← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مُعيطٍ، فجاء النبي ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين، فقالا: يا غلام هل عندك من لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما. كان هذا أول الإسلام قبل إسلام عبد الله بن مسعود، وقد يكون المراد بالفرار في الرواية: ما كان يفعله رسول الله ﷺ وأصحابه من استخفاء إذا ما أرادوا الصلاة ولكن الظاهر أن الأمر غير ذلك، وهذا يفيد أن الاضطهاد بدأ مبكراً، والرواية تدلنا على أمانة ابن مسعود مما يشير إلى أن هذه النوعية من الناس هي التي تملك الاستعداد الرفيع للدخول في الإسلام كما حدث لابن مسعود، وسؤاهما اللبن كان بناء على أن من حق ابن مسعود أن يسقيهما كأن يكون هو صاحب الغنم أو أنه مأذون بالضيافة. ٦٨ - * روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد رأيتُني وأنا ثُلُثُ الإسلام. وفي رواية: ما أسلم أحدٌ إلا في أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيامٍ، وإني لثلث الإسلام. قال في الفتح شارحاً قوله: (وإني لثلث الإسلام) قال ذلك بحسب اطلاعه، والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه، ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي ﷺ وأبا بكر، وقد كانت خديجة أسلمت قطعاً فلعله خص الرجال، وقد تقدم في ترجمة الصديق حديث عمار (رأيت النبي ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر) وهو يعارض حديث سعد، والجمع بينهما ما أشرت إليه، أو يحمل قول سعد على الأحرار البالغين يخرج الأعبد المذكورون وعلي ﵁، أو لم يكن اطلع على أولئك، ويدل على هذا الأخير أنه وقع عند الإسماعيلي من رواية يحيى بن سعيد الأموي عن هاشم بلفظ (ما أسلم أحد قبلي) ومثله عند ابن سعد من وجه آخر عن عامر بن سعد عن أبيه، وهذا مقتضى رواية الأصيلي، وهي مشكلة لأنه قد أسلم قبله جماعة، لكن يحمل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ. وقد رأيت في (المعرفة لابن منده) من طريق أبي بدر عن هاشم بلفظ (ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه) وهذا

стр. 212

لا إشكال فيه إذ لا مانع أن يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم، لكن أخرجه الخطيب من الوجه الذي أخرجه ابن منده فأثبت فيه (إلا) كبقية الروايات فتعين الحمل على ما قلته. ٦٩ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إنه نزلت فيه آياتٌ من القرآن، قال: حلفت أمُّ سعدٍ أن لا تكلمهُ أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمتَ أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غُشي عليها من الجهد فقام ابن لها يُقال له: عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعدٍ، فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (١) ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢). قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمةٌ عظيمةٌ، فإذا فيها سيفٌ، فأخذتهُ فأتيتُ به رسول الله ﷺ ، فقلت: نفَّلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حالهُ، فقال: "رُده من حيث أخذته" فانطلقت حتى إذا أردتُ أن ألقيهُ في القبض، لامتنى نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته: "رُده من حيث أخذتهُ"، قال: فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٣). ومرضتُ، فأرسلتُ إلى النبي ﷺ ،

стр. 213

فأتاني، فقلتُ: دعْنِي أقسمُ مالي حيثُ شئتُ، قال: فأبي، قلتُ: فالنصفُ، قال: فأبي قلتُ: فالثلثُ، قال: فسكت، فكان بعدُ الثلثُ جائزاً، قال: وأتيتُ على نفرٍ من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعِمُكَ، ونُسقيك خمراً - وذلك قبل أن تُحرم الخمرُ - قال: فأتيتُهم في حشٍّ - والحشُ: البُستانُ - فإذا رأس جزورٍ مشويٍّ عندهم، وزق من خمر فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصارُ والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خيرٌ من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحي الرأس، فضربني به، فجرح أنفي، فأتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرتهُ، فأنزل الله في - يعني نفسهُ - شأن الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١). وفي رواية في قصة أم سعد: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعمواه شجروا فاها بعصاً، ثم أوجروها. وفي آخرها: فضرب به أنف سعدٍ ففزرهُ، فكان أنف سعدٍ مفزوراً. واختصره الترمذي (٢) قال: أُنزلت في أربع آياتٍ، فذكر قصةً فقالت أم سعدٍ: أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا أطعم طعاماً، ولا أشربُ شراباً حتى أموتُ، أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها شجروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ...﴾ (٣) الآية. ٧٠ - * روى البخاري عن عمار بن ياسر ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبدٍ وامرأتان وأبو بكرٍ. نجد ههنا نوعية المستجيبين الأوائل لرسول الله ﷺ أصحاب الأصالة ومكارم الأخلاق والمضطهدين والنساء، وفي ذلك تذكير للدعاة ألا يهملوا المضطهدين والفقراء من عمال

стр. 214

وفلاحين، وألا يهملوا النساء، وأن يركزوا على المثقفين. ٧١ - * روى أحمد عن سالم بن أبي العجد قال: دعا عثمان ناساً من أصحاب النبي ﷺ فيهم عمار بن ياسر فقال: إني سائلكم وإني أحبُّ أن تصدقوني، نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان يؤثر قريشاً على سائر الناس ويؤثر بني هاشم على سائر قريش؟ فسكت القوم فقال عثمان: لو أن يبدئ مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم، فبعث إلى طلحة والزبير فقال عثمان: ألا أحدثكما عنه - يعني عماراً - أقبلتُ مع رسول الله ﷺ آخذا بيدي نتمشى بالبطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وعليه يُعذبون، فقال أبو عمار: يا رسول الله الدهر هكذا؟ فقال له النبي ﷺ : "اصبر"، ثم قال: "اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت". ٧٣ - * روى الحاكم عن جابر أن رسول الله ﷺ مر بعمارٍ وأهله وهم يعذبون فقال: "أبشروا آل عمران وآل ياسر فإن موعدكم الجنةُ". ٧٣ - * روى الحاكم عن كردوس: أن خباباً أسلم سادس ستة، كان سُدس الإسلام. ٧٤ - * روى ابن ماجه عن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب إلى عمر فقال: ادن فما أحد أحقُّ بهذا المجلس منك إلا عمار، فجعل خباب يريه آثاراً بظهره مما عذبه المشركون

стр. 215

٧٥ - * روى البخاري عن خبابِ بن الأرتِّ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسِّد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال: "كان الرجلُ فيمن قبلكم يحفرُ له في الأرض فيُجعلُ فيه، فيُجاء بالمنشار فيوضعُ على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصب وما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه. ولكنكم تستعجلون". ٧٦ - * روى مسلم عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنتُ، وأنا في الجاهلية، أظن أن الناس على ضلالةٍ. وأنهم لسوا على شيء. وهم يعبدون الأوثان. فسمعت برجلٍ بمكة يخبر أخباراً. فقعدتُ على راحلتي. فقدمتُ عليه. فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً، جرءاءُ عليه قومه. فتلطفتُ حتى دخلت عليه بمكة. فقلت له: ما أنت؟ قال: "أنا نبي" فقلت: ما نبي؟ قال: "أرسلني الله" فقلت: وبأي شيءٍ أرسلك؟ قال: "أ ﴿سلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يُوحد الله لا يشرك به شيء" قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: "حر وعبدٌ" (قال ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فقلت: إني مُتبعُك. قال: "إنك لا تستطيعُ ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك. فإذا سمعت بي قد ظهرتُ فأتني" قال: فذهبت إلى أهلي. وقدم رسول الله ﷺ المدينة. وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار ... أقول: قوله ﵊: "ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت

стр. 216

فأتني"، نأخذ منه درساً في الدعوة: أن تكديس المريدين والأعضاء حيث المحنة والإيذاء ليس هو الأصل، فهذا رسول الله ﷺ يوجه نحو الرجوع إلى الأقوام، وأمر كما سنرى بالهجرتين إلى الحبشة، فذلك تخفيف عن المسلمين وإبعاد عن مواطن الخطر وستر لقوة المسلمين، وإعطاء فرصة للقائد حتى لا يشغل، وضمان للسرية، وإفادة للمكان المرسل إليه، وإعداد للمستقبل، وملاحظة لضمان الاستمرار وتجنب الاستئصال. ٧٧ - * روى الحاكم عن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبةُ بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرمٍ وولت حذاء، وإنما بقي منها صُبابة كصبابة الإناء يصطبُّها صاحِبُها، وإنكم منتقلون منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما يحضركم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يُلقى من شفير جهنم فيهوي بها سبعين عاماً وما يدرك لها قعراً فوالله لتملأنهُ: أفعجبتُم وقد ذُكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما أربعون سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظٌ من الزحام. ولقد رأيتُني وإني لسابعُ سبعةٍ مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، وإني التقطتُ بردة فشققتها بيني وبين سعد بن أبي وقاص فارس الإسلام فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها، وما أصبح منا اليوم أحد حي إلا أصبح أمير مصر من الأمصار، وإنني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً، وإنها لم تكنْ نبوءة قط إل تناقصت حتى يكون عاقبتها ملكا، وستجربون أو ستبلون الأمراء بعدي. قوله: (وما أصبح منا اليوم أحد حيٌ إلا أصبح أمير مصر من الأمصار) فيه إشارة إلى ملاحظة السبق والقدم في التأمير دون أن يكون ذلك قاعدة مطلقة، ومن الملاحظ أن الخلفاء الراشدين الأربعة كلهم ممن تقدمت له سابقة إسلام وتقدم إسلام. قوله: (لم تكن نبوة قط إلا تناقصت حتى يكون عاقبتها ملكاً) هذا هو الواقع التاريخي قديماً وهو ما حدث بعد محمد ﷺ ، وعلى الأمة الإسلامية الآن أن تحكم أمرها

стр. 217

للوصول إلى الخلافة الراشدة ووضع القواعد لضمان استمرارها. ٧٨ - * روى مسلم عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفارٍ وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالُنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا: إنك إذا خرجت عن هلك خالف إليهم أُنيس، فجاء خالنا قنثا علينا الذي قيل له، فقلت: أما ما مضى من معروفك، فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد، فقربنا صُرمتنا، فاحتملنا عليها، وتغطي خالنا ثوبه، فجعل يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها. فأنيا الكاهن، فخير أنيساً، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها قال: وقد صليتُ يا ابن أخي قبل أن ألقي رسول الله ﷺ بثلاث سنين، قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجهُ؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي. أصلي عشاءً، حتى إذا كان من آخر الليل ألقيتُ كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس، فقال أنيسٌ: إن لي حاجة بمكة، فاكفني، فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث عليِّ، ثم جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعرٌ، كاهنٌ، ساحرٌ، وكان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس:

стр. 218

لقد سَمعتُ قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعراء، فما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنه شعرُ، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون، قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فانظر، قال: فأتيت مكة فتضعفتُ رجلاً منهم، فقلتُ: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إليَّ، فقال: الصابئ؟ فمال عليَّ أهل الوادي بكل مدرةٍ وعظمٍ، حتى خررتُ مغشياً عليِّ، قال: فارتفعت حين ارتفعتُ. كأني نُضُب أحمر، قال: فأتيتُ زمزم، فغسلتُ عني الدماء، وشربتُ من مائها، ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين، بين ليلةٍ ويومٍ، وما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنتُ حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدتُ على كبدي سخفة جوعٍ، قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، إذ ضُرب على أسمختهم فما يطوفُ بالبيت أحدٌ، وامرأتانِ منهم تدعوان إسافاً ونائلة، قال: فأتنا عليَّ في طوافهما، فقلت: هن مثل الخشبة - غير أني لا أكني - فانطلقنا تولولان، وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا؟ قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر، وهما هابطان، قال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم، وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى فلما قضى صلاته، قال أبو ذر: فكنتُ أنا أول من حياهُ بتحية الإسلام، قال فقلتُ: السلام عليك يا رسول الله. فقال: "وعليك السلام ورحمة الله"، ثم قال: "من أنت؟ " قلتُ: مِنْ غفارٍ، قال: فأهوى بيده، فوضع أصابعه على جبهته، فقلتُ في نفسي: كره أن انتميتُ إلى غفارٍ، فذهبتُ آخذُ بيده، فقعدني صاحبه، وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه، فقال: "متى كنت هاهنا؟ " قال: قلت: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين، بين ليلةٍ ويومٍ، قال: "فمن كان يطعمك؟ " قال: قلتُ: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جُوع، قال: "إنها مباركةٌ، إنها طعامُ

стр. 219

طعمٍ"، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر باباً، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها، ثم غبرتُ ما غبرت، ثم أتيت رسول الله ﷺ ، فقال: "إنه قد وُجهت لي أرض ذات نخلٍ، لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغٌ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم؟ " فأتيت أنيساً، فقال: ما صنعت؟ قلتُ: صنعت أني قد أسلمتُ وصدقتُ، قال: ما بي رغبةٌ عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفاراً، فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الفغاري، وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إخواننا نُسلم على الذي أسلموا عليه، فقال رسول الله ﷺ : "غِفار غفر الله لها، وأسلمُ سالمها الله". زاد بعض الرواة - بعد قول أبي ذر لأخيه: (فاكفني حتى أذهب فأنظر) - (قال: نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا). وفي رواية قال: (فتنافرا إلى رجلٍ من الكهان، قال: فلم يزل أخي أنيس يمدحه حتى غلبه، فأخذنا صرمته فضممناها إلى صرمتنا). وفي رواية البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس قال: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قلنا: بلى، قال: قال أبو ذر: كنتُ رجلاً من غفار، فبلغنا أن رجلاً خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل فكلمه، وأتني بخبره. ٧٩ - * روى البخار يعن ابن عباس قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي؛ فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر،

стр. 220

فقال: رأيتُه يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعر، فقال: ما شَفَيْتَني مما أردتُ، فتزود وحمل شَنَّةً له فيها ماء، حتى قَدِمَ مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه - حتى أدركه بعض الليل فرآه عليٍّن فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به عليٍّ، فقال: أما نال للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي مثل ذلك، فأقامه معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لتُرشدني فعلت، ففعل، فأخبره، قال: فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أُريق الماء، فإذا مضيتُ فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ : "ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري"، قال: والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا لله، وأن محمداً رسول الله. ثم قام القوم فضربوه حتى أوجعوه، وأتى العباس، فأكب عليه، وقال: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تُجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد فضربوه، وثاروا إليه، فأكب العباس عليه. وفي الرواية الأخرى: أن النبي ﷺ قال له لما أسلم: "يا أبا ذر، اكتُم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظُهورُنا فأقبِل"، قال: فقلتُ: والذي بعثك بالحق، لأصرخن بها بين أظهرهم .. وذكر نحوه". قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر ﵁. ٨٠ - * روى الحاكم عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: انطلق أبو ذر ونعيم ابن عم أبي

стр. 221

ذر وأنا معهم نطلب رسول الله ﵌ وهو بالجبلِ مُكتتمٌ، فقال أبو ذر: يا محمد أتيناك نسمعُ ما تقول وإلى ما تدعو، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: "أقول لا إله إلا الله وإني رسول الله" فآمن به أبو ذر وصاحبه وآمنتُ به، وكان عليٍّ في حاجةٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله سلم أرسله فيها، وأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يوم الإثنين وصلى عليٍّ يوم الثلاثاء. والجمع بين هذه الرواية والتي قبلها أنها حادثة لاحقة للحادثة الأولى، فبعد أن أسلم أبو ذر أتى بهذين معه متظاهراً أنه لم يسبق له إسلام من أجل ان يسمع رفيقاه فيسلما. ٨١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: لقد رأيتُني سادس ستةٍ ما على الأرض مسلم غيرنا. ٨٢ - * روى الحاكم عن عروة قال: كانت نفحة من الشيطان أن محمداً صلى الله عليه وآله سلم قد أُخِذَ، فسمع بذلك الزبير وهو ابن إحدى عشرة سنة فخرج بالسيف مسلولاً حتى وقف على النبي ﷺ فقال: "ما شأنُكَ؟ " فقال: أردتُ أن أضرب من أخذَكَ فدعا له النبي صلى الله عليه وآله سلم ولسيفهِ، وكان أول سيف سُلَّ في سبيل الله . ٨٣ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقدام فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس. فما منهم من أحدٍ إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوهُ

стр. 222

الولْدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقولُ أحدٌ أحدٌ. ٨٤ - * روى الحاكم عن محمد بن عمار بن ياسرٍ عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وآله سلم وذكر آلهتهُم بخيرٍ ثم تركوهُ، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: "ما وراءك؟ " قال: شَرٍّ يا رسول الله ما تركت حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهُم بخيرٍ. قال: "كيف تجدُ قلبك؟ " قال: مُطمئن بالإيمان. قال: "إن عادوا فعُد". ٨٥ - * روى مسلم عن سعد أبي وقاص ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفرٍ، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت: أنا وابن مسعود ورجل من هُذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١). ٨٦ - * روى أحمد والطبراني عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ قال: مر الملأ من قريشٍ على رسول الله ﷺ وعنده خباب وصهيب وبلال وعمارٌ فقالوا: يا محمدُ أرضيت بهؤلاء فنزل فيهم القرآن ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾

стр. 223

إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وفي رواية الطبراني أنه قال: فقالوا: يا محمد أهؤلاء من الله عليهم من بيننا لو طردت هؤلاء لاتبعانك فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. * * * بداية الدعوة في سريتها وفرديتها: سيرة رسول الله ﷺ تسع الزمان والمكان والأشخاص، وهي بمجموعها يجد فيها كل عامل قدوة وأسوة، وأحكام الإسلام المنبثقة عن الكتاب والسنة تكمل الاستجابة لحاجات الإنسان وظروفه، ومن ههنا نقول: إن من واجه ظروفاً كالظروف التي واجهها رسول الله ﷺ في بداية الدعوة يسنّ له أن يدعو سراً، وقد يتعين ذلك عليه إذا كان واجب الدعوة وتحقيق الهدف لا يتمان إلا بالسرية، فليست السرية مفروضة دائماً أو مسنونة دوماً، بل الحكم فيها منوط بالظروف التي تواجهها الدعوة وأصحابها. ورأينا في مرحلة الدعوة السرية كيف أن الدعوة كانت فردية يقوم بها رسول الله ﷺ أو أصحابه، وأن الإيذاء بدأ مبكراً، والعروض والإغراءات والتزهيد بالمستجيبين من قِبل الكبراء كل ذلك كان واضحاً، وهي قضايا يجب أن يلتفت إليها الدعاة، وقد رأينا أكثر من نموذج أسلم فأرجعه رسول الله إلى قومه متربصاً منتظراً داعياً، مما يشير إلى أن هناك حالات يفضل فيها الانتشار على التجمع في المكان الواحد، وهذا كذلك موضوع يخضع لظروف الدعوة والداعية فليس التجمع في المكان الواحد مفروضاً في كل الأحوال، فلكل وضع أحكامه. ولم نستقص فيما نقلناه كل الأحوال والأحداث التي حدثت في المرحلة السرية والفردية لتداخلها مع ما بعدها فكان ما ذكرناه نموذجاً يكفي لتوضيح الصورة.

стр. 224

قال السباعي: إن دعوة الإصلاح إذا كانت غريبة على معتقدات الجمهور وعقليته، ينبغي أن لا يجهر بها الداعية حتى يؤمن بها عدد يضحون في سبيلها بالغالي والرخيص. حتى إذا نال صاحب الدعوى أذى. قام أتباعه المؤمنون بدعوته بواجب الدعوة، فيضمن بذلك استمرارها. * * *

стр. 225

فصل: في الدعوة الجهرية اعتاد المؤلفون أن يعنونوا لهذه المرحلة بمثل العنوان الذي عنونا به، فوافقناهم عليه مع أنه ملتبس، فالمرحلة الثانية كان فيها دعوة جهرية جماعية، لكن قد بقيت الدعوة الفردية مستمرة، وبقيت السرية قائمة فالاستخفاء في دار الأرقم لازال موجوداً، وهناك روايات تصرح بذلك، المهم أن التكتم بقي مستمراً مع الجهر بالدعوة، ولعل هذه المرحلة تشد لمن ينادون بجهرية الدعوة وسرية التنظيم، والظاهر أن هذه المرحلة استمرت حتى إسلام عمر فعندئذ وُجدت جهرية الدعوة على كمالها، وخلال ذلك كان كثيراً ما ينكشف إسلام من أسلم، وعلى كل الأحوال فجهرية الدعوة وسرية التنظيم منوطان بالظروف والمصلحة والأوضاع التي تواجهها الدعوة أو يواجهها الدعاة. وبعد ثلاث سنين من البعثة على القول الراجح نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، وعندئذ بدأت الدعوة الجهرية فخص بها رسول الله ﷺ وعم تنفيذاً لأمره تعالى. ٨٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: "يا معشر قُريش - أو كلمةً نحوها - اشترو أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا بني عبد منافٍ، لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا عباسُ بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئاً. ويا صفيةُ عمةٌ رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً. ويا فاطمةُ بنت محمدٍ، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً". وللبخاري أيضاً (٣) قال: يا بني عبد منافٍ، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني

стр. 226

عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله، يا فاطمةُ بنت محمدٍ، اشتريا أنفسكما من الله، لا أملكُ لكما من الله شيئاً، سلاني من مالي ما شئتما". ولمسلم أيضاً (١) قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشاً، فاجتمعوا، نعم وخص، فقال: "يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعبٍ، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمسٍ، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد منافٍ، أنقذوا أنفسكم من النارٍ. يا بني هاشمٍ، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار. فإني لا أملكُ لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً، سأبلُّها ببلالها. وأخرجه الترمذي (٢) عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جمع رسول الله ﷺ قريشاً، فخص وعم، فقال: "يا معشر قريشٍ، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضراً ولا نفعاً. يا معشر بني عبد منافٍ، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضراً ولا نفعاً. يا معشر بني قُصي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضراً ولا نفعاً. يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملكُ لكم ضراً ولا نفعاً. يا فاطمة بنت محمدٍ، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضراً ولا نفعاً، إن لك رحماً، سأبُلُّها ببلالها".

стр. 227

٨٨ - * روى مسلم عن قبيصة بن مُخارق وزهير بن عمرو ﵄ قالا: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ انطلق إلى روضة من جبلٍ فعلا أعلاها حجراً، ثم نادى: "يا بني عبد منافاه إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجلٍ رأى العدو، فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتفُ: يا صباحاه". يغفل كثير من الدعاة عن تذكير أسرهم وأهليهم وعشيرتهم وأقاربهم، وهذا مجافٍ للفطرة ولفقه الدعوة ولسنة الدعوة فعلى الداعية إلى الله أن يخص أرحامه وأقاربه ببعض الوقت لدعوتهم وتعليمهم وتربيتهم. إن أصل الفطرة أن يحب الإنسان أقاربه وأرحامه، وأن يحرص على ما ينفعهم وأن يبعد عنهم ما يضرهم، والداعية إلى الله همه الأول أن ينقذ الناس من النار، فإذا ما أهمل أقرب الناس إليه، فكأنه يدلل على عدم صدقه في دعوته، فإن كان همه الإنقاذ فهؤلاء أولى الناس بالبداءة، أما إذا كان همه الزعامة والرئاسة وهؤلاء مطمئن لموقفهم منه فهذه كارثة، أو كان لا تحركه نحوهم عاطفة خاصة فهذا مجاف للفطرة، المهم أن كل داعية لابد أن يخص أهله وأقاربه بمزيد عناية ابتداءاً أو توسطاً أو انتهاءاً، والابتداء سنة رسول الله ﷺ . قال السباعي: إن على الداعية أن يهتم بأقربائه، فيبلغهم دعوة الإصلاح. فإذا أعرضوا، كان له عذر أمام الله والناس، عما هم عليه من فساد وضلال. ٨٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهرٍ، يا بني عديٍ" - لبطون قريش - حتى اجتمعوا. فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً، لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهبٍ وقريشٌ، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي،

стр. 228

تريد أن تُغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جرينا عليك إلا صدقاً، قال: "فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١). وفي بعض الروايات: (وقد تب) كذا قرأ الأعمش. وفي رواية (٢): أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء، فصعِدَ إلى الجبل، فنادى: "صباحاه، يا صباحاه" فاجتمعت إليه قريش فقال: "أرأيتم إن حدثتكم: أن العدو مُصبحكم، أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟ " قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديدٍ" وذكر نحوه. وللبخاري (٣) أيضاً قال: لما نزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جعل النبي ﷺ يدعوهم قبائل، قبائل. وفي رواية للبخاري (٤): لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: "يا صباحاه" فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذباً .. وذكر الحديث. قال في الفتح: والسر في الأمر بإنذار الأقربين أولاً أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة فيحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نص له على إنذارهم. وفيه جواز تكنية الكافر، وفيه خلاف بين العلماء، كذا قيل.

стр. 229

٩٠ - * روى الإمام أحمد عن علي قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: جمع رسول الله ﷺ من أهل بيته فاجتمع له ثلاثون رجلاً فأكلوا وشربوا قال: فقال لهم: "من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي" فقال رجل لم يُسمه شريكٌ: يا رسول الله أنت كنت بحراً من يقوم بهذا، قال: ثم قال: لآخر فعرض ذلك على أهل بيته فقال علي: أنا. نفهم من الحديث أدباً وهو أن يكون للداعية إلى الله سواء كان شيخاً أو أمير جماعة أن يكون معه من يحفظ مواعيده ليذكر بها أو ليوفيها، وقد يكون منصب أمين السر في عصرنا يحقق الضبط لهذه الشؤون، وخلفاء القائد عليهم مراعاة ذلك، ومن فقه الدعوة في الحديث أن يخص الداعية الأخص من أهل بيته بمزيد عناية في الدعوة، وأن يصطنع المناسبات لتبليغ دعوته، والوليمة مناسبة من المناسبات عند الداعية لتحقيق هدف أو لتبليغ دعوة. * * * أصناف خصوم الدعوة الجهرية: ويبدو أن الدعوة الجهرية لقريش لم تلق استجابة مباشرة بل لقيت صداً مباشراً وكيداً عنيفاً، وبهذه المناسبة تحدث الشيخ الغزالي في كتابه فقه السيرة عن أنواع الخصوم الذين واجهوا دعوة رسول الله ﷺ . قال: ومن أولئك الخصوم: * متعصبون تحجرت عقولهم. تزين لهم سطوتهم البطش بمن يخالفهم ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ...﴾ (١). * .. أو مترفون سرتهم ثروتهم يحبون الباطل لأنه على أرائك وثيرة ويكرهون الحق

стр. 230

لأنه عاطل عن الحلي والمتاع ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ..﴾ (١)!! * .. أو متعنتون يحسبون هدايا الرحمن عبث صبية، أو أزياء غانية فهم يقولون: دع هذا وهات هذا ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (٢)!! * .. أو مهرجون يتواصون بينهم عال ضجة عالية وصياح منكر عندما تقرأ الآيات، حتى لا تسمع فتفهم فتترك أثراً في عقل نقي وقلب طيب ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٣)!! لو أن أهل مكة ترددوا في تصديق محمد ﷺ حتى يبحثوا أمره ويمحصوا رسالته، ويزنوا - على مهل - ما لديهم وما جاء به، لما عليهم على هذا عاقل. ولكنهم نفروا من الإسلام نفور المذنب من ساحة القضاء بعدما انكشفت جريمته وثبتت إدانته. أهـ. ٩١ - * روى الطبراني عن جُبيرٍ بن نُفيرٍ قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً ومر بنا رجل واستمعنا إليه فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت، فأقبل إليه فقال: ما يحملُ الرجل أن يتمنى محضراً غيبة الله عنه لا يدري كيف يكون فيه، والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوامٌ كبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه، ألا يحمد الله تعالى أحدكم أن لا تعرفوا إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم، فقد كفيتم البلاء بغيركم، والله لقد بعث النبي ﷺ على أشد حالٍ بعث عليها نبي من الأنبياء في فترةٍ وجاهليةٍ لم يروا أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقانٍ فرق قه بين الحق والباطل وفرق بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه

стр. 231

كافراً، وقد فتح الله تعالى قِفْلَ قلبهِ للإيمان ليعلم أنه قد هلك من دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلمُ أن حميمهُ في النار، وأنها التي قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (١). ٩٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفرُ محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيتهُ يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرنَّ وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نارٍ وهؤلاً وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكةُ عضواً عضواً" قال: فأنزل الله ، لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * ... أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ (٢) زاد عبيد الله في حديثه قال: وأمره بما أمره به. وزاد ابنُ عبد الأعلى فليدعُ ناديهُ: يعني قومه. قال في الفتح: وإنما شدد الأمر في حق أبي جهل، ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبي مُعيط حيث طرح سلى الجزور على ظهره ﷺ وهو يصلي، لأنهما وإن اشتركا في مطلق الأذية حالة صلاته، لكن زاد أبو جهل بالتهديد وبدعوى أهل طاعته وبإرادة وطء العنق الشريف، وفي ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك، ولأن سلى الجزور لم يتحقق نجاستها، وقد عوقب عقبة بدعائه ﷺ عليه وعلى من شاركه في فعله فقتلوا يوم بدر.

стр. 232

٩٣ - * روى الحاكم عن خال بن سعيد أن سعيد بن العاص بن أمية مرض فقال: لئن رفعني الله من مرضي هذا لا يُعبد إله ابن أبي كبشة ببطن مكة أبداً فقال خالد بن سعيد عند ذلك: اللهم لا ترفعه، فتوفي في مرضه ذلك. ٩٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قول الله : ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (١) قال: نزلت في أبي طالبٍ، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ﷺ ، ويتباعدُ عما جاء به. ٩٥ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: سمعتُ سعيد بن زيد بن عمرو في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتني وإن عُمر لموثقي على الإسلام قبل أن يُسلم عمر، ولو أن أحداً رفض للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقاً أن يرفض. ٩٦ - * روى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد أخفتُ في الله وما يُخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحدٌ. ولقد أتت علي ثلاثون من بين يومٍ وليلةٍ وما لي ولبلالٍ طعامٌ يأكله ذو كبدٍ إلا شيء يواريه إبطُ بلال". ومعنى هذا الحديث: حين خرج النبي ﷺ هارباً من مكة ومعه بلال إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمله تحت إبطه.

стр. 233

٩٧ - * روى أبو يعلي عن جابر بن عبد الله قال: اجتمعت قريش للنبي ﷺ يوماً، فقال: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأتِ هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ما يرد عليه، قالوا: ما نعلمُ أحداً غير عتبة ابن ربيعة، قالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبةُ فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ قال: أنت خيرٌ أم بعد المطلبِ؟ فسكت رسول الله ﷺ قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خيرٌ منك قد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كُنت تزعمُ أنك خيرٌ منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخطة أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، ما يُنتظرُ إلا مثل صيحةِ الحبلى بأن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى تتفانى. أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريشٍ رجلاً، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشراً، فقال له رسول الله ﷺ : "أفرغت؟ " قال: نعم، قال: فقال رسول الله ﷺ : ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢) فقال عتبة: حسبُك، ما عندك غير هذا؟ قال: لا، فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ فقال: ما تركتُ شيئاً أرى أنكم تكلمونهُ به إلا كلمته، قالوا: هل أجابك؟ قال: نعم، قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً مما قال غير أنه قال: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك رجل بالعربية فلا تدري ما قال، قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة. أقول: إن فتح باب الحوار لمصلحة الإسلام والمسلمين إذا وجد الداعية الكامل هو

стр. 234

الأصل، فهذا رسول الله ﷺ ما كان يغلق باب الحوار مع أحد، ولكنه في أي حوار كان يدعو إلى الله ويحقق مصلحة للإسلام والمسلمين. ٩٨ - * روى الترمذي عن عروة بن الزبير بن العوام، أن عائشة ﵂ قالت: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (١) في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني - وعند رسول الله ﷺ من عُظماء المشركين - فجعل رسول الله ﷺ يعرض عنه ويُقبل على الآخرين، ويقول: "أترى بما أقول بأساً؟ " فيقول: لا، ففي هذا أنزل. هذه حادثة خالدة ولذلك سجلها القرآن الكريم، لأنها تشكل ظاهرة متجددة في الدعوة إلى الله، وهي من الخطورة بالمكان العظيم، فالدعاة دائماً يتطلعون إلى كسب جديد للدعوة، وفي غمرة التطلع هذا قد يغفلون حقوق المستجيبين للدعوة، وفي كثير من الأحيان لا يستجيب الآخرون ويفقد الداعية صفته. وأول مبادئ العمل الإسلامي أن تحرص على رأس المال أكثر من حرصك على الكسب، ثم إن التطلع المبكر نحو رؤوس القوم ليس هو الأصل، فالعادة جرت أن هؤلاء تتأخر استجابتهم، فالتركيز على المستجيبين ليشكلوا القيادة الحقيقية للأمة هو الأساس، ثم إن الأولوية يجب أن تعطى دائماً للمستجيبين وللصف لتبقى أرواحهم معلقة بالملأ الأعلى. ٩٩ - * روى الطبراني وأبو يعلي عن عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك يأتينا في أفنيتنا وفي نادينا فيُسمعنا ما يؤذينا

стр. 235

به، فإن رأيت أن تكفهُ عنا فافعل. فقال لي: يا عقيل التبس لي ابن عمك، فأخرجته من كبسٍ من أكباس أبي طالب، فأقبل يمشي معي يطلبُ الفيء يمشي فيه فلا يقدر عليه، حتى انتهى إلى أبي طالب فقال له: يا ابن أخي والله ما علمت أن كنت لي لمطاعاً، وقد جاء قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وفي ناديهم تُسمعهم ما يؤذيهم، فإن رأيت أن تكف عنهم، فحلق ببصره إلى السماء فقال: "والله ما أنا بأقدر أدع ما بعثتُ به من أن يُشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار"، فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط ارجعوا راشدين. ١٠٠ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁، أن أبا جهل قال للنبي ﷺ : إنا لا نُكذبك ولكن نُكذب بما جئت به، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١). * * *

стр. 236

فصل ووصل الوحي، ففترة الوحي، فالأمر بالإنذار، فالدعوة الفردية السرية، فالدعوة الجماعية الجهرية، فالهجرة الأولى إلى الحبشة، وإسلام حمزة وعمر ﵄؛ هذه هي للعالم الكبرى لأحداث السنين الست بعد البعثة. دامت فترة الوحي على الأرجح أياماً وستة شهور ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فبدأ رسول الله ﷺ الدعوة سرية وفردية واستمر على ذلك ثلاث سنين، ثم أمر بالجهر بالدعوة، فبدأ بعشيرته الأقربين فجهر ودعا فزاد المقاومة والاضطهاد مما اضطر رسول الله ﷺ لاتخاذ دار الأرقم مقراً سرياً للدعوة والتربية والتعليم والعبادة، وكان ذلك في بداية السنة الخامسة، وفي رجب من السنة الخامسة، هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة وكان مكوناً من اثني عشر رجلاً وأربع نسوة، وفي شوال من نفس السنة عاد هؤلاء بعد أن بلغتهم شائعة أن قريشاً أسلمت فلما عرفوا جلية الأمر رجع بعضهم إلى الحبشة ودخل بعضهم مكة مستخفياً أو في جوار، واشتد الاضطهاد فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة والتي شارك فيها ثلاثة وثمانون رجلاً وثمان عشر أو تسع عشر امرأة، والذي يبدو أن الهجرة الثانية كانت على دفعات، والراجح أن إسلام حمزة وعمر كان بعد الهجرة الثانية أواخر السنة السادسة من البعثة، والرايات تذكر أن عمر أسلم بعد تسعة وثلاثين رجلاً وثلاث وعشرين امرأة، أو بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة، أو بعد خمسة وأربعين رجلاً وإحدى وعشرين امرأة، أو بعد ثلاثة وثلاثين رجلاً، والتوفيق بين هذا العدد وبين أن الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا حوالي المئة، إما أن إسلام عمر كان بين الهجرتين فانتعشت الدعوة أو كان بعد الهجرتين، لكن الهجرة الثانية كانت على دفعات وكانت محصلتها العدد المذكور. وكان المسلمون لا يقدرون يصلون عند الكعبة، فلما أسلم عمر ﵁ قاتل قريشاً حتى صلى عندها وصلى معه المسلمون، وقد قووا بإسلامه وإسلام حمزة ﵄، وجهروا بالقرآن ولم يكونوا قبل ذلك يقدرون أن يجهروا به ففشا الإسلام وكثر المسلمون.

стр. 237

١٠١ - * روى الحاكم عن عثمان بن الأرقم، أنه كان يقول: أنا ابن سبع الإسلام، أسلم أبي سابع سبعةٍ، وكانت داره على الصفا هي الدار التي كان النبي ﵌ يكون فيها في الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام فأسلم فيها قوم كثير، وقال رسول الله ﵌ ليلة الإثنين فيها: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام" فجاء عمر بن الخطاب من الغد بكرةً فأسلم في دار الأرقم وخرجوا منها وكبروا وطافوا بالبيت ظاهرين، ودُعيت دار الأرقم دار الإسلام. تشير هذه الرواية إلى تقدم اتخاذ دار الأرقم فإذا كان الأرقم سابع سبعة دخلوا الإسلام، وإذا شهدت دار الدعوة السرية الفردية فاتخاذ الدار إذن متقدم، وكونُ عمر بن الخطاب أسلم فيها فهذا يفيد أنها استمرت مركزاً للدعوة سنوات طويلة. يقول الدكتور مصطفى السباعي ﵀: إن على الداعية أن يجتمع بأنصاره على فترات في كل نهار أو أسبوع: ليزيدهم إيماناً بدعوتهم، وليعلمهم طرقها وأساليبها وآدابها، وإذا خشي على نفسه جماعته من الإجتماع بهم علناً وجب عليه أن يكون اجتماعه بهم سراً لئلا يجمع المبطلون أمرهم فيقضوا عليهم جميعاً، أو يزدادوا في تعذيبهم واضطهادهم. أهـ. ومن فكرة اتخاذ دار الأرقم نأخذ ضرورة وجود مراكز للدعوة على أن يتولى الدعوة فيها الدعاة الكبار. * * *

стр. 238

فصل: في هجرتي الحبشة اشتد البلاء على المسلمين فوجد بعهم حماية وبعضهم لم يجد، ووجد هناك تطلع لحرية العبادة فكانت فكرة الهجرة إلى الحبشة حيث كان يحكمها ملك عادل. كان عمر في تلك الأثناء مشركاً هو وحمزة، وقد دخلا في الإسلام في هذه المرحلة بعد ابتداء الهجرة إلى الحبشة وقبل حصار الشعب في السنة السابعة، وترتب على إسلامهما وضع جديد مما جعل قريشاً تفكر بوسائل جديدة، فاخترعت فكرة حصار الشعب، وهكذا تعددت أنواع الإيذاء، ورسول الله ﷺ ماض يبلغ الناس في المواسم وحيثما لقيهم، أفراداً وجماعات. والهجرة الأولى إلى الحبشة كانت في السنة الخامسة للبعثة وكان عدد الذين هاجروا فيها اثني عشر رجلاً وأربع نسوة، ورجع بعض هؤلاء على أثر سجود المشركين عند تلاوة سورة النجم، فوجدوا الأمر على أشده فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة، وتمت على دفعات، ومجموع من ذكرت أسماؤهم في الهجرة الثانية ثلاثة وثمانون رجلاً وثمان أو تسع عشرة امرأة. ١٠٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أمه ليلى قالت: كان عمرُ ابن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة، فأتى عمر بن الخطاب وأنا على بعيري وأنا أريد أن أتوجه، فقال: أين يا أم عبد الله؟ فقلت: آذيتمونا في ديننا فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذي. فقال: صحبكم الله ثم ذهب، فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يُسلم، والله لا يسلم حتى يُسلم حمارُ الخطاب. وهذا يد لعلى أن إسلام عمر تأخر إلى ما بعد البدء بالهجرة الأولى إلى الحبشة. ١٠٣ - * روى الطبراني عن عروة في تسمية الذين خرجوا إلى الحبشة المرة الأولى قبل

стр. 239

خروج جعفر وأصحابه: الزبير بن العوام، سهل بن بيضاء، عامر بن ربيعة، عبد الله بن مسعود، عبد الرحمن بن عوف، عثمان بن عفان، مع امرأته رقية بنت النبي ﷺ ، عثمان ابن مظعون، مصعب بن عمير، أبو حذيفة بن عتبة، مع امرأته سهلة بنت سهيل، وولدت بالحبشة محمد بن أبي حذيفة، أبو سبرة بن أبي رهم، مع امرأته أم كلثوم بنت سهيل، أبو سلمة بن عبد الأسد، مع امرأته أم سلمة. ١٠٤ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: سجد النبي ﷺ بالنجمِ، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. وراجت على أثر هذا السجود شائعة أن قرشاً ومن معها أسلم فرجع بعض الهاجرين فوجدوا الأمر على غير ما شاع فرجع بعضهم ودخل بعضهم مستخفياً أو بجوار. ١٠٥ - * روى الطبراني والبزار عن عمير بن إسحاق قال: قال جعفر: يا رسول الله ائذنُ لي أن أتي أرضاً يعبدُ الله فيها لا أخاف أحداً، قال: فأذن له فيها، فأتى النجاشي. قال عمير: حدثني عمرو بن العاص قال: لما رأيتُ جعفراً وأصحابه آمنين بأرض الحبشة حسدته قلت: لا تستقبلن لهذا وأصحابه فأتيتُ النجاشي فقلت: ائذن لعمرو بن العاص، فأذن لي، فدخلت فقلت: إن بأرضنا ابن عم لهذا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد وإنا والله إن لم تُرحنا منه وأصحابه لاقطعتُ إليك هذه النطفة ولا حد من أصحابي أبداً، فقال: وأين هو؟ قلت: إنه يجيء مع رسولك إنه لا يجيء معي، فأرسل معي رسولا فوجدناه قاعداً بين أصحابه، فدعاه فجاء، فلما أتيتُ الباب ناديتُ ائذن لعمرو بن العاص، ونادى خلفي ائذن لحزب الله فسمع صوته فأذن له قبلي، فدخل ودخلت، وإذا النجاشي على السرير قال: فذهبت حتى قعدت بين يديه وجعلته خلفي وجعلت بين كل رجلين من أصحابه رجلاً من أصحابي

стр. 240

فقال النجاشيُّ: نجروا. قال عمرو: يعني تكلموا. قلت: إن بأرضك رجلاً ابن عمه بأرضنا ويزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إنْ لم تقطعه وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أنا ولا أحد من أصحابي أبداً، قال جعفر: صدق ابن عمي وأنا على دينه، قال: فصاح صياحاً وقال: أوهِ، حتى قلت: ما لابن الحبشية لا يتكلم؟ وقال: أنامُوسٌ كناموس موسى؟. قال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ قال: أقول هو روح الله وكلمته. قال: فتناول شيئا صمن الأرض، فقال: ما أخطأ في أمره مثل هذا، فوالله لولا مُلكي لاتبعتكم وقال لي: ما كنت أبالي أن لا تأتيني أنت ولا أحد من أصحابك أبداً، أنت آمن بأرضي، من ضربك قتلته، ومن سبك غرمتهُ، وقال لآذنه: متى استأذنك هذا فائذن له إلا أن أكون عند أهلي فإن أبي إلا أن تأذن له فأذن له. قال: فتفرقنا ولم يكن أحد أحب إليّ أن ألقاهُ من جعفرٍ، قال: فاستقبلني من طريق مرة فنظرتُ خلفه فلم أر أحداً، فنظرتُ خلفي فلم أر أحداً فدنوت منه وقلت: أتعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: فقد هداك الله فأثبت، فتركني وذهب، فأتيتُ أصحابي فكأنما شهدوه معي، فأخذوا قطيفة أو ثوباً فجعلوه علي حتى غموني بها قال، وجعلتُ أخرج رأسي من هذه الناحية مرة ومن هذه الناحية رمة حتى أفلتُ وما علي قشرة، فمررتُ على حبشية فأخذت قناعها فجعلته على عورتي، فأتيتُ جعفراً فدخلت عليه فقال: مالك؟ فقلتُ: أخذ كل شيءٍ لي ما ترك علي قشرة فأتيتُ حبشية فأخذت قناعها فجعلته على عورتي، فانطلق وانطلقت معه حتى أتى إلى باب الملك، فقال جعفر لآذنه: استأذن لي، قال: إنه عند أهله فأذن له فقلت: إن عمراً تابعني على ديني، قال: كلا، قلت: بلى، فقال لإنسان: اذهبْ معه فإن فعل فلا تقل شيئاً إلا كتبته، قال: فجاء فقال: نعم، فجعلتُ أقول وجعل يكتبُ حتى كتبتُ كل شيء حتى القدح، قال: ولو شئت آخذ شيئاً من أموالهم إلى مالي فعلتُ. ١٠٦ - * (١) روى الطبراني عن ابن شهاب في تسمية من هاجر إلى أرض الحبشة فأقام بها

стр. 241

حتى قَدِم بعد بدرٍ: شرحبيل بن عبد الله بن حسنة وهي أمهُ. ١٠٧ - * روى الطبراني عن أبي موسى، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي، فبلغ ذلك قريشاً فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعا للنجاشي هدية، وقدِما على النجاشي فأتياه بالهدية فقبلها وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاص: إن ناساً من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك، فقال لهم النجاشي: في أرضي؟ قالوا: نعم، فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: ل يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلس وعمرو بن العاص عن يمينه وعُمارة عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين وقد قال له عمرو وعمارة إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: إنا لا نسجد إلا لله، قال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسولاً وهوا لرسول الذي بشر به عيسى ﵇ من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أنْ نعبد الله ولا نشرك به شيئاً وأمرنا أن نقيم الصلاة وأن نؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في ابن مريم، فقال النجاشي: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله هو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر ولم يفترضها ولد. فتناول النجاشي عوداً من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من المُلك لأتيته حتى أُقبل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعامٍ وكسوة، وقال: رُدوا على هذين هديتهما. وكان عمرو بن العاص رجلاً قصيراً وكان عُمارة رجلاً جميلاً وكانا أقبلا إلى النجاشي فشربوا يعني خمراً ومع عمرو بن العاص امرأته، فلما شربوا من الخمر قال عمارة لعمرو:

стр. 242

مر امرأتك فلتقبلني. فقال له عمرو: ألا تستحي؟ فأخذ عمارة عمراً فرمى به في البحر فجعل عمرو يناشد عمارة حتى أدخله السفينة، فحقد عمرو على ذلك، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عُمارة في أهلك. فدعا النجاشي عمارة. فنفخ في إحليله فطار مع الوحش. ١٠٨ - * روى أحمد عن أم سلمة ابنة أمية بن المغيرة زوج النبي ﷺ ، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جارٍ النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله، لا نؤذي ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قرشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يُهُدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دارٍ، وعند خير جارٍ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لتردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يُسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك قد صبا إلى بلدك منا غِلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدعٍ لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعماهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً وأعلمُ بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن

стр. 243

العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم على بهم عيناً وأعلمُ بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فيرداهم إلى بلادهم وقومهم. فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله أيم الله، إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قوماً جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على منْ سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذا في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قال: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض، ما تقولون للرجل إذا جئتموه، قالوا: تقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحدٍ من هذه الأمة؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية: نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحُسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وشهادة الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيءٍ؟ قالت: فقال لهُ

стр. 244

جعفر: نعَمْ، فقال له النجاشي: فاقرأه. فقرأ عليه صدراً من ﴿كهيعص﴾ قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضل لحيتهُ وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرجْ منْ مشكاةٍ واحدةٍ انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما بداً ولا أكادُ. قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنهم غداً أيبهم عندهم ثم استأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم ﵇ عبدٌ. قالت: ثم غدا عليه الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسألهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه. قلت: ولم ينزل بنا مثلها واجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: تقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قال: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: ما غدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال. فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سُيومٌ بأرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غَرِمَ، فما أحبُّ أن لي دبراً ذهباً وأني آذيت رجلاً منكم (والدبر بلسان الحبشة: الجعل)، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي مُلكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهُم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاء به وأقمنا عنده بخير دارٍ مع خير جارٍ فوالله إنا على ذلك إذ تنزل به من يُنازعه في مُلكه

стр. 245

قالت: فوالله ما علمنا حُزناً قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفاً أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرفه منه. وقالت: وسار النجاشي وبينهما عرضُ النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ من رجلٌ يخرج حتى يحضر القوم ثم يأتينا بالخبر. قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا. قلت: وكان من أحدث القوم سناً، قالت: فنفخوا له قرية فجعلوها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزلٍ حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة. * * * دروس من الهجرة إلى الحبشة: ١ - هناك ناس يعتبرون مجرد التفكير في أمن الدعوة ورجالها ونسائها علامة ضعف، ويعتبرون البحث عن الأمن والأمان جريمة، وهذا تفكير ناس قطع الله قلوبهم عن أن تستشعر حاجات الإنسان، نعم لا يصح أن يكون البحث عن الأمن والأمان على حساب الدعوة إلا في الحدود التي رخص فيها الإسلام، والرخصة في محلها طيبة، فهذا عمار بن ياسر قال كلمة الكفر تحت التعذيب، وهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ هاجروا إلى الحبشة بحثاً عن الأمن والأمان، والعبرة في النهاية لإذن القيادة الراشدة ولحسن تقديرها. ٢ - لقد هاجر أصحاب رسول الله ﷺ إلى قطرٍ كافر فيه عدالة وحرية يستطيعون من خلالها أن يأمنوا وأن يقيموا شعائر الإسلام، وهذا يفتح أمامنا آفاقاً واسعة في العمل والحركة، فهناك بلدان في العالم تسمح للمسلم بأن يقيم شعائره الدينية وتعامله كما تعامل أبناءها في الحقوق والواجبات، مثل هذه البلدان تصلح للتفكير فيها إذا ما اضطهد المسلم في بلده بل تصلح للإقامة فيها، ولا حرج إذا ما ضمن المسلم إمكانية تربية أسرته بل قال فقهاء الشافعية: لو أن مسلماً استطاع أن يظهر شعائر الإسلام في دار كفر، فالأولى له البقاء لأنه بذلك تصبح داره دار إسلام في أرض كفرن والمسألة تخضع في النهاية للموازنات بين المصالح

стр. 246

والأضرار كما تخضع للفتوى البصيرة من أهلها. ٣ - يلاحظ أن مهاجري الحبشة لم يكلفوا بأية مهام دعوية على أرض الحبشة، وهذا يفتح أمامنا باباً واسعاً في آداب المسلم إذا ما اضطرته ظروفه إلى هجرة، فإنه في هذه الحالة يسعه أن يلاحظ قوانين البلد الآخر وألا يتدخل في شؤونه الداخلية إلا بالقدر الذي يسمح به البلد الآخر، والأمر واسع فهو يدور بين رخصة وعزيمة وللقيادة الراشدة دور في تحديد العمل المطلوب من المهاجرين على أن لا يقع غدر أو نكث أو خيانة من قِبَلِنا، ولئن كان رسول الله ﷺ لم يكلف جعفراً وأصحابه بالدعوة فإن هناك روايات تفيد أن جعفراً قد دعا واستجيب له. ٤ - من قصة النجاشي ابتداء وانتهاء نصل إلى قضية على غاية من الأهمية في العمل الحركي، فالنجاشي أسلم في النهاية، وبقي على رأس نظام له قوانين غير إسلامية، وقبل الرسول ﷺ ذلك منه وصلى عليه لما مات، وهذا يفيد أن الحكم على نظام بالكفر لا يعني الحكم على كل فرد فيه بذلك، بل قد يوجد نظام كافر ويحكم للرأس المدبر لهذا النظام بالإسلام ظاهراً وباطناً، كما هو حال النجاشي. ٥ - نذكر بمناسبة الكلام عن الهجرية الأولى للحبشة الأولى للحبشة حادثة سجود المشركين عندما سمعوا سورة "النجم" ويذكر في سياق ذلك حادثة الغرانيق من أن الشيطان أسمع المشركين تمجيداً من رسول الله ﷺ لأصنامهم أثناء تلاوته ﵊، وتلك قصة باطلة لا أصل لها. ٦ - وفي حكم الهجرة قال الدكتور البوطي: أما الهجرة من دار الإسلام فحكمها بين الوجوب والجواز والحرمة: أما الوجوب فيكون عند عدم تمكن المسلم من القيام بالشعائر الإسلامية فيها كالصلاة والصيام والأذان والحج .. ، وأما الجواز فيكون عندما يصبه فيها بلاء يضيق به، فيجوز له أن يخرج منها إلى دار إسلامية أخرى، وأما الحرمة فتكون عندما تستلزم هجرته إهمال واجب من الواجبات الإسلامية لا يقوم به غيره. ٧ - وقال الدكتور البوطي تلعيقاً على حادثة الهجرة إلى الحبشة:

стр. 247

يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة إلى ذلك سواء كان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي - إذ كان نصرانياً عندئذ ولكنه أسلم بعد ذلك -، أو كان مشركاً كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة في حمايتهم عندما رجعوا من الحبشة، وكأبي طالب عم الرسول ﷺ وكالمطعم بن عدي الذي دخل الرسول ﷺ مكة في حمايته عندما رجع من الطائف. ٨ - قال الدكتور السباعي ﵀: إن على الداعية إذ وجد جماعته في خطر على حياتهم أو معتقداتهم من الفتنة، أن يهيئ لهم مكاناً يأمنون فيه من عدوان المبطلين، ولا ينافي ذلك ما يجب على دعاة الحق من تضحية، فإنهم إذا كانوا قلة استطاع المبطلون أن يقضوا عليهم قضاءاً مبرماً، فيتخلصوا من دعوتهم، وفي وجودهم في مكان آمن ضمان لاستمرار الدعوة وانتشارها. ٩ - وقال: إن في أمر الرسول أصحابه أولاً وثانياً بالهجرة إلى الحبشة، ما يدل على أن رابطة الدين بين المتدينين - ولو اختلفت دياناتهم - هي أقوى وأوثق من رابطتهم مع الوثنيين والملحدين. ١٠ - وقال: إن المبطلين لا يستسلمون أمام أهل الحق بسهولة ويسر، فهم كلما أخفقت لهم وسيلة من وسائل المقاومة والقضاء على دعوة الحق، ابتكروا وسائل أخرى، وهكذا حتى ينتصر الحق انتصاره النهائي ويلفظ الباطل أنفاسه الأخيرة. * * *

стр. 248

فصل: في إسلام عمر وحمزة ١٠٩ - * روى الطبراني عن محمد بن كعب القرظي قال: كان إسلام حمزة ﵁ حَمِيَّةَ وكان يخرج من الحرم فيصطادُ فإذا رجع مر بمجلس قريش، وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة فيمر بهم فيقول: رميت كذا وكذا وصنعت كذا وكذا ثم ينطلق إلى منزله، فأقبل من رميه ذات يوم فلقيته امرأة فقالت: يا أبا عُمارة ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل بن هشام؟ شتمه وتناوله وفعل وفعل، فقال: هل رآه أحد؟ قالت: أي والله لقد رآه ناس، فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم فاتكأ على قوسه وقال: رميتُ كذا وفعلت كذا وكذا، ثم جمع يديه بالقوس فضرب بها بين أذني أبي جهل فدق سيتها، ثم قال: خذها بالقوس وأخرى بالسيف، أشهد أنه رسول الله ﷺ وأنه جاء بالحق من عند الله، قالوا: يا أبا عمارة إنه سب آلهتنا، وإن كنت أنت وأنت أفضل منه ما أقررناك وذاك، وما كنت يا أبا عمارة فاحشاً. ١١٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر". قال: فأصبح، فغدا عمر على رسول الله ﷺ فأسلم. ١١١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب. المراد بالجهر هنا التحدي، وإلا فقد جهر قبله غيره. ١١٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزةً منذ أسلم عمر

стр. 249

١١٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: إن كان إسلامُ عمر لفتحاً، وهجرته لنصراً، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر. ١١٤ - * روى الحاكم عن عثمان بن عبد الله بن الأرقم عن جده الأرقم، وكان بدرياً، وكان رسول الله ﷺ أوى في داره عند الصفا حتى تكاملوا أربعين رجلاً مسلمين وكان آخرهم إسلاماً عمر بن الخطاب ﵃، فلما كانوا أربعين خرجوا إلى المشركين. قال الأرقم: فجئتُ رسول الله ﵌ لأودعه وأردتُ الخروج إلى بيت المقدس، فقال لي رسول الله ﵌: "أين تُريدُ؟ " قلت: بيت المقدس. قال: "وما يخرجك إليه أفي تجارةٍ؟ " قلت: لا ولكن أصلي فيه، فقال رسول الله ﵌: "صلاة ها هنا خيرٌ من ألف صلاةٍ". ذكر رقم الأربعين هنا يحتمل أنهم تكاملوا أربعين بعد هجرة من هاجر إلى الحبشة لأن الذين هاجروا إلى الحبشة الهجرة الثانية أكثر من ثمانين، أو نقول: إن الثمانين لم يهاجروا دفعة واحدة فالمسلمون تزايدوا بعد إسلام عمر وقسم منهم هاجر فزاد رقم المهاجرين على الثمانين وهذا الذي نرجحه، فيكون عمر هو الموفي على العدد الأربعين وهي حصيلة عمل خمس سنين من الدعوة، وفي هذا درس للمتعجلين. ١١٥ - * روى البخاري عن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: بينما هو في الدار خائفاً، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو عليه حُلةُ حبرٍ وقميصُ مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمتُ، قال: لا سبيل إليك - بعد أن قالها أمنتُ - فخرج العاص، فلقيَ

стр. 250

الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريدُ هذا ابن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه. فكر الناسُ. وفي رواية قال: لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره، وقالوا: صبأ عمر - وأنا غلامٌ فوق ظهر بيتي - فجاء رجلٌ عليه قباء من ديباجٍ، فقال: قد صبأ عمر، فما ذاك؟ فأنا له جاز، فرأيتُ الناس تصدعوا عنه، فقلت: من هذا؟ قالوا: العاص بن وائلٍ. ١١٦ - * روى الطبراني عن عمر أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لا أدعُ مجلساً جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإسلام، فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة فجعل يعلن الإسلام ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فثار المشركون فجعلوا يضربونه ويضربهم. فلما تكاثروا عليه خلصه رجل فقلت لعمر: من الرجل الذي خلصك من المشركين؟ قال: ذاك العاص بن وائل السهمي. * * * دروس من إسلام عمر وحمزة: إن معرفة الرجال وإدراك مزاياهم والاستفادة من كفاءاتهم شيء لا يلحق به أحد من الناس رسولنا ﵊ وفي قصة عمر نموذج، والقائد الذي لا يدرك مزية الرجال ويحسن الاستفادة من قوة القوي منهم قائد فاشل وضائع. ولقد عز الإسلام بعمر من حيث إنه حمل هذا الدين جهرة وتحدى به وصارع من أجله - دون قتال - ومن هنا نعرف أن مجرد إظهار الدعوة والوقوف بقوة معها واثبات على ذلك يعتبر نصراً للإسلام وأهله. وبإسلام حمزة وعمر وجد وضع جديد في مكة، وبخروج بعض الأصحاب إلى الحبشة
следующие страницы →