١٤ - عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄
قال ابن كثير في ترجمته:
عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي. أبو عبد الرحمن المكي ثم المدني، أسلم قديماً مع أبيه ولم يبلغ الحلم وهاجرا وعمره عشر سنين، وقد استصغر يوم أحد، فلما كان يوم الخندق أجازه وهو ابن خمس عشرة سنة فشهدها وما بعدها، وهو شقيق حفصة بنت عمر أم المؤمنين، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون، وكان عبد الله بن عمر ربعة من الرجال آدم له جمة تضرب إلى منكبيه جسيما يخضب بالصفرة ويحفى شاربه، وكان يتوضأ لكل صلاة ويدخل الماء في أصول عينيه، وقد أراده عثمان على القضاء فأبى ذلك، وكذلك أبوه، وشهد اليرموك والقادسية وجلولاء وما بينهما من وقائع الفرس، وشهد فتح مصر، واختلط بها داراً، وقدم البصرة وشهد غزو فارس وورد المدائن مرارا وكان عمره يوم مات النبي ﷺ ثنتين وعشرين سنة، وكان إذا أعجبه شيء من ماله يقرب إلى الله وكان في مدة الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله، وكان أعلم الناس بمناسك الحج، وكان يتتبع آثار رسول الله ﷺ ، يصلي فيها، حتى إن النبي ﷺ نزل تحت الشجرة وكان ابن عمر يتعاهدها ويصب في أصلها الماء، وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك الليلة، وكان يقوم أكثر الليل، وقيل إنه مات وهو في الفضل مثل أبيه، وكان يوم مات خير من بقي، ومكث سنة يفتي الناس من سائر البلاد. اهـ.
وقال ابن حجر: وقال الزبير بن بكار: وكان ابن عمر يتحفظ ما سمع من رسول الله ويسأل من حضر عن قوله وفعله وكان يتبع آثاره في كل مسجد.
وقد ذكر الذهبي بعض من أخذ عنهم العلم غير رسول الله ﷺ فقد منهم خمسة عشر، وذكر مئتين وسبعة وعشرين ممن أخذوا عنه العلم ورووا عنه، وقال: ولابن عمر في مسند بقي ألفان وست مائة وثلاثون حديثاً بالمكرر، واتفقا له على مئة وثمانين وستين حديثاً، وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثاً، ومسلم بأحد وثلاثين، وتكلم الذهبي عن يوم التحكيم بين علي ومعاوية فقال: كاد أن تنعقد البيعة له [لابن عمر] يومئذ مع وجود
стр. 1752
الإمام علي وسعد بن أبي وقاص ولو بويع لما اختلف عليه اثنان ولكن الله حماه وخار له، والظاهر أنه توفي في آخر سنة ثلاث وسبعين. وقال مالك: بلغ ابن عمر سبعاً وثمانين سنة، ورجح الذهبي أنه عمر خمساً وثمانين سنة ودفن في فخ من مكة (وفخ: حي الزاهر) في مقبرة المهاجرين. اهـ.
قال الذهبي:
وأولاده من صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي: أبو بكر، وواقد، وعبد الله، وأبو عبيدة، وعمر، وحفصة، وسودة.
ومن أم علقمة المحاربية: عبد الرحمن وبه يكنى.
ومن سُريةٍ له: سالم، وعبيد الله، وحمزة.
ومن سُريةٍ أخرى: زيد، وعائشة.
ومن أخرى: أبو سلمة، وقلابة.
ومن أخرى: بلال، فالجملة ستة عشر. اهـ.
قال الحافظ في الإصابة:
وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي بسند صحيح وهو في الغيلانيات والحامليات عن سالم بن أبي الجعد عن جابر: ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال غير عبد الله بن عمر. وفي تاريخ أبي العباس السراج بسند حسن عن السدي: رأيت نفراً من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبي ﷺ إلا ابن عمر. وفي الشعب للبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل. ومن وجه آخر عن أبي سلمة: كان عمر في زمان له فيه نظراء، وكان ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير. وفي معجم البغوي بسند حسن عن سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحد من أهل الجنة لشهدت لابن عمر. ومن وجه صحيح: كان ابن عمر حين مات خير من بقي. اهـ.
стр. 1753
قال الذهبي: قال ابن حزم في كتاب (الإحكام) في الباب الثامن والعشرين: المكثرون في الفتيا من الصحابة؛ عمر وابنه عبد الله، علي، عائشة، ابن مسعود، ابن عباس، زيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم. وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا ابن عباس في عشرين كتاباً. وأبو بكر هذا أحد أئمة الإسلام.
١٩٣٤ - * روى ابن سعد عن سليمان بن بلال: عن زيد بن أسلم: أن بن عمر كان يصفر حتى يملأ ثيابه منها، فقيل له: تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها.
١٩٣٥ - * روى ابن سعد عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لو تركنا هذا الباب للنساء». قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.
وذكر الذهبي في السير (١) عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيا بقية ليلته.
وذكر أيضاً (٢) أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء، فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءة الطائر، ثم يقوم، فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمساً.
وذكر أيضاً (٢) عن عطاء مولى ابن سباع، قال: أقرضت ابن عمر ألفي درهم، فوفانيها بزائد مئتي درهم.
стр. 1754
قال محقق السير: وإنما تحل له الزيادة فيما إذا لم يكن ذلك على شرط منهما أو عادة، أما إذا شرط في القرض أن يرد أكثر أو أفضل، فهو حرام لا خير فيه وفعل ابن عمر هذا له سند من السنة، ففي الموطأ ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استلف من رجل بكراً فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: «أعطه إياه إن خيار الناس أحسنهم قضاء». وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
وذكر أيضا (١)، عن عاصم، أن مروان قال لابن عمر - يعني بعد موت يزيد-: هلم يدك نبايعك، فإنك سيد العرب وابن سيدها. قال: كيف أصنع بأهل المشرق؟ قال: نضربهم حتى يبايعوا. قال: والله ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة، وأنه قتل في سيفي رجل واحد.
قال: يقول مروان:
إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وذكر أيضاً (٢) عن بن محمد بن زيد، عن أبيه: أن ابن عمر كاتب غلاماً له بأربعين ألفاً، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له، حتى أدى خمسة عشر ألفاً، فجاءه إنسان، فقال: أمجنون أنت؟ أنت ها هنا تعذب نفسك. وابن عمر يشتري الرقيق يميناً وشمالاً، ثم يعتقهم؛ ارجع إليه، فقل: عجزت. فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرحمن! قد عجزت، وهذه صحيفتي، فامحها. فقال: لا، ولكن امحها أنت إن شئت. فمحاها، ففاضت عينا عبد الله، وقال: اذهب فأنت حر. قال: أصلحك الله، أحسن إلى ابني. قال: هما حران. قال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولدي. قال: هما حرتان.
стр. 1755
وذكر أيضا (١) عن عاصم بن محمد العمري: عن أبيه، قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفية امرأته، فحدثها، قالت: فما تنتظر؟ قال: فهلا ما هو خير من ذلك، هو حر لوجه الله: فكان يخيل إلي أنه كان ينوي قول الله ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢).
وقال ابن شهاب: أراد ابن عمر أن يلعن خادماً، فقال: الهمم الع، فلم يقها، وقال: ما أحب أن أقول هذه الكلمة.
وعن سالم، قال: ما لعن ابن عمر خادماً له قط إلا واحداً، فأعتقه (٣).
وذكر الذهبي في السير (٤) عن عمر بن محمد العمري، عن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد.
وذكر أيضاً (٥): عن نافع، قال: بعث معاوية إلى ابن عمر بمئة ألف، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء.
وذكر أيضا (٦) عن حمزة بن عبد الله، قال: لو أن طعاماً كثيراً عند أبي ما شبع منه بعد أن يجد له آكلاً، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جسمه، فكلمه، فقال: إنه ليأتي علي ثمان سنين، ما أشبع فيها شبعة واحدة - أو قال؟: إلا شبعة - فالآن تريد أن أشبع حتى لم يبق من عمري إلا ظم حمار.
١٩٣٦ - * روى الطبراني عن مطعم بن المقدام قال: كتب الحجاج إلى ابن عمر: بلغني أنك طلبت الخلافة وأنها لا تصلح لعي ولا بخيل ولا غيور. فكتب إليه: أما ما ذكرت من
стр. 1756
الخلافة فما طلبتها، وما هي من بالي، وأما ما ذكرت من العي، فمن جمع كتاب الله، فليس بعيي. ومن أدى زكاته، فليس ببخيل. ومن أدى زكاته، فليس ببخيل. وإن أحق ما غرت فيه ولدي أن يشركني فيه غيري.
وذكر الذهبي في السير (١) عن نافع: أن المختار بن أبي عبيد كان يرسل إلى ابن عمر بالمال، فيقبله، ويقول: لا أسأل أحداً شيئاً، ولا أرد ما رزقني الله.
وذكر أيضاً (٢) عن الثوري: عن أبي الوازع: قلت لابن عمر: لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم. فغضب، وقال: إني لأحسبك عراقياً، وما يدريك ما يغلق عليه ابن أمك بابه.
١٩٣٧ - (٣) وروى ابن سعد عن نافع، أن ابن عمر كان يقبض على لحيته، ويأخذ ما جاوز القبضة.
١٩٣٨ - * روى البخاري عن نافع قال: وكان ابن عمر إذا اعتمر، قبض على لحيته، فما فضل أخذه.
وذكر الذهبي في السبر: (٣) عن ابن سيرين أن رجلاً قال لابن عمر: أعمل لك جوارش؟ قال: وما هو؟ قال: شيء إذا كظك الطعام، فأصبت منه، سهل. فقال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وما ذاك أن لا أكون له واجداً، ولكني عهدت قوماً يشبعون مرة، ويجوعون مرة.
стр. 1757
وذكر أيضاً: (١) عن ابن عمر: قال بعث إلي علي، يا أبا عبد الرحمن! إنك رجل مطاع في أهل الشام، فسر فقد أمرتك عليهم. فقلت: أذكرك الله، وقرابتي من رسول الله ﷺ وصحبتي إياه، إلا ما أعفيتني. فأبى علي، فاستعنت عليه بحفصة، فأبى، فخرجت ليلاً إلى مكة، فقيل له: إنك قد خرج إلى الشام. فبعث في أثري، فجعل الرجل يأتي المربد، فيخضم بعيره بعمامته ليدركني. قال: فأرسلت حفصة: إنه لم يخرج إلى الشام، إنما خرج إلى مكة. فسكن.
وذكر أيضا: (٢) عن ابن عمر قال دومة جندل: جاء معاوية على بختي عظيم. طويل، فقال: ومن الذي يطمع في هذا الأمر ويمد إليه عنقه؟ فما حدثت نفسي بالدنيا إلا يومئذ، هممت أن أقول: يطمع فيه من طربك وأباك عليه، ثم ذكرت الجنة ونعيمها، فأعرضت عنه.
وذكر أيضاً: (٣)، عن نافع؛ أن معاوية بعث إلى ابن عمر بمئة ألف، فلما أراد أن يبايع ليزيد، قال: أرى ذاك أراد، إن ديني عندي إذا لرخيص.
وذكر أيضاً: (٤) قال: حلف معاوية على منبر رسول الله ﷺ ليقتلن ابن عمر، يعني وكان ابن عمر بمكة. فجاء إليه [أي إلى ابن عمر] عبد الله بن صفوان، فدخلا بيتاً، وكنت على الباب، فجعل ابن صفوان يقول: أفتتركه حتى يقتلك؟! والله لو لم يكن إلا أن وأهل بيتي، لقاتلته دونك فقال: ألا أصير في حرم الله؟ وسمعت نحيبه مرتين، فلما دنا معاوية تلقاه ابن صفوان، فقال: إيها جئت لتقتل ابن عمر. قال: والله لا أقتله.
١٩٣٩ - * روى ابن سعد عن ميمون بن مهران قال: دس معاوية عمراً وهو يريد أن
стр. 1758
يعلم ما في نفس ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! ما يمنعك أن تخرج تبايعك الناس، أنت صاحب رسول الله ﷺ وابن أمير المؤمنين، وأنت أحق الناس بهذا الأمر. فقال: قد اجتمع الناس كلهم على ما تقول؟ قال: نعم، إلا نفر يسير. قال: لو لم يبق إلا ثلاثة أعلاج يهجر لم يكن لي فيها حاجة. قال: فعلم أنه لا يريد القتال. فقال: هل لك أن تبايع من قد كاد الناس أن يجتمعوا عليه ويكتب لك من الأرضين والأموال؟ فقال: أف لك! اخرج من عندي، إن ديني ليس بديناركم ولا درهمكم، وإني أرجو أن أخرج من الدنيا ويدي بيضاء نقية.
١٩٤٠ - * روى ابن سعد عن نافع، قال: كان ابن عمر يسلم على الخشبية والخوارج وهم يقتتلون وقال: من قال (حي على الصلاة) أجبته، ومن قال (حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله) فلا.
١٩٤١ - * روى ابن سعد عن نافع، قال: أصابت ابن عمر عارضة محمل بين أصبعيه عند الجمعة، فمرض فدخل عليه الحجاج، فلما رآه ابن عمر، غمض عينيه، فكلمه الحجاج، فلم يكلمه، فغضب، وقال: إن هذا يقول إني على الضرب الأول.
وذكر الذهبي في السير: (١) عن ابن عمر، أنه قام إلى الحجاج، وهو يخطب فقال: يا عدو الله! أستحل حرم الله، وخرب بيت الله. فقال: يا شيخنا قد خرف. فلما صدر الناس، أمر الحجاج بعد مسودته، فأخذ حربة مسمومة، وضرب بها رجل ابن عمر، فمرض، ومات منها ودخل عليه الحجاج عائداً، فسلم فلم يرد عليه، وكلمه، فلم يجبه.
١٩٤٢ - * روى البخاري عن سعيد بن عمرو، قال: دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده، فقال: كيف هو؟ فقال: صالح. قال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا تحل فيه حمله. يعني الحجاج.
стр. 1759
١٩٤٣ - * روى ابن سعد عن سعيد بن جبير، قال: لما احتضر ابن عمر، قال: ما آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث؛ طمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا. يعني الحجاج.
وذكر الذهبي (١) في السير: عن نافع أو غيره، أن رجلاً قال لابن عمر: يا خير الناس، أو ابن خير الناس. فقال: ما أنا بخير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله، وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه.
١٩٤٤ - * روى ابن سعد عن عروة قال: خطبت إلى ابن عمر ابنته، ونحن في الطواف، فسكت ولم يجبني بكلمة، فقلت: لو رضي، لأجابني، والله لا أراجعه بكلمة. فقدر له أنه صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت، فدخلت مسجد الرسول ﷺ ، فسلمت عليه، وأديت إليه حقه، فرحب بي، وقال: متى قدمت؟ قلت: الآن. فقال: كنت ذكرت لي سودة ونحن في الطواف، نتخايل الله بين أعيننا، وكنت قادرا أن تلقاني في غير ذلك المواطن. فقلت: كان أمراً قدر. قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط. فدعا ابنتيه سالماً وعبد الله. وزوجني.
١٩٤٥ - * روى ابن سعد عن ابن عمر، قال: إنما مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها، فبينا هم كذلك، إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يميناً وشمالاً، فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك، حتى جلا الله عنها، فأبصرنا طريقنا الأول. فعرفناه، فأخذنا فيه. إنما هؤلاء فتيان قريش يقتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل عليه بعضهم بعضاً بنعلي هاتين الجرداوين.
١٩٤٦ - * روى ابن سعد عن أبي جعفر القارئ: خرجت مع ابن عمر من مكة، وكان
стр. 1760
له جفنة من ثريد يجتمع عليها بنوه، وأصحابه، وكل من جاء حتى يأكل بعضهم قائماً، ومعه بعير له، عليه مزادتان، فيهما نبيذ وماء، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ.
١٩٤٧ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن دينار قال: لما اجتمعوا على عبد الملك كتب إليه ابن عمر: أما بعد: فإني قد بايعت لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت وإن نبي قد أقروا بذلك.
١٩٤٨ - * روى البزار عن ابن عمر أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
١٩٤٩ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: لم أجدني آسى على شيء إلا إني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي.
١٩٥٠ - * روى الطبراني عن نافع قال: إن كان ابن عمر ليقسم في المجلس ثلاثين ألفاً ثم يأتي عليه شهر ما يأكل فيه مزعة لحم. قال برد: قلت لنافع هل كان يأكل اللحم؟ قال: كان إذا صام أو سافر فإنه أكثر طعامه.
١٩٥١ - * روى الطبراني عن زيد بن أسلم قال: مر ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعى الغنم هل من جزرة؟ قال: ما ههنا ربها. قال: تقول أكلها الذئب؟ فرفع الراعي رأسه
стр. 1761
إلى السماء ثم قال: فأين الله؟ فقال ابن عمر: فأنا والله أحق أن أقول فأين الله. فاشترى ابن عمر واشترى الغنم فأعتقه وأعطاه الغنم.
أقول: كان فعل ابن عمر امتحانًا للراعي.
١٩٥٢ - * روى الطبراني عن مكحول قال: بينا أنا مع ابن عمر وهو يمشي إذ مر به رجل أسود معه رمح فوضع زج الرمح بين السبابة والإبهام من قدم ابن عمر، فحمل الشيخ فأدخل، فورمت ساقه، فأتاه الحجاج يعوده فقال: يا أبا عبد الرحمن من أصابك بهذا حتى آخذ لك منه؟ قال: الله ليأخذن منه؟ الله ليأخذن منه؟ قال: ما بال حرم الله وأمنه يحمل فيه السلاح؟ قال: فمات فيه.
أقول: في الحديث إشارة إلى أن القاتل الحقيقي هو الحجاج الذي سمح بإدخال السلاح إلى حرم الله.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: في الزهد للبيهقي بسند صحيح عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: سعت أبي يقول: ما ذكر ابن عمر رسول الله ﵌ إلا بكى، ولا مر على ربعهم إلا غمض عينيه. وأخرجه الدارمي من هذا الوجه في تاريخ أبي العباس بسند جيد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ يبكي حتى يفنيه البكاء. وعند ابن سعد بسند صحيح، قيل لنافع: ما كان ابن عمر يصنع في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة والمصحف فيما بينهما. وعند الطبراني وهو في الحليلة بسند جيد عن نافع؛ أن ابن عمر كان يحيى الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا. فيقول: لا. فيعاود فإذا قال: نعم. قعد يستغفر الله حتى يصبح اهـ.
والمقصود بربعهم: دار الرسول ﷺ .
стр. 1762
١٩٥٣ - * روى ابن سعد عن نافع أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر.
١٩٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على النبي ﷺ ، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي ﷺ ، وكنت غلامًا شابًا عزبًا، أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلقيهما ملك آخر، فقال لي: لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل". قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً.
وللبخاري (٣) أيضًا، أن ابن عمر قال: رأيت في النوم: كأن في كفي سرقة من حرير، لا أهوى بها إلى مكانٍ في الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي ﷺ ، فقال: "إن أخاك رجل صالح". أو قال: "إن عبد الله رجل صالح".
وفي أخرى (٤) له قال: إن رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله ﷺ ، فيقصونها على رسول الله ﷺ ، فيقول فيها رسول الله ﷺ ما شاء الله وأنا غلام حديث السن، بيتي المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك
стр. 1763
خير، لرأيت ما يرى هؤلاء، فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم في خيرًا، فأرني رؤيا. فبينا أنا كذلك إذ جاءني ملكان، في يد كل واحدٍ منهما مقمعة حديد، فحملاني إلى جهنم، وأنا بينهما أدعو الله: اللهم إني أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديدٍ، فقال: لم ترع، نعم الرجل أنت، لو تكثر الصلاة. فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، ولها قرون كقرون البئر بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "إن عبد الله رجل صالح". قال نافع: فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة.
وفي رواية لمسلم (١): رأيت في المنام كأن في يدي قطعة استبرق، وليس مكان من الجنة أريد إلا طارت بي إليه، فقصصته على حفصة، فقصته على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أرى عبد الله رجلاً صالحًا".
(لو كان يصلي من الليل) هي هنا للتمني، لا للشرط، ولذلك لم يذكر الجواب.
قال المهلب: إنما فسر رسول الله ﷺ هذه الرؤيا في قيام الليل من أجل قول الملك. "لم ترع". أي لم تعرض عليك النار، لأنك مستحقها، وإنما ذكرت بها، ثم نظر رسول الله ﷺ في أحواله، فلم ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيدني من النار، وعلم مبيته في المسجد، فعبر ذلك بأن تنبيه له على قيام الليل فيه.
١٩٥٥ - * روى الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: لما فرض عمر لأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وفرض لي ألفين وخمس مائة، فقلت له: يا أبت لم تفرض لأسامة بن زيد ثلاثة
стр. 1764
آلاف وتفرض لي ألفين وخمس مائة؟ والله ما شهد أسامة مشهدًا غبت عنه، ولا شهد أبوه مشهدًا غاب عنه أبي. قال: صدقت يا بني، ولكني أشهد: لأبوه كان أحب الناس إلى رسول الله ﵌ من أبيك، ولهو أحب إلى رسول الله ﵌ منك. قال الحاكم: فإن توهم متوهم أن هذه الفضيلة لأسامة فليعلم أني إنما خرجت هذا الحديث لأمرين: أحدهما شهادة عمر لابنه أنه لم يشهد أسامة مشهدًا إلا شهدته، وهذه من أجل فضائل ابن عمر، والثاني أن الشيخين ﵄ قد خرجا أكثر ما روي من فضائل ابن عمر على شرطهما من المسانيد فأنا أجتهد في تحصيل خبر مسند صحيح لم يخرجاه.
стр. 1765
١٥ - بلال بن رباح ﵁
قال ابن حجر في ترجمته:
بلال بن رباح الحبشي المؤذن، وهو بلال بن حمامة وهي أمه .. اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد فأعتقه، فلزم النبي ﵌ وأذن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد النبي ﵌ مجاهدًا إلى أن مات بالشام. قال أبو نعيم: كان ترب أبي بكر وكان خازن رسول الله ﷺ . وروى أبو إسحاق الجوزجاني في تاريخه من طريق منصور عن مجاهد قال: قال عمار كل قد قال ما أرادوا -يعني المشركين- غير بلال.
ومناقبه كثيرة مشهورة قال ابن إسحاق: كان لبعض بني جمح. مولد من مولديهم واسم أمه حمامة، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول: لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد. فيقول وهو في ذلك أحد أحد. فمر به أبو بكر فاشتراه منه بعبد له أسود جلد.
قال البخاري: ومات بالشام زمن عمر. وقال ابن بكير: مات في طاعون عمواس. وقال عمرو بن علي: مات سنة عشرين. وقال ابن زبر: مات بداريا. وفي المعرفة لابن منده أنه دفن بحلب. اهـ.
وقال ابن كثير: ولما شرع الأذان بالمدينة كان هو الذي يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ وابن أم مكتوم يتناوبون، تارة هذا وتارة هذا، وكان بلال ندي الصوت حسنه، فصحًا ... وأذن يوم الفتح على ظهر الكعبة .. قالوا: وكان بلال آدم شديد الأدمة طويلاً نحيفًا كثير الشعر خفيف العارضين.
قال ابن بكير: توفي بدمشق في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. وقال محمد بن إسحاق وغير واحد: توفي سنة عشرين. قال الواقدي: ودفن بباب الصغير، وله بضع وستون
стр. 1766
سنة. ا. هـ.
ومما ورد فيه:
١٩٥٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ لبلال صلاة الغداة: "حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة". قال بلال: ما عملت عملاً في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.
١٩٥٧ - * روى البخاري عن جابر قال: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا. يعني بلالاً.
١٩٥٨ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه سبعة؛ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمة سمية، وبلال، وصهيب، والمقداد. فأما النبي ﷺ ، وأبو بكر فمنعهما الله بقومهما، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم أحد إلا وأتاهم ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد.
ذكر الذهبي في السير (١) عن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالاً وهو مدفون في الحجارة بخمس أواق ذهبًا، فقالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعناكه. قال: لو أبيتم إلا مئة أوقية لأخذته.
стр. 1767
١٩٥٩ - * روى مسلم عن سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء عنك فلا يجترئون علينا. وكنت أنا وابن مسعود وبلال ورجل من هذيل وآخران، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (٢).
١٩٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: لما قدم النبي ﷺ المدينة، وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئٍ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
الله ألعن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قالت: قال رسول الله ﷺ : "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم صححها، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة". قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. قالت: وكان نطحان يجري نجلاً. يعني ماء آجنا.
стр. 1768
١٩٦١ - * روى الحاكم عن عمرو بن ميمون: أن أخًا لبلال كان ينتمي إلى العرب ويزعم أنه منهم فخطب امرأة من العرب فقالوا: إن حضر بلال زوجناك. قال: فحضر بلال فقال: أنا بلال بن رباح وهذا أخي وهو امرؤ سيء الخلق والدين فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه وإن شئتم أن تدعوا فدعوا. فقالوا: من تكن أخاه نزوجه. فزوجوه.
قال الحاكم: أخو بلال هذا له رواية.
١٩٦٢ - * روى الحاكم عن عائشة، قالت: أعتق أبو بكر ﵁ سبعة ممن كان يعذب في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة.
١٩٦٣ - * روى الطبراني: عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "مثل بلال مثل النخلة غدت تأكل من الحلو والمر، ثم هو حلو كله".
* * *
стр. 1769
١٦ - أبي بن كعب ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري أبو المنذر وأبو الطفيل سيد القراء .. كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرًا والمشاهد كلها، قال له النبي ﵌: "ليهنك العلم أبا المنذر". وقال له: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك". وكان عمر يسميه سيد المسلمين، ويقول اقرأ: يا أبي. ويروى ذلك عن النبي ﵌ أيضًا. وأخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم. وعده مسروق في الستة من أصحاب الفتيا. قال الواقدي: وهو أول من كتب للنبي ﷺ ، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان بن فلان. وكان ربعة أبيض اللحية لا يغير شيبه. وممن روى عنه من الصحابة عمر، وكان يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبو أيوب وعبادة بن الصامت وسهل بن سعد وأبو موسى وابن عباس وأبو هريرة وأنس وسليمان بن صرد وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى ابن معين يقول: مات أبي بن كعب سنة عشرين أو تسع عشرة. وقال الواقدي: ورأيت آل أبي وأصحابنا يقولون مات سنة اثنين وعشرين، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين. قال: وقد سمعت من يقول مات من خلافة عثمان سنة ثلاثين. وهو أثبت الأقاويل. وقال ابن عبد البر: الأكثر على أنه في خلافة عمر. قلت: وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زر بن حبيش لقيه في خلافة عثمان.
وروى البخاري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبزي قال: قلت لأبي لما وقع الناس في أمر عثمان فذكر القصة، وروى البغوي عن الحسن في قصته له: أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة.
وقال ابن حبان: مات سنة ثنتين وعشرين في خلافة عمر وقد قيل إنه بقى إلى خلافة عثمان.
وثبت عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه
стр. 1770
الأمراض التي تصيبنا مالنا فيها؟ قال: "كفارات". فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قلت؟ "وإن شوكة. فما فوقها". فدعا أبي أن لا يفارقه الوعك حتى يموت، وأن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة. قال: فما مس إنسان جسده إلا وجد حره حتى مات. رواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا وصححه ابن حبان ورواه الطبراني من حديث أبي بن كعب بمعناه وإسناده حسن ا. هـ.
وقال ابن كثير في ترجمته: كان سيدًا جليل القدر. وهو أحد القراء الأربعة الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول الله ﷺ وقد قال لعمر يوما: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل وهو رطب. وفي المسند والنسائي وابن ماجة من طريق أبي قلابة عن أنس مرفوعًا: "أقرأ أمتي أبي بن كعب". وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال له: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن". قال: وسماني لك؟ قال: "نعم". فذرفت عيناه ... قال الهيثم ابن عدي: توفي أبي سنة تسع عشرة. وقال يحيى بن معين: سنة سبع عشرة أو عشرين. وقال الواقدي عن غير واحد: توفى سنة ثنتين وعشرين. وبه قال أبو عبيد وابن غير وجماعة. وقال الفلاس وخليفة: توفى في خلافة عثمان بن عفان ﵁. ا. هـ.
قال الذهبي: شهد العقبة، وبدرًا، وجمع القرآن في حياة النبي ﷺ ، وعرض على النبي، ﵇، وحفظ عنه علمًا مباركًا، وكان رأسًا في العلم والعمل، ﵁ .. وكان أبي نحيفًا، قصيرًا، أبيض الرأس واللحية ا. هـ.
ومما ورد فيه:
١٩٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأبي: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: وسماني؟ قال: "نعم" فبكى.
وفي رواية (١) مثله، ولم يسم سورة، وفيه قال: الله سماني لك؟ قال: "الله سماك
стр. 1771
لي". قال: فجعل أبي يبكي.
وللبخاري (١) أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرئك القرآن". قال: الله سماني؟ قال: "نعم". قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: "نعم". فذرفت عيناه.
قال الحافظ في الفتح: ويؤخذ من هذا الحديث مشروعية التواضع في أخذ الإنسان العلم من أهله وإن كان دونه. وقال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر، لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة، والمعاد وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها.
١٩٦٥ - * روى أحمد والنسائي عن قيس بن عباد قال: أتيت المدينة للقاء أصحاب محمد ﷺ ، ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلي من أبي، فأقيمت الصلاة، وخرج عمر مع أصحاب رسول الله ﷺ فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم، فعرفهم غيري، فنحاني، وقام في مقامي، فما عقلت صلاتي. فلما صلى، قال: يا بني! لا يسؤوك الله، فإني لم آت الذي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: "كونوا في الصف الذي يليني" وإني نظرت في وجوه القوم، فعرفتهم غيرك. وإذا هو أبي ﵁.
١٩٦٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي، ومعاذ، وسالم مولى أبي حذيفة".
١٩٦٧ - * روى أبو داود عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة، فلبس عليه، فلما
стр. 1772
انصرف، قال لأبي: "أصليت معنا؟ " قال: نعم. قال: "فما منعك".
قال الخطابي: أراد: ما منعك أن تفتح علي إذ رأيتين قد لبس علي؟ وفيه دليل على جواز تلقين الإمام.
١٩٦٨ - * روى الترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وغن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح".
١٩٦٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد قال: قال أبي: يا رسول الله ﷺ ، ما جزاء الحمى؟ قال: "تجري الحسنات على صاحبها". فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك. فلم يمس أبي قط إلا وبه الحمى.
قال الذهبي: ملازمة الحمى له حرفت خلقه يسيرًا، ومن ثم يقول زر بن حبيش: كان أبي فيه شراسة.
١٩٧٠ - * روى مسلم عن أبي بن كعبٍ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر! أتدري أي آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ " قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يا أبا المنذر! أتدري أي آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ ". قال قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب في صدري وقال: "والله! ليهنك العلم أبا المنذر".
стр. 1773
١٩٧١ - * روى البخاري ومسلم عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: جمع القرآن، على عهد رسول الله ﷺ ، أربعة، كلهم من الأنصار: معاذ بن جبلٍ، وأبي بن كعبٍ، وزيد بن ثابتٍ، وأبو زيدٍ.
قال قتادة: قلت لأنسٍ: من أبو زيدٍ؟ قال: أحد عمومتي.
١٩٧٢ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: قال أبي لعمر بن الخطاب: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل ﵇ وهو رطب.
١٩٧٣ - * روى البخاري عن ابن عباس قال: قال عمر ﵁: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي. وإنا لندع من قول أبي، وذاك أن أبيًا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ . وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١).
١٩٧٤ - * روى ابن سعد عن عتي بن ضمرة قال: رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم. فقلت: ما شأن هؤلاء؟ فقال بعضهم: ما أنت من أهل البلد؟ قلت: لا. قال: فإنه قد مات اليوم سيد المسلمين، أبي بن كعب.
١٩٧٥ - * روى ابن سعد عن أبي قال: إنا لنقرؤه في ثمان ليالٍ. يعني القرآن.
стр. 1774
١٧ - أبو طلحة الأنصاري ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عمرو بن مالك بن عدي ابن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو طلحة .. مشهور بكنيته، ووهم عن سماه سهل بن زيد وهو قول ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة في تسمية من شهد العقبة، وقد قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى أخبرنا أبو طلحة من ولد أبي طلحة قال: اسم أبي طلحة زيد.
وهو القائل:
أنا أبو طحة واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد
كان من فضلاء الصحابة وهو زوج أم سليم. ا. هـ.
وقال الذهبي: وكان قد سرد الصوم بعد النبي ﷺ .. وذكر عروة وموسى بن عقبة وابن إسحاق: أن أبا طلحة ممن شهد العقبة وبدرًا .. عاش بعد النبي ﷺ نيفًا وعشرين سنة ... وكان جلدًا صيتًا آدم مربوعًا لا يغير شيبه .. مات سنة أربع وثلاثين .. روى عن النبي ﷺ نيفًا وعشرين حديثًا منها في الصحيحين حديثان وتفرد البخاري بحديث ومسلم بحديث. ﷺ .
ومما ورد فيه:
١٩٦٧ - * روى الطبراني عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم قبل أن يسلم، فقالت: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره. فأسلم أبو طلحة وتزوجها.
قال ثابت البناني: فما سمعنا بمهر كان قط أكرم من مهر أم سليم: الإسلام.
стр. 1775
١٩٧٧ - * روى أبو داود والحاكم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلبه". فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم.
١٩٧٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالكٍ؛ أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق شقه الأيمن فقسمه فيمن يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر". فقال: "أين أبو طلحة؟ " فأعطاه إياه.
١٩٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ، يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحى، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيبٍ.
قال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٤) قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله يقول في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وإن أحب أموالي إلي بيرحى، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله، حيث شئت، قال رسول الله ﷺ "بخ! ذلك مال رابح. ذلك مال رابح. قد سمعت ما قلت فيها".
стр. 1776
١٩٨٠ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة".
وفي رواية "لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة".
١٩٨١ - * روى مسلم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك. حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء. فقال: "من يضيف هذا، الليلة، رحمة الله". فقام رجل من الأنصار فقال: أنا. يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا. إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم بشيءٍ. فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذ أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي ﷺ . فقال: "قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة".
وفي رواية للبخاري (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالى فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت. ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال:
стр. 1777
"لقد عجب الله -أوضحك- من فلانٍ وفلانة". فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).
وفي رواية الترمذي (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً من الأنصار بات به ضيف، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك. فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
١٩٨٢ - * روى الحاكم عن أنس: أن أبا طلحة قال: لا أتأمر على اثنين ولا أذمهما.
١٩٨٣ - * روى الحاكم أخبرنا حماد بن سلمة عن أنس بن مالك أن أبا طلحة قرأ هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. فقال: استنفرنا الله وأمرنا الله واستنفرنا شيوخًا وشبابا جهزوني. فقال بنوه: يرحمك الله إنك قد غزوت على عهد النبي ﵌ وأبي بكر وعمر ونحن نغزو عنك الآن. فغزا البحر فمات. فطلبوا جزيرة يدفنونه فيها فلم يقدروا عليه إلا بعد سبعة أيام وما تغير.
١٩٨٤ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي رسول الله ﵌ وكان النبي ﵌ يرفع ظهره من خلفه لينظر أين يقع نبله فيتطاول أبو طلحة بصدره يقي به رسول الله ﵌ هكذا: يا نبي الله جعلني الله فداك نحري دون حراك.
* * *
стр. 1778
١٨ - المقداد بن عمرو (المشهور بابن الأسود) ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
المقداد بن الأسود الكندي هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني وقيل الحضرمي .. قال ابن الكلبي كان عمرو بن ثعلبة أصاب دما في قومه فلحق بحضرموت فحالف كندة فكان يقال له الكندي، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد، فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري، وكتب إلى أبيه فقدم عليه، فتبنى الأسود المقداد فصار يقال له المقداد بن الأسود، وغلبت عليه واشتهر بذلك، فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾. قيل له المقداد بن عمرو، واشتهرت شهرته بابن الأسود وكان المقداد يكنى أبا الأسود، وقيل كنيته أبو عمرو، وقيل أبو سعيد، وأسلم قديمًا وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي ﵌ وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، وكان فارسًا يوم بدر حتى إنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره. وقال زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود: أول من أظهر إسلامه سبعة. فذكره فيهم. وقال مخارق بن طارق عن ابن مسعود: شهدت مع المقداد مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به. وذكر البغوي من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر: أول من قاتل على فرس في سبيل الله المقداد بن الأسود. ومن طريق موسى بن يعقوب الزمعي عن عمته قريبة عن عمتها كريمة بنت المقداد عن أبيها: شهدت بدرًا على فرس لي يقال لها سبحة. ومن طريق يعقوب بن سلمان عن ثابت البناني قال: كان المقداد وعبد الرحمن بن عوف جالسين فقال له: مالك لا تتزوج؟ قال: زوجني ابنتك. فغضب عبد الرحمن وأغلظ له، وفشكا ذلك للنبي ﵌ فقال: "أنا أزوجك". فزوجه بنت عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. وعن المدايني قال: كان المقداد طويلاً آدم كثير الشعر أعين مقرونًا يصفر لحيته. وأخرج يعقوب بن سفيان وابن شاهين من طريقه بسنده إلى كريمة زوج المقداد: كان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام رومي فقال له: أشق بطنك، فأخرج من شحمه حتى تلطف. فشق بطنه ثم خاطه، فمات المقداد وهرب الغلام. وقال
стр. 1779
أبو ربيعة الإيادي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ : "إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم علي والمقداد وأبو ذر وسلمان". وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وسنده حسن. وروي المقداد عن النبي ﷺ أحاديث، روي عنه علي وأنس وعبيد الله بن عدي بن الخيار وهمام بن الحارث وعبد الرحمن بن أبي ليلى وآخرون. اتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان، قيل وهو ابن سبعين سنة ا. هـ.
وقال الذهبي: صاحب رسول الله ﷺ وأحد السابقين الأولين ... القضاعي الكندي البهراني شهد بدرًا والمشاهد .... له جماعة أحاديث ... حديث في الستة، له حديث في الصحيحين، وانفرد له مسلم بأربعة أحاديث ا. هـ.
١٩٨٥ - * روى الحاكم عن المقداد بن الأسود قال: بعثني رسول الله ﵌ مبعثًا فلما رجعت قال لي: "كيف تجد نفسك؟ " قلت: ما زلت حتى ظننت أنه من معي خولي، وايم الله لا أعلم على رجلين بعدها.
١٩٨٦ - * روى مسلم عن المقداد بن عمرو -وهو ابن الأسود- ﵁ قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فليس أحد منهم يقبلنا فأتينا النبي ﷺ ، فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنزٍ، فقال النبي ﷺ : "احتلبوا هذا اللبن بيننا". قال: فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه ونرفع لرسول الله ﷺ نصيبه. قال: فيجيء من الليل، فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع القيظان. قال: ثم يأتي إلى المسجد فيصلي. قال: ثم يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة. فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل، ندمني الشيطان، فقال: ويحك،
стр. 1780
ما صنعت؟ أشربت شراب محمد، فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك؟ وعلي شملة إذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي، فناما، ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو علي فأهلك. فقال: "اللهم أطعم من أطعمني، واسسق من سقاني". قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي، وأخذت الشفرة، فانطلقت إلى الأعنز، أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ ، ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فحلبت فيه، حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "أشربتم شرابكم الليلة؟ " قلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني. فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روى، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض. قال فقال النبي ﷺ : "إحدى سوآتك يا مقداد". فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا. فقال النبي ﷺ : "ما هذه إلا رحمة من الله. أفلا كنت آذنتني، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها". قال فقلت: والذي بعثك بالحق! ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك، من أصابها من الناس.
١٩٨٧ - (١) روي البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ للمقداد "إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قومٍ كفار فأظهر إيمانه، فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل".
قال الحافظ: وهذا التعليق وصله البزار والدارقطني في (الأفراد) والطبراني في الكبير من رواية أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم والد محمد بن أبي بكر المقدمي عن حبيب،
стр. 1781
وفي أوله: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد، فلما أتوهم وجدوهم وتفرقوا، وفيهم رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله ... الحديث وفيه: فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "يا مقداد قتلت رجلاً قال: لا إله إلا الله، فكيف لك بـ لا إله إلا الله" فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) الآية، فقال النبي ﷺ للمقداد: "كان رجلاً مؤمنًا يخفي إيمانه".
* * *
стр. 1782
١٩ - أبو قتادة الأنصاري السلمي ﵁
قال ابن حجر في ترجمته:
أبو قتادة بن ربعي الأنصاري، المشهور أن اسمه الحارث .. وجزم الواقدي وابن القداح وابن الكبي بأن اسمه النعمان وقيل اسمه عمرو. وأبوه ربعي هو ابن بلدهة بن خناس بضم المعجمة وتخفيف النون وآخره مهملة ابن عبيد بن غنم بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي، وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم، اختلف في شهوده بدرًا فلم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق واتفقوا على أنه شهد أحدًا وما بعدها وكان يقال له فارس رسول الله ﵌، ثبت ذلك في صحيح مسلم في حديث سلمة بن الأكوع الطويل الذي فيه قصة ذي قرد وغيرها. وكانت وفاة أبي قتادة بالكوفة في خلافة علي، ويقال إنه كبر عليه ستا وقال: إنه بدري. وقال الحسن بن عثمان: مات سنة أربعين وكان شهد مع علي مشاهده: وقال خليفة: ولاه على مكة ثم ولاها قثم بن العباس. اهـ.
ومما ورد فيه:
١٩٨٨ - * روى الطبراني عن سلمة بن الأكوع عن النبي ﷺ ، قال: "خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع".
١٩٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة. قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا وجلا
стр. 1783
من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني، فلحقت عمر ابن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: "من قتل قتيلاً، له عليه بينة، فله سلبه". قال: فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال مثل ذلك. فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال ذلك، الثالثة. فقمت فقال رسول الله ﷺ "مالك؟ يا أبا قتادة! " فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق، يا رسول الله! سلب ذلك القتيل عندي، فأرضه من حقه. وقال أبو بكر الصديق: لاها الله! إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ : "صدق فأعطاه إياه". فأعطاني. قال: فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة. فإنه لأول مالٍ تأثلته في الإسلام.
وفي حديث الليث فقال أبو بكرٍ: كلا لا يعطيه أضيبع من قريشٍ ويدع أسدًا من أسد الله وفي حديث الليث: لأول مالٍ تأثلثه.
ذكر الذهبي في السير (١) موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: صلى علي على أبي قتادة، فكبر عليه سبعًا.
وذكر أيضًا: (٢) أن عمر بعث أبا قتادة، فقتل ملك فارس بيده، وعليه منطقة قيمتها خمسة عشر ألفًا، فنفلها إياه عمر.
١٩٩٠ - * روى أبو داود عن أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ كان في سفر له،
стр. 1784
فعشطوا، فانطلق سرعان الناس (١)، فلزمت رسول الله ﷺ تلك الليلة، فقال: "حفظك الله بما حفظت به نبيه".
* * *
стр. 1785
٢٠ - سلمان الفارسي ﵁
قال ابن حجر:
سلمان أبو عبد الله الفارسي .. ويقال له سلمان ابن الإسلام وسلمان الخير. وقال ابن حبان: من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وهم، أصله من رام هرمز وقيل من أصبهان. وكان قد سمع بأن النبي ﵌ سيبعث فخرج في طلب ذلك فأسر وبيع بالمدينة، فاشتغل بالرق حتى كان أول مشاهده الخندق وشهد بقية المشاهد وفتوح العراق وولى المدائن.
وقال ابن عبد البر يقال: إنه شهد بدرًا وكان عالمًا زهدًا، روى عنه أنس وكعب بن عجرة وابن عباس وأبو سعيد وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: أبو عثمان النهدي وطارق ابن شهاب وسعيد بن وهب وآخرون بعدهم. كان اسمه ما به بكسر الموحدة ابن بود. قاله ابن منده بسنده وساق له نسبًا. وقيل اسمه بهبود.
قال الذهبي: وجدت الأقوال فس سنه كلها دالة على أنه جاوز المائتين وخمسين والاختلاف إنما هو في الزائد. قال: ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما زاد على الثمانين.
قال أبو ربيعة الأيادي عن أبي بريدة عن أبيه أن النبي ﵌ قال: "إن الله يحب من أصحابي أربعة". فذكره فيهم. وقال سلمان بن المغيرة عن حميد بن هلال: آخى النبي ﵌ بين أبي الدرداء وسلمان. ونحوه في البخاري من حديث أبي جحيفة في قصته. ووقع في هذه القصة: فقال النبي ﵌ لأبي الدرداء: "سلمان أفقه منك". مات سنة ست وثلاثين في قول أبي عبيد، أو سبع في قول خليفة. وروى عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس: دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت. فهذا يدل على أنه مات قبل ابن مسعود، ومات ابن مسعود قبل سنة أربع وثلاثين، فكأنه مات سنة ثلاث أو سنة اثنتين. وكان سلمان إذا خرج عطاؤه تصدق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده. اهـ.
стр. 1786
وقال الذهبي:
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو سلمان ابن الإسلام، أبو عبد الله الفارسي سابق الفرس إلى الإسلام، صحب النبي، ﷺ وخدمه وحدث عنه.
وروى عنه ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو عثمان النهدي، وشرحبيل ابن السمط، وأبو قرة سلمة بن معاوية الكندي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وأبو عمرو زادان، وأبو ظبيان حصين بن جندب الجنبي، وقرثع الضبي الكوفيون.
له في مسند بقي ستون حديثًا، وأخرج له البخاري أربعة أحاديث، ومسلم ثلاث أحاديث.
وكان لبيبًا حازمًا، من عقلاء الرجال وعبادهم نبلائهم. اهـ.
ومما ورد فيه:
ما ذكره الذهبي أيضًا في السير (١): القاسم أبي عبد الرحمن قال: زارنا سلمان الفارسي فصلى الإمام الظهر، ثم خرج وخرج الناس، يتلقونه كما يتلقى الخليفة، فلقيناه وقد صلى بأصحابه العصر، وهو يمشي، فوقفنا نسلم عليه، فلم يبق فينا شريف إلا عرض عليه أن ينزل به، فقال: جعلت على نفسي مرتي هذه أن أنزل على بشر بن سعد. فلما قدم، سأل عن أبي الدرداء، فقالوا: هو مرابط. فقال: أين مرابطكم؟ قالوا: بيروت. فتوجه قبله، قال: فقال سلمان: يا أهل بيروت! ألا أحدثكم حديثًا يذهب الله به عنكم عرض الرباط، سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "رباط يومٍ وليلةٍ كصيام شهرٍ وقيامه، ومن مات مرابطًا أجير من فتنة القبر، وجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة".
١٩٩١ - * روى مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وبلال وصهيب في نفرٍ فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيدهم. فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فقال: "يا أبا بكر! لعلك
стр. 1787
أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك". فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي.
١٩٩٢ - * روى الطبراني عن أبي البختري قال: قيل لعلي: أخبرنا عن أصحاب محمد، ﷺ . قال: عن أيهم تسألون؟ قيل: عن عبد الله. قال: علم القرآن والسنة، ثم انتهى وكفى به علمًا. قالوا: عمار؟ قال: مؤمن نسي فإن ذكرته ذكر. قالوا: أبو ذر؟ قال: وعى علمًا عجز عنه. قالوا: أبو موسى؟ قال: صبغ في العلم صبغة، ثم خرج منه. قالوا: حذيفة؟ قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالواو: سلمان؟ قال: أدرك العلم الأول، والعلم الآخر بحر لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت. قالوا: فأنت يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (٢). قال: يا رسول الله! من هؤلاء؟ قال: فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال: "هذا وقومه، لو كنا للدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس".
١٩٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: كنا جلوسًا، عند النبي، ﷺ ، فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: قلت من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا -وفينا سلمان الفارسي. وضع رسول الله، ﷺ ، يده على سلمان- ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء".
١٩٩٤ - * روى الترمذي والحاكم عن يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذًا الموت قلنا:
стр. 1788
أوصنا، قال: أجلسوني. ثم قال: إن الإيمان والعلم مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. قالها ثلاثًا. فالتسموا العلم عند أربعة: أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم. فإني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة".
ذكر الذهبي في السير (١) عن عبيدة السلماني أن سلمان مر بحجر المدائن غازيًا وهو أمير الجيش وهو ردف رجل من كندة على بغلٍ موكوف، فقال أصحابه: أعطنا اللواء أيها الأمير نحمله، فيأبى حتى قضى غزاته ورجع وهو ردف الرجل.
١٩٩٥ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان: أن هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الإنسان عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبًا، فإن كنت تبرئ، فنعما لك، وإن كنت متطببًا فاحذر أن تقتل إنسانًا، فتدخل النار. فكان أبو الدارداء إذا قضى بين اثنين، ثم أدبرا عنه، نظر إليهما، وقال: ارجعا إلي أعيدا علي قصتكما، متطبب والله.
١٩٩٦ - * روى الطبراني عن أبي البختري قال: جاء الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله، فدخلا على سلمان في خص، فسلما وحيياه، ثم قالا: أنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ قال: لا أدري. فارتابا. قال: إنما صاحب من دخل معه الجنة. قالا: جئنا من عند أبي الدارداء. قال: فأين هديته؟ قالا: ما معنا هدية. قال: اتقيا الله، وأديا الأمانة، ما أتاني أحد من عندي إلا بهدية. قالا: لا ترفع علينا هذا، إن لنا أموالاً فاحتكم. قال: ما أريد إلا الهدية. قالا: والله ما بعث معنا بشيء إلا أنه قال: إن فيكم رجلاً كان رسول الله ﷺ إذا خلا به، لم يبغ غيره، فإذا أتيتماه، فأقرناه مني السلام. قال: فأي هدية كنت أريد منكما غير هذه؟ وأي هديةٍ أفضل منها.
стр. 1789
١٩٩٧ - * روى الطبراني عن أبي وائل قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف، لتكلفت لكم. فجاءنا بخبز وملح. فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر. فبعث سلمان بمطهرته، فرهنها فجاء بصعتر، فلما أكلنا، قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة.
١٩٩٨ - * روى ابن ماجة والطبراني عن أنس قال: دخل سعد وابن مسعد على سلمان عند الموت، فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ لم تحفظه. قال: "ليكن بلاغ أحدكم في الدنيا كزاد الراكب". وأما أنت يا سعد فاتق الله في حكمك إذا حكمت، وفي قسمك إذا قسمت، عند همك إذا هممت.
قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهمًا نقيقة كانت عنه.
قال الذهبي في السير: روى جعفر بن سليمان البناني وذلك في (العلل) لابن أبي حاتم، قال: لما مرض سلمان، خرج سعد من الكوفة يعوده، فقدم، فوافقه وهو في الموت يبكي، فسلم وجلس، وقال: ما يبكيك يا أخى؟ ألا تذكر صحبة رسول الله؟ ألا تذكر المشاهد الصالحة؟
قال: والله ما يبكيني واحدة من ثنتين: ما أكبي حبًا بالدنيا ولا كراهية للقاء الله. قال سعد: فما يبكيك بعد ثمانين؟ قال: يبكيني أن خليلي عهد إلي عهدًا، قال: "ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب". وإنا قد خشينا أنا قد تعدينا.
١٩٩٩ - * روى البخاري عن ابن عثمان النهدي ﵁ قال: سمعت سلمان
стр. 1790
يقول: أنا من رامهزمز.
٢٠٠٠ - * روى البخاري عن أبي عثمان النهدي ﵁: عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب.
٢٠٠١ - * روى أحمد وابن سعد والطبراني عن ابن عباس قال: حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلاً فارسيًا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يقال لها جي، وكان أبي دهقانها، فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. وكانت لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني! إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها. وأمرني ببعض ما يريد، فخرجت، ثم قال: لا تحتبس علي، فإنك إن احتبست علي كنت أهم إلي من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم، وسمعت أصواتهم، دخلت إليهم انظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلواتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه. فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أي بني! أين كنت؟ ألم أكن عهد إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبة! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قلت: كلا والله!