← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

فقال أبو هريرة: فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما. قال: فمن أين هي لك؟ قلت: خيل نتجت، وغلة رقيقٍ لي، وأعطية تتابعت. فنظروا، فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك، دعاه عمر ليوليه، فأبى. فقال: تكره العمل وقد طلب العمل من كان خيرًا منك: يوسف ﵇! فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثًا واثنتين. قال: فهلا قلت: خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي. ذكر الذهبي في السير (١) عن محمد بن زياد قال كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة؛ فإذا غضب عليه، بعث مروان، وعزله، قال: فلم يلبث أن نزع مروان، وبعث أبا هريرة، فقال لغلامٍ أسود: قف على الباب، فلا تمنع إلا مروان. ففعل الغلام، ودخل الناس، ومنع مروان. ثم جاء نوبة، فدخل، وقال: حجبنا عنك. فقال: إن أحق من لا أنكر هذا لأنت. ٢٠٨٥ - * روى مسلم عن ابن أبي رافع، قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة. فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة. وذكر الذهبي في السير (٢) عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حمارًا ببرذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير، فيلقى الرجل، فيقول:

стр. 1857

الطريق، قد جاء الأمير. وربما أتى الصبيان، وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، فلا يشعرون، حتى يلقي نفسه بينهم، ويضرب برجليه، فيفزع الصبيان، فيفرون. وربما دعاني إلى عشائه، فيقول: دع العراق للأمير. فأنظر، فإذا هو ثريدة بزيت. هذه بعض مداعبات أبي هريرة للناس وكان عنده مرح ودعابة ﵁. وذكر الذهبي في السير (١): ثعلبة بن أبي مالك القرطي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للأمير. ٢٠٨٦ - * روى الحاكم عن محمد بن قيس بن محرمة: أن رجلاً أتى زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال: عليك بأبي هريرة. فإني بينما أنا وهو وفلان في المسجد، خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن ندعو، ونذكر ربنا. فجلس إلينا، فسكتنا. فقال: "عودوا للذي كنتم فيه". فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة. فجعل رسول الله يؤمن. ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم، إني أسألك ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علمًا لا ينسى فقال النبي ﷺ : "آمين". فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علمًا لا ينسى! قال: "سبقكما الغلام الدوسي". ٢٠٨٧ - * روى أحمد والحاكم عن ابن عمر: أنه مر بأبي هريرة -وهو يحدث- أن رسول الله ﷺ قال: "من تبع جنازة، فله قيراط". فقال: انظر ما تحدث عن رسول الله! فقام أبو هريرة، فأخذه بيده إلى عائش، فقال لها: أنشدك بالله، هل سمعت رسول الله يقول: "من تبع جنازة ... " -الحديث- فقالت: اللهم نعم.

стр. 1858

فقال أبو هريرة: لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي، ولا صفق في الأسواق؛ وإنما كنت أطلب من رسول الله كلمة يعلمنيها: أو أكلة يطعمنيها. فقال ابن عمر: كنت ألزمنا لرسول الله، وأعلمنا بحديثه. ٢٠٨٨ - * روى الحاكم، عن عاصم بن محمد، عن أبيه: رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر قائمًا، ويقول: حدثنا القاسم ﷺ الصادق الصدوق. فلا يزال يحدث حتى يسمع فتح باب المقصورة لخروج الإمامة، فيجلس. ذكر الذهبي في السير (١) عن عمير بن هانئ العنسي: قال أبو هريرة: اللهم، لا تدركني سنة ستين. فتوفي فيها، أو قبلها بسنة. وقال محققه: وذكره الحافظ في "الفتح" في شرحه لحديث أبي هريرة المرفوع: "هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش". ونسبه لابن أبي شيبة بلفظ: إن أبا هريرة كان يمشي في السوق، ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان. وقال: وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك، فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها، وبقي إلى سنة ٦٤، فمات، ثم ولي ولده معاوية، ومات بعد أشهر. وأخرج ابن سعد (٢) عن شعبة، عن محمد بن زياد: رأيت على أبي هريرة كساء خزم. قال الذهبي: قال ابن حزم في كتاب: "الإحكام في أصول الأحكام": المتوسطون فيما روي عنهم من الفتاوى: عثمان، أبو هريرة، عبد الله بن عمرو بن العاص، أم سلمة، أنس، أبو سعيد، أبو موسى، عبد الله بن الزبير، سعد بن أبي وقاص، سلمان، جابر، معاذ، أبو بكر الصديق.

стр. 1859

فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئٍ منهم جزء صغير. ويضاف إليهم: الزبير: طلحة، عبد الرحمن، عمران بن حصين، أبو بكرة الثقفي، عبادة بن الصامت، معاوية. ثم باقي الصحابة مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد لا المسألة والمسألتان. ثم سرد ابن حزم عدة من الصحابة، منهم: أبو عبيدة، وأبو الدرداء، وأبو ذر، جرير، وحسان. ٢٠٨٩ - * روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: أتيت النبي ﷺ بتمراتٍ، فقلت: يا رسول الله ادع الله فيهن بالبركة فضمهن ثم دعا لي فيهن بالبركة، فقال: "خذهن واجعلهن في مزودك هذا أو في هذا المزود، كلما أردت أن تأخذ منه شيئًا فأدخل فيه يدك فخذه ولا تنثره نثرًا". فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسقٍ في سبيل الله، فكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوي حتى كان يوم قتل عثمان فإنه انقطع. ٢٠٩٠ - * روى الترمذي عن مالك بن أبي عامرٍ قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله فقال: يا أبا محمد أرأيت هذا اليماني، يعني أبا هريرة، هو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم، نسمع منه مالا نسمع منكم، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل. قال: أما أن يكون سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع فلا أشك إلا أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وذاك أنه كان مسكينًا لا شيء له ضيفًا لرسول الله ﷺ يده مع يد رسول الله صلى الله

стр. 1860

عليه وسلم وكنا نحن أهل بيوتاتٍ وغنى، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار. فلا نشك إلا أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لا نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل. ٢٠٩١ - * روى أحمد والحاكم عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جرئيًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره. ٢٠٩٢ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك قرت عيني وطابت نفسي وإذا لم أرك لم تطب نفسي أو كلمة نحوها. ٢٠٩٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: كنت ألزم النبي ﷺ لشبع بطي، حين لا آكل الخمر، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وألصق بطني بالحصباء؛ وأستقرئ الرجل الآية -وهي معي- كي ينقلب بي فيطعمني. وخير الناس للمساكين جعفر ابن أبي طالب، ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شيء، فنشتقها، فنعلق ما فيها. وفي رواية الترمذي (١) قال: إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ عن الآيات من القرآن، أنا أعلم بها منه، ما أسأله إلا ليطعمني شيئًا، وكنت إذا سألت جعفر

стр. 1861

ابن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعمينا شيئًا. فإذا أطعمتنا أجابني، وكان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله ﷺ يكنيه بأبي المساكين. ٢٠٩٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن رافع ﵁ قال: قلت لأبي هريرة: لم كنيت بأبي هريرة؟ قال: أما تفرق مني؟ قلت: بلى، والله إني لأهابك. قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار وسرحت الغنم ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة. * * *

стр. 1862

٣٠ - حاطب بن أبي بلتعة ﵁ قال ابن حجر في الإصابة: حاطب بن أبي بلتعة بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها مثناة ثم مهملة مفتوحات ابن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزي ... يقال إنه حالف الزبير، وقيل كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير ابن الحارث بن أسد فكاتبه فأدى مكاتبته. اتفقوا على شهوده بدرًا، وثبت ذلك في الصحيحين من حديث علي في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله ﵌ إليهم فنزلت فيه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم) الآية فقال عمر: دعني أضرب عنقه. فقال: إنه شهد بدرًا. واعتذر حاطب بأنه لم يكن له في مكة عشيرة تدفع عن أهله فقبل عذره. وروى قصته ابن مردويه من حديث ابن عباس فذكر معنى حديث علي وفيه: فقال: "يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت؟ " فقال: يا رسول الله كان أهلي فيهم فكتبت كتابًا لا يضر الله ولا رسول. وروى ابن شاهين والباوردي والطبراني وسمويه من طريق الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة قال: وحاطب رجل من أهل اليمن، وكان حليفًا للزبير، وكان من أصحاب رسول الله ﵌، وقد شهد بدرًا، وكان بنوه وإخوته بمكة فكتب حاطب من المدينة إلى كبار قريش ينصح لهم فيه، فذكر الحديث نحو حديث علي، وفي آخره: فقال حاطب: والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت ولكنني كنت أمرأ غريبا ولي بمكة بنون وإخوة الحديث، وزاد في آخره: فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١) الآيات. ورواه ابن مردويه من حديث أنس وفيه نزول الآية. ورواه ابن شاهين من حديث ابن عمر بإسناد قوي. وروى مسلم وغيره من طريق أبي الزبير عن جابر أن عبدًا لحاطب ابن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال: "لا فإنه شهد بدرًا والحديبية".

стр. 1863

وروى ابن السكن من طريق محمد بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن حاطب: سممعت رسول الله ﷺ يقول: "يزوج المؤمن في الجنة ثنتين وسبعين زوجة سبعين من نساء الجنة وثنتين من نساء الدنيا" وأغرب أبو عمر فقال: لا أسلم له غير حديث واحد: "من رآني بعد موتي". الحديث، قلت: وقد ظفرت بغيره كما ترى ثم وجدت له ثلاثة أحاديث غيرها. وروى مالك في الموطأ له قصة مع رفيقه في عهد عمر وقال المرزباني في معجم الشعراء: كان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها. وقال ابن أبي خيثمة: قال المدائني: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة. وكذا رواه الطبراني عن يحيى ابن بكير. ا. هـ. قال الذهبي في ترجمته: من مشاهير المهاجرين؛ شهد بدرًا والمشاهد. وكان رسول النبي ﷺ إلى المقوقس، صاحب مصر. وكان تاجرًا في الطعام، له عبيد. وكان من الرماة الموصوفين. ذكره الحاكم في "مستدركه" فقال: كان حسن الجسم، خفيف اللحية، أجنى (١)، إلى القصر ما هو، شثن الأصابع (٢). اهـ. ٢٠٩٥ - * روى مسلم عن جابر: أن عبدًا لحاطب شكا حاطبًا فقال: يا نبي الله، ليدخلن النار. قال: "كذبت، لا يدخلها فإنه قد شهد بدرًا والحديبية". ٢٠٩٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبيد الله بن أبي رافع -وهو كاتب علي- قال:

стр. 1864

سمعت عليًا ﵁ وهو يقول: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد. فقال: "ائتوا روضة خاجٍ. فإن بها ظعينة معها كتاب. فخذوه منها". فانطلقنا تعادى بنا خيلنا. فإذا نحن بالمرأة. فقلنا: اخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ . فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين، من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ "يا حاطب! ما هذا؟ " قال: لا تعجل علي يا رسول الله! إني كنت امرأ ملصقًا في قريش قال سفيان: (كان حليفًا لهم. ولم يكن من أنفسها) وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت، إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي. ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني. ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي ﷺ : "صدق". فقال عمر: دعني. يا رسول الله! أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه قد شهد بدرًا. وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم. فقد غفرت لكم". فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١). وقال الذهبي: وقد أتى بعض مواليه إلى عمر بن الخطاب يشكون منه من أجل النفقة عليهم، فلامه في ذلك. وعبد الرحمن ولده، ممن ولد في حياة النبي ﷺ ، وله رؤية. يروي عنه ولده الفقيه يحيى، وعروة بن الزبير، وغيرهما. توفي سنة ثمان وستين. ومات حاطب سنة ثلاثين. ا. هـ.

стр. 1865

٣١ - جليبيب ﵁ قال ابن حجر: جليبيب غير منسوب .. وهو تصغير جلباب .. روى مسلم من حديث حماد عن ثابت عن كنانة بن نعيم عن أبي برزة الأسلمي أن النبي ﵌ كان في مغزى له فأفاء الله فقال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نفقد فلانًا وفلانًا قال: ولكني أفقد جليبيبًا فذكر الحديث. وأخرجه النسائي. وله ذكر في حديث أنس في تزويجه بالأنصارية وفيه قوله ﵌: "لكنك عند الله لست بكاسد". وهو عند البرقاني في مستخرجه في حديث أبي برزة أيضًا، وقد أخرجه أحمد مطولاً، وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق. وحكى ابن عبد البر في ترجمته أنه نزل في قصته (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) الآية. ولم أر ذلك في شيء من طرقه الموصولة من حديث أنس ومن حديث أبي برزة. ا. هـ. ٢٠٩٧ - * روى أحمد والبزار عن أنس قال: كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له جليبيب في وجهه دمامة فعرض عليه رسول الله ﷺ التزويج، قال: إذن تجدني كاسدًا. فقال: "غير أنك عند الله لست بكاسد". ٢٠٩٨ - * روى مسلم عن أبي برزة: أن النبي ﷺ كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: "هل تفقدون من أحدٍ؟ " قالوا: نعم. فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثم قال: "هل تفقدون من أحدٍ؟ " قالوا: نعم. فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثم قال: "هل تفقدون من أحدٍ؟ " قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبا. فاطلبوه". فطلب في القتلى. فوجدوه إلى جنب سبعةٍ قد قتلهم، ثن قتلوه. فأتى النبي ﷺ فوقف عليه فقال: "قتل سبعة. هذا مني وأنا منه. هذا مني وأنا منه". قال: فوضعه على ساعديه. ليس له إلا ساعدا النبي ﷺ . قال: فحفر له ووضع في قبره. ولم يذكر غسلاً.

стр. 1866

٢٠٩٩ - * روى أحمد عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبًا كان امرأ يدخل على النساء يمر بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا تدخلن عليكم جليبيبًا إن دخل عليكم لأفعلن ولأفعلن. قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا. فقال النبي ﷺ لرجل من الأنصار: "زوجني ابنتك". قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين. قال: "إني لست أريدها لنفسي". قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: "لجليبيب". قال: أشاور أمها. فقال: إن رسول الله ﷺ يخطب ابنتك. قالت: نعم ونعمة عين. قال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لجليبيب. قالت: لجليبيب انيه لجليبيب انيه لا لعمر الله لا نزوجه. فلما أن أراد ليقوم ليأتي النبي ﷺ ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره ادفعوني إليه فإنه لن يضيعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ له. قال: فلما أفاء الله عليه قال: "هل تفقدون من أحد؟ ". قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبًا". قال: "فاطلبوه". فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فأتاه النبي ﷺ فقال: "قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه". مرتين أو ثلاثًا، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه وحفر له ما له سرير إلا ساعد النبي ﷺ ثم وضعه في قبره لم يذكر أنه غسله. قال ثابت: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ ، قال: "اللهم صب عليها الخير صبًا ولا تجعل عيشها كدًا كدًا". قال: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها.

стр. 1867

٣٢ - حارثة بن سراقة ﵁ قال ابن حجر: حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجاري، وأمه الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك .. استشهد يوم بدر. وروى أحمد والطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس والبخاري والنسائي من غير وجه عن حميد عن أنس والترمذي من طريق سعيد عن قتادة عن أنس فاتفقوا على أنه قتل يوم بدر. وهكذا ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأبو الأسود فيمن شهد بدرًا وقتل بها من المسلمين ولم يختلف أهل المغازي في ذلك، واعتمد ابن منده على ما وقع في رواية لحماد بن سلمة فقال: استشهد يوم أحد، وأنكر ذلك أبو نعيم فبالغ كعادته، ووقع في رواية للطبراني من طريق حماد، والبغوي من طريق حميد أنه قتل يوم أحد فالله أعلم والمعتمد الأول. ا. هـ. ٢١٠٠ - * روى البخاري عن أنس أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت يا نبي الله: ألا تحدثني عن حارثة؟ -وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: "يا أم حارثة: إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى". * * *

стр. 1868

٣٣ - قيس بن سعد بن عبادة ﵄ قال ابن كثير في ترجمته: قيس بن سعد بن عبادة الخرزجي صحابي جليل كأبيه، وله في الصحيحين حديث، وهو القيام للجنازة، وله في المسند حديث في صوم عاشوراء، وحديث غسل رسول الله ﷺ في دارهم وغير ذلك، وخدم رسول الله ﷺ عشر سنين، وحمل لواء رسول الله ﷺ في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، ولما بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، فأصابهم ذلك الجهد الكثير فنحر لهم قيس بن سعد تسع جزائر، حتى وجدوا تلك الدابة على سيف البحر فأكلوا منها، وأقاموا عليها شهرًا حتى سمنوا، وكان قيس سيدًا مطاعًا كريمًا ممدحًا شجاعًا، ولاه على نيابة مصر، وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص، ولم يزل معاوية يعمل عليه حتى عزله علي عن مصر وولى عليها محمد بن أبي بكر الصديق، فاستخفه معاوية، ولم يزل حتى أخذ منه مصر. وقال موسى بن عقبة: قالت عجوز لقيس: أشكو إليك قلة فأر بيتي، فقال قيس: ما أحسن هذه الكناية!! املأوا بيتها خبزًا ولحمًا وسمنًا وتمرًا. وقال غيره: كانت له صحفة يدار بها حيث دار، وكان ينادي له مناد: هلموا إلى اللحم والثريد وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله، وقال عروة بن الزبير: باع قيس ابن سعد من معاوية أرضًا بتسعين ألفًا، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأت، فأقرض منها خمسين ألفًا وأطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده، فقال لزوجته -قريبة بنت أبي عتيق أخت أبي بكر الصديق- إني أرى قلة من عادني في مرضي هذا، وإني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم، وقيل: إنه أمر مناديه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد، وكان يقول: اللهم ارزقني مالاً وفعالاً، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال. وقال سفيان الثوري: اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفًا فلما جاء ليوفيه إياها قال له قيس: إنا قوم ما أعطينا أحدًا شيئًا فنرجع فيه. وقال الهيثم بن عدي: اختلف ثلاثة

стр. 1869

عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم، فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر، وقال الآخر: قيس ابن سعد، وقال الآخر: عرابة الأوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة، فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان. فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز [ركاب الخيل] ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يا ابن عمر رسول الله ابن سبيل ومنطقع به، قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة ولا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف علي، فرجع لى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف من خز وغير ذلك، وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب. ومضى صاحب قيس بن سعد إليه فوجده نائمًا، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه؟ قال: ابن سبيل ومنطقع به، قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة وعبدًا، واذهب راشدًا. فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرًأ على صنيعها ذلك، وقال: هلا أيقظتني حتى أعطيه ما يكفيه أبدًا، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. وذهب صاحب عرابة الأوسى إليه فوجده وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له -وكان قد كف بصره- فقال له: يا عرابة، فقال: قل، فقال: ابن سبيل ومنقطع به، قال: فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه، باليمنى على اليسرى، ثم قال: أوه أوه، والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئًا، ولكن خذ هذين العبدين، قال: ما كنت لأفعل، فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ. وأقبل يلتمس الحائط بيده، قال: فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه، قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، وأن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجلها، وأن قيسًا أحد الأجواد حكم مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرًا لها على ما فعلت، وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي، لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك جهد من مقل. وقال سفيان الثوري عن عمرو عن أبي صالح قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده وخرج إلى الشام فمات بها، فولد له ولد بعد وفاته، فجاء أبو بكر وعمر إلى

стр. 1870

قيس بن سعد فقالا: إن أباك قسم ماله ولم يعلم مجال هذا الولد إذ كان حملاً، فاقسموا له معكم، فقال قيس: إني لا أغير ما فعله سعد ولكن نصيبي له ... وقال ابن أبي خيثمة: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعًا أصبعه المسبحة -يعني يدعو- وقد تقدم أن محمد بن أبي حذيفة كان قد تغلب على مصر وأخرج منها عبد الله بن أبي سرح، نائب عثمان بعد عمرو بن العاص، فأقره عليها علي مدة يسيرة ثم عزله بقيس بن سعد، فلما دخلها سار فيها سيرة حسنة وضبطها، وذلك سنة ست وثلاثين، فثقل أمره على معاوية وعمرو بن العاص، فكاتباه ليكون معها على علي فامتنع وأظهر للناس مناصحته لهما، وفي الباطن هو مع علي، فبلغ ذلك عليًا فعزله وبعث إلى مصر الأشتر النخعي فمات الأشتر في الرملة قبل أن يصل إليها، فبعث علي محمد بن أبي بكر فخف أمره على معاوية وعمرو، فلم يزالا حتى أخذا منه الديار المصرية، وقتل محمد بن أبي بكر هذا وأحرق في جيفة حمار. ثم سار قيس إلى المدينة، ثم سار إلى علي بن أبي طالب إلى العراق، فكان معه في حروبه حتى قتل علي، ثم كان مع الحسن بن علي حين سار إلى معاوية ليقاتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن بن علي حين سار إلى معاوية ليقتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن معاوية ساء قيسًا ذلك وما أحبه، وامتنع من طاعة معاوية، ثم ارتحل إلى المدينة، ثم قدم على معاوية في وفد من الأنصار فبايع معاوية بعد معاتبة شديدة وقعت بينهما، وكلام فيه غلظة، ثم أكرمه معاوية وقدمه وحظي عنده، فبينما هو مع الوفود عند معاوية إذ قدم كتاب ملك الروم على معاوية وفيه: أن ابعث إلي بسراويل أطول رجل في العرب، فقال معاوية: ما أرانا إلا قد احتجنا إلى سراويلك؟ -وكان قيس مديد القامة جدًا لا يصل أطول الرجال إلى صدره- فقام قيس فتنحى ثم خلع سراويله فألقاها إلى معاوية فقال له معاوية: لو ذهبت إلى منزلك ثم أرسلت بها إلينا، فأنشأ يقول عن ذلك: أردت بها كي يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادٍ ثمة وثمود وإني من الحي اليماني لسيد ... وما الناس إلا سيد ومسود فكدهم بمثلي إن مثلي عليهم ... شديد وخلقي في الرجال مديد

стр. 1871

وفضلني في الناس أصل ووالد ... وباع به أعلو الرجال مديد قال: فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه فوقعت بالأرض، وفي رواية أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا، فإن كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا، ومن التحف كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين. فلما حضرا عند معاوية قال: من لهذا القوي؟ فقالوا: ماله إلا أحد رجلين، إما محمد بن الحنفية، أو عبد الله بن الزبير، فجيء بمحمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب، فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أتعلم فيم أرسلت إليك؟ قال: لا! فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه، فقال للرومي: إما أن تجلس لي أو أجلس إليك وتناولني يدك أو أناولك يدي، فأينا قدر أن يقيم الآخر من مكانه غلبه، وإلا فقد غلب. فقال له: ماذا تريد؟ تجلس أو أجلس؟ فقال له الرومي: بل اجلس أنت، فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك، ولا وجد إليه سبيلاً، فغلب الرومي: عند ذلك، وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي: اجلس لي، فجلس وأعطى محمداً يده فما أمهله أن أقامه سريعاً، ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض فسر بذلك معاوية سروراً عظيماً، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فلبسها فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط بالأرض، فاعترف الرومي بالغلب، وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية، وعاتب الأنصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس فقال ذلك الشعر المتقدم معتذراً به إليهم، وليكون ذلك ألزم للحجة التي تقوم على الروم، وأقطع لما حاولوه. ورواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان قيس بن سعد رجلاً ضخماً جسيماً صغير الرأس له لحية في ذقنه، وكان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه بالأرض، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغير واحد: توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية. وذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، فتبعناه في ذلك. اهـ.

стр. 1872

وقال ابن حجر في الإصابة: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي مختلف في كنيته فقيل أبو الفضل وأبو عبد الله وأبو عبد الملك، وذكر ابن حبان أن كنيته أبو القاسم وأمه بنت عم أبيه واسمها فكيهة بنت عبيد بن دليم وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: كان قيس ضخماً حسناً طويلاً إذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض وقال الواقدي: كان سخياً كريماً داهية. وأخرج البغوي من طريق ابن شهاب قال: كان قيس حامل راية الأنصار مع رسول الله ﵌ وكان من ذوي الرأي من الناس. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر واختط بها داراً ثم كان أميرها لعلي، وذكر الزبير أنه كان سناطاً ليس في وجهة شعرة فقال: إن الأنصار كانوا يقولون وددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا قال أبو عمر: وكذلك كان شريح وعبد الله بن الزبير لم يكن في وجوههم شعرة. وأخرج البخاري في التاريخ من طريق مريم بن أسعد قال: رأيت قيس بن سعد وقد خدم النبي ﵌ عشر سنين. وقال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والسخاء والشجاعة، وكان شريف قومه غير مدافع وكان أبوه وجده كذلك. وفي الصحيح عن جابر في قصة جيش العسرة أنه كان في ذلك الجيش، وأنه كان ينحر ويطعم حتى استدان بسبب ذلك، ونهاه أمير الجيش وهو أبو عبيدة وفي بعض طرقه أن النبي ﵌ قال: الجود من شيمة أهل ذلك البيت، رويناه في الغيلانيات وأخرجه ابن وهب من طريق بكر بن سوادة عن أبي حمزة ابن جابر، وشهد مع رسول الله ﵌ المشاهد وأخذ النبي ﵌ يوم الفتح الراية من أبيه فدفعها له. روى قيس بن سعد عن النبي ﵌ وعن أبيه روى عنه أنس وثعلبة ابن أبي مالك وأبو ميسرة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعروة وآخرون، وصحب قيس علياً وشهد معه مشاهده وكان قد أمره على مصر فاحتال عليه معاوية فلم ينخدع له فاحتال على أصحاب علي حتى حسنوا له تولية محمد بن أبي بكر فولاه مصر، وارتحل قيس فشهد مع علي صفين ثم كان مع الحسن بن علي حتى صالح معاوية فرجع قيس إلى المدينة فأقام بها. قال خليفة وغيره: مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة. قال ابن حبان: كان هرب

стр. 1873

من معاوية ومات سنة خمس وثمانين في خلافة عبد الملك، قال وقيل مات في آخر خلافة معاوية: قلت: وقول خليفة ومن وافقه هو الصواب. اهـ. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، الأمير المجاهد، أبو عبد الله سيد الخزرج وابن سيدهم أبي ثابت، الأنصاري الخزرجي الساعدي، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه. وفد على معاوية، فاحترمه، وأعطاه مالاً. قال أحمد بن البرقي: كان صاحب لواء النبي في بعض مغازيه. وكان بمصر والياً عليها لعلي. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، واختط بها داراً، ووليها لعلي سنة ست [وثلاثين]، وعزله عنها سنة سبع [وثلاثين]. الزهري: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك: أن قيس بن سعد -وكان صاحب لواء النبي ﷺ -أراد الحج، فرجل أحد شقي رأسه، فقام غلام له، فقلد هدية، فأهل وما رجل شقه رجل. أقول: لم يرجل لأنه دخل في الإحرام، وقد خشي أن يتساقط شيء من شعر رأسه بسبب ترجيله. وذكر عاصم بن عمر: أن النبي ﷺ استعمل قيس بن سعد على الصدقة. قال مسعر: عن معبد بن خالد، قال: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعاً أصبعه المسبحة، يعني: يدعو. وجود قيس يضرب به المثل، وكذلك دهاؤه. روى الجراح بن مليح البهراني، عن أبي رافع، عن قيس بن سعد، قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المكر والخديعة في النار" لكنت من أمكر هذه الأمة (١).

стр. 1874

ابن عيينة: حدثني عمرو، قال: قال قيس: لولا الإسلام، لمكرت مكراً لا تطيقه العرب. وعن الزهري: كانوا يعدون قيساً من دهاة العرب، وكان من ذوي الرأي، وقالوا: دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة: معاوية، وعمرو، وقيس، والمغيرة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي (١). وكان قيس وابن بديل مع علي، وكان عمرو بن العاص مع معاوية، وكان المغيرة معتزلاً بالطائف حتى حكم الحكمان. عوف عن محمد، قال: كان محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة من أشدهم على عثمان، فأمر علي قيس بن سعد على مصر، وكان حازماً. فنبئت أنه كان يقول لولا أن المكر فجور، لمكرت مكراً تضطرب منه أهل الشام بينهم، فكتب معاوية وعمرو إليه يدعوانه إلى مبايعتهما، فكتب إليهما كتاباً فيه غلظ، فكتبا إليه بكتاب فيه عنف، فكتب إليهما بكتاب فيه لين، فلما قرآه، علما أنهما لا يدان لهما بمكره، فأذاعا بالشام أنه قد تابعنا، فبلغ ذلك علياً، فقال له أصحابه: أدرك مصر فإن قيساً قد بايع معاوية، فبعث محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة إلى مصر، وأمر ابن أبي بكر، فلما قدما على قيس بنزعه، علم أن علياً قد خدع فقال لمحمد: يا أخي احذر -يعني أهل مصر - فإنهم سيسلمونكما، فتقتلان. فكان كما قال. وعن الزهري، قال: قدم قيس المدينة فتوامر (٢) فيه الأسود بن أبي البختري، ومروان أن يبيتاه (٣)، وبلغ ذلك قيساً، فقال: والله إن هذا لقبيح أن أفارق علياً وإن عزلني، والله لألحقن به. فلحق به، وحدثه بما كان يعتمد بمصر. فعرف علي أن قيساً كان يداري

стр. 1875

أمراً عظيماً بالمكيدة، فأطاع علي قيساً في الأمر كله، وجعله على مقدمة جيشه، فبعث معاوية يؤنب مروان والأسود، وقال: أمددتما علياً بقيس؟ والله لو أمددتماه بمائة ألف مقاتل، ما كان بأغيظ علي من إخراجكما قيساً إليه. هشام بن عروة: عن أبيه، كان قيس مع علي في مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم بعد ما مات علي، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل، وقال لأصحابه: إن شئتم جالدت بكم أبداً حتى يموت الأعجل، وإن شئتم أخذت لكم أماناً. فقالوا: خذ لنا، فأخذ لهم، ولم يأخذ لنفسه خاصة. فلما ارتحل نحو المدينة ومعه أصحابه، جعل ينحر لهم كل يوم جزوراً حتى بلغ صراراً (١). عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، قال: دخل قيس بن سعد في رهط من الأنصار على معاوية فقال: يا معشر الأنصار! بما تطلبون ما قبلي؟ فوالله لقد كنتم قليلاً معي، كثيراً علي، وأفللتم حدي يوم صفين، حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم، وهجوتموني حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله، قلت: ارع فينا وصية رسول الله ﷺ ، هيهات يأبى الحقين العذرة (٢)، فقال قيس: نطلب ما قلبك بالإسلام الكافي به الله ما سواه، لا بما تمت به إليك الأحزاب، فأما عداوتنا لك، فلو شئت، كففتها عنك، وأما الهجاء فقول يزول باطله، ويثبت حقه، وأما استقامة الأمر عليك فعلى كره منا، وأما فلنا حدك، فإنا كنا مع رجل نرى طاعته [طاعة] الله، وأما وصية رسول الله ﷺ بنا فمن آمن به رعاها. وأما قولك: يأبى الحقين العذرة، فليس دون الله يد تحجزك، فشأنك فقال معاوية: سوءة (٣). ارفعوا حوائجكم. اهـ. الذهبي.

стр. 1876

٢١٠١ - * روى البخاري والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان قيس ابن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير قال الأنصاري. يعني مما يلي من أموره. * * *

стр. 1877

٣٤ - خالد بن الوليد ﵁ قال ابن حجر في الإصابة: خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي .. سيف الله أبو سليمان، أمه لبابة الصغرى بنت الحارث بن حرب الهلالية وهي أخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب وهما أختا ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵌، وكان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكان إليه أعنة الخيل في الجاهلية، وشهد مع كفار قريش الحروب إلى عمرة الحديبية. كما ثبت في الصحيح أنه كان على خيل قريش طليعة ثم أسلم في سنة سبع بعد خيبر وقيل قبلها ووهم من زعم أنه أسلم سنة خمس. قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس عن حبيب حدثني عمرو بن العاص من فيه قال: خرجت عامداً لرسول الله ﵌ فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: أذهب والله أسلم فحتى متى قلت وما جئت إلا لأسلم فقدمنا جميعاً فتقدم خالد فأسلم وبايع ثم دنوت فبايعته ثم انصرفت، ثم شهد غزوة مؤتة مع زيد بن حارثة فلما استشهد الأمير الثالث أخذ الراية فانحاز بالناس وخطب النبي ﵌ فأعلم الناس بذلك كما ثبت في الصحيح وشهد مع رسول الله ﵌ فتح مكة فأبلى فيها وجرى مع له بني جذيمة ما جرى، ثم شهد حنيناً والطائف وهدم العزى، وله رواية عن النبي ﵌ في الصحيحين وغيرهما. روى عنه ابن عباس وجابر والمقدام بن معدي كرب وقيس بن أبي حازم وعلقمة بن قيس وآخرون وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: نزلنا مع رسول الله ﵌ منزلاً فجعل الناس يمرون فيقول رسول الله ﵌: "من هذا" فأقول فلان، حتى مر خالد فقال: "من هذا" قلت خالد بن الوليد فقال: "نعم عبد الله، هذا سيف من سيوف الله"، رجاله ثقات. وأرسله النبي ﵌ إلى أكيدر دومة فأسره، وعن أنس وعن عمرو بن أبي سلمة أن النبي ﵌ بعث خالداً إلى أكيدر دومة فأخذوه فأتوا به فحقن له دمه وصالحه على الجزية، وأرسله أبو بكر إلى قتال أهل الردة فأبلى في قتالهم بلاء عظيماً، ثم ولاه حرب فارس والروم فأثر فيهم تأثيراً شديداً،

стр. 1878

وافتتح دمشق. وروى يعقوب بن سفيان من طريق أبي الأسود عن عروة قال: لما فرغ خالد من اليمامة أمره أو بكر بالمسير إلى الشام فسلك عين النمر فسبى ابنة الجودي من دومة الجندل ومضى إلى الشام فهزم عدو الله واستخلفه أبو بكر على الشام إلى أن عزله عمر. وقال ابن أبي الدنيا عن قتادة قال: بعث النبي ﵌ خالد بن الوليد إلى العزى فهدمها وقال أبو زرعة الدمشقي حدثني علي بن عباس حدثنا الوليد حدثني وحشي عن أبيه عن جده أن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار" وقال أحمد عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد فقال خالد: بعث عليكم أمين هذه الأمة سمعت رسول الله ﷺ يقوله، فقال أبو عبيدة سمعت رسول الله ﷺ يقول: خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة، وروى أبو يعلى من طريق الشعبي عن ابن أبي أوفي رفعه لا تؤذوا خالداً فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار. عن أبي هريرة في قصة الصدقة فقال النبي ﷺ : "إن خالداً احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله" وفي البخاري عن قيس بن أبي حازم عن خالد ابن الوليد قال: لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما صبرت معي إلا صفيحة يمانية. وقال يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر: لما قدم خالد بن الوليد الحيرة أتى بسم فوضعه في راحته ثم سعى وشربه فلم يضره، رواه أبو يعلى ورواه ابن سعد من وجهين آخرين وروى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن خيثمة قال: أتى خالد بن الوليد رجل معه زق خمر فقال: اللهم اجعله عسلاً فصار عسلاً. وفي روايه له من هذا الوجه: مر رجل بخالد ومعه زق خمر فقال: ما هذا؟ قال: خل. قال: جعله الله خلاً فنظر فإذا هو خل وقد كان خمراً. وقال ابن سعد عن زياد مولى آل خالد قال: قال خالد عند موته ما كان في الأرض من ليلة أحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو فعليكم بالجهاد وروى أبو يعلى من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: قال خالد: ما ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب أو أبشر فيها بغلام أحب إلي من ليلة شديدة

стр. 1879

الجليد، فذكر نحوه ومن هذا الوجه عن خالد: لقد شغلني الجهاد عن تعلم كثير من القرآن وكان سبب عزل عمر خالداً ما ذكره الزبير بن بكار قال: كان خالد إذا صار إليه المال قسمه في أهل الغنائم ولم يرفع إلى أبي بكر حساباً وكان فيه تقدم على أبي بكر يفعل أشياء لا يراها أبو بكر وأقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته فكره ذلك أبو بكر وعرض الدية على متمم بن نويرة وأمر خالداً بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله، وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد وكان أميراً عند أبي بكر بعثه إلى طليحة فهزم طليحة ومن معه ثم مضى إلى مسيلمة فقتل الله مسيلمة. قال الزبير: وحدثني محمد بن مسلم عن مسلم بن أنس قال: قال عمر لأبي بكر اكتب إلى خالد لا يعطي شيئاً إلا بأمرك فكتب إليه بذلك فأجابه خالد: إما أن تدعيني وعملي والإ فشأنك بعملك، فأشار عليه عمر بعزله فقال أبو بكر: فمن يجزئ عني إجزاء خالد، قال عمر: أنا. قال: فأنت، فتجهز عمر حتى أنييخ الظهر في الدار فمشى أصحاب النبي ﵌ إلى أبي بكر فقالوا: ما شأن عمر يخرج أنت محتاج إليه وما بالك عزلت خالداً وقد كفاك؟ قال: فما أصنع؟ قالوا: تعزم على عمر فيقيم وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله، ففعل، فلما قبل عمر [أي الخلافة] كتب إلى خالد أن لا تعطي شاة ولا بعيراً إلا بأمري، فكتب إليه خالد بمثل ما كتب إلى أبي بكر فقال عمر: ما صدقت الله إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه فعزله، ثم كان يدعوه إلى أن يعمل فيأبى إلا أن يخليه يفعل ما شاء، فيأبى عمر. قال مالك: وكان عمر يشبه خالداً قال الزبير: ولما حضرت خالداً الوفاة أوصى عمر فتولى عمر وصيته وسمع راجزاً يذكر خالداً فقال: رحم الله خالداً فقال له طليحة ابن عبيد الله: لا أعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي فقال عمر: إني ما عتبت على خالد إلا في تقدمه (١) وما كان يصنع في المال. مات خالد بن الوليد بمدينة حمص سنة إحدى وعشرين وقيل توفي بالمدينة النبوية. اهـ ابن حجر.

стр. 1880

وقال ابن كثير في البداية والنهاية: خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي أبو سليمان المخزومي، سيف الله، أحد الشجعان المشهورين، لم يقهر في جاهلية ولا إسلام. وأمه عصماء بنت الحارث، أخت لبابة بنت الحارث، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين. قال الواقدي: أسلم أول يوم من صفر سنة ثمان، وشهد مؤتة وانتهت إليه الإمارة يومئذ عن غير إمرة، فقاتل يومئذ قتالاً شديداً لم ير مثله، اندقت في يده تسعة أسياف، ولم تثبت في يده إلا صفيحة يمانية. وقد روي أن خالداً سقطت قلنسوته يوم اليرموك وهو في الحرب فجعل يستحث في طلبها فعوتب في ذلك، فقال: إن فيها شيئاً من شعر ناصية رسول الله ﷺ وإنها ما كانت معي في موقف إلا نصرت بها. وقد روينا في مسند أحمد (١) عن أبي بكر الصديق أنه لما أمر خالداً على حرب أهل الردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فنعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين". وفي الصحيح: (٢) "وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً وقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله" وشهد الفتح وشهد حنيناً وغزا بني جذيمة أميراً في حياته ﵇، واختلف في شهوده خيبر وقد دخل مكة أميراً على طائفة من الجيش وقتل خلقاً كثيراً من قريش. وبعثه رسول الله ﷺ إلى العزى -وكانت لهوازن -فكسر قمتها أولاً ثم دعثرها وجعل يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك. ثم حرقها وقد استعمله الصديق بعد رسول الله ﷺ على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فشفى واشتفى، ثم وجهه إلى العراق ثم أتى الشام فكانت له من المقامات ما ذكرناها مما تقر بها القلوب والعيون،

стр. 1881

وتتشنف بها الأسماع، ثم عزله عمر عنها وولي أبا عبيدة وأبقاه مستشاراً في الحرب، ولم يزل بالشام حتى مات على فراشه ﵁. وقد روى الواقدي قال: لما حضرت خالداً الوفاة بكى ثم قال: لقد حضرت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. عن أنس قال: لقي خالد عدواً له فولى عنه المسلمون منهزمين وثبت هو وأخوه البراء ابن مالك، وكنت بينهما واقفاً، قال: فنكس خالد رأسه ساعة إلى الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء ساعة -قال: وكذلك كان يفعل إذا أصابه مثل هذا -ثم قال لأخي البراء: قم فركبا، واختطب خالد من معه من المسلمين وقال: ما هو إلا الجنة وما إلى المدينة سبيل، ثم حمل بهم فهزم المشركين. وقد روى البخاري في التاريخ وغيره عن ياسر بن سمي البرني، قال: سمعت عمر يعتذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد، فقال: أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف واللسان، فأمرت أبا عبيدة. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: ما اعتذرت يا عمر، لقد نزعت عاملاً استعمله رسول الله ﷺ ، ووضعت لواء رفعه رسول الله ﷺ ، وأغمدت سيفاً سله الله، ولقد قطعت الرحم، وحسدت ابن العم. فقال عمر: إنك قريب القرابة، حديث السن مغضب في ابن عمك. وعن خالد أنه طلق امرأة من نسائه وقال: إني لم أطلقها عن ريبة، ولكنها لم تمرض عندي ولم يصبها شيء في بدنها ولا رأسها ولا في شيء من جسدها، وروى سيف وغيره: أن عمر قال حين عزل خالداً عن الشام، والمثنى بن حارثة عن العراق: إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله نصر الدين لا بنصرهما وأن القوة لله جميعاً. وروى سيف أيضاً أن عمر قال حين عزل خالداً عن قنسرين وأخذ منه ما أخذ: إنك علي لكريم، وإنك عندي لعزيز، ولن يصل إليك مني أمر تكرهه بعد ذلك. قال عبد الله بن المبارك: ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد طلبت القتل

стр. 1882

في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهلني تمطر إلى الصبح، حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنا مت فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفي خرج عمر على جنازته فذكر قوله: ما على آل نساء الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقع أو لقلقة (١). وقد علق البخاري في صحيحه (٢) بعض هذا فقال: وقال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. وقال محمد بن سعد: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه، وهن خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره، فأرسل إليهن فانهن، فقال عمر: وما عليهن أن ينزفن من دموعهن على أبي سليمان، ما لم يكن نقعاً أو لقلقة. ورواه البخاري في التاريخ من حديث الأعمش بنحوه. وقال إسحاق بن بشر وقال محمد: مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا أمه تندبه وتقول: أنت خير من ألف ألف من القو ... م إذا كبت وجوه الرجال فقال: صدقت والله إن كان لكذلك. وقال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم. قال: فأقام خالد في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به، وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج، واشتكى خالد بعده وهو خارج من المدينة زائراً لأمه فقال لها: احدروني إلى مهاجري، فقدمت به المدينة ومرضته، فلما ثقل وأظل قدوم عمر لقيه لاق على مسيرة ثلاث صادراً عن حجة فقال له عمر مهيم (أي مالك؟) فقال خالد بن الوليد: ثقيل لما به، فطوى عمر ثلاثاً في ليلة فأدركه حين قضى، فرق عليه واسترجع وجلس ببابه حتى جهز، وبكته البواكي، فقيل لعمر: ألا تسمع؟ ألا تنهاهن؟ فقال: وما على نساء قريش

стр. 1883

أن يبكين أبا سليمان؟ ما لم يكن نقع ولا لقلقة. فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه وتقول: أنت خير من ألف ألف من النا ... س إذا ما كبت وجوه الرجال أشجاع فأنت أشجع من ليث ... ضمر بن جهم أبي أشبال أجواد فأنت أجود من سيل ... دياس يسيل بين الجبال فقال عمر: من هذه؟ فقيل له: أمه. فقال: أمه وإلا له -ثلاثاً -وهل قامت النساء عن مثل خالد. قال: فكان عمر يتمثل في طيه تلك الثلاث في ليله وفي قدومه. تبكي ما وصلت، به الندامى ... ولا تبكي فوارس كالجبال تمنى بعدهم قوم مداهم ... فلم يدنوا لأسباب الكمال وفي رواية أن عمر قال لأم خالد: أخالداً أو أجره ترزئين؟ عزمت عليك أن لا تبيني (١) حتى تسود يداك من الخضاب، وهذا كله مما يقتضي موته بالمدينة النبوية، وإليه ذهب دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي. ولكن المشهور عن الجمهور أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين. زاد الواقدي: وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وغيره قالوا: قدم خالد المدينة بعد ما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام، فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى وعشرين. لما مات خالد بن الوليد قال عمر: رحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أموراً ما كانت. وقال جويرية عن نافع قال: لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه. قال أبو علي الحرنازي: دخل هشام بن البحتري في ناس من بني مخزوم على عمر بن

стр. 1884

الخطاب فقال له: يا هشام أنشدني شعرك في خالد. فأنشده فقال: قصرت في الثناء على أبي سليمان ﵀، إنه كان ليحب أن يذل الشرك وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرضاً لمقت الله. ثم قال عمر: قاتل الله أخا بني تميم ما أشعره: وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدي فما عيش من قد عاش بعدي بنافعي ... ولا موت من قد مات بمخلدي ثم قال عمر: رحم الله أبا سليمان ما عند الله خير له مما كان فيه. ولقد مات سعيداً وعاش حميداً ولكن رأيت الدهر ليس بقائل (١). اهـ ابن كثير. وقال الذهبي في ترجمته: سيف الله تعالى، وفارس الإسلام، وليث المشاهد، السيد الإمام الأمير الكبير، قائد المجاهدين، أبو سليمان القرشي المخزومي المكي، وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث. هاجر مسلماً في صفر سنة ثمان، ثم سار غازياً، فشهد غزوة مؤتة واستشهد أمراء رسول الله ﷺ الثلاثة: مولاه زيد، وابن عمه جعفر ذو الجناحين، وابن رواحة، وبقي الجيش بلا أمير، فتأمر عليهم في الحال خالد، وأخذ الراية، وحمل على العدو، فكان النصر، وسماه النبي ﷺ ، سيف الله، فقال: "إن خالداً سيف سله الله على المشركين". وشهد الفتح وحنيناً، وتأمر في أيام النبي ﷺ ، واحتبس أدراعه ولأمته في سبيل الله وحارب أهل الردة، ومسيلمة، وغزا العراق، واستظهر، ثم اخترق البرية السماوية بحيث إنه قطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه، وشهد حروب الشام، ولم يبق في جسده قيد شبر إلا وعليه طابع الشهداء، ومناقبة غزيرة، أمره الصديق على سائر أمراء الأجناد، وحاصر دمشق فافتتحها هو وأبو عبيدة. اهـ الذهبي.

стр. 1885

٢١٠٢ - * روى الطبراني والبزار عن عبد الله بن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "يا خالد لا تؤذ رجلاً من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أحد ذهباً لم تدرك عمله" فقال: يقعون في فأرد عليهم. فقال: "لا تؤذوا خالداً فإنه سيف من سويف الله صبه الله على الكفار". ٢١٠٣ - * روى البخاري عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب" -وعيناه تذرفان -"حتى أخذها سيف من سيوف الله. حتى فتح الله عليهم". ٢١٠٤ - * روى البخاري عن قيس قال سمعت خالداً يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية. ٢١٠٥ - * روى أبو يعلى عن قيس بن أبي حازم قال: قال خالد بن الوليد: لقد منعني كثيراً من القراءة الجهاد في سبيل الله. قال الذهبي: عاش ستين سنة وقتل جماعة من الأبطال: ومات على فراشه، فلا قرت أعين الجبناء. توفي بحمص سنة إحدى وعشرين. ومشهده على باب حمص. الصحيح موته بحمص، وله مشهد يزار. ا. هـ. وذكر الذهبي في السير (١) عن أبي العالية: أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إن

стр. 1886

كائداً من الجن يكيدني، قال: "قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ في الأرض، وما يخرج منها، ومن شر ما يعرج في السماء وما ينزل منها، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن" ففعلت فأذهبه الله عني. ٢٠١٦ - * روى الطبراني عن عمرو بن العاص قال: ما عدل رسول الله ﷺ بي وبخالد ابن الوليد أحداً منذ أسلمنا في حربه. ٢١٠٧ - * روى أحمد عن الزهري قال: وكان عبد الرحمن بن الأزهر يحدث أن خالد ابن الوليد بن المغيرة خرج يومئذ وكان على الخيل خيل رسول الله ﷺ . قال ابن الأزهر: قد رأيت رسول الله ﷺ بعدما هزم الله الكفار ورجع المسلمون إلى رحالهم يمشي في المسلمين ويقول: "من يدل على رحل خالد بن الوليد" قال: فمشيت أو قال فسعيت بين يديه وأنا محتلم أقول من يدل على رحل خالد حتى حللنا على رحله فإذا خالد بن الوليد مستند إلى مؤخرة رحله فأتاه رسول الله ﷺ فنظر إلى جرحه. قال الزهري: وحسبت أنه قال: ونفث فيه رسول الله ﷺ . ٢١٠٨ - * روى البخاري عن سالم عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. ودفع إلى كل رجل منا أسيره. حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: "اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد" مرتين. ٢١٠٩ - * روى ابن سعد عن هشام بن عروة: عن أبيه قال: كان في بني سليم ردة، فبعث أبو بكر إليهم خالد بن الوليد فجمع رجالاً منهم في الحظائر، ثم أحرقهم، فقال عمر

стр. 1887

لأبي بكر: أتدع رجلاً: يعذب الله؟ قال: والله لا أشيم (١) سيفاً سله الله على عدوه، ثم أمره، فمضى إلى مسيلمة. * * *

стр. 1888

٣٥ - عمرو بن العاص ﵁ قال ابن كثير: عمرو بن العاص: بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي، أبو عبد الله، ويقال أبو محمد، أحد رؤساء قريش في الجاهلية، وهو الذي أ ﴿سلوه إلى النجاشي ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده فلم يجبهم إلى ذلك لعدله، ووعظ عمرو بن العاص في ذلك، فيقال إنه أسلم على يديه والصحيح أنه إنما أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة العبدري، وكان أحد أمراء الإسلام، وهو أمير ذات السلاسل، وأمده رسول الله ﷺ بمدد عليهم أبو عبيدة ومعه الصديق وعمر الفاروق، واستعمله رسول الله ﷺ على عمان فلم يزل عليها مدة حياة رسول الله ﷺ ، وأقره عليها الصديق، ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام فكان ممن شهد تلك الحروب، وكانت له الآراء السديدة، والمواقف الحميدة، والأحوال السعيدة، ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها واستنابه عليها، وأقره عليها عثمان بن عفان أربع سنين ثم عزله، وقد كان معدوداً من دهاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم وله أمثال حسنة وأشعار جيدة. وقد روي عنه أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ ألف مثل، ومن شعره: إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ... ولم ينبه قلباً غاوياً حيث يمما قضى وطراً منه وغادر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملاً الفما ا. هـ. ابن كثير وقال ابن حجر في الإصابة: عمرو بن العاص من بني عنزة بفتح المهملة والنون .. أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان وقيل بين الحديبية وخيبر وكان يقول أذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب. وقال داخر المعافري: رأيت عمراً على المنبر أدعج (١) أبلج (٢) قصير القامة وذكر الزبير بن بكار والواقدي بسندين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشي وهو بأرض الحبشة. وذكر الزبير بن بكار أن رجلاً قال لعمرو: ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت

стр. 1889

أنت في عقلك؟ قال: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا ممن يوازي حلومهم الجبال فلما بعث النبي ﵌ فأنكروا عليه فلذنا بهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا فإذا حق بين فوقع في قلبي الإسلام فعرفت قريش ذلك مني من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم عليه فبعثوا إلي فتى منهم فناظرني في ذلك فقلت: أنشدك الله ربك ورب من قبلك ومن بعدك أنحن أهدى أم فارس والروم؟ قال: نحن أهدى. قلت: فنحن أوسع عيشاً أم هم؟ قال: هم قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم إن لم يكن لنا فضل إلا في الدنيا وهم أعظم منا فيها أمراً في كل شيء وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد من أن البعث بعد الموت ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته حق ولا خير في التمادي في الباطل. وأخرج البغوي بسند جيد عن عمرو بن إسحاق أحد التابعين قال: استأذن جعفر ابن أبي طالب رسول الله ﵌ في التوجه إلى الحبشة فأذن له قال عمير: فحدثني عمرو بن العاص قال: لما رأيت مكانه قلت: والله لأستقلن (١) لهذا ولأصحابه فذكر قصتهم مع النجاشي قال: فلقيت جعفراً خالياً فأسلمت قال وبلغ ذلك أصحابي فغنموني وسلبوني كل شيء فذهبت إلى جعفر فذهب معي إلى النجاشي فردوا علي كل شيء أخذوه ولما أسلم كان النبي ﵌ يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته وولاه غزاة ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح ثم استعمله على عمان فمات وهو أميرها ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر وهو الذي افتتح قنسرين (٢) وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية، وولاه عمر فلسطين أخرج ابن أبي خيثمة من طريق الليث قال: نظر عمر إلى عمرو يمشي فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميراً. وقال إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عن قبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلاً أبين قرآناً ولا أكرم خلقاً ولا أِبه سريرة بعلانية منه وقال محمد بن سلام الجمحي كان عمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه يقول أشهد أن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وولي عمرو إمرة مصر في زمن عمر بن الخطاب وهو الذي

стр. 1890

افتتحها وأبقاه عثمان قليلاً ثم عزله وولى عبد الله بن أبي سرح وكان أخا عثمان من الرضاعة فآل أمر عثمان بسبب ذلك إلى ما اشتهر ثم لم يزل عمرو بغير إمرة إلى أن كانت الفتنة بين علي ومعاوية فلحق بمعاوية فكان معه يدبر أمره في الحرب إلى أن جرى أمر الحكمين ثم سار في جيش معاوية إلى مصر فوليها لمعاوية من صفر سنة ثمان وثلاثين إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين على الصحيح الذي جزم به ابن يونس وغيره من المتقنين وقيل قبلها بسنة وقيل وبعدها ثم اختلفوا فقيل بست وقيل بثمان وقيل بأكثر من ذلك قال يحيى بن بكير: عاش نحو تسعين سنة. وذكر ابن البرقي عن يحيى بن بكير عن الليث توفي وهو ابن تسعين سنة. اهـ ابن حجر. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: عمرو بن العاص داهية قريش ورجل العالم، ومن يضرب به المثل في الفطنة، والدهاء، والحزم. هاجر إلى رسول الله ﷺ مسلماً في أوائل سنة ثمان، مرافقاً لخالد بن الوليد، وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة، ففرح النبي ﷺ بقدومهم وإسلامهم، وأمر عمراً على بعض الجيش، وجهزه للغزو. له أحاديث. قال البخاري: ولاه النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل. نزل المدينة ثم سكن مصر، وبها مات. روى مجالد، عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما معاوية فللأناة والحلم؛ وأما عمرو فللمعضلات؛ والمغيرة للمبادهة؛ وأما زياد فللصغير والكبير. وكان من رجال قريش رأياً، ودهاء، وحزماً، وكفاءة، وبصراً بالحروب، ومن أشراف ملوك العرب، ومن أعيان المهاجرين، والله يغفر له ويعفو عنه، ولولا حبه للدنيا [للإمرة] ودخوله في أمور، لصلح للخلافة، فإن له سابقة ليست لمعاوية. وقد تأمر على مثل أبي بكر وعمر، لبصره بالأمور ودهائه. اهـ.

стр. 1891

٢١١٠ - * روى أحمد وابن سعد والحاكم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام". ٢١١١ - * روى أحمد عن عمرو بن العاص قال: كان فزع بالمدينة فأتيت على سالم مولى أبي حذيفة وهو محتب بحمائل سيفه فأخذت سيفًا فاحتبيت بحمائله فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله وإلى رسوله" ثم قال: "ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان". ٢١١٢ - * روى أحمد عن عقبة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص". ٢١١٣ - * روى أحمد والحاكم عن موسى بن علي عن أبيه قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: "خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني" فأتيته وهو يتوضأ فصعد في النظر ثم طأطأه فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيشٍ فسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة" قال قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله ﷺ فقال: "يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح". ٢١١٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"

стр. 1892

قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر" فعد رجالاً. فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم. ٢١١٥ - * روى أبو داود والحاكم عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت. ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب"؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئًا. قال الذهبي: ولما توفي النبي ﷺ كان عمرو على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بوفاة رسول الله ﷺ . وشهد عمرو يوم اليرموك، وأبلى يومئذ بلاءً حسنًا، وقيل: بعثه أبو عبيدة، فصالح أهل حلب وأنطاكية، وافتتح سائر قنسرين عنوة. وقال خليفة: ولى عمر عمرًا فلسطين والأردن، ثم كتب إليه عمر، فسار إلى مصر، وافتتحها، وبعث عمر الزبير مددًا له. قال الزهري: استخلف عثمان، فنزع عن مصر عمرًا، وأمر عليها عبد الله بن أبي سرج. ا. هـ. ٢١١٦ - * روى أحمد في مسنده عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص كان يسرد الصوم وقلما كان يصيب من العشاء أو الليل أكثر ما كان يصيب من السحر قال: وسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فصلاً بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر".

стр. 1893

٢١١٧ - * روى أحمد عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعًا شديدًا فلما رأى ذلك ابنه عبد الله بن عمرو قال: يا أبا عبد الله ما هذا الجزع وقد كان رسول الله ﷺ يدنيك ويستعملك؟ قال: أي بني قد كان ذلك وسأخبرك عن ذلك إني والله ما أدري أحبًا ذلك كان أم تألفًا يتألفني ولكن أشهد على رجلين أنه قد فارق الدنيا وهو يحبهما ابن سمية وابن أم عبد فلما حدثه وضع يده موضع الغلال من ذقنه وقال: اللهم أمرتنا فتركنا ونهيتنا فركبنا ولا يسعنا إلا مغفرتك وكانت تلك هجيراه حتى مات. ٢١١٨ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة المهدي ﵀ قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلاً، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. إني كنت على أطباقٍ ثلاثٍ: لقد رأيتني وما أحد أشهد بغضًا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: "مالك يا عمرو؟ " قال: قلت: أردت أن اشترط، قال: "تشترط بماذا؟ " قلت: أن يغفر لي قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهد ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني

стр. 1894

منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء، ما أدري ما حالي فيها؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي؟. ٢١١٩ - * روى الطبراني عن عمرو بن العاص قال: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية فقال صاحبها أخرجوا إلي رجلاً منكم أكلمه ويكلمني، فقلت: لا يخرج إليه غيري فخرجت ومعي ترجمان ومعه ترجمان نتبعك ونقاتل من قاتلك فخرج إليهم وخرجنا إليه فقاتلناه فقتلنا وظهر علينا وغلبنا وتناول من يليه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم، فلو يعلم من ورائي ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش. فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاءكم به رسولكم فكنا عليه حتى ظهر فينا ملوك فجعلوا يعملون فينا بأهوائهم ويتركون أمر الأنبياء فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه ولم يتناولكم أحد إلا ظهرتم عليه فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر الأنبياء وعملتهم مثل الذي عملوا بأهوائهم خلي بيننا وبينكم فلم تكونوا أكثر منا عددًا ولا أشد منا قوة قال عمرو بن العاص: فما كلمت رجلاً أذكر منه.

стр. 1895

قال الذهبي: كان أكبر من عمر بنحو خمس سنين. كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر، وقد عاش بعد عمر عشرين عامًا، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة، ما بلغ التسعين ﵁. وخلف أموالاً كثيرة، وعبيدًا، وعقارًا، يقال: خلف من الذهب سبعين رقبة جمل مملوءة ذهبًا. اهـ. ٢١٢٠ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال: يا بني إذا مت فاغسلني غسلة بالماء، ثم جففني في ثوب، ثم اغلسني الثانية بماء قراح، ثم جففني في ثوب، ثم اغلسني الثالثة بماءٍ فيه شيء من كافور، ثم جففني في ثوب، ثم إذا ألبستني الثياب، فأزر علي، فإني مخاصم، ثم إذا أنت حلمتني على السرير، فامش بي مشيًا بين المشيتين، وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة، وخلفها لبني آدم، فإذا أنت وضعتني في القبر، فسن علي التراب سنًا. ثم قال: اللهم إنك أمرتنا فأضعنا، ونهيتنا فركبنا، فلا برئ فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله، ما زال يقولها حتى مات. * * *
следующие страницы →