وقال الذهبي:
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو سلمان ابن الإسلام، أبو عبد الله الفارسي سابق الفرس إلى الإسلام، صحب النبي، ﷺ وخدمه وحدث عنه.
وروى عنه ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو عثمان النهدي، وشرحبيل ابن السمط، وأبو قرة سلمة بن معاوية الكندي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وأبو عمرو زادان، وأبو ظبيان حصين بن جندب الجنبي، وقرثع الضبي الكوفيون.
له في مسند بقي ستون حديثًا، وأخرج له البخاري أربعة أحاديث، ومسلم ثلاث أحاديث.
وكان لبيبًا حازمًا، من عقلاء الرجال وعبادهم نبلائهم. اهـ.
ومما ورد فيه:
ما ذكره الذهبي أيضًا في السير (١): القاسم أبي عبد الرحمن قال: زارنا سلمان الفارسي فصلى الإمام الظهر، ثم خرج وخرج الناس، يتلقونه كما يتلقى الخليفة، فلقيناه وقد صلى بأصحابه العصر، وهو يمشي، فوقفنا نسلم عليه، فلم يبق فينا شريف إلا عرض عليه أن ينزل به، فقال: جعلت على نفسي مرتي هذه أن أنزل على بشر بن سعد. فلما قدم، سأل عن أبي الدرداء، فقالوا: هو مرابط. فقال: أين مرابطكم؟ قالوا: بيروت. فتوجه قبله، قال: فقال سلمان: يا أهل بيروت! ألا أحدثكم حديثًا يذهب الله به عنكم عرض الرباط، سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "رباط يومٍ وليلةٍ كصيام شهرٍ وقيامه، ومن مات مرابطًا أجير من فتنة القبر، وجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة".
١٩٩١ - * روى مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وبلال وصهيب في نفرٍ فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيدهم. فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فقال: "يا أبا بكر! لعلك
стр. 1787
أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك". فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي.
١٩٩٢ - * روى الطبراني عن أبي البختري قال: قيل لعلي: أخبرنا عن أصحاب محمد، ﷺ . قال: عن أيهم تسألون؟ قيل: عن عبد الله. قال: علم القرآن والسنة، ثم انتهى وكفى به علمًا. قالوا: عمار؟ قال: مؤمن نسي فإن ذكرته ذكر. قالوا: أبو ذر؟ قال: وعى علمًا عجز عنه. قالوا: أبو موسى؟ قال: صبغ في العلم صبغة، ثم خرج منه. قالوا: حذيفة؟ قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالواو: سلمان؟ قال: أدرك العلم الأول، والعلم الآخر بحر لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت. قالوا: فأنت يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (٢). قال: يا رسول الله! من هؤلاء؟ قال: فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال: "هذا وقومه، لو كنا للدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس".
١٩٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: كنا جلوسًا، عند النبي، ﷺ ، فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: قلت من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا -وفينا سلمان الفارسي. وضع رسول الله، ﷺ ، يده على سلمان- ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء".
١٩٩٤ - * روى الترمذي والحاكم عن يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذًا الموت قلنا:
стр. 1788
أوصنا، قال: أجلسوني. ثم قال: إن الإيمان والعلم مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. قالها ثلاثًا. فالتسموا العلم عند أربعة: أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم. فإني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة".
ذكر الذهبي في السير (١) عن عبيدة السلماني أن سلمان مر بحجر المدائن غازيًا وهو أمير الجيش وهو ردف رجل من كندة على بغلٍ موكوف، فقال أصحابه: أعطنا اللواء أيها الأمير نحمله، فيأبى حتى قضى غزاته ورجع وهو ردف الرجل.
١٩٩٥ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان: أن هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الإنسان عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبًا، فإن كنت تبرئ، فنعما لك، وإن كنت متطببًا فاحذر أن تقتل إنسانًا، فتدخل النار. فكان أبو الدارداء إذا قضى بين اثنين، ثم أدبرا عنه، نظر إليهما، وقال: ارجعا إلي أعيدا علي قصتكما، متطبب والله.
١٩٩٦ - * روى الطبراني عن أبي البختري قال: جاء الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله، فدخلا على سلمان في خص، فسلما وحيياه، ثم قالا: أنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ قال: لا أدري. فارتابا. قال: إنما صاحب من دخل معه الجنة. قالا: جئنا من عند أبي الدارداء. قال: فأين هديته؟ قالا: ما معنا هدية. قال: اتقيا الله، وأديا الأمانة، ما أتاني أحد من عندي إلا بهدية. قالا: لا ترفع علينا هذا، إن لنا أموالاً فاحتكم. قال: ما أريد إلا الهدية. قالا: والله ما بعث معنا بشيء إلا أنه قال: إن فيكم رجلاً كان رسول الله ﷺ إذا خلا به، لم يبغ غيره، فإذا أتيتماه، فأقرناه مني السلام. قال: فأي هدية كنت أريد منكما غير هذه؟ وأي هديةٍ أفضل منها.
стр. 1789
١٩٩٧ - * روى الطبراني عن أبي وائل قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف، لتكلفت لكم. فجاءنا بخبز وملح. فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر. فبعث سلمان بمطهرته، فرهنها فجاء بصعتر، فلما أكلنا، قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة.
١٩٩٨ - * روى ابن ماجة والطبراني عن أنس قال: دخل سعد وابن مسعد على سلمان عند الموت، فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ لم تحفظه. قال: "ليكن بلاغ أحدكم في الدنيا كزاد الراكب". وأما أنت يا سعد فاتق الله في حكمك إذا حكمت، وفي قسمك إذا قسمت، عند همك إذا هممت.
قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهمًا نقيقة كانت عنه.
قال الذهبي في السير: روى جعفر بن سليمان البناني وذلك في (العلل) لابن أبي حاتم، قال: لما مرض سلمان، خرج سعد من الكوفة يعوده، فقدم، فوافقه وهو في الموت يبكي، فسلم وجلس، وقال: ما يبكيك يا أخى؟ ألا تذكر صحبة رسول الله؟ ألا تذكر المشاهد الصالحة؟
قال: والله ما يبكيني واحدة من ثنتين: ما أكبي حبًا بالدنيا ولا كراهية للقاء الله. قال سعد: فما يبكيك بعد ثمانين؟ قال: يبكيني أن خليلي عهد إلي عهدًا، قال: "ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب". وإنا قد خشينا أنا قد تعدينا.
١٩٩٩ - * روى البخاري عن ابن عثمان النهدي ﵁ قال: سمعت سلمان
стр. 1790
يقول: أنا من رامهزمز.
٢٠٠٠ - * روى البخاري عن أبي عثمان النهدي ﵁: عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب.
٢٠٠١ - * روى أحمد وابن سعد والطبراني عن ابن عباس قال: حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلاً فارسيًا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يقال لها جي، وكان أبي دهقانها، فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. وكانت لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني! إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها. وأمرني ببعض ما يريد، فخرجت، ثم قال: لا تحتبس علي، فإنك إن احتبست علي كنت أهم إلي من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم، وسمعت أصواتهم، دخلت إليهم انظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلواتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه. فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أي بني! أين كنت؟ ألم أكن عهد إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبة! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قلت: كلا والله!
стр. 1791
إنه لخير من ديننا. قال: فخافني، فجعل في رجلي قيداً، ثم حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى فقلت: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى، فأخبروني بهم. فقدم عليهم ركب من الشام. قال: فأخبروني بهم، فقلت: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة، فأخبروني. قال: ففعلوا. فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك. قال: فادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئاً، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، فأبعضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع.
ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغبكم فيها، فإذا جئتم بها، كنزها لنفسه، ولم يعط المساكين، وأريتهم موضع كنزه سبع قلال مملوءة، فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبداً. فصلبوه ثم رموه بالحجارة. ثم جاؤوا برجل جعلوه مكانه، فما رأيت رجلاً -يعني لا يصلي الخمس -أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلاً ونهاراً، ما أعلمني أحببت شيئاً قط قبله حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان! قد حضرك ما ترى من أمر الله، وإني والله ما أحببت شيئاً قط حبك، فماذا تأمرني وإلى من توصيني؟
قال لي: يا بني والله ما أعلمه إلا بالموصل، فائته، فإنك ستجده على مثل حالي.
فلما مات وغَيْبَ، لحقت بالموصل، فأتيت صاحبها، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهد. فقلت له: إن فلانًا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك.
قال: فأقم أي بني. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة. فقلت له: إن فلانا أوصي بي إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلي من توصي بي؟ وما تأمرني به؟ قال: والله أعلم، أي بني، إلا رجلاً بنصيبين. فلما دفناه، لحقت بالآخر، فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضره الموت، فأوصى بي إلى رجل من أهل عمورية بالروم، فأتيته فوجدته على مثل حالهم، واكتسبت حتى كان لي غنيمة وبُقيرات.
стр. 1792
ثم اختصر فكلمته إلى من يوصي بي؟ قال: أي بني! والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفي، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه.
فلما واريناه، أقمت حتى مر بي رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم غنيمتي وبقراتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها وحملوني، حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى، ظلموني، فباعوني عبداً من رجل يهودي بوادي القرى. فوالله لقد رأيت النخل، وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي.
وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة وادي القرى، فابتاعني من صاحبي، فخرج بي حتى قدمنا المدينة. فوالله ما هو إلا أن رأيتها، فعرفت نعتها.
فأقمت في رقي، وبعث الله نبيه، ﷺ ، بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق، حتى قدم رسول الله ﷺ قباء، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له، فوالله إني لفيها إذ جاءه ابن عم له، فقال: يا فلان! قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن لفي قباء مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي.
فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء -يقول الرعدة -حتى ظننت لأسقطن على صاحبي. ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟.
فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: مالك ولهذا، أقبل على عملك. فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبراً، فأحببت أن أعلمه.
فلما أمسيت، وكان عندي شيء من طعام، فحملته وذهبت إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فقلت له: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحاباً لك غرباء، وقد كان عندي شيء من الصدقة فرأيتكم أحق من بهذه البلاد، فهاك هذا، فكل منه.
стр. 1793
قال: فأمسك، وقال لأصحابه: "كلوا". فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي.
ثم رجعت، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجمعت شيئاً كان عندي ثم جئته به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية. فأكل رسول الله ﷺ وأكل أصحابه، فقلت: هذه خلتان.
ثم جئت رسول الله ﷺ وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي وهو في أصحابه، فاستدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف.
فلما رآني استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي.
فقال لي: "تحول". فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه.
ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد.
ثم قال رسول الله ﷺ : "كاتب يا سلمان". فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة.
أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أعينوا أخاكم". فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية (١)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، حتى اجتمعت ثلاث مئة ودية، فقال: "اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي". ففقرت لها وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها، جئته وأخبرته، فخرج معي إليها نقرب له الودي، ويضعه بيده. فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل، وبقي علي المال. فأتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة دجاجة من ذهب من بعض المغازي. فقال: "ما فعل الفارسي المكاتب؟ " فدعيت له، فقال: "خذها فأد بها ما عليك". قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: "خذها فإن الله سيؤدي بها عنك". فأخذتها فوزنت لهم أربعين أوقية، وأوفيتهم حقهم وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حراً، ثم لم يفتني معه مشهد.
* * *
стр. 1794
٢١ - عبد الله بن قيس (المشهور بأبي موسى الأشعري) ﵁
قال ابن حجر في ترجمته:
عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن عدب بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر، أبو موسى الأشعري، مشهور باسمه وكنيته معاً. وأمه طيبة بنت وهب بن عك أسلمت وماتت بالمدينة، وكان هو سكن الرملة وحالف سعيد بن العاص ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة، وقيل بل رجع إلى بلاد قومه ولم يهاجر إلى الحبشة، وهذا قول الأكثر، فإن موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي لم يذكروه في مهاجرة الحبشة. وقدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب فقدموا جمعاً. واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما. استعمله عمر على البصرة بعد المغيرة فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين. وأخرج ابن سعد والطبري من طريق عبد الله بن بريدة أنه وصف أبا موسى فقال: كان خفيف الجسم قصيراً ثطا [قليل شعر اللحية]. وروى أبو موسى عن النبي ﵌ وعن الخلفاء الأربعة ومعاذ وابن مسعود وأبى بن كعب وعمار، روى عنه أولاده موسى وإبراهيم وأبو بردة وأبو بكر وامرأته أم عبد الله. ومن الصحابة أبو سعيد وأنس وطارق بن شهاب، ومن كبار التابعين فمن بعدهم زيد بن وهب وأبو عبد الرحمن السلمي وعبيد بن عمير وقيس بن أبي خازم وأبو الأسود وسعيد بن المسيب وزر بن حبيش وأبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وربعي بن خراش وحطان الرقاشي وأبو وائل وصفوان ابن محرز وآخرون. قال مجاهد عن الشعبي: كتب عمر في وصيته لا يقر لي عامل أكثر من سنة وأقروا الأشعري أربع سنين. وكان حسن الصوت بالقرآن، وفي الصحيح المرفوع: "لقد أوتى مزماراً من مزامير آل داود". وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا ناي أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن. وكان عمر إذا رآه قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى.
وفي رواية: شوقنا إلى ربنا. فيقرأ عنده. وكان أبو موسى هو الذي فقه أهل البصرة
стр. 1795
وأقرأهم. وقال الشعبي: انتهى العلم إلى ستة فذكره فيهم. وذكره البخاري من طريق الشعبي بلفظ العلماء، وقال ابن المديني: قضاة الأمة أربعة عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت. وأخرج البخاري من طريق أبي التياح عن الحسن قال: ما أتاها يعني البصرة راكب خير لأهلها منه يعني من أبي موسى. وقال البغوي: حدثنا علي عن مسلم، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: كان لأبي موسى سراويل يلبسه بالليل مخافة أن ينكشف. صحيح. وقال أصحاب الفتوح: كان عامل النبي ﵌ على زبيد وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي ﵌ قدم المدينة وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي ﵌ قدم المدينة وشهد فتوح الشام ووفاة أبي عبيدة، واستعمله عمر على إمرة البصرة بعد أن عزل المغير، وهو الذي افتتح الأهواز وأصبهان، وأقره عثمان على عمله قليلاً ثم صرفه، واستعمل عبد الله بن عامر فسكن الكوفة وتفقه به أهلها حتى استعمله عثمان عليهم بعد عزل سعيد ابن العاص. قال البغوي: بلغني أن أبا موسى مات سنة اثنتين وقيل أربع وأربعين وهو ابن نيف وستين.
قلت: بالأول جزم ابن نمير وغيره، وبالثاني أبو نعيم وغيره. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: عاش ثلاثاً وستين. وقال الهيثم وغيره: مات سنة خمسين. زاد خليفة ويقال سنة احدى. وقال المدايني: سنة ثلاث وخمسين، واختلفوا مات بالكوفة أو بمكة. اهـ
وقال الذهبي: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، الإمام الكبير. صاحب رسول الله ﷺ . وأبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ ...
وهو معدود فيمن قرأ على النبي ﷺ . أقرأ أهل البصرة، وفقههم في الدين. قرأ عليه حطان بن عبد الله الرقاشي، وأبو رجاء العطاردي.
ففي "الصحيحين" (١)، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً".
стр. 1796
وقد استعمله النبي ﷺ ومعاذاً على زبيد، وعدن. وولي إمرة الكوفة لعمر، وإمرة البصرة. وقدم (١) ليالي فتح خيبر، وغزا، وجاهد مع النبي ﷺ ، وحمل عنه علماً كثيراً.
قال سعيد بن عبد العزيز: حدثني أبو يوسف، حاجب معاوية: أن أبا موسى الأشعري قدم على معاوية، فنزل في بعض الدور بدمشق، فخرج معاوية من الليل ليستمع قراءته.
قال أبو عبيد: أم أبي موسى هي ظيبة بنت وهب؛ كانت أسلمت، وماتت بالمدينة.
وقال ابن سعيد (٢): حدثنا الهيثم بن عدي، قال: أسلم أبو موسى بمكة، وهاجر إلى الحبشة، وأول مشاهده خيبر، ومات سنة اثنتين وأربعين.
قال محقق السير: وكونه ممن شهد خيبر فيه نظر، فقد جاء في صحيح البخاري قول أبي موسى: فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر. وزاد في رواية: فأسهم لنا ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً! إلا لمن شهدها معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، فإنه قسم لهم معهم.
قال أبو أحمد الحاكم: أسلم بمكة، ثم قدم مع أهل السفينتين بعد فتح خيبر بثلاث، فقسم لهم النبي ﷺ . ولي البصرة لعمر وعثمان؛ وولي الكوفة، وبها مات.
وقال ابن منده: افتتح أصبهان زمن عمر.
وقال العجلي: بعثه عمر أميرًا على البصرة، فأقرأهم وفقههم، وهو فتح تستر [مدينة بخورستان]. ولم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتاً منه.
ابن بريدة قال: كان الأشعري قصيراً، أثط (٣)، خفيف الجسم. اهـ.
стр. 1797
٢٠٠٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن. فخرجنا مهاجرين إليه. أنا وأخوان لي. أنا أصغرهما. أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم -إما قال بضعاً وإما قال ثلاثةً وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي -قال: فركبنا سفينة. فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة. فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ههنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً. قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا. أو قال: أعطانا منها. وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً. إلا لمن شهد معه. إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه. قسم لهم معهم. قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة -: نحن سبقناكم بالهجرة.
قال: فدخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة. وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه. فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشة هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة. فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم. فغضبت. وقالت كلمة: كذبت. يا عمر! كلا. والله! كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعط جاهلكم. وكنا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء في الحبشة. وذلك في الله وفي رسوله. وايم الله! لا أطعم ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ . ونحن كنا نؤذى ونخاف. وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله. ووالله! لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. قال: فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله! أن عمر قال كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ "ليس بأحق بي منكم. وله ولأصحابه هجرة واحدة. ولكم أنتم، أهل السفينة، هجرتان".
стр. 1798
قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالاً. يسألوني عن هذا الحديث. ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ .
قال أبو بردة: فقالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإنه ليستعيد هذا الحديث مني.
٢٠٠٣ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يقدم عليكم غداً قوم هم أرق قلوباً للإسلام منكم". فقدم الأشعريون، فلما دنوا جعلوا يرتجزون:
غدًا نلقى الأحبه ... محمداً وحزبه
فلما أن قدموا تصافحوا، فكانوا أول من أحدث المصافحة.
٢٠٠٤ - * روى ابن سعد والحاكم عن عياض الأشعري قال: لما نزلت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١) قال رسول الله ﷺ : "هم قومك يا أبا موسى، وأومأ إليه".
٢٠٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: لما فرغ النبي من حنين، بعثت أبا عامر على جيش إلى أوطاس. فلقي دريد بن الصمة. فقتل دريد وهزم الله أصحابه. فقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر. قال: فرمي أبو عامر في ركبته. رماه رجل من بني جشم بسهم. فأثبته في ركبته. فانتهت إليه فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي موسى. فقال: إن ذاك قاتلي. تراه ذلك الذي رماني. قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته فلحقته، فلما رآني ولى عنى ذاهباً. فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربياً؟ ألا تثبت؟ فكف. فالتقيت أنا
стр. 1799
وهو. فاختلفنا أنا وهو ضربتين. فضربته بالسيف فقتلته. ثم رجعت إلى عامر فقلت: إن الله قد قتل صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي! انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام. وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي. قال: واستعملني أبو عامر على الناس. ومكث يسيراً ثم إنه مات. فلما رجعت إلى النبي ﷺ دخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل، وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه. فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر. وقلت له: قال: قل له: يستغفر لي. فدعا رسول الله ﷺ بماء. فتوضأ منه. ثم رفع يديه. ثم قال "اللهم! اغفر لعبيد، أبي عامر". حتى رأيت بياض إبطيه. ثم قال "اللهم! اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس" فقلت: ولي. يا رسول الله! فاستغفر. فقال النبي ﷺ "اللهم! اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه. وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً".
قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر. والأخرى لأبي موسى.
٢٠٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة. ومعه بلال. فأتى رسول الله ﷺ رجل أعرابي. فقال: ألا تنجز لي، يا محمد! ما وعدتني؟ قال له رسول الله ﷺ "أبشر". فقال له الأعرابي: أكثرت علي من "أبشر". فأقبل رسول الله ﷺ على أبي موسى وبلال، كهيئة الغضبان. فقال "إن هذا قد رد البشرى. فأقبلا أنتما". فقالا: قبلنا. يا رسول الله! ثم دعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه. ومج فيه. ثم قال "اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما وأبشرا" فأخذا القدح. ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ . فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما. فأفضلا لها منه طائفة.
стр. 1800
٢٠٠٧ - * روى أحمد عن ابن بريدة عن أبيه قال: خرج بريدة عشاء فلقيه النبي ﷺ فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت رجل يقرأ فقال النبي ﷺ : "تراه مرائياً". فأسكت بريدة فإذا رجل يدعو فقال: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده أو قال والذي نفس محمد بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب". قال فلما كان من القابلة خرج بريدة عشاء فلقيه النبي ﷺ فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت الرجل يقرأ فقال النبي ﷺ "أتقوله مراء". فقال بيدة: أتقوله مراء يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : "لابل مؤمن منيب لابل مؤمن منيب". فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب المسجد فقال رسول الله ﷺ "إن الأشعري أو إن عبد الله بن قيس أعطي مزماراً من مزامير داود". فقلت: ألا أخبره يا رسول الله؟ قال: "بلى فأخبره". فأخبرته. فقال: أنت لي صديق أخبرتني عن رسول الله ﷺ بحديث.
وذكر الذهبي في السير عن الأسود بن يزيد قال: لم أر بالكوفة أعلم من علي وأبي موسى.
وذكر أيضاً عن مسروق قال: كان القضاء في الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي، وزيد، وأبي موسى.
٢٠٠٨ - * روى ابن سعد عن عمر قال: بالشام أربعون رجلاً، ما منهم رجل كان يلي أمر الأمة إلا أجزأه، فأرسل إليهم. فجاء رهط، فيهم أبو موسى، فقال: إني أرسلك إلى قوم عسكر الشيطان بين أظهرهم. قال: فلا ترسلني. قال: إن بها جهاداً ورباطاً. فأرسله
стр. 1801
إلى البصرة (١).
وذكر الذهبي في السير عن أنس: بعثني الأشعري إلى عمر، فقال لي: كيف تركت الأشعري؟
قلت: تركته يعلم الناس القرآن. فقال: أما إنه كيس! ولا يسمعها إياه.
٢٠٠٩ - * روى ابن سعد عن أبي سلمة: كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى، ربما قال له: ذكرنا يا أبا موسى. فيقرأ.
٢٠١٠ - * روى ابن سعد عن أبي موسى: أن معاوية كتب إليه: أما بعد: فإن عمرو ابن العاص قد بايعني على ما أريد، وأقسم بالله، لئن بايعتني على الذي بايعني، لأستعملن أحد ابنيك على الكوفة، والآخر على البصرة؛ ولا يغلق دونك باب، ولا تقضى دونك حاجة. وقد كتبت إليك بخطي، فاكتب إلي بخط يدك.
فكتب إليه: أما بعد: فإنك كتبت إلي في جسيم أمر الأمة، فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه، ليس لي فيما عرضت من حاجة، والسلام عليك.
قال أبو بردة: فلما ولي معاوية أتيته، فما أغلق دوني باباً، ولا كانت لي حاجة إلا قضيت.
قال الذهبي: قد كان أبو موسى صواماً قواماً ربانياً زاهداً عابداً، ممن جمع العلم والعمل والجهاد وسلامة الصدر، لم تغيره الإمارة، ولا اغتر بالدنيا.
٢٠١١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبي ﷺ : "أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائباً. إنكم تدعون سميعاً قريباً. وهو معكم".
стр. 1802
قال: وأنا خلفه، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: "يا عبد الله بن قيس! ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ ".
فقلت: بلى. يا رسول الله! قال: "قل: لا حول ولا قوة إلا بالله".
قال الذهبي: وقد ذكرت ف طبقات القراء: توفى أبو موسى في ذي الحجة سنة أربع وأربعين، على الصحيح.
٢٠١٢ - * روى ابن سعد عن أنس: أن أبا موسى كان حلو الصوت، فقام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي ﷺ ، فقمن يستمعن. فلما أصبح، قيل له: إن النساء سمعنك. قال: لو علمت لحبرتكن تحبيراً، ولشوقتكن تشويقاً.
٢٠١٣ - * روى ابن سعد عن أبي نضرة قال عمر لأبي موسى: شوقنا إلى ربنا. فقرأ. فقالوا: الصلاة. فقال: أو لسنا في صلاة.
٢٠١٤ - * روى ابن سعد عن أبي لبيد قال: ما كنا نشبه كلام أبي موسى إلا بالحزار الذي ما يخطئ المفصل.
٢٠١٥ - * روى ابن سعد عن أبي موسى قال: لأن يمتلئ منخري من ريح جيفة حب إلى من أن يمتلئ من ريح امرأة.
٢٠١٦ - * روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن مولى أم برثن قال: قدم أبو موسى الأشعري وزياد على عمر ﵁، فرأى في يد زياد خاتماً من ذهب، فقال: اتخذتم حلق الذهب. فقال أبو موسى: أما أنا فخاتمي من حديد. فقال عمر: ذاك أنتن، أو أخبث، من كان متختماً فليتختم بخاتم من فضة.
стр. 1803
٢٠١٧ - * روى ابن سعد عن أبي بردة عن أبيه: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي، فبعثت قريش عمراً وعمارة بن الوليد، وجمعوا له هدية.
ولم يذكر ابن عقبة، وابن إسحاق، وأبو معشر، فيمن هاجر إلى الحبشة.
٢٠١٨ - * روى الترمذي عن أبي موسى قال: يا بني لو رأيتنا ونحن مع رسول الله ﷺ وأصابتنا السماء لحسبت أن ريحنا ريح الضأن.
قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث: أنه كان ثيابهم الصوف، فإذا أصابهم المطر يجييء من ثيابهم ريح الضأن.
٢٠١٩ - * روى ابن سعد عن أبي بردة قال: دخلت على معاوية حين أصابته قرحته، فقال: هلم يا ابن أخي، فنظرت، فإذا هو قد سبرت -يعني: قرحته -فقلت: ليس عليك بأس. إذ دخل ابنه يزيد، فقال له معاوية: إن وليت، فاستوص بهذا، فإن أباه كان أخاً لي، أو خليلاً، غير أني قد رأيت في القتال ما لم ير.
روى ابن سعد (١) عن الحسن، قال: كان الحكمان: أبا موسى، وعمراً. وكان أحدهما يبتغي الدنيا، والآخر يبتغي الآخرة.
روى ابن سعد (٢) عن أبي موسى قال: أعمقوا لي قبري.
٢٠٢٠ - * روى أبو يعلي عن أنس قال: قعد أبو موسى في بيته واجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن. قال: فأتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله ألا أعجبك من أبي
стр. 1804
موسى قعد في بيت واجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن. فقال رسول الله ﷺ : "أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني أحد منهم؟ " قال: نعم. قال: فخرج رسول الله ﷺ . قال: فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد فسمع قراءة أبي موسى، فقال: "إنه يقرأ على مزمار من مزامير آل داود".
٢٠٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو رأيتني، وأنا أسمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود".
قال ابن الأثير: قال الحميدي: زاد البرقاني. قلت: والله يا رسول الله لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لم تحبيراً. قال: وحكى أن مسلماً أخرجه.
ولم أجد هذه الزيادة عندنا من كتاب مسلم، وليس عند البخاري والترمذي قوله: "لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك البارحة".
وقول رسول الله ﷺ مزماراً: المزمار: واحد المزامير، وهو من آلات الغناء، وقد ضرب رسول الله ﷺ المزمار مثلاً لحسن صوت داود ﵇ وحلاوة نغمته، كأن في حلقه مزامير يزمر بها، والآل في قوله "آل داود" مقحمة، ومعناه: الشخص.
* * *
стр. 1805
٢٢ - عبد الله بن سلام ﵁
قال ابن حجر: عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف النبي ﵇، حليف القواقل من الخزرج، الإسرائيلي ثم الأنصاري. كان حليفاً لهم وكان من نبي قينقاع يقال كان اسمه الحصين فغيره النبي ﷺ . وجزم بذلك الطبري. وقال ابن سعد: وأخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن أبي اليمان عن شعيب عن عبد العزيز قال: كان اسم عبد الله بن سلام الحصين فسماه النبي ﵌ عبد الله روى عنه ابناه يوسف ومحمد، ومن الصحابة فمن بعدهم أبو هريرة وعبد الله بن معقل وأنيس وعبد الله بن حنظلة، وحرشة بن الحر، وقيس بن عباد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وآخرون. أسلم أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، وقيل تأخر إسلامه إلى سنة ثمان. قال قيس بن الربيع عن عاصم عن الشعبي قال: أسلم عبد الله بن سلام قبل وفاة النبي ﷺ بعامين. أخرجه ابن البرقي. وهذا مرسل وقيس ضعيف. وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن من طريق زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي ﵌ المدينة كنت ممن انجفل فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فسمعته يقول: "أفشوا السلام وأطعموا الطعام" الحديث. وفي البخاري من طريق حميد عن أنس أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مقدمة المدينة فقال: إني سائلك عن ثلاث خصال لا يعلمها إلا نبي الحديث. وفيه قصته مع اليهود وأنهم قوم بهت. ومن طريق عبد العزيز بن صهيب عن أن أنس قال: أقبل نبي الله ﵌ إلى المدينة فاستشرفوا ينظرون إليه فسمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله فعجل، وجاء فسمع من نبي الله ﵌ فقال: أشهد إنك رسول الله حقاً وأنك جئت بحق ولقد علمت أني سيدهم وأعلمهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. الحديث.
وفي الحديث الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي صل الله عليه وآله وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام. وفي التاريخ الصغير للبخاري بسند جيد عن يزيد بن عمير قال: حضرت معاذا الوفاة فقيل له أوصنا
стр. 1806
فقال: التمسوا العلم عند أبي الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله بن سلام الذي كان يهودياً فأسلم، سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة". وأخرجه الترمذي عن معاذ مختصراً. وأخرج البغوي في المعجم بسند جيد عن عبد الله بن معقل قال: نهى عبد الله بن سلام عليا عن خروجه إلى العراق، وقال: الزم منبر رسول الله ﵌ فإن تركته لا تراه أبداً. فقال علي: إنه رجل صالح منا وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن أبي بردة بن أبي موسى: أتيت المدينة فإذا عبد الله بن سلام جالس في حلقة متخشعاً عليه سيما الخير.
وروى الزبيدي من طريق ابن أخي عبد الله بن سلام قال: لما أريد قتل عثمان جاء عبد الله بن سلام فقال: جئت لأنصرك. فخرج عبد الله فقال: إنه كان اسمي في الجاهلية فلانا فسماني رسول الله ﵌ عبد الله ونزلت في آيات من كتاب الله ونزل في: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. ونزل في: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قال الطبراني: مات في قول جميعهم بالمدينة سنة ثلاث وأربعين. قلت: وفيها أرخه الهيثم بن عدي وابن سعد وأبو عبيدة والبغوي وأبو أحمد العسكري وآخرون أ. هـ
وقال ابن كثير في ترجمته:
عبد الله بن سلام أبو يوسف الإسرائيلي أحد أحبار اليهود، أسلم حين قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال: لما قدم رسول الله المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل إليه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: "أيها الناس افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام تدخلوا الجنة بسلام". وهو ممن شهد له رسول الله بالجنة، وهو ممن يقطع له بدخولها. أ. هـ.
وقال الذهبي في ترجمته:
عبد الله بن سلام بن الحارث. الإمام الحبر، المشهود له بالجنة. أبو الحارث الإسرائيلي، حليف الأنصار. من خواص أصحاب النبي ﷺ .
стр. 1807
حدث عنه أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن معقل، وعبد الله بن حنظلة ابن الغسيل، وابناه: يوسف ومحمد، وبشر بن شغاف، وأبو سعيد المقرئ، وأبو بردة بن أبي موسى، وقيس بن عباد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وزرارة بن أوفى، وآخرون.
وله إسلام قديم بعد أن قدم النبي ﷺ المدينة، وهو من أحبار اليهود. أ. هـ.
٢٠٢٢ - * روى أحمد والترمذي والحاكم عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، انجفل الناس عليه، وكنت فيمن انجفل، فلما رأيته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول شيء سمعته يقول: "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
٢٠٢٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: أقبل نبي الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله ﷺ شاب لا يعرف. قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا. فالتفت نبي الله ﷺ فقال: "اللهم أصرعه". فصرعة الفرس، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت. قال: "فقف مكانك، لا تتركن أحداً يلحق بنا". قال: فكان أول النهار جاهداً علي نبي الله ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة له. فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار فجاءوا إلى نبي الله ﷺ وأبي
стр. 1808
بكر فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله ﷺ . فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله. فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله ﷺ ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله ﷺ : "أي بيوت أهلنا أقرب؟ " فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي. قال: "فانطلق فهيئ لنا مقيلاً". قال: قوما على بركة الله. فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق. وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فأسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في. فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً، وأني جئتكم بحق، فأسلموا". قالوا: ما نعلمه -قالوا للنبي ﷺ قالها ثلاث مرار -قال: "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا له ما كان ليسلم. قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم". فخرج، فقال: "يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ ".
٢٠٢٤ - * روى أحمد والحاكم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ أتي بقصعة من ثريد، فأكل، ففضل منه فضلة، فقال: "يدخل من هذا الفج رجل من أهل
стр. 1809
الجنة، يأكل هذه الفضلة". قال سعد: وقد كنت تركت أخي عمير بن أبي وقاص يتهيأ لأن يأتي النبي ﷺ ، فطمعت أن يكون هو، جاء عبد الله بن سلام، فأكلها.
٢٠٢٥ - * روى الترمذي والحاكم عن يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا. قال: أجلسوني. فقال: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. يقول ذلك ثلاث مرات. والتمسوا العلم عند أربعة رهط، عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهودياً فأسلم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة".
ذكر الذهبي في السير (١): عن أبي بردة بن أبي موسى قال: أتيت المدينة، فإذا عبد الله ابن سلام جالس في حلقة متخشعاً عليه سيماء الخير، فقال: يا أخي، جئت ونحن نريد القيام. فأذنت له، أو قلت: إذا شئت. فقام، فاتبعته، فقال: من أنت؟ قلت: أنا ابن أخيك؛ أنا أبو بردة بن أبي موسى. فرحب بي، وسألني، وسقاني سويقاً، ثم قال: إنكم بأرض الريف، وإنكم تسالفون الدهاقين فيهدون لكم حملان القت والدواخل، فلا تقربوها، فإنها نار.
٢٠٢٦ - * روى أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أجلسني النبي ﷺ في حجره ومسح على رأسي وسماني يوسف.
стр. 1810
٢٠٢٧ - * روى البخاري عن قيس بن عباد ﵁ قال: كنت جالساً في مسجد المدينة، في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين يتجوز فيهما، ثم خرج، فاتبعته فدخل منزله ودخلت فتحدثا، فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قبل قال رجل كذا وكذا. قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤياً على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم، فقصصتها عليه: رأيتني في روضة -ذكر سعتها وعشبها وخضرتها -ووسط الروضة عمود من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقه. فقلت له: لا أستطيع. فجاءني منصف -قال ابن عون، والمنصف: الخادم -فقال بثيابي من خلفي -وصف أنه رفعه من خلفه بيده -فرقيت حتى كنت في أعلى العمود، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك، فلقد استيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي ﷺ ، فقال: "تلك الروضة: الإسلام، وذلك العمود: عمود الإسلام، وتلك العروة: عروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت". والرجل: عبد الله بن سلام.
ولمسلم (١) أيضاً من رواية خرشة بن الحر قال: كنت جالساً في حلقة في مسجد المدينة، قال: وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سلام. قال: فجعل يحدثهم حديثاً حسناً. قال: فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. قال: قلت: والله لأتبعنه، فلأعلمن مكان بيته. قال: فتبعته، فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة، ثم دخل منزله. قال: فاستأذنت عليه. قال: فأذن لي، فقال: ما حاجتك يا بن أخي؟ قال. فقلت له: سمعت القوم يقولون لك -لما
стр. 1811
قمت-: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فأعجبني أن أكون معك. قال: الله أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مم قالوا ذاك؟ إني بينا أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قم. فأخذ بيدي، فانطلقت معه، قال. فإذا أنا بجواد على شمالي. قال: فأخذت لآخذ فيها، فقال لي: لا تأخذ فيها، فإنها طرق أصحاب الشمال. وإذا جواد منهج على يميني، فقال لي: خذها هنا. قال: فأتى بي جبلاً، فقال لي: اصعد. قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على أستي. قال: حتى فعلت ذلك مرارًا. قال: ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودًا، رأسه في السماء وأسفله في الأرض، في أعلاه حلقة، فقال لي: اصعد فوق هذا. قال: قلت: كيف أصعد هذا، ورأسه في السماء؟ قال: فأخذ بيدي. فرحل بي، قال: فإذا أنا متعلق بالحلقة. قال: ثم ضرب العمود فخر. قال: وبقيت منتعلقًا بالحلقة، حتى أصبحت. قال: فأتيت النبي ﷺ : فصصتها عليه، فقال: "أما الطرق التي رأيت عن يسارك: فهي طرق أصحاب الشمال، وأما الطرق التي رأيت عن يمينك: فهي طرق أصحاب اليمين: وأما الجبل: فهو منزل الشهداء، ولن تناله، وأما العمود، فهو عمود الإسلام، وأما العروة: فهي عروة الإسلام، ولن تزال متمسكًا بها حتى تموت".
٢٠٢٨ - * روى البخاري عن أنس قال: إن عبد الله بن سلامٍ بلغة مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني به جبريل آنفًا". قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة. قال "أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعامٍ
стр. 1812
يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد".
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. فجاءت اليهود؛ فقال النبي ﷺ : "أي رجل ٍ عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال النبي ﷺ : "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك. فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا. وتنقصوه. قال: هذا كنت أخاف يا رسول الله.
٢٠٢٩ - * روى الحاكم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي ﵌ وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود، فقال: "يا معشر اليهود أروني اثنى عشر رجلاً يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم". قال: فأسكتوا ما أجابه منهم أحد. ثم رد فلم يجبه منهم أحد فقال: "أبيتم فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم". ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفنا يقول: كما أنت يا محمد. فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة. فقالوا: كذبت. ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شرا. فقال رسول الله ﵌: "كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذا آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل قولكم". قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله ﵌ وأنا وعبد الله بن سلام، وأنزل الله تعالى فيه: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به) الآية.
стр. 1813
٢٠٣٠ - * روى البخاري عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فلقيني عبد الله بن سلام فقال لي: انطلق إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله ﷺ ، وتصلي في مسجد صلى فيه النبي ﷺ ، فانطلقت معه فأسقاني سويقًا أطعمني تمرًا وصليت في مسجده.
وفي رواية للبخاري (٢) أيضًا عن أبي بردة عن أبيه قال: أتيت المدينة فلقيت عبد الله ابن سلامٍ ﵁ فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيت؟ ثم قال: إنك في أرضٍ الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا. ولم يذكر النضر وأبو داود ووهب عن شعبة البيت.
قال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربا إذا شرطه، نعم الورع تركه.
٢٠٣١ - * روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحدٍ يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة. إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ...﴾ الآية (٤). قال الراوي: لا أدري، قال مالك: الآية، أو في الحديث؟
* * *
стр. 1814
٢٣ - جرير بن عبد الله البجلي ﵁
قال ابن حجر:
جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضرة بن ثعلبة بن جشم بن عوف بن خزيمة ابن حرب بن علي البجلي الصحابي الشهير، يكنى أبا عمرو وقيل يكنى أبا عبد الله.
اختلف في وقت إسلامه: ففي الطبراني الأوسط عن جرير قال: لما بعث النبي ﵌ أتيته فقال: "ما جاء بك"؟ قلت: جئت لأسلم فألقى إلي كساءه، وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. حصين [أحد الرواة] فيه ضعف، ولو صح يحمل على المجاز، أي لما بلغنا خبر بعث النبي ﵌، أو على الحذف، أي لما بعث النبي ﵌ ثم دعا إلى الله ثم قدم المدينة ثم حارب قريشًا وغيرهم ثم فتح مكة ثم وفدت عليه الوفود. وجزم ابن عبد البر عنه بأنه أسلم قبل وفاة النبي ﵌ بأربعين يومًا وهو غلط، ففي الصحيحين عنه أن النبي ﵌ قال له: "استنصت الناس في حجة الوداع". وجزم الواقدي بأنه وفد على النبي ﵌ في شهر رمضان سنة عشر، وأن بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع النبي ﵌ حجة الوداع من عامه. وفيه عندي نظر؛ لأن شريكًا حدث عن الشيباني عن الشعبي عن جرير قال: قال لنا رسول الله ﵌: "إن أخاكم النجاشي قد مات". الحديث، أخرجه الطبراني. فهذا يدل على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر لأن النجاشي مات قبل ذلك؛ وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية. ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله علي رسولا إلى معاوية ثم اعتزل الفريقين وسكن قرقيسيا حتى مات سنة إحدى وقيل أربع وخمسين، وفي الصحيح أنه ﵌ بعثه إلى ذي الخلصة فهدمها.
ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيلي قال: كان طول جرير ستة أذرع. وروى الطبراني من حديث علي مرفوعًا: جرير منا أهل البيت. وروى عنه من الصحابة أنس بن
стр. 1815
مالك، قال: كان جرير يخدمني وهو أكبر مني. أخرجه الشيخان. ا. هـ.
قال ابن كثير:
فأما جرير بن عبد الله البجلي فأسلم بعد نزول المائدة، وكان إسلامه في رمضان سنة عشر، وكان قدومه ورسول الله يخطب، وكان قد قال في خطبته: "إنه يقدم عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه مسحة ملك". فلما دخل نظر الناس إليه فكان كما وصف رسول الله ﷺ ، وأخبروه بذلك فحمد الله تعالى. ويروى أن رسول الله لما جالسه بسط له رداءه وقال: "إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه". وقد كان عاملاً لعثمان على همدان. ا. هـ.
٢٠٣٢ - * روى أحمد عن جرير بن عبد الله قال: لما دنوت من مدينة رسول الله ﷺ ، أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حلتي، دخلت فإذا رسول الله ﷺ يخطب، فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله ﷺ من أمري شيئًا؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته، فقال: "إنه سيدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن، ألا وإن على وجهه مسحة ملك" قال: فحمدت الله على ما أبلاني.
وقال الذهبي في السير:
جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عوف، الأمير النبيل الجميل. أبو عمرو -وقيل: أبو عبد الله- البجلي القسري. وقسر: من قحطان. ومن أعيان الصحابة.
стр. 1816
حدث عنه: أنس، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، والشعبي، وهمام بن الحارث، وأولاده الأربعة: المنذر، وعبيد الله، وإبراهيم -لم يدركه- وأيوب. وشهر بن حوشب، وزياد بن علاقة، وحفيده أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة.
وبايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم.
٢٠٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن همام قال: بال جرير، ثم توضأ، ومسح على خفيه فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم. رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه.
قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا؛ لأن جريرًا من آخر من أسلم.
أقول:
يعجب علماء التابعين لأن تأخر إسلام جرير دل على أنه غير منسوخ.
٢٠٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا جرير! ألا تريحني من ذي الخلصة". بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية. قال: فنفرت في خمسين ومائة فارس. وكنت لا أثبت على الخيل. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فضرب يده في صدري فقال: "اللهم! ثبتة. واجعله هاديًا مهديًا".
قال: فانطلق فحرقها بالنار. ثم بعث جرير إلى رسول الله ﷺ رجلاً يبشره، يكنى أبا أرطاة، منا. فآتى رسول الله ﷺ فقال له: ما جئتك حتى تر كناها كأنها جمل أجرب. فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها، خمس مراتٍ.
ومسند جرير نحو من مئة حديث، بالمكرر. اتفق له الشيخان على ثمانية أحاديث
стр. 1817
وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة.
ذكر الذهبي في السير (١) عن جرير قال: كنت عند عمر، فتنفس رجل -يعني: أحدث- فقال عمر: عزمت على صاحب هذه، لما قام، فتوضأ. فقال جرير: اعزم علينا جميعًا. فقال: عزمت علي وعليكم، لما قمنا، فتوضأنا، ثم صلينا.
وذكر أيضًا (٢) عن إبراهيم بن جرير، أن عمر قال: جرير يوسف هذه الأمة.
ورواه يحيى القطان، عن مجالد، عن الشعبي -وله طرق- وزاد بعضهم- فقال عمر: يرحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد كنت في الإسلام.
وذكر أيضًا (٣) عن جرير، قال: رآني عمر بن الخطاب متجردًا، فناداني: خذ رداءك، خذ رداءك. فأخذت ردائي؛ ثم أقبلت إلى القوم، فقلت: ماله؟ قالوا: لما رآك متجردًا، قال: ما أرى أحدًا من الناس صور صورة هذا، إلا ما ذكر من يوسف ﵇.
وذكر أيضًا (٤)، عن الشعبي: كان على ميمنة سعد بن أبي وقاص يوم القادسية جرير ابن عبد الله.
* * *
стр. 1818
٢٤ - ٢٥ - جابر بن عبد الله وأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام
قال ابن حجر:
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي .. يكنى أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن وأبا محمد أقوال، أحد الكثيرين عن النبي ﵌، وروى عنه جماعة من الصحابة، وله ولأبيه، وفي الصحيح عنه أنه كان مع من شهد العقبة. ومن طريق حجاج بن الصواف حدثني أبو الزبير أن جابرًا حدثهم قال: غزا رسول الله ﵌ إحدى وعشرين غزوة بنفسه شهدت منها تسع عشرة غزوة، وأنكر الواقدي رواية أبي سفيان عن جابر المذكور، وروى مسلم من طريق زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: غزوت مع رسول الله ﵌ تسع عشرة غزوة. قال جابر: لم أشهد بدرًا واحدًا منعني أبي فلما قتل لم أتخلف.
وفي مصنف وكيع عن هشام بن عروة قال: كان لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد يعني النبوي يؤخذ عنه العلم. وروى البغوي من طريق عاصم بن عمرو بن قتادة قال: جاءنا جابر بن عبد الله وقد أصيب بصره وقد مس رأسه ولحيته بشيء من صفرة. من طريق أبي هلال عن قتادة قال: كان آخر أصحاب رسول الله ﵌ موتا بالمدينة جابر. قال البغوي: هو وهم وآخرهم سهل بن سعد. قال يحيى بن بكير وغيره: مات جابر سنة ثمان وسبعين. وقال علي بن المديني: مات جابر بعد أن عمر فأوصى أن لا يصلي عليه الحجاج. قلت: وهذا موافق لقول الهيثم بن عدي إنه مات سنة أربع وسبعين. وفي الطبراني وتاريخ البخاري ما يشهد له وهو أن الحجاج شهد جنازته. ويقال مات سنة ثلاث ويقال سنة سبع ويقال إنه عاش أربعًا وتسعين سنة.
وقال:
عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي والد جابر ابن عبد الله الصحابي المشهور .. معدود في أهل العقبة وبدر، وكان من النقباء، واستشهد
стр. 1819
بأحد، ثبت ذكره في الصحيحين من حديث ولده. قال: أتيت النبي ﵌ في دين كان على أبي فدفعت عليه الباب. الحديث بطوله. ومن حديثه أيضًا قال: لما قتل أبي يوم أحد جعلت أكشف الثوب عن وجهه. الحديث، وفيه: ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها. وروى الترمذي من حديث جابر: لقيني النبي ﵌ فقال: "يا جابر مالي أراك منكسرًا؟ " فقلت: يا رسول الله قتل أبي وترك دينًا وعيالاً. فقال: "ألا أخبرك، ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا، قال: يا عبدي سلني أعطك". الحديث. وقال جابر: حولت أبي بعد ستة أشهر فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض. وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام كانا قد حفر السيل عن قبرهما وكانا في قبر واحد مما يلي السيل فحفر عنهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما وضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين الوقعتين ست وأربعون سنة. وروى أبو يعلى وابن السكن من طريق حبيب بن الشهيد عن عمرو بن دينار عن جابر قال: قال رسول الله ﵌: "جزى الله الأنصار عنا خيرًا لاسيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة. وأخرجه النسائي من هذا الوجه لكن لفظه لا سيما آل عمرو بن حرام ا. هـ.
وقال الذهبي عن عبد الله بن حرام:
الأنصاري السلمي، أبو جابر أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد. اهـ.
٢٠٣٥ - * روى مسلم عن جابر: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف عن وجهه، وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله ﷺ ، ينهونني وهو لا ينهاني. وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال النبي، ﷺ : "تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه".
стр. 1820
٢٠٣٦ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر قال: لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا فنادى منادي رسول الله ﷺ ردوا القتلى إلى مضاجعهم.
قال الذهبي في السير: قال مالك: كفن هو وعمرو بن الجموح في كفن واحد.
وعن جابر أن رسول الله، ﷺ ، لما خرج لدفن شهداء أحد، قال: "زملوهم بجراحهم، فأنا شهيد عليهم" وكفن أبي في نمرة.
قال ابن سعد: قالوا: وكان عبد الله أول من قتل يوم أحد، وكان أحمر أصلع ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح طويلاً، فدفنا معًا عند السيل، فحفر السيل عنهما، وعليهما نمرة، وقد أصاب عبد الله جرح في وجهه فيده على جرحه، فأميطت يده، فانبعث الدم، فردت، فسكن الدم.
قال جابر: فرأيت أبي في حفرته، كأنه نائم، وما تغير من حاله شيء، وبين ذلك ست وأربعون سنة، فحولا إلى مكان آخر، وأخرجوا رطابًا يتثنون.
عن جابر قال: صرخ بنا إلى قتلانا، حين أجرى معاوية العين، فأخرجناهم لينة أجسادهم، تتثنى أطرافهم.
عن عطاء، عن جابر قال: دفن رجل مع أبي، فلم تطب نفسي، حتى أخرجته، ودفنته وحده. ا. هـ.
٢٠٣٧ - * روى البخاري عن جابر قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال:
стр. 1821
ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله ﷺ . وإن علي دينًا، فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا. فأصبحنا، فكان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبرٍ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهرٍ، فإذا هو كيوم وضعته هنية، غير أذنه.
٢٠٣٨ - * روى البخاري عن جابر ﵁ أن أباه توفى وعليه دين، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه دينًا، وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدرٍ من بيادر التمر فدعا، ثم آخر، ثم جلس عليه فقال: "انزعوه". فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم.
٢٠٣٩ - * روى الترمذي والحاكم عن جابر بن عبد الله يقول: لقيني رسول الله ﷺ . فقال لي: "يا جابر مالي أراك منكسرًا؟ " قلت: يا رسول استشهد أبي قتل يوم أحدٍن وترك عيالاً ودينًا. قال: "أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: "ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا. فقال: يا عبدي تمن علي أعطك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب : إنه قد سبق مني "أنهم إليها لا يرجعون". قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (٣) الآية.
٢٠٤٠ - * روى أحمد عن جابر أنه سمع رسول الله، ﷺ ، يقول إذا ذكر أصحاب
стр. 1822
أحدٍ: "والله لوددت أني غودت مع أصحاب فحص الجبل".
يقول: قتلت معهم ﷺ .
وقال الذهبي عن جابر عن عبد الله:
الإمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ ، أبو عبيد الله، وأبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي السلمي المدني الفقيه. من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتًا.
روى علمًا كثيرًا عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعلي، وأبي بكر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، والزبير، وطائفة.
وكان مفتي المدينة في زمانه. عاش بعد ابن عمر أعوامًا وتفرد. شهد ليلة العقبة مع والده. وكان والده من النقباء البدريين، استشهد يوم أحد وأحياه الله تعالى، وكلمه كفاحًا.
وقد انكشف عنه قبره إذ أجرى معاوية عينًا عند قبول شهداء أحد، فبادر جابر إلى أبيه بعد دهر، فوجده طريًا لم يبل. وكان جابر قد أطاع أباه يوم أحد وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة. وشاخ وذهب بصرة، وقارب التسعين ا. هـ.
٢٠٤١ - * روى الترمذي عن جابرٍ قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة.
قال الترمذي: ومعنى قوله ليلة البعيرك ما روي عن جابر من غير وجه أنه كان مع النبي ﷺ في سفرٍ فباع بعيره من النبي ﷺ واشترط ظهره إلى المدينة، يقول جابر ليلة بعت من النبي ﷺ البعير استغفر لي خمسًا
стр. 1823
وعشرين مرة، وكان جابر قد قتل أبوه عبد الله بن عمرو بن حرامٍ يوم أحدٍ وترك بناتٍ، فكان جابر يعولهن وينفق عليهن، وكان النبي ﷺ يبر جابرًا ويرحمه لسبب ذلك. هكذا روي في حديثٍ عن جابرٍ نحو هذا.
وذكر الذهبي في السير، عن جابر قال: كنت أمتح [الماء] لأصحابي يوم بدر (١).
قال الذهبي: قال ابن عيينة: لقي عطاء وعمرو وجابر بن عبد الله سنة جاور بمكة.
وقيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة، فعلى هذا، كان عمره يوم بدرٍ ثماني عشرة سنة.
روي ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، قال: رحل جابر بن عبد الله في آخر عمره إلى مكة في أحاديث سمعها، ثم انصرف إلى المدينة.
ويروى أن جابرًا رحل في حديث القصاص إلى مصر ليسمعه من عبد الله بن أنيس. ا. هـ.
قال الشيخ شعيب محقق السير:
الصواب: إلى الشام، فقد أخرج الإمام أحمد، والبخاري في (الأدب المفرد)، والخطيب البغدادي في "الرحلة" من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة -أو قال العباد- عراة غرلا بهما". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد -أحسبه قال- كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند
стр. 1824
أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة غرلاً بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات". وحسنه الحافظ في "الفتح"، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
٢٠٤٢ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض". وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. تابعه الأعمش: سمع سالمًا سمع جابرًا ألفًا وأربعمائة.
قال الذهبي: وروي عن جابر، قال: كنت في جيش خالدٍ في حصار دمشق.
قال ابن سعد: شهد جابر العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم.
قال جابر: عادني رسول الله ﷺ ، وأنا لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت.
وقال زيد بن أسلم: كفء بصر جابر.
قال الواقدي ويحيى بن بكير وطائفة: مات سنة ثمانٍ وسبعين.
وقال أبو نعيم: سنة سبعٍ وسبعين.
قيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة: وأضر بأخرة.
مسنده بلغ ألفًا وخمس مئة وأربعين حديثًا، اتفق له الشيخان على ثمانيةٍ وخمسين حديثًا، انفرد له البخاري بستة وعشرين حديثًا، ومسلم بمئة وستة وعشرين حديثًا.
عن أبي نضرة قال: كان جابر بن عبد الله عريفًا، عرفه عمر.
عن أبي بكر المدني قال: كان جابر لا يبلغ إزاره كعبه، وعليه عمامة بيضاء، رأيته قد أرسلها من ورائه.
وقال عاصم بن عمر: أتانا جابر وعليه ملاءتان -وقد عمي- مصفرًا لحيته ورأسه بالورس، وفي يده قدح. ا. هـ.
стр. 1825
٢٠٤٣ - * روى البزار عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، قال: أمر أبي بحريرة، فصنعت، ثم أمرني فحملتها إلى رسول الله ﷺ ، فقال لي: "ما هذا يا جبر؟ ألحم ذا؟ " قلت: لا يا رسول الله! ولكن أبي أمر بحريرة فصنعتها، ثم أمرني فحملتها إليك، فقال: "ضعها". فأتيت أبي، فقال لي: ما قال رسول الله ﷺ ؟ قلت: قال لي: ما هذا يا جابر! ألحم؟ قال أبي: أرى رسول الله ﷺ -أو أحسب- يشتهي اللحم، فقام إلى داجن، فذبحها، ثم أمر بها، فشويت، ثم أمرني، فأتيت بها، فقال رسول الله ﷺ : "جزاكم الله معشر الأنصار خيرًا، ولا سيما آل عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة".
٢٠٤٤ - * روى الطبراني عن أبي نعيم قال: مات جابر بن عبد الله سنة تسع وسبعين.