← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ثم دخلت سنة ثلاثين من الهجرة النبوية: فيها افتتح سعيد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني، وقال: هو أول من غزاها. ثم خلت سنة إحدى وثلاثين: ففيها كانت غزوة الصواري، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي وقال أبو معشر: كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين. وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرها أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان ﵁، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمي حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم، في زمن الصيف، ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقاً، ويأسرون آخرين، ويفتحون حصوناً ويغنمون أموالاً ويرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمائة مركب، وقصدوا عبد الله بن أبي سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون (١) ويصلبون، وبات المسلمون يقرؤون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفاً في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، وعقدوا صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم، قال: فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا: الماء الماء، قال: فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل

стр. 1577

العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبراً لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه- وقد قلّوا جداً- وبه جراحات شديدة مكينة مكث حيناً يداوي منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياماً، ثم رجع مؤيداً منصوراً مظفراً. وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحاً، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفي ألف ومائتي ألف، وقيل على ستة آلاف ألف ومائتي ألف. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين: وفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - ومعه زوجته عاتكة، ويها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وأمره أن يغزوا الباب، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، سار حتى بلغ بلنجر (١) فحصروها ونصبت عليها المجانيق والعرادات. ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالاً شديداً - وكانت الترك تهاب قتال المسلمين، ويظنون أنهم لا يموتون - حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا، فقتل يومئذ عبد الرحمن ابن ربيعة - وكان يقال له ذو النون - وانهزم المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر، وفرقة سلكوا ناحية جيلان وجرجان، وفي هؤلاء أبو هريرة وسلمان الفارسي، وأخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة - وكان من سادات المسلمين وشجعانهم - فدفنوه في بلادهم فهم يستقسون عنده إلى اليوم، وفيها فتح ابن عامر مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين: وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانية، حين نقض أهلها العهد.

стр. 1578

ثم دخلت سنة أربع وثلاثين: قال الواقدي فيما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين أكثر الناس بالمقالة على عثمان بن عفان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان: إن قال قائل كيف وقع قتل عثمان ﵁ بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة ﵃؟ فجوابه من وجوه (أحدها) أن كثيراً منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عيناً، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة، وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع والله أعلم. (الثاني) أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية (الثالث) أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لم اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم (الرابع) أن هؤلاء الخوارج كانوا قريباً من ألفي مقاتل من الأبطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة، ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا ومعه السيف، ويضعه على حبوته إذا احبتي، والخوارج محدقون بدار عثمان ﵁، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان ﵁، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجيء الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان

стр. 1579

رضي الله عنه، بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يوجد لو خلع نفسه من الأمر كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم. وقد أطال ابن كثير في البداية والنهاية الكلام عن مقتل عثمان وذكر الروايات الكثيرة في ذلك، وها نحن ننقل مختارات من كلامه، قال ﵀: ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان: وكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو ابن العاص، مقهورين معه، لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير، فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه، فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمراً عن الحزب وتركه على الصلاة، وولّى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما: حتى كان بينهما كلام قبيح، فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر، خراجها [وحربها] وصلاتها، وبعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام عند من يكرهك، أقدم إلي، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم وشر كبير فكمله فيما كان من أمره بنفس، وتقاولا في ذلك، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على عثمان، وأنه كان أعز منه، قال له عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية، وجعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان، وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا، وينقمون عليه في عزلة جماعة من عليه الصحابة وتوليته من دونهم، أو من لا يصلح عندهم للولاية وكره أهل مصر عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، بعد عمرو بن العاص، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب، وفتحه بلاد البربر والأندلس وإفريقية، ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حرية والإنكار عليه، وكان عظم ذلك مسنداً إلى محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، حتى استنفروا نحواً من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب، لينكروا على عثمان فساروا إليها تحت أربع رفاق، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الرحمن بن عديس العلوي، وكنانة بن بشر

стр. 1580

التجيبي، وسودان بن حمران الكوني، وأقبل معهم محمد بن أبي بكر، وأقام بمصر محمد بن أبي حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء، وكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين، لما اقتربوا من المدينة أمر عثمان علي بن أبي طالب أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة. فانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الذي تحاربون الأمير بسببه وتحتجون عليه به، ويقال إنه ناظرهم في عثمان، وسألهم ماذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمي الحمى، وأنه حرق المصاحف، وأنه أتم الصلاة وأنه ولى الأحداث الولايات وترك الصحابة الأكابر وأعطى بني أمية أكثر من الناس فأجاب علي عن ذلك: أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن، ولم يحمه لإبله ولا لغنمه وقد حماه عمر من قبله، وأما المصاحف إنما حرّق ما وقع يه اختلاف، وأبقى لهم المتفق عليه، كما ثب في العرضة الأخيرة، وأما إتمامه الصلاة بمكة، فإنه كان قد تأهل بها ونوى الإقامة فأتمها، وأما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلاً سوياً عدلاً، وقد ولى رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة، وولى أسامة بن زيد بن حارثة، وطعن الناس في إمارته فقال إنه لخليق بالإمارة وإما إيثاره قومه بني أمية فقد كان رسول الله ﷺ يؤثر قريشاً على الناس، ويقال: إنهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن أبي بكر، فذكر عثمان عذره في ذلك، وأنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما، وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبي العاص، وقد نفاه رسول الله ﷺ إلى الطائف، فذكر أن رسول الله ﷺ كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده، ثم نفاه إليها، قال قد نفاه رسول الله ﷺ ثم رده، وروي أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما شهادة له، ويروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت الأعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصح عنهم، ﵁، وردّهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيث أتوا، ولم ينالوا شيئاً مما كانوا أملوا وراموا، ورجع علي إلى عثمان، فأخبره برجوعهم عنه، وسماعهم منه، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة

стр. 1581

يعتذر إليهم يها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله، وأنه لا يحيد عنها، كما كان الأمر أولاً في مدة ست سنين الأول، استمع عثمان هذه النصيحة، وقابلها بالسمع والطاعة، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، وأرسل عينية بالبكاء بكي المسلمون أجمعون، وحصل الناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، أبو بكر وعمر ﵄، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة. ثم ذكر ابن كثير: أن مروان بن الحكم لم يرق له أن يظهر عثمان بهذا الضعف، وأنه - أي مروان - تصرف تصرفات أغضبت علياً ﵁ لدرجة أنه قرر ألا يتدخّل مرّة أخرى، ولما تسامعت أحزاب الفتنة بذلك ادّعوا دعوي وعادوا إلى المدينة. ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان للمرة الثانية في مصر: وذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان، وغصب علي على عثمان بسببه، ووجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير ولم يسلك سيرة صاحبيه، تكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا، وروت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، وعلى لسان علي وطلحة والزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين، وأنه أكبر الجهاد اليوم، وذكر سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، وقاله غيرهم أيضاً، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين، خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل لهم يقول ستمائة، والمكثر يقول: ألف، على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة الكوني وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكي، وخرجوا فيما يظهرون حجاجاً، ومعهم ابن السوداء - وكان أصله ذمياً فأظهر الإسلام وأحدث بدعاً قولية وفعلية، قبحة الله- وخرج

стр. 1582

أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق أيضاً، وأمراؤهم: زيد بن صوحان، والأشتر النخعي، وزياد بن النصر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، وعلى الجميع عمرو بن الأصم. وخرج أهل البصرة في عدتهم أيضاً في أربع رايات مع حكيم بن جبلة العبدي، وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي، وذريح بن عباد العبدي، وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي، وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير، وأهل البصرة مصممون على تولية طلحة، لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة، كما تواعدوا في كتبهم، شهر شوال نزل طائقة منهم بذي خشب، وطائفة بالأعوص، والجمهور بذي المروة، وهم على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصاداً وعيوناً بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاءوا للحجج لا لغيرة، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول، فكل الناس أبي دخولهم ونهي عنه، تجاسروا واقتربوا من المدينة، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أقواف (١)، معتم بشقيقة حمار يمانية، متقلداً السيف وليس عليه قميص وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه فسلم عليه المصريون صاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد ﷺ ، فارجعوا لا صبحكم الله، قالوا: نعم! وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل مصر، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة، فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أياماً راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، ما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان، وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن، فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أياماً، هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلى بالناس،

стр. 1583

فيصلى وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم، حتى قال على لأهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيه فقالوا: وجدنا مع بريد كتاباً بقتلنا، وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير، وقال أهل كل مصر: إنما جئنا لننصر أصحابنا، قال لهم الصحابة: كيف علمتهم بذلك من أصحابكم، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله - يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه أمناً - وكان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريداً يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتاباً على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان وعلى جملة، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة على بذلك وإلا فو لله لا كتبت ولا أمليت، ولا دريت بشيء من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون، ويقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم أبي سرح، ويولي محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر، وآخرين معه فرجعوا وقد حنقوا عليه حنقاً شديداً، وطافوا بالكتاب على الناس، دخل ذلك في أذهان كثير من الناس. واستمر عثمان يصلى بالناس في تلك الأيام كلها، وهم أحقر في عينيه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله ﷺ في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه، وأنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ. ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان: لما وقع ما وقع يوم الجمعة، وشج أمير المؤمنين عثمان، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشياً عليه، واحتمل إلى داره وتفاقم الأمر، وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، وألجأوه إلى داره وضيقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثير من الصحابة

стр. 1584

بيوتهم، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر أبائهم، منهم الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير- وكان أمير الدار- وعبد الله بن عمرو، وصاروا يحاجون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أوي سلم إليهم مروان بن الحكم، ولم يقع في خلط أحد أن القتل كان في نفس الخارجين، وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلاً في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلى بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب، وقد استمر الحصر أكثر من شهر، وقيل أربعين يوماً، حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيداً ﵁. كان الحصار مستمراً من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار- وكانوا قريباً من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر، فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج، وأشتد الأمر، وكان سبب ذلك أن عثمان رأي في المنام رؤيا دلّت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده، وشوقاً إلى رسول الله ﷺ ، وليكون خير ابني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (١). وروي أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار، بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسن ابن علي وقد خرج، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير ﵃. ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحدى سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، ومن الجدران وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه، وكان سريع القراءة - فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته

стр. 1585

وجلس وبين يديه المصحف، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١)، كان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود فخنقه خنقاً شديداً حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه وهو يظن أنه قد قتله، ودخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ثم ندم وخرج، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه، فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنه أبانها وقيل: بل قطعها ولم يبنها، إلا أن عثمان قال: والله إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ثم جاء آخر شاهراً سيفه فاستقبتله نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها، ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضي الله عن عثمان. أهـ من البداية والنهاية. ١٦١٢ - *روى أحمد عن الحسن وذكر عثمان وشده حيائه قال إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلق فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يقيم صلبه. ١٦١٣ - * روى مسلم عن سعيد بن العاص ﵁ أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدثاه أن أبا بكر الصديق استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضي إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فضي إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" قال: فقضيت إليه حاجتي، ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان؟ فقال: "إن عثمان رجل حبي، وإن خشيت

стр. 1586

إن أذنتُ له على تلك الحال: أن لا يبلغ إلى في حاجته". ١٦١٤ - * روي أحمد والطبراني وأبو يعلى عن حفصة بنت عمر قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم فوضع ثوبه بين فخذيه فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له رسول الله ﷺ على هيئته وجاء ناس من أصحابه، فأذن لهم وجاء علي فأذن له رسول الله ﷺ على هيأته، ثم جاء عثمان بن عفان، فاستأذن فتجلل ثوبه فأذن له فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، فقتل: يا رسول الله دخل أبو بكر وعمر وعلي وناس من أصحابك وأنت على هيأتك لم تحرك، فلما دخل عثمان تخللت ثوبك، قال "ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة" ١٦١٥ - * روى الطبراني عن عب الرحمن بن عثمان القرشي أن رسول الله ﷺ على ابنته وهي تغسل رأس عثمان فقال: "يا بنية أحسني إلى أبي عبد الله فإنه أشبه أصحابي بي خلقاً". ١٦١٦ - * روى الطبراني عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ، ثمنه أربعة دراهم، أو خمسة، وربطه كوفية ممشقة، ضرب اللحم طويل اللحية حسن الوجه. ١٦١٧ - * روى الترمذي والنسائي عن عثمان: أن النبي ﵌ قدم

стр. 1587

المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: "من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي. وفي الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه العام. ١٦١٨ - * روى الطبراني عن الحسن بن علي قال: رأيت النبي ﷺ في المنام متعلقاً بالعرش ورأيت أبا بكر آخذاً بحقوي النبي ﷺ ورايت عمر آخذاً بحقوي أبي بكر ورأيت عثمان آخذاً بحقوي عمر ورأيت الدم ينصب من السماء إلى الأرض، فحدث الحسن بهذا، وعنده قوم من الشيعة، فقالوا: وما رأيت علياً، فقال الحسن: ما كان أحد أحب إلى أن أراه آخذاً بحقوي رسول الله ﷺ من علي، ولكنها رؤيا رأيتها، فقال أبو مسعود: إنكم لتحدثون عن الحسن بن علي في رؤيا رآها، وقد كنا مع النبي ﷺ في غزاة فأصاب الناس جهد حتى رأيت الكآبه في وجوه المسلمين والفرح في وجوه المنافقين، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: "والله لا تغيب الشمس حتى يأتيكم الله برزق" فعلم عثمان أن الله ورسوله سيصدقان، فاشترى عثمان أربع عشرة راحلة بما عليها من الطعام، فوجه إلى النبي ﷺ منها بتسعة، فلما رأى ذلك النبي ﷺ قال: "ما هذا" قالوا: أهدي إليك عثمان، قال: فعرف الفرح في وجه المسلمين والكآبه في وجوه المنافقين، فرأيت النبي ﷺ قد رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يدعو لعثمان دعاء ما سمعته دعا لأحد قبله: "اللهم أعط عثمان اللهم افعل لعثمان". ١٦١٩ - * روى البزار عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فرأى لحماً، فقال: "من بعث بهذا؟ " قلت: عثمان، قالت: فرأيت رسول الله ﷺ رافعاً يديه يدعو لعثمان.

стр. 1588

١٦٢٠ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: كنت مع رسول الله ﷺ إذا جاء رجل إلى النبي ﷺ فصافحه، فلم ينزع النبي ﷺ يده من يد الرجل حتى انتزع الرجل يده ثم قال له: يا رسول الله جاء عثمان قال: "امرؤ من أهل الجنة". ١٦٢١ - * روى عبد الله بن أحمد عن أم موسى قالت: كان عثمان من أجمل الناس. ١٦٢٢ - * روى الطبراني عن أم عياش قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما زوجت عثمان أم كلثوم إلا بوحي من السماء". ١٦٣٢ - * روى الطبراني عن أم موسي قالت: ولدت رقية لعثمان غلاماً فسماه رسول الله ﷺ عبد الله وكني عثمان بأبي عبد الله. ١٦٢٤ - * روى الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة: قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، فرأيته ﷺ يقبلها في حجرة ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين" ١٦٢٥ - * روى البخاري عن عبد الرحمن أن المسور بن محرمة أخبره: أن الرهط الذين ولا هم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنفاسكم على هذا، ولكنكم إن شئتم اخترتم لكم منكم، فجعوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة

стр. 1589

التي أصبحنا منهما فبايعنا عثمان - قال السور - طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائماً، فو الله ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني فقال: ادع لي علياً، فدعوته، فنجاه حتى إبهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشي من علي شيئاً، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فنجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر - فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون. ١٦٢٦ - * روى الحاكم عن عبد الله بن حوالة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم: "تهجمون على رجل معتجر ببردة يباع الناس من أهل الجنة" فهجمت على عثمان ﵁ وهو معتجر ببرد حبرة يباع الناس. ١٦٢٧ - * روى الطبراني عن الحسن قال: أدركت عثمان وأنا يومئذ قد أرهقت الحلم فسمعته وهو يخطب وشهدته وهو يقول: يا أيها الناس ما تنقمون علي؟ قال: وما من يوم إلا وهم يقسمون فيه خيراً كثيراً يقول: يا أيها الناس اغدوا على أعطياتكم، فيغدون فيأخذونها وافرة، ثم يقال يا أيها الناس اغدوا على كسوتكم فيجاء بالحلل فتنقسم بينهم، قال الحسن: والعدو متقى، والعطيات دارة، وذات البين حسن، والخير كثير، ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمناً، من لقي من الأحياء فهو أخوة ومؤدته ونصرته والفتنة إن سل عليه سيفاً.

стр. 1590

١٦٢٨ - * روى أحمد والطبراني عند عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل دومة وعنده كات بيملي عليه فقال: "ألا نكتبك يا ابن حوالة" قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، فأعرض عني وقال إسماعيل مرة فأكب يملي عليه ثم قال: "ألا نكتبك يا ابن حوالة" قلت: ما أدري ما خار الله لي ورسوله، فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فعرفت أن عمر لا يكتب إلا في خير ثم قال: "أنكتبك يا ابن حوالة" قلت: نعم. قال "ابن حواة، كيف تفعل في فتن تخرج من أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ " قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، قال: "اتبعوا هذا" ورجل مقف حينئذ، فانطلقت فسعيت فأخذت بمنكبه، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ قلت هذا؟ قال: "نعم" فإذا هو عثمان بن عفان. ١٦٢٩ - * روى الحاكم عن أبي حبيبة أنه دخل الدار وعثمان ﵁ محصور فيها وإنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله تعالي وأثني عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "ستلقون بعدي فتنة واختلافاً، أم قال: اختلافاً وفتنة" فقال له قائل: يا رسول الله بم تأمرنا؟ قال: "عليكم بالأمير وأصحابه" وهو يشير بذلك إلى عثمان ﵁ ١٦٣٠ - * روى أحمد عن أبي عون الأنصاري أن عثمان بن عفان قال لابن مسعود هل أنت منته عما بلغني عنك؟ فاعتذر عليه بعض العذر فقال عثمان: ويحك إني قد حفظت

стр. 1591

وسمعت وليس كما سمعت، إن رسول الله ﷺ قال: "إنه سيقتل أمير وينتزي منتز" وإني أنا المقتول وليس عمر إنما قتل عمر واحد وإنه يجتمع علي. ١٦٣١ - * روى الحاكم عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله ﵌ يذكر فتنة فقربها، فمر به رجل مقنع في ثوب فقال: "هذا يومئذ على الهدى" فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان ﵁ فأقبلت إليه بوجهه فقلت هو هذا. قال: "نعم". ١٦٣٢ - * وروى الحاكم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﵌ قال: أدعوا لي - أو- ليت عندي رجلاً من أصحابي" قالت: قلت أبو بكر؟ قال: "لا" قلت: عمر. قال: "لا" قلت أبن عمك علي. قال: "لا" قلت فعثمان. قال: "نعم" قالت: فجاء عثمان فقال: "قومي" قال فجعل النبي ﵌ يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير. قال: فلما كان يوم الدار قلنا: ألا تقاتل؟ قال: لا. إن رسول الله ﵌ عهد إلى أمراً فأنا صابر نفسي عليه ١٦٣٣ - *روى أحمد وأبو يعلي والبزار والطبراني عن شقيق قالك لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد مالي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان قال: أبلغه عن أني لم أفر يوم عينين - قال عاصم يوم أحد - ولم أتخف عن بدر ولم أترك سنة عمر قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان قال: فقال أما قوله إني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقبة بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم ومن ضرب رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر فإني لا أطيقها أنا

стр. 1592

ولا هو فائتة فحدثه بذلك. ١٦٣٤ - * روى البزار عن سعيد بن المسيب قال: رفع عثمان صوته على عبد الرحمن ابن عوف فقال له: لأي شيء ترفع صوتك على وقد شهدت بدراً ولم تشهد وبايعت رسول الله ﷺ ولم تبايع وفررت يوم احد ولم أفر فقال له عثمان: أما قولك أنك شهدت بدراً ولم أشهد فإن رسول الله ﷺ خلفني على ابنته وضرب لي بسهم وأعطاني أجري وأما قولك بايعت رسول الله ﷺ ولم أبايع فإن رسول الله ﷺ بعثني إلى أناس من المشركين وقد علمت ذلك فلما احتبست ضرب بيمينه على شماله فقال هذ لعثمان بن عفان فشمال رسول الله ﷺ خير من يميني وأما قولك فررت يوم التقي الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾ فلم تعيروني بذنب قد عفا الله عنه. أقولك هاتان الروايتان مهمتان في تعليل مجريات الأمور زمن عثمان ﵁، فعبد الرحمن بن عوف هو الذي قدم عثمان وبايعه على سنة أبي بكر وعمر، وتراه في هاتين الروايتين وهو عائب ناقد، مما يشير إلى أن كبار الصحابة لم يكونوا مرتاحين لسياسة عثمان وهذا الذي أعطي الفتنة وأهلها الفرصة أن يشوشوا، وفي ذلك درس للأمراء أن يلحظوا آراء كبار الناس يهم، وأن يعدلوا سياستهم على ضوء الصالح منها (١) مع ملاحظة أن ما فعله عثمان لا يخرج عن كونه مباحاً، ولكن ألفوا سياسية عمر التي تأخذ في العزائم وتبتعد عن الرخص فلم يعودوا يرضون بسياسة أقل من ذلك، وهذا تصديق لما توقعه علي أن سياسة عمر ستتعب كل من سيأتي بعده. ١٦٣٥ - * روى النسائي عن الأحنف بن قيس قال خرجنا حجاجاً فقدمنا المدينة ونحن نريد الحجج، فبينا نحن في منازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت، فقال: إن الناس قد اجتمعوا في المسجد وفزعوا فانطلقنا، فإذا الناس مجتمعون على نفر في وسط المسجد وإذا

стр. 1593

علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، فإنا لكذلك إذا جاء عثمان بن عفان عليه ملاءمة صفراء قد قنع بها رأسه فقال: أههنا علي، أههنا طلحة، أههنا الزبير، أههنا سعد، قالوا: نعم. قال: فإني أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له" فابعتثه بعشرين ألفاً أو بخمسة وعشرين ألفا فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "أجعلها في مسجدنا وأجره لك" قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع بئر رومة غفر الله له"فابتعته بكذا وكذا فأتيت رسول الله ﷺ فقلت قد ابتعتها بكذا وكذا قال: "أجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك" قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم فقال: "من جهز هؤلاء غفر الله له" يعني جيش العسرة، فجهزتهم حتى ما يفقدون عقالاً ولا خطاماً قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم أشهد اللهم أشهد. ١٦٣٦ - * روى الترمذي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ﵁: أن عثمان بن عفان اشرف يوم الدار، فقال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرؤ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زناً بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق، فيقتل به؟ "فو الله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله ﷺ ولا قتلت النفس التي حرم الله، فبم تقتلونني؟ وفي رواية النسائي (١) عن أبي أمامة بن سهل، وعبد لله بن عامر بن ربيعة قال: كنا مع عثمان وهو محصور، وكنا إذا دخلنا مدخلاً نسمع كلام من بالبلاط، فدخل عثمان يوماً،

стр. 1594

ثم خرج فقال: اللهم إنهم ليتواعدوني بالقتل، قلنا: يكفيكهم الله، قال: ولم يقتلونني؟ سمعت رسول اله ﷺ يقول: ... وذكر الحديث بنحوه. ١٦٣٧ - * روى البخاري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره: أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك، قال: يا أيها المرء منك، قال معمر: أراه قال: أعوذ بالله منك- فأنصرفت فرجعت إليهما، إذا جاء رسول عثمان: فأتيته، فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله سبحانه بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ ، فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هدية، وقد أكثر الناس في شأن الوليد، قال: أدركت رسول الله ﷺ ؟ قلتُ: لا، ولكن خلص إلى من علمه ما يخلص إلى العذارء في سترها. قال: أما بعد فإن الله بعث محمداً ﷺ بالحق، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وأمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين - كما قلت- وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته، فو الله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي هم؟ قلت: بلي قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله، ثم دعا علياً فأمره أن يجلد، فجلده ثمانين (١) قوله: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ كأنهم كانوا يتكلمون في سبب تأخيره في إقامة الحد عليه، قال الحافظ في "الفتح" وإنما أخر إقامة الحد عليه ليكشف عن حال من شهد عليه بذلك، فلما وضح الأمر أمر بإقامة الحد عليه.

стр. 1595

قوله: فجلده ثمانين: قال الحافظ في "الفتح" في رواية معمر" فجلد الوليد أربعين جلدة، وهذه الرواية أصح من رواية يونس، والوهم فيه من الراوي عن شيب بن سعيد، ويرجح رواية معمر ما أخرجه مسلم من طريق أبي ساسان قال: شهدت عثمان أتى بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم فشهد رجلان أحدهما حمران يعني مولى عثمان أنه. قد شرب الخمر، فقال عثمان: يا علي فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: امسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، فقال: امسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي، والمعني وجلد أربعين أحب إلى من الثمانين ١٦٣٨ - * روى الترمذي عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: ائتنوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي قال: فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان، فقال: أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: "من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي؟ فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر، قالوا: اللهم. نعم قال: أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ : "من يشتري بقعة أل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة؟ " فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلى فيها ركعتين قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العشرة من مالي؟ قال: اللهم نعم، ثم قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ

стр. 1596

كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضعه برجله وقال: "اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان؟ " قالوا: اللهم نعم قال: الله أكبر، شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاثاً. ١٦٣٩ - * روى البخاري عن عثمان بن عبد الله بن موهب ﵀ قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر: قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أن تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر قال ابن عمر: تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد برداً وسهمه" وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان" فضرب بها على يده فقال: "هذه لعثمان" فقال له ابن عمر: أذهب بها الآن معك ١٦٤٠ - * روى أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى، وأنا أعرض عليك خصالاً ثلاثاً فاختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عدداً وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق لك باباً سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فقال عثمان: أما أن

стр. 1597

أخرج فأقاتلهم فلن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني بها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم"، فلن أكون أنا إياه وأما أن الحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله ﷺ . ١٦٤١ - * روى الطبراني عن النعمان بن بشير قال مات رجل منا يقال له زيد بن خارجة فسجيناه بثوب وقمت أصلى إذا سمعت ضوضاء، فانصرفت فإذا أنا به يتحرك فقال: أجلد القوم أوسطهم عبد الله عمر أمير المؤمنين القوى في أمره القوي في أمر الله عثمان بن عفان أمير المؤمنين العفيف المتعفف الذي يعفو عن ذنوب كثيرة، خلت ليلتان وبقيت أربع واختلف الناس ولا نظام لهم. يا أيها الناس أقبلوا على إمامكم وأسمعوا وأطيعوا هذا رسول الله ﷺ وابن رواحة ثم قال وما فعل خارجة؟ يعني أباه (وكان قد استشهد في أحد) ثم قال أخذت بئر أرس ظلماً ثم هدأ الصوت. ١٦٤٢ - * البزار عن أبي سعيد مولى أبي أسيد، قال: بلغ عثمان، أن وفد أهل مصر، قد أقبلوا فتلقاهم في قرية له، خارجاً من المدينة، وكره أن يدخلوا عليه، أو كما قال، فلما علموا بمكانه، أقبلوا إليه، فقال: ادع لنا بالمصحف، فدعي، يعني به فقال. افتح، فقرأ حتى انتهي إلى هذه الآية ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (١) فقالوا: أحمى الله أذن لك به أم على الله تفتر، فقال: امض، نزلت في كذا وكذا، وأما الحمى، فإن عمر حمى الحمى لإبل الصدقة، فلما وليست، فعلت الذي فعل، وما زدت على ما زاد،

стр. 1598

قال: ولا أراه إلا قال: وأنا يومئذ ابن كذا سنة، قال: ثم سألوه عن أشياء، جعل يقول: أمضه، نزلت في كذا وكذا، ثم سألوه عن أشياء، عرفها، لم يكن عنه فيها مخرج، فقال: استغفر الله، ثم قال: ما تريدون؟ قال: نريد أن لا يأخذ أهل المدينة العطاء، فإن هذا المال، للذي قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد قال: فرضي ورضوا، قال: وأخذوا عليه، قال: وكتبوا عليه كتاباً، وأخذ عليهم أن لا يشقوا غصاً، ولا يفارقوا جماعة، قال: فرضي ورضوا، فأقبلوا معه إلى المدينة، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: إني والله ما رأيت وفداً هم خير من هذا الوفد، ألا من كان له زرع، فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع، فليحتلبه، ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال، لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد، قال: فغضب الناس، وقالوا: هذا مكر بنى أمية، ورجع الوفد، راضون، فلما كان ببعض الطريق، إذا راكب، يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ويعود إليهم، ويسبهم، فأخذوه، فقالوا: ما شأنك؟ إن لك لشأنا، قال: أنا رسول أمير المؤمنين، إلى عامله بمصر، ففتشوه، فإذا معه كتاب، على لسان عثمان، عليه خاتمه، أن يصلبهم، أو يضرب أعناقهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم، قال: فرجعوا وقالوا: قد نقض العهد، وأحل الله ذمة، فقدموا المدينة، فأتوا علياً، فقالوا: ألم تر؟ إلى عدو الله، كتب فينا بكذا وكذا، قم معنا إليه، فقال: والله لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا، قال: والله ما كتبت إليكم كتاباً قط، فنظر بعضهم على بعض، ثم بعضهم: ألهذا تقاتلون أم لهذا تغضبون؟ وخرج علي، فنزل قرية خارجاً من المدينة، فأتوا عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، قال: إنما هما اثنتان، أن تقيموا شاهدين، أو يمين بالله ما كتبت، ولا أمليت، ولا علمت، وقد تعلمون الكتاب يكتب على لسان الرجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم، قال: فحصروه، فأشرف عليهم ذات يوم، فقال: السلام عليكم فما أسمع أحداً على الخاتم، قال: فحصروه، فأشرف عليهم ذات يوم، فقال: السلام عليكم فما أسمع أحداً رد عليه، إلا أن يرد رجل في نفسه، فقال، أنشدكم بالله، أعلمتم أني اشتريت رومة من مالي، استعذب بها، فجعلت رثائي فيها كرشاء رجل من المسلمين؟ قيل: نعم، قال: فعلام تمنعوني أشرب من مائها، حتى أفطر على ماء البحر؟ قال: نشدتكم بالله، علمتم أني اشتريت كذا وكذا، من مالي، فزدته في المسجد، قالوا: نعم، قال: فهل علمتم أن أحداً منع فيه الصلاة قبلي، ثم ذكر أشياء،

стр. 1599

قال له رسول الله ﷺ قال: وأراه ذكر كتاباته المفصل بيده، قال ففشا النهي، وقيل: مهلاً عن أمير المؤمنين. ١٦٤٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر فتنة، فقال: "يقتل فيها هذا مظلوماً" لعثمان. ١٦٤٤ - * روى أحمد والطبراني عن قتادة أن عثمان قتل وهو ابن تسعين أو ثمان وثمانين سنة. ١٦٤٥ - *روى الطبراني عن الزبير بن بكار قال: قتل عثمان بن عفان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وكان يومه صائماً. ١٦٤٦ - * روى عن عبد الله بن أحمد وأبو يعلي عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان بن عفان أعتق عشرين عبداً مملوكاً، ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام وأبا بكر وعمر فقالوا لي أصبر فإنك تفطر عندنا القابلة ثم دعا بمصحف فنشره بينيديه فقتل وهو بين يده ١٦٤٧ - * روى الطبراني عن يزيد بن أبي حبيب: أن عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان جنوا. يحتمل النص أن من سار إلى عثمان كان في حالة جنونية من السفه، لأن المعروف أن

стр. 1600

بعض الذين ساروا إلى عثمان ولوحقوا فيما بعد قتلوا وهم في حالة عادية من العقل. ١٦٤٨ - *روى الحاكم عن عمير بن سعيد قال أراد علي أن يسير إلى الشام إلى صفين، واجتمعت النخع حتى دخلوا على الأشتر بيته فقال: هل في البيت إلا نخعي قالوا: لا قال: إن هذه الأمة عمدت إلى خير أهلها فقتلوه، يعني عثمان، وإنا قاتلنا أهل البصرة بيعه تأولنا عنه وإنكم، تسيرون إلى قوم ليس لنا عليهم بيعة، فيلنظر كل امرئ أين يضع سيفه. ١٦٤٩ - * روى الحاكم عن قيس بن عباد قال: سمعت علياً ﵁ يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله ﵌: "ألا استحي ممن تستحي منه الملائكة" وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة، فقلت اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت فلقد قالوا يا أمير المؤمنين فكأنما صدع قلبي وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى ١٦٥٠ - *روى الطبراني عن عبد الله بن سلام أنه قال حين هاج الناس في أمر عثمان: أيها الناس لا تقتلوا هذا الشيخ، واستعتبوه فإنه لن تقتل أمة نبيها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء سبعين ألفاً منهم، ولن تقتل أمة خليفتها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء أربعين ألفاً منهم، فلم ينظروا فيما قال: وقتلوه فجلس لعلي في الطريق فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أرض العراق، قال: لا تأت العراق وعليك بمنبر رسول الله ﷺ ، فوثبت به (أي عليه) أناس من أصحاب علي وهموا به، فقال علي: دعوه فإنه مننا أهل

стр. 1601

البيت، فلما قتل علي قال عبد الله بن معقل: لهذه رأس الأربعين وسيكون على رأسها صلح ولن تقتل أمة نبيها إلا قتل به سبعون ألفاً، ولن تقتل أمة خليفتها إلا قتل به أربعون ألفاص. ١٦٥١ - * روى الطبراني عن مالك بن أنس: قال قتل عثمان فأقام مطروحاً على كناسة بني فلان ثلاثاً، وأتاه أثنا عشر رجلاً منهم جدي مالك بن أبي عامر وحويطب ابن عبد العزي وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير، وعائشة بنت عثمان معهم مصباح في حق، فحملوه على باب وإن رأسه تقول على الباب طق، طق، حتى أتوا به البقيع فاختلفوا في الصلاة عليه فصلى عليه حكيم بن حزام أو حويطب بن عبد العزي- شك عبد الرحمن - ثم أرادوا دفنه فقام رجل من بني مازن، فقال: لئن دفنتموه مع المسلمين لأخبرن الناس غداً، فحملوه حتى أتوا به حش كوكب، فلما دلوه في قبره صاحت عائشة بنت عثمان فقال لها ابن الزبير: اسكتي فوالله لئن عدت لأضربن الذي فيه عينك، فلما دفنوه وسوا عليه التراب قال لها أبن الزبير: صيحي ما بدا لك، أن تصيحي قال مالك: وكان عثمان قبل ذلك يمر بحش كوكب فيقول: ليدفنن هاهنا رجل صالح. ١٦٥٣ - * روى الطبراني عن أبي الأسود الديلي قال: سمعت أبا بكرة يقول: لأن أخر من السماء فأنقطع، أحب إلى من أكون شركت في دم عثمان. ١٦٥٣ - * روى الطبراني عن جبير بن نفير قال: بينا نحن معسكرون مع معاوية بعد قتل عثمان، فقام مرة بن كعب البهزي فقال: أنا والله لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت هذا المقام، فلما سمع معاوية ذكر رسول الله ﷺ أجلس الناس قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس إذا مر بنا عثمان بن عفان مترجلاً معنقاً، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 1602

"لتخرجن فتنة من تحت رجلي أو من تحت قدمي هذا، ومن اتبعه يومئذ على الهدي" فقمت حتى أخذت بمنكبي عثمان حتى بينته إلى رسول الله ﷺ فقلت: هذا؟ قال: "نعم هذا، ومن اتبعه يومئذ على الهدي" فقام عبد الله بن حوالة الأزدي من عند المنبر فقال: إنك لصاحب هذا، قال: نعم، قال: أما والله إني حاضر ذلك المجلس ولو كنت أعلم أن لي في الجيش مصدقاً لكنت أول من تكلم به. أقول: في هذه الرواية صورة عن الأمور التي كانت تثبت المطالبين بدم عثمان فتجعلهم قلباً واحداً، كما أن أمثال هذه الروايات -مما سيمر معنا نموذج عنها - هي التي جعلت بعض المؤمنين بحق علي في الخلافة لا يتحمسون للخروج والقتال معه، ومن ههنا نفهم أن القتال بين الطرفين كانت له مسوغاته عند كل واحد منهم. ١٦٥٤ - * روى البخاري عن يزيد بن أبي عبيد ﵁ قال: لما قتل عثمان خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة، وتزوج هناك امرأة، وولدت له أولاً، فلم يزل بها، حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة، فمات بها. ١٦٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن يزيد بن عبيد: أن سلمة دخل على الحجاج، فقال: يا ابن الأكوع، ارتددت على عقبيك، تعزبت؟ قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو. وفي رواية (٣) النسائي إلى قوله: عقبيك قال: وذكر كلمة معناها "وبديت" وذكر باقية. قال ابن الأثير: (تعزبت) تعزب: بعد، تقول: عزب الشيء يعزب، ويعزبك إذا بعد، والمراد: بعدت عن الجماعات والجمعات بالتزامك سكني البادية، هكذا شرحه الحميدي في كتابه، وقال الأزهري: تعرب الرجل - بالراء المهملة- إذا عاد إلى الأعراب بعد الهجرة،

стр. 1603

وأقام بالبادية، والذي جاء في كتاب مسلم الذي قرأناه: تعربت ـ بالراء المهملة-. (وبديت) البدو: الخروج إلى البادية تقول: بدوت أبدو، وقد جاء في هذا الحديث "بديت" بالياء، ولعله سهو من الراوي، أو الكاتب، والأصل ما ذكرناه، أهـ كلام ابن الأثير. أقول: في هذا الحديث إشارة إلى أن سلمة راي الفتنة بدأت بمقتل عثمان فاعتزل الناس. ١٦٥٦ - * روى الطبراني عن حميد بن هلال قال: لما هاجت الفتنة قال عمران بن حصين لحجير بن الربيع العدوي: اذهب إلى قومك فإنهم عن الفتنة قال: إني لمغموز فيهم وما أطاع قال: فأبلغهم عني وإنهم عنها. قال وسمعت عمران يقسم بالله لأن أكون عبداً حبشياً أسود في أعنز حصبات في رأس جبل ارعاهن حتى يدركني أجلي أحب إلى أن أرمي أحد الصفين بسهم أخطأت أم أصبت. ١٦٥٧ - * روى الطبراني عن زهدم الجرمي قال: خطبنا ابن عباس فقال: لو أن الناس لم يطلبوا بدم عثمان لرجموا بالحجارة من السماء. ١٦٥٨ - * روى الطبراني عن طليق بن خشاف يقول: وفدنا إلى المدينة لننظر فيم قتل عثمان؟ فلما قدمنا مر منا بعض إلى علي وبعض إلى الحسينبن علي ﵄ وبعض إلى أمهات المؤمنين ﵅، فانطلقت حتى أتيت عائشة فسلمت عليها فردت السلام، فقالت: ومن الرجل؟ قلت: من أهل البصرة، فقالت: من أي أهل البصرة؟ قلت: من بكر بن وائل، قالت: من أي بكر بن وائل؟ قلت: من بني قيس بن ثعلبة، قالت: أمن أهل فلان؟ فقلت لها: يا أم المؤمنين فيم قتل عثمان أمير المؤمنين رضي الله

стр. 1604

عنه؟ قالت: قتل والله مظلوماً، لعن الله قتلته أقاد الله ابن أبي بكر به وساق الله إلى أعين بني تميم هواناً في بيته واهراق الله دماء بني بديل على ضلالة وساق الله إلى الأشتر سهماً من سهامه، فو الله ما من القوم رجل إلا أصابته دعوتها. ١٦٥٩ - * روى الطبراني عن عدي بن حاتم قال: قال رجل لما قتل عثمان: لا ينتطح فيها عنزان: قلت: بلى وتفقاً فيها عيون كثيرة. ١٦٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الملك بن عمير أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام استأذن على الحجاج بن يوسف، فأذن له، فدخل وسلم وأمر رجلين مما يلي السرير أن يوسعا له فأوسعا له فجلس فقال له الحجج: لله أبوك، أتعلم حديثاً حدثه أبوك عبد الملك ابن مروان عند جدك عبد الله بن سلام قال: فأي حديث رحمك الله؟ فرب حديث، قال: حديث المصريين حين حصروا عثمان محصور فانطلق فدخل عليه فوسعوا له، حتى دخل فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين. فقال: وعليك السلام، ما جاء بك يا عبد الله بن سلام؟ قال: جئت لأثبت حتى أستشهد أو يفتح الله لك، ولا أرى هؤلاء القوم إلا قاتليك فإن يقتلوك فذاك خير لك وشر لهم. فقال عثمان: أسألك بالذي لي عليك من الحق لما خرجت إليهم، خير يسوقه الله بك وشر يدفعه بك الله، فسمع وأطاع فخرج عليهم فلما رأوه اجتمعوا وظنوا أنه قد جاءهم ببعض ما يسرون به، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله بعث محمداً ﷺ بشيراً ونذيراً يبشر بالجنة من أطاعه وينذر بالنار من عصاه وأظهر من اتبعه على الدين كله ولو كره المشركون، ثم اختار له المساكن فاختار له المدينة فجعلها دار الهجرة وجعلها دار الإيمان، فو الله ما زلت الملائكة حافين بالمدينة منذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم، وما زال سيف الله مغموداً عنكم منذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم ثم قال: إن الله بعث محمداً ﷺ بالحق فمن اهتدى فإنما يهتدي بهدي الله ومن ضل فإنما

стр. 1605

يضل بعد البيان والحجة، وإنه لم يقتل نبي فيما مضي إلى قتل به سبعون ألف مقاتل كلهم يقتل به، ولا قتل خليفة قط إلا قتل به خمسة وثلاثون ألف مقاتل، كلهم يقتل به، فلا تعجلوا على هذا الشيخ بقتل، فو الله لا يقتله رجل منكم إلا ولهذا الشيخ عليكم مثله قال فقاموا فقالوا: كذبت اليهود كذبت اليهود فقال: كذبتم والله وأنتم آثمون ما أنا يهودي وإني لأحد المسلمين يعلم الله بذلك ورسوله والمؤمنون، وقد أنزل الله في القرآن ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (١)، وقد أنزل الآية الأخرى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (٢) قال: فقاموا فدخلوا على عثمان فذبحوه كما يذبح الحلان قال شعيب: فقلت لعبد الملك بن عمير: ما الحلان؟ قال: الحمل، قال: وقد قال عثمان لكثير من الصلت: يا كثير أنا والله مقتول غداً، قال: بل يعلي الله كعبك ويكبت عدوك، قال: ثم أعادها الثالثة فقال مثل ذلك، قال: عم تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر فقال لي: "يا عثمان أنت عندنا غداً وأنت مقتول غداً" فأنا والمقتول قال: فقتل فخرج عبد الله بن سلام إلى القوم قبل أن يتفرقوا فقال: يا أهل مصر يا قتلة عثمان قتلتم أمير المؤمنين أما والله لا يزال عهد منكوث ودم مسفوح ومال مقسوم لا سقيتم. ١٦٦١ - * روى الطبراني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لما ضرب الرجل يد عثمان ال: إنها لأول يد خطت المفصل. ١٦٦٢ - * روى أحمد عن أبي عبد الله الجسري قال: دخلت على عائشة وعندها حفصة بنت عمر فقالت لي: هذه حفصة زوج النبي ﷺ ، ثم أقبلت عليها فقالت: أنشدك الله

стр. 1606

أن تصدقيني بكذب أو تكذبيني بصدق، تعلمين أني كنت أنا وأنت عند رسول الله ﷺ فأغمي عليه فقلت لك: أترينه قد قبض؟ قلت: لا أدري، ثم أفاق قال: "افتحوا له الباب" ثم أغمي عليه، فقلت لك: أترينه قد قبض؟ قلت: لا أدري. ثم أفاق قال: "افتحوا له الباب" ثم أغمي عليه، فقلت لك: أترينه قد قبض؟ لا أدري، ثم أفاق قال: "أفتحوا له الباب" فقلت لك: أبي أو أبوك؟ قلت: لا أدري، ففتحنا له الباب فإذا عثمان ابن عفان فلما رآه النبي ﷺ قال: "ادنه" فأكبعليه فساره شيء لا أدري أنا وأنت ما هو، ثم فع رأسه فقال: "أفهمت ما قلت لك؟ " قال: نعم، قال: "ادنه" فأكب عليه أخرى مثلها فساره بشيء لا ندري ما هو ثم رفع رأسه فقال: "أفهمت ما قلت لك؟ " قال: نعم قال: "ادنه" فأكب عليه إكباباً شديداً فساره شيء ثم رفع رأسه فقال: "فهمت ما قلت لك؟ "قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقال له: "أخرج" قال: فقالت حفصة: اللهم نعم، أو قالت: اللهم صدق. وفي رواية (١) للطبراني في الأوسط بنحوه وزاد: فقال: "يا عثمان عسي أن يقمصك الله قميصاً فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه" ثلاث مرات فقال لها النعمان ابن بشير: يا أم المؤمنين أين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: نسيته ورب الكعبة حتى قتل الرجل. وفي رواية عند الطبراني (٢) أيضاً: فما فجأني إلا وعثمان جاث على ركبتيه قائلاً أظلما وعدوانًا يا رسول الله؟ فحسبت أنه أخبره بقتله. * * *

стр. 1607

تعليقات هؤلاء الذين ثاروا على عثمان أرادوا أن يتعجلوا انتهاء أمره فماذا حدث: كانت الأمة الإسلامية بخير وكانت في توسع مستمر وكانت الخيرات تنصب عليها من كل مكان، فانتقلت من هذه الحال فوقفت الفتوحات وأصبح بأس الأمة فيما بينها شديداً، تعجلوا أمر عثمان لأنه قرب أقرباءه فأل الأمر نتيجة لاستعجالهم إلى أن استقر في بني أمية وانتهت الخلافة الراشدة وجاء الملك العضوض، هذه عاقبة فعل أهل الشؤم هؤلاء. إن عثمان خليفة راشد يقتدي به وأفعاله تشكل سوابق دستورية في هذه الأمة، فكما أن عمر سن لمن بعده التحرج عن تقريب الأقربين، فإن عثمان سن لمن بعده تقريب الأقربين، فإن عثمان سن لمن بعده تقريب الأقربين إذا كانوا أهل كفاءة، ومن تتبع سير ولاة عثمان لا يشك في كفاءتهم الإدارية، وكل ما أنكر على عثمان لا يخرج عن دائرة المباح فكيف ترتكب من أجل ذلك الجريمة الكبرى قتل عثمان ﵁؟ ومع إيماننا أن كل ما فعله عثمان هو محل القدوة وأنه قتل مظلوماً، ومع براءتنا إلى الله من دمه فإنه قد يكون من المناسب أن نأخذ دروساً مما حدث: إن عثمان خليفة راشد وهو أفضل خلق الله أثناء خلافته وله من القدم والسابقة الكثير الكبير، ثم هو الخليفة الشرعي للمسلمين وقتذاك بإجماع، ومع ذلك فقد حدث عليه تمرد وقامت فتنة انتهت بقتله عليه رضوان الله، وهذا يعطينا درساً هو أن الشرعية النظامية وحدها ليست كافية لاستقرار الحكم، هذا مع أن هذه الشرعية كان يرافقها رخاء عريض. هذا كله أمام قضية تحتاج إلى تحليل: لماذا انتفض الأمر على عثمان ﵁؟ لقد انتقض الأمر على عثمان ﵁ لأسباب كثيرة أجملها بما يلي: بظهور الورع الجاهل، وتفتح الحاقدين على طرق للتآمر، وطموح الطامعين، والعفوية في التعامل مع المرحلة، وعدم مراعاة الرأي العام ونفسية المحكومين، أذكر ذلك ليأخذ المسلمون دروسها فيعرفوا أن الحكم هو الحكم، وأن الصلاح والسبق والقدم والوفاء كل ذلك إذا لم يرافقه قيام بشأن الحكم فإن الحكم يتعرض للتصدع والأمة تتعرض للهلاك، وهذا

стр. 1608

شرح مختصر لأسباب الفتنة في اجتهادي: ١ - ظهور الورع الجاهل: الورع في الشريعة طيب وهو أن يترك الإنسان ما لا بأس به مخافة مما فيه بأس، وهو في الأصل ترفع عن المباحات في الله ولله، والورع شيء شخصي يصح للإنسان أن يطالب به نفسه، ولكن لا يصح أن يطالب به الآخرين، ومن أخطر أنواع الورع: الورع الجاهل الذي يجعل المباح حراماً أو مفروضاً، وهذا الذي وقع فيه أصحاب الفتنة، ومن قبلهم وقع فيه أصحاب السامري، لقد أتي السامري قومه من فكرة الورع الجاهل هذه فقال لقوم موسي: إن هذا الذهب الذي أخذتموه من قوم فرعون ما كان يجوز لكم أن تأخذوه فهاتوه لنصنع به عجلاً، جاءهم من فكرة الورع مستغلاً جهلهم بأن ما فعله موسي مباح، لأن هذا مال حربيين، وهؤلاء أصحاب الفتنة أتوا إلى أفعال مباحة فعلها عثمان ﵁ وكان من قبله يتحرج من أمثالها فجعلوا المباح حراماً، فاستغلوا الورع الجاهل عند أصناف من الناس فكانت الفتنة والمأساة. ٢ - تآمر الحاقدين: لقد دخل في الإسلام منافقون موتورون اجتمع لهم من الحقد والذكاء والدهاء ما استطاعوا أن يستوعبوا الساحة النفسية للمجتمع الإسلامي وقتذاك، وأن يدركوا نقاط الضعف التي يستطيعون من خلالها أن يوجدوا الفتنة، ووجدوا في المجتمع آذاناً صاغية تصغي لهم فكان من آثار ذلك ما كان. ٣ - طموح الطامحين: وجد في الجيل الثاني من أبناء الصحابة من يعتبر نفسه جديراً بالحكم والإدارة، ووجد أمثال هؤلاء أن الطريق أمامهم مغلق، وفي العادة أنه متي وجد الطامحون الذين لا يجدون لطموحهم متنفساً، فإنهم يدخلون في كل عملية تغيير، ومعالجة أمر هؤلاء في غاية الأهمية. ٤ - العفوية: أصبح في المجتمع الإسلامي مستجدات كثيرة نتيجة لتوسع رقعة الأرض الإسلامية ونتيجة

стр. 1609

لقلة جيل الصحابة بالنسبة لمجموع من دخل في الإسلام من جديد، ونتيجة لتفرق الصحابة في الأمصار، وكانت هذه المستجدات تحتاج إلى مبادرات تكافئها وإجراءات تتناسب معه، ولم يكن التركيب النفسي للمسلمين يسمع بهذه المبادرات، ولذلك بقيت العفوية هي التي تحكم الوضع الجديد مما أتاح للمتآمرين فرص الانقضاض. ٥ - عدم مراعاة الرأي العام السائد: لقد كانت سياسة أبي بكر وعمر تقوم على الحذر والبعد عن أي مظنة تهمة، وألف المسلمون هذه السياسة حتى اعتبروها بدهية، وكان جزء من هذه السياسة عدم تقريب الأقارب وعدم استعمالهم على الولايات، فلما جاء عثمان كان الرأي العام السائد وقتذاك أن هذه الأمور يجب أن تراعي، فلما أحس الناس أن بني أمية قد أصبحت الأمور بيدهم وموقفهم من الإسلام قريب لم ينس بعد، ورأي الناس أن الذين ضحوا وبذلوا وجاهدوا وسبقوا لهم من الأمر شيء، دخلوا في دائرة التذمر أو اللامبالاة، ومتي وجد التذمر عند بعض الناس واللامبالاة عند الآخرين فالانفجار حاصل، وقد كان. ... هذه المعاني كلها توصلنا إلى الدرس التالي: إن الشرعية الدستورية وحدها ليست كافية لاستقرار الحكم إذا لم يرافقها تلاحم في الصف الأول وحرص عند هذا الصف على النظام، وإذا لم يرافقها قوة مبادرة تسبق المشكلة أو تحلها سريعاً وإذا لم يرافقها رؤية واضحة للواقع وحسن تعامل معه، ومع هذا كله لا بد من استشراف للتركيب النفسي للأمة وحسن تأت لتوجيه الوجهة الصالحة وجعله متفاعلاً مع النظام. ولا نريد بهذا الكلام أن نوجه نقداً لعثمان فقد كان يسير بسياسة يستقبلها الصديقون بالتسليم وكان يتعامل مع الناس ويعاملهم بروح الصديقين، ولكن المجتمع الإسلامي طرأت عليه طوارئ ومستجدات تجعلها نحاول أخذ العبرة، ونبرأ إلى الله من كل من يظن سوءاً بعثمان أو ينتقصه.

стр. 1610

على بن أبي طالب ﵁ قال ابن حجر في الإصابة: على بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القوضي الهاشمي أبو الحسن .. أول الناس إسلاماً في قول كثير من أهل العلم، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربي في حجر النبي ﵌ ولم يفارقه وشهد معه المشاهد إلى غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة ألا ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، وزوجة ابنته فاطمة وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد ولما أخي النبي ﵌ بين أصحابه قال له: أنت أخي، ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقال غيره: وكان سبب ذلك بغض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته وكلما أرادوا إخماده وهددوا من حدث بمناقبه لا يزداد إلا انتشاراً وقد ولد له الرافضة مناقب موضوعة هو غني عنها وتتبع النسائي ما خص به من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئاً كثيراً بأسانيد أكثرها جياد. يروي عن النبي ﷺ ، وروى عنه من الصحابة: ولده الحسن والحسين وابن مسعود وأبو موسي وابن عباس وأبو رافع وابن عمر وأبو سعيد وصهيب وزيد بن أرقم وجرير وأبو أمامة وأبو جحيفة والبراء بن عازب وأبو الطفيل وآخرون، ومن التابعين من المخضرمين أومن له رؤية: عبد الله بن شداد بن الهاد وطارق بن شهاب وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الحارث بن نوفل ومسعود بن الحكم ومروان بن الحكم وآخرون، ومن بقية التابعية عدد كثير من أجلهم أولاده محمد وعمر والعباس وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام. وكان أحد الشورى الذين نص عليهم عمر فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف وشرط عليه شروطاً امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان فقبلها، فولاه وسلم علي وبايع عثمان ولم يزل بعد النبي ﵌ متصدياً لنصر العلم والفتيا، فلما قتل عثمان بايعه الناس ثم كان من قيام جماعة من الصحابة منهم طلحة والزبير وعائشة في طلب دم عثمان، فكان من وقعة الجمل ما اشتهر ثم قام معاوية في أهل الشام وكان أميرها لعثمان ولعمر من

стр. 1611

قبله فدعا إلى الطلب بدم عثمان فكان من وقعة صفين ما كان، وكان رأي على أنهم يدخلون في الطاعة ثم يقوم ولي دم عثمان فيدعي به عنده ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة وكان من خالفه يقول له: تتبعهم واقتلهم فيري أن القصاص بغير دعوي ولا إقامة بينه لا يتجه وكل من الفريقين مجتهد، وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمار أن الصواب كان من علي واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القيدم، ولله الحمد. وقال يحيي بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن وقال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به، وقال وهب بن عبد الله بن أبي الطفيل: كان علي يقول: سلوني سلوني وسلوني عن كتاب الله تعالي فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار. وأخرج الترمذي - وأصله في مسلم - من علي قال: لقد عهد إلى النبي ﵌ أن لا يحبك إلا مؤمن, لا يبغضك إلا منافق وأخرج الترمذي بإسناده قوي عن عمران ابن حصين في قصة قال فيها: قال رسول الله ﵌: "ما تريدون علي؟ إن علياً مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي" وفي مسند أحمد بسند جيد عن علي قال قيل: يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: "إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا علياً وما أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الطريق المستقيم"وكان قتل علي في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر لأنه بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت وقعة الجمل في جمادي سنة ست وثلاثين ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة وثلاثين ثم أقام سنتين يحرض على قتال البغاة فلم يتهيأ لك إلى أن مات أهـ كلام الحافظ. وقال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة الإمام على ﵁: أبو الحسن والحسين، ويكني بأبي تراب، وأبي القيم الهاشمي، ابن عمر رسول الله ﷺ وختنه على ابنته

стр. 1612

فاطمة الزهراء، وأمة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ويقال إنها أو هاشمية ولدت هاشمياً، وكان له من الإخوة طالب، وعقيل، وجعفر، وكانوا أكبر منه، بين كل واحد منهم ويبين الآخر عشر سنين، وله أختان، أم هانئ وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وقد أسلمت وهاجرت، كان علي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان ممن توفي ورسول الله ﷺ راض عنهم وكان رابع الخلفاء الراشدين وكان رجلاً آدم شديد الأمة أشكل العينين (١)، عظيمهما، ذو بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب، وكان عظيم اللحية، ضحوك السن، خفيف المشي على الأرض، أسلم علي قديماً، ويقال إنه أول من أسلم، والصحيح أنه أول من أسلم من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار، وكان سبب إسلام على صغير أنه كان في كفالة رسول الله ﷺ ، لأنه كان قد أصابتهم سنة مجاعة فأخذه من أبيه، فكان عنده، فلما بعثه الله بالحق آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي. وقد شهد علي بدراً وكانت له اليد البيضاء فيها، بارز يومئذ فغلب وظهر، وفيه وفي عمه حمزة وابن عمه عبيده بن الحارث وخصومهم الثلاثة- عتبة وشيبة الوليد بن عتبة - نزل قوله تعالي: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٢) الآية، وقال الحكم وغيره عن مقسم عن ابن عباس قال: دفع النبي ﷺ الراية يوم بدر إلى علي وهو ابن عشرين سنة، وشهد على أحداً وكان على الميمنة ومعه الراية بعد مصعب بن عمير، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري، وحمزة بن عبد المطلب على القلب، وعلى الرجالة الزبير بن العوام، وقيل المقداد بن الأسود، وقد قاتل على يوم أحد قاتلاً شديداً، وقتل خلقاً كثيراً من المشركين، وغسل عن وجه النبي ﷺ الدم الذي كان أصابه من الجراح حين شج في وجهه وكسرت رباعيته وشهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب، وأحد شجعانهم المشاهير، عمرو بن

стр. 1613

عبد ود العامري، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان، وشهد خيبر وكانت له بها مواقف هائلة، ومشاهد طائلة، وشهد علي عمرة القضاء وفيها قال له النبي ﷺ : "أنت مني، وأنا منك". وشهد الفتح وحنيناً والطائف، وقاتل في هذه المشاهد قتالاً كثيراً، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله ﷺ ، ولما خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك واستخلفه على المدينة، قال له: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي".وبعثه رسول الله ﷺ أميراً وحاكماً على اليمن، ومعه خالد بن الوليد، ثم وافى رسول الله ﷺ عام حجة الوداع إلى مكة، وساق معه هدياً كإهلال النبي ﷺ فأشركه في هديه، واستمر على إحرامه. ولما مرض رسول الله ﷺ قال له العباس: سل رسول الله ﷺ فيمن الأمر بعده؟ فقال: والله لا أسأله، فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبداً، والأحاديث الصحيحة دالة على أن رسول الله ﷺ لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة، بل لوح بذكر الصديق، وأشار إشارة مفهمة ظاهرة جداً إليه، ثم لما مات رسول الله ﷺ كان علي من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه. ولما بويع الصديق يوم السقيفة كان علي من جملة من بايع بالمسجد وكان بيدي يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يري طاعته فرضاً عليه، وأحب الأشياء إليه، ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر - وكانت قد تغضبت بعض الشيء على أبي بكر بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها ﵊، ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء وأنهم لا يورثون، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظراً على هذه الصدقة، فأبي ذلك عليها، فبقي في نفسها شيء كما قدمنا، واحتاج علي أن يداريها بعض المدارة- فلما توفيت جدد البيعة مع الصديق ﵄، فلما توفي أبو بكر وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر بذلك، كان علي من جملة من بايعه، وكان معه يشاروه في الأمور، ويقال إنه استقضاه في أيام خلافته، وقدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام، وشهد خطبته بالجابية، فلما طعن عمر وجعل الأمر شورى في ستة أحدهم علي، ثم خلص منهم بعثمان وعلي كما قدمنا، فقدم عثمان علي علي، فسمع وأطاع، فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان

стр. 1614

عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على المشهور عدل الناس إلى علي فبايعوه قبل أن يدفن عثمان، وقيل بعد دفنه وقد امتنع علي من إجابتهم إلى قبول الإمارة حتى تكرر قولهم له وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول، وأغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه، وجاؤوا معهم بطلحة والزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، ولم يزالوا به حتى أجاب. وذكر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر. والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد ابن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم، فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس، وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه النخعي وذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان يوم الجمعة وصعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس، وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: إنا لله وإنا إليه راجعون (١)، ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت عليًا واللج (٢) على عنقي والسلام، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر، وكانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمسة بقين من ذي الحجة اهـ. ابن كثير. قال ابن حجرة: أخرج عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة من طريق المغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال: قال الأشتر: رأيت طلحة والزبير يبايعا غير مكرهين. وأخرج من طريق أبي نضرة، قال: كان طلحة يقول إنه بايع وهو مكره. ومن طريق ابن شهاب قال: ... ثم أرسل -أي علي- إلى طلحة والزبير فبايعاه ا. هـ

стр. 1615

من فتح الباري. وقال ابن كثير: وكان على الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة، وعلى الحرب القعقاع ابن عمرو، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة، وعلى الشام معاوية ابن أبي سفيان، ونوابه على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب ابن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور، وعلى فلسطين حكيم بن علقمة، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله البجلي، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى قيسارية مالك بن حبيب، وعلى همذان جبيش. هذا ما ذكره ابن جرير من نواب عثمان الذين توفي وهم نواب الأمصار، وكان على بيت المال عقبة بن عمرو، وعلى قضاء المدينة زيد بن ثابت، ولما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مضمخ بدمه، ومعه أصابع نائلة التي أصيبت حين حاجفت عنه بيدها، فقطعت مع بعض الطف فورد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، وعلق الأصابع في كم القميص، وندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر والدم وصاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، وجعل القميص يرفع تارة ويوضع تارة، والناس يتباكون حوله سنة، ويحث بعضهم بعضًا على الأخذ بثأره، واعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج: منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: شريك بن حباشة، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن ابن غنم، وغيرهم من التابعين. ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة ﵃، وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان: فاعتذر إليهم بأن هؤلاء مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان ﵁، فقال لهما: مهلاً علي، حتى أنظر في هذا الأمر. ودخل عليه المغيرة بن شعبة على إثر ذلك
следующие страницы →