ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله ﷺ . وإن علي دينًا، فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا. فأصبحنا، فكان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبرٍ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهرٍ، فإذا هو كيوم وضعته هنية، غير أذنه.
٢٠٣٨ - * روى البخاري عن جابر ﵁ أن أباه توفى وعليه دين، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه دينًا، وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدرٍ من بيادر التمر فدعا، ثم آخر، ثم جلس عليه فقال: "انزعوه". فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم.
٢٠٣٩ - * روى الترمذي والحاكم عن جابر بن عبد الله يقول: لقيني رسول الله ﷺ . فقال لي: "يا جابر مالي أراك منكسرًا؟ " قلت: يا رسول استشهد أبي قتل يوم أحدٍن وترك عيالاً ودينًا. قال: "أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: "ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا. فقال: يا عبدي تمن علي أعطك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب : إنه قد سبق مني "أنهم إليها لا يرجعون". قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (٣) الآية.
٢٠٤٠ - * روى أحمد عن جابر أنه سمع رسول الله، ﷺ ، يقول إذا ذكر أصحاب
стр. 1822
أحدٍ: "والله لوددت أني غودت مع أصحاب فحص الجبل".
يقول: قتلت معهم ﷺ .
وقال الذهبي عن جابر عن عبد الله:
الإمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ ، أبو عبيد الله، وأبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي السلمي المدني الفقيه. من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتًا.
روى علمًا كثيرًا عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعلي، وأبي بكر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، والزبير، وطائفة.
وكان مفتي المدينة في زمانه. عاش بعد ابن عمر أعوامًا وتفرد. شهد ليلة العقبة مع والده. وكان والده من النقباء البدريين، استشهد يوم أحد وأحياه الله تعالى، وكلمه كفاحًا.
وقد انكشف عنه قبره إذ أجرى معاوية عينًا عند قبول شهداء أحد، فبادر جابر إلى أبيه بعد دهر، فوجده طريًا لم يبل. وكان جابر قد أطاع أباه يوم أحد وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة. وشاخ وذهب بصرة، وقارب التسعين ا. هـ.
٢٠٤١ - * روى الترمذي عن جابرٍ قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة.
قال الترمذي: ومعنى قوله ليلة البعيرك ما روي عن جابر من غير وجه أنه كان مع النبي ﷺ في سفرٍ فباع بعيره من النبي ﷺ واشترط ظهره إلى المدينة، يقول جابر ليلة بعت من النبي ﷺ البعير استغفر لي خمسًا
стр. 1823
وعشرين مرة، وكان جابر قد قتل أبوه عبد الله بن عمرو بن حرامٍ يوم أحدٍ وترك بناتٍ، فكان جابر يعولهن وينفق عليهن، وكان النبي ﷺ يبر جابرًا ويرحمه لسبب ذلك. هكذا روي في حديثٍ عن جابرٍ نحو هذا.
وذكر الذهبي في السير، عن جابر قال: كنت أمتح [الماء] لأصحابي يوم بدر (١).
قال الذهبي: قال ابن عيينة: لقي عطاء وعمرو وجابر بن عبد الله سنة جاور بمكة.
وقيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة، فعلى هذا، كان عمره يوم بدرٍ ثماني عشرة سنة.
روي ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، قال: رحل جابر بن عبد الله في آخر عمره إلى مكة في أحاديث سمعها، ثم انصرف إلى المدينة.
ويروى أن جابرًا رحل في حديث القصاص إلى مصر ليسمعه من عبد الله بن أنيس. ا. هـ.
قال الشيخ شعيب محقق السير:
الصواب: إلى الشام، فقد أخرج الإمام أحمد، والبخاري في (الأدب المفرد)، والخطيب البغدادي في "الرحلة" من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة -أو قال العباد- عراة غرلا بهما". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد -أحسبه قال- كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند
стр. 1824
أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة غرلاً بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات". وحسنه الحافظ في "الفتح"، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
٢٠٤٢ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض". وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. تابعه الأعمش: سمع سالمًا سمع جابرًا ألفًا وأربعمائة.
قال الذهبي: وروي عن جابر، قال: كنت في جيش خالدٍ في حصار دمشق.
قال ابن سعد: شهد جابر العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم.
قال جابر: عادني رسول الله ﷺ ، وأنا لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت.
وقال زيد بن أسلم: كفء بصر جابر.
قال الواقدي ويحيى بن بكير وطائفة: مات سنة ثمانٍ وسبعين.
وقال أبو نعيم: سنة سبعٍ وسبعين.
قيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة: وأضر بأخرة.
مسنده بلغ ألفًا وخمس مئة وأربعين حديثًا، اتفق له الشيخان على ثمانيةٍ وخمسين حديثًا، انفرد له البخاري بستة وعشرين حديثًا، ومسلم بمئة وستة وعشرين حديثًا.
عن أبي نضرة قال: كان جابر بن عبد الله عريفًا، عرفه عمر.
عن أبي بكر المدني قال: كان جابر لا يبلغ إزاره كعبه، وعليه عمامة بيضاء، رأيته قد أرسلها من ورائه.
وقال عاصم بن عمر: أتانا جابر وعليه ملاءتان -وقد عمي- مصفرًا لحيته ورأسه بالورس، وفي يده قدح. ا. هـ.
стр. 1825
٢٠٤٣ - * روى البزار عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، قال: أمر أبي بحريرة، فصنعت، ثم أمرني فحملتها إلى رسول الله ﷺ ، فقال لي: "ما هذا يا جبر؟ ألحم ذا؟ " قلت: لا يا رسول الله! ولكن أبي أمر بحريرة فصنعتها، ثم أمرني فحملتها إليك، فقال: "ضعها". فأتيت أبي، فقال لي: ما قال رسول الله ﷺ ؟ قلت: قال لي: ما هذا يا جابر! ألحم؟ قال أبي: أرى رسول الله ﷺ -أو أحسب- يشتهي اللحم، فقام إلى داجن، فذبحها، ثم أمر بها، فشويت، ثم أمرني، فأتيت بها، فقال رسول الله ﷺ : "جزاكم الله معشر الأنصار خيرًا، ولا سيما آل عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة".
٢٠٤٤ - * روى الطبراني عن أبي نعيم قال: مات جابر بن عبد الله سنة تسع وسبعين.
стр. 1826
٢٦ - البراء بن مالك ﵁
قال ابن حجر:
البراء بن مالك بن النضر الأنصاري أخو أنس. تقدم نسبه في ترجمة أنس، وهو أخو أنس لأبيه. قاله أبو حاتم. وقال ابن سعد: أخوه لأبيه وأمه أمهما أم سليم انتهى. وفيه نظر لأنه سيأتي في ترجمة شريك بن سحماء أنه أخو البراء بن مالك لأمه، أمهما سمحاء، أما أم أنس فهي أم سليم بلا خلاف. وتقدم في ترجمة أنجشة أن البراء كان حادي النبي ﵌. وفي المستدرك من طريق ابن إسحاق عن عبد (عبيد) الله بن أنس سمعت أنس بن مالك يقول: كان البراء بن مالك حسن الصوت وكان يرجز لرسول الله صلى عليه وآله وسلم في بعض أسفاره فقال له: "إياك والقوارير". فأمسك. وروى السراج من طريق حماد عن ثابت عن أنس قال: كان البراء حادي الرجال. وقد تقدم بأتم منه في أنجشة. وشهد البراء مع رسول الله ﵌ المشاهد إلا بدرًا، وله يوم اليمامة أخبار، واستشهد يوم حصن تستر في خلافة عمر سنة عشرين وقيل قبلها وقيل سنة ثلاث وعشرين. ذكر سيف أن الهرمزان هو الذي قتله، وروى عنه أخوه أ، س، وروى البغوي بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين عن أنس قال: دخلت على البراء بن مالك وهو يتغنى فقلت له: قد أبدلك الله ما هو خير منه. فقال: أترهب أن أموت على فراشي لا والله ما كان الله ليحرمني ذلك وقد قتلت مائة منفردًا سوى ما شاركت فيه. وقال بقي بن مخلد في مسنده عن أبي إسحاق قال: زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجؤوهم إلى حديثة فيه عدو الله مسيلمة، فقال البراء بن مالك يا معشر المسلمين ألقوني إليهم فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على الحديقة حتى فتحها على المسلمين ودخل عليهم المسلمون فقتل الله مسيلمة.
عن أنس قال: رمى البراء بنفسه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بسهم وضربة فحمل إلى رحله يداوى وأقام عليه خالد شهرًا. وفي تاريخ السراج من طريق يونس عن الحسن وعن ابن سيرين عن أنس أن خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة: قم يا براء. قال: فركب فرسه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1827
يا أهل المدينة لا مدينة لكم اليوم وإنما هو الله وحده والجنة. ثم حمل وحمل الناس معه فانهزم أهل اليمامة، فلقي البراء معكم اليمامة فضربه البراء وصرعه، فأخذ سيف محكم اليمامة فضرب به حتى انقطع. وروى البغوي عن البراء قال: لقيت يوم مسيلمة رجلاً يقال له حمار اليمامة رجلاً جسيمًا بيده السيف أبيض فضربت رجليه فكأنما أخطأته وانقعر فوقع على قفاه فأخذت سيفه وأغمدت سيفي، فما ضربت به ضربة حتى انقطع. وفي الطبراني من طريق إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة قال: بينما أنس بن مالك وأخوه عند حصن من حصون العدو يعني بالحريق (بالعراق) فكانوا يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم، ففعلوا ذلك بأنس فأقبل البراء حتى تراءى في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة فما برح حتى قطع الحبل ثم نظر إلى يده فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم وأنجى الله أنس بن مالك بذلك. وروى الترمذي عن أنس أن النبي ﵌ قال: "رب أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك". فلما كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس، فقال المسلمون: يا براء أقسم على ربك. فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك. فحمل وحمل الناس معه فقتل مرزبان الزاره من عظماء الفرس وأخذ سلبه فانهزم الفرس وقتل البراء. وفي المستدرك من طريق سلامة عن عقيل عن الزهري عن أنس نحوه. ا. هـ.
وقال الذهبي: البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غنم بن عدي بن النجار، الأنصاري النجاري المدني.
البطل الكرار صاحب رسول الله ﷺ وأخو خادم النبي ﷺ ، أنس بن مالك، شهد أحدًا، وبايع تحت الشجرة.
قيل: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الجيش: لا تستعملوا البراء على جيش، فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم.
وبلغنا أن البراء يوم حرب مسيلمة الكذاب أمر أصحابه أن يحتملوه على ترس، على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة. فاقتحم إليهم، وشدد عليهم، وقاتل حتى افتتح باب
стр. 1828
الحديقة. فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحًا، ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهرًا يداوي جراحه.
وقد اشتهر أن البراء قتل في حروبه مئة نفس من الشجعان مبارزة ا. هـ.
٢٠٤٥ - * روى الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه منهم البراء بن مالك". فإن البراء لقي زحفًا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا: يا براء إن رسول الله ﵌ قال إنك لو أقسمت على الله لأبرك فأسقم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم. ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا له: يا براء أقسم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك ﵌ فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدًا.
٢٠٤٦ - * روى الترمذي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره. منهم البراء بن مالك".
٢٠٤٧ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء وهو مستلق واضعًا إحدى رجليه على الأخرى يتغنى فنهاه، فقال: أترهب أن أموت على فراشي وقد تفردت بقتل مائة من الكفار سوى من شركني فيه الناس.
وفي رواية: يا أخي تتغنى بالشعر وقد أبدلك الله به القرآن؟
стр. 1829
٢٠٤٨ - * روى ابن سعد عن أنس قال: دخلت على البراء وهو يتغنى، ويرنم قوسه، فقلت: إلى متى هذا؟ قال: أتراني أموت على فراشي؟ والله لقد قتلت بضعًا وتسعين.
قال الذهبي: ابن عون: عن محمد قال: بارز البراء مرزبان الزارة فطعنه، فصرعه، وأخذ سلبه.
الزارة: لفظ المرة من الزار. وعين الزارة بالبحرين معروفة. والزارة قرية كبيرة بها. ومنها مرزبان الزارة وله ذكر في الفتوح. وقد فتحت الزارة سنة (١٢) للهجرة في أيام أبي بكر الصديق ﵁، وصولحوا.
استشهد يوم فتح تستر سنة عشرين ا. هـ.
٢٠٤٩ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك قال: كان البراء بن مالك رجلاً حسن الصوت فكان يرجز لرسول الله ﵌ في بعض أسفاره فبينما هو يرجز إذ قارب النساء فقال له رسول الله ﵌: "إياك والقوارير". قال فأمسك: قال محمد: كره رسول الله ﵌ أن تسمع النساء صوته.
٢٠٥٠ - * روى الطبراني عن ابن سيرين قال: بارز البراء بن مالك أخو أنس بن مالك مرزبان الزار فقتله فأخذ سلبه فبلغ سلبه ثلاثين ألفًا.
* * *
стр. 1830
٢٧ - أنس بن مالك ﵁
قال ابن حجر:
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي. خادم رسول الله ﵌ وأحد المكثرين من الرواية عنه.
عن أبي خلدة قلت لأبي العالية: أسمع أنس من النبي ﵌ قال: خدمة عشر سنين ودعا له النبي ﵌، وكان له بستان يحمل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيه ريحان ويجيء منه ريح المسك. وكانت إقامته بعد النبي ﵌ بالمدينة ثم شهد الفتوح ثم قطن البصرة ومات بها. قال علي بن المديني: كان آخر الصحابة موتا بالبصرة، وقال البخاري: حدثنا موسى حدثنا إسحاق بن عثمان: سألت موسى بن أنس: كم غزا أنس مع النبي ﵌؟ قال: ثمان غزوات. وروى ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة عن أبيه قال: قال ثابت البناني: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله ﵌ فضعها تحت لساني، قال: فوضعها تحت لسانه فدفن وهي تحت لسانه.
قال جرير بن حازم. قلت لشعيب بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال: سنة تسعين. أخرجه ابن شاهين. وقال سعيد بن عفير والهيثم بن عدي ومعتمر بن سليمان مات سنة إحدى وتسعين. وقال ابن شاهين: حدثنا عثمان بن أحمد حدثنا حنبل حدثنا معتمر ابن سليمان عن حميد مثله وزاد: وكان عمره مائة سنة إلا سنة. قال ابن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن زيد الهذلي أنه حضر أنس بن مالك سنة ثنتين وتسعين. وقال أبو نعيم الكوفي: مات سنة ثلاث وتسعين وفيها أرخه المدائني وخليفة وزاد: وله مائة وثلاث سنين. وحكى ابن شاهين عن يحيى بن بكير أنه مات وله مائة سنة وسنة، قال وقيل مائة وسبع سنين. ورواه البغوي عن عمر بن شبة عن محمد بن عبد الله الأنصاري كذلك. قال الطبراني عن أنس قال: قالت أم سليم: يا رسول الله ادع الله لأنس فقال: "اللهم أكثر ماله
стр. 1831
وولده وبارك له فيه". قال أنس لقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين. عن أنس جاءت بي أم سليم إلى النبي ﵌ وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله أنس ادع الله له. فقال النبي صلى الله عليه وآله سلم: "اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة". قال قد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة.
وروى الطبراني في الأوسط من طريق عبيد بن عمرو الأصبحي عن أبي هريرة أخبرني أنس بن مالك أن النبي ﵌ كان يشير في الصلاة وقال. لا نعلم روى أبو هريرة عن أنس غير هذا الحديث. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا ابن عون عن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية فدخل عليه عمر فاستشاره فقال: أبعثه فإنه لبيب كاتب. قال: فبعثه. ومناقب أنس وفضائله كثيرة جداً. ا. هـ.
قال الذهبي في ترجمته:
الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله ﷺ ، وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتاً. ا. هـ.
٢٠٥١ - * روى مسلم عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكن أمهاتي يحثثني على خدمة رسول الله ﷺ ، فدخل علينا دارنا، فحلبنا له من شاة داجن، وشيب له من بئر في الدار، فشرب رسول الله ﷺ ، فقال له عمر -وأبو بكر على شماله: يا رسول الله أعط أبا بكر، فأعطاه أعرابياً عن يمينه، وقال رسول الله ﷺ : "الأيمن فالأيمن".
قال الذهبي: فصحب أنس نبيه ﷺ أتم الصحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة.
стр. 1832
وقد روى محمد بن سعد في (طبقاته): حدثنا الأنصاري، عن أبيه، عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشهدت بدراً؟ فقال: لا أم لك، وأين أغيب عن بدر. ثم قال الأنصاري: خرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر، وهو غلام يخدمه.
وقد رواه عمر بن شبة، عن الأنصاري (١)، عن أبيه، عن ثمامة، قال: قيل لأنس: ... فذكر نحوه.
قلت: لم يعده أصحاب المغازي في البدريين لكونه حضرها صبيا ما قاتل، بل بقي في رحال الجيش. فهذا وجه الجمع. أ. هـ.
٢٠٥٢ - * روى مسلم عن أنس قال: جاءت بي أمي، أم أنس إلى رسول الله ﷺ ، وقد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه. فقالت: يا رسول الله! هذا أنيس، ابني، أتيتك به يخدمك. فادع الله له. فقال: "اللهم أكثر ماله وولده".
قال أنس: فوالله! إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة، اليوم.
٢٠٥٣ - * روى البخاري ومسلم، عن أنس، أن أم سليم قالت: يا رسول الله! خادمك أنس، ادع الله له. فقال: "اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته".
٢٠٥٤ - * روى ابن سعد عن أنس، قال: دعا لي رسول الله ﷺ ، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته". فالله أكثر مالي حتى إن كرماً لي لتحمل في السنة مرتين، وولد لصلبي مئة وستة.
стр. 1833
٢٠٥٥ - * روى عن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، قال: "أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم". ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها. فقالت أم سليم: يا رسول الله إن لي خويصة، قال: "ما هي؟ قالت: خادمك أنس. فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: "اللهم ارزقه مالاً وولداً، وبارك له". فإني لمن أكثر الأنصار مالا. وحدثني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة.
٢٠٥٦ - * روى الترمذي عن أبي خلدة قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي ﷺ ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك.
٢٠٥٧ - * روى ابن سعد عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحداً أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من ابن أم سليم. يعني أنساً.
قال الذهبي: عن موسى بن أنس: أن أنساً غزا غزوات.
وقال أنس بن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر.
وروى الأنصاري عن أبيه، عن ثمامة، قال: كان أنس يصلي حتى تفطر قدماه دماً، مما يطيل القيام ﵁.
ثابت البناني قال: جاء قيم أرض أنس، فقال: عطشت أرضوك. فتردي أنس، ثم خرج إلى البرية، ثم صلى، ودعا، فثارت سحابة، وغشيت أرضه ومطرت، حتى ملأت صهريجه وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت؟ فإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيراً.
стр. 1834
روى نحوه الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة.
قلت (أي الذهبي): هذه كرامة بينة ثبتت بإسنادين.
قال همام بن يحيى: حدثني من صحب أنس بن مالك قال: لما أحرم أنس، لم أقدر أن أكلمه حتى حل من شدة إبقائه على إحرامه.
ابن عون: عن موسى بن أنس؛ أن أبا بكر الصديق بعث إلى أنس ليوجهه على البحرين ساعياً، فدخل عليه عمر، فقال: إني أردت أن أبعث هذا على البحرين وهو فتي شاب. قال: ابعثه فإنه لبيب كاتب. فبعثه فلما قبض أبو بكر قدم أنس على عمر، فقال: هات ما جئت به. قال: يا أمير المؤمنين، البيعة أولاً، فبسط يده.
عن أنس، قال: استعملني أبو بكر على الصدقة، فقدمت، وقد مات، فقال عمر: يا أنس أجئنا بظهر؟ قلت: نعم. قال: جئنا به، والمال لك. قلت: هو أكثر من ذلك. قال: وإن كان، فهو لك. وكان أربعة آلاف.
روى ثابت، عن أنس، قال: صحبت جرير بن عبد الله، فكان يخدمني، وقال: إني رأيت الأنصار يصنعون برسول الله ﷺ شيئاً، لا أرى أحداً منهم إلا خدمته.
وروى عن النبي ﷺ أنه قال لأنس: "يا ذا الأذنين".
وقد كان النبي ﷺ يخصه ببعض العلم. فنقل أنس عن النبي ﷺ ، أنه طاف على تسع نسوة في ضحوة بغسل واحد.
قال خليفة بن خياط: كتب ابن الزبير بعد موت يزيد إلى أنس بن مالك، فصلى بالناس بالبصرة أربعين يوماً. وقد شهد أنس فتح تستر فقدم على عمر بصاحبها الهرمزان فأسلم، وحسن إسلامه ﵀.
قال الأعمش: كتب أنس إلى عبد الملك بن مروان -يعني لما آذاه الحجاج -: إني خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، والله لو أن النصارى أدركوا رجلاً خدم نبيهم، لأكرموه.
стр. 1835
قال سلمة بن وردان: رأيت على أنس عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه.
وقال أبو طالوت عبد السلام: رأيت على أنس عمامة.
حماد بن سلمة: عن حميد، عن أنس: نهى عمر أن نكتب في الخواتيم عربياً. وكان في خاتم أنس ذئب أو ثعلب (١).
وقال ابن سيرين: كان نقش خاتم أنس: أسد رابض (٢).
قال ثمامة بن عبد الله: كان كرم أنس يحمل في السنة مرتين.
قال المثنى بن سعيد: سمعت أنساً يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي. ثم يبكي (٣).
عن أنس -وقيل له: ألا تحدثنا؟ -قال: يا نبي إنه من يكثر يهجر (٤).
عن أنس، أنه نقش في خاتمه: "محمد رسول الله". فكان إذا دخل الخلاء، نزعه (٥).
قال ابن عون: رأيت على أنس مطرف خز، وعمامة خز، وجبة خز (٦).
روى عبد الله بن سالم الأشعري، عن أزهر بن عبد الله، قال: كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك، وكان فيمن يؤلب على الحجاج، وكان مع ابن الأشعث، فأتوا به الحجاج، فوسم في يده: عتيق الحجاج.
عن أنس: يقولون: لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب. وقد جمع الله حبهما في قلوبنا.
стр. 1836
قال أبو اليقظان: مات لأنس في طاعون الجارف ثمانون ابناً وقيل: سبعون.
عن أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، ودعا ثلاثين مسكيناً، فأطعمهم (١).
قلت [أي الذهبي]: ثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين.
وأما موته فاختلفوا فيه، فروى معمر، عن حميد؛ أنه مات سنة إحدي وتسعين، وكذا أرخه قتادة، والهيثم بن عدي، وسعيد بن عفير، وأبو عبيد.
وروى معن بن عيسى، عن ابن لأنس بن مالك: سنة اثنتين وتسعين. وتابعه الواقدي.
وقال عدة -وهو الأصح -: مات سنة ثلاث وتسعين. قاله ابن علية وسعيد بن عامر، والمدائني، وأبو نعيم، وخليفة، والفلاس، وقعنب. فيكون عمره على هذا مئة وثلاث سنين.
قال الأنصاري: اختلف علينا في سن أنس؛ فقال بعضهم: بلغ مئة وثلاث سنين. وقال بعضهم: بلغ مئة وسبع سنين.
مسنده ألفان ومئتان وستة وثمانون، اتفق له البخاري ومسلم على مئة وثمانين حديثاً، وانفرد البخاري بثمانين حديثاً، ومسلم بتسعين. اهـ الذهبي.
стр. 1837
٢٠٥٨ - * روى مسلم والترمذي، عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: "يا بني".
٢٠٥٩ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: لم يبق ممن صلى القبلتين غيري.
يعني الصلاة إلى بيت المقدس وإلى الكعبة، وفي هذا إشارة إلى أن أنسا آخر من مات ممن صلى القبلتين، والظاهر أن أنساً قال ذلك وبعض الصحابة ممن تأخر إسلامه موجود، ثم تأخر أنس إلى أن كان آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، قاله علي بن المديني والبزار وغيرهما، بل قال ابن عبد البر: هو آخر الصحابة موتاً مطلقاً، لم يبق بعده غير أبي الطفيل. كذا قال، وفيه نظر، فقد ثبت لجماعة ممن سكن البوادي من الصحابة تأخرهم عن أنس.
وعن ثابت البناني ﵀: أن أنسا قال له: خذ عني فإنك لن تأخذ عن أحد أوثق مني، أخذته عن رسول الله ﷺ ، وأخذه رسول الله ﷺ عن جبريل، وأخذه جبريل عن الله .
٢٠٦٠ - * روى الطبراني عن أنس قال: كانت لي ذؤابة وكان رسول الله ﷺ يمدها ويأخذ بها.
٢٠٦١ - * روى الطبراني عن قتادة قال: لما مات أنس بن مالك قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. فقيل وكيف ذاك يا أبا المغيرة؟ قال: كان رجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث عن رسول الله ﷺ قلنا له: تعال إلى من سمعه منه.
стр. 1838
٢٠٦٢ - * روى مسلم عن أنس، قال: دخل النبي ﷺ علينا. وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي. فقال: "قوموا فلأصلي بكم" (في غير وقت صلاة) فصلى بنا. فقال رجل لثابت: أين جعل أنساً منه؟ قال: جعله على يمينه. ثم دعا لنا، أهل البيت، بكل خير من خير الدنيا والآخرة. فقالت أمي: يا رسول الله! خويدمك. ادع الله له. قال: فدعا لي بكل خير. وكان في آخر ما دعا به أن قال: "اللهم! أكثر ماله وولده وبارك له فيه".
* * *
стр. 1839
٢٨ - ثابت بن قيس بن شماس ﵁ خطيب رسول الله ﷺ
وخطيب الأنصار
قال ابن حجر:
ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي.
لم يذكره أصحاب المغازي في البدريين، وقالوا أول مشاهده أحد وشهد ما بعدها وبشره النبي ﷺ بالجنة في قصة شهيرة رواها موسى بن أنس عن أبيه أخرج أصل الحديث مسلم أ. هـ.
قال الذهبي في ترجمته:
أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن.
خطيب الأنصار. كان من نجباء أصحاب محمد، ﷺ ، ولم يشهد بدراً، شهد أحداً، وبيعة الرضوان.
وأمه هند الطائية، وقيل: بل كبشة بنت واقد بن الإطنابة. وإخوته لأمه عبد الله ابن رواحة، وعمرة بنت رواحة. وكان زوج جمييلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فولدت له محمداً.
قال ابن إسحاق: قيل: آخى رسول الله ﷺ ، بينه وبين عمار، وقيل: بل المؤاخاة بين عمار وحذيفة. وكان جهير الصوت، خطيباً، بليغاً.
٢٠٦٣ - * روى الحاكم عن أنس قال: خطب ثابت بن قيس مقدم رسول الله، ﷺ ، المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: "الجنة". قالوا: رضينا.
стр. 1840
٢٠٦٤ - * روى الحاكم عن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله! إني أخشى أن أكون قد هلكت، ينهانا الله أن نحب أن نحمد بما لا نفعل، وأجدني أحب الحمد. وينهانا الله عن الخيلاء، وإني امرؤ أحب الجمال. وينهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك. وأنا رجل رفيع الصوت، فقال: "يا ثابت! أما ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة". اهـ.
٢٠٦٥ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت ابن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه. فأتاه، فوجده جالساً في بيته منكساً رأسه، فقال: ما شأنك؟ قال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ ، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي ﷺ ، فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى بن أنس: فرجع إليه المرة الأخيرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له: "إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة".
وفي رواية (١): أنه لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ...﴾ (٢) جلس ثابت في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟ " فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له شكوى. قال: فأتاه سعد، فذكر له قول النبي ﷺ ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، وقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ ، فقال: "بل هو من أهل الجنة". هذا لفظ رواية حماد عن أنس.
стр. 1841
وفي رواية لمسلم (١) كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار، فلما نزلت هذه الآية -وذكر قول ثابت -زاد في حديث سليمان التيمي: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة.
٢٠٦٦ - * روى أحمد عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ ، حبط عملي، أنا من أهل النار. وجلس في أهله حزينا، فتفقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ مالك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر بالقول، حبط عملي وأنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال فقال: "لا. بل هو من أهل الجنة". قال أنس: وكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف فجاءنا ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه فقال: بئسما تعودون أقرانكم فقاتلهم حتى قتل.
٢٠٦٧ - * روى البخاري عن موسى بن أنس قال: وذكر يوم اليمامة قال: أتى أنس بن مالك ثابت بن قيس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط فقال: يا عم ما يحبسك أن لا تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي. وجعل يتحنط -يعني من الحنوط -ثم جاء فجلس، فذكر في الحديث انكشافاً من الناس فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ ، بئس ما عودتم أقرانكم.
٢٠٦٨ - * روى الحاكم عن أنس: أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة، وقد تحنط، ولبس ثوبين أبيضين، فكفن فيهما، وقد انهزم القوم، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به
стр. 1842
هؤلاء، وأعتذر من صنيع هؤلاء، بئس ما عودتم أقرانكم! خلوا بيننا وبينهم ساعة. فحمل، فقاتل حتى قتل، وكانت درعه قد سرقت، فرآه رجل في النوم، فقال له: إنها في قدر تحت إكاف، بمكان كذا وكذا. وأوصاه بوصايا، فنظرو فوجدوا الدرع كما قال، وأنفذوا وصاياه.
٢٠٦٩ - * روى الترمذي والحاكم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس".
وذكر الذهبي في السير عن الزهري: أن وفد تميم قدموا، وافتخر خطيبهم بأمور، فقال النبي، ﷺ ، لثابت بن قيس: "قم فأجب خطيبهم". فقام، فحمد الله وأبلغ، وسر رسول الله ﷺ والمسلمون بمقامه.
٢٠٧٠ - * روى البخاري عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس.
قال الحافظ ابن حجر: قال ابن عبد البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل. قلت (القائل ابن حجر): والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين، واختلاف السياقين.
قال الذهبي: وقيل: ولدت محمداً بعد، فجعلته في لفيف وأرسلت به إلى ثابت. فأتى به
стр. 1843
رسول الله، ﷺ ، فحنكه وسماه محمداً. فاتخذ له مرضعاً.
قال الحاكم: كان ثابت على الأنصار يوم اليمامة. ثم روى في ترجمته أحاديث منها لعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة، فأتيت ابنة ثابت بن قيس، فذكرت قصة أبيها، قالت: لما نزلت ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ جلس أبي يبكى. فذكرت الحديث.
وفيه: فلما استشهد، رآه رجل: فقال: إني لما قتلت، انتزع درعي رجل من المسلمين، وخبأه، فأكب عليه برمة، وجعل عليها رحلاً، فائت الأمير، فأخبره، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه، وإذا أتيت المدينة، فقل لخليفة رسول الله ﷺ : إن علي من الدين كذا وكذا، وغلامي فلان عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه. فأتاه، فأخبره الخبر، فنفذ وصيته، فلا نعلم أحداً بعد ما مات أنفذت وصيته غير ثابت بن قيس ﵁ (١).
وقد قتل محمد، ويحيى، وعبد الله بنو ثابت بن قيس يوم الحرة. ا. هـ.
* * *
стр. 1844
٢٩ - أبو هريرة ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
قال النووي في مواضع من كتبه: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا. وقال القطب الحلبي اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولاً مذكورة في الكنى للحاكم وفي الاستيعاب وفي تاريخ ابن عساكر. قلت: وجه تكثره أنه يجتمع في اسمه خاصة عشرة أقوال مثلا وفي اسم أبيه نحوها ثم تركبت ولكن لا يوجد جميع ذلك منقولاً.
وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثاً وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلثمائة حديث وكسر.
وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة يقول: أسبح بقدر ذنبي.
وفي الحلية من تاريخ أبي العباس السراج بسند صحيح عن مضارب بن جزء: كنت أسير من الليل فإذا رجل يكبر فلحقته فقلت ما هذا؟ قال: أكثر شكر الله على أن كنت أجيراً لبسرة بنت غزوان لنفقة رحلي وطعام بطني فإذا ركبوا سقت بهم وإذا نزلوا خدمتهم فزوجنيها الله فأنا أركب وإذا نزلت خدمت. وأخرجه ابن خزيمة من هذا الوجه وزاد: وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت فقالت: لا أريم [لا أبرح] حتى تجعل لي عصيدة فها أنا ذا أتيت على نحو من مكانها، قلت: لا أريم حتى تجعل لي عصيدة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في المختصرين بسند صحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على أبي هريرة وهو شديد الوجع فاحتضنته، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة. فقال: اللهم لا ترجعها. قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تموت فمت والله الذي نفس أبي هريرة بيدة ليأتين على الناس زمان يمر الرجل على قبر أخيه فيتمنى أنه صاحبه. قلت: وقد جاء هذا الحديث مرفوعاً عن أبي هريرة عن عمير بن هانئ قال: كان أبو هريرة يقول: تشبثوا بصدغي معاوية اللهم لا تدركني سنة ستين. وأخرج أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الرحمن بن مهران عن أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: لا تضربوا علي
стр. 1845
فسطاطاً ولا تتبعوني بمجمرة وأسرعوا بي.
وكانت وفاته بقصره بالعقيق فحمل إلى المدينة. قال هشام بن عروة وخليفة وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين. وقال الهيثم بن عدي وأبو معشر وضمرة بن ربيعة: مات سنة ثمان وخمسين. وقال الواقدي وأبو عبيد وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين. ا. هـ.
وقال الذهبي: الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ ، أبو هريرة الدوسي اليماني. سيد الحفاظ الأثبات.
اختلف في اسمه على أقوال جمة؛ أرجحها: عبد الرحمن بن صخر. وقيل: ابن غنم.
والمشهور عنه أنه كني بأولاد هرة برية. قال: وجدتها، فأخذتها في كمي؛ فكنيت بذلك.
قال الطبراني: وأمه ﵂، هي: ميمونة بنت صبيح.
حمل عن النبي ﷺ علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه -لم يلحق في كثرته -وعن أبي، وأبي بكر، وعمر، وأسامة، وعائشة، والفضل، وبصرة بن أبي بصرة، وكعب الحبر.
حدث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين؛ فقيل: بلغ عدد أصحابه ثمان مئة. ا. هـ.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أبي هريرة قال: قال لي النبي ﷺ : "ممن أنت؟ " قلت: من دوس. قال: "ما كنت أرى أن في دوس أحداً فيه خير".
وذكر أيضاً (٢) عن أبي هريرة، قال: خرج النبي ﷺ إلى خيبر، وقدمت المدينة مهاجراً، فصليت الصبح خلف سباع بن عرفطة -كان استخلفه -فقرأ في السجدة الأولى بسورة مريم، وفي الآخرة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
стр. 1846
فقلت: ويل لأبي! قل رجل كان بأرض الأزد، إلا وكان له مكيالان: مكيال لنفسه، وآخر يبخس به الناس.
٢٠٧١ - * روى البخاري عن محمد قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع.
٢٠٧٢ - * روى البخاري عن مجاهد: أن أبا هريرة كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رأني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: "يا أبا هر". قلت: لبيك رسول الله. قال: "الحق". ومضى. فتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل لبناً في قدح فقال: "من أين هذا اللبن؟ " قالوا: أهداه لك فلان -أو فلانة -قال: "أبا هر". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي". قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوي بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعيطهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن. ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: "يا أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "خذ فأعطهم" فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد على
стр. 1847
القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه علي يده، فنظر إلي فتبسم فقال: "أبا هر". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "بقيت أنا وأنت". قلت: صدقت يا رسول الله. قال: "اقعد فاشرب". فقعدت فشربت. فقال: "اشرب". فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أحد له مسلكاً. قال: "فأرني": فأعطيته القدح، فحمد الله وسمي وشرب الفضلة.
٢٠٧٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره. فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم! اهد أم أبي هريرة": فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله ﷺ . فلما جئت فصرت إلى الباب. فإذا هو مجاف. فسمعت أمي خشف قدمي. فقالت: مكانك! يا أبا هريرة! وسمعت خضخضة الماء. قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها. ففتحت الباب. ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته وأنا أبكي من الفرح. قال قلت: يا رسول الله! أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيراً. قال قلت: يا رسول الله! ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ "اللهم! حبب عبيدك هذا -يعني أبا هريرة -وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين" فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني، إلا أحبني.
قال الذهبي: وكان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة.
стр. 1848
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك"؟ قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله. فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى النمل يدب عليها، فحدثني، حتى إذا استوعبت حديثه، قال: "اجمعها فصرها إليك". فأصبحت لا أسقط حرفاً مما حدثني (١) ا. هـ.
٢٠٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر. والله الموعد. ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم. وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق. وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني. فأشهد إذا غابوا. وأحفظ إنا نسوا. ولقد قال رسول الله ﷺ يوماً: "أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئاً سمعه". فبسطت بردة علي. حتى فرغ من حديثه. ثم جمعتها إلى صدري. فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثني به. ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئاً أبداً: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) (٢) إلى آخر الآيتين.
وفي رواية لمسلم (٣) عن أبي هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ . والله الموعد. كنت رجلاً مسكيناً، أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني. وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم. فقال رسول الله ﷺ : "من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئاً سمعه مني". فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه. ثم ضمته إلي. فما نسيت شيئاً سمعته منه.
стр. 1849
٢٠٧٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأما أحدهما، فبثثته في الناس، وأما الآخر، فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.
قال محقق السير: وقد حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم. وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه، ولا يصرح به خوفاً على نفسه منهم. كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان. يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستحباب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بقليل.
وقال ابن المنير: جعل بعضهم هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهراً وباطناً، وذلك الباطل، إنما حاصله الانحلال من الدين، وإنما أراد أبو هريرة بقوله: قطع. أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، يؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها.
قال الذهبي: هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول، أو الفروع؛ أو المدح والذم؛ أما حديث يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه بوجه؛ فإنه من البينات والهدى. وفي "صحيح البخاري": قول الإمام علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء، لأوذي، بل لقتل. ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياء للسنة، فله ما نوى وله أجر -وإن غلط -في اجتهاده.
وقال الحافظ في "الفتح": وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود: ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
стр. 1850
٢٠٧٦ - * روى الحاكم عن سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثاً من أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وإن مروان -زمن إمرته على المدينة -أراد أن يكتب حديثه كله، فأبى، وقال: ارو كما روينا.
فلما أبى عليه تغفله مروان، وأقعد له كاتباً ثقفاً ودعاه: فجعل أبو هريرة يحدثه، ويكتب ذاك الكتب، حتى استفرغ حديثه أجمع.
ثم قال مروان: تعلم أنا قد كتبنا حديثك أجمع؟ قال: وقد فعلت! قال: نعم. قال: فاقرؤوه علي، فقرؤوه. فقال أبو هريرة: أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني، تمحه. قال: فمحاه.
ثم قال مروان: تعلم أنا قد كتبنا حديثك أجمع، قال: وقد فعلت! قال: نعم. قال: فاقرؤوه علي، فقرؤوه. فقال أبو هريرة: أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني، تمحه. قال: فمحاه.
٢٠٧٧ - * روى البخاري عن وهب بن منبه، عن أخيه همام سمعت أبا هريرة يقول: ما أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني عنه إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب.
قال محقق السير: وهذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان يجزم بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثاً عن النبي ﷺ منه إلا عبد الله، مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة. وقد قال العلماء: إن السبب فيه من جهات.
أحدها: أن عبد الله كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلت الرواية عنه.
ثانيها: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصدياً فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمان مئة نفس من التابعين.
ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ له بأن لا ينسى ما يحدثه به.
стр. 1851
رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بجمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيه ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين. ا. هـ.
وذكر الذهبي في السير (١) عن السائب بن يزيد: سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس؛ وقال لكعب [الأحبار]: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة.
قال ابن كثير بعد أن أورد الخبر: وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك.
قال الذهبي: كان عمر ﵁ يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ . وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره.
فبالله عليك، إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر، كانوا يمنعون منه، مع صدقهم وعدالتهم وعدم الأسانيد، بل هو غض لم يشب؛ فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط، فبالحري أن نزجر القوم عنه، فياليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات والأباطيل والمستحيل في الأصول والفروع، والملاحم والزهد، نسأل الله العافية.
فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه، وغر المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه جانٍ على السنن والآثار، يستتاب من ذلك؛ فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق؛ كفى به إثمًا أن يحدث بكل ما سمع. وإن هو لم يعلم، فليتورع، وليستعن بمن يعينه على تنقية مروياته. نسأل الله العافية؛ فلقد عم البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون؛ فلا عتبى على الفقهاء وأهل الكلام.
стр. 1852
أقول: الظاهر أن هذا كان من عمر قبل أن يتأكد من ضبط أبي هريرة بدليل أن أبا هريرة استمر بالتحديث، أما نهيه لكعب الأحبار فلأنه كان يتحدث عن الإسرائيليات مع صدقه لكن عمر خشي أن تؤثر هذه الإسرائيليات على فطرة الصحابة وتبعدهم عن الإقبال الكامل على القرآن.
قال محقق السير: قال محدث الديار الشامية في عصره العلامة الشيخ بدر الدين الحسني رحمه اله ورضي عنه فيما نقله عنه الشيخ العلامة محمود ياسين في مجلة الهداية الإسلامية: لا يجوز إسناد حديث لرسول الله ﷺ إلا إذا نص على صحة هذا الحديث حافظ من الحفاظ المعروفين، فمن قال: قال رسول الله ﷺ ، وهو لا يعلم صحة ذلك من طريق أحد الحفاظ يوشك أن يصدق عليه حديث: "من قال علي ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار". فليحذر الخطباء والكتاب والمدرسون والوعاظ من إسناد حديث إلى رسول الله ﷺ ما لم يعلموا صحته من طريق حافظ مشهور من حفاظ الحديث، وعليهم إذا لم يعلموا ذلك أن يذكروا الحديث معزوا إلى الكتاب الذي نقلوا منه، كالترمذي، والنسائي مثلاً، وبذلك يخرجون من العهدة، أما الذين يحملون بأيديهم الكتب التي لا قيمة لها عند علماء الحديث الشريف ككثير من كتب الأخلاق والوعظ المنتشرة بالأيدي، فلا يكفي عزو الحديث إليها، ولا يخرج القارئ من الوزر.
٢٠٧٨ - * روى أحمد عن عاصم بن كليب: حدثنا أبي: سمع أبا هريرة، وكان يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وذكر الذهبي في السير (١) عن بسر بن سعيد، قال: اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة؛ فيحدث عن رسول الله ﷺ ، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله ﷺ .
стр. 1853
قال الذهبي: مسنده: خمسة آلاف وثلاث مئة وأربعة وسبعون حديثًا.
المتفق في البخاري ومسلم منها ثلاث مئة وستة وعشرون. وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين حديثًا، ومسلم بثمانية وتسعين حديثًا.
٢٠٧٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أسمع منك أشياء فلا أحفظها، قال: "ابسط رداءك". فبسطته، فحدث حديثًا كثيرًا، فما نسيت شيئًا حدثني به.
وللترمذي (١) في أخرى: قال: أتيت رسول الله ﷺ فبسطت ثوبي عنده، ثم أخذه، فجمعه على قلبي، فما نسيت بعده.
ذكر الذهبي في السير (٢): محمد بن كناسة الأسدي، عن إسحاق بن سعيد، عن أبيه، قال: دخل أبو هريرة على عائشة، فقالت له: أكترث يا أبا هريرة عن رسول الله! قال: إي والله يا أماه، ما كانت تشغلني عنه المرآة، ولا المكحلة، ولا الدهن. قالت: لعله.
٢٠٨٠ - * روى الحاكم عن عائشة أنها دعت أبا هريرة، فقالت له: يا أبا هريرة، ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي ﷺ ، هل سمعت إلا ما سمعنا؟ وهل رأيت إلا ما رأينا؟ قال: يا أماه، إنه كان يشغلك عن رسول الله ﷺ المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله ﷺ ، وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء.
стр. 1854
٢٠٨١ - * روى مالك عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري: أنه كان جالسًا مع ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن البكير، فسأل عن رجلٍ طلق ثلاثًا قبل الدخول. فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس -وكانا عند عائشة- فذهب، فسألهما.
فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة؛ فقد جاءتك معضلة.
فقال: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها. وقال ابن عباس مثله.
أقول: الظاهر أنهم اعتبروا أن الطلقة الواحدة تجلعها بائنة وذلك نص قرآني، والثلاث معًا تجعلها بائنة بينونة كبرى فلا تحل لزوجها حتى تنكح زوجًا غيره، وهذا من جملة الأدلة التي تعاضدت حتى استقر بالإجماع على أن الثلاثة دفعة واحدة توجب البينونة الكبرى على خلاف ما ذهب إليه ابن تيمية بعد قرون من انعقاد الإجماع.
٢٠٨٢ - * روى مسلم عن عروة بن الزبير أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي ﷺ يسمعني ذلك، وكنت أسبح (أصلي نافلة) فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم.
قول عائشة: ولو أدركته لرددت عليه. أي: لأنكرت عليه، وبينت له أن الترتيل في الحديث أولى من السرد. قال الحافظ: واعتذر عن أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد اقتصر، فتزدحم القوافي على في.
قال الذهبي: وأصح الأحاديث ما جاء عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
стр. 1855
وما جاء عن ابن عون، وأيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
وأين مثل أبي هريرة في حفظه وسعة علمه.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعًا؛ فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا: يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا. قلت: يا أبا هريرة، كيف تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثًا.
٢٠٨٣ - * روى مالك عن حميد بن مالك بن خثيمٍ، أنه قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة بأرضه بالعقيق. فأتاه قوم من أهل المدينة على دواب. فنزلوا عنده. قال حميد: فقال أبو هريرة: اذهب إلى أمي فقل: إن ابنك يقرئك السلام ويقول: أطعمينا شيئًا. قال: فوضعت ثلاثة أقراص في صحفةٍ، وشيئًا من زيت وملحٍ، ثم وضعتها على رأسي، وحملتها إليهم. فلما وضعتها بين أيديهم، كبر أبو هريرة، وقال: الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين الماء والتمر. فلم يصب القوم من الطعام شيئًا. فلما انصرفوا، قال: يا ابن أخي، أحسن إلى غنمك، وامسح الرعام عنها، وأطب مراحها، وصل في ناحيتها فإنها من دواب الجنة. والذي نفسي بيده ليوشك أن يأتي على الناس زمان تكون الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان.
٢٠٨٤ - * روى ابن سعد عن معمر، عن أيوب، عن محمد: أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله، وعدو كتابه؟
стр. 1856
فقال أبو هريرة: فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما.
قال: فمن أين هي لك؟ قلت: خيل نتجت، وغلة رقيقٍ لي، وأعطية تتابعت.
فنظروا، فوجدوه كما قال.
فلما كان بعد ذلك، دعاه عمر ليوليه، فأبى. فقال: تكره العمل وقد طلب العمل من كان خيرًا منك: يوسف ﵇! فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثًا واثنتين. قال: فهلا قلت: خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي.
ذكر الذهبي في السير (١) عن محمد بن زياد قال كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة؛ فإذا غضب عليه، بعث مروان، وعزله، قال: فلم يلبث أن نزع مروان، وبعث أبا هريرة، فقال لغلامٍ أسود: قف على الباب، فلا تمنع إلا مروان. ففعل الغلام، ودخل الناس، ومنع مروان. ثم جاء نوبة، فدخل، وقال: حجبنا عنك. فقال: إن أحق من لا أنكر هذا لأنت.
٢٠٨٥ - * روى مسلم عن ابن أبي رافع، قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة. فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة.
وذكر الذهبي في السير (٢) عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حمارًا ببرذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير، فيلقى الرجل، فيقول:
стр. 1857
الطريق، قد جاء الأمير.
وربما أتى الصبيان، وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، فلا يشعرون، حتى يلقي نفسه بينهم، ويضرب برجليه، فيفزع الصبيان، فيفرون. وربما دعاني إلى عشائه، فيقول: دع العراق للأمير. فأنظر، فإذا هو ثريدة بزيت.
هذه بعض مداعبات أبي هريرة للناس وكان عنده مرح ودعابة ﵁.
وذكر الذهبي في السير (١): ثعلبة بن أبي مالك القرطي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للأمير.
٢٠٨٦ - * روى الحاكم عن محمد بن قيس بن محرمة: أن رجلاً أتى زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال: عليك بأبي هريرة. فإني بينما أنا وهو وفلان في المسجد، خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن ندعو، ونذكر ربنا. فجلس إلينا، فسكتنا. فقال: "عودوا للذي كنتم فيه". فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة. فجعل رسول الله يؤمن. ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم، إني أسألك ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علمًا لا ينسى فقال النبي ﷺ : "آمين".
فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علمًا لا ينسى! قال: "سبقكما الغلام الدوسي".
٢٠٨٧ - * روى أحمد والحاكم عن ابن عمر: أنه مر بأبي هريرة -وهو يحدث- أن رسول الله ﷺ قال: "من تبع جنازة، فله قيراط". فقال: انظر ما تحدث عن رسول الله! فقام أبو هريرة، فأخذه بيده إلى عائش، فقال لها: أنشدك بالله، هل سمعت رسول الله يقول: "من تبع جنازة ... " -الحديث- فقالت: اللهم نعم.
стр. 1858
فقال أبو هريرة: لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي، ولا صفق في الأسواق؛ وإنما كنت أطلب من رسول الله كلمة يعلمنيها: أو أكلة يطعمنيها.
فقال ابن عمر: كنت ألزمنا لرسول الله، وأعلمنا بحديثه.
٢٠٨٨ - * روى الحاكم، عن عاصم بن محمد، عن أبيه: رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر قائمًا، ويقول: حدثنا القاسم ﷺ الصادق الصدوق. فلا يزال يحدث حتى يسمع فتح باب المقصورة لخروج الإمامة، فيجلس.
ذكر الذهبي في السير (١) عن عمير بن هانئ العنسي: قال أبو هريرة: اللهم، لا تدركني سنة ستين. فتوفي فيها، أو قبلها بسنة.
وقال محققه: وذكره الحافظ في "الفتح" في شرحه لحديث أبي هريرة المرفوع: "هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش". ونسبه لابن أبي شيبة بلفظ: إن أبا هريرة كان يمشي في السوق، ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان. وقال: وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك، فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها، وبقي إلى سنة ٦٤، فمات، ثم ولي ولده معاوية، ومات بعد أشهر.
وأخرج ابن سعد (٢) عن شعبة، عن محمد بن زياد: رأيت على أبي هريرة كساء خزم.
قال الذهبي: قال ابن حزم في كتاب: "الإحكام في أصول الأحكام": المتوسطون فيما روي عنهم من الفتاوى: عثمان، أبو هريرة، عبد الله بن عمرو بن العاص، أم سلمة، أنس، أبو سعيد، أبو موسى، عبد الله بن الزبير، سعد بن أبي وقاص، سلمان، جابر، معاذ، أبو بكر الصديق.
стр. 1859
فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئٍ منهم جزء صغير.
ويضاف إليهم: الزبير: طلحة، عبد الرحمن، عمران بن حصين، أبو بكرة الثقفي، عبادة بن الصامت، معاوية.
ثم باقي الصحابة مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد لا المسألة والمسألتان.
ثم سرد ابن حزم عدة من الصحابة، منهم: أبو عبيدة، وأبو الدرداء، وأبو ذر، جرير، وحسان.
٢٠٨٩ - * روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: أتيت النبي ﷺ بتمراتٍ، فقلت: يا رسول الله ادع الله فيهن بالبركة فضمهن ثم دعا لي فيهن بالبركة، فقال: "خذهن واجعلهن في مزودك هذا أو في هذا المزود، كلما أردت أن تأخذ منه شيئًا فأدخل فيه يدك فخذه ولا تنثره نثرًا". فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسقٍ في سبيل الله، فكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوي حتى كان يوم قتل عثمان فإنه انقطع.
٢٠٩٠ - * روى الترمذي عن مالك بن أبي عامرٍ قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله فقال: يا أبا محمد أرأيت هذا اليماني، يعني أبا هريرة، هو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم، نسمع منه مالا نسمع منكم، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل. قال: أما أن يكون سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع فلا أشك إلا أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وذاك أنه كان مسكينًا لا شيء له ضيفًا لرسول الله ﷺ يده مع يد رسول الله صلى الله
стр. 1860
عليه وسلم وكنا نحن أهل بيوتاتٍ وغنى، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار. فلا نشك إلا أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لا نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل.
٢٠٩١ - * روى أحمد والحاكم عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جرئيًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره.
٢٠٩٢ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك قرت عيني وطابت نفسي وإذا لم أرك لم تطب نفسي أو كلمة نحوها.
٢٠٩٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: كنت ألزم النبي ﷺ لشبع بطي، حين لا آكل الخمر، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وألصق بطني بالحصباء؛ وأستقرئ الرجل الآية -وهي معي- كي ينقلب بي فيطعمني. وخير الناس للمساكين جعفر ابن أبي طالب، ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شيء، فنشتقها، فنعلق ما فيها.
وفي رواية الترمذي (١) قال: إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ عن الآيات من القرآن، أنا أعلم بها منه، ما أسأله إلا ليطعمني شيئًا، وكنت إذا سألت جعفر