أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ ، فدخل عمر ورسوله ﷺ يضحك؛ فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "عجبتُ من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: فأنت أحقُّ أن يهبن يا رسول الله. ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظُ من رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "إيهاً يا ابن الخطاب،، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قطُّ إلا سلك فجا غير فجك".
(أضحك الله سنك): قال الحافظ في "الفتح"، لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازمه وهو السرور، أو نفي ضد لازمه وهو الحزن.
(والمراد بالفظاظة والغلظة هنا الشدة عند عمر التي يقابلها اللين عند رسول الله ﷺ .
١٥٧٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتُ الناس يُعرضون وعليهم قُمصٌ، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغُ دون ذلك، وعُرض عليِّ ابن الخطاب وعليه قميص اجتره" قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "الدينُ".
١٥٧٤ - * روى البزار عن ابن عباس قال: لما فُتحتِ المدائنُ أقبل الناسُ على الدنيا وأقبلتُ على عمر. فكان عامةُ حديثه عن عمر.
١٥٧٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قَدِمَ عُيينةُ بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ (١)، فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس بن حصن وكان من النفر
стр. 1542
الذين يُدْنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشورته، كهولاً كانوا أو شُباناً. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا المير، فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم بأن يقع به، فقال الحُر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١).
وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر ﵁ حين تلاهاعليه كان وقافاً عند كتاب الله تعالى.
١٥٧٦ - * روى البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال عمر ﵁: لولا آخر المسلمين ما فتحتُ قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر.
أقول: لا يعتبر هذا القول من عمر إلغاءاً لاجتهاده السابق، فإن الأمر يحتمل أن عمر شعر بأن ما وقفه على المسلمين كافٍ لتحقيق ما أراده من توسعة على حاضر الأمة ومستقبلها، فقرر أنه منذ العام اللاحق أن يغير سنته في الأراضي المفتوحة ولعله أراد أن يبين أن هذه القضية للاجتهاد فيها محل، ولذلك نرى أن أئمة المذاهب الأربعة لم يكونوا على رأي واحد في هذه القضية.
١٥٧٧ - * روى البخاري ومسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "دخلتُ الجنة فرأيتُ فيها دراً أو قصراً. فقلتُ: لمن هذا؟ فقالوال: لعمر بن الخطاب. فأردتُ أن أدخل. فذكرتُ غيرتك" فبكى عمر وقال: أي رسول الله! أو عليك يُغارُ؟.
стр. 1543
١٥٧٨ - * روى أحمد عن عائشة قالت: كنت أدخلُ بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ وأبي فأضع ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي فلما دُفن عمرُ معهم فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر ﵁.
١٥٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: "إن شئت حبستَ أصلها وتصدقت بها" قال: فتصدق بها عمر أنه لا يُباع ولا يثوهب ولا يورث. وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جُناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متمول. قال فحدثتُ به ابن سيرين فقال: "غير متأثِلٍ مالاً".
وعن عمرو (١) بن دينار قال في صدقة عمر: ليس على الولي جُناحٌ أن يأكل ويؤكل صديقاً له غير متأثل فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر ويُهدي لناسٍ من أهل مكة كان ينزل عليهم.
وفي الحديث من الفقه أمن من وقف شيئاً على صنف من الناس وولده منهم دخل فيه.
١٥٨٠ - * روى الحاكم عن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة نب الجراح فأتوا على مخاضةٍ وعمرُ على ناقةٍ له، فنزل عنها وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا تخلعُ خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذُ بزمام ناقتك،
стр. 1544
وتخوضُ بها المخاضة ما يسُرني أن أهل البلد استشرفُوك، فقال عمر أوهُ لو يقول ذا غيرُك أبا عبيدة جعلتهُ نكالاً لأمة محمد ﵌ إنا كناأذلُّ قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلبُ العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.
١٥٨١ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال عمر: وافقت الله في ثلاث - أو وافقني ربي في ثلاث - قلت: يا رسول الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى. وقلت: يا رسول الله، يدخُلُ عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرت أمهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبةُ النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلتُ عليهن قلت: إن انتهيتُنَّ أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن، حتى أتيتُ إحدى نسائه قالت: يا عمر، أما في رسول الله ﷺ ما يعظُ نساءهُ حتى تعظهنَّ أنت؟ فأنزل الله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ (١) الآية.
وفي رواية (٢) لابن عمر قال: قال عمر: وافقتُ ربي في ثلاثٍ: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أساري بدرٍ.
١٥٨٢ - * روى الطبراني عن عمر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب أرسل إلى كعب الأحبار فقال: يا كعبُ كيف تجدُ نعتي؟ قال: أجدُ نعتك قرنٌ من حديد قال: وما قرن من حديدٍ؟ قال أميرٌ شديدٌ لا تأخذه في الله لومة لائم قال: ثم مه قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتُله فئة ظالمةٌ. ثم قال: مه: قال: ثم يكونُ البلاء.
١٥٨٣ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ قال: ما كنا نُبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.
стр. 1545
١٥٨٤ - * روى الطبراني عن عليٍّ قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ما كنا نُبعدُ أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطقُ على لسان عمر.
١٥٨٥ - * روى الحاكم عن أبي ذر ﵁ قال: مر فتى على عمر فقال عمر: نعم الفتى. قال, فتبعه أبو ذر فقال: يا فتى استغفر لي، فقال: يا أبا ذر أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله ﵌؟ قال: استغفر لي، قال: لا أو تخبرني فقال: إنك مررت على عمر ﵁ فقال: نعم الفتى وإني سمعتُ رسول اله ﵌ يقول: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
١٥٨٦ - * روى البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى الأِعري قال: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قلتُ: لا، قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك إسلامنا مع رسول الله ﷺ ، وهجرتنا معه، وجهادنا معه، وعملمنا كله معه برد لنا، وأن كل عملٍ عملنا بعدهُ: نجونا منه كفافاً، رأساً برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله، قد اهدنا بعد رسول الله صلى لاله عليه وسلم، وصلينا، وصمنا، وعملنا خيراً كثيراً، وأسلم على أيدينا بشركثير، وإنا لنرجو ذاك، قال أبي: لكني أنا، والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعدهُ نجونا منهُ كفافاً رأساً برأس، فقلت: إن أباك والله كان خيراً من أبي.
١٥٨٧ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب اختصم إليه مسلمٌ ويهوديٌ. فرأى عمرُ أن الحق لليهودي فقضى له. فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق. فضربه عمر بن الخطاب بالدرة. ثم قال: وما يدريك؟ فقال له اليهوديُّ (١): إنا نجد أنه ليس قاضٍ يقضي بالحق، إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يُسددانه
стр. 1546
ويوفقانه للحق. ما دام مع الحق. فإذا ترك الحق. عرجا وتركاهُ.
١٥٨٨ - * روى مالك عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت عمر وهو يومئذ أميرُ المؤمنين، وقد وقع بين كتفيه برقاع ثلاثٍ، لبد بعضها بعض.
١٥٨٩ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال عمر بن عبد العزيز لأبي بكر بن سليمان ابن أبي حثمة: من أول من كتب من عند أمير المؤمنين؟ فقال: أخبرتني الشفاء بنت عبد الله وكانت من المهاجرات الأول أن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما المدينة فأتيا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا: يا ابن العاص استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقال: أنتما والله أصبتما اسمه فهو الأميرُ ونحن المؤمنون. فدخل عمر على عمرو فقال: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: انت الأمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من يومئذ.
١٥٩٠ - * روى الطبراني عن عبد الله قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر إن إسلام عمر كان نصراً وإن إمارته كانت فتحاً، وايمُ الله ما أعلمُ على وجه الأرض أحداً إلا وجد فقد عمر، حتى العصاة، وإيم الله إني لأحسبُ بين عينيه ملكاً يسددهُ، وايمُ الله إني لأحسبُ الشيطانُ يفرقُ منه أن يحدث في الإسلام حدثاً فيرد عليه عمر، وايم الله لو أعلم كلباً يحبُّ عمر لأحببته. وفي رواية: لقد أحببت عمر حتى لقد خفت الله، وودتُ أني كنت خادماً لعمر حتى أموت.
وفي رواية: لو أن عمر أحب كلباً كان أحب الكلاب إليَّ، وفي روايةٍ: لقد خشيتُ الله في حبي عمر.
١٥٩١ - * روى الطبراني عن زيد بن وهب قال: أتى عبد الله بن مسعود رجلان وأنا (١):
стр. 1547
عنده فقالا: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذه الآية؟ فقرأها عليه عبد الله، فقال الرجل: إن أبا حكيم أقرأنيها كذا وكذا، وقرأ الآخر فقال: من أقرأكما فقال: عمرُ. فقال عبد اللهك اقرأ كما أقرأك عمر، ثم بكى عبد الله حتى رأيتُ دموعه تحدُرُ في الحصى، ثم قال إن عمر كان حصنناً حصيناً على الإسلام يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، وإن الحِصن أصبح قد أسلم فالناس يخرجون منه ولا يدخلون، وزاد في روايةٍ، قال عبد الله: ما أظنُّ أهل بيتٍ من المسلمين لم يدخل عليه حزنٌ يوم أُصيب عمر إل أهل بيت سوءٍ إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله، فوالله فهي أبين من طريق السيلحين. وفي روايةٍ: وكان يعني عمر إذا سلك طريقاً وجدناهُ سهلاً فإذا ذُكر الصالحون فحيهلا بعمر كان فضل ما بين الزيادة والنقصان والله لوددتُ أني أخدم مثله حتى أموت.
١٥٩٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس مُحدثون، فإن يكُ في أمتي أحدٌ فإنه عمر" زاد زكريا بن أبي زائدة عن سعدٍ عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكنْ في أمتي منهم أحدٌ فعمر".
وفي رواية (١) مسلم عن عائشة، عن النبي ﷺ ؛ أنه كان يقول: "قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحدثون. فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ، فإن عمر بن الخطاب منهم".
قال ابن وهبٍ: تفسيرُ محدثون مُلهمون.
стр. 1548
١٥٩٣ - * روى الحاكم عن حذيفة ﵁ قال: كان الإسلام في زمان عمر كالرجل المقبلِ لا يزدادُ إلا قُرباً، فلما قُتل عمرُ كان كالرجل المدبر لا يزدادُ إلا بعداً.
١٥٩٤ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب ﵀ قال: لما صدر عمر ب الخطاب من منىأناخ بالأبطح، ثم كوم كومةً من بطحاء، ثم طرح عليها رداءهُ، ثم استلقى، ومد يديه إلى السماء، فقال: اللهم كبرتْ سني وضعفت قوتي، وانتشرتْ رعيتي، فاقبضني إليك غير مُضيع ولا مُفرطٍ ثم قدم المدينة في عقب ذي الحجة، فخطب الناس فقال: أيها الناس، قد سُنت لكم السننُ، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، ليلها كنهارها، وضُرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: إلا أن تضلوا بالناس يميناً وشمالاً، ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجمِ، أن يقول قائل: لا نجدُ حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد ابن الخطاب ف يكتاب الله لكتبتها (الشيخ والشيخةُ فارجموهما ألبتمة) فإنا قد قرأناها.
قال ابن المسيب: فما انسلخ ذو الحجة حتى قُتل عمر. ﵀.
قال مالك: قوله: (الشيخُ والشيخةُ) يعني: الثيبُ والثيبةُ".
١٥٩٥ - * روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁: خطب يوم الجمعة فذكرني الله ﷺ ، وذكر أبا بكر، ثم قال: إني رأيتُ كأن ديكاً نقرني ثلاث نقراتٍ، وإني لا أراهُ إلا لحُضور أجلي، وإن أقواماً يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينهُ ولا خلافتهُ، ولا الذي بعث به رسوله ﷺ (١)، فإن عجل بي أمر فالخلافةُ شُورى بينَ هؤلاء
стр. 1549
الستةِ الذين تُوفي رسول الله ﷺ ، وهو عنهم راضٍ، وإني قد علمتُ أن أقواماً يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتُهم بيدي هذه على الإسلام، فغن فعلوا ذلك، فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال، ثم إني لا أدعُ بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة، ما راجعتُ رسول الله ﷺ ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري، فقال: "يا عمر، ألا تكفيك آيهُ الصيفِ، التي في آخر سورة النساء؟ " وإني إن أعشْ أقْض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن، ثم قال: اللهم إني أُشهدك على أمراء الأمصار، وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلُوا عليهم وليعلمُوا الناس دينهم، وسُنة نبيهم ﷺ ويقسموا فيهم فيئهم، ويرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم، ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم لقد رأيتُ رسول الله ﷺ إذا وجد ريحها من الرجُل في المسجد أمر به فأخُرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليُمتهما طبخاً.
وفي حديث جويرية (١): فما كانت إلا جمعةٌ أخرى حتى طُعن عمرُ، قال: فأذن للمهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأذِنَ للأنصار، ثم أذن لأهل المدينة، ثم أذن لأهل الشام، ثم أذن لأهل العراق، فكنا آخر من دخل عليه، قال: فإذا هو قد عصب جُرحه ببُرْدٍ أسودَ، والدم يسيلُ عليه، قال: فقلنا: أوْصنا ولم يسأله الوصية أحد غيرنا، قال: أوصيكم بكتاب الله، فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه، قال: وأوصيكم بالمهاجرين، فإن الناس يكثرون ويقلون، وأوصيكم بالأنصار، فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراب، فإنهم أصلكم ومادتكُم - وفي روايةٍ: فإنهم إخوانكُمْ وعدُو عدوكُم- وأوصيكم بأهل الذمة، فإنهم ذمة نبيكُمْ، ورزقُ عيالكم، قوموا عني.
المقصود بآية الصيف: أنزل الله تعالى في الكلالة آيتين، إحداهما: التي في أول سورة النساء، وكان نزولها في الشتاء، والثانية: التي في آخر سورة النساء وكان نزولها في
стр. 1550
الصيف، فسميتْ آية الصيف.
وأما الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض فهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، ولم يدخل عمر ﵁ معهم سعيد بن زيد لأنه من أقاربه، فتورع عن إدخاله، كما تورع عن إدخال ابنه عبد الله ﵁.
قوله: (تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم):
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: ويلحق بالبصل والثوم والكراث، كل ما له رائحة كريهة، من المأكولات وغيرها، وقال النووي: قال القاضي: ويلحق به من أكل فجلاً وكان يتجشأ، قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به من بخر في فيه، أو به جرح له رائحة. قال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد، كمصلي العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها، ولا يلحق بها الأسواق ونحوها.
١٥٩٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال لما طُعن عمر أرسلوا إلى طبيب فجاء رجل من الأنصار فسقاه لبناً فخرج اللبنُ من الطعنة التي تحت السرة فقال له الطبيب: اعهد عهدك فلا أراك تمسي، فقال: صدقتني.
١٥٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: وُضع عمر ابن الخطاب على سريره. فتكنفهُ الناس يدعون ويثنون ويُصلون عليه. قبل أن يُرفع. وأنا فيهم. قال: فلم يرُعني إلا برجلٍ قد أخذ بمنكبي من ورائي (١). فالتفتُّ إليه فإذا هو
стр. 1551
عليٌّ. فترحم على عمر وقال: ما خلفُتَ أحداً أحبَّ إليَّ، أن ألقى الله بمثل عمله، منك. وايم الله! إن كنتُ لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك. وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: "جئت أنا وأبو بكرٍ وعمرُ. ودخلتُ أنا وأبو بكر وعمرُ. وخرجتُ أنا وأبو بكر عمرُ". فإن كنت لأرجو، أو لأظنُّ، أن يجعلك الله معهما.
١٥٩٨ - * روى البخاري عن حفصة وأسلم ﵄ أن عمر قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ .
١٥٩٩ - * روى البخاري عن المسور بن محرمة قال: لما طُعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس - وكأنه يُجزعهُ-: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقته لتفارقنهم وهمعنك راضون. قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنما ذاك منٌّ من الله تعالى منَّ به عليَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منٌّ من الله جل ذكره منَّ به عليَّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك. والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه.
١٦٠٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن نعمر ﵄ قال: دخلتُ على حفصة فقالت: أعلمت أن أباك غيرُ مُستخلفٍ؟ قلت: ما كان ليفعل، قالت: إنه فاعلٌ، قال: فحلفتُ أن أكلمهُ في ذلك فسكتُّ حتى غدوت ولم أكلمه قال: فكنت كأنما (١) أحمِلُ بيميني
стр. 1552
جبلاً حتى رجعتُ، فدخلتُ عليه، فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليتُ أن أقولها لك: زعموا أنك غير مستخلفٍ، وإنه لو كان لك راعي إبل، أو راعي غنمٍ، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشدُّ؟ قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة، ثم رفعه إليَّ، فقال: إن الله يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف، فإن رسول الله ﷺ لم يستخلفْ، وإن أستخلفْ فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله، ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله علي هوسلم وأبا بكر، فعلمتُ أن لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحداً، وأنه غير مُستخلفٍ.
وفي رواية (١) بمعناه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيل لعمر ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ فأثنوا عليه فقال: راغب وراهب، وددت أني نجوت منها كفافاً لا ليَّ ولا علي، لا أتحملها حياً وميتاً.
(راغبٌ وراهبٌ) الراغبُ: الطالب، والراهب: الخائف، والمراد: أنكم في قولكم لي هذا القول، إما راغبٌ فيما عندي، أو راهب مني، وقيل: أراد: انني راغبٌ فيما عند الله، وراهبٌ من عقابه، فلا تعويل عندي على ما قلتم لي من الوصف والإطراء.
١٦٠١ - * روى البخاري عن مرو بن ميمونٍ قال: "رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يُصاب بأيام بالمدينة ووقف على حُذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيفٍ قال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا حملتما الأرض مالا تطيقُ؟ قالا: حملناها أمراً هي له مطيقةٌ، ما فيها كبيرُ فضل. قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض مالا تطيقُ. قالا: لا. فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجلٍ بعدي أبداً. قال فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب. قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن
стр. 1553
عباسٍ غداة أصيب- وكان إذا مرَّ بين الصفين قال: استوُوا، حتى إذا لم ير فيهم خللاً تقدمَ فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس - فما هو إلا أن كبر فسمعتهُ يقول: قتلني - أو أكلني-الكلبُن حين طعنه، فطار العِلجُ بسكينٍ ذات طرفين، لا يمر على أحدٍ يميناً ولا شمالاً إلا طعنهن حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرنساً، فلما ظنَّ العِلجُ أنه مأخوذ نحر نفسه. وتناول مرُ يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله. فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني. فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلامُ المغيرة. قال: الصِّنَع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تُحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقاً. فقال: إن شئت فعلتُ- أي إن شئت قتلنا. قال: كذبت، بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجِّكم. فاحتُمِل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تُصبهم مُصيبة قبل يومئذٍ: فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه. فأُتي بنبيذٍ فشربه، فخرج من جوفه. ثم أتى بلبن فشربه، فخرج من جُرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس فجعلوا يُثنون عليه. وجاء رجل شابٌّ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببُشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ ، وقدَمٍ في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفافٌ لا عليَّ ولا لي. فلما أدبر إذا إزارُه يمسُّ الأرض، قال: ردوا عليَّ الغلام. قال: يا ابن أخي، ارفعْ ثوبك، فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك. يا عبد الله بن عمر، انظر ما عليَّ من الدين. فحسبوه فوجدوهُ ستة وثمانين ألفاً أو نحوه. قال: إن وفى له مالُ آل عمر فأدِّهِ من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب (١)، فإن لم
стр. 1554
تَفِ أموالُهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال. انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام - ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً - وقل: يستأذنُ عمر بن الخطاب أن يُدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يُدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تُحب يا أمير المؤمنين، أذنتْ. قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهم من ذلك، فإذا أنا قضيتُ فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذنُ عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسيرُ معها، فلما رأيناها قمنا، فولجتْ عليه فبكتْ عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلاً لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، واستخلف. قال: ما أجدُ أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو الرهط - الين تُوفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء- كهيئة التعزية له - فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانة. وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار خيراً، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يُقبل من مُحسنهم، وأن يثعفى عن مسيئهم. وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنهم ردء الإسلم، وجُباة المال وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم. وأوصيه بالأعراب خيراً، فإنهم أصلُ العرب، ومادة الإسلام، أن يُؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرد على فقرائهم. وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ ، أن يُوفى لهم بعهدهم، وأن يُقاتل من ورائهم، ولا يُكلفوا إلا طاقتهم. فلما قُبضَ خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبدُ الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب (١). قالت
стр. 1555
أدخِلوه، فأُدخِل، فوضِعَ هنالك مع صاحبيه. فلما فُرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهطُ، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثةٍ منك. فقال الزبير: قد جعلتُ أمري إلى عليِّ. فقال طلحة: قد علتُ أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظران أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان. فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قال: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلموالقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتُك لتعدلن، ولئن أمرتُ عثمان لتسمعن ولتطيعنَّ. ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له عليّ، وولج أهلُ الدار فبايعوه.
قوله: (كذتَ): قال الحافظ: هو على ما ألف من شدة عمر في الدين، لأنه فهم من ابن عباس من قوله: إن شئت فعلنا، أي قتلناهم، فأجابه بذلك، وأهل الحجاز يقولون: كذبت في موضع أخطأت، وإنما قال له بعد أن صلوا، لعلمه أن المسلم لا يحل قتله، ولعل ابن عباس إنما أراد قتل من لم يسلم منهم.
قوله: (يا عبد الله انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه):
قال الحافظ: في حديث جابر: ثم قال: يا عبد الله أقسمت عليك بحق الله وحق عمر إذا مت فدفنتني أن لا تغسل رأسك حتى تبيع من رباع آل عمر بثمانين ألفاً فتضعها في بيت مال المسلمين، فسأله عبد الرحمن بن عوف، فقال: أنفقتها في حجج حججتها، وفي نوائب كانت تنوبني، وعرف بهذا جهة دين عمر.
قال الحافظ في الفتح: وفي قصة عمر هذه من الفوائد، شفقته على المسلمين ونصيحته لهم، وإقامة السنة فيهم، وشدة خوفه من ربه، واهتمامه بأمر الدين أكثر من اهتمامه بأمر نفسه، وأن النهي عن المدح في الوجه مخصوص بما إذا كان غلو مفرط أو كذب ظاهر، ومن ثم لم ينه عمر الشاب عن مدحه له مع كونه أمره بتشمير إزاره، والوصية بأداء الدين.
стр. 1556
والاعتناء بالدفن عند أهل الخير، والمشورة في نصب الإمام، وتقديم الأفضل، وأن الإمامة تنعقد بالبيعة، وغير ذلك مما هو ظاهر بالتأمل، والله الموفق، وقال ابن بطال: فيه دليل على جواز تولية المفضول على الأفضل، منه، لأن ذلك لو لم يجز لم يجعل الأمر شورى إلى سنة أنفس مع علمه أن بعضهم أفضل من بعض، قال: ويدل على ذلك أيضاً قول أبي بكر: قد رضيت لكم أحد الرجلين: عمر وأبي عبيدة، مع علمه بأن أفضل منهما، وقد ستشكل جعل عمر الخلافة في ستة، ووكل ذلك إلى اجتهادهم، ولم يصنع ما صنع أبو بكر في اجتهاده فيه، لأنه إن كان لا يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل، فصنيعه يدل على أن من عدا الستة كان عنده مفضولاً بالنبة إليهم، وإذا عرف ذلك فلم يخف عليه أفضلية بعض الستة على بعض وإن كان يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل، فمن ولاه منهم أو غيرهم كان ممكناً، والجواب عن الأول يدخل فيه الجواب الثاني، وهو أنه إذا تعارض عنده صنيع النبي ﷺ حيث لم يصرح باستخلاف شخص بعينه، وصنيع أبي بكر حيث صرح فتلك طريق تجمع التنصيص وعدم التعيين، وإن شئت قل: تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة، وقد أشار بذلك إلى قوله: لا أتقلدها حيثاً وميتاً، لأن الذي يقع ممن يستخلف بهذه الكيفية إنما ينسب إليه بطريق الإجمال، لا بطريق التفصيل، فعينهم ومكنهم من المشاورة في ذلك، والمناظرة فيه لتقع ولاية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة، وبها معظم الصحابة، وكمل من كان ساكناً مع غيرهم في بلد غيرها، كان تبعاً لهم فيما يتفقون عليه. أهـ.
١٦٠٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمر قال: لما طعن أبو لؤلؤة عمر طعنه طعنتين، فظن عمر أن له ذنباً في الناس لا يعلمه، فدعا ابن عباس وكان يحبه، ويدنيه ويسمع من، فقال: أحب أن نعلم عن ملأ من الناس كان هذا فخرج ابن عباس فكان لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون، فرجع إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين ما مررت على ملاء إلا رأيتهم يبكون كأنهم فقدوا اليوم أبكار أولادهم فقال: من قتلني؟ فقال: أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة، قال ابن عباس: فرأيت البشر في وجهه فقال (١): الحمدُ
стр. 1557
لله الذي لم يبتلني أحدٌ بحاجتي يقول لا إله إلا الله، أما إني قد كنتُ نهيتكُمْ أن تجلبوا إلينا من العلوج أحداً فعصيتموني، ثم قال: ادعو إلى إخواني قالواك ومنْ؟ قال: عثمان وعلي وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فأرسل إلأيهم، ثم وضع رأسه في حجري. فلما جاءوا قلت هؤلاء قد حضروا قال: نعم، نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم أيها السة رؤوس الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيك ما استقمتم يستقم أمر الناس وإن يكن اختلاف يكنْ فيكم، فلما سمعته ذكر الاختلاف والشقاق، وإن يكن ظننت أنه كائن، لأنه قلما قال شيئاً إلا رأيته، ثم نزفه الدم فهمسوا بينهم حتى خشيتُ أن يبايعوا رجلاً منهم فقلت: إن أمير المؤمنين حي بعدُ، ولا يكون خليفتان ينظرُ أحدهما إلى الآخر، فقال: احملُوني فحملناهُ. فقال: تشاوروا ثلاثاً ويُصلي بالناس صهيبٌ قالوا: من نشاور يا أمير المؤمنين؟ قال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسراة من هنا من الأجناد، ثم دعا بشربة من لبن فشرب، فخرج بياض اللبن من الجرحين فعرف أنه الموت فقال: الآن لو أن لي الدنيا كلها لافتديت به من هول المطلع، وما ذاك والحمد لله أن أكون رأيت إلا خيراً. فقال ابن عباس، وإن قلت فجزاك الله خيراً أليس قد عدعا رسول الله ﷺ أن يُعز الله بك الدين والمسلمين إذ تخافون بمكة، فلما أسلمت كان إسلامُك عزاً وظهر بك الإسلامُ ورسول الله ﷺ وأصحابه، وهاجرت إلى المدينة فكانتْ هجرتك فتحاً ثم لم تغبْ عن مشهدٍ شهدهُ رسول الله ﷺ من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا، ثم قُبض رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ فوازرتَ الخليفة بعده على منهاج رسول الله ﷺ فضربت بمن أقبل على من أدبر حتى دخل الناس في الإسلام طوعاً وكرهاً، ثم قُبض الخليفة وهو عنك راضٍ، ثم وليت بخير ما ولي الناس مَصَّرَ الله بك الأمصار وجبى بك الأموال، ونفى بك العدو، وأدخل الله بك على كل أهل بيت من توسعتهم في دينهم وتوسعتهم في أرزاقهم ثم ختم لك بالشهادة فهنيئاً لك: فقال: والله إن المغرور من تغرونه، ثم قال: أتشهدُ لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم، فقال: اللهم لك الحمد، ألصق خدي بالأرض يا عبد لله بن عمر (١). فوضعته من فخذي علي
стр. 1558
ساقي فقال: ألصق خدي بالأرض فترك لحيتهُ وخده، حتى وقع بالأرض فقال: ويلك وويل أمك يا عمر إن لم يغفر الله لك يا عمر. ثم قُبض ﵀: فلما قُبض أرسلوا إلى عبد الله بن عمر فقال: لا آتيكم إنْ لم تفعلوا ما أمركم به من مشاورة المهاجرين والأنصار وسراة من هنا من الأجناد قال الحسن، وذُكر له فعمل عمر عند موته وخشيته من ربه فقال: هكذا المؤمن جمع إحساناً وشفقة، والمنافق جمع إساءة وغرةً، والله ما وجدتُ فيما مضى ولا فيما بقى عبداً ازداد إحساناً إلا ازداد مخافة وشفقة منه، ولا وجدت فيما مضى ولا فيما بقى عبداً ازداد إساءة إلا ازداد غر.
١٦٠٣ - * روى البخار يعن عروة بن الزبير ﵄ أنه لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم، ففزعوا، وظنوا أنها قدم رسول الله ﷺ ، فما وجدا أحداً يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله، ما هي قدم رسول الله ﷺ ، وما هي إلا قدم عمر.
قال الحافظ في الفتح: والسبب في ذلك ما رواه أبو بكر الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه أحدن فلما دم بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال: هذا ساق عمر وركبته، فسري عن عمر بن عبد العزيز، وروى الآجري من طريق مالك بن المغول عن رجاء بن حيوة قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز وكان قد اشترى حجر أزواج النبي ﷺ : أن اهدمها ووسع بها المسجد، فقعد عمر في ناحية المسجد ثم أمر بهدمها، فم رأيته باكياً أكثر من يومئذ، ثم بناه كما أراد، فلما أن بنى البيت على القبر، وهدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة، وكان الرمل الذي عليها قد انهار، ففزع عمر بن عبد العزيز، وأراد أن يقوم فيسويها بنفسه، فقلت له: أصلحك الله، إنك إن قمت قام الناس معك، فلو أمرت رجلاً أن يصلحها، ورجوت أن يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم- يعني مولاه-: قم فأصلحها (١).
стр. 1559
١٦٠٤ - * روى الطبراني عن المسور بن مخرمة قال: ولي عمر عشر سنين ثم توفي.
١٦٠٥ - * روى الطبراني عن الليث بن سعد قال: قُتل أمير المؤمنين عمر مصدر الحاج وذلك في سنة ثلاث وعشرين.
١٦٠٦ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال: مات عمر وهو على رأس خمس وخمسين.
١٦٠٧ - * روى الطبراني عن سالم بن عبد الله أن عمر قُبض وهو ابن خمس وخمسين.
١٦٠٨ - *روى الطبراني عن ابن عمر قال: مات عمر وهو ابن خمس وخمسين وقال: أسرع إلى الشيبُ من قبل أخوالي بني المغيرة.
١٦٠٩ - * روى الطبراني عن قتادة قال قتل عمر وهو ابن إحدى وستين.
١٦١٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب مات وهو ابن ست وستين سنة.
وقد ذكرنا الروايات المتعددة في تقدير عُمْرِ عُمَرَ يوم وفاته للإشعار بأن الأمر فيه خلاف.
١٦١١ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: أنا أول من أتى عمر حين طعن فقال: احفظ عني ثلاثاً، فإني أخاف أن لا يدركني الناس: أما أنا فلم أقض في الكلالة قضاء، ولم استخلف على الناس خليفة وكل مملوكٍ لي عتيق (١).
* * *
تعليقات
стр. 1560
تعليقات
لم يزل عمر بن الخطاب ﵁ هو الأمير الأنموذج عند أهل الدنيا وأهل الآخرة، فلقد انطبعت هذه الحقيقة في الأذهان حتى غدت بدهية، فما يكاد يكون حديث عن تصرفات نموذجية لأمير إلا وتقفز مباشرة إلى الأذهان صورة عمر ﵁.
لقد كان جسمه كاملاً بين الأجسام وهو شيء مهم في الإمرة النموذجية، كما أن له سابقته وفضله في المجتمع الذي قاده، وساسه، وذلك محل إجماع، وكذلك هذه شيء مهم في الإمرة النموذجية.
وكان على غاية من الجدية في حياته الخاصة والعامة، وهذا شرط الإمرة النموذجية لأنه بذلك تستمر هيبة الأمير وتتنامى.
وكان لا يميز أهله ولا نفسه عن العامة بشيء، وبذلك أبعد نفسه عن أي مظنة تهمة، وهذا مه في شخصية الأمير النموذجي.
وكان أرحم الناس بالعامة وأرفقهم بهم وأكثرهم لهم رعاية، فلا يضيع أحد في سلطانه، ويستشعر كل فر بحنانه، وهذا شرط في الأمير النموذجي.
وكان يترك اجتهاده لاجتهاد غيره إذا أحس أن الأمر سيدخل بعض الناس في زوايا حادة كما فعل في أراضي السواد إذ أخر تنفيذ اجتهاده حتى انتهت المعارضة، وهذا شرط في الأمير النموذجي. مع ملاحظة أن اجتاد عمر ألا تقسم الأراضي المفتوحة على الفاتحين وأن تبقى وقفاً على جميع المسلمين إلى قيام الساعة. كان اجتهاداً وافقه عليه أكثر الصحابة، واستدل له عمر بنصوص قرآنية وكان هذا وحده هو الذي يسع حاضر الأمة الإسالمية ومستقبلها، وكان فيه البركة ولا زلنا نرى بركة تصرفه حتى أننا في عصرنا نعتبر فعله حجة للإسلام على المذاهب التي تتحدث عن خطورة تركيز رؤوس الأموال بأيد قليلة. ومع قوة هذا الاجتهاد ووقوف أكثر الصحابة معه فقد جمد عمر هذه القضية لأن بعض الصحابة كانت له شبهة، فخشي أن يؤثر تنفيذ اجتهاده على وحدة الصف فجمد القضية ومن هاهنا ندرك أن الحزم عند عمر هو والحكمة توأمان.
стр. 1561
وكان يعرف أقدار الناس ويعرف ويعرف لأهل الفضل فضلهم ولأهل السبق سبقهم وهذا شرط لاستقرار أي نظام.
وكان مستشرفاً استشرافاً كاملاص لساحة المعركة التي يخوضها ولوازمها واحتياجاتها، وهذا شرط من شروط نجاح الأمير في أي معركةز
وكان يحسن اختيارالرجال للمهمات المنوطة بهم، وهذا شرط لنجاحات الأمير أي أمير.
وكان كل فرد حوله يحس أنه أكمل منه في خصوصياته، فالعبادة والعلم وحسن التدبير وسداد الرأي كل ذلك كان متفوقاً فيه على من حوله، وهذا شرط في نجاحات المير، فمتى أحسن من حول الأمير بتفوقهم عليه هان عليهم وذلك مقدمة الفشل.
وكان قوي المبادرة، كثير المشاورة، دراكاً للفكرة الصائبة، وتلك شروط في نجاحات الأمير.
وكان يؤدي لكل ذي حق حقه ويعرف لكل ذي فضل فضله، ولذلك أعطاه الجميع حقوقه كاملة، وكما كان لا يتساهل في حقوقه كا يعرف الحدود التي يحاسب بها الأمير على حقوقهز
ومهما قيل فيه فهو قليل: لقد أتعب أبو بكر من جاء بعده ما قال عمر، ولقد اتعب أبو بكر وعمر من جاء بعدهما إلى قيام الساعة، فمن الذي يستطيع ما استطاعا، ولكن من تهيأ له ما تهيأ لهما
لقد تهيأ لهما أن أصحاب رسول الله ﷺ هم جنودهما، ومن كان هؤلاء جنده وحاشيته وبطانته فإنه قد توافر له ما لا يتوافر لأحد بعده، ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسية لانتقاض الأمر في عهد عثمان وعلي ﵄، فلقد أصبح أكثر جيل الصحابة الذين رباهم رسول الله ﷺ بشكل مباشر في عداد الشهداء.
* * *
عثمان بن عفان ﵁
قال ابن حجر في ترجمته: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير للمؤمنين أبو عبد الله وأبو عمرو، وأمه أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب أبن عبد شمس، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﵌.
ولد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان ربعة حسن الوجه رقيق عظيم اللحية بعيد ما بين المنكبين.
أسلم قديماً قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤلفاً لقومه فجعل يدعو إلى الإسلام من يثق به فأسلم على يده فيما بلغني الزبير وطلحة وعثمان وزوجة النبي ﵌ ابنته رقية وماتت عنده أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم فلذلك كان يلقب ذا النورين.
وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله ﵌ بشره بالجنة وعده من أهل الجنة وشهد له بالشهادة.
وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لما أن حصروه انتشد الصحابة في أشياء منها تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبي ﵌ عند تحت الشجرة لما أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رومة وغير ذلك.
وروى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر، روى عنه الواده: عمر وأبان وسعيد وابن عمه مروان بن الحكم بن أبي العاص، ومن الصحابة: ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وزيد بن ثابت وعمران بن حصين وأبو هريرة وغيرهم، ومن التابعين: الأحنف وعبد الرحمن بن أبي ضمرة وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن المسيب وأبو وائل وأبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن الحنفية وآخرون.
وهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبي ﵌ بسهمه وأجره وتخلف عن بيعه الرضوان لأن النبي ﵌ كان بعثه إلى مكة فأشيع أنها قتلوه فكان ذلك سبب البيعة فضرب إحدى
стр. 1564
يديه على الأخرى وقال: هذه عن عثمان وقال ابن مسعود: لما بويع بايعنا خيرنا ولم نأل. وقال علي: كان عثمان أوصلنا للرحم وكذا قالت عائشة لما بلغها قتله: قتلوه وإنه لأوصلهم للرحمن وأتقاهم للرب.
وقال ابن المبارك في الزهد أنبأنا الزبير بن عبد الله أن جدته أخبرته وكانت خادماً لعثمان وقالت: كان عثمان لا يوقظ نائماً من أهله إلا أن يجده يقظاناً فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر.
وكان سبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية وبالبصرة سعيد بن العاص وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان من حج منهم يشكو من أميره، وكان عثمان لين العريكة كثير الإحسان والحلم وكان يستبدل ببعض أمرائه فيرضيهم ثم يعيده بعد، إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح فعزله وكتب لهم كتاباً بتولية محمد بن أبي بكر الصديق فرضوا بذلك فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكباً على راحلة فاستخبروه فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح ومعاقبة جماعة من أعيانهم فأخذوا الكتاب ورجعوا وواجهوه به فحلف أنه ما كتب ولا أذن فقالوا سلمنا كاتبك فخشي عليه منهم القتل وكان كاتبه مروان بن الحكم وهو ابن عمه فغضبوا وحصروه في داره واجتمع جماعة يحمونه منهم فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوروا عليه من دار إلى دار فدخلوا عليه فقتلوه فعظم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم وانفتح باب الفتنة فكان ما كان وبالله المستعان.
وروى البخاري في قصة قتل عمر أنه عهد إلى ستة وأمرهم أن يختاروا رجلاً فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف فاختار عثمان فبايعوه ويقال كان ذلك يوم السبت غرة المحرم سنة أربعة وعشرين، وقال ابن إسحاق: قتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً واثنين وعشرين يوماً من خلافته فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقال غيره: قتل لسبع عشرة وقيل: لثمان عشرة رواه أحمد عن إسحاق بن الطباع عن أبي معشر، وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر ودفن ليلة
стр. 1565
السبت بين المغرب والعشاء في حُشّ كوكب كان عثمان اشتراه فوسع به البقيع، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور وقيل دون ذلك، وزعم أبو محمد ابن حزم أنه لم يبلغ الثمانين. أهـ.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: هو عثمان بن عفان، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشوري، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵃، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، المأمور بإتباعهم والاقتداء بهم.
أسلم عثمان ﵁ قديماً على يدي أبي بكر الصديق وهاجر إلى الحبشة أول الناس معه زوجته رقية بت رسول الله ﷺ ، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنه رسول الله ﷺ ، وأقام بسببها في المدينة، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها، فلما توفيت زوّجه رسول الله ﷺ بأختها أم كلثوم فتوفيت أيضاً في صحبته، وقال رسول الله ﷺ : "لو كان عندنا أخرى لزوجناها بعثمان" وشهد أحداً وفر يومئذ فيمن تولي، وقد نص الله على العفو عنهم، وشهد الخندق والحديبة، وبايع عنه رسول الله ﷺ يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوزان والطائف وغزوة تبوك، وجهز جيش العسرة، وتقدم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمائة بعير بأقتابها وأحلاسها، وعن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار قصبها في حجر رسول الله ﷺ فقال: ﷺ "ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم مرتين" وحج مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، وتوفي وهو عنه راض، وصح أبا بكر فأحسن صحبته، وتوفي وهو عنه راض، وصحب عمر فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض. ونص عليه في أهل الشورى الستة فكان خيرهم.
стр. 1566
الكّراديس (١)، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس حسن الثغر، فيه سمرة، وقيل كان في وجهه شيء من آثار الجدري، ﵁، وعن الزهري: كان حسن الوجه والثغر، مربوعاً، أصلع، أرْوَح (٢) يخضب بالصفرة، وكان شد أسنانه بالذهب، وقد كسي ذراعية الشعر.
وقال سيف عن خليفة بن زفر ومجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث خلفون من المحرم سنة ثلاث وعشرين فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد الناس يعني في أعطياتهم - مائة، ووفد أهل الأمصار، وهو أول من صنع ذلك.
و قصة استخلافه: أنه في أول يوم من سنة أربع وعشرين دفن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وذلك يوم الأحد في قول وبعد ثلاث أيام بويع أمير المؤمنين عثمان ابن عفان ﵁.
كان عمر ﵁ قد جعل الأمر بعده شورى بين ستة نفر وهم عثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، وتحرّج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين، وقال: لا أتحمل أمرهم حياً وميتاً، وإن يرد الله بكم خيراً يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم ﷺ ، ومن تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه خشي أن يراعي فيولي لكونه ابن عمه، فلذلك تركه - ولعله خشي أن يفتح باباً بأن يجعل الخلافة وراثية في بني عدى، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، بل جاء في رواية المدائني عن شيوخه أنه استثناه من بينهم، وقال: لست مدخله فيهم، وقال لأهل الشورى يحضركم عبد الله - يعني ابنه- وليس إليه من الأمر شيء - يعني بل يحضر الشورى ويشير بالنصح ولا يولى شيئاً- وأوصى أن يصلى بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى، وأن يجتمع أهل الشورى ويوكل بهم أناس حتى ينبرم الأمر، ووكل بهم خمسين رجلاً من
стр. 1567
المسلمين وجعل عليهم مستحثاً أبا طلحة الأنصاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقد قال عمر بن الخطاب: ما أظن الناس يعدلون بعثمان وعلي أحداً، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول الله ﷺ بما ينزل به جبريل عليه.
والمقصود أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم، فكثر القول، وعلت الأصوات وقال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدافعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها ثم صار الأمر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة، ففوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي، وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان بن عفان ﵁، فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه والله عليه والإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فأسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك والله عليّ والإسلام أن اجتهد فأولّي أولاكما بالحق، قالا: نعم! ثم خاط بكل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعين، فقال كل منهما: نعم ثم تفرقوا، ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن يجتهد للمسلمين أفضلهم ليوليه، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان بن عفان، حتى أنه قال لعلي: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به علي؟ قال: عثمان، وقال لعثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟ قال: بعلي بن أبي طالب، والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف ﵁ يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وقوداهم جميعاً وأشتاتاً، مثني وفرادي، ومجتمعين، سراً وجهراً، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الوالدان في المكاتب، وحتى سأل من يَرِدُ من الركبان والأعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد أثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفان، إلا ما ينقل عن عمار والمقداد إنهما أشارا بعلي بن أبي طالب، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره، فسعي في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاءاً واستخارة، وسؤالاً من ذوي الرأي عنهم، فلم يد أحداً يعدل عثمان بن عفان ﵁، فلما كانت الليلة يسفر
стр. 1568
صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن اخته المسور بن مخرمة فقال: أنائم يا مسور؟ والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث، أذهب فادع إلي علياً وعثمان قال المسور: فقلت بأيهما أبداً؟ فقال بأيهما شئت، قال فذهبت إلى علي فقلت أجب خالي، فقال: أمرك أن تدعو معي أحداً؟ قلت: نعم! قال: من؟ قلت: عثمان ابن عفان، قال: بأيبنا بدأ؟ قلت: لم يأمرني بذلك، بل قال أدعو لي أيهما شئت أولاً، فجئت إليك قال: فخرج معي فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس علي حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي على سواء، ثم خرج فدخلت بهما على خالي وهو قائم يصلي، فلما انصرف أقبل على علي وعثمان فقال: إني قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحداً يعدل بكما أحداً، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضاً لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عّممه رسول الله ﷺ ، وتقلد سيفاً، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة، فامتلأ المسجد حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس - وكان رجلاً حيياً ﵁ ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله ﷺ ، فوق وقوفاً طويلاً، ودعا دعاء طويلاً، لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني سألتكم سراً وجهراً بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان، فقم إلىٌ يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال فأرسل يده وقال: قم إلى يا عثمان، فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال اللهم أسمع وأشهد، اللهم أسمع وأشهد، اللهم أسمع وأشهد، اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، قال وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ ، وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه إلى بن أبي طالب أولاً.
стр. 1569
فولى الخلافة بعده فتح الله على يديه كثيراً من الأقاليم والأمصار، وتوسعت المملكة الإسلامية، وامتدت الدولة المحمدية، وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض ومغاربها، وظهر للناس مصداق قوله تعالي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ (٢).
وقد كان ﵁ حسن الشكل، مليح الوجه كريم الأخلاق، ذا حياء كثير، وكرم عزير، يؤثر أهله وأقاربه في الله، تأليفاً لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني، لعله يرغبهم في إيثار ما يبقي على ما يفنى، كما كان النبي ﷺ يعطي أقواماً ويدع آخرين، يعطي أقواماً خشية أن يكبه الله على وجوهم في النار، وبكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الهدي والإيمان، وقد تعنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما تعنت بعض الخوارج على رسول الله ﷺ في الإيثار.
أقول: إن استعانة أمير المؤمنين ببعض أقاربه قد يكون فيه مصالح منها الضبط ومنها قوة الولاء ومنها الجرأة على المصارحة بواقع الحال، ولكن الناس ألفوا سنة عمر الذي كان يستبعد أن يولي أحداً من أقاربه فلم يسلم بعضهم لعثمان بهذا الاجتهاد، وهو على كل حال من الأحوال اجتهاد خلية راشد يشكل سابقة من سوابق الحكم في الأمة الإسلامية، وعلى أمراء المؤمنين أن يجاهدوا أنفسهم فلا يميلوا مع الهوى ويتخيروا من سنن الخلفاء الراشدين ما هو الأنسب للصالح العام.
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل عثمان ﵁:
قال البخاري في التاريخ: ثنا موسي بن إسماعيل ثنا مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قل ما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيراً، يقال لهم: يا معشر المسلمين أعدوا على أعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم
стр. 1570
يقال لهم: أغدوا على أرزاقكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم اغدوا على السمن والعسل، الأعطيات جارية، والأرزاق دارة، والعدو متقي وذات البين حسن، والخير كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمناًن ومن لقيه هو أخوه، بمعني أن الإخاء وافر بين المسلمين- قال الحسن: فلو أنهم صبروا لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير، بل قالوا: لا والله ما ناصبرها: فو الله ما نصابرها: فوالله ما وردا - أي ما حققوا الدنيا وخيرها - وما سلموا، والأخرى كان السيف مغمداً عن أهل الإسلام فسلّوه على أنسهم، فوالله ما زال مسلولاً إلى يوم الناس هذا، وأيمن الله إني لأراه سيفاً مسلولاً إلى يوم القيامة.
وقد روي هذا من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم ي ركعة واحدة عند الحجر الأسود أيام الحج، وقد كان هذا من دأبه ﵁، ولهذا روينا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (١) قال: هو عثمان بن عفان، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) قال: هو عثمان: وقال حسان:
ضحّوا بأشمطَ عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
وقال سفيان بن عبينة: ثنا إسرائيل بن موسى سمعت الحسن يقول قال عثمان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي على يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان حتى خرق مصحفه نم كثرة ما يديم النظر يه، وقال أنس ومحمد بن سيرين: قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فو الله لقد كان يحيي الليل بالقرآن في ركعة، وقال غير واحد: إنه ﵁ كان لا يوقظ أحداً من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، إلا أن يجده يقظان، وكان يصوم الدهر، وكان يعاتب فيقال: لو أيقظت بعض الخدم؟ فيقول: لا الليل لهم يستريحون فيه، وكان إذا اغتسل لا يرع. المئزر عنه، وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه جيداً من شدة حيائه ﵁.
стр. 1571
ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة، التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بين اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق، ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة احرف، يفضّل قراءته على قراءة غيره، وربما خطاً الآخر أو كفره، فأدي ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأي أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأي في ذلك من مصلحة كف المنازعة، ودع الاختلاف، فاستدعي بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعي بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شييء أن يكتبوه بلغة قريش، كتب لأهل الشام مصحفاً، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفاً وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفاً وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفاً، ويقال لهذه المصاحف الأئمة، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه، وإمارته، كما يقال دينار هرقلي، أي ضرب في زمانه ودولته.
قال أبو عمر بن عبد البر: دفنوا عثمان ﵁ بحش كوكب - وكان قد اشتراه وزاده في البقيع - ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره.
стр. 1572
وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله - بعد حكايته هذا الكلام: الذين قتلوه أو ألبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته، والذين خذلوه خذلوا وتنغص عيشهم، وكان الملك بعده في نائبه معاوية وبنيه، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته، استطالوا حياته وملّوه مع فضله وسوابقه، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعاً وثمانين سنة، فالحكم لله العلي الكبير، وهذا لظه بحروفه.
ذكر زوجاته وبنيه وبناته ﵃:
تزوج برقية بنت رسول الله ﷺ فولد له منها عبد الله، وبه كان يكني، بعد ما كان يكني في الجاهلية بأبي عمرو، ثم لما توفيت تزوج بأختها أم كلثوم، ثم توفيت فتزوج بفاخته بنت غزوان بن جابر، فولد له منها عبيد الله الأصغر، وتزوج بأم عمرو بنت جندب بن عمرو الأزدية، فولدت له عمراً، وخالداً، وأبانا، وعمر، ومريم، وتزوج بفاطمة بنت الوليد بن عبد شمس المخزومية، فولدت له الوليد وسعيداً، وتزوج أم البنين بنت عيينة بن الفزارية، فولدت له عبد الملك، ويقال وعتبة، وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي فولدت له عائشة وأم أبان وأم عمرو، بنات عثمان، وتزوج نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن حيان بن كليب، فولدت له مريم، ويقال وعنبة، وقتل ﵁ وعنده أربع: نائلة، ورملة، وأم البنين، وفاخته، ويقال إنه طلق أم البنين وهو محصور أهـ، أبن كثير.
ومما قاله ابن كثير وهو يؤرّخ لسني عهد عثمان ﵁: قال ابن جرير: وفي هذه السنة - أعني سنة أربعة وعشرين - غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية حين منع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الإسلام في أيام عمر بن الخطاب، وهذا في رواية أبي مخنف، وأما في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة ست وعشرين، ثم ذكر ابن جرير ههنا هذه الوقعة وملخصها: أن الوليد بن عقبة سار بجيش الكوفة نحو أذربيجان وأرمينية، حين نقضوا العهد فوطيء بالدهم وأغار بأراضي تلك الناحية فغنم وسبي وأخذ أموالاً جزيلة فلما أيقنوا بالهلكة صالحهم أهلها على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان ثمانمائة ألف درهم
стр. 1573
في كل سنة فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالماً غانماً إلى الكوفة، فمر بالموصل وجاءه كتاب عثمان وهو بها يأمره أن يمد أهل الشام على حرب أهل الروم، قال ابن جرير: وفي هذه السنة جاشت الروم حتى خا أهل الشام وبعثوا إلى عثمان ﵁ يستمدونه فكتب إلى الوليد بن عقبة، أن إذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلاً أميناً كريماً شجاعاً في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إلى أخوانكم بالشام، فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيباً حين وصل إليه كتاب عثمان فأخبرهم بما أمره به أمير المؤمنين وندب الناس وحثهم على الجهاد ومعاونة معاوية وأهل الشام، وأمرّ سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون إلى الشام فانتدب في ثلاثة أيام ثمانية آلاف فبعثهم إلى الشام وعلى جند المسلمين حيب بن مسلم الفهري، لما اجتمع الجيشان شنوا الفارات على بلاد الروم فغنموا وسبوا شيئاً كثيراً وفتحوا حصوناً كثيرة ولله الحمد.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين:
وفيها نقض أهل الإسكندرية العهد، وذلك أن ملك الروم بعث إليهم معويل الخصي في مراكب من البحر فطمعوا في النصرة ونقضوا ذمتهم، فغزاهم عمرو بن العاص في ربيع الأول، فافتتح الأرض عنوة وافتتح المدينة صلحاً.
وفيها وجه عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح لغزو بلاد المغرب، واستأذنه ابن أبي سرح في غزو إفريقية فأذن له.
ثم دخلت سنة ست وعشرين:
وفيها افتتح عثمان بن أبي العاص سابور صلحاً على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين:
أمر عثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن يغزو بلاد إفريقية إذا افتتحها الله عليه فله خمس الخمس من الغنيمة نقلاً - فسار إليها في عشرة آلاف فافتتحها سهلها وجبلها، وقتل خلقاً كثيراً من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام، وحسن إسلامهم، وأخذ عبد الله ابن سعد خمس الخمس من الغنيمة وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة
стр. 1574
بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار.
غزوة الأندلس:
لما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد الله بن ناع بن عبد قيس وعبد الله بن ناع بن الحصين الفهريين من فورها إلى الأندلس فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس أنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان واللام، قال فساروا إليها فافتتحوها ولله الحمد والمنة.
أقول: وكان فتح الأندلس فيما بعد عثمان في زمن بني أمية، ولكن الأمر بالفتح كان في زمن عثمان، وكلام عثمان يدل على ما يسمي في اصطلاحات عصرنا ببعد النظر الاستراتيجي، إذا يد كلامه على أنه كان دراكاً ما يترتب على كل خطوة في الفتح من آفاق جديدة.
وقعة جرير والبربر مع المسلمين:
لما قصد المسلمون وهم عشرون ألفاً إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وفي جيشه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومائة ألف، وقيل في مائتي ألف، فلما تراءي الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه ولا أخوف عليهم منه، قال عبد الله بن الزبير، فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فسألته أن يبعث معي من يحمي ظهري وأقصد الملك، فجهز معي جماعة من الشجعان، قال فأمر بهم فحموا ظهري وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه - وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك - لما اقتربت منه أحس مني الشر قر علي برذوته، لحقته فطعنته برمحي، وذففت عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبرت، فلما رأي ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالاً كثيرة، وسبياً عظيماً، وذلك ببلد يقال
стр. 1575
له سبيطله - على يومين من القيروان - فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد الله بن الزبير ﵁ وعن أبيه وأصحابهما أجمعين.
قال الواقدي: وفي هذه السنة افتتحت اصطخر ثانية على يدي عثمان بن أبي العاص، وفيها غزا معاوية قنسرين، وفيها حج بالناس عثمان بن عفان، قال ابن جرير قال بعضهم وفي هذه السنة غزا معاوية قبرص.
فتح قبرص:
ذكر ابن جرير فتح قبرص تبعاً للواقدي وكان فتحها على يدي معاوية بن أبي سفيان، ركب إليهم في جيش كثيف من المسلمين ومع عباده بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان التي تقدم حديثهما في ذلك حين نام رسول الله ﷺ في بيتها ثم استيقظ يضحك فقالت: ما أضحكك يا رسول الله فقال: "ناس من أمتي عرضوا علي يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة". فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "أنتم منهم" ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "أنت من الأولين" فكانت في هذه الغزوة وماتت بها وكانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين:
وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارس ي قول الواقدي وأبي معشر زعم سيف أنه كان قبل هذه السنة فالله أعلم.
وفيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي ﷺ ، وبناه بالقضة - وهي الكلس- كان يؤتى به من بطن نخلة والحجارة المنقوشة، وجعل عمده حجارة مرصعة، وسقفه بالساج (١)، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبواب ستة، على ما كانت عليه في زمان عمر بن الخطاب، ابتداء بناءه في ربيع الأول منها.
стр. 1576
ثم دخلت سنة ثلاثين من الهجرة النبوية:
فيها افتتح سعيد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني، وقال: هو أول من غزاها.
ثم خلت سنة إحدى وثلاثين:
ففيها كانت غزوة الصواري، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي وقال أبو معشر: كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين.
وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرها أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان ﵁، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمي حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم، في زمن الصيف، ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقاً، ويأسرون آخرين، ويفتحون حصوناً ويغنمون أموالاً ويرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمائة مركب، وقصدوا عبد الله بن أبي سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون (١) ويصلبون، وبات المسلمون يقرؤون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفاً في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، وعقدوا صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم، قال: فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا: الماء الماء، قال: فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل
стр. 1577
العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبراً لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه- وقد قلّوا جداً- وبه جراحات شديدة مكينة مكث حيناً يداوي منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياماً، ثم رجع مؤيداً منصوراً مظفراً.
وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحاً، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفي ألف ومائتي ألف، وقيل على ستة آلاف ألف ومائتي ألف.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين:
وفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - ومعه زوجته عاتكة، ويها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وأمره أن يغزوا الباب، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، سار حتى بلغ بلنجر (١) فحصروها ونصبت عليها المجانيق والعرادات. ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالاً شديداً - وكانت الترك تهاب قتال المسلمين، ويظنون أنهم لا يموتون - حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا، فقتل يومئذ عبد الرحمن ابن ربيعة - وكان يقال له ذو النون - وانهزم المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر، وفرقة سلكوا ناحية جيلان وجرجان، وفي هؤلاء أبو هريرة وسلمان الفارسي، وأخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة - وكان من سادات المسلمين وشجعانهم - فدفنوه في بلادهم فهم يستقسون عنده إلى اليوم، وفيها فتح ابن عامر مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين:
وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانية، حين نقض أهلها العهد.
стр. 1578
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين:
قال الواقدي فيما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين أكثر الناس بالمقالة على عثمان بن عفان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان:
إن قال قائل كيف وقع قتل عثمان ﵁ بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة ﵃؟ فجوابه من وجوه (أحدها) أن كثيراً منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عيناً، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة، وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع والله أعلم. (الثاني) أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية (الثالث) أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لم اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم (الرابع) أن هؤلاء الخوارج كانوا قريباً من ألفي مقاتل من الأبطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة، ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا ومعه السيف، ويضعه على حبوته إذا احبتي، والخوارج محدقون بدار عثمان ﵁، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان ﵁، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجيء الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان
стр. 1579
رضي الله عنه، بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يوجد لو خلع نفسه من الأمر كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم.
وقد أطال ابن كثير في البداية والنهاية الكلام عن مقتل عثمان وذكر الروايات الكثيرة في ذلك، وها نحن ننقل مختارات من كلامه، قال ﵀:
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان:
وكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو ابن العاص، مقهورين معه، لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير، فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه، فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمراً عن الحزب وتركه على الصلاة، وولّى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما: حتى كان بينهما كلام قبيح، فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر، خراجها [وحربها] وصلاتها، وبعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام عند من يكرهك، أقدم إلي، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم وشر كبير فكمله فيما كان من أمره بنفس، وتقاولا في ذلك، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على عثمان، وأنه كان أعز منه، قال له عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية، وجعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان، وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا، وينقمون عليه في عزلة جماعة من عليه الصحابة وتوليته من دونهم، أو من لا يصلح عندهم للولاية وكره أهل مصر عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، بعد عمرو بن العاص، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب، وفتحه بلاد البربر والأندلس وإفريقية، ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حرية والإنكار عليه، وكان عظم ذلك مسنداً إلى محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، حتى استنفروا نحواً من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب، لينكروا على عثمان فساروا إليها تحت أربع رفاق، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الرحمن بن عديس العلوي، وكنانة بن بشر
стр. 1580
التجيبي، وسودان بن حمران الكوني، وأقبل معهم محمد بن أبي بكر، وأقام بمصر محمد بن أبي حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء، وكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين، لما اقتربوا من المدينة أمر عثمان علي بن أبي طالب أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة.
فانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الذي تحاربون الأمير بسببه وتحتجون عليه به، ويقال إنه ناظرهم في عثمان، وسألهم ماذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمي الحمى، وأنه حرق المصاحف، وأنه أتم الصلاة وأنه ولى الأحداث الولايات وترك الصحابة الأكابر وأعطى بني أمية أكثر من الناس فأجاب علي عن ذلك: أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن، ولم يحمه لإبله ولا لغنمه وقد حماه عمر من قبله، وأما المصاحف إنما حرّق ما وقع يه اختلاف، وأبقى لهم المتفق عليه، كما ثب في العرضة الأخيرة، وأما إتمامه الصلاة بمكة، فإنه كان قد تأهل بها ونوى الإقامة فأتمها، وأما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلاً سوياً عدلاً، وقد ولى رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة، وولى أسامة بن زيد بن حارثة، وطعن الناس في إمارته فقال إنه لخليق بالإمارة وإما إيثاره قومه بني أمية فقد كان رسول الله ﷺ يؤثر قريشاً على الناس، ويقال: إنهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن أبي بكر، فذكر عثمان عذره في ذلك، وأنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما، وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبي العاص، وقد نفاه رسول الله ﷺ إلى الطائف، فذكر أن رسول الله ﷺ كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده، ثم نفاه إليها، قال قد نفاه رسول الله ﷺ ثم رده، وروي أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما شهادة له، ويروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت الأعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصح عنهم، ﵁، وردّهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيث أتوا، ولم ينالوا شيئاً مما كانوا أملوا وراموا، ورجع علي إلى عثمان، فأخبره برجوعهم عنه، وسماعهم منه، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة