة في العراق المواثيق التي أخذها المسلمون الفاتحون عليهم، ونكثوا عهودهم وآذوا المسلمين وأخرجوا عمال الخليفة من بين أظهرهم، فعزم الفاروق ﵁ على غزو العراق بنفسه، ولكن عبد الرحمن بن عوف ثناه عن ذلك، واستصوب الصحابة رأي ابن عوف، وأشار عليه أن يؤمر سعد بن أبي وقاص ﵁ على الناس لقتال الفرس فاستجاد الفاروق رأيه وأمر سعداً على العراق. وسار سعد إلى العراق فلما بلغ العذيب اعترض المسلمين جيشٌ للفرس مع شيرذاد أراذويه فهزمه المسلمون وغنموا أموالهم وأمتعتهم وفرح المسلمون وتفاءلوا. ٣ - غزوة القادسية: أمر الفاروق سعد بن أبي وقاص أن يقصد القادسية فيَّمم سعد وجهه شطرها وكانت القادسية باب العراق، فالتقى برستم في جيش لجب يربو على مائة وعشرين ألفاً، وكان المسلمون يتراوح عددهم بين سبعة آلاف وثمانية آلاف مقاتل. أرسل سعد ﵁ طائفة من أصحابه إلى كسرى (يزدجرد) يدعونه إلى الله تعالى فاستأذنوا فأذن لهم، وكان كسرى متكبراً، فضلاً عن أنه لم يستوعب الموقف الجديد، فرد رسل سعد على تساؤلات يزدجردت ودعوه إلى الإسلام فإن أبى فالجزية فإن امتنع فالسيف الذي يفصل بينهم وبينه، فاستشاط غضباً وورم أنفه، وقال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شيء لكم عندي، وقابل وفد آخر من المسلمين رستم قائد الجيش الفارسي، وقالوا له ما قالوا لكسرى، فأعجب رستم بقوة حجتهم وسديد إجابتهم وأيقن أن المسلمين سيملكون سرير ملكه. وتواجه الفريقان واقتتلوا قتالاً شديداً دام أياماً، ثم هزم الله الفرس، وقُتل رستم عدد كبير من جنده وهرب الباقون، وغنم المسلمون أموالاً كثيرة، ثم طاردهم سعد إلى جلُولاء أوقع بهم وأسر إحدى بنات كسرى وعدداً كبيراً من الفرس، وكتب سعد إلى الفاروق يبشره بالفتح المبين، فقرأ الفاروق هذه البشارة على الناس من فوق المنبر، وقد ردت القادسية كثيراً من أهل العراق إلى صوابهم، فقد كانت بلاد العراق التي فتحها خالد نكثت العهود والذمم والمواثيق التي أعطوها خالداً، ثم آب الجميع إلى رشدهم بعد النصر المؤزر الذي

стр. 1525

أحرزه المسلمون في القادسية، وكانوا قد زعموا أن الفرس قسروهم على نقض العهود وأخذوا منهم الخراج، فصدقهم المسلمون تألفاً لقلوبهم. ٤ - فتح المدائن: ثم توغّل سعد في بلاد العراق واستولى على المدائن، وغنم المسلمون منها غنائم كثيرة، من بينها بساط كسرى، ولاذ يزدجرد بالفرار يجر أذيال الخيبة، حاملاً معه أمواله وما خف حمله من المتاع: وقصة ذلك أن سعداً أُخْبِرَ أن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن إلى حلوان وإن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الأمر، فعند ذلك خطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة وحثهم على إخلاص النيات لله والاعتصام به تعالى، وندب الناس إلى العبور للقاء الفرس وانتدب عاصم بن عمرو وقريب من ستمائة ليجوزوا النهر لحماية ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى، فقبل عاصم وفقأ عيون خيول الفرس التي جاءت لقتالهم بالرماح، واستطاعوا أن ينفوا الفرس عن الجانب الآخر، وعبر المسلمون النهر بقيادة سعد لم يتخلف منهم أحد دون أن يمسهم سوء، واستحوذ المسلمون على ما في المدائن أجمع، وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكلل بالجواهر النفيسة التي تحير الأبصار ومنطقته وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه، وقد استوهب سعد المسلمين أربعة أخماس البساط ولبس كسرى من المسلمين وأرسله إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه، فلما نظر عمر إلى ذلك قال: إن قوماً أدوا هذا لأمناء، فقال له علي كرم الله وجهه: إنك عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا، وألبس عمر سراقة بن مالك سواري كسرى لأن الرسول ﷺ قال لسراقة وقد نظر إلى ذراعيه: "كأني بك وقد ألبست سواري كسرى". ٥ - وقعة جلولاء: لما نكل يزدجرد من المدائن هارباً لا يلوي على شيء، اجتمع إليه في أثناء الطريق جند وأعوان وخلق كثير وشايعة من الفرس جمع غفير، وأمر كسرى عليهم مهران الرازي وسار إلى حلوان، فأقام الجمع الذي جعه في جلولاء واحتفروا حولها خندقاً سحيقاً، فأرسل سعد بأمر الخليفة جيشاً كثيفاً يقارب اثني عشر ألفاً من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار بقيادة ابن أخيه هاشم بن عتبةن وجعل على مقدمة الجيش القعقاع بن عمرو،

стр. 1526

فحاصرهم المسلمون وحمي القتال واشتد النزال وحمل القعقاع في جماعة من الفرسان الشجعان على الفرس فملك باب الخندق وكان الظلام أرخى سدوله ففر المجوس وهربوا كل مهرب، فأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذصلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فسميت جلولاء، وولى مهران قائد الجيش الأدبار فأدركه القعقاع بن عمرو فقتله، وأسر المسلمون سبايا كثيرة وأموالاً وفيرة قريباً مما غنموا من المدائن قبلها. ٦ - فتح حلوان: لما علم كسرى بقتل قائده مهران الرازي وهزيمة جيشه، فر من حلوان إلى الري، واستناب على حلوان أميراً يقال له خسروشنوم، فتقدم إليه القعقاع بن عمرو وهزمه هزيمة منكرة ودخل حلوان ففتحها وأقام بها وضرب الجزية على من حولها من الكور والأقاليم عندما أبوا الدخول في الإسلام. ٧ - فتح تكريت والموصل: اجتمع أهل الموصل بتركيت على رجل من الكفرة يقال له الأنطاق، فأمر الفاروق بقتالهم، فنهد المسلمون لحربهم بقيادة عبد الله بن المعتم في خمسة آلاف مقاتل، فسار عبد الله حتى نزل بتكريت على الأنطاق وهزم أهلها وقتل منهم خلقاً كثيراً ولم يسلم من سيوف المسلمين إلا من أعلن إسلامه ودخل في دين الله، ثم سار المسلمون بقيادة ربعي بن الأفكل إلى الموصل سريعاً فاستسلم أهلها وأجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الجزية. ثم فتحت ماسيذان ووقرقيسيا والجزيرة والأهواز ورامهرمز والسوس وتُستَر ونهاوند وخراسان وأصبهان وأذربيجان والري والباب وتوج وفسا وداربجر وكرمان وسجستان ومكران، وبذلك سقطت مملكة فارس بيد المسلمين نهائياً. وفي عهد عمر تم فتح بلاد الشام جميعها، تم فتح مصر وكل ذلك في مدة لا تزيد عن عشر سنوات، وفتحت فارس كلها ووقف المسلمون منجهة الشرق على نهر السند ونهر جيحون.

стр. 1527

وهذا ملخص لما حدث في كل سنة من سني حكمه عليه ضوان الله نأخذه من البداية والنهاية: قال ابن كثير: ما وقع سنة ثلاث عشرة من الحوادث: فيها ولي عمر بن الخطاب ﵁ يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة منها، فولي قضاء المدينة علي بن أبي طالب ﵁، واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي، وأبقاه على شورى الحرب، وفيها فتحت بصرى صلحاً وهي أول مدينة فتحت من الشام، وفيها فتحت دمشق في قول سيف وغيره كما قدمنا، واستنيب فيها يزيد بن أبي سفيان فهو أول من وليها من أمراء المسلمين ﵃، وفيها كانت وقعة فحل من أرض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم. وفيها كانت وقعة جسر أبي عبيد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين منهم أميرهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر وكانت امرأة صالحة رحمها الله، ووالد المختار بن أبي عبيد كذاب ثقيف وقد كان نائباً على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي، وفيها توفي المثنى بن حارثة في قول ابن إسحاق، وقد ان نائباً على العراق استخلفه خالد بن الوليد حين سار إلى الشام، وقد شهد مواقف مشهورة وله أيام مذكورة ولا سيما يوم البويب بعد جسر أبي عبيد قتل فيه من الفرس وغرق بالفرات قريب من مائة ألف، الذي عليه الجمهور أنه بقي إلى سنة أربع عشرة كما سيأتي بيانه، وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب على قول بعضهم وقيل بل حج عبدالرحمن ابن عوف، وفيها استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق والشام فأقبلوا من كل النواحي فرمى بهم الشام والعراق، وفيها كانت وقعة أجنادين في قول ابن إسحق يوم السبت لثلاث من جمادي الأولى منها، وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين، على الروم القيقلان وأمير المسلمين عمروبن العاص، وهو في عشرين ألفاً في قل فقتل القيقلان وانهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير.

стр. 1528

سنة أربع عشرة من الهجرة: استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق، وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر، وانظام شمل الفرس، واجتماع أمرهم على يزدجرد الذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا لعمال من بين أظهرهم. وقد كتب عمر على من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد. قال ابن جرير ﵀: وركب عمر ﵁ في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صِرار - اسم موضع-، فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة. ثم عقد مجلساً لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، ونودي أن الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق، إلاعبد الرحمن بن عوف فإنه قال له: إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة، فارتاح عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف. فقال عمر: فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟ فقال: قد وجدته. قال: ومن هو؟ قال: الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري - ابن أبي وقاص -فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد فأمره على العراق. ثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة، ولما انتهى سعد إلى نهر زرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات ﵀ ورضي الله عنه، واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية، ولما بلغ سعداً موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى، ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتهان ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره، وأمده عمر بإمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفاً، وقيل ستة وثلاثون. وقال عمر: والله لأرمين ملوك العجم

стр. 1529

بملوك العرب، وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفاً على اليوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، وأمر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرُّجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر. قال ابن جرير والواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أبي بن كعب في التراويح وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان قال ابن جرير: وفيها بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني. ثم دخلت سنة خمس عشرة: قال ابن جرير قال بعضهم: فيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة؟ فدلهم على موضع الكوفة اليوم، قال: وفيها - في سنة سخمس عشرة - كانت وقعة مرج الروم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالد من وقعه فِحْل قاصدين إلى حمص حسب ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع، فبعث هرقل بطريقاً يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم، وجاء أمير آخر من الروم يقال له شنس وعسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا، فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد بن أبي سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبي سفيان من دمشق، فاقتتلوا واجء خالد وهم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصلُ - أي: يفتك - فيهم من أمامهم، حتى أناموهم ولم يفلت منهم إل الشارد، وقتل خالد توذرا وأخذوا من الروم أموالاً عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبي عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الأرض من زهمهم، وقتل أبو عبيدة شنس وركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها.

стр. 1530

ثم دخلت سنة ست عشرة: استهلت هذه السنة وسعد بن أبي وقاص منازل مدينة نهر شير، وهي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلة من الغرب، وكان قدوم سعد إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، واستهلت هذه السنة وهو نازل عندها. وقد بعث السرايا والخيول في كل وجه، فلم يجدوا واحداً من الجند، بل جمعوا من الفلاحين مائة ألف فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم، فكتب إليه عمر: إن من كان من الفلاحين لم يعن عليكم وهو مقيم ببلده فهو أمانه، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به. فأطلقهم سعد بعدما دعاهم إلى الإسلام فأبوا إلا الجزية. ولم يبق من غربي دجلة إلى أرض العرب أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية والخراج. قال الواقدي: وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه. قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول ديونهم. فيقال: إنهم أراد بعضهم ان يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك. ومنهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضاً. وقال قائلون: أرخوا من مولد رسول الهل ﷺ ، وقال آخرون من مبعثه ﵇، وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله ﷺ وأرخوا من أول تلك السنة من مُحرمها. ثم دخلت سنة سبع عشرة: في المحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، وتغيرت ألوانهم، وضعفت أبانهم، لكثرة ذبابها وغبارها، فكتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب عمر: إن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها. فبعث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلاً مناسباً يصلح لإقامتهم. فمرا على أرض

стр. 1531

الكوفة وهي حصباء في رملة حمراء، فأعجبتهما ووجد هنالك ديرات ثلاث دير حرقة بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة، فنزلا فصليا هنالك، ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في اول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد، وأمر سعد رجلاً رامياً شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، وعمر قصراً تلقاء محراب المسجد للإمارة وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد، وبعث سعد إلى الأمراء والقبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفة، وأمر سعد أبا هياج الموكل بإنزال الناس فيها بان يعمرو ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعاً - أي نحوعشرين متراً - ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعاً، وللأزقة سبعة أذرع. وبُني لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغء الناس تمنع سعداً من الحديث، فكان يغلق بابه ويقول: سكن الصويت، فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخاب بث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطباً ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعداً أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على بابه أحداً يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئاً من المال فامتنع من قبوله، ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز ولا خيانة. وذكر ابن جرير أن عمر بن الخطاب عقد الألوية والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم كما أشار عليه بذلك الأحنف بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدهاز ثم دخلت سنة ثماني عشرة: قال ابن إسحاق، وأبو معشر: كان في هذه السنة طاعون عمواس وعام الرمادة، فتفانى فيهما الناس. قلت: كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعاً شديداً، وسميت عام الرمادة لأن الرض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيهاً

стр. 1532

بالرماد. وقيل: لأنها تسفي الريح تراباً كالرماد، ويمكن أن تكون سميت لكل منهما والله أعلم، وقد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز، وجفلت الأحياء إلى المدينة ولم يبق عند أحد منهم زاد فلجأوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة والأموال حتى أنفده، وألزم نفسه أن لا يأكل سمناً ولا سميناً حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبث له الخبز باللبن والسمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل، وكان يستمرئ الزيت. وكان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر ﵁ وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف، واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم. قال الشافعي: بلغني أن رجلاً من العرب قال لعمر حين ترحلت الأحياء عن المدينة: لقد انجلت عنك ولإنك لابن حرة. أي واسيت الناس وأنصفتهم واحسنت إليهم. قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام - وكان ملصقاً بجدار الكعبة- فأخره إلى حيث هو الآن لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين. قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنة. قال: وفيها استقضى عمر شريحاً على الكوفة، وكعب بن سور على البصرة قال: وفيها حج مر بالناس وكانت نوابه فيها الذين تقدم ذكرهم في السنة الماضية، وفيها فتحت الرقة والرُّها وحران على يدي عياض بن غَنْم. قال: وفتحت رأس عين الوردة على يدي بن سعد بن أبي وقاص. وقال غيره خلاف ذلك. وقال شيخنا الحافظ الذهبي في تاريخه: وفيها - يعني هذه السنة - افتتح أبوموسى الأِعري الرها وشمشاط عنوة، وفي أوائلها وجه أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فوافق أبا موسى فافتتحا حران ونُصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل صلحاً. وفيها سار عياض إلى الموصل فافتتحها وما حولها عنوة. وفيها بنى سعد جامع الكوفة. وقال الواقدي: وفيها اكن طاعون عمواس فمات فيه خمسة وعشرون ألفاً. قلت: هذا الطاعون منسوب إلى بلدة صغيرة يقال لها عمواس - وهي بين القدس والرملة- لأنها كان أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها فنسب إليها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال الواقدي توفى في عام طاعون عمواس من المسلمين بالشام خمسة وعشرون ألفاً. وقال غيره: ثلاثون ألفاً.

стр. 1533

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين: وكانت وقعة نهاوند وهي وقعة عظيمة جداً لها شأن رفيع ونبأ عجيب، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح. وفي هذه السنة افتتح المسلمون أيضاً بعد نهاوند مدينة جي - وهي مدينة أصبهان - بعد قتال كثير وأمور طويلة، فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح وفر منهم ثلاثون نفراً إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين. وقيل: إن الذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن وأنه قتل بها، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات وانهزم أصحابه. والصحيح أن الذي فتح أصبهان عبد الله بن عبد الله بن عتبان - الذي كان نائب الكوفة - وفيها افتتح أبو موسى قم وقاشان، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان. ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين: وفيها كانت فتوحات كثيرة منها فتح همدان ثانية ثم الري وما بعدها ثم أذربيجان. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وفيها وفاة عمر بن الخطاب: قال الواقدي وأبو معشر: فيها كان فتح اصطخر وهمذان. وقال سيف: كان فتحها بعد فتح توِّج الآخرة. ثم ذكر أن الذي افتتح توج مجاشع بن مسعود، بعد ما قتل من الفرس مقتلة عظيمة وغنم منهم غنائم جمة، ثم ضرب الجزية على أهلها، وعقد لهم الذمة، ثم بعث بالفتح وخمس الغنائم إلى عمر بن الخطاب ﵁. وقال ابن جرير: وفي هذه السنة حج عمر بأزواج النبي ﷺ ، وهي آخر حجة حجها ﵁. قال: وفي هذه السنة كانت وفاته. أهـ من البداية والنهاية. وقال ابن كثير في ترجمته وهو عمر بن الخطاب بن فنيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مصر بن نزار بن معد بن عدنان

стр. 1534

القرشي، أبو حفص العدوي: الملقب بالفاروق، قيل لقبه بذلك أهل الكتاب. وأمه حَنْتَمة بنت هشام أخت أبي جهل بن هشام، أسلم عمر وعمره سبع وعشرون سنة، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع النبي صلى الله علي وسلم، وخرج في عدة سرايا، وكان أميراً على بعضها، وهو أول من دعي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ، وجمع الناس على التراويح، وأول من عس بالمدينة، وحمل الدرة وأدب بها، وجلد فيالخمر ثمانين، وفتح الفتوح، ومصر الأمصار، وجند الأجناد. ووضع الخراج، ودون الدواوين، وعرض الأعطية، واستقضى القضاة، وكوَّرالكور، مثل السواد والأهواز والجبال وفارس وغيرها، وفتح الشام كله، والجزيرة والموصل وميافارقين، وآمد، ومات وعساكره على بلاد الري. فتح من الشام: اليرموك وبُصرى ودمشق والأردن، وبيسان، وطبرية، والجابية، وفلسطين، والرملةن وعسقلان، وغزة، والسواحل، والقدس، وفتح مصر، وإسكندرية، وطرابلس الغرب، وبرقة، ومن مدن الشام: بعلبك وحمص وقنسرين وحلب وأنطاكية وفتح الزيرة وحران والرها والرقة ونُصيبين ورأس عين وشمشاط وعين وردة وديار بكر وديار ربيعة وبلاد الموصل وأرمينية جميعها. وبالعراق: القادسية والحيرة ونهر سينوساباط، ومدائن كسرى وكورة الفرات ودجلة والأُبلة والبصرة والهواز وفارس ونهاوند وهمذان والري وقُومس - وهو صقع كبير من خراسان وبلاد الجبل - وخراسان واصطخر وأصبهان والسوس ومرو ونيسابور وجرجان وأذربيجان وغير ذلك، وقطعت جيوشه النهر مراراً. وكان متواضعاً في الله، خشن العيش، خشن المطعم، شديداً في ذات الله، يرقع الثوب بالأديم، ويحمل القربة على كتفيه، مع عظم هيبته، ويركب الحمار عرياً، والبعير مخطوماً بالليف، وكان قليل الضحك لا يمازح أحداً، وكان نفش خاتمه: كفى بالموت واعظاً يا عمر. ولما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين ونزل بالأبطح دعا الله وشكا إليه أن قد كبرت سنه وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصي، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأني من عليه بالشهادة في بلد النبي ﷺ ، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك، فاستجاب له الله هذا الدعاء،

стр. 1535

وجمع له بين هذين الأمرين الشهادة في المدينة النبوية وهذا عزيز جداً، ولكن الله لطيف بما يشاء ﵎، فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل، الرومي الدار، وهو قائم يصلي في المحراب، صلاة الصبح من يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين، فضربه ثلاث ضربات، وقيل ست ضربات، إحداهن تحت سرته قطعت الصفاق - وهو ما بين الجلد والمصران أو جلد البطن كله - فخر من قامته نواستخلف عبد الرحمن بن عوف، ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ستة، فألىق عليه عبد الله بن عوف بُرنساً - وهو ثوب له رأس ملتصق به - فانتحر نفسه لعنه الله، وحمل عمر إل ى منزله والدم يسيل من جرحه- وذلك قبل طلوع الشمس - فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول: نعم، ولاحظ في الإسلام لمن تركها، ثم صلى في الوقت، ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا له: هو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. فقال: الحمد الله الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل يدعي الإيمان ولم يسجد لله سجدة. ثم قال: قبحه الله، لقد كنا أمرنا به معروفاً - وكان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين ثم سأل من عمر أن يزيد في خراجه فإنه نجار نقاش حداد فزاد في خراجه إل مائة في كل شهر - وقال له: لقد بغلني أنك تحسن أن تعمل رحا تدور بالهواء فقال أبو لؤلؤة: أما والله لأعملن لك رحا يتحدث عنه الناس في المشارق والمغارب - وكان هذا يوم الثلاثاء عشية - وطعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة. وأوصى عمر أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ولم يذكر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي فيهم، لكونه من قبيلته، خشية أن يراعى في الإمارة بسببه، وأوصى من يستخلف بعده بالناس خيراً على طبقاتهم ومراتبهم، ومات ﵁ بعد ثلاث، ودفن في يوم الأحد مستهل المحرم من سنة أربع وعشرين، بالحجرة النبوية، إلى جانب الصديق، عن إذن أم المؤمين عائشة ﵂ في ذلك، وفي لك اليوم حكم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.

стр. 1536

صفته ﵁: كان رجلاً طوالاً أصلع أعسر أيسر- أي يعمل بيديه جميعاً - أحور العينين، آدم اللون، وقيل كان أبيض شديد البياض تعلوه حمرة. قال النووي في التهذيب: وإنما صار في لونه سمرة في عام الرمادة لأنه أكثر أكل الزيت وترك السمن للغلاء الذي وقع بالناس. أشنب الأسنان، وكان يصفر لحيته، ويرجل رأسه بالحناء. واختلف في مقدار سنه يوم مات ﵁ على أقوال عدتاه - عشرة: وروى ابن جرير عن أسلم مولى عمر أنه قال: توفي وهو ابن ستين سنة، قال الواقدي: وهذا أثبت الأقاويل عندنا. قلت: فجملة أولاده ﵁ وأرضاه ثلاثة عشر ولداً، وهم زيد الأكبر، وزيد الأصغر، وعاصم، وعبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، وعبد الرحمن الأوسط، قال الزبير بن بكار وهو أبو شحمة، وعبد الرحمن الأصغر، وعبيد الله، وعياض، وحفصة، ورقية، وزينب، وفاطمة، ﵃. ومجموع نسائه اللاتي تزوجهن في الجاهلية والإسلام من طلقهن أو مات عنهن سبع، وهن جميلة بنت عاصم بن ثابت بن الأقلح، وزينب بنت مظعون، وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وقريبة بنت أبي أمية، ومليكة بنت جرول، وأم حكيم بنت الحاث بن هشام، وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأم كلثوم أخرى وهي مليكة بنت جرول. وكانت له أمان له منهما أولاد، وهما فكيهة ولهية، وقد اختلف في لهية هذه فقال بعضهم: كانت أم ولد، وقال بعضهم: كان أصلها من اليمن وتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فالله أعلم. أهـ من البداية والنهاية. ١٥٥٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحبِّ هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" قال (١):

стр. 1537

وكان أحبهما إليه عمر. ١٥٥٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام" فجعل الله دعوة رسوله ﷺ لعمر بن الخطاب فبنى عليه الإسلام، وهدم به الأوثان. ١٥٥٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول: "اللهم أخرجْ ما في صدر عمر من غل وأبدله إيماناً" يقول ذلك ثلاث مرات. ١٥٥٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب. ١٥٥٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره، وقالوا صبأ عمر، وأنا غلام فوق ظهر بيتي، فجاء رجل عليه قباء ديباج، فقال: قد صبأ عمر فما ذاك فأنا له جار فرأيت الناس تصدعوا عنه، فقلت من هذا؟ قالوا: العاص بن وائل. ١٥٥٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. ١٥٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: ركب عمر بن الخطاب فرساً فركصه فانكشف فخذه، فرأى أهل نجران على فخذه شامة سوداء قالوا: هذا الذي نجدُ في كتابنا أنه يُخرجنا من أرضنا (١).

стр. 1538

١٥٦١ - * روى الطبراني عن زر بن حبيش قال: كنتُ بالمدينة فإذا رجل آدمُ أعسر أيسرُ ضخم إذا أشرف على الناس كأنه على دبة، فإذا هو عمر. ١٥٦٢ - * روى الطبراني عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر أصلع شديد الصلع. ١٥٦٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن هلال قال: رأيت عمر رجلاً ضخماً كأنه من رجال سدوس. ٍ ١٥٦٤ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: لو أن عِلَم عمر وُضع في كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم قال وكيعٌ: قال الأعمش: فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له فقال: وما أنكرت من ذلك فوالله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال: إني لحسبُ تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر. ١٥٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم أوتيتُ بقدح لبنٍ، فشربتُ حتى إني لأرى الري يخرجُ من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب" قالوا: فما أولتهُ يا رسول الله؟ قال: "والعلم".؟ قال محقق الجامع: المراد بالعلم هنا: العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، واختص عمر بذلك لطول مدته واتفاق الناس على طاعته. ١٥٦٦ - * روى الترمذي عن عائشة رضي الل عنها قالت: كان رسول الله ﷺ جالساً، فسمعنا لغطاً وصوت صبيان، فقام النبي ﷺ ، فإذا حبشية تزفِنُ (١)، والصبيانُ

стр. 1539

حولها، فقال: "يا عائشة، تعالي فانظري" فجئتُ فوضعتُ لحي على منكب رسول الله ﷺ ، فجعلتُ أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: "أما شبعت؟ أما شبعت؟ " قالت: فجعلتُ أقولُ: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر، قالت: فارفضّ الناسُ عنها، قالت: فقال رسول اله ﷺ : "إني لأنظرُ إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر" قالت: فرجعتُ. ١٥٦٧ - * روى الطبراني عن الحسن أن عثمانبنأبي العاص تزوج امرأة من نساء عمر ابن الخطاب فاقل: والله ما نكحتُها حين نكحتُها رغبةً في مال ولا ولد ولكن أحببتُ أن تُخبرني عن ليل عمر ﵁ فسألها كيف كانت صلاة عمر بالليل؟ قالت: كان يصلي العتمة ثم يأمر أن نضع رأسه توراً من ماء نُغطيه ويتعارُ من اللي فيضعْ يده في الماء، فيمسح وجهه، ويديه ثم يذكر الله ما شاء أن يذكر ثم يتعارِّ مراراً حتى يأتي على الساعة التي يقوم في لصلاته. ١٥٦٨ - * روى أحمد عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت عمر وبيده عسيبُ نخل وهو يجلس الناس يقول: اسمعوا لقول خليفة سول الله ﷺ فجاء مولى لأبي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها على الناس فقال يقول أبو بكر: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة فوالله ما ألوتُكم. قال قيس: فرأيتُ عمر ﵁ بعد ذلك على المنبر. ١٥٦٩ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجلٍ: (١) ما اسمُك؟

стр. 1540

قال: جمرةُ، قال: ابنُ من؟ قال: ابنُ شهابٍ، قال: ممن؟ قال: من الحُرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار؟ قال: بأيها؟ قال: بذات لظى؟ قال عمر: أدرِكْأهلك فقد احترقوا، فكان كما قال عمر. ١٥٧٠ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جازية سوداءُ، فقالت: إني كنتُ نذرتُ إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها: "إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا" فقالت: نذرتُ، وجعلت تضربُ فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٍّ وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضربُ، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت إستها وقعدت عليه، فقال رسول اله ﷺ : "إن الشيطان ليخافُ منك يا عمر إني كنت جالساً وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٍّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقتِ الدُّفَّ". ١٥٧١ - * روى الطبراني عن أسلم مولى عمر قال: دعا عمر بن الخطاب عليِّ بن أبي طالب فساره ثم قام عليِّ فجاء الصُّفة فوجد العباس وعقيلاً والحسين فشاورهم في تزويج عمر أم كلثوم، فغضب عقيل وقال: يا عليُّ ما تزيدك الأيام والشهور والسنون إلا العمى في أمرك؟ والله لنئ فعلت ليكونن وليكونن لأشياء عددها، ومضى يجر ثوبه. فقال علي للعباس: ووالله ما ذلك منه نصيحةٌ ولكن درة عمر أحرجته إلى ما ترى. أما والله ما ذاك رغبةً فيك يا عقيل، ولكن أخبرني عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل سببٍ ونسبٍ. منقطعٌ يوم القيامة إلا سببي ونسبي" فضحك عمر وقال: ويح عقيل سفيه أحمق. ١٥٧٢ - * روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: استأذن عمر ابن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نسوةٌ من قريش يكلمنه ويستكثرنه (١)، عاليةً

стр. 1541

أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ ، فدخل عمر ورسوله ﷺ يضحك؛ فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "عجبتُ من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: فأنت أحقُّ أن يهبن يا رسول الله. ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظُ من رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "إيهاً يا ابن الخطاب،، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قطُّ إلا سلك فجا غير فجك". (أضحك الله سنك): قال الحافظ في "الفتح"، لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازمه وهو السرور، أو نفي ضد لازمه وهو الحزن. (والمراد بالفظاظة والغلظة هنا الشدة عند عمر التي يقابلها اللين عند رسول الله ﷺ . ١٥٧٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتُ الناس يُعرضون وعليهم قُمصٌ، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغُ دون ذلك، وعُرض عليِّ ابن الخطاب وعليه قميص اجتره" قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "الدينُ". ١٥٧٤ - * روى البزار عن ابن عباس قال: لما فُتحتِ المدائنُ أقبل الناسُ على الدنيا وأقبلتُ على عمر. فكان عامةُ حديثه عن عمر. ١٥٧٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قَدِمَ عُيينةُ بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ (١)، فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس بن حصن وكان من النفر

стр. 1542

الذين يُدْنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشورته، كهولاً كانوا أو شُباناً. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا المير، فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم بأن يقع به، فقال الحُر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١). وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر ﵁ حين تلاهاعليه كان وقافاً عند كتاب الله تعالى. ١٥٧٦ - * روى البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال عمر ﵁: لولا آخر المسلمين ما فتحتُ قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر. أقول: لا يعتبر هذا القول من عمر إلغاءاً لاجتهاده السابق، فإن الأمر يحتمل أن عمر شعر بأن ما وقفه على المسلمين كافٍ لتحقيق ما أراده من توسعة على حاضر الأمة ومستقبلها، فقرر أنه منذ العام اللاحق أن يغير سنته في الأراضي المفتوحة ولعله أراد أن يبين أن هذه القضية للاجتهاد فيها محل، ولذلك نرى أن أئمة المذاهب الأربعة لم يكونوا على رأي واحد في هذه القضية. ١٥٧٧ - * روى البخاري ومسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "دخلتُ الجنة فرأيتُ فيها دراً أو قصراً. فقلتُ: لمن هذا؟ فقالوال: لعمر بن الخطاب. فأردتُ أن أدخل. فذكرتُ غيرتك" فبكى عمر وقال: أي رسول الله! أو عليك يُغارُ؟.

стр. 1543

١٥٧٨ - * روى أحمد عن عائشة قالت: كنت أدخلُ بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ وأبي فأضع ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي فلما دُفن عمرُ معهم فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر ﵁. ١٥٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: "إن شئت حبستَ أصلها وتصدقت بها" قال: فتصدق بها عمر أنه لا يُباع ولا يثوهب ولا يورث. وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جُناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متمول. قال فحدثتُ به ابن سيرين فقال: "غير متأثِلٍ مالاً". وعن عمرو (١) بن دينار قال في صدقة عمر: ليس على الولي جُناحٌ أن يأكل ويؤكل صديقاً له غير متأثل فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر ويُهدي لناسٍ من أهل مكة كان ينزل عليهم. وفي الحديث من الفقه أمن من وقف شيئاً على صنف من الناس وولده منهم دخل فيه. ١٥٨٠ - * روى الحاكم عن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة نب الجراح فأتوا على مخاضةٍ وعمرُ على ناقةٍ له، فنزل عنها وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا تخلعُ خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذُ بزمام ناقتك،

стр. 1544

وتخوضُ بها المخاضة ما يسُرني أن أهل البلد استشرفُوك، فقال عمر أوهُ لو يقول ذا غيرُك أبا عبيدة جعلتهُ نكالاً لأمة محمد ﵌ إنا كناأذلُّ قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلبُ العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. ١٥٨١ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال عمر: وافقت الله في ثلاث - أو وافقني ربي في ثلاث - قلت: يا رسول الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى. وقلت: يا رسول الله، يدخُلُ عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرت أمهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبةُ النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلتُ عليهن قلت: إن انتهيتُنَّ أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن، حتى أتيتُ إحدى نسائه قالت: يا عمر، أما في رسول الله ﷺ ما يعظُ نساءهُ حتى تعظهنَّ أنت؟ فأنزل الله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ (١) الآية. وفي رواية (٢) لابن عمر قال: قال عمر: وافقتُ ربي في ثلاثٍ: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أساري بدرٍ. ١٥٨٢ - * روى الطبراني عن عمر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب أرسل إلى كعب الأحبار فقال: يا كعبُ كيف تجدُ نعتي؟ قال: أجدُ نعتك قرنٌ من حديد قال: وما قرن من حديدٍ؟ قال أميرٌ شديدٌ لا تأخذه في الله لومة لائم قال: ثم مه قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتُله فئة ظالمةٌ. ثم قال: مه: قال: ثم يكونُ البلاء. ١٥٨٣ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ قال: ما كنا نُبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.

стр. 1545

١٥٨٤ - * روى الطبراني عن عليٍّ قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ما كنا نُبعدُ أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطقُ على لسان عمر. ١٥٨٥ - * روى الحاكم عن أبي ذر ﵁ قال: مر فتى على عمر فقال عمر: نعم الفتى. قال, فتبعه أبو ذر فقال: يا فتى استغفر لي، فقال: يا أبا ذر أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله ﵌؟ قال: استغفر لي، قال: لا أو تخبرني فقال: إنك مررت على عمر ﵁ فقال: نعم الفتى وإني سمعتُ رسول اله ﵌ يقول: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". ١٥٨٦ - * روى البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى الأِعري قال: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قلتُ: لا، قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك إسلامنا مع رسول الله ﷺ ، وهجرتنا معه، وجهادنا معه، وعملمنا كله معه برد لنا، وأن كل عملٍ عملنا بعدهُ: نجونا منه كفافاً، رأساً برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله، قد اهدنا بعد رسول الله صلى لاله عليه وسلم، وصلينا، وصمنا، وعملنا خيراً كثيراً، وأسلم على أيدينا بشركثير، وإنا لنرجو ذاك، قال أبي: لكني أنا، والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعدهُ نجونا منهُ كفافاً رأساً برأس، فقلت: إن أباك والله كان خيراً من أبي. ١٥٨٧ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب اختصم إليه مسلمٌ ويهوديٌ. فرأى عمرُ أن الحق لليهودي فقضى له. فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق. فضربه عمر بن الخطاب بالدرة. ثم قال: وما يدريك؟ فقال له اليهوديُّ (١): إنا نجد أنه ليس قاضٍ يقضي بالحق، إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يُسددانه
следующие страницы →