← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

١٠ - عبد الله بن مسعود ﵁ قال ابن حجر: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي أبو عبد الرحمن حليف بني زهرة، احد السَابقين الأوّلين أسلم قديماً وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد بعدها ولازم النّبيّ ﷺ وكان صاحب نعليه، من أخباره بعد رسول الله ﷺ أنّه شهد فتوح الشّام وسيّره عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم. وقال ابن كثير: وقد شهد ابن مسعود بعد النّبيّ ﷺ مواقف كثيرة منها اليرموك وغيرها وكان قدم العراق حاجَّا، فمر بالرِّبَذّة- موضع قرب المدينة نحو الشرق فشهد وفاة أبي ذر ودفنه، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائداً، ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة. وقال الذهبي في ترجمته: الإمام الَحّبر فقيه الأمّة، كان من السّابقين الأوّلين ومن النّجباء العالمين ومناقبه غزيرة روى علماً كثيراً، وروى عنه القراءة أبو عبد الرحمن السلمي وعُبَيْد بن نَضْلَة وطائفة، اتفقا له في الصحيحين على أربعة وستين وانفرد له البخاري بإخراج أحد وعشرين حديثاً ومسلم بإخراج خمسة وثلاثين حديثاً وله عند بَقي بالمكرر ثماني مِأئة وأربعون حديثاً، كان معدوداً في أذكياء العلماء، وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان عبد الله لطيفاً فطناً .... وعن عبيد الله بن عبد الله قال: مات ابن مسعود بالمدينة ودفن بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين وكان نحيفاً قصيراً الأدمة. أ. هـ. أقول: اجتمع له ﵁ السبق والجهاد ومخالطة رسول الله ﷺ وخدمته والعبادة الكثير والعلم الواسع والتعليم العريض، ويكفي أنه إمام أهل الكوفة في الفقه، وعن مدرسته انبثقت مدرسة الحنفية أوسع المدارس الفقهية وأكثرها انتشاراً وأبعدها تأثيراً في تاريخ القضاء والفتيا، وكان له اجتهاد يخالف اجتهاد عثمان في إبقاء القراءات المأثور على غير حرف قريش الذي كتب به مصحف عثمان ولذلك لم يحرق مصحفه.

стр. 1717

١٨٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسي قال: قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً ولا ندري إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت النبي ﷺ من كثرة دخولهم عليه ولزومهم به. ١٨٦٦ - * روى ابن ماجة عن ابن مسعود قال: إن أبا بكر وعمر بشراه أن النبي ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غضأ كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". ١٨٦٧ - * روى البزار والطبراني والحاكم عن ابن مسعود قال: لقد رأيتني وإني لسادس ستة ما على الأرض مسلماً غيرنا. ١٨٦٨ - * روى أحمد بن ابن مسعود قال: كنت أرعي غنماً لعُقبةَ بن أبي مُعَيّط، فمُّر بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال: "يا غلام! هل من لبن؟ " قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: "فهل من شَاة لم ينُز عليها الفحل؟ " فأتيتُه بشاة، فمسح ضِرُعَها، فنزل لبنّ، فحلب في إناء، فشرب، وسقي أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلُصْ" فقلص. زاد أحمد قال: ثم أتيته بعد هذا، ثم اتفقا- فقلت: يا رسول الله! عَلّمني من هذا القول، فمسح رأسي، وقال: "يرحمك الله إنك غُلَيَّمّ معلَّم". وفي رواية لأحمد (١) زاد: فأتيتُه بصخرة منقعرة، فحلب فيها، قال: فأسلمتُ وأتيتُه. ١٨٦٩ - * روى البخاري عن شقيق بن سلمه، قال: خطبنا عبد الله بن مسعود،

стр. 1718

فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله، ﷺ ، بضعاً وسبعين سورة. والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ ، أني من أعلمهم لكتاب الله، وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون. فما سمعت راداً يقول غير ذلك. وذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: أول من جهرَ بالقرآن بمكة بعد رسول الله ﷺ عبدُ الله بنُ مسعود. ١٨٧٠ - * روى الحاكم عن أنس: أن النبيَّ ﷺ آخى بين الزبير وابن مسعود. ١٨٧١ - * روى مسلم عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله، إذنك علي أن ترفع الحجاب، وتسمعَ سِوادي حتى أنهاك". ١٨٧٢ - * روى مسلم، عن أبي الأحوض قال: أتيت أبا موسي وعنده عبد الله وأبو مسعود الأنصاري وهم ينظرون إلى مصحف، فحدثنا ساعة، ثم خرج عبد الله، وذهب، فقال أبو مسعود: والله مَا أعَلَمُ النبيَّ ﷺ ، ترك أحداً أعلَم بكتاب الله من هذا القائم. ١٨٧٣ - * روى الحاكم أحمد والترمذي والحاكم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللَّذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدْي عمار، وتمسَّكوا بعهد ابن أم عبد". ١٨٧٤ - * روى الحاكم عن جعفر بن عمرو بن حريث: عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "قد رضيتّ لكم ما رضي لكم ابن أُم عبد".

стр. 1719

١٨٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله قال: قال لي النبيُّ ﷺ : "اقرأ عليَّ" قلت: يا رسول الله أقرأُ عليكَ أُنزل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري". فقرأتُ النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١) قال لي: كف أو أمسك. فرأيت عينيه تذرفان. ١٨٧٦ - * روى ابن سعد والحاكم عن حارثة بن مضرب قال: كتب عمرُ بن الخطاب إلى أهل الكوفة: إنني قد بعثت إليكم عمارأ أميراً، وابنَ مسعود معلماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب محمد، ﷺ ، من أهل بدر، فاسمعوا لهما واقتدُوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي. وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢) عن زيد بن وهب قال: لما بعث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالمجيء إلى المدينة، اجتمع إليه الناسُ، فقالوا، أقم فلا تخرج، ونحن نمنعك أنْ يضلَ إليك شيء تكرهه. فقال: إنَّ له علي طاعة، وإنها ستكون أمور وفتنُ لا أحب أن أكون أولَ من فتحها. فردَّ الناس وخرج إليه. وذكر الذهبي في السير (٣) عن أبي وائل أن ابن مسعود رأي رجلاً قد أسبل، فقال: ارفع إزارك، فقال: وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك، قال: إنَّ بساقِّي حموشة وأنا أؤم الناس فبلغ ذلك عمر، فجعل يضرب الرجل، ويقول: أتردّ على ابن مسعود؟ وذكر الذهبي أيضاً (٤) عن مسروق قال: شاعت أصحابَ محمد، ﷺ ، فوجدتُ علمهم انتهي إلى ستة: عليِّ، وعُمَر، وعبد الله، وزيد، وأبي الدرداء، وأبيّ. ثم شاعتُ الستة،

стр. 1720

فوجدتُ علمهم انتهي إلى علي وعبد الله. ١٨٧٧ - * روى البخاري عن علقمة قال: جلستُ إلى أبي الدرداء، فقال: ممن أنتَ؟ قلتُ: من الكوفة. فقال: أو ليسَ عندكم ابنّ أمِّ عبد، صاحب النعلين، والوساد والمِطهرة، وفيكم صاحبُ السرِّ، وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيِّه. وذكر الذهبي في السير (١) عن عبد الله قال: من أراد الآخرة أضرَّ بالدُّنيا، ومن أراد الدنيا، أضرَّ بالآخرة، يا قوم فأضِرُّوا بالفاني للباقي. ١٨٧٨ - * روى ابن سعد عن قيس قال: دخل الزبير على عثمان ﵁ بعد وفاة عبد الله فقال: أعطني عطاءّ عبد الله، فعيالُ عبد الله أحقُّ به من بيت المال. فأعطاه خمسة عشر ألفاً. ١٨٧٩ - * روى الحاكم بن زيد بن وَهّب قال: كنت جالساً عند عمر إذ جاءه رجل نحيف فجعل ينظر إليه ويتهلل وجهه ثم قال: كُنَيْفّ مّلِيء علماً. يعني عبد الله بن مسعود. ١٨٨٠ - * روى الحاكم عن عمرو بن ميمون قال: كان عبد الله يأتي عليه السنة لا يحدث عن رسول الله ﵌ فحدث ذات يوم عن رسول الله ﵌ بحديث فعلته كآبه وجعل العرق يتحادر على جبهته ويقول: نحو هذا أو قريباً من هذا. ١٨٨١ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قال: كنت مع النبي ﵌

стр. 1721

وسلم ومعه أبو بكر ﵁ وما شاء الله من أصحابه فمررنا بعبد الله بن مسعود وهو يصلى فقال النبي ﵌: "من هذا؟ " فقيل: عبد الله بن مسعود. فقال: "إن عبد الله يقرأ القرآن غضا كما أنزل". فأثني عبد الله علي ربه وحمده فأحسن في حمده على ربه ثم سأله فأجْمّلّ المسالةَ وسأله كأحسن مسألة سألها عبدُ رَبَّه ثم قال: اللهم إني أسألك إيمانا لا يَرْتَدّ، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد ﵌ في أعلي عليين في جنانك جنان الخلد. قال: وكان رسول الله ﷺ يقول: "سل تعط سل تعط". مرتين. فانطلقت لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني وكان سباقاً بالخير. ١٨٨٢ - (١) روي البخاري والترمذي عبد الرحمن بن يزيد قال: أتينا على حذيفة فقلنا: حدثنا من أقرب الناس من رسول الله ﷺ هدياً ودلا فنأخذ عنه ونسمع منه؟ قال: كان أقرب الناس هدياً وذلا وسمتاً برسول الله ﷺ ابن مسعود حتى يتوارى منا في بيته، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن ابن أم عبد هو أقربهم إلى الله زلفى. ١٨٨٣ - * روى أبو يعلى عن قيس بن مروان قال: جاء رجل إلى عمر وهو بعرفة فقال: يا أمير المؤمنين جئت من الكوفة وتركت بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهر قلب، قال: فغضب عمر وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل فقال: ويحك من هو؟ فقال: عبد الله بن مسعود. فما زال عمر يطفئ ويسري عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها. فقال: ويحك والله ما أعلمه بَقيَ أحد من الناس هو أحق بذلك منه،

стр. 1722

وسأحدثك عن ذلك كان رسول الله ﷺ لا يزال يَسّمُرُ عند أبي بكر الليلة كذلك لأمر من أمر المسلمين وإنه سَمَرَ عنده ذات ليلة وأنا معه ثم خرج رسول الله ﷺ يمشي ونحن نمشي معه فإذا رجل قائم يصلى في المسجد فقام رسول الله ﷺ يستمع قرآنه فلما كدنا نعرف الرجل قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يقرأ القرآن رطّبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". قال: ثم جلسَ الرجلُ يدعو فجلس رسول الله ﷺ "سلْ تعطَهُ"". قال عمر فقلت: والله لأعودن إليه فلأبشرنه. قال: فعدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني فبشره، فلا والله ما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه. وفي رواية: فأتي عمر عبد الله ليبشره فوجد أبا بكر خارجاً فقال: إن فعلت إنك لسباق بالخير. ١٨٨٤ - * روى أحمد والبزار عن مجاهد عن ابن عباس قال: أي القراءتين كانت آخر، قراءة عبد الله أو قراءة زيد؟ قال: قلنا قراءة زيد. قال: ألا إن رسول الله ﷺ كان يعرض القرآن على جبريل ﵇ كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين، وكان آخر القراءة قراءة عبد الله. ١٨٨٥ - * روى أحمد وأبو يعلى والطبراني عن علي قال: أمر النبي ﷺ ابن مسعود فصعد شجرة فأمره أن يأتيه منها بشيء فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله حين صعد فضحكوا من حموشة ساقية النبي ﷺ : "ما تضحكون؟ لَرِجْل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد". ١٨٨٦ - * روى الطبراني والبزار والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: لقد رأيتني وإني

стр. 1723

لسادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا. ١٨٨٧ - * روى أحمد والطبراني عن الحسن قال: قال رجل لعمرو بن العاص: أرأيت رجلاً مات رسول الله ﷺ وهو يحبه أليس رجلاً صالحاً؟ قال: قلت بلي. قال: قد مات رسول الله ﷺ وهو يحبك وقد استعملك. قال: قد استعملني فوالله ما أدري حبُّا كان لي منه أو استعانة بي ولكن سأحدثك برجلين مات رسول الله ﷺ وهو عنهما راض عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر. ١٨٨٨ - * روى الطبراني عن حارثة بن مُضَرّب قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة قد بعثت عمارّا أميًرا وعبد الله بن مسعود وزيًرا وهما من النجباء من أصحاب محمد ﵌ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما وقد آثرتكم بعد الله علي نفسي. ١٨٨٩ - * روى الحاكم عن علقمة قال: قدمت الشام فصليت ركعتين ثم قلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً. فلقيت قوماً فجلست فإذا بواحد جاء حتى جلس إلى جنبي، فقلت: من ذا؟ قال: أبو الدرداء. فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فَيُسِّرَ لي. فقال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أو ليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوسادة والمطهرة، وفيكم صاحب سر رسول الله ﵌ الذي لا يعلمه غيره. ١٨٩٠ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قيل له: أخبرنا عن أصحاب رسول الله ﵌ قال: عن أيهم؟ قال: أخبرنا عن عبد الله بن مسعود قال: عَلِمَ

стр. 1724

الكتابَ والسنةَ ثم انتهي وكفى به. وذكر باقي الحديث. ١٨٩١ - * روى مسلم عن أبي الأحوص عوف بن مالك ﵀ قال: شهدتُ أبا موسي وأبا مسعود الأنصاري ﵄ حين مات ابن مسعود، فقال أحدهما لصحابه: أتّراه ترك بعده مثله؟ فقال: إن قلت ذَلك إن ليؤذَنُ له إذا حُجِبْنا، ويشهدّ إذا غبِنْا. وفي رواية (١) قال: كنَّا في دار أبي موسي مع نَفَرٍ من أصحاب عبد الله وهم ينظرون في مُصحفٍ، فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلّم رسولَ الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم. فقال أبو موسي: أما لئن قلتّ ذلك لقد كان يؤذَنُ له إذا حُجبِنا، ويشهدُ إذا غِبنْا. وفي رواية (٢): قال زيد بن وهب الجهني: كنتُ جالساً مع حذيفة وأبي موسي .. وساق الحديث. ١٨٩٢ - * روى مسلم عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نَزلَتْ هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ...﴾ (٣) إلى آخر الآية قال رسولُ الله ﷺ : "قيل لي: أنتّ منهم". وفي رواية الترمذي (٤) قال عبد الله بن مسعود: لما نَزلَتْ- وقرأ الآية- قال لي رسولُ الله ﷺ : "أنتَ منهم". * * *

стр. 1725

١١ - أبو ذر الغفاري ﵁ قال ابن كثير في ترجمته: أبو ذر الغفاري واسمه جُنْدُبُ بن جُنَادة على المشهور، أسلم قديماً بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة وهو أول من حيا رسول الله ﷺ بتحية الإسلام، ثم رجع إلى بلاده وقومه، فكان هناك حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزم رسول الله ﷺ حضراً وسفراً، وروى عنه أحاديث كثيرة، وجاء في فضله أحاديث كثيرة، ثم لما مات رسول الله ﷺ ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم نزل الرَّبذةَ (١) فأقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة، وليس عنده سوى امرأته وأولاده، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه، فحضروا موته، وأوصاهم كيف يفعلون به، وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت، وقد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله. أ. هـ. وقال ابن حجر في ترجمته: الزّاهد المشهور الصّادق اللهجة .... ويقال: إن إسلامه كان بعد أربعة وانصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، ومضت بّدْرّ وأُحد ولم تتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك، وكان طويلاً أسمر اللون نحيفاً، وكان يوازي ابن مسعود في العلم، وكانت وفاته بالربذة سنة إحدى وثلاثين وقيل التي بعدها، وعليه الأكثر. وقال الذهبي في ترجمته: وكان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ... وكان رأساً في الزهد والصدق والعلم والعمل قوالاً بالحق، لا تأخذه في الله لوم لائم، على حدَة فيه، وله مائتا حديث وواحد وثمانون حديثاً، اتفقا منها على اثني عشر حديثاً، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر

стр. 1726

ومما ورد فيه: ١٨٩٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن الصامت، قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار. وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له، فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا، فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثوبة فجعل يبكي. فانطلقتا حتى نزلنا بحضرة ملكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن، فخير أنيساً، فأتانا بصرمتنا ومثلها معها. قال: وقد صليت يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. فقلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي، أصلى عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس. قال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث علي، ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله. فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء.

стр. 1727

قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون. قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر: قال: فأتيت مكة، فتضعفت رجلاً منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلى، فقال الصابئ. فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم. حتى خررت مغشياً علي. قال فارتفعت حين ارتفعت، كأني نصب أحمر. فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها، ولقد لبثت، يا ابن أخي ثلاثين، بين ليلة ويوم، ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال: فبينما أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، إذ ضرب على أسمختهم، فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتين منهم تدعوان إسافا ونائلة. قال فأتتا علي في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى. قال فما تناهتا عن قولهما. قال: فأتتا علي. فقلت: هن مثل

стр. 1728

الخشبة. غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا! قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر. وهما هابطان، فقال: "ما لكما؟ " قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: " ما قال لكما؟ " قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم. وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر. وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته (قال أبو ذر): فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فقال: "وعليك ورحمة الله". ثم قال: "من أنت؟ "، قال قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته. فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده، فقدعني صاحبه، وكان أعلم به مني. ثم رفع رأسه، ثم قال: "متى كنت ههنا؟ " قال قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين، بين ليلة ويوم، قال: "فمن كان يطعمك؟ " قال قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع. فقال: "إنها مباركة. إنها طعام طعم". فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها. ثم غبرت ما غبرت. ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال: إنه قد وجهت لي ارض ذات نخل. لا أراها إلا يثرب. فهل أنت مبلغ عني

стр. 1729

قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم". فأتيت أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت قال: ما بي رغبة عن دينك، فأني قد أسلمت وصدقت .. فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فأني قد أسلمت وصدقت. فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم. وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي. وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إخوتنا، نسلم على الذي أسلموا. عليه. فأسلموا فقال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله". ١٨٩٤ - * روى مسلم عن ابن عباس قال لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الآخر حتى قدم مكة وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني فيما أردت. فتزود وحمل شنة له، فيها ماء، حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه. وكره أن يسأل عنه. حتى أدركه- يعني الليل- فاضطجع فرآه علي فعرف أنه غريب. فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى أصبح. ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد. فظل ذلك اليوم، ولا يرى

стр. 1730

النبي ﷺ . حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه. فمر به علي. فقال: ما أنى للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه. فذهب به معه. ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك. فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني؟ ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدني، فعلت. ففعل. فأخبره. فقال فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ . فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء. فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل. فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله. وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ : "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري". فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد. فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه. فأتى العباس فأكب عليه. فقال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام عليهم. فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها. وثاروا إليه فضربوه. فأكب عليه العباس فأنقذه. ١٨٩٥ - * روى الطبراني عن أبي ذرٌ قال: لقد رأيتني ربع الإسلام، لم يسلم قبلي إلا النٌبي ﷺ وأبو بكر وبلال. ١٨٩٦ - * روى أحمد والبزار عن إبراهيم بن الأشتر أن أبا ذر حضره الموت بالرٌبذَة، فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي، إنه لا يد لي بنفسك وليس عندي ثوب.

стр. 1731

يسعك كفناً. فقال: لا تبكي، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: «ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض من يشهده عصابة من المؤمنين». فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ولم يبق منهم غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول، فإني ما كذبت ولا كذبت. فبينما هي كذلك إذا بقوم تخب بهم رواحلهم حتى وقفوا عليها، فقالوا: مالك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفنوه وتؤجروا. قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم فابتدروه، فقال: أبشروا فأنتم النفر الذي قال فيكم النبي ﷺ ما قال، فأنشدكم بالله لا يكفنني رجل منكم كان عريفا أو أميراً أو بريداً. فكل القوم قد نال من ذلك شيئاً إلا فتى من الأنصار، قال: عندي ثوبان في غيبتي من غزل أمي. قال: أنت صاحبي. أقول: وإنما لم يرد أن يكفنه أحد من هؤلاء لأن الأمير والعريف يحتمل أن يخالط أعمالها شيء من جور، وأما البريد فلأنه قد يحمل رسالة في زور أو جور. وذكر الذهبي في السير (١) عن زيد بن خالد الجهني قال: كنت عند عثمان، إذ جاء أبو ذر، فلما رأه عثمان قال: مرحباً وأهلاً بأخي. فقال أبو ذر: مرحباً وأهلاً بأخي، لقد أغلظت علينا في العزيمة، والله لو عزمت علي أن أحبو لحبوت ما استطعت، إني خرجت مع النبي ﷺ نحو حائط بني فلان، فقال لي: «ويحك بعدي»! فبكيت، فقلت: يا رسول الله، وإني لباق بعدك؟ قال: «نعم، فإذا رأيت البناء على سلع (٢)، فالحق بالمغرب، أرض قضاعة». قال عثمان: أحببت أن أجعلك مع أصحابك وخفت عليك جهال الناس.

стр. 1732

١٨٩٧ - * روى أحمد عن أبي أسماء أنه دخل على أبي ذر بالربذة، وعنده امرأة له سوداء مشعثة، ليس عليها أثر المجاسد والخلوق. فقال: ألا تنظرون ما تأمرني به؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيتها مالوا علي بدنياهم، وإن خليلي عهد إلي: «إن دون جسر جهنم طريقاً ذا دحض ومزلة». وإن أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير. ١٨٩٨ - * روى ابن سعد عن ابن بريدة قال: لما قدم أبو موسى لقي أبا ذر فجعل أبو موسى يكرمه - وكان أبو موسى قصيراً خفيف اللحم، وكان أبو ذر رجلاً أسود كث الشعر - فيقول أبو ذر: إليك عني! ويقول أبو موسى: مرحباً بأخي! فيقول: لست بأخيك! إنما كنت أخاك قبل أن تلي. ١٨٩٩ - * روى مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم». قال الذهبي: فهذا محمول على ضعف الرأي [في أمر الدنيا]: فإنه لو ولي مال يتيم، لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيراً، فقد كان لا يستجيز ادخار النقدين. والذي يتأمر على الناس، يريد أن يكون فيه حلم ومداراة، وأبو ذر ﵁ كانت فيه حدة فنصحه النبي ﷺ . أهـ. ١٩٠٠ - * روى ابن سعد عن أبي عثمان النهدي قال: رأيت أبا ذر يميد على راحلته، وهو مستقبل مطلع الشمس، فظننته نائماً، فدنوت وقلت: أنائم أنت يا أبا ذر؟ قال:

стр. 1733

لا، بل كنت أصلي. ١٩٠١ - * روى البزار عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر رأيت كأني وزنت بأربعين أنت فيهم فوزنتهم». ١٩٠٢ - * روى أبو داود عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أبا ذر!» قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، وأنا فداؤك. ١٩٠٣ - * روى البخاري عن زيد بن وهب ﵀ قال: مررت بالربذة، فإذا بأبي ذر، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان: أن اقدم المدينة. فقدمتها فكثر علي الناس، حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت، فكنت قريباً، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي جبشياً لسمعت وأطعت. قال الحافظ في «الفتح»: وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لاتفاق أبي ذر ومعاوية على أن الآية نزلت في أهل الكتاب، وفيه ملاطفة الأئمة للعلماء، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار عليه، حتى كاتب من هو أعلى منه في أمره، وعثمان لم يحنق على أبي ذر، مع كونه كان مخالفاً له في تأويله، وفيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة، والترغيب في الطاعة لأولي الأمر، وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة، وجواز الاختلاف في الاجتهاد، والأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى إلى

стр. 1734

فراق الوطن، وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، لأن في بقاء أبي ذر بالمدينة، مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم، ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقع من المفسدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة، ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه، لأن كلا منهما كان مجتهداً. اهـ. وقال ابن كثير ﵀: وكان من مذهب أبي ذر ﵁، تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالربذة وحده، وبها مات ﵁ في خلافة عثمان. اهـ. ١٩٠٤ - * روى الترمذي عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، سبه عيسى بن مريم». فقال عمر بن الخطاب كالحاسد: يا رسول الله أفنعرف ذلك له؟ قال: «نعم فاعرفوه». ١٩٠٥ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدي الذي عليها فيها». وفي رواية (١) قال له: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب

стр. 1735

لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم». ١٩٠٦ - * روى أحمد عن أبي ذر عن النبي ﷺ ، قال: أوصاني بخمس: أرحم المساكين وأجالسهم، وانظر إلى من تحتي ولا أنظر إلى من فوقي، وأن أصل الرحم وإن أدبرت، وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ١٩٠٧ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط غفار على عثمان من باب لا يدخل عليه منه - قال: وتخوفنا عثمان عليه - فانتهى إليه، فسلم، ما بدأه بشيء إلا أن قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم. ثم استأذنه إلى الربذة. ١٩٠٨ - * روى ابن سعد عن ابن سيرين: أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها». ونحا بيده نحو الشام، «ولا أرى أمراءك يدعونك»! قال: أولا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال: «لا». قال: فما تأمرني؟ قال: «اسمع وأطع، ولو لعبد حبشي». فلما كان ذلك، خرج إلى الشام. فكتب معاوية: إنه قد أفسد الشام. فطلب عثمان؛ ثم بعثوا إلى أهله من بعده، فوجدوا عندهم كيساً أو شيئاً؛ فظنوه دراهم، فقالوا: ما شاء الله! فإذا هي فلوس. قال عثمان: كن عندي. قال: لا حاجة لي في دنياكم، ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة. فأذن له، فخرج إليها، وعليها عبد حبشي لعثمان، فتأخر وقت الصلاة لما رأى أبا ذر - فقال أبو ذر: تقدم فصل، فقد أمرت أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي، فأنت عبد حبشي.

стр. 1736

١٩٠٩ - * روى أحمد وابن سعد عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار وعليه برذعة، أو قطيفة. ١٩١٠ - * روى البخاري ومسلم عن الأحنف، قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكنازين برضف يحمي عليه في نار جهنم، فيوضع على حملة ثدي أحدهم، حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتجلجل. قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحداً منهم رجع أليه شيئاً. فأدبر، فتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً، إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فقال: «يا أبا ذر». فأجبته. فقال: «ترى أحداً؟» فنظرت ما علي من الشمس - وأنا أظنه يبعثني في حاجة - فقلت: أراه فقال: «ما يسرني أن لي مثله ذهباً، أنفقه كله، إلا ثلاثة دنانير». ثم هؤلاء يجمعون الدنيا، لا يعقلون شيئاً. فقلت: مالك ولإخوانك من قريش، لا تعتريهم ولا تصيب منهم؟ قال: لا وربك، ما أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله.

стр. 1737

١٩١١ - * روى الطبراني عن محمد بن سرين قال: بلغ الحارث - رجل كان بالشام من قريش - أن أبا ذر كان به عوز فبعث إليه بثلثمائة دينار. فقال: ما وجد عبد الله من هو أهون عليه مني؟ سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: «من سأل وله أربعون فقد ألحف» ولأبي ذر أربعون درهماً وأربعون شاة وماهنان. قال أبو بكر بن عياش: يعني خادمين. * * *

стр. 1738

١٢ - حذيفة بن اليمان ﵄ قال ابن حجر: حذيفة بن اليمان العبسي .. من كبار الصحابة، كان أبوه قد أصاب دما فهرب إلى المدينة فحالف بني غبد الأشهل فسماه قومه اليمان لكونه حالف اليمانية، وتزوج والدة حذيفة فولد له بالمدينة، وأسلم حذيفة وأبوه وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون، وشهدا أحداً فاستشهد اليمان بها، وروى حديث شهوده أحداً واستشهاده بها البخاري، وشهد حذيفة الخندق له بها ذكر حسن وما بعدها. وروى حذيفة عن النبي ﵌ الكثير وعن عمر، قال العجلي: استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان وبعد بيعة علي بأربعين يوماً قلت وذلك في سنة ست وثلاثين، وروى علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة: خيرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة. فاخترت النصرة وفي الصحيحين أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة. وشهد حذيفة فتوح العراق وله بها آثار شهيرة. اهـ. وقال الذهبي في ترجمته: وله في الصحيحين اثنا عشر حديثاً، وفي البخاري ثمانية، وفي مسلم سبعة عشر حديثاً .. وحذيفة هو الذي ندبه رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب ليجس له خبر العدو، وعلى يده فتح الدينور عنوة ومناقبه تطول. وكان له مذهب في المداراة ذكره الذهبي في السير: من ذلك عن حذيفة قال: ما كلام أتكلم به، يرد عني عشرين سوطاً، إلا كنت متكلما به. وعن حذيفة، قال: إني لأشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله. وعن بلال بن يحيي، قال: بلغني أن حذيفة كان يقول: ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة إلا قد اشترى بعض دينه ببعض. قالوا: وأنت؟ قال: وأنا والله، إني لأدخل على أحدهم - وليس أحد إلا فيه محاسن ومساوئ - فأذكر من محاسنه، وأعرض عما سوى ذلك، وربما دعاني أحدهم إلى الغداء، فأقول: إني صائم. ولست بصائم.

стр. 1739

وكان النبي ﷺ قد أسر إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عن الفتن الكائنة في الأمة. وقد ناشده عمر: أأنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أزكي أحداً بعدك. اهـ. وذكر الذهبي (١) أيضاً عن زادان: أن عليا سئل عن حذيفة. فقال: علم المنافقين وسأل عن المعضلات؛ فإن تسألوه تجدوه بها عالماً. ١٩١٢ - * روى مسلم عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا إني خرجت أنا وأبي، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمداً! فقلنا: ما نريد إلا المدينة. فأخذوا العهد علينا: لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأخبرنا النبي ﷺ . فقال: «نفي بعهدهم، ونستعين بالله عليهم». ١٩١٣ - * روى مسلم عن حذيفة قال: أخبرني ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسله ما يخرج أهل المدينة من المدينة. ١٩١٤ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» قلت: وهل هذا بعد هذا الشر من خير؟ فال: «قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر». قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ فقال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا». قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة

стр. 1740

ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». ١٩١٥ - * روى البخاري ومسلم، عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، فقد علمه أصحابي هؤلاء. وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. قال الذهبي: قد كان ﷺ يرتل كلامه ويفسره: فلعله قال في مجلسه ذلك ما يكتب في جزء؛ فذكر أكبر الكوائن، ولو ذكر أكثر ما هو كائن في الوجود، لما تهيأ أن يقول في سنة، بل ولا في أعوام، ففكر في هذا. ١٩١٦ - * روى مسلم عن حذيفة قال: كنا مع رسول الله ﷺ : فقال: «أحصوا لي كم يلفظ الإسلام». قال: فقلنا: يا رسول الله أتخاف علينا ونحن ما بين الست مئة إلى السبع مائة؟ قال: «إنكم لا تدرون، لعلكم أن تبتلوا». قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا. ١٩١٧ - * روى الحاكم عن بلال بن يحيي قال: لما حضر حذيفة الموت وكان قد عاش بعد عثمان أربعين ليلة قال لنا: أوصيكم بتقوى الله والطاعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ١٩١٨ - * روى الطبراني عن الزهري أن حذيفة كان أحد بني عبس وكان عداده في الأنصار.

стр. 1741

١٩١٩ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سألتني أمي: متى عهدك برسول الله ﷺ ؟ فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا. فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي رسول الله ﷺ ، فأصلي معه المغرب، وأسأله أن يستغفر لي ولك. فأتيته، فصليت معه المغرب، ثم قام فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل، فتبعته، فسمع صوتي، فقال: «من هذا، حذيفة؟» قلت: نعم. فقال: «ما حاجتك؟ غفر الله لك ولأمك». قال: «إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيده نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة».

стр. 1742

١٣ - سعد بن معاذ ﵁ هو في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين. قال ابن حجر في الإصابة: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي سيد الأوس. وأمه كبشة بنت رافع لها صحبة. ويكنى أبا عمرو .. شهد بدراً باتفاق، ورمي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهراً حتى حكم في بني قريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه فمات أخرج ذلك البخاري وذلك سنة خمس، وقال المنافقون لما خرجت جنازته: ما أخفها. فقال النبي ﵌: «إن الملائكة حملته». في الصحيحين وغيرهما من طرق النبي ﵌ قال: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ». وروى يحيي بن عباد بين عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن أحد أفضل منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر. وذكر ابن إسحاق أنه لما أسلم علي يد مصعب بن عمير قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا. فأسلموا، فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام. وروى ابن إسحاق في قصة الخندق عن عائشة قالت: كنت في حصن بني حارثة وأم سعد بن معاذ معي فمر سعد بن معاذ وهو يقول: لبث قليلاً يلحق الهيجاجل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل فقالت له أمه: الحق يا بني فقد تأخرت. فقلت: يا أم سعد لوددت أن ردع سعد أسبغ مما هي. قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه. وقال الذي رماه: خذها وأنا ابن العرقة. فقال: عرق الله وجهك في النار. اهـ. وقال ابن كثير: كان قدوم الأحزاب في شوال سنة خمس كما تقدم، فأقاموا قريباً من شهر ثم خرج رسول الله ﷺ لحصار بني قريظة فأقام عليهم خمساً وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم فمات بعد حكمه عليهم بقليل، فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة من سنة خمس ولله أعلم. اهـ.

стр. 1743

وقال الذهبي: قيل كان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابني خالة. وقال ابن إسحاق: أخي رسول الله ﷺ بين سعد بن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح، وقيل آخي بينه وبين سعد ابن أبي وقاص. اهـ. قال الذهبي في السير: نقل ابن الكلبي أن قريشاً سمعت هاتفاً على أبي قبيس يقول: فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخسى خلاف المخالف فقال أبو سفيان: من السعدان؟ سعد بكر، سعد تميم؟ فسمعوا في الليل الهاتف يقول: أيا سعد الأوس كن أنت ناصراً ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف فقال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة. أسلم سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير. فقال ابن إسحاق: لما أسلم وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلاً، وأيمننا نقيبةً. قال: فإن كلامكم علي حرام، رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا. أبو إسحاق: عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمراً، فنزل على أمية بن خلف وكان أمية إذا انطلق إلى الشام يمر بالمدينة، فينزل عليه، فقال أمية له: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس طفت. فبينا سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل، فقال: من الذي يطوف آمنا؟ قال: أنا سعد. فقال: أتطوف آمناً وقد أويتم محمداً وأصحابه؟ قال: نعم. فتلاحيا. فقال أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي. فقال سعد: والله لو منعتني، لقطعت عليك متجرك بالشام. قال: فجعل أمية يقول: لا ترفع صوتك. فغضب وقال: دعنا منك، فإني سمعت محمدا ﷺ يقول: يزعم أنه قاتلك. قال: إياي؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد فكاد

стр. 1744

يحدث (١)، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ زعم أنه سمع محمداً يزعم أنه قاتلي. قالت: والله ما يكذب محمد. فلما خرجوا لبدر قالت امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ فأراد أن لا يخرج. فقال له أبو جهل: إنك من أشراف أهل الوادي، فسر معنا يوماً أو يومين. فسار معهم، فقتله الله. قال ابن شهاب: وشهد بدراً سعد بن معاذ، ورمي يوم الخندق، فعاش شهراً، ثم انتقض جرحه فمات. ابن إسحاق: حدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل أن عائشة كانت في حصن بن حارثة يوم الخندق وأم سعد معها، فعبر سعد عليه درع مقلصه قد خرجت منه ذراعة كلها وفي يده حربة يرفل بها [يمشي بقوة وجد] ويقول: لبث قليلاً يشهد الهيجا جمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل يعني: حمل بن بدر. فقالت له أمه: أي بني! قد أخرت. فقلت لها: يا أم سعد، لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. فرمي سعد بسهم قطع منه الأكحل، رماه ابن العرقة، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة. فقال: عرق الله وجهك في النار. اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً، فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه. اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة (٢). أ. هـ. ١٩٢٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: أصيب سعد يوم

стр. 1745

الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب. فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعته، اخرج إليهم. قال النبي ﷺ : «فأين؟» فأشار إلى بني قريظة. فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم. قال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة أن سعداً قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قومٍ كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبته، فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دماً. فمات منها ﵁. ١٩١٢ - * روى أحمد عن عائشة فقالت: حضر رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر وعمر، سعد بن معاذ، وهو يموت في القبة التي ضربها عليه رسول الله ﷺ في المسجد قالت: والذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وإني لفي حجرتي، فكانا كما قال الله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١). قال علقمة فقلت: أي أمه! كيف كان رسول الله، ﷺ ، يصنع؟ قالت: كان لا تدمع عينه على أحد، ولكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته. ١٩٢٢ - * روى ابن سعد عن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد، فثقل؛

стр. 1746

حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة تداوي الجرحى. فكان، ﷺ إذا مر به يقول: «كيف أمسيت، وكيف أصبحت؟» فيخبره حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها وثقل، فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله، فقيل: انطلقوا به. فخرج وخرجنا معه، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالنا، وسقطعت أرديتنا، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: «إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غلست حنظلة». فانتهى إلى البيت، وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول: ويل أن سعدٍ سعدا ... حزامةً وجداً فقال: «كل باكية تكذب إلا أم سعد». ثم خرج به. قال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتاً أخف علينا منه. قال: «ما يمنعه أن يخف وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم». ١٩٢٣ - * روى ابن سعد عن شعبة: عن سماك، سمع عبد الله بن شداد يقول: دخل رسول الله، ﷺ ، على سعد وهو يكيد بنفسه فقال الرسول ﷺ ، «جزاك الله خيراً من سيد قومٍ، فقد أنجزت ما وعدته. ولينجزنك الله ما وعدك»؟ ١٩٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتاه على حمار، فلما دنا قريباً من المسجد، قال رسول الله ﷺ للأنصار «قوموا إلى سيدكم»، أو: «خيركم». ثم قال: «إن هؤلاء نزلوا على حكمك». قال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذريتهم. قال: فقال النبي ﷺ : «قضيت بحكم الله». ١٩٢٥ - * روى ابن سعد عن عامر بن سعد عن أبيه قال: لما حكم سعد في بني قريظة

стр. 1747

أن يقتل من جرت عليه المواسي قال رسول الله، ﷺ : «لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات». ١٩٢٦ - * روى ابن سعد عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: أخذ إنسان قبضة من تراب قبر سعد، فذهب بها، ثم نظر فإذا هي مسك. ورواها محمد بن عمرو بن علقمة، عن ابن المنكدر. ذكر الذهبي في السير (٢) عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: ما كان أحد أشد فقداً على المسلمين بعد النبي ﷺ وصاحبيه أو أحدهما من سعد بن معاذ. ١٩٢٧ - * روى الحاكم عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما توفي سعد بن معاذ صاحت أمه فقال لها النبي ﷺ : «ليرقأ دمعك ويذهب حزنك فإن ابنك أول من ضحك الله إليه واهتز له العرش». ١٩٢٨ - * روى أحمد والحاكم والطبراني عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما أخرج بجنازة سعد بن معاذ صاحت أمه فقال لها رسول الله ﷺ : «ليرقأ دمعك ويذهب حزنك». والباقي بنحوه.

стр. 1748

١٩٢٩ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما حملت جنازة سعد ابن معاذ قال المنافقون: ما أخف ما كانت جنازته - يعني لحكمه في بني قريظة - فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «إن الملائكة كانت تحمله». ١٩٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ». فقال رجل لجابر: إن البراء يقول: اهتز السرير؟ فقال: إنه كان بين هذين الحيين ضغائن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ». وفي رواية لمسلم (١) قال: قال رسول الله ﷺ وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم-: «اهتز لها عرش الرحمن ». ١٩٣١ - * روى ابن سعد عن مجاهد، عن ابن عمر قال: اهتز العرش لحب لقاء الله سعداً. قال: إنما يعني السرير. وقرأ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) قال: إنما تفسحت أعواده. قال: ودخل رسول الله ﷺ قبره، فاحتبس، فلما خرج، قيل يا رسول الله! ما حبستك؟ قال: «ضم سعد في القبر ضمة، فدعوت الله أن يكشف عنه». قال الذهبي: تفسيره بالسرير ما أدري أهو من قول ابن عمر، أو من قول مجاهد. وهذا تأويل لا يفيد، فقد جاءنا ثابتاً عرش الرحمن وعرش الله، والعرش خلق لله مسخر إذا شاء أن يهتز اهتز بمشيئة الله، وجعل فيه شعوراً لحب سعد، كما جعل تعالى شعورا في جبل أحد

стр. 1749

بحبه النبي ﷺ . وقال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (١). وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢) ثم عمم فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢). وهذا حق. وفي صحيح البخاري قول ابن مسعود: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وهذا باب واسع سبيله الإيمان. اهـ. ١٩٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: أهدي لرسول الله ﷺ جبة من سندس - وكان ينهي عن الحرير - فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا». وفي رواية الترمذي والنسائي (٤) عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: قدم أنس ابن مالك فأتيته، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: فبكى، وقال: إنك لشبيه بسعد، وإن سعداً كان من أعظم الناس وأطولهم، وإنه بعث إلى النبي ﷺ جبة من ديباج، منسوج فيها الذهب، فلبسها رسول الله ﷺ ، فصعد المنبر، فقام - أو قعد - فجعل الناس يلمسونها، فقالوا: ما رأينا كاليوم ثوبا قط. فقال: «أتعجبون من هذا؟ لمناديل سعد في الجنة خير مما ترون» (٣). ١٩٣٣ - * روى البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد نزل لسعد بن معاذ ﵁ سبعون ألف ملك ما وطئوا الأرض قبلها». وقال حين دفن: «سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد».

стр. 1750

قال الذهبي: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك فهذه الأراجيف كلها قد تنال البعد وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (١). وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ (٢). فنسأله الله تعالى العفو واللطف الخفي. ومع هذه المزات، فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء، ﵁. كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم، ولا خوف. سل ربك العافية، وأن يحسرنا في زمرة سعد. اهـ. * * *

стр. 1751

١٤ - عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال ابن كثير في ترجمته: عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي. أبو عبد الرحمن المكي ثم المدني، أسلم قديماً مع أبيه ولم يبلغ الحلم وهاجرا وعمره عشر سنين، وقد استصغر يوم أحد، فلما كان يوم الخندق أجازه وهو ابن خمس عشرة سنة فشهدها وما بعدها، وهو شقيق حفصة بنت عمر أم المؤمنين، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون، وكان عبد الله بن عمر ربعة من الرجال آدم له جمة تضرب إلى منكبيه جسيما يخضب بالصفرة ويحفى شاربه، وكان يتوضأ لكل صلاة ويدخل الماء في أصول عينيه، وقد أراده عثمان على القضاء فأبى ذلك، وكذلك أبوه، وشهد اليرموك والقادسية وجلولاء وما بينهما من وقائع الفرس، وشهد فتح مصر، واختلط بها داراً، وقدم البصرة وشهد غزو فارس وورد المدائن مرارا وكان عمره يوم مات النبي ﷺ ثنتين وعشرين سنة، وكان إذا أعجبه شيء من ماله يقرب إلى الله وكان في مدة الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله، وكان أعلم الناس بمناسك الحج، وكان يتتبع آثار رسول الله ﷺ ، يصلي فيها، حتى إن النبي ﷺ نزل تحت الشجرة وكان ابن عمر يتعاهدها ويصب في أصلها الماء، وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك الليلة، وكان يقوم أكثر الليل، وقيل إنه مات وهو في الفضل مثل أبيه، وكان يوم مات خير من بقي، ومكث سنة يفتي الناس من سائر البلاد. اهـ. وقال ابن حجر: وقال الزبير بن بكار: وكان ابن عمر يتحفظ ما سمع من رسول الله ويسأل من حضر عن قوله وفعله وكان يتبع آثاره في كل مسجد. وقد ذكر الذهبي بعض من أخذ عنهم العلم غير رسول الله ﷺ فقد منهم خمسة عشر، وذكر مئتين وسبعة وعشرين ممن أخذوا عنه العلم ورووا عنه، وقال: ولابن عمر في مسند بقي ألفان وست مائة وثلاثون حديثاً بالمكرر، واتفقا له على مئة وثمانين وستين حديثاً، وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثاً، ومسلم بأحد وثلاثين، وتكلم الذهبي عن يوم التحكيم بين علي ومعاوية فقال: كاد أن تنعقد البيعة له [لابن عمر] يومئذ مع وجود

стр. 1752

الإمام علي وسعد بن أبي وقاص ولو بويع لما اختلف عليه اثنان ولكن الله حماه وخار له، والظاهر أنه توفي في آخر سنة ثلاث وسبعين. وقال مالك: بلغ ابن عمر سبعاً وثمانين سنة، ورجح الذهبي أنه عمر خمساً وثمانين سنة ودفن في فخ من مكة (وفخ: حي الزاهر) في مقبرة المهاجرين. اهـ. قال الذهبي: وأولاده من صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي: أبو بكر، وواقد، وعبد الله، وأبو عبيدة، وعمر، وحفصة، وسودة. ومن أم علقمة المحاربية: عبد الرحمن وبه يكنى. ومن سُريةٍ له: سالم، وعبيد الله، وحمزة. ومن سُريةٍ أخرى: زيد، وعائشة. ومن أخرى: أبو سلمة، وقلابة. ومن أخرى: بلال، فالجملة ستة عشر. اهـ. قال الحافظ في الإصابة: وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي بسند صحيح وهو في الغيلانيات والحامليات عن سالم بن أبي الجعد عن جابر: ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال غير عبد الله بن عمر. وفي تاريخ أبي العباس السراج بسند حسن عن السدي: رأيت نفراً من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبي ﷺ إلا ابن عمر. وفي الشعب للبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل. ومن وجه آخر عن أبي سلمة: كان عمر في زمان له فيه نظراء، وكان ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير. وفي معجم البغوي بسند حسن عن سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحد من أهل الجنة لشهدت لابن عمر. ومن وجه صحيح: كان ابن عمر حين مات خير من بقي. اهـ.

стр. 1753

قال الذهبي: قال ابن حزم في كتاب (الإحكام) في الباب الثامن والعشرين: المكثرون في الفتيا من الصحابة؛ عمر وابنه عبد الله، علي، عائشة، ابن مسعود، ابن عباس، زيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم. وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا ابن عباس في عشرين كتاباً. وأبو بكر هذا أحد أئمة الإسلام. ١٩٣٤ - * روى ابن سعد عن سليمان بن بلال: عن زيد بن أسلم: أن بن عمر كان يصفر حتى يملأ ثيابه منها، فقيل له: تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها. ١٩٣٥ - * روى ابن سعد عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لو تركنا هذا الباب للنساء». قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. وذكر الذهبي في السير (١) عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيا بقية ليلته. وذكر أيضاً (٢) أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء، فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءة الطائر، ثم يقوم، فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمساً. وذكر أيضاً (٢) عن عطاء مولى ابن سباع، قال: أقرضت ابن عمر ألفي درهم، فوفانيها بزائد مئتي درهم.

стр. 1754

قال محقق السير: وإنما تحل له الزيادة فيما إذا لم يكن ذلك على شرط منهما أو عادة، أما إذا شرط في القرض أن يرد أكثر أو أفضل، فهو حرام لا خير فيه وفعل ابن عمر هذا له سند من السنة، ففي الموطأ ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استلف من رجل بكراً فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: «أعطه إياه إن خيار الناس أحسنهم قضاء». وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. وذكر أيضا (١)، عن عاصم، أن مروان قال لابن عمر - يعني بعد موت يزيد-: هلم يدك نبايعك، فإنك سيد العرب وابن سيدها. قال: كيف أصنع بأهل المشرق؟ قال: نضربهم حتى يبايعوا. قال: والله ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة، وأنه قتل في سيفي رجل واحد. قال: يقول مروان: إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا وذكر أيضاً (٢) عن بن محمد بن زيد، عن أبيه: أن ابن عمر كاتب غلاماً له بأربعين ألفاً، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له، حتى أدى خمسة عشر ألفاً، فجاءه إنسان، فقال: أمجنون أنت؟ أنت ها هنا تعذب نفسك. وابن عمر يشتري الرقيق يميناً وشمالاً، ثم يعتقهم؛ ارجع إليه، فقل: عجزت. فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرحمن! قد عجزت، وهذه صحيفتي، فامحها. فقال: لا، ولكن امحها أنت إن شئت. فمحاها، ففاضت عينا عبد الله، وقال: اذهب فأنت حر. قال: أصلحك الله، أحسن إلى ابني. قال: هما حران. قال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولدي. قال: هما حرتان.

стр. 1755

وذكر أيضا (١) عن عاصم بن محمد العمري: عن أبيه، قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفية امرأته، فحدثها، قالت: فما تنتظر؟ قال: فهلا ما هو خير من ذلك، هو حر لوجه الله: فكان يخيل إلي أنه كان ينوي قول الله ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢). وقال ابن شهاب: أراد ابن عمر أن يلعن خادماً، فقال: الهمم الع، فلم يقها، وقال: ما أحب أن أقول هذه الكلمة. وعن سالم، قال: ما لعن ابن عمر خادماً له قط إلا واحداً، فأعتقه (٣). وذكر الذهبي في السير (٤) عن عمر بن محمد العمري، عن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد. وذكر أيضاً (٥): عن نافع، قال: بعث معاوية إلى ابن عمر بمئة ألف، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء. وذكر أيضا (٦) عن حمزة بن عبد الله، قال: لو أن طعاماً كثيراً عند أبي ما شبع منه بعد أن يجد له آكلاً، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جسمه، فكلمه، فقال: إنه ليأتي علي ثمان سنين، ما أشبع فيها شبعة واحدة - أو قال؟: إلا شبعة - فالآن تريد أن أشبع حتى لم يبق من عمري إلا ظم حمار. ١٩٣٦ - * روى الطبراني عن مطعم بن المقدام قال: كتب الحجاج إلى ابن عمر: بلغني أنك طلبت الخلافة وأنها لا تصلح لعي ولا بخيل ولا غيور. فكتب إليه: أما ما ذكرت من
следующие страницы →