عبد الله بن الزبير ﵁
قال ابن حجر في ترجمته: عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق .. ولد عام الهجرة وحفظ عن النبي صلى الله عليه وآلة وسلم وهو صغير، وحدث عنه بجملة من الحديث وعن أبيه وعن أبي بكر وعمر وعثمان وخالته عائشة وسفيان بن أبي زهير وغيرهم، وهو أحد العبادلة وأحد الشجعان من الصحابة وأحد من ولي الخلافة منهم، يكنى أبا بكر ثم قيل له أبو خبيب بولد، روى عنه أخوه عروة وابناه عامر وعباد وابن أخيه محمد بن عروة وأبو ذبيان خليفة بن كعب وعبيدة بن عمرو السلماني وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار ووهب بن كيسان وابن أبي مليكة وسماك بن حرب وأبو الزبير وثابت البناني وآخرون، وبويع بالخلافة سنة أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة وحنكه النبي صلى الله عليه وآلة وسلم وسماه باسم جده وكناه بكنيته.
وقال الزبير بن بكار: حدثني عمي قال: سمعت أصحابنا يقولون: ولد سنة الهجرة وأتاه النبي صلى الله عليه وآلة وسلم في اليوم الذي ولد فيه يمشي وكانت أسماء مع أبيها بالسنح فأتي به فنحنكه قال الزبير: والثبت عندنا أنه ولد بقبا، وإنما سكن أبوه السنح لما تزوج مليكة بنت خارجة بن زيد.
ووقع في الصحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة ونزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبي صلى الله عليه وآلة وسلم ثم حنكه بالتمرة ثم دعا وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام.
وقد وقع في بعض طرق الحديث أن عبد الله بن الزبير جاء إلى النبي ﵌ ليبايعه وهو ابن سبع سنين أو ثمان كما أخرجه ابن منده، أمره بذلك الزبير فتبسم
стр. 1647
رسول الله ﵌ حين رآه وبايعه وكان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وكانت يهود تقول قد أخذناهم فلا يولد لهم بالمدينة ولد فكبر الصحابة حين ولد.
وفي الرسالة للشافعي أن عبد الله بن الزبير كان له عند موت النبي ﵌ تسع سنين وقد حفظ عنه. وقال الدينوري في المجالسة [بسنده] قال عبد الله بن الزبير: هاجرت وأنا في بطن أمي. وأخرج الزبير من طريق مسلم بن عبد الله بن عروة بن الزبير عن أبيه أن النبي ﵌ كلم في غلمة من قريش ترعرعوا عبد الله ابن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمرو بن أبي سلمة فقيل لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر فأتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا (١) فاقتحم عبد الله بن الزبير أولهم فتبسم رسول الله ﵌ وقال: إنه ابن أبيه، ومن طريق عبد الله بن مصعب كان رسول الله ﵌ قد جمع أبناء المهاجرين والأنصار الذين ولدوا في الإسلام حتى ترعرعوا فوقفوا بين يديه فبايعهم وجلس لهم فجمع منهم ابن الزبير وأخرج البخاري في ترجمة عبد الله بن معاوية عن عاصم بن الزبير أنه روى عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير قال لابنه عبد الله: أنت أشبه الناس بأبي بكر وأخرج أبو يعلى والبيهقي في الدلائل من طريق هنيد بن القاسم سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أنه أتى النبي ﵌ وهو يحتجم فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يدرك أحد فلما برز عن رسول الله ﵌ عمد إلى الدم فشربه. فلما رجع قال: يا عبد الله ما صنعت بالدم؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس قال: لعلك شربته: قال: نعم قال: ولم شربت الدم؟ الويل للناس منك، وويل لك من الناس. قال أبو موسى قال أبو عاصم: فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم وله شاهد من طريق كيسان مولى ابن الزبير عن سلمان الفارسي رويناه في جزء الغطريف، وزاد في آخره لا تمسك النار إلا تحلة القسم. وأخرج عن أسماء بنت أبي بكر في معجم البغوي وفي البخاري عن ابن عباس أنه وصف ابن الزبير فقال: عفيف الإسلام قارئ القرآن أبوه حواري رسول الله ﵌ وأمة بنت الصديق وجدته
стр. 1648
صفية عمة رسول الله ﵌ وعمة أبيه خديجة بنت خويلد وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا الرنجي بن خالد عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مصلياً أحسن صلاة من ابن الزبير. وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عمود وقال ابن سعد حدثنا روح حدثنا حسين الشهيد عن ابن أبي مليكة كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ثم يصبح اليوم الثامن وهو أليثنا (١) وأخرج البغوي من طريق ميمون بن مهران رأيت ابن الزبير واصل من الجمعة إلى الجمعة وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق ليث عن مجاهد ما كان باب من العبادة إلا تكلف ابن الزبير، ولقد جاء سيل بالبيت فرأيت ابن الزبير يطوف سياحة وشهد ابن الزبير وشهد فتح إفريقية، وكان البشير بالفتح إلى عثمان، ذكره الزبير وابن عائذ واقتص الزبير قصة الفتح وأن الفتح كان على يده وشهد الدار، وكان يقاتل عن عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة، وكان على الرجالة. قال الزبير: حدثني يحيى بن معين عن هشام بن يوسف عن معمر أخبرني هشام بن عروة قال: أخذ عبد الله بن الزبير من وسط القتلى يوم الجمل وفيه بضع وأربعون جراحة فأعطيت عائشة البشير الذي بشرها بأنه لم يمت عشرة آلاف، ثم اعتزل ابن الزبير حروب علي ومعاوية ثم بايع لمعاوية فلما أراد أن يبايع ليزيد امتنع وتحول إلى مكة وعاذ بالحرم. فأرسل إليه يزيد سليمان أن يبايع له فأبى، ولقب نفسه عائذ الله، فلما كانت وقعة الحرة وفتك أهل الشام بأهل المدينة ثم تحولوا إلى مكة فقاتلوا ابن الزبير، واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا، ورجع أهل الشام وبايع الناس عبد الله بن الزبير بالخلافة وأرسل إلى أهل الأمصار يبايعهم إلا بعض أهل الشام فسار مروان فغلب على بقية الشام ثم علي مصر ثم مات، فقام عبد الملك بن مروان فغلب على العراق وقتل مصعب بن الزبير ثم جهز الحجاج إلى ابن الزبير فقاتله إلى أن قتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة وهذا هو المحفوظ وهو قول الجمهور. اهـ.
ولقد سرد الحاكم عدداً من الروايات تشرح دقائق في حياة ابن الزبير، وها نحن ننقل
стр. 1649
بعضها كتتمة لترجمة ابن حجر وكجزء من ترجمة أكثر منها روايات حديثية:
روى الحاكم (١) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: محا ابن الزبير نفسه من الديوان حين قتل عثمان ﵄.
بمعنى أنه لم يعد يأخذ شيئاً من بيت مال المسلمين لإيمانه أن أمر بيت المال قد انتقض فتورع عن أن يأخذ شيئاً.
روى الحاكم (٢) عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة أخرى فكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته. وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا الرجل لم يرد الله طرفة عين وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت هذا الرجل لم يرد الدنيا طرفة عين.
روى الحاكم (٣) عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام فيصبح يوم الثامن وهو أليثنا.
أقول: صيام الوصال مكروه عند الفقهاء لغير رسول الله ﷺ ، وتأولوا ما فعله عبد الله بن الزبير على أنه كان يفعله رياضة.
روى الحاكم (٤) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما مات معاوية ﵁ تثاقل عبد الله بن الزبير عن طاعة يزيد بن معاوية وأظهر شتمه، فبلغ ذلك يزيد فأرسل أن يؤتى به، فقيل لابن الزبير: يصنع لك أغلالاً من ذهب فتسدل عليها الثوب وتبر قسمه والصلح أجمل فقال: لا أبر الله قسمه ثم قال:
ولا ألين لغير الحق أنملة حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
ثم قال: والله لضربة بسيف في عز أحب إلى من ضربة بسوط في ذل. ثم دعا إلى
стр. 1650
نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية فوجه إليه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش أهل الشام وأمره بقتال أهل المدينة، فإذا فرغ من ذلك سار إلى مكة، وقال: فدخل مسلم بن عقبة المدينة وهرب منه يومئذ بقايا أصحاب رسول الله ﵌، وعبث فيها وأسرف في القتل، ثم خرج منها، فلما كان في بعض الطريق إلى مكة مات واستخلف حصين بن نمير الكندي وقال له: يا برذعة الحمار احذر خدائع قريش ولا تعاملهم إلا بالنفاق ثم القطاف، فمضى حصين حتى ورد مكة فقاتل بها ابن الزبير أياماً.
روى الحاكم (١) عن عروة بن الزبير قال: أرسل ابن الزبير إلى الحصين بن نمير يدعوه إلى البزار فقال الحصين: لا يمنعني من لقائك جبن، ولست أدري لمن يكون الظفر، فإن كان لك كنت قد ضيعت من وراءي، وإن كان لي كنت قد اخطأت التدبير وضرب ابن الزبير فسطاطاً في المسجد فكان فيه نساء يسقين الجرحى ويداوينهم ويطعمن الجائع فقال حصين: ما يزال يخرج علينا من ذلك الفسطاط أسد كأنما يخرج من عينه فمن يكفينيه؟ فقال رجل من أهل الشام: أنا، فلما جن عليه الليل وضع شمعة في طرف رمحه ثم ضرب فرسه ثم طعن الفسطاط فالتهب ناراً والكعبة يومئذ مؤزرة في الطنافس، فطارت الريح باللهب على الكعبة حتى احترقت واحترق فيها يومئذ قرنا الكبش الذي فدي به ..
ذكرت الرواية أن المفدي هنا إسحاق وهذا خلاف صحيح، ولذلك لم نثبت كلمة إسحاق حتى لا يتوهم متوهم أن لهذا الرواية قيمة في كتب أهل العلم.
قال محمد بن عمر: ومات يزيد بن معاوية فهرب حصين بن نمير، فلما مات بن معاوية دعا مروان بن الحكم إلى نفسه فأجابه أهل حمص وأهل الأردن وفلسطين، فوجه إليه ابن الزبير الضحاك بن قيس الفهري في مائة ألف فالتقوا بمرج راهط ومروان يومئذ في خمسة آلاف من بني أمية ومواليهم وأتباعهم من أهل الشام فقال مروان لمولى له: احمل على أي الطرفين شئت. فقال: كيف نحمل على هؤلاء مع كثرتهم؟ فقال: هم بين مكره ومستأجر، احمل عليهم لا أم لك فيكفيك الطعان الناجع الجيد وهم يكفونك بأنفسهم، إنما هؤلاء عبيد الدينار والدرهم، فحمل عليهم فهزمهم وأقبل الضحاك بن قيس وانصدع الجيش.
стр. 1651
قال: ثم مات مروان فدعا عبد الملك إلى نفسه وقام فأجابه أهل الشام فخطب على المنبر وقال: من لابن الزبير؟ فقال الحجاج: أنا يا أمير المؤمنين فأسكته ثم عاد فأسكته ثم عاد فأسكته ثم عاد فقال: أنا له يا أمير المؤمنين فإني رأيت في النوم كأني انتزعت جنة فلبستها فعقد له ووجهه في الجيش إلى مكة حرسها الله تعالى حتى وردها على ابن الزبير، فقاتله بها فقال ابن الزبير لأهل مكة: احفظوا هذين الجبلين فإنكم لن تزالوا بخير أعزة ما لم يظهروا عليهما قال: فلم يلبثوا أن ظهر الحجاج ومن معه في المسجد، فلما كان الغداة التي قتل فيها ابن الزبير دخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر ﵂ وهي يومئذ بنت مائة سنة لم يسقط لها سن ولم يفسد لها بصر ولا سمع فقالت لابنها يا عبد الله ما فعلت في حربك؟ قال: بلغوا مكان كذا وكذا قال وضحك ابن الزبير قال: إن في الموت لراحة فقالت: يا بني لعلك تمنيته لي، ما أحب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك إما أن تظفر فتقر بذلك عيني وإمام أن تقتل فأحتسبك. قال: ثم ودعها فقالت له: يا بني إياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل؟ وخرج عنها فدخل المسجد وقد جعل مصراعين على الحجر الأسود يتقي أن يصاب بالمنجنيق وأتى ابن الزبير آت وهو جالس عند زمزم فقال له: ألا نفتح لك الكعبة فتصعد فيها، فنظر إليه عبد الله ثم قال له: من كل شيء تحفظ أخاك إلا من أجله وهل للكعبة حرمة ليست لهذا المكان؟ والله لو وجدوكم معلقين بأستار الكعبة لقتلوكم فقيل له: ألا تكلمهم في الصلح فقال: أوحين صلح هذا؟ والله لو وجدوكم في جوفها لذبحوكم جميعا ثم أنشأ يقول.
ولست بمتاع الحياة بسبة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ليكن أحدكم سيفه كما يكن وجهه لا ينكس سيفه فيدفع عن نفسه بيده كأنه امرأة والله ما لقيت زحفا قط إلا في الرعيل الأول، ولا ألمت جرحاً قط إلا ألم الدواء قال: فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم ومعه سبعون فأول من لقيه الأسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله فقال له الأسود: آه يا ابن الزانية فقال له ابن الزبير: اخسأ يا ابن حام أسماء زانية؟ أي أم عبد الله بن الزبير وحاشاها ثم أخرجهم من المسجد، فانصرف فإذا بقوم قد دخلوا من باب بني سهم فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أهل الأردن
стр. 1652
فحمل عليهم وهو يقول:
لا عهد لي بغارة مثل السيل ... لا ينجلي غبارها حتى الليل
قال: فأخرجهم من المسجد ثم رجع فإذا بقوم قد دخلوا من باب بني مخزوم فحمل عليهم وهو يقول:
لو كان قرني واحداً كفيته ... أوردته الموت وذكيته
قال: وعلى ظهر المسجد من أعوانه من يرمي عدوه بالآجر وغيره فحمل عليهم فأصابته آجرة في مفرقه حتى حلقت رأسه فوقف قائماً وهو يقول
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدا منا تقطر الدماء
قال: ثم وقع فأكب عليه موليان له وهما يقولان: العبد يحمي ربه ويحتمي. قال: ثم سير إليه. فخر رأسه ﵁. اهـ روايات الحاكم.
١٧٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت: فخرجت وأنا متم. فأتيت المدينة فنزلت بقباء، فولدته بقباء. ثم أتيت رسول الله ﷺ ، فوضعه في حجره. ثم دعا بتمرة فمضغها. ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه: ريق رسول الله ﷺ ، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له. وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام.
زاد في رواية (١): ففرحوا به فرحاً شديداً، لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم،
стр. 1653
فلا يولد لكم.
١٧٣٤ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ رأى في بيت الزبير مصباحاً، فقال: "يا عائشة، ما أرى أسماء إلا قد نفست، فلا تسموه حتى أسميه" فسماه عبد الله، وحنكه بتمرة.
١٧٣٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: أول مولود في الإسلام: عبد الله بن الزبير، أتوا به النبي ﷺ ، فأخذ النبي ﷺ تمرة فلاكها، ثم أدخلها في فيه، فأول ما دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ .
١٧٣٦ - * روى مسلم عن عروة وفاطمة بنت المنذر قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، فقدمت قباء، فنفست بعبد الله بقباء، ثم خرجت حين نفست إلى رسول الله ﷺ ليحنكه، فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة. قال: قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسها -يعني تمرة- قبل أن نجدها، فمضغها ثم بصقها في فيه، فأول شيء دخل بطنه لريق رسول الله ﷺ ثم قالت أسماء: ثم مسحه، وصلى عليه، وسماه عبد الله، ثم جاء وهو ابن سبع -أو ثمان- ليبايع رسول الله ﷺ ، وأمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلاً إلية ثم بايعه.
وفي رواية (٢) قالت: جئنا بعبد الله بن الزبير إلى النبي ﷺ يحنكه، فطلبنا تمرة، فعز علينا طلبها.
١٧٣٧ - * روى البخاري عن ابن أبي مليكة ﵀ قال: كان بين ابن عباس وابن
стр. 1654
الزبير شيء، فغدوت على ابن عباس فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحل ما حرم الله؟ فقال: معاذ الله. إن الله كتب ابن الزبير وبني أمية محلين، وإني والله لا أحله أبداً. قال: قال الناس: بايع لابن الزبير، فقلت: وأين بهذا الأمر عنه، أما أبوه فحواري النبي ﷺ -يريد الزبير- وأما جده فصاحب الغار -يريد أبا بكر- وأما أمه فذات النطاق -يريد أسماء- وأما خالته فأم المؤمنين -يريد عائشة- وأما عمته فزوج النبي ﷺ -يريد خديجة- وأما عمه النبي ﷺ فجدته -يريد صفية- ثم عفيف في الإسلام، قارئ للقرآن. والله إن وصلوني وصلوني من قريب، وإن ربوني ربوني أكفاء كرام. فآثر على التويتات والأسامات والحميدات يريد أبطنا من بني أسد: بني تويت وبني أسامة ومن أسد. إن ابن أبي العاص برز يمشي القدمية، يعني عبد المالك بن مروان. وإنه لوى ذنبه -يعني ابن الزبير-.
(القدمية) الذي جاء في الحديث فيما رواه البخاري "القدمية" ومعناها: أنه يقدم في الشرف والفضل على أصحابه، وقد جاء في كتب غير الحديث "مشي التقدمية واليقدمية" بالتاء والياء، والقدمية، والكل بمعنى واحد، قال الميداني صاحب كتاب الأمثال: إن اليقدمية بالياء المعجمة من تحت وهو التقدم بهمته وأفعاله، يقال: مشى فلان التقدمية، واليقدمية: إذا تقدم في الشرف والفضل ولم يتأخر عن غيره في الإفضال عن الناس، وقال: قال أبو عمرو: معناه: التبختر، ولم يرد المشي بعينه.
وفي رواية (١): أن ابن عباس قال حين وقع بينه وبين ابن الزبير: قلت: أبوه الزبير، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وجده أبو بكر، وجدته صفية.
وفي أخرى (١) قال: دخلنا على ابن عباس، فقال: ألا تعجبون لابن الزبير، قام في أمره هذا؟ فقلت: لأحاسبن نفسى له ما حاسبتها لأبي بكر ولا لعمر، ولهما كانا أولى بكل خير منه، فقلت ابن عمة النبي ﷺ ، وابن الزبير، وابن بنت أبي بكر، وابن أخي
стр. 1655
خديجة، وابن أخت عائشة، فإذا هو يتعلى عنى، ولا يريد ذلك، فقلت: ما كنت أظن أني أعرض هذا من نفسي فيدعه، وما أراه يريد خيراً، وإن كان لابد أن يربني بنو عمي أحب إلي من أن يربني غيرهم.
١٧٣٨ - * روى البخاري عن نافع -مولى ابن عمر- ﵀: أن ابن عمر ﵄ أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. فقالا. ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) (٢)؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.
١٧٣٩ - * * روى البخاري عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشام، وثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب فجلسنا إليه، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال: يا أبا برزة، ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطاً على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتي بلغ ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم. إن ذلك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على دنيا، إن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على دنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا.
وزاد في راوية للبخاري (٤): أنه سمع أبا برزة قال: إن الله نعشكم بالإسلام وبمحمد ﷺ .
стр. 1656
١٧٤٠ - * روى مسلم عن أبي نوفل قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه عبد الله، فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صواماً، قواماً وصولاً للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير، ثم نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجاب موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني، أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت، وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلى من يسحبني بقروني، قال: فقال: أروني سبني، فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف، حتى دخل عليها، قال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما: فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر: فنطاق المرأة الذي لا تستغني عنه، وأما إن رسول الله ﷺ حدثنا: أن في تثقيف كذاباً ومبيراً، فأما الكذاب: فرأيناه، وأما المبير: فلا إخالك إلا إياه قال: فقام عنها ولم يراجعها.
* * *
стр. 1657
تعليقات
كانت محاولة ابن الزبير أقوى محاولة لإعادة الخلافة الراشدة بعد الملك العضوض، ولقد كادت هذه المحاولة أن تنجح، بل كان ابن الزبير هو الخليفة الشرعي للمسلمين في المدة التي أخذ فيها البيعة لنفسه، وها أنت ترى أن الأكثرية المطلقة من المسلمين قد بايعته ثم قتل بعد ذلك، وعاد الأمر إلى بني أمية وإلى الشام، ولعل السر في ذلك يكمن في أن الشام وقتذاك هي ذات الجند الأقوى وهي الأكثر قدرة على الحركة فمن غلب عليها فقد غلب.
كانت المناطق التي تصلح أن تكون قواعد للحكم ثلاثة: العراق والشام والحجاز فهذه من الإمة الإسلامية في القلب، ولقد دخلت العراق أكثر من حرب خاسرة مع بني أمية فلم تربح الجولة لا مع علي ﵁ ولا مع الحسن ﵁، وقد خذلت الحسين ﵁ وكانت الشام لبن أمية خالصة فلم يبق إلا الحجاز، وقد ثارت الحجاز ثورتين: ثورة في المدينة، وانتهت نهاية مأساوية، والثورة الثانية في مكة وكان على رأسها ابن الزبير ﵁ وانتهت نهاية مأساوية. ولقد ثارت العراق مرة أخرى بزعامة عبد الرحمن بن الأشعث فلم تفلح.
كان انتزاع السلطة من بني أمية يحتاج إلى قوة أخرى، ولقد استطاع العباسيون أن يدخلوا هذه القوة في الميدان فأزالوا سلطان بني أمية.
من بعض الروايات التي مرت معنا ندرك سبباً من أسباب تغلب بني أمية وهو أن رؤوس المسلمين لم يكونوا متحمسين لاستخلاص الحكم من بني أمية لأنهم كانوا يرون أن الصراع ضدهم صراع دنيوي، فلم يكن أهل الآخرة متحمسين، وكان أهل الشام يصارعون بعقلية الجندي.
* * *
стр. 1658
الوصل الثالث
في
نماذج من أصحابه
стр. 1659
تمهيد
ذكرنا من قبل عددا من أصحاب النبي ﷺ رضوان الله عنهم، فذكرنا أزواجه وهن من أصحابه، وذكرنا عددا من اهل بيته الذين يعتبرون من أصحابه، وذكرنا الخلفاء الراشدين وهم من أصحابه، ونحن في هذا الوصل سنخص بالذكر عدداً من أصحابه ما بين رجل وامرأة بأكثر ما يكون الاختصار، وقد نكتفي عند ذكر بعضهم ببعض وما ورد فيهم ليأخذ القارئ صورة عن هذه النماذج الرفيعة وإلا فالأمر أوسع من أن يسعه هذا الكتاب، فقد ترجم ابن حجر العسقلاني في الإصابة الحوالي (١٢٢٧٩) من الصحابة، وهؤلاء إنما دخلوا في دائرة الترجمة عند المحدثين لأن لهم رواية عن رسول الله ﷺ ، وإلا فعدد الصحابة أكثر بكثير، فقد ذكر كتاب السير أن الذين حجوا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع بلغوا تسعين ألفاً ويعتبرون هؤلاء جميعاً من أصحابه ولم يحج كل المسلمين، فعدد الصحابة أكبر من ذلك.
﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ ..﴾ (١).
ولنبدأ ذكر الصحابة مبتدئين بذكر ما سوى الخلفاء الراشدين من العسرة المبشرين بالجنة، مبتدئين بأبي عبيدة بن الجراح ﵁ مقلدين في ذلك الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء، وقد تخيرنا ثلاثة كتب ننقل عنها شذرات لبعض التراجم هي: البداية والنهاية، والإصابة، وسير أعلام النبلاء، وذلك لأن أصحاب هذه الكتب ممن استقر في ضمير هذه الأمة حبهم والثقة بهم، ثم هم من المتأخرين الذين استوعبوا ما كتب قبلهم، وكانوا من المحققين الذين محصوا الروايات والمرويات فكانوا أئمة في هذا الشأن، وقد استفدنا في هذا المقام وغيره من تحقيقات الشيخ شعيب الأرناؤوط حفظه الله على كتاب الذهبي
* * *
стр. 1660
١ - أبو عبيدة بن الجراح ﵁
قال ابن كثير في البداية والنهاية:
عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي أبو عبيدة بن الجراح الفهري، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخمسة الذين أسلموا في يوم واحد، وهم عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح أسلموا على يدي الصديق. ولما هاجروا آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ وقيل بين محمد بن مسلمة. وقد شهد بدراً وما بعدها، وقال رسول الله ﷺ "إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح" ثبت ذلك في الصحيحين. وثبت في الصحيحين أيضاً أن الصديق قال يوم السقيفة: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوه -يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة- وبعثه الصديق أميراً على ربع الجيش إلى الشام، ثم لما انتدب خالداً من العراق كان أميراً على أبي عبيدة وغيره لعلمه بالحروب. فلما انتهت الخلافة إلى عمر عزل خالداً وولى أبا عبيدة ابن الجراح، وأمره أن يستشير خالدا، فجمع للأمة بين أمانة أبي عبيدة وشجاعة خالد. قال ابن عساكر: هو أول من سمي أمير الأمراء بالشام ....
توفي بالطاعون عام عمواس والصحيح أن عمواس كانت في سنة ثماني عشرة- بقرية فحل، وقيل بالجابية. وقد اشتهر في هذه الإعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب إليه والله أعلم. وعمره يوم مات ثمان وخمسون سنة. اهـ
وقال ابن حجر العسقلاني: كان فتح أكثر الشام على يده.
وقال الذهبي: "يجتمع هو والنبي ﷺ في فهر، شهد له النبي ﷺ بالجنة وسماه أمين الأمة، ومناقبه شهيرة جمة، روى أحاديث معدودة وغزا غزوات مشهودة.
هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وهو صاحب غزوة سيف البحر المشهورة بقصة حوت العنبر، وقد أمد به رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، وهو ممن جمع القرآن، واجتمع له حسن الخلق والحلم الزائد والتواضع، وقد ولي
стр. 1661
لأبي بكر بيت المال ثم وجهه إلى الشام وولاه ربعا من الأرباع، ثم جعله عمر أمير الأمراء في الشام وكان هو الأمير يوم فتح دمشق.
كان رجلاً نحيفا معروق الوجه (قليل اللحم) خفيف اللحية طوالاً أجنى (ينعطف كاهله نحو صدره) أهتم (منزوع الثنتين بسبب نزعه حلقتي المغفر من وجنتي رسول الله ﷺ يوم أحد) وكان من أجمل الناس صورة.
قال الذهبي في ترجمته:
ولما تفرع الصديق من حرب أهل الردة، وحرب مسيلمة الكذاب، جهز أمراء الأجناد لفتح الشام. فبعث أبا عبيدة، وزيد ابن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنه، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين، فجاءت البشرى، والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فحل ووقعة مرج الصفر، وكان قد سير أبوبكر خالداً لغزو العراق، ثم بعث إليه لينجد من بالشام، فقطع المفاوز على برية السماوة، فأمره الصديق على الأمراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبوبكر. فبادر عمر بعزل خالد، واستعمل على الكل أبا عبيدة، فجاءة التقليد، فكتمه مدة، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق على يده، فعند ذلك أظهر التقليد، ليعقد الصالح للروم، ففتحوا له باب الجابية صلحاً، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح.
فمن المغيرة: أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقتل منهم خلق عظيم. اهـ.
قال الزبير بن بكار: قد انقرض نسل أبي عبيدة وولد إخوته جميعاً.
وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...﴾ (١) فقد أخرج الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب قال: جعل
стр. 1662
والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر فيحيد عنه فلما أكثر قصده فقتله فنزلت.
وقد مر معنا اسمه في أكثر من مكان من قبل في غزوة ذات السلاسل وفي الأحاديث الواردة في فضل الصحابة.
ولأهمية ما حدث في غزوة ذات السلاسل في باب القدوة فإننا ننقل ما ذكره ابن الحجر:
قال موسى بن عقبة في المغازي أمر النبي ﵌ عمرو بن العاص في غزوة ذلت السلاسل وهي من مشارف الشام في بلي ونحوهم من قضاعة، فخشي عمر فبعث يستمد فندب النبي ﵌ الناس من المهاجرين الأولين فانتدب أبو بكر وعمر في آخرين فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح مدداً لعمر بن العاص فلما قدموا عليه قال أنا أميركم فقال المهاجرين بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين فقال إنما أنتم مددي فلما رأى ذلك أبو عبيدة وكان حسن الخلق متبعا لأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعهده فقال تعلم يا عمرو أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لي: "إن قدمت على صاحبك فتطاوعا"، وإنك إن عصيتني أطعتك. وفي فؤاد ابن أخي سمى بسند صحيح إلى الشعبي قال: قال المغير بن شعبة لأبي عبيدة: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمرك علينا وإن ابن النابغة ليس لك معه أمر يعني عمرو بن العاص فقال أبو عبيدة: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمرنا أن نتطاوع فأنا اطيعه لقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. اهـ
ومما ورد فيه:
١٧٤١ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة: جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى النبي ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، والله إن كان نبياً فلاعننا لا نفلح أبدا نحن ولا عقبنا بعدنا، قال: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا
стр. 1663
أميناً، فقال: "لأبعثن معكما رجلاً أميناً حق أمين حق أمين" فاستشرف لها أصحاب النبي ﷺ ، فقال: "قم يا أبا عبيدة" فلما قام قال ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة".
١٧٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس رفعه: "إن لكل أمة أمينا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
وفي رواية (٢): إن أهل اليمن قدموا على النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة".
١٧٤٣ - * روى أبو نعيم والحاكم عن عمر بن الخطاب، قال لأصحابه: تمنوا فقال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم فأنفقها في سبيل الله فقال: تمنوا، فقال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهبا فأنفقه في سبيل الله. قال: تمنوا قال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت جواهراً أو نحوه، فأنفقه في سبيل الله. فقال عمر. تمنوا فقالوا: ما تمنينا بعد هذا. قال عمر: لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجلاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله قال: ثم بعث بمال إلى حذيفة قال: انظر ما يصنع، قال: فلما أتاه قسمه، ثم بعث بمال إلى معاذ بن جبل فقسمه، ثم بعث بمال -يعني إلى أبي عبيدة- قال: انظر ما يصنع. فقال عمر: قد قلت لكم. أو كما قال ..
أقول: المراد أن أبا عبيدة قسمه ووزعه وأنه بذلك تحققت فراسة عمر ﵁ فيما سيصنع هؤلاء جميعاً.
١٧٤٤ - * روى أحمد عن عمر قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته، فإن
стр. 1664
قال الله لم استخلفته على أمة محمد ﷺ ؟ قلت إني سمعته ﷺ يقول: "لكل نبي أمين، وأميني أبو عبيدة".
١٧٤٥ - * روى الحاكم عن ثابت بن حجاج قال: قال عمر بن الخطاب: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفته وما شاورت. فإن سئلت عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله ﷺ .
عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حصر الشام، ونال منه العدو، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة، إلا جعل الله بعدها فرجا، وإنه لا يغلب عسر يسرين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، الآية (٢) قال فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، إلى قوله: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣) قال: فخرج عمر بكتابه، فقرأه على المنبر فقال: يا أهل المدينة: إنما يعرض بكم أبو عبيدة أو بي ارغبوا في الجهاد.
١٧٤٦ - * روى الحاكم عن طارق بن شهاب قال أتانا كتاب عمر لما وقع الوباء بالشام، فكتب عمر إلى أبي عبيدة إنه قد عرضت لي إليك حاجة لا غنى لي بك عنها، فقال أبو عبيدة يرحم الله أمير المؤمنين يريد بقاء قوم ليسوا بباقين قال: ثم كتب إليه أبو عبيدة إني في جيش من جيوش المسلمين لست أرغب بنفسي عن الذي أصابهم فلما قرأ الكتاب استرجع فقال الناس مات أبو عبيدة؟ قال: لا وكان كتب إليه بالعزيمة فاظهر من أرض الأردن فإنها عميقة وبية إلى أرض الجابية فإنها نزهة ندية فلما أتاه الكتاب بالعزيمة أمر مناديه أذن في الناس بالرحيل. فلما قدم إلية بعيره ليركبه وضع رجله في الغرز ثني رجله فقال ما أرى داءكم إلا قد أصابني قال ومات أبو عبيدة، ورجع الوباء عن الناس.
стр. 1665
١٧٤٧ - * روى الحاكم والطبراني عن الحارث بن عميرة الحارثي قال: أخذ معاذ بن جبل يرسل الحارث بن عميرة إلى أبي عبيدة بن الجراح يسأله كيف هو؟ وقد طعن فأراه أبو عبيدة طعنة خرجت من كفه فكأنه شانها وفرق منها حين رآها فأقسم أبو عبيدة له بالله ما يحب أن له مكانها حمر النعم.
стр. 1666
٢ - طلحة بن عبيد الله ﵁
قال ابن كثير في البداية والنهاية:
طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة أبو محمد القرشي التيمي، ويعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض لكرمه ولكثرة جوده. أسلم قديما على يدي أبي بكر الصديق، فكان نوفل بن خويلد بن العدوية يشدهما في حبل واحد، ولا تستطيع بنو تيم أن تمنعهما منه، فلذلك كان يقال لطلحة وأبي بكر القرينان، وقد هاجر وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي أيوب الأنصاري، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ إلا بدراً -فإنه كان بالشام لتجارة- وقيل في رسالة، ولهذا ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره من بدر، وكانت له يوم أحد اليد البيضاء وشلت يده يوم أحد، وقى بها رسول الله ﷺ واستمرت كذلك إلى أن مات، وكان الصديق إذا حدث عن يوم أحد يقول: ذاك يوم كان كله لطلحه.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وقد صحب رسول الله ﷺ ، فأحسن صحبته حتى توفي وهو عنه راض، وكذلك أبو بكر وعمر، فلما كان قضية عثمان اعتزل عنه فنسبه بعض الناس إلى تحامل فيه، فلهذا لما حضر يوم الجمل واجتمع به على فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف. ا. هـ.
وكان قد بايع علياً من قبل، وقد قتله مروان بن الحكم كما سنرى. قال الذهبي: "قاتل طلحة في الوزر كقاتل علي" ولنعد إلى ابن كثير:
وكان (قتله) يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ودفن طلحة إلى جانب الكلأ وكان عمره ستين سنة، وقيل بضعاً وستين سنة، وكان آدم، وقيل أبيض، حسن الوجه كثير الشعر إلى القصر أقرب وكانت غلته في كل يوم ألف درهم.
وقال ابن حجر في ترجمته: أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشوري.
стр. 1667
ومما ورد فيه:
١٧٤٨ - * روى أحمد والترمذي عن الزبير كان على النبي ﷺ درعان يوم أحد، فنهض إلى صخرة فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته وصعد حتى استوى على الصخرة فسمعته يقول: "أوجب طلحة".
١٧٤٩ - * روى الترمذي وابن ماجه عن موسى بن طلحة، وأخيه عيسى عن أبيهما: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سل رسول الله ﷺ عمن ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ (٣) من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته، وكانوا يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي، فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، قال طلحة: ثم طلعت من باب المسجد وعلى ثياب خضر، فلما رآني رسول الله ﷺ قال: "أين السائل عمن قضى نحبه؟ " قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، فقال: "هذا ممن قضى نحبه"
١٧٥٠ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ قد شلت.
١٧٥١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي ﷺ في
стр. 1668
تلك الأيام التي قاتل فيهن غير طلحة وسعد عن حديثهما.
١٧٥٢ - * روى الطبراني عن قبيصة: ما رأيت رجلا قط أعطى الجزيل من المال غير مسألة من طلحة بن عبيد الله، وكان أهله يقولون أن النبي ﷺ سماه الفياض.
١٧٥٣ - * روى الطبراني عن طلحة بن يحي عن جدته سعدي قالت: دخل علي يوماً طلحة فرأيت منه فعلا فقلت له مالك؟ لعله رابك مناشئ فيعمك قال: لا، ولنعم حليلة المرء المسلم أنت ولا كبر، ولكن اجتمع عندي مال ولا أدري كيف أصنع به؟ قالت: وما يغمك منه! ادع قومك فاقسمه بينهم فقال: يا غلام علي قومي. فسألت الخازن كم قسم؟ قال أربعمائة ألف.
١٧٥٤ - * روى النسائي عن جابر قال: لما كان يوم أحد، وولى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية في اثني عشر رجلاً، منهم طلحة، فأدركهم المشركون، فقال النبي ﷺ : "من للقوم؟ " قال طلحة: أنا، قال: "كما أنت" فقال رجل: أنا، قال: "أنت" فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: "من لهم؟ " قال طلحة: أنا. قال: "كما أنت" فقال رجل من الأنصار: أنا، قال: "أنت" فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، فقال: "من للقوم؟ " قال طلحة: أنا، فقاتل طلحة، قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه، فقال: حس، فقال رسول الله ﷺ : "لوقلت: باسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون" ثم رد الله المشركين.
١٧٥٥ - * روى الحاكم عن علقمة بن وقاص قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة
стр. 1669
لطلب دم عثمان ﵃ عرضوا من معهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فردوهما قال: ورأيته وأحب المجالس إليه أخلاها أو هو ضارب بلحيته على زوره. فقلت له. يا أبا محمد إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زورك. إن تكره هذا اليوم فدعه، فليس يكرهك عليه أحد قال: يا علقيه بن وقاص لا تلمني، كنا يدا واحدة على من سوانا فأصبحوا اليوم جبلين يزحف أحدنا إلى صاحبه ولكنه كان مني في أمر عثمان ﵁ ما لا أرى كفارته إلا أن يسفك دمي في طلب دمه. قلت: فمحمد بن طلحة لم تخرجه ولك ولد صغار دعه فإن كان أمرا خلفك في تركتك قال هو أعلم أكره أن أرى أحدا له في هذا الأمر نية فأراده فكلمت محمد بن طلحة في التخلف فقال: أكره أن أسأل الرجال عن أبي.
١٧٥٦ - * روى الترمذي عن مالك بن أبي عامر، قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني هو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم -يعني أبا هريرة- نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، قال: أما إن قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، فلا أشك، وسأخبرك: إنا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله ﷺ غدوة وعشية، وكان مسكينا لا مال له، إنما هو على باب رسول الله ﷺ ، فلا أشك إنه قد سمع ما لم نسمع، وهل تجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل؟
١٧٥٧ - * روى الطبراني عن يحي بن بكير قتل طلحة يوم الجمل في جمادى سنة ست وثلاثين، وسنة ثنتان وخمسون أو أربع وخمسون سنة.
١٧٥٨ - * روى الطبراني عن قيس بن حازم قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى
стр. 1670
طلحة بسهم فوقع في عين ركبته، فمازال يسيح إلى أن مات.
١٧٥٩ - * روى الطبراني عن طلحة بن مصرف: أن عليا انتهى إلى طلحة بن عبيد الله وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه ويبكي ويقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
* * *
стр. 1671
٣ - الزبير بن العوام ﵁
قال ابن كثير في ترجمته:
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة أبو عبد الله القرشي الأسدي، وامه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ أسلم قديما وعمره خمس عشرة سنة وقيل أقل وقيل أكثر هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمة بن سلامة ابن وقش، وقد شهد المشاهد كلها.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وصحب الصديق فأحسن صحبته، وكان ختنه على ابنته أسماء بنت الصديق، وابنه عبد الله منها أول مولود ولد للمسلمين بعد الهجرة، وخرج مع الناس إلى الشام مجاهدا فشهد اليرموك فتشرفوا بحضوره، وكانت له بها اليد البيضاء والهمه العلياء، اخترق جيوش الروم وصفوفهم مرتين من أولهم إلى أخرهم، وكان من جمله من دافع عن عثمان وحاجف عنه، فلما كان يوم الجمل ذكره علي بما ذكره به فرجع عن القتال وكر راجعا إلى المدينة، فمر بقوم الأحنف بن قيس -وكانوا قد انعزلوا عن الفريقين- فقال قائل له الأحنف: ما بال هذا جمع بين الناس حتى إذا التقوا كر راجعا إلى بيته؟ من رجل يكشف لنا خبره؟ فاتبعه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع في طائفة من غواة بني تميم، فيقال إنهم لما أدركوه تعاونوا عليه حتى قتلوه، ويقال: بل أدركه عمرو بن جرموز فقال له عمرو: أن لى إليك حاجة فقال: ادن! فقال مولى الزبير، واسمه عطية، إن معه سلاحا فقال: وإن، فتقدم إليه فجعل يحدثه وكان وقت الصلاة فقال له الزبير: الصلاة فقال: الصلاة فتقدم الزبير ليصلى بهما فطعنه عمرو بن جرموز فقتله، ويقال بل أدركه عمرو بواد يقال له وادي السباع وهو نائم في القائلة فهجم عليه فقتله، وهذا القول هو الأشهر.
وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جدا، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله فلما قتل وجدوا عليه من الدين ألفي ألف ومائتي ألف فوفوها عنه، وأخرجوا بعد
стр. 1672
ذلك ثلث ماله الذي أوصى به ثم قسمت التركة بعد ذلك فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتا ألف درهم، فعلى هذا يكون مجموع ما قسم بين الورثة ثمانية وثلاثين ألف ألف وأربعمائة ألف والثلث الموصي به تسعة عشر ألف ألف ومائتا ألف فتلك الجملة سبعة وخمسون ألف ألف وستمائة ألف والدين المخرج فبل ذلك ألفا الف ومائتا ألف.
وقد جمع ماله هذا بعد الصدقات الكثيرة والمآثر الغزيرة مما أفاء الله عليه من الجهاد من خمس الخمس ما يخص أمه منه، ومن التجارة المبرورة من الخلال المشكورة، وقد قيل أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فربما تصدق في بعض الأيام بخرجهم كلهم ﵁ وارضاه، وكان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخر سنة ست وثلاثين وقد نيف على الستين بست أو سبع. ا. هـ.
١٧٦٠ - * روى الطبراني عن أبي الأسود: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين، وهاجر وهو ابن ثمان عشر، وكان عمه يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر، فيقول لا أكفر أبدا.
وكانت أمه صفية عمة رسول الله ﷺ حازمة في تأديبه صغيرا فنشأ غلى الفتوة والقوة والصبر والجلد، وهو من جملة من أسلم على يد أبي بكر وكان هو وطلحة وعلى أترابا (في سن واحد)، وكان أسمر طويلا إذا ركب خطب رجلاه الأرض، خفيف اللحية والعارضين.
قال الذهبي: وعن الثوري قال: هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة حمزة وعلي والزبير، وكان إذ جعله بعض الصحابة وصيا على ذرية أنفق عليهم من ماله وحفظ أموالهم.
وقال الذهبي في عثمان وعلي وطلحة والزبير: من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن السابقين الأولين الذين أخبر الله تعالى أنه رضي
стр. 1673
عنهم ورضوا عنه، ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم مبغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة.
وهذه بعض روايات في مناقبة وقد مرت روايات من قبل تشمله:
١٧٦١ - * روى البخاري ومسلم عن جابر: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: "من يأتينا بخير القوم؟ " فقال الزبير أنا، ثم قال: "من يأتين بخير القوم؟ " فقال الزبير أنا، ثم قال في الثلاثة: "إن لكل نبي حواريا وأن حواري الزبير".
١٧٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن ابن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمرو بن أبي سلمة مع النساء يعني نسوة النبي ﷺ في أطم حسان بن ثابت، فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة، فلما رجع قلت: يا أبت رأيتك تختلف، قال وهل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم؟ قال: كان النبي ﷺ قال: "من يأتي بني قريظة فيأتني بخبرهم؟ " فانطلقت فلما رجعت جمع لي ﷺ أبويه قال: "فداك أبي وأمي".
١٧٦٣ - * روى الترمذي عن عروة أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحه يوم الجمل فقال: ما مني عضو إلا وقد خرج مع النبي ﷺ حتى انتهى ذلك مني إلى الفرج.
١٧٦٤ - * روى البخاري عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان رعاف شديد سنة الرغاف حتى حبسه عن الحج، وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش فقال: استخلف، فقال عثمان: أو قالوه؟ قال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكب، قال فلعلهم قالوا الزبير؟
стр. 1674
قال: نعم، قال أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله ﷺ .
١٧٦٥ - * روى البخاري عن عروة: كان في الزبير ثلاث ضربات: إحداهن في عاتقه إن كنت لأدخل أصابعي فيها ألعب بها وأنا صغير، قال له أصحاب النبي ﷺ يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فقل: إن شددت كذبتم، قالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلا فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين بينهما ضربه ضربها يوم بدر. وكان معه عبد الله يومئذ (أي يوم يرموك) وهو ابن عشر سنين [وقيل اثني أو ثلاث عشر، عاما] فحمله على فرسه فوكل به رجلا.
١٧٦٦ - * روى البخاري عن عروة، قال لي عبد الملك بن مروان حين قتل عبد الله: يا عروة هل تعرف سيف الزبير؟ قلت: نعم، قال: فما فيه؟ قلت فيه فلة فلها يوم بدر، وقال صدقت بهن فلول من قراع الكتائب، ثم رده على عروة، قال هشام: فأقمناه بثلاثة آلاف فأخذه بعضنا، ووددت أني كنت أخذته وكان على بعضه.
١٧٦٧ - * روى البخاري عن الزبير بن العوام القرشي ﵁ قال: لقيت يوم بدر عبيدة- ويقال: عبيدة- بن سعيد بن العاص، وهو مدجح، لا يرى منه ألا عيناه، وكان يكنى أبا ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة، فطعنته في عينه، فمات، قال هشام بن عروة: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطيت فكان الجهد: أن نزعتها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ ، فأعطاه إياها، فلما قبض أخذها، ثم طلبها ابو بكر، فأعطها إياها، فلما قبض أبو بكر أخذها، ثم سألها عمر، فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان
стр. 1675
منه، فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت إلى آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل.
١٧٦٨ - * روى البزار عن ابن عمر أن الزبير استأذن عمر في الجهاد فقال: اجلس فقد جاهدت مع رسول الله ﷺ .
١٧٦٩ - * روى البزار عن نافع قال: سمع ابن عمر رجلا يقول: يا ابن حواري رسول الله ﷺ قال: إن كنت من أهل الزبير وإلا فلا.
١٧٧٠ - * روى الحاكم عن زر بن حبيش قال: كنت جالسا عند علي فأتى برأس الزبير ومعه قاتله، فقال علي للآذن بشر قاتل ابن صفية بالنار، سمعت رسول الله ﷺ وآله يقول: "لكل نبي حواري وأن حواري الزبير".
١٧٧١ - * روى البخاري ومسلم عن جابر، قال رسول الله ﷺ يوم الخندق: "من يأتينا بخبر بني قريظة؟ " فقال لزبير: أنا، فذهب على فرس، فجاء بخبرهم. ثم قال الثانية، فقال الزبير: أنا، فذهب، ثم الثالثة، فقال النبي ﷺ "لكل بني حوراي، وحواري الزبير".
١٧٧٢ - * روى أحمد عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : "الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي".
١٧٧٣ - * روى الحاكم عن الزبير قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "لكل بني
стр. 1676
حواري وحواري الزبير وابن عمتي".
١٧٧٤ - * روى الحاكم عن عروة قال: لما كان يوم الجمل دعا الزبير ابنه عبد الله فأوصى إليه فقال: يا بني إن هذا يوم ليقتلن فيه ظالم أو مظلوم والله لئن قتلت لأقتلن مظلوماً، والله ما فعلت ولا فعلت انظر يا بني ديني فأني لا أدع شيئاً أهم إلي منه، وهو ألف ألف ومائتا ألف.
وقصة وصاته لابنة عبد الله في دينه وتركته مذكورة في البخاري تفصيلاً.
١٧٧٥ - * روى الحاكم عن عروة قال قال عبد الله بن الزبير لأبيه يا أت حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم حتى أحدث عنك، فإن كل أبناء الصحابة يحدث عن أبيه. فقال: يا بني ما من أحد صحب رسول الله ﵌ بصحبة إلا وقد صحبته بمثلها أو أفضل منها ولقد علمت بأن أمك أسماء ابنة أبي بكر كانت تحتي وأن خالتك عائشة بنت أبي بكر ولقد علمت أن أمي صفية بنت عبد المطلب وأن أخوالي حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب وعباس وأن رسول الله ﵌ ابن خالي ولقد علمت أن عمتي خديجة بنت خويلد كانت تحته، وأن ابنتها فاطمة ابنة رسول الله ﵌ ولقد علمت أن خديجة أم أمها حبيبة بنت أسد بن عبد العزى ولقد علمت أن أم رسول الله ﵌ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة. ولقد صحبته بأحسن صحبة والحمد لله، ولقد سمعته يقول: "من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار".
١٧٧٦ - * روى الطبراني عن عروة قال: كانت على الزبير يوم يدر عمامة صفراء، فنزل جبريل على سماء الزبير.
стр. 1677
١٧٧٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر. لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في إثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلا. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.
١٧٧٨ - * روى الحاكم عن عروة قال: كانت نفحة من الشيطان أن محمدا ﵌ قد أخذ فسمع بذلك الزبير وهو ابن إحدى عشرة سنة فخرج بالسيف مسلولا حتى وقف على النبي ﵌ فقال "ما شأنك؟ " فقال: أردت أن أضرب من أخذك فدعا له النبي ﵌ ولسيفه وكان أول سيف سل في سبيل الله .
١٧٧٩ - * روى أحمد (عن مطرف) قال: قلت للزبير: ما جاء بكم؟ ضيعتهم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ قال: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٥)، لم نكن نحسب أنا أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت.
١٧٨٠ - * روى ابن سعد عن ابن عباس أنه أتى الزبير فقال: أين صفية بنت عبد المطلب حيث تقاتل بسيفك علي بن أبي طالب بن عبد المطلب؟ قال: فرجع الزبير فلقيه ابن جرموز فقتله، فأتى ابن عباس عليا فقال: إلى أين قاتل ابن صفية؟ قال علي: إلى النار.
стр. 1678
١٧٨١ - * روى ابن سعد عن (جون بن قتادة) قال: كنت مع الزبير يوم الجمل، وكانوا يسلمون عليه بالإمرة، إلى أن قال: فطعنه ابن جرموز ثانيا، فأثبته، فوقع، ودفن بوادي السباع، وجلس علي ﵁ يبكي عليه هو وأصحابه.
١٧٨٢ - * روى الطبراني عهن (يحيى بن بكير): قتل الزبير يوم الجمل لا أدري الأولى، أو الآخرة سنة ست وثلاثين، وأسلم وهو ابن ثمان سنين، فإن كان النبي ﷺ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، فهو يوم قتل ابن سبع وخمسين، وإن أقام عشر سنين فالزبير ابن أربع وخمسين.
١٧٨٣ - * روى البخاري عن عبدالله بن الزبير قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال: يا بني لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوماً، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ببقي ديننا من مالنا شيئاً فقال: يا بني، بع مالنا، فاقض ديني وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه- يعني بني عبد الله بن الزبير، يقول: ثلث الثلت- فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير -خبيب وعباد- وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة من موالك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه. فقتل الزبير ﵁ ولم يدع ديناراً ولا درهماً، إلا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة، وداراً بالكوفة، وداراً بمصر. قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة. وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئاً إلا أن
стр. 1679
يكون في غزوة مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. قال عبد الله ابن الزبير فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي: كم على أخي من الدين؟ فكتمه. فقال: مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أرايتك إن كانت ألفى ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي: قال: وكان الزير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف. فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف: ثم قام فقال: من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر- وكان له على الزبير أربعمائة ألف- فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لا. قال قال: فاقطعوا لي قطعة. قال عبد الله: لك من ها هنا إلى ها هنا. قال فباع منها فقضى دينه فأوفاه. وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية- وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير، وابن زمعة- فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهماً بمائة ألفة. وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية كم بقي؟ فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف. فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه: قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم. فلما مضى أربع سنين قسم بينهم. قال: وكان الزبير أربع نسوة، ورفع الثلث فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف.
* * *
стр. 1680
٤ - عبد الرحمن ابن عوف ﵁
قال ابن كثير في ترجمته:
عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي الزهري، أسلم قديماً على يدي أبي بكر، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد بدراً وما بعدها، وأمره رسول الله ﷺ حين بعثه إلى بني كلب وارخى له عذبة بين كتفيه، لتكون أمارة عليه للإمارة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى، ثم أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم، كما ذكرنا. ثم كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان ﵁، وقد تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" وهو في الصحيح.
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الأسفار، وهذه منقبة عظيمة لا تبارى. ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقى من أهل بدر بأربعمائة دينار - وكانوا مائة- فأخذوها حتى عثمان وعلي، وقال علي: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها، وسبقت زنقها (كدرها) وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير، حتى كانت عائشة تقول سقاه الله من السلسبيل. وأعتق خلقا من مماليكه ثم ترك بعد ذلك كله مالا جزيلا، من ذلك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال، وترك ألف بعير ومائة فرس، وثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع، وكان نساؤه أربعا فصولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفا، ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحمل في جنازته سعد بن أبي وقاص، ودفن بالبقيع عن خمس وسبعين سنة. وكان أبيض مشربا حمرة حسن الوجه، رقيق البشرة، أعين أهدب الأشفار، أقنى، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، لا يغير شيبه ﵁. ا. هـ.
стр. 1681
وقال ابن حجر في ترجمته:
وأسلم قديماً قبل دخول دار الأرقم وهاجر الهجرتين وشهد بدراً وسائر المشاهد .. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع ... وبعثه النبي ﷺ إلى دومة الجندل وأذن له أن يتزوج بنت ملكهم الأصبغ بن ثعلبة الكلبي ففتح عليه فتزوجها وهي تماضر أم ابنة أبي سلمة ... وهو الذي رجع عمر بحديثه من سرع (موضع قرب الشام بين المغيثة وتبوك)، ولم يدخل الشام بسبب الطاعون ... ورجع إليه عمر في أخذ الجزية من المجوس كما في صحيح البخاري ... ويقال إنه جرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة ... وعاش اثنين وسبعين سنة ... ا. هـ.
وقال الذهبي في ترجمته:
ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محاببا فيها، لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.
عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: كان أهل المدينة عيالاً على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثاً.
عن ابن المسيب قال: كان بين طلحة وابن عوف تباعد، فمرض طلحة، فجاء عبد الرحمن يعوده، فقال طلحة أنت والله يا أخي خير مني. قال: لا تفعل يا أخي، قال: بلى والله، لأنك لو مرضت ما عدتك.
عن سعد بن الحسن قال: كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيدة. ا. هـ.
أقول: لقد كان عقل عبد الرحمن بن عوف من أثقب العقول في الحكم والسياسية والاقتصاد، فكثير من معضلات السياسة والحكم والاقتصاد كان له رأي سديد في حلها وهذه بعض الروايات فيه وفي مناقبه.
стр. 1682
١٧٨٤ - * روى ابن ماجه عن المغيرة بن شعبة قال: تخلف رسول الله ﷺ : فانتهينا إلى القوم وقد صلى بهم عبد الرحمن بن عوف ركعة فلما أحس النبي ﷺ ذهب يتأخر، فأوما إليه النبي ﷺ أن يتم الصلاة، قال: "وقد أحسنت كذلك فافعل".
١٧٨٥ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان اسمي في الجاهلية عبد عمرو، فسماني رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم عبد الرحمن.
١٧٨٦ - * روى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: ابتلينا مع رسول الله ﷺ بالضراء، فصبرنا، ثم ابتلينا بعده بالسراء فلم نصبر.
١٧٨٧ - * روى الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول لنسائه: "إن أمركن مما يهمني من بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون الصديقون" قال عائشة: يعني المتصدقين- ثم قالت عائشة لأبي لسمة بن عبد الرحمن: سقى الله أباك من السلسبيل الجنة، وكان ابن عوف قد تصدق على أمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعين ألفاً.
١٧٨٨ - * روى الترمذي والحاكم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵄ أن عبد الرحمن بن عوف أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف.
стр. 1683
١٧٨٩ - * روى الحاكم وابن سعد عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه غشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه غشية فظنوا أنها قد فاضت نفسه فيها حتى قاموا من عنده وجللوا ثوبا وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد تستعين فيما أمرت به من الصبر والصلاة، فلبثوا ساعة وهو في غشيته ثم أفاق فكان أول ما تكلم به أن كبر فكبر أهل البيت ومن يليهم ثم قال لهم: غشي علي آنفا قالوا: نعم. فقال: صدقتم. فقال: إنه انطلق بي في غشيتي رجلان، أحدهما فيه شدة وفظاظة فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز العليم. فقال: ارجعاه فإنه من الذين كتب الله لهم السعادة والمغفرة في بطون أمهاتهم وإنه سيتمتع به بنوة إلى ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهرا ثم توفي ﵁.
١٧٩٠ - * روى الحاكم وابن سعد عن إبراهيم بن سعد قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: سمعت علياً ﵁ يقول لعبد الرحمن بن عوف يوم مات: أذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها.
عن سعيد بن المسيب أن سعد بن أبي وقاص أرسل إلى عبد الرحمن رجلا وهو قائم يخطب: أن ارفع رأسك إلى أمر الناس. أي ادع إلى نفسك. فقال عبد الرحمن: ثكلتك أمك! إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس (٣).
عن (ابن عمر) قال: استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف على الحج سنة ولي الخلافة، ثم حج عمر في بقية عمره (٤).
١٧٩١ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: لما قدمنا المدينة
стр. 1684
آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع. فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي. وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها. قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك. هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع. قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن. قال: ثم تابع الغدو. فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة. فقال رسول الله ﷺ : "تزوجت؟ " قال: نعم. قال: "من؟ " قال: امرأة من الأنصار. قال: "كم سقت؟ " قال: زنة نواة من ذهب -أو نواة من ذهب- فقال له النبي ﷺ : "أولم ولو بشاة". أخرجه البخاري.
قال الذهبي: ثم آل أمره في التجارة إلى ما آل. قال أبو عمر بن عب البر: كان مجدوداً في التجارة خلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس، وكان يوزع بالجرف على عشرين ناضحاً.
أقول: هذا على كثرة إنفاقه في سبيل الله، قال الذهبي: هذا هو الغني الشاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف.
* * *
стр. 1685
٥ - سعد بن أبي وقاص ﵁
قال ابن كثير في ترجمته:
سعد بن أبي وقاص واسمه (أبو وقاص) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو اسحاق القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، أسلم قديماً: وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام سابع سبعة، وهو الذي كوف الكوفة (جعلها مدينة) ونفي عنها الأعاجم، وكان مجاب الدعوة، وهاجر وشهد بدراً وما بعدها، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارسا شجاعا من أمراء رسول الله ﷺ ، وكان في أيام الصديق معظما جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر، وقد استنابه على الكوفة، وهو الذي فتح المدائن، وكانت بين يديه وقعة جلولاء. وكان سيداً مطاعاً، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة، ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك. وقد ذكره في الستة أصحاب الشورى، ثم ولاه عثمان بعدها ثم عزله عنها.
وكانت وفاة سعد بالعقيق خارج المدينة، فحمل إلى المدينة على أعناق الرجال فصلى عليه مروان، وصلى بصلاته أمهات المؤمنين الباقيات الصالحات، ودفن بالبقيع. وكان ذلك في هذه السنة -سنة خمس وخمسين- على المشهور الذي عليه الأكثرون، وقد جاوز الثمانين على الصحيح.
قالوا كان قصيراً غليظاً شثن الكفين أفطس أشعر الجسد، يخضب بالسواد، وكان ميراثه مائتي ألف وخمسين ألفا [من الدراهم] ا. هـ.
وقد وصفه النووي في تهذيب الأسماء والصفات: وكان آدم [اسمر] طوالاً ذا هامة. ومن كلام ابن حجر في ترجمته: وكان مجاب الدعوة مشهوراً بذلك ... ولما قتل عثمان لزم بيته واعتزل الفتنة ... وكان من أحد الناس بصراً، وكان سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله [وذلك في جيش عبيدة بن الحارث حين بعثه رسول الله ﷺ إلى رابغ يلقي غير