٢١١٠ - * روى أحمد وابن سعد والحاكم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام".
٢١١١ - * روى أحمد عن عمرو بن العاص قال: كان فزع بالمدينة فأتيت على سالم مولى أبي حذيفة وهو محتب بحمائل سيفه فأخذت سيفًا فاحتبيت بحمائله فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله وإلى رسوله" ثم قال: "ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان".
٢١١٢ - * روى أحمد عن عقبة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص".
٢١١٣ - * روى أحمد والحاكم عن موسى بن علي عن أبيه قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: "خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني" فأتيته وهو يتوضأ فصعد في النظر ثم طأطأه فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيشٍ فسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة" قال قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله ﷺ فقال: "يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح".
٢١١٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"
стр. 1892
قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر" فعد رجالاً. فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم.
٢١١٥ - * روى أبو داود والحاكم عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت. ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب"؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئًا.
قال الذهبي: ولما توفي النبي ﷺ كان عمرو على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بوفاة رسول الله ﷺ .
وشهد عمرو يوم اليرموك، وأبلى يومئذ بلاءً حسنًا، وقيل: بعثه أبو عبيدة، فصالح أهل حلب وأنطاكية، وافتتح سائر قنسرين عنوة.
وقال خليفة: ولى عمر عمرًا فلسطين والأردن، ثم كتب إليه عمر، فسار إلى مصر، وافتتحها، وبعث عمر الزبير مددًا له.
قال الزهري: استخلف عثمان، فنزع عن مصر عمرًا، وأمر عليها عبد الله بن أبي سرج. ا. هـ.
٢١١٦ - * روى أحمد في مسنده عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص كان يسرد الصوم وقلما كان يصيب من العشاء أو الليل أكثر ما كان يصيب من السحر قال: وسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فصلاً بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر".
стр. 1893
٢١١٧ - * روى أحمد عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعًا شديدًا فلما رأى ذلك ابنه عبد الله بن عمرو قال: يا أبا عبد الله ما هذا الجزع وقد كان رسول الله ﷺ يدنيك ويستعملك؟ قال: أي بني قد كان ذلك وسأخبرك عن ذلك إني والله ما أدري أحبًا ذلك كان أم تألفًا يتألفني ولكن أشهد على رجلين أنه قد فارق الدنيا وهو يحبهما ابن سمية وابن أم عبد فلما حدثه وضع يده موضع الغلال من ذقنه وقال: اللهم أمرتنا فتركنا ونهيتنا فركبنا ولا يسعنا إلا مغفرتك وكانت تلك هجيراه حتى مات.
٢١١٨ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة المهدي ﵀ قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلاً، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. إني كنت على أطباقٍ ثلاثٍ: لقد رأيتني وما أحد أشهد بغضًا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: "مالك يا عمرو؟ " قال: قلت: أردت أن اشترط، قال: "تشترط بماذا؟ " قلت: أن يغفر لي قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهد ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني
стр. 1894
منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء، ما أدري ما حالي فيها؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي؟.
٢١١٩ - * روى الطبراني عن عمرو بن العاص قال: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية فقال صاحبها أخرجوا إلي رجلاً منكم أكلمه ويكلمني، فقلت: لا يخرج إليه غيري فخرجت ومعي ترجمان ومعه ترجمان نتبعك ونقاتل من قاتلك فخرج إليهم وخرجنا إليه فقاتلناه فقتلنا وظهر علينا وغلبنا وتناول من يليه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم، فلو يعلم من ورائي ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش. فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاءكم به رسولكم فكنا عليه حتى ظهر فينا ملوك فجعلوا يعملون فينا بأهوائهم ويتركون أمر الأنبياء فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه ولم يتناولكم أحد إلا ظهرتم عليه فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر الأنبياء وعملتهم مثل الذي عملوا بأهوائهم خلي بيننا وبينكم فلم تكونوا أكثر منا عددًا ولا أشد منا قوة قال عمرو بن العاص: فما كلمت رجلاً أذكر منه.
стр. 1895
قال الذهبي: كان أكبر من عمر بنحو خمس سنين. كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر، وقد عاش بعد عمر عشرين عامًا، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة، ما بلغ التسعين ﵁.
وخلف أموالاً كثيرة، وعبيدًا، وعقارًا، يقال: خلف من الذهب سبعين رقبة جمل مملوءة ذهبًا. اهـ.
٢١٢٠ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال: يا بني إذا مت فاغسلني غسلة بالماء، ثم جففني في ثوب، ثم اغلسني الثانية بماء قراح، ثم جففني في ثوب، ثم اغلسني الثالثة بماءٍ فيه شيء من كافور، ثم جففني في ثوب، ثم إذا ألبستني الثياب، فأزر علي، فإني مخاصم، ثم إذا أنت حلمتني على السرير، فامش بي مشيًا بين المشيتين، وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة، وخلفها لبني آدم، فإذا أنت وضعتني في القبر، فسن علي التراب سنًا. ثم قال: اللهم إنك أمرتنا فأضعنا، ونهيتنا فركبنا، فلا برئ فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله، ما زال يقولها حتى مات.
* * *
стр. 1896
٣٦ - أبو سفيان بن حرب ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو سفيان القرشي الأموي مشهور باسمه وكنيته وكان يكنى أيضًا أبا حنظلة، وأمه صفية بنت حرب الهلالية عمة ميمونة زوج النبي ﵌ وكان أسن من النبي ﵌ بعشر سنين وقيل غير ذلك بحسب الاختلاف في سنة موته وهو والد معاوية، أسلم عام الفتح وشهد حنينًا والطائف كان من المؤلفة وكان قبل ذلك رأس المشركين يوم أحد ويوم الأحزاب ويقال إن النبي ﵌ استعمله على نجران ولا يثبت، قال الواقدي: أصحابنا ينكرون ذلك ويقولون كان أبو سفيان بمكة وقت وفاة النبي ﵌، وكان عاملها حينئذ عمرو بن حزم وذكر ابن إسحاق أن النبي ﵌ وجهه إلى مناة فهدمها وتزوج النبي ﵌ ابنته أم حبيبة قبل أن يسلم وكانت أسلمت قديمًا وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة فمات هناك. وقد روى أبو سفيان عن النبي ﵌، وروى عنه ابن عباس وقيس بن حازم وابنه معاوية وعن ثابت البناني إنما قال النبي ﵌ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن لأن النبي ﵌ كان إذا أوى بمكة دخل دار أبي سفيان، رواه ابن سعد وروى ابن سعد أيضًا بإسناد صحيح عن عكرمة أن النبي ﵌ أهدى إلى أبي سفيان بن حرب تمر عجوة وكتب إليه يستهديه أدمًا (١) مع عمرو بن أمية فنزل عمرو على إحدى امرأتي أبي سفيان فقامت دونه وقبل أبو سفيان الهدية وأهدى إليه أدمًا. وروى ابن سعد من طريق أبي السفر قال: لما رأى أبو سفيان الناس يطؤون عقب رسول الله ﵌ حسده فقال في نفسه: لو عاودت الجمع لهذا الرجل فضرب رسول الله ﵌ في صدره ثم قال: إذا يخزيك الله، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه والله ما تفوهت به إلا شيء حدثت به نفسي. ومن طريق أبي إسحاق السبيعي نحوه وقال: ما أيقنت أنك رسول الله حتى الساعة. ومن طريق
стр. 1897
عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قال أبو سفيان في نفسه: ما أدري بم يغلبنا محمد؟ فضرب في ظهره وقال: بالله نغلبك فقال: أشهد أنك رسول الله. وروى الزبير بن بكار من طريق إسحاق بن يحيى عن أبي الهيثم عمن أخبره أنه سمع أبا سفيان بن حرب يمازح رسول الله ﵌ في بيت بنته أم حبيبة ويقول: والله إن هو إلا أن تركتك فتركتك العرب إن انتطحت فيك جماء (١) ولا ذات قرن، ورسول الله ﵌ يضحك ويقول: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة. وروى الزبير من طريق سعيد بن عبيد الثقفي قال: رميت أبا سفيان يوم الطائف فأصبت عينه فأتى النبي ﵌ فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل الله، قال: إن شئت دعوت فردت عليك وإن شئت فالجنة، قال: الجنة. وروى يعقوب بن سفيان وابن سعد بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل يقول: يا نصر الله اقترب، قال فنظرت فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يريد ويقال: فقئت عينه يومئذ. وروى البغوي بإسناد صحيح عن أنس أن أبا سفيان دخل على عثمان بعد ما عمي وغلامه يقوده.
قال علي بن المديني: مات لست خلون من خلافة عثمان، وقال الهيثم: لتسع خلون، وقال الزبير: في آخر خلافة عثمان، وقال المدائني: مات سنة أربع وثلاثين، وقيل مات أبو سفيان سنة إحدى، وقيل اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، وقيل مات سنة أربع وثلاثين. قيل عاش ثلاثًا وتسعين سنة، وقال الواقدي وهو ابن ثمان وثمانين وقيل غير ذلك. اهـ ابن حجر.
وقال الذهبي عنه: رأس قريش وقائدهم يوم أحد ويوم الخندق. وله هنات وأمور صعبة، لكن تدراكه الله بالإسلام يوم الفتح فأسلم شبه مكره خائف. ثم بعد أيام صلح إسلامه.
وكان من دهاة العرب ومن أهل الرأي والشرف فيهم، فشهد حنينًا وأعطاه صهره رسول
стр. 1898
الله ﷺ من الغنائم مئة من الإبل، وأربعين أوقية من الدراهم يتألفه بذلك. ففرغ من عبادة "هبل" ومال إلى الإسلام.
وشهد قتال الطائف، فقلعت عينه حينئذ، ثم قلعت الأخرى يوم اليرموك، وكان يومئذ قد حسن إن شاء الله إيمانه، فإنه كان يومئذ يحرض على الجهاد. وكان تحت راية ولده يزيد، فكان يصيح: يا نصر الله اقترب. وكان يقف على الكراديس (١) يذكر، ويقول: الله الله، إنكم أنصار الإسلام ودارة العرب (٢)، وهؤلاء أنصار الشرك ودارة الروم؛ اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك.
فإن صح هذا عنه، فإنه يغبط بذلك. ولا ريب أن حديثه عن هرقل وكتاب النبي ﷺ يدل على إيمانه، ولله الحمد.
وكان أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين. وعاش بعده عشرين سنة: وكان عمر يحترمه؛ وذلك لأنه كان كبير بني أمية.
وكان حمو النبي ﷺ . وما مات حتى رأى ولديه: يزيد، ثم معاوية أميرين على دمشق.
وكان يحب الرياسة والذكر، وكان له سورة (٣) كبيرة في خلافة ابن عمه عثمان.
توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين: وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث أو أربع وثلاثين، وله نحو التسعين. اهـ ذهبي.
* * *
стр. 1899
٣٧ - معاوية بن أبي سفيان ﵄
قال ابن حجر: معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير المؤمنين، ولد قبل البعثة بخمس سنين وقيل بسبع وقيل بثلاث عشرة والأول أشهر، وحكى الواقدي أنه أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح وأنه كان في عمرة القضاء مسلمًا، وهذا يعارضه ما ثبت في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في العمرة في أشهر الحج فعلناها وهذا يومئذ كافر، ويحتمل إن ثبت الأول أن يكون سعد أطلق ذلك بحسب ما استصحب من حاله ولم يطلع على أنه كان أسلم لإخفائه لإسلامه، وقد أخرج أحمد من طريق محمد بن علي بن الحسين عن ابن عباس أن معاوية قال: قصرت عن رسول الله ﵌ عند المروة، وأصل الحديث في البخاري من طريق طاوس عن ابن عباس بلفظ: قصرت بمشقص ولم يذكر المروة، وذكر المروة يعين أنه كان معتمرًا لأنه كان في حجة الوداع حلق بمنى كما ثبت في الصحيحين عن أنس، وأخرج البغوي من طريق محمد بن سلام الجمحي عن أبان بن عثمان كان معاوية بمنى وهو غلام مع أمه إذ عثر فقالت: قم لا رفعك الله، فقال لها أعرابي: لم تقولين له هذا والله إني لأراه ليسود قومه، فقالت: لا رفعه الله إن لم يسد إلا قومه قال أبو نعيم: كان من الكتبة الحسبة الفصحاء حليمًا وقورًا. وعن خالد بن معدان: كان طويلاً أبيض أجلح، وصحب النبي ﵌ وكتب له.
عن معاوية قال: اتبعت رسول الله ﵌ بوضوء فلما توضأ نظر إلي فقال: "يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل" فما زلت أظن أني مبتلي بعمل، سويد فيه مقال وقد أخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر.
قال ابن عباس: ما رأيت أحدًا أحلى للملك من معاوية. وقال البغوي [بسنده]: كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب، وذكر ابن سعد عن المدائني قال: نظر أبو سفيان إلى معاوية وهو غلام فقال: إن ابني هذا لعظيم الرأس وإنه لخليق أن يسود قومه، فقالت هند: قومه فقط ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة. وقال المدائني: كان زيد
стр. 1900
ابن ثابت يكتب الوحي وكان معاوية يكتب للنبي ﵌ فيما بينه وبين العرب وفي مسند أحمد وأصله في مسلم عن ابن عباس قال قال لي النبي ﵌: "ادع لي معاوية" وكان كاتبه.
وقال ابن المبارك في كتاب الزهد عن أسلم مولى عمر قال: قدم علينا معاوية وهو أبض الناس وأجملهم فخرج إلى الحج مع عمر بن الخطاب، وكان عمر ينظر إليه فيتعجب منه ثم يضع أصبعه على جبينه ثم يرفعها عن مثل الشراك فيقول: بخ بخ إذا نحن خير الناس أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين سأحدثك أنا بأرض الحمامات والريف ... فقال عمر: سأحدثك ما بك إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصحبك حتى تضرب الشمس متنيك وذوو الحاجات وراء الباب، قال: حتى جئنا ذا طوى فأخرج معاوية حلة فلبسها فوجد عمر منها ريحًا كأنه ريح طيب فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجًا تفلاً حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما، فقال له معاوية: إنما لبستهما لأدخل بهما على عشيرتي يا عمر: والله لقد بلغني أذاك ههنا وبالشام فالله يعلم أن لقد عرفت الحياء في عمر فنزع معاوية الثوبين ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما وهذا سند قوي.
وأخرج ابن سعد [بسنده] قال: دخل معاوية على عمر بن الخطاب وعليه حلة خضراء فنظر إليه الصحابة فلما رأى ذلك عمر قام ومعه الدرة فجعل ضربًا بمعاوية ومعاوية يقول: الله الله يا أمير المؤمنين فيم فيم، فلم يكلمه حتى رجع فجلس في مجلسه فقالوا له: لم ضربت الفتى وما في قومك مثله؟ فقال: ما رأيت إلى خيرًا وما بلغني إلا خير، ولكني رأيته وأشار بيده يعني إلى فوق فأردت أن أضع منه.
وقال ابن أبي الدنيا: قال عمر إياكم والفرقة بعدي فإن فعلتم فاعلموا أن معاوية بالشام فإذا وكلتم إلي رأيكم كيف يستبزها منكم.
مات معاوية في رجب سنة ستين على الصحيح. وسنة بضع وسبعون إلى الثمانين اهـ. ابن حجر.
стр. 1901
وقال ابن كثير: أسلم هو وأبوه وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح. وقد روى عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكني كتمت إسلامي من أبي إلى يوم الفتح، وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، وآلت إليه رياسة قريش بعد يوم بدر، فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب، وكان رئيسًا مطاعًا ذا مال جزيل، ولما أسلم قال: يا رسول الله مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: "نعم" قال ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: "نعم" ثم سأل أن يزوج رسول الله ﷺ بابنته، وهي عزة بنت أبي سفيان واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، وبين رسول الله ﷺ أن ذلك لا يحل له.
والمقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ مع غيره من كتاب الوحي ﵃. ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، وأقره على ذلك عثمان بن عفان وزاده بلادًا أخرى، وهو الذي بنى القبة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة، قاله الحافظ ابن عساكر. ولما ولي علي بن أبي طالب الخلافة أشار عليه كثير من أمرائه ممن باشر قتل عثمان أن يعزل معاوية عن الشام ويولي عليها سهل بن حنيف، فعزله فلم ينتظم عزله والتف عليه جماعة من أهل الشام ومانع عليها عنها وقد قال: لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلومًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١).
وروى الطبراني عن ابن عباس أنه قال ما زلت موقنًا أن معاوية يلي الملك من هذه الآية فلما امتنع معاوية من البيعة لعلي حتى يسلمه القتلة، كان من صفين ما قدمنا ذكره، ثم آل الأمر إلى التحكيم.
أقول: هناك روايات مشهورة فيما توصل إليه الحكمان والتحقيق أن هذه الروايات المشهورة لا تمثل الحقيقة. وعلى كل الأحوال فقد ترتب على هذا التحكيم ضعف وضع علي وقوة معاوية، فالتحقيق أنهما اتفقا على تولية غير علي ومعاوية ولكن الأمر لم يتم.
стр. 1902
ثم قال ابن كثير: واستفحل أمر معاوية، ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي، وبايع أهل الشام لمعاوية بن أبي سفيان، ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير إرادة منه، وركب معاوية في أهل الشام، فلما تواجه الجيشان وتقابل الفريقان سعى الناس بينهما في الصلح، فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة -أعني سنة إحدى وأربعين- ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس -واستوثقه له الممالك شرقًا وغربًا، وبعدًا وقربًا، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولي معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد، ثم بعده لأبي إدريس الخولاني، وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي، ويقال إنه أول من اتخذ الحرس وأول من حزم الكتب وختمها، اهـ. ابن كثير.
قال الذهبي في ترجمته: أمير المؤمنين، ملك الإسلام، أبو عبيد الرحمن، القرشي الأموي المكي، وأمه هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. قيل: إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، ولكن ما ظهر إسلامه إلا يوم الفتح، ذكر ابن أبي الدنيا وغيره أن معاوية كان طويلاً، أبيض، جميلاً إذا ضحك انقلبت شفته العليا، وكان يخضب.
وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإما قد ولدوا في الشام على حبه، وتربي أولادهم على ذلك، وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة، وعدد كبير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النصب (١)، نعوذ بالله من الهوى، كما قد نشأ جيش علي ﵁، ورعيته -إلا الخوارج منهم- على حبه والقيام معه، وبغض من بغى عليه والتبري منهم، وغلا خلق منهم في التشيع، فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم، لا يكاد يشاهد فيه إلا غالبًا في
стр. 1903
الحب، مفرطًا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمانٍ قد انمحص فيه الحق، واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحدٍ من الطائفتين، وتبصرنا، فعذرنا، استغفرنا، وأحببنا باقتصاد، وترحمنا على البغاة بتأويلٍ سائع في الجملة، أو بخطأ إن شاء الله مغفورٍ، وقلنا كما علمنا الله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) وترضينا أيضًا عمن اعتزل الفريقين، كسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسعيد بن زيد، وخلق. وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليًا، وكفروا الفريقين، فالخوارج كلاب النار، وقد مرقوا من الدين، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار، كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان.
قلت: [الذهبي] حسبك بمن يؤمره عمر، ثم عثمان على إقليم -وهو ثغر- فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك. وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيرًا منه بكثير وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد، وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه، ورأيه. وله هنات وأمور، والله الموعد.
وكان محببًا إلى رعيته. عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك.
عن إسماعيل بن أمية: أن عمر أفرد معاوية بالشام، ورزقه في الشهر ثمانين دينارًا. والمحفوظ أن الذي أفرد معاوية بالشام عثمان.
وفي أول صفر شبت الحرب، وقتل خلق، وضجروا، فرفع أهل الشام المصاحف، وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه، وكان ذلك مكيدة من عمرو بن العاص،
стр. 1904
فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتابًا على أن يوافوا أذرح (١). ويحكموا حكمين.
قال: فلم يقع اتفاق. ورجع علي إلى الكوفة بالدغل (٢) من أصحابه والاختلاف، فخرج منهم الخوارج، وأنكروا تحكيمه، وقالوا: لا حكم إلا لله. ورجع معاوية بالألفة والاجتماع، وبايعه أهل الشام بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمانٍ وثلاثين. فكان يبعث الغارات، فيقتلون من كان في طاعة علي، أو من أعان على قتل عثمان، وبعث بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن يستعرض الناس، فقتل باليمن عبد الرحمن وقثما ولدي عبيد الله بن عباس، ثم استشهد علي في رمضان سنة أربعين.
وصالح الحسن بن علي معاوية، وبايعه، وسمي عام الجماعة، فاستعمل معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كريز، وعلى المدينة أخاه عتبة ثم مروان، وعلى مصر عمرو بن العاص، وحج بالناس سنة خمسين، وكان على قضائه بالشام فضالة بن عبيد.
ثم اعتمر سنة ستٍ وخمسين في رجب، وكان بينه وبين الحسين، وابن عمر، وابن الزبير، وابن أبي بكر، كلام في بيعة العهد ليزيد، ثم قال: إني متكلم بكلام، فلا تردوا على أقتلكم، فخطب، وأظهر أنهم قد بايعوا، وسكتوا ولم ينكروا، ورحل على هذا وادعى زيادًا أنه أخوه، فولاه الكوفة بعد المغيرة، فكتب إليه في حجر بن عدي وأصحابه، وحملهم إليه، فقتلهم بمرج عذراء ثم ضم الكوفة والبصرة إلى زياد، فمات، فولاهما ابنه عبيد الله بن زياد. ا. هـ الذهبي.
٢١٢١ - * روى مسلم عن أبي عثمان: قال: لما ادعى زياد، لقيت أبا بكرة، فقلت له: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول الله ﷺ وهو يقول: "من ادعى أبًا في الإسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه
стр. 1905
حرام"؛ فقال أبو بكر: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .
قال الحافظ: والمراد بزياد الذي ادعي: زياد بن سمية وهي أمه، كانت أمة للحارث ابن كلدة وهو زوجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، فلما كان في خلافة عمر، سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد عند عمر، وكان بليغًا فأعجبه، فقال: إني لأعرف من وضعه في أمه، ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، فلما ولي معاوية الخلافة، كان زياد على فارس من قبل علي، فأراد مدراراته، فأطعمه في أنه يلحقه بأبي سفيان، فأصغى زياد إلى ذلك، فجرت في ذلك خطوب إلى أن ادعاه معاوية، فأمره على البصرة، ثم على الكوفة، وأكرمه، وسار زياد سيرته المشهورة، وسياسته المذكورة، فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية محتجين بحديث "الولد للفراش".
وأما حديث حجر بن عدي فعن ابن سيرين أن زيادًا أطال الخطبة، فقال حجر بن عدي: الطلاق، فمضى في خطبته، فقال له: الصلاة وضرب بيده إلى الحصى، وضرب الناس بأيديهم إلى الحصى، فنزل، فصلى، ثم كتب فيه إلى معاوية، فكتب معاوية: أن سرح به إلي، فسرحه إليه، فلما قدم عليه، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال: وأمير المؤمنين أنا؟ إني لا أقيلك ولا أستقيلك، فأمر بقتله، فلما انطلقوا به، طلب منهم أن يأذنوا له، فيصلي ركعتين، فأذنوا له. فصلى ركعتين، ثم قال: لا تطلقوا عني حديدًا ولا تغسلوا عني دمًا. وادفنوني في ثيابي، فإني مخاصم، قال: فقتل (١).
وذكر الذهبي في السير (٢) عن يعلى بن عبيد عن أبيه، قال: جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمه، والطالب بدمه، فائتوه، فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له. فأتوا عليًا،
стр. 1906
فكلموه، فلم يدفعهم إليه.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أنس قال: تعاهد ثلاثة من أهل العراق على قتل معاوية، وعمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة. وأقبلوا بعد بيعة معاوية بالخلافة حتى قدموا إيلياء، فصلوا من السحر في المسجد، فلما خرج معاوية لصلاة الفجر، كبر، فلما سجد انبطح أحدهم على ظهر الحرسي الساجد بينه وبين معاوية حتى طعن معاوية في مأكمته فانصرف معاوية، وقال: أتموا صلاتكم، وأمسك الرجل، فقال الطبيب: إن لم يكن الخنجر مسمومًا، فلا بأس عليك. فأعد الطبيب عقاقيره، ثم لحس الخنجر، فلم يجده مسمومًا، فكبر، وكبر من عنده وقيل: ليس بأمير المؤمنين بأس.
قال الذهبي: هذه المرة غير المرة التي جرح فيها وقتما قتل علي ﵁. فإن تلك فلق أليته وسقي أدوية خلصته من السم، لكن قطع نسله.
قال الذهبي: قتل بين الفريقين [يعني في صفين] نحو من ستين ألفًا. وقيل: سبعون ألفًا وقتل عمار مع علي، وتبين للناس قول رسول الله ﷺ : "تقتله الفئة الباغية" ا. هـ.
٢١٢٢ - * روى البخاري عن عكرمة قال لي ابن عباسٍ ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيدٍ فاسمعا من حديثه. فانطلقنا، فإذا هو حائطٍ يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: "كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين. فرآه النبي ﷺ ، فينفض التراب عنه ويقول: "ويح عمارٍ تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" قال يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.
قال الشيخ شعيب: وهو حديث صحيح مشهور بل متواتر، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنما قتله الذين جاؤوا به، كما في [المسند] بسند صحيح، فأجابه علي ﵁ بأن رسول الله ﷺ إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا منه ﵁ إلزام
стр. 1907
مفحم لا جواب عنه. وحجة لا اعترض عليها.
وما ذهب إليه الذهبي من كون طائفة معاوية هي الباغية هو مذهب فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي، وغيرهم كما قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب "الإمامة". نقله عنه المناوي في "فيض القدير".
قال الذهبي: وتسلم معاوية الخلافة في آخر ربيع الآخر، وسمي عام الجماعة لاجتماعهم على إمام، وهو عام أحد وأربعين.
وقال ابن إسحاق: بويع معاوية بالخلافة في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين لما دخل الكوفة.
وقال أبو معشر: بايعه الحسن بأذرح في جمادى الأولى، وهو عام الجماعة. اهـ.
ذكر الذهبي في السير (١) عن القاسم بن محمد؛ أن معاوية لما قدم المدينة حاجًا، دخل على عائشة، فلم يشهد كلامهما إلا ذكوان مولاها، فقالت له: أمنت أن أخبأ لك رجلاً يقتلك بأخي محمد؟ قال: صدقت. ثم وعظته، وحضته على الاتباع، فلما خرج، اتكأ على ذكوان، وقال: والله ما سمعت خطيبًا -ليس رسول الله ﷺ أبلغ من عائشة.
٢١٢٣ - * روى أحمد عن سعيد بن المسيب أن معاوية دخل على عائشة، فقالت له: أما خفت أن أقعد لك رجلاً، فيقتلك؟ فقال؟: ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان، وقد سمعت النبي ﷺ يقول: "الإيمان قيد الفتك".
стр. 1908
ذكر الذهبي في السير (١) عن عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: يا مسور ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعنا من هذا وأحسن. قال: لا والله، لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي. قال مسور: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينت له. فقال: لا أبرأ من الذنب. فهل تعد لنا يا مسور مانلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشرة أمثالها، أم تعد الذنوب، وتترك الإحسان؟ قال: ما تذكر إلا الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنبٍ أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره، إلا اخترت الله على ما سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها. قال: فخصمني. قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه [ترحم عليه].
عن كريب مولى ابن عباس: أنه رأى معاوية صلى العشاء، ثم أوتر بركعة واحدة لم يزد، فأخبر ابن عباس، فقال: أصاب. أي بني ليس أحد منا أعلم من معاوية. هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر (٢).
وذكر الذهبي في السير (٣) عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل عثمان، ووقع الاختلاف، لم يكن للناس غزو حتى اجتمعوا على معاوية، فأغزاهم مراتٍ. ثم أغزى ابنه في جماعة من الصحابة برًا وبحرًا حتى أجاز بهم الخليج، وقاتوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل.
قال الذهبي: قال الزبير بن بكار: كان معاوية أول من اتخذ الديوان للختم، وأمر بالنيروز والمهرجان، واتخذ المقاصير في الجامع، وأول من قتل مسلمًا صبرًا [يعني حجر بن عدي وأصحابه] وأول من قام على رأسه حرس، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وأول
стр. 1909
من اتخذ الخدام الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، وكان يقول: أنا أول الملوك.
قلت: نعم. فقد روى سفينة عن رسول الله ﷺ ، قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة. ثم تكون ملكًا". فانقضت خلافة النبوة ثلاثين عامًا، وولي معاوية، فبالغ في التجمل والهيئة، وقل أن بلغ سلطان إلى رتبته، وليته لم يعهد بالأمر إلى ابنه يزيد، وترك الأمة من اختياره لهم.
ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم، وما هو برئ من الهنات، والله يعفو عنه.
قال أبو مسهر: صلى الضحاك بن قيس الفهري على معاوية، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير فيما بلغني. اهـ.
قال الشيخ شعيب: (دخل قبره اليوم في مقبرة الباب الصغير إحدى مقابر دمشق وهو ما زال معروفًا ثمة، وقد جدد بناؤه في السنوات الأخيرة).
٢١٢٤ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا" قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين وعمر عشر، وعثمان ثنتي عشرة، وعلي ست. قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليًا ﵇ لم يكن بخليفة، قال: كذبت أستاه بني الزرقاء. يعني مروان.
٢١٢٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كنت ألعب مع
стр. 1910
الصبيان، فجاء رسول الله صلى الله عليه سلم، فتواريت خلف بابٍ، قال: فجاء فحطاني خطاة، وقال: "اذهب، وادع لي معاوية" قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، ثم قال لي: "اذهب، فادع لي معاوية" قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، فقال: "لا أشبع الله بطنه" قال ابن المثنى: فقلت: لأمية: ما حطأني؟ قال: قفدني قفدة".
قال الإمام النووي في شرح حديث: اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة. وفي رواية إني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورًا وزكاة وقربة، قال: هذه الأحاديث مبينة ما كان عليه ﷺ من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم وهذه الرواية المذكورة آخرًا تبين المراد بباقي الروايات المطلقة وأنه إنما يكون دعاؤه عليه رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك إذا لم يكن أهلاً للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلمًا وإلا فقد دعا ﷺ على الكفار والمنافقين ولم يكن ذلك لهم رحمة، فإن قيل كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب ما أجاب به العلماء ومختصره وجهان: أحدهما: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلاً لذلك وهو ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلاً لذلك وهو ﷺ مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، والثاني: أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله تربت يمينك وعقري حلقي وفي هذا الحديث لا كبرت سنك وفي حديث معاوية لا أشبع الله بطنه ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء فخاف ﷺ أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورًا وأجرًا وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان ولم يكن ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا ولا لعانًا ولا منتقمًا لنفسه. اهـ.
стр. 1911
٢١٢٦ - * روى الطبراني عن قيس يعني ابن أبي حازم -قال: قال معاوية لأخيه: ارتدف فأبى، فقال: بئس ما أدبت فقال أبو سفيان: دع أخاك ...
٢١٢٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو: أن معاوية كان يكتب بين يدي رسول الله ﷺ .
٢١٢٨ - * روى البخاري عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنظف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء. قالت: الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب. فلما تفرق الناس خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت.
٢١٢٩ - * روى الطبراني عن إسحاق بن يسار قال: رأيت معاوية بالأبطح أبيض الرأس واللحية.
٢١٣٠ - * روى الطبراني عن خالد بن معدان قال: كان معاوية طويلاً أبيض أجلح.
стр. 1912
٣٨ - عباد بن بشر ﵁
قال ابن حجر في ترجمته: عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل ... ذكره عقبة فيمن شهد بدرًا قال: واستشهد باليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكان ممن قتل كعب بن الأشرف وقال في ذلك شعرًا ...
وفي الصحيح (١) عن عائشة أن النبي ﵌ سمع صوت عباد بن بشر فقال: "اللهم ارحم عبادًا". الحديث وله ذكر في الصحيح (٢) من حديث أنس أن عباد ابن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة فأضاءت عصا أحدهما فلما افترقا أضاءت عصا كل واحد منهما. اهـ.
وقال الذهبي في ترجمته: الإمام أبو الربيع الأنصاري الأشهلي، أحد البدرين، كان من سادة الأوس، عاش خمسًا وأربعين سنة، وهو الذي أضاءت له عصاته ليلة انقلب إلى منزله من عند رسول الله ﷺ ، أسمل على يد مصعب بن عمير، وكان أحد من قتل كعب بن الأشرف اليهودي.
ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، قال: قالت عائشة: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وعباد ابن بشر، وأسيد بن حضير (٣).
آخى النبي ﷺ ، بينه وبين أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة.
وري بإسناد ضعيف عن أبي سعيد الخدري: سمع عباد بن بشر يقول: رأيت الليلة كأن السماء فرجت لي، ثم أطبقت علي، فهي إن شاء الله الشهادة.
عن عائشة قال: تهجد رسول الله ﷺ في بيتي، فسمع صوت عباد بن بشر، فقال:
стр. 1913
"يا عائشة! هذا صوت عباد بن بشر" قلت: نعم. قال: "اللهم اغفر له" (١).
عباد بن بشر بن قيظي الأشهلي قال ابن الأثير: وقع تخبيط في اسم جده. قال: وإنما هو عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث ابن الخزرج بن الأوس الأوسي. استشهد ﵁ يوم اليمامة.
أما عباد بن بشر بن قيظي، فهو أنصاري من بني حارثة، أم قومه في عهد النبي ﷺ ، له حديث في الاستدارة في الصلاة إلى الكعبة. والله أعلم.
قال عباد بن عبد الله بن الزبير: ما سماني أبي عبادًا إلا به يعني بالأشهلي، ومن شعره:
صرخت له فلم يعرض لصوتي ... ووافى طالعًا من رأس جذر
فعدت له فقال من المنادي ... فقلت أخوك عباد بن بشر
وهذي درعنا رهنًا فخذها ... لشهرٍ، إن وفى، أو نصف شهر
فقال: معاشر سغبوا وجاعوا ... وما عدموا الغني من غير فقر
فأقبل نحونا يهوي سريعًا ... وقال لنا لقد جئتم لأمر
وفي أيماننا بيض حداد ... مجربة، بها الكفار نفري
فعانقه ابن مسلمة المردي ... به الكفار كالليث الهزبر
وشد بسيفه صلتًا عليه ... فقطره أبو عبسٍ بن جبر
وكان الله سادسنا فأثنا ... بأنعم نعمةٍ وأغز نصر
واستعمله النبي، ﷺ ، على صدقات مزينة، وبني سليم، وجعله على حرسه في غزوة تبوك، وكان كبير القدر ﵁، أبلى يوم اليمامة بلاءً حسنًا، وكان أحد الشجعان الموصوفين.
نظر يوم اليمامة وهو يصيح: احطموا جفون السيوف. وقاتل حتى قتل بضربات في وجهه، ﵁. اهـ الذهبي.
* * *
стр. 1914
٣٩ - ضماد ﵁
قال ابن حجر: ضماد بن ثعلبة الأزدي من أزد شنوءة. وله ذكر في حديث أخرجه مسلم.
وروى مسدد في مسنده في أوله زيادة قال: وكان ضماد صديقًا للنبي ﵌ وكان يتطيب فخرج يطلب العلم، ثم جاء وقد بعث النبي ﵌ فذكره قال البغوي: لا أعلم لضماد غيره ووقع في الصحابة لابن حبان ضماد الأزدي كان صديقًا للنبي ﵌ كذا رأيته بخط الحافظ أبي علي البكري وكذا قال ابن منده أنه يقال فيه ضماد وضمام. اهـ ابن حجر.
٢١٣١ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄: أن ضمادًا قدم مكة، وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل، لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد" قال فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مراتٍ، قال فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، وقد بلغن ناعوس البحر، قال فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه فقال رسول الله ﷺ : "وعلى قومك؟ " قال: وعلى قومي؟ فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة. فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضمادٍ.
стр. 1915
٤٠ - عدي بن حاتم ﵁
قال ابن حجر: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي الطائي ولد الجواد المشهور أبو طريف ... أسلم في سنة تسع وقيل سنة عشر وكان نصرانيًا قبل ذلك وثبت على إسلامه في الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر وشهد فتح العراق ثم سكن الكوفة وشهد صفين مع علي ومات بعد الستين وقد أسن قال خليفة بلغ عشرين ومائة سنة وقال أبو حاتم السجستاني بلغ مائة وثمانين. قال عدي بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء .. وفي الصحيحين أنه سأل النبي ﵌ عن أمور تتعلق بالصيد وفيهما قصة في حمله قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١) على ظاهره وقوله له إنك لعريض الوسادة.
وروى أحمد والترمذي من طريق عباد بن حبيش الكوفي عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﵌ في المسجد فقال الناس هذا عدي بن حاتم قال: وجئت بغير أمان ولا كتاب وكان قال قبل ذلك: إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي فقام فأخذ بيدي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك حاجة فقام معهما حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى إلى داره فألقت إليه الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه فقال: هل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا. ثم قال: هل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ قلت: لا. قال: فإن اليهود مضغوب عليهم وإن النصارى ضالون.
وذكر ابن المبارك في الزهد عن ابن عيينة أنه حدث عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: ما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها.
وكان جوادًا وقد أخرج أحمد عن تميم بن طرفة قال: سأل رجل عدي بن حاتم مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم وأنا ابن حاتم والله لا أعطيك: وسنده صحيح اهـ ابن حجر.
стр. 1916
وقال الذهبي في ترجمته: الشريف، أبو وهب وأبو طريف الطائي، صاحب النبي ﷺ ، ولد حاتم طي الذي يضرب بجوده المثل.
وفد عدي على النبي ﷺ في وسط سنة سبع، فأكرمه واحترمه.
وكان أحد من قطع برية السماوة مع خالد بن الوليد إلى الشام، وقد وجهه خالد بالأخماس إلى الصديق ... نزل الكوفة مدة ثم قرقيسيا من الجزيرة.
عن أبي عبيدة بن حذيفة، قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى جنبي لا أتيه، ثم أتيته فسألته، فقال: بعث النبي ﷺ فكرهته، ثم كنت بأرض الروم، فقلت: لو أتيت هذا الرجل، فإن كان صادقًا، تبعته، فلما قدمت المدينة، استشرفني الناس، فقال لي: يا عدي! أسلم تسلم، قلت: إن لي دينًا، قال: أنا أعلم بدينك منك، ألست ترأس قومك؟ قلت: بلى قال: ألست ركوسيًا (١) تأكل المرباع؟ (٢) قلت: بلى. قال: فإن ذلك لا يحل لك في دينك. فتضعضعت لذلك. ثم قال: يا عدي! أسلم تسلم. فأظن ما يمنعك أن تسلم خصاصة تراها بمن حولي، وأنك ترى الناس علينا إلبًا واحدًا. هل أتيت الحيرة؟ قلت: لم آتها، وقد علمت مكانها. قال: توشك الظعينة أن ترتحل من الحيرة بغير جوارٍ حتى تطوف بالبيت، ولتفتحن علينا كنوز كسرى. قلت: كسرى بن هرمز! قال: كسرى بن هرمز، وليفيض المال حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة.
قال عدي: فلقد رأيت اثنتين، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة، يعني فيض المال (٣).
قال أبو عبيدة: كان عدي بن حاتم على طيء يوم صفين مع علي.
وروى سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن سيرين، قال: لما قتل عثمان، قال عدي: لا
стр. 1917
ينتطح فيها عنزان (١) ففقئت عينه يوم صفين، فقيل له: أما قلت: لا ينتطح فيها عنزان، قال: بلى وتفقأ عيون كثيرة وقيل: قتل ولده يومئذ.
قال أبو إسحاق: رأيت عديًا رجلاً جسيمًا أعور، يسجد على جدارٍ ارتفاعه نحو ذراع.
جرير عن مغيرة قال: خرج عدي، وجرير البجلي وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيسيا (٢)، وقالوا: لا تقيم ببلدٍ يشتم فيه عثمان اهـ.
٢١٣٢ - * روى البخاري عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتينا عمر في وفدٍ، فجعل يدعو رجلاً رجلاً، ويسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عدي: فلا أبالي إذاً.
وفي رواية أحمد (٢) قال: أتيت عمر بن الخطاب في أناسٍ من قومي، فجعل يفرض للرجل من طيء في ألفين، ويعرض عني، قال: فاستقبلته فأعرض عني، ثم أتيته من حيال وجهه، فأعرض عني، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: فضحك، ثم قال: نعم، والله إني لأعرفك آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى النبي ﷺ ، ثم أخذ يعتذر، ثم قال: إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سادة
стр. 1918
عشائرهم، لما ينوبهم من الحقوق، فقال عدي: فلا أبالي إذاً.
قال الذهبي: قال ابن الكلبي: مات عدي سنة سبعٍ وستين، وله مئة وعشرون سنة.
وقال ابن سعد: سنة ثمان وستين، وقيل: سنة ست وستين. اهـ.
* * *
стр. 1919
٤١ - ثمامة بن أثال ﵁
قال ابن حجر: ثمامة بن أثال بن النعمان بن سلمة بن عتيبة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة الحنفي أبو أمامة اليمامي .. حديثه في البخاري من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﵌ خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج النبي صلى الله عليه آله وسلم فقال: أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأخرجه أيضًا مطولاً ورواه ابن إسحاق في المغازي عن سعيد المقبري مطولاً وأوله أن ثمامة كان عرض لرسول الله ﵌ فأراد قتله فدعا رسول الله ﵌ ربه أن يمكنه منه فلما أسلم قدم مكة معتمرًا فقال: والذي نفسي بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة وكانت ريف أهل مكة حتى يأذن فيها رسول الله ﵌ ورواه الحميدي عن سفيان عن ابن عجلان عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وذكر أيضًا ابن إسحاق أن ثمامة ثبت على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة وارتحل هو ومن أطاعه من قومه فلحقوا بالعلاء ابن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفر واشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم فرآها عليه ناس من بني قيس بن ثعلبة فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه فقتلوه.
وروى ابن منده من طريق علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة ومنعه عن قريش الميرة ونزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (١) وإسناده حسن وذكر وثيمة له مقامًا حسنًا في الردة وأنشد له في الإنكار على بني حنيفة أبياتًا منها:
أهم بترك القول ثم يردني ... إلى القول إنعام النبي محمد
شكرت له فكي من الغل بعدما ... رأيت خيالاً من حسام مهند
اهـ. ابن حجر.
стр. 1920
٢١٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجدٍ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثالٍ. سيد أهل اليمامة، فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد. فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال "ماذا عندك؟ يا ثمامة! " فقال: عندي، يا محمد! خير. إن تقتل تقتل ذا دمٍ. وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد. فقال: "ما عندك؟ يا ثمامة! " قال: ما قلت لك. إن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد. فقال: "ماذا عندك؟ يا ثمامة! " فقال: عندي ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر. وإن تقتل تقتل ذا دمٍ. وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله ﷺ : "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد. فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله! ما كان من دينٍ أبغض إلي من دينك. فأصبح دينك أحب الدين كله إلي. والله! ما كان من بلدٍ أبغض إلي من بلدك. فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة. فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ . وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: أصوت؟ فقال: لا. ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ . ولا، والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطةٍ حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ .
وأخرج النسائي (١) منه طرفًا في غسل الكافر إذا أراد أن يسلم، وهذا لفظه. قال أبو هريرة: إن ثمامة بن أثال الحنفي انطلق إلى نخلٍ قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله،
стр. 1921
يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر.
* * *
стр. 1922
٤٢ - عمرو بن عبسة السلمي ﵁
قال ابن حجر: عمرو بن عبسة بن خالد بن عامر بن غاضرة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهتة بن سليم .. وقيل ابن عبسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خالد بن مازن ابن مالك بن ثعلبة بن بهثة. كذا ساق نسبه ابن سعد وتبعه ابن عساكر والأول أصح، وهو الذي قاله خليفة وأبو أحمد الحاكم وغيرهما، السلمي أو نجيح ويقال أبو شعيب قال الواقدي: أسلم قديماً بمكة ثم رجع إلى بلاده فأقام بها إلى أن هاجر بعد خيبر وقبل الفتح فشهدها قال الواقدي، وزعم أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي في ذكر من نزل حمص من الصحابة عمرو بن عبسة من المهاجرين الأولين شهد بدراً كذا قال وتبعه عبد الصمد بن سعيد: قال أحمد وذكر بقية أنه نزلها أربعمائة من الصحابة منهم عمرو بن عبسة أو نحيج، قال ابن عساكر كذا قالا ولم يتابعا على شهوده بدراً ويقال إنه كان أخا أبي ذر لأمه قاله خليفة واسما رملة بنت الوقيعة. أخرج مسلم في صحيحه قصة إسلامه وسؤاله عن أشياء من أمور الصلاة وغيرها، وقد روى عنه ابن مسعود مع تقدمه وأبو أمامة الباهلي وسهل بن سعد ومن التابعين شرحبيل بن السبط وسعدان بن أبي طلحة وسليم بن عامر وعبد الرحمن ابن عامر وجبير بن نفير وأبو سلام وآخرون. قال ابن سعد: كان قبل أن يسلم اعتزل عبادة الأوثان، وأخرج أبو يعلى من طريق لقمان بن عامر عن أبي أمامة من طريق ابن عبسة لقد رأيتني وإني لرابع الإسلام، وفي رواية أبي أحمد الحاكم من هذا الوجه وإني لربع الإسلام.
وأخرج أبو نعيم عن مولى لكعب قال: انطلقنا مع المقداد بن الأسود وعمرو بن عبسة وشافع بن حبيب الهذلي فخرج عمرو بن عبسة يوماً للرعية فانطلقت نصف النهار لأراه فإذا سحابة قد أظلته ما فيها عنه مفصل فيقظته فقال: إن هذا شيء إن علمت أنك أخبرت به أحداً لا يكون بيني وبينك خير، قال: فوالله ما أخبرت به حتى مات. وقال الحاكم أبو احمد: قد سكن عمرو بن عبسة الشام ويقال إنه مات بحمص. وأظنه مات في أواخر خلافة عثمان فإنني لم أر له ذكراً في الفتنة ولا في خلافة معاوية. اهـ.
قال الذهبي: عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة، الإمام الأمير، أبو نجيح السلمي
стр. 1923
البجلي، أحد السابقين، ومن كان يقال هو ربع الإسلام. وبنو بجيلة رهط من سليم وكان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك.
نزل عمرو حمص باتفاق. ويقال: شهد بدراً، وما تباع أحد عبد الصمد بن سعيد، وأحمد بن محمد بن عيسى على ذا (١) اهـ.
ذكر ابن سعد (٢) عن بن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ ، وهو نازل بعكاظ، فقلت: من معك؟ قال: «أبو بكر وبلال» فأسلمت. فلقد رأيتني ربع الإسلام.
وذكر الذهبي في السير (٣) عن عمرو بن عبسة، قال: أسلمت، فقال لي النبي ﷺ : «الحق بقومك» ثم أتينه قبل الفتح.
٢١٣٤ - * روى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً، حراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: «أنا نبي» فقلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله» فقلت: فبأي شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء» قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: «حر وعبد» قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به، فقلت: إني متبعك، قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت
стр. 1924
فائتني» فال: ذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخير الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه؛ فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: «نعم، أنت الذي لقيتني بمكة؟» قال: فقلت: بلى. فقلت: يا رسول الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله أخبرني عن الصلاة؟ قال: «صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالمرح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهم، فإذا فاء الفي فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار».
قال فقلت: يا نبي الله فالوضوء؟ حدثني عنه. قال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه، كما أمره الله تعالى، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خَرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من
стр. 1925
خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه».
فحدث عمرو بت عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول. في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا إمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله ولا على رسوله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً - حتى عد سبع مرات - ما حدثت به أبداً، ولكني سمعته أكثر من ذلك.
قال الذهبي: لم يؤرخوا موته، لعله مات بعد سنة ستين. فالله أعلم.
* * *
стр. 1926
٤٣ - خباب بن الأرتِّ ﵁
قال ابن حجر: خباث بن الأرت بتشديد المثناه بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي ويقال الخزاعي أبو عبد الله .. سبي في الجاهلية فبيع بمكة مولى أم أنمار الخزاعية وقيل غير ذلك، ثم حالف بني زهرة، وكان من السابقين الأولين. قال ابن سعد: بيع بمكة ثم حالف بني زهرة وأسلم قديماً وكان من المستضعفين. وروى البارودي أنه أسلم سادس ستة وهو أول من أظهر إسلامه وعذب عذاباً شديداً لأجل ذلك. وقال الطبري: إنما انتسب في بني زهرة لأن آل سباع حلفاء عمرو بن عوف بن الحارث بن زهرة وآل سباع منهم سباع بن أم أنمار الخزاعية ثم شهد المشاهد كلها، آخى رسول الله ﵌ بينه وبين حبر بن عتيك. روى عن النبي ﵌.
روى الطبراني من طريق زيد بن وهب قال: لما رجع علي من صفين مر بقبر خباب فقال: رحم الله خباباً أسلم راغباً وهاجر طائعاً وعاش مجاهداً وابتلي في جسمه أحوالاً ولن يضيع الله أجره وشهد خباب بدراً وما بعدها ونزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين، زاد ابن حبان منصرف على من صفين وصلى عليه علي، وقال مات سنة تسع عشرة والأول أصح وكان يعمل السيوف في الجاهلية ثبت ذلك في الصحيحين وثبت فيهما أيضا أنه تمول وأنه مرض مرضاً شديداً حتى كاد أن يتمنى الموت روى مسلم من طريق قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى فقال: لولا أن رسول الله عليه وآله وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ويقال إنه أول من دفن بظهر الكوفة ذلك الطبري بسند له إلى علقمة بن قيس النخعي عن ابن البخاب قال وعاش ثلاثاً وستين سنة. اهـ.
قال الذهبي في ترجمته: من نجباء السابقين. له عدة أحاديث. وقيل: كنيته أبو عبد الله، شهد بدراً، والمشاهد.
قال منصور، عن مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وخباب، وبلال، وصهيب، وعمار.
стр. 1927
وأما ابن إسحاق، فذكر إسلام خباب بعد تسعة عشر إنساناً، وأنه كمل العشرين. اهـ.
٢١٣٥ - * روى ابن ماجه وابن سعد عن أبي ليلى الكندي، قال: قال عمر لخباب: ادنه، فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار. قال: فجعل يريه بظهره شيئاً يعني من آثار تعذيب قريش له.
٢١٣ - * روى البخاري وابن سعد عن خباب، قال: كنت فيناً بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفاً، فجئت أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حق تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. فقال: إذا بعثت كان لي مال، فسوف أقضيك. فقلت ذلك لرسول الله ﷺ . فأنزلت: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) (١).
قال الذهبي: لخباب - بالمكرر - اثنان وثلاثون حديثاً ومنها: ثلاثة في الصحيحين وانفرد له البخاري بحديثين ومسلم بحديث. اهـ الذهبي.
٢١٣٧ - * روى البخاري عن علقمة بن قيس النخعي ﵀ قال: كنا جلوساً مع ابن مسعود، فجاء خباب، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ؟ قال: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك، قال: أجل، قال: اقرأ يا علقمة، فقال زيد بن حدير - أخو زياد بن حدير -: أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ فقال: أما إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي ﷺ في قومك وقومه، فقرأت خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد الله: كيف ترى؟ قال: قد أحسن، قال عبد الله: ما أقرأ شيئاً إلا وهو يقرؤه، ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب، فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم، فألقاه.
стр. 1928
قال الذهبي: قيل: مات في خلافة عمر، وصلى عليه عمر. وليس هذا بشيء، بل مات بالكوفة سنة سبع وثلاثين، وصلى عليه علي.
وقيل: عاش ثلاثاً وسبعين سنة.
نعم، الذي مات سنة تسع عشرة وصلى عليه عمر: هو خباب مولى عتبة بن غزوان، صحابي مهاجري أيضاً. اهـ.
* * *
стр. 1929
٤٤ - سالم مولى أبي حذيفة ﵄
قال ابن حجر في الإصابة: سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة شمس .. أحد السابقين الأولين قال البخاري: مولاته امرأة من الأنصار وقال ابن حبان يقال لها ليلى ويقال ثبيتة بنت يعار وكانت امرأة أبي حذيفة وبهذا جزم ابن سعد، وقال ابن شاهين: سمعت ابن أبي داود يقول: هو سالم بن معقل وكان مولى امرأة من الأنصار يقال لها فاطنة بنت يعار أعتقته سائبة فوالى أبا حذيفة وسيأتي في ترجمته وديعة أن اسمها سلمى وزعم ابن منده أنه سالم بن عبيد بن ربيعة وتعقبه أبو نعيم فأجاد وإنما هو مولى أبي حذيفة ابن عتبة ابن ربيعة فوقع فيع سقط وتصحيف وكان أبو حذيفة قد تبناه كما تبنى رسول الله ﵌ زيد بن حارثة فكان أبو حذيفة يرى أن ابنه فانكحه أبنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة فأما أنزل الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ رد كل أحد تبنى ابناً من أولئك إلى أبيه ومن لم يعرف أبوه رد إلى مواليه، أخرجه مالك في الموطأ عن الزهري عن عروة بهذا وفيه قصة إرضاعه. وروى البخاري من حديث ابن عمر كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر أخرجه الطبراني من طريق هشام بن عروة عن نافع وزاد وكان أكثرهم قرآنا، وفي الرضاع مشهورة فعند مسلم من طريق القاسم عن عائشة أن سالما كان مع أبي حذيفة فأتت سهلة بنت سهيل بن عمرو رسول الله ﷺ كان مع أبي حذيفة فأتت سهلة بنت سهيل بن عمرو رسول الله ﵌ فقالت إن سالماً بلغ ما يبلغ الرجال وإنه يدخل غلي وأظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً فقال: أرضعيه تحرمي عليه الحديث، ومن طريق الزهري عن أبي عبيد الله بن عبد الله بن زمعة عن أمه زينب بنت أم سلمة أن أزواج النبي ﵌ لسالم، وقال مالك في الموطأ عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن أبا حذيفة فذكر الحديث قال جاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة فقال: يا رسول الله إنا كنا نرى سالماً ولداً وكان يدخل علي وأنا فضل [أي استقبله دون تكلف وكأني أمه لا أتستر منه تستر الأجنبية عنه] فماذا ترى فيه فذكره. ووصله عبد الرازق عن مالك فقال عن عروة عن عائشة وأخرجه البخاري من طريق الليث عن الزهري موصولاً وروى البخاري ومسلم
стр. 1930
والنسائي والترمذي من طريق مسروق عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رفعه خذوا القرآن من أربعة من ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل.
وروى ابن المبارك في كتاب الجهاد أو لواء المهاجرين كان مع سالم فقيل له في ذلك. فقال: بئس حامل القرآن أنا - يعني إن فرتت - فقطعت يمينه فأخذه بيساره فقطعت فاعتنقه إلى أن صرع، فقال لأصحابه ما فعل أبو حذيفة يعني مولاه قيل قتل قال فأضجعوني بجنبه فأرسل عمر ميراثه إلى معتقته ثبيتة فقال: إنما أعتقته سائبة فجعله في بيت المال وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه فقال كليه. اهـ ابن حجر.
وقال الذهبي في ترجمته: من السابقين الأولين البدريين المقربين العالمين.
قال موسى بن عقبة: هو سالم بن معقل. أصله ك إصطخر. وإلى أبا حذيفة. وإنما الذي أعتقه هي ثبيتة بنت يعار الأنصارية، زوجة أبي حذيفة بن عتبة وتبناه أبو حذيفة، كذا قال.
وعن ابن عمر، قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الذين قدموا من مكة، حتى قدم المدينة، لأنه كان أقرأهم. أهـ.
٢١٣٨ - * روى ابن سعد، عن القاسم بن محمد أن سهلة بنت سهيل أتت رسول الله ﷺ وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول الله! إن سالما معي، وقد أدرك ما يدرك الرجال، فقال: «أرضعيه، فإذا أرضعيه فقد حرم عليك ما يحرم من ذي المحرم». قالت أم سلمة: أبي أزواج رسول الله ﷺ أن يدخل أحد عليهن بهذا الرضاع، وقلن: إنما هي رخصة لسالم خاصة.
٢١٣٩ - * روى أحمد والحاكم عن عائشة قالت: استبطأني رسول الله ذات ليلة، فقال: ما حسبك؟ قلت: إن في المسجد لأحسن من سمعت صوتاً بالقرآن، فأخذ رداءه، وخرج