← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والأضرار كما تخضع للفتوى البصيرة من أهلها. ٣ - يلاحظ أن مهاجري الحبشة لم يكلفوا بأية مهام دعوية على أرض الحبشة، وهذا يفتح أمامنا باباً واسعاً في آداب المسلم إذا ما اضطرته ظروفه إلى هجرة، فإنه في هذه الحالة يسعه أن يلاحظ قوانين البلد الآخر وألا يتدخل في شؤونه الداخلية إلا بالقدر الذي يسمح به البلد الآخر، والأمر واسع فهو يدور بين رخصة وعزيمة وللقيادة الراشدة دور في تحديد العمل المطلوب من المهاجرين على أن لا يقع غدر أو نكث أو خيانة من قِبَلِنا، ولئن كان رسول الله ﷺ لم يكلف جعفراً وأصحابه بالدعوة فإن هناك روايات تفيد أن جعفراً قد دعا واستجيب له. ٤ - من قصة النجاشي ابتداء وانتهاء نصل إلى قضية على غاية من الأهمية في العمل الحركي، فالنجاشي أسلم في النهاية، وبقي على رأس نظام له قوانين غير إسلامية، وقبل الرسول ﷺ ذلك منه وصلى عليه لما مات، وهذا يفيد أن الحكم على نظام بالكفر لا يعني الحكم على كل فرد فيه بذلك، بل قد يوجد نظام كافر ويحكم للرأس المدبر لهذا النظام بالإسلام ظاهراً وباطناً، كما هو حال النجاشي. ٥ - نذكر بمناسبة الكلام عن الهجرية الأولى للحبشة الأولى للحبشة حادثة سجود المشركين عندما سمعوا سورة "النجم" ويذكر في سياق ذلك حادثة الغرانيق من أن الشيطان أسمع المشركين تمجيداً من رسول الله ﷺ لأصنامهم أثناء تلاوته ﵊، وتلك قصة باطلة لا أصل لها. ٦ - وفي حكم الهجرة قال الدكتور البوطي: أما الهجرة من دار الإسلام فحكمها بين الوجوب والجواز والحرمة: أما الوجوب فيكون عند عدم تمكن المسلم من القيام بالشعائر الإسلامية فيها كالصلاة والصيام والأذان والحج .. ، وأما الجواز فيكون عندما يصبه فيها بلاء يضيق به، فيجوز له أن يخرج منها إلى دار إسلامية أخرى، وأما الحرمة فتكون عندما تستلزم هجرته إهمال واجب من الواجبات الإسلامية لا يقوم به غيره. ٧ - وقال الدكتور البوطي تلعيقاً على حادثة الهجرة إلى الحبشة:

стр. 247

يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة إلى ذلك سواء كان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي - إذ كان نصرانياً عندئذ ولكنه أسلم بعد ذلك -، أو كان مشركاً كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة في حمايتهم عندما رجعوا من الحبشة، وكأبي طالب عم الرسول ﷺ وكالمطعم بن عدي الذي دخل الرسول ﷺ مكة في حمايته عندما رجع من الطائف. ٨ - قال الدكتور السباعي ﵀: إن على الداعية إذ وجد جماعته في خطر على حياتهم أو معتقداتهم من الفتنة، أن يهيئ لهم مكاناً يأمنون فيه من عدوان المبطلين، ولا ينافي ذلك ما يجب على دعاة الحق من تضحية، فإنهم إذا كانوا قلة استطاع المبطلون أن يقضوا عليهم قضاءاً مبرماً، فيتخلصوا من دعوتهم، وفي وجودهم في مكان آمن ضمان لاستمرار الدعوة وانتشارها. ٩ - وقال: إن في أمر الرسول أصحابه أولاً وثانياً بالهجرة إلى الحبشة، ما يدل على أن رابطة الدين بين المتدينين - ولو اختلفت دياناتهم - هي أقوى وأوثق من رابطتهم مع الوثنيين والملحدين. ١٠ - وقال: إن المبطلين لا يستسلمون أمام أهل الحق بسهولة ويسر، فهم كلما أخفقت لهم وسيلة من وسائل المقاومة والقضاء على دعوة الحق، ابتكروا وسائل أخرى، وهكذا حتى ينتصر الحق انتصاره النهائي ويلفظ الباطل أنفاسه الأخيرة. * * *

стр. 248

فصل: في إسلام عمر وحمزة ١٠٩ - * روى الطبراني عن محمد بن كعب القرظي قال: كان إسلام حمزة ﵁ حَمِيَّةَ وكان يخرج من الحرم فيصطادُ فإذا رجع مر بمجلس قريش، وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة فيمر بهم فيقول: رميت كذا وكذا وصنعت كذا وكذا ثم ينطلق إلى منزله، فأقبل من رميه ذات يوم فلقيته امرأة فقالت: يا أبا عُمارة ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل بن هشام؟ شتمه وتناوله وفعل وفعل، فقال: هل رآه أحد؟ قالت: أي والله لقد رآه ناس، فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم فاتكأ على قوسه وقال: رميتُ كذا وفعلت كذا وكذا، ثم جمع يديه بالقوس فضرب بها بين أذني أبي جهل فدق سيتها، ثم قال: خذها بالقوس وأخرى بالسيف، أشهد أنه رسول الله ﷺ وأنه جاء بالحق من عند الله، قالوا: يا أبا عمارة إنه سب آلهتنا، وإن كنت أنت وأنت أفضل منه ما أقررناك وذاك، وما كنت يا أبا عمارة فاحشاً. ١١٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر". قال: فأصبح، فغدا عمر على رسول الله ﷺ فأسلم. ١١١ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب. المراد بالجهر هنا التحدي، وإلا فقد جهر قبله غيره. ١١٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزةً منذ أسلم عمر

стр. 249

١١٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: إن كان إسلامُ عمر لفتحاً، وهجرته لنصراً، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر. ١١٤ - * روى الحاكم عن عثمان بن عبد الله بن الأرقم عن جده الأرقم، وكان بدرياً، وكان رسول الله ﷺ أوى في داره عند الصفا حتى تكاملوا أربعين رجلاً مسلمين وكان آخرهم إسلاماً عمر بن الخطاب ﵃، فلما كانوا أربعين خرجوا إلى المشركين. قال الأرقم: فجئتُ رسول الله ﵌ لأودعه وأردتُ الخروج إلى بيت المقدس، فقال لي رسول الله ﵌: "أين تُريدُ؟ " قلت: بيت المقدس. قال: "وما يخرجك إليه أفي تجارةٍ؟ " قلت: لا ولكن أصلي فيه، فقال رسول الله ﵌: "صلاة ها هنا خيرٌ من ألف صلاةٍ". ذكر رقم الأربعين هنا يحتمل أنهم تكاملوا أربعين بعد هجرة من هاجر إلى الحبشة لأن الذين هاجروا إلى الحبشة الهجرة الثانية أكثر من ثمانين، أو نقول: إن الثمانين لم يهاجروا دفعة واحدة فالمسلمون تزايدوا بعد إسلام عمر وقسم منهم هاجر فزاد رقم المهاجرين على الثمانين وهذا الذي نرجحه، فيكون عمر هو الموفي على العدد الأربعين وهي حصيلة عمل خمس سنين من الدعوة، وفي هذا درس للمتعجلين. ١١٥ - * روى البخاري عن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: بينما هو في الدار خائفاً، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو عليه حُلةُ حبرٍ وقميصُ مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمتُ، قال: لا سبيل إليك - بعد أن قالها أمنتُ - فخرج العاص، فلقيَ

стр. 250

الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريدُ هذا ابن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه. فكر الناسُ. وفي رواية قال: لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره، وقالوا: صبأ عمر - وأنا غلامٌ فوق ظهر بيتي - فجاء رجلٌ عليه قباء من ديباجٍ، فقال: قد صبأ عمر، فما ذاك؟ فأنا له جاز، فرأيتُ الناس تصدعوا عنه، فقلت: من هذا؟ قالوا: العاص بن وائلٍ. ١١٦ - * روى الطبراني عن عمر أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لا أدعُ مجلساً جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإسلام، فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة فجعل يعلن الإسلام ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فثار المشركون فجعلوا يضربونه ويضربهم. فلما تكاثروا عليه خلصه رجل فقلت لعمر: من الرجل الذي خلصك من المشركين؟ قال: ذاك العاص بن وائل السهمي. * * * دروس من إسلام عمر وحمزة: إن معرفة الرجال وإدراك مزاياهم والاستفادة من كفاءاتهم شيء لا يلحق به أحد من الناس رسولنا ﵊ وفي قصة عمر نموذج، والقائد الذي لا يدرك مزية الرجال ويحسن الاستفادة من قوة القوي منهم قائد فاشل وضائع. ولقد عز الإسلام بعمر من حيث إنه حمل هذا الدين جهرة وتحدى به وصارع من أجله - دون قتال - ومن هنا نعرف أن مجرد إظهار الدعوة والوقوف بقوة معها واثبات على ذلك يعتبر نصراً للإسلام وأهله. وبإسلام حمزة وعمر وجد وضع جديد في مكة، وبخروج بعض الأصحاب إلى الحبشة

стр. 251

زادت أضغان المشركين، ولكن أبا طالب كان يحمي رسول الله ﷺ ، وهذا كله دعا قريشاً لأن تفكر وتعمل الحيلة، فهداها شيطانها إلى فكرة المقاطعة لرسول الله ﷺ وأصحابه ومن يتعاطف معهم مما ألجأ رسول الله ﷺ وأصحابه وأبا طالب وبني هاشم وبني المطلب ما عدا أبا لهب إلى الدخول في شعب أبي طالب لمواجهة الحصار الاقتصادي والاجتماعي مجتمعين، وكانت محنة جديدة استمرت ثلاث سنين، أنهك فيها أبو طالب وخديجة فتوفيا على إثرها، وههنا ازدادت المحنة وبدأت قريش بالإيذاء المباشر لرسول الله ﷺ ، فكان من آثار ذلك أن قرر رسول الله الرحلة إلى الطائف للدعوة هناك، فوقفت منه ثقيف موقفاً هو شر من موقف قريش فعاد إلى مكة ودخلها بحماية المطعم بن عدي. وخلال هذه الأحداث كلها كانت الدعوة مستمرة، والتبليغ قائماً على قدم وساق، وفُتح آخر الأمر الطريق إلى المدينة بدخول الإسلام إلى أهلها على مدار ثلاث سنوات متوالية حدثت خلالها حادثة الإسراء والمعراج كمقدمة لميلاد الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم كان آخر الأمر الهجرة إلى المدينة. * * *

стр. 252

فصل: في حصار الشِّعْب بدأ حصار الشعب في السنة السابعة للبعثة، واستمر ثلاث سنوات وانتهى على القول الراجح في المحرم من السنة العاشرة. تعاقدت قريش على بني هاشم وبني المطلب ألا ينكاحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، وكتبوا هذا في صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب إلى شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، واشتد الحصار وقطعت عنهم الميرة والمادة حتى بلغهم الجهد والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سراً ولا يشترون حوائج إلا في الأشهر الحرم أو مما يرد إلى مكة من خارجها، ومع ذلك كانت قريش تزيد عليهم في السعر، ثم تحركت عواطف أهل النخوة والأريحية فأبطلوا الصحيفة، ولما أرادوا تمزيقها وجدوا الأرضة أكلتها إلا قولهم (باسمك اللهم). وكان رسول الله ﷺ قد أخبر عمه بذلك فكانت معجزة، وقد ذكر البخاري حادثتين أشار فيهما رسول الله ﷺ إلى تقاسم المشركين على كفرهم هذا في خيف (١) بني كنانة مرة بمناسبة غزوة حنين ومرة بمناسبة الحج، وكتب السيرة طافحة بأخبار هذا الحصار ومأسيه، وقد ذكره البخاري في صحيحه مرتين وها نحن ننقل إحدى الروايتين وننقل ما ذكره ابن حر بمناسبة إحداهما: ١١٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : من الغد يوم النحر وهو بمنى: "نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر" يعني بذلك المحصب، وذلك أن قُريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب - أو بني المطلب - أن لا يُنكاحوهم ولا يُبايعوهم حتى يُسلموا إليهم النبي ﷺ . وقال سلامةُ عن

стр. 253

عُقيل ويحيى بن الضحاك عن الأوزاعي: أخبرني ابنُ شهاب وقالا: بني هاشم وبني المطلب، قال أبو عبد الله بن يالمطلب أشبه. قال ابن حجر: قال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أصحاب المغازي: لما رأت قريش أن الصحابة قد نزلوا أرضاً أصابوا بها أماناً وأن عمر أسلم وأن الإسلام فشا في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك أبا طالب فجمع بني هاشم وبني المطلب فأدخلوا رسول الله شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه إلى ذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك أجمعوا أن يكتبوا بينهم وبين بني هاشم والمطلب كتاباً أن لا يعاملوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، ففعلوا ذلك، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فشلت أصابعه، ويقال إن الذي كتبها النضر ابن الحارث، وقيل طلحة بن أبي طلحة العبدي، قال ابن إسحاق: فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فكانوا معه كلهم إلا أبا لهب فكان مع قريش، وقيل كان ابتداء حصرهم في المحرم سنة سبع من البعثة، قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً، وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين حتى جهدوا ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات إلا خفية، حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على أنه أرسل إلى بعض أقاربه شيئاً من الصلات. إلى أن قام في نقض الصحيفة نفر من أشدهم في ذلك صنيعاً هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وكانت أم أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل أن يتزوجها جده، فكان يصلهم وهم في الشعب، ثم مشى إلى زهير بن أبي أمية وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فكلمه في ذلك فوافقه، ومشيا جميعاً إلى المطعم بن عدي وإلى زمعة بن الأسود فاجتمعوا على ذلك، فلما جلسوا بالحجر تكلموا في ذلك وأنكروه وتواطئوا عليه فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل. وفي آخر الأمر أخرجوا الصحيفة فمزقوها وأبطلوا حكمها. وذكر ابن هشام أنهم وجدوا الأرضة قد أكلت جميع ما فيها إلا اسم الله تعالى. وأما ابن إسحاق وموسى بن عقبة وعروة فذكروا عكس ذلك أن الأرضة لم تدع اسماً لله تعالى إلا أكلته، وبقي ما فيها من الظلم والقطيعة، فالله أعلم.

стр. 254

وذكر الواقدي أن خروجهم من الشعب كان في سنة عشر من المبعث، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات أبو طالب بعد أن خرجوا بقليل. قال ابن إسحاق ومات هو وخديجة في عام واحد، فنالت قريش من رسول الله ﷺ ما لم تكن تناله في حياة أبي طالب. ولما لم يثبت عند البخاري شيء من القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة لأن فيه دلالة على أصل القصة، لأن الذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث: "تقاسموا على الكفر". * * * درس من الحصار: نلاحظ من خلال قصة الحصار أن مشركي بني هاشم وبني المطلب تضامنوا مع رسول الله ﷺ وحموه كأثر من أعراف الجاهلية، ومن ههنا ومن غيره نأخذ أنه يسع المسلم أن يستفيد من قوانين الكفر فيما يخدم الدعوة على أن يكون ذلك مبنياً على فتوى صحيحة من أهلها. إن حقوق الإنسان في عصرنا ضمان للمسلم، والحرية الدينية في كثير من البلدان يستفاد منها، وقوانين كثير من أقطار العالم تعطي للمسلمين فرصاً، وعلى المسلمين أن يستفيدوا من ذلك وغيره من خلال موازنات دقيقة. قال الدكتور البوطي بمناسبة حادثة الحصار: والمهم أن تعلم بأن حماية أقارب رسول الله ﷺ له، لم تكن حماية للرسالة التي بعث بها، وإنما كانت لشخصه من الغريب، وإذا أكن أن تستغل هذه الحماية من قِبَلِ المسلمين وسيلة من وسائل الجهاد والتغلب على الكافرين والرد لمكائدهم وعدوانهم فأنعم بذلك من جهد مشكور وسبيل ينتبهون إليها. * * *

стр. 255

جزاء المقاطعة: ١١٨ - * روى مسلم عن مسروق بن الأجدع ﵀ قال: كنا عند عبد الله جلوساً - وهو مُضطجع بيننا - فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا عند أبواب كندة يقص، ويزعم: أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منها كهيئة الزكام، فقال عبد الله وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس، اتقوا الله، من علم منكم شيئاً فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١) إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدباراً قال: "اللهم سبعٌ كسبع يوسف". وفي راية للبخاري (٢): أن رسول الله ﷺ لما رأى قريشاً استعصوا عليه، فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء. حتى أكلوا الجلود والميتة، وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان، فقال: أي محمد، إن قومك قد هلكوا، فادع الله أن يكشف عنهم فدعا، ثم قال: "تعودوا بعد هذا" ثم قرأ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (٣). قال عبد الله: أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ قال: والبطشة الكبرى يوم بدرٍ. وفي رواية للبخاري (٤) قال: قال عبد الله: إنما كان هذا، لأن قريشاً لما استعصوا على

стр. 256

النبي ﷺ ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهدٌ، حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظرُ إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهدِ، فأنزل الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: فأتى رسول الله ﷺ ، فقيل: يا رسول الله، استسق الله لِمُضَر، فإنها قد هلكت، قال: "لمُضر؟ إنك لجريء"، فاستقى لهم، فسقوا، فنزلت ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فلما أصابهم الرفاهيةُ، عادُوا إلى حالهم، حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله ، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر. وفي رواية للبخاري (١): فقيل له: إن كشفنا عنهم، عادوا، فدعا ربه فكشف عنهم، فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾. وفي رواية الترمذي (٢) مثل الرواية الأولى إلى قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فهل يكشف عذاب الآخرة؟ قد مضى البطشة واللزامُ والدخانُ، وقال أحدهم: القمر، وقال الآخر: الروم واللزام يعني: يوم بدرٍ. وروى مسلم (٣) عن عبد الله قال: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر. * * *

стр. 257

فصل: في انشقاق القمر ذكر البخاري انشقاق القمر بين إسلام عمر بن الخطاب وبين هجرة الحبشة، وقد فهم من ذلك ابن حجر إشارة إلى أن حادثة انشقاق القمر كانت في تلك المرحلة قال: جعل ابن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة، ولم يذكر انشقاق القمر فاقتضى صنيع المؤلف أنه وقع في تلك الأيام، وقد ذكر ابن إسحاق من وجه آخر أن إسلام عمر كان عقب هجرة لحبشة الأولى أهـ. وقد ذكر الألوسي في تفسيره بصيغة الجزم أن انشقاق القمر كان قبل الهجرة بنحو خمس سنين. وبناء على قول الألوسي فإن انشقاق القمر كان بعد الهجرة الثانية إلى الحبشة وخلال حصار الشعب وإني أرجح ذلك، فحصار الشعب كان أشد المحن، وفي المحن تأتي التثبيتات في الغالب، ومعجزة انشقاق القمر كانت من أشد التثبيتات. ١١٩ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ : أن يُريهم آية، فأراهم انشقاق القمر. وفي أخرى: فأراهم القمر شقين (١). وزاد الترمذي (٢): فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ - إلى - ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٣) يقول: ذاهب. ١٢٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشق القمرُ على عهد رسول الله ﷺ بشقين، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا" وفي أخرى: ونحن معه، فقال

стр. 258

"اشهدُوا، اشهدُوا", وفي أخرى قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى، إذ انفلق القمر فلقتين، فلقة وراء الجبل، وفلقة دونهُ، فقال لنا رسول الله ﷺ : "اشهدوا". وللبخاري (١) قال: وقال مسروق عن عبد الله (بمكة) وأخرج الترمذي مثله. ١٢١ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، مثل حديث قبلهُ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اشهد". ١٢٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن القمر انشق في زمن النبي ﷺ . ١٢٣ - * روى الترمذي عن جبير بن مطعم ﵁ قال: انشق القمر على عهد النبي ﷺ ، صار فرقتين على ها الجبل، وعلى هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد فقال بعضهم: لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم. وزاد رُزين: فكانوا يتلقون الركبان، فيخبرونهم بأنهم قد رأوه فيكذبونهم. أقول: وفي رواية أبي نعيم في الدلائل: فما قدم عليهم أحد إلا أخبرهم بذلك، ذكره في الفتح. لقد روى هذه الحادثة ابن مسعود وجبير بن مطعم وحذيفة، قال ابن حجر: وهؤلاء شاهدوها. ورواها من صغار الصحابة عن كبارهم ابن عباس وأنس مما يدل على أن ذلك كان متداولاً يرويه الصغار عن الكبار.

стр. 259

قال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا، ويؤيد ذلك بالآية الكريمة، فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عذر. وقال صاحب الفتح الرباني: وهذا من المعجزات الكونية التي لم تسبق لنبي غير نبينا ﷺ . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. قال: وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. وقال في التاريخ: وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك زمنه، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، وذكر كثيراً من الأحاديث وطرقها في التفسير والتاريخ، أهـ. وقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجاً من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر، وقد أنكر ذلك بعضهم فقال: لو وقع ذلك لم يجز أن يخفى أمره على عوام الناس لأنه أمر صدر عن حس مشاهدة، فالناس فيه شركاء والدواعي متوفرة على رؤية كل غريب ونقل ما لم يعهد، فلو كان لذلك أصل لخلد في كتب أهل التسيير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره. والجواب عن ذلك أن هذه القصة خرجت عن بقية الأمور التي ذكروها لأنه شيء طلبه خاص من الناس فوقع ليلاً لأن القمر لا سلطان به بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون أكثر الناس فيه نياماً ومستكينين بالأبنية، والبارز بالصحراء منهم إذا كان يقظان يحتمل أنه كان في ذلك الوقت مشغولاً بما يلهيه من سمر وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراصد مركز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه،

стр. 260

ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر. ثم أبدى حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ شيء منها مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه إلا القرآن بما حاصله: إن معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلاك من كذب به من قومه للاشتراك في إدراكها بالحس، والنبي ﷺ بعث رحمة فكانت معجزته التي تحدى بها عقلية، فاختص بها القوم الذين بعث منهم لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الأفهام، ولو كان إدراكها عاماً لعوجل من كذب به كما عوجل من قبلهم. أهـ من الفتح. أقول: لما كان هناك خلاف بين الأئمة في تواتر انشقاق القمر، ولما كانت الآية ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قابلة للتأويل الضعيف بمعنى أنه سينشق، فإننا لا نحكم بكفر من أنكر الانشقاق، لكنه إما ضال وإما فاسق لتكذيبه الأحاديث الصحيحة، وعلى العموم فمثل هذا الإنكار دليل على مرض القلب. * * *

стр. 261

فصل: الإيذاء مستمر والدعوة مستمرة ١٢٤ - * روى أحمد عن رجل من بني مالك بن كنانة قال: رأيتُ رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا" قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم ولتتركوا اللات والعُزى، وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ . قلنا: انعت لنا رسول الله ﷺ ، قال: بين بُردين أحمرين، مربوعُ، كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر، أبيض شديد البياض، سابغ الشعر. ١٢٥ - * روى أحمد عن ربيعة بن عباد من بني الديل، وكان جاهلياً قال: رأيتُ النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" والناس مجتمعون عليه ووراءه رجلٌ وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابيء كاذب، يتتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فذكروا لي نسب رسول الله ﷺ وقالوا لي: هذا عمه أبو لهب، وفي رواية ورسول الله ﷺ يفر منه وهو يتبعه، وفي رواية والناس منقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً وهو لا يسكت. ١٢٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون". ١٢٧ - * روى الطبراني عن الحارث بن الحارث قال: قُلت لأبي ما هذه الجماعةُ قال:

стр. 262

هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فنزلنا فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان، وهم يرُدون عليه ويؤذونه حتى انتصف النهار وانصدع الناس عنه، أقبلت امرأة قد بدا نحرها تحمل قدحاً ومنديلاً فتتناوله منها فشرب وتوضأ ثم رفع رأسه فقال: "يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك" قلنا: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته. ١٢٨ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموقف، فقال: "ألا رجلٌ يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي". ١٢٩ - * روى الطبراني عن مدركة بن الحارث قال: حججت مع أبي فلما نزلنا مني إذا نحن بجماعةٍ، فقلت لأبي: ما هذه الجماعة، قال: هذا الصابئ، فإذا رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناسُ قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". لم ينقطع رسول الله ﷺ عن الدعوة أبداً منذ كُلف بها. وهذه نماذج: فلا الإيذاء شخصه ولا لأهله ولا لأصحابه ولا المقاطعة أوقفته عن الدعوة ﷺ ، وقد وضعنا هذا الفصل بين فصل المقاطعة وفصل عام الحزن مع أنهما متتابعان حتى لا يقع في خلد أحد أن الدعوة توقفت. * * *

стр. 263

فصل: عام الحزن والشدّة انتهى حصار الشعب في المحرم من السنة العاشرة للبعثة وتُوفي أبو طالب بعد ستة أشهر من ذلك أي في شهر رجب، وقد جاوز الثمانين من عمره، فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر معلومات حتى أصابه مرض الوفاة ثم تُوفي، وبعد وفاته بشهرين على قول توفيت أم المؤمنين خديجة في شهر رمضان من السنة العاشرة للبعثة ولها خمس وستون سنة ورسول الله ﷺ إذ ذاك في الخمسين من عمره، وحاولت قريش أن تأخذ من رسول الله شيئاً قبل وفاة أبي طالب فلم تفلح، فلما توفي آذت رسول الله ﷺ كل الإيذاء، ولعل أكثر روايات الإيذاء وقعت في هذه المرحلة مما اضطر رسول الله ﷺ للخروج إلى الطائف. ويذهب الدكتور البوطي إلى أن حزن رسول الله ﷺ لم يكن على فراق عمه وزوجه بل لانسداد أبواب الدعوة أمامه، ومع التسليم بالثاني فإنني لا أنفي الأول، لأن رسول الله ﷺ كان أكمل الناس في كل شيء، ومن ذلك أنه كان أكملهم عواطف، وعاطفتا الوفاء والرحمة كانتا بارزتين عنده، فإذا ما حزن على عمه وفاءً، وعلى زوجته رحمة ووفاء، فلا حرج في ذلك بل هو الكمال بعينه، ونحن سنذكر في هذا الفصل بعض روايات الإيذاء لأنها مظنة أن تكون وقعت بعد وفاة أبي طالب ولكن ليس ذلك شرطاً فاقتضى التنويه: ١٣٠ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: مَرِضَ أبو طالب فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل - فقام أبو جهل كي يمنعه وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: "أريدُ منهم كلمةً واحدةً، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجمُ الجزية". قال: كلمة واحدة؟ قال: "كلمة واحدة، قال: ياعم، يقولوا: لا إله إلا الله". فقالوا: إلهاً واحداً؟ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة. إن هذا إلا اختلاق. قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ *

стр. 264

وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (١). ١٣١ - * روى البخاري ومسلم عن المسيب بن حزنٍ ﵁ قال: لما حضرتْ أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ : "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهدُ لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويُعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "أما والله، لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك"، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢). وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣). ١٣٢ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂، عن النبي ﵌ قال: ما زالت قريش كاعةً حتى تُوفي أبو طالب. ١٣٣ - * روى أحمد (٤) عن عُروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تُظهر من عداوته، قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما

стр. 265

رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا. قال: فبينما كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى الركن ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض ما يقول قال: فعرفتُ ذلك في وجهه ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوهُ بمثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى، فلما مر الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: "أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسُ محمدٍ بيده لقد جئتكم بالذبح" فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم انصرف راشداً فوالله ما كنت جهولاً، قال: فانصرف رسول الله ﷺ . حتى إذا كان الغدُ اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعضٍ: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجلٍ واحد، فأحاطوا به قولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا - لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم - قال: فيقول رسول الله ﷺ : "نعم أنا الذي أقول ذلك" قال: فلقد رأيتُ رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر دونه يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟، ثم انصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط. ١٣٤ - * روى البخاري عن عروة بن الزبير ﵄ قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ ؟ قال: رأيتُ عقبة بن أبي معيطٍ جاء إلى النبي ﷺ وهو يُصلي، فوضع رداءه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١).

стр. 266

وفي رواية: بينا رسول الله ﷺ بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ فلف ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبيه ودفعه عن رسول الله ﷺ .. وذكر الحديث. ١٣٥ - * روى البزار والطبراني في الأوسط، عن عبد الله بن مسعود قال: بينا رسول الله ﷺ في المسجد، وأبو جهل بن هشام وشيبة وعتبة ابنا ربيعة وعقبة بن ابي معيط وأمية بن خلف ورجلان آخران كانوا سبعة وهم في الحجر ورسول الله ﷺ يصلي فلما سجد أطال السجود، فقال أبو جهل: أيكم يأتي سلا جزور بني فلان فيأتينا بغرثها فنكفئهُ على محمدٍ؟، فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي معيطٍ فأتى به فألقاه على كتفيه ورسول الله ﷺ ساجد. قال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم ليس عندي منعة تمنعني فأنا أذهبُ، إذ سمعت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأقبلت حتى ألقت ذلك عن عاتقه، ثم استقبلت قريشاً تسبهم فلم يرجعوا إليها شيئاً، ورفع رسول الله ﷺ رأسه كما كان يرفع عند تمام السجود، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "اللهم عليك بقريش - ثلاثاً - عليك بعتبة وعقبة وأبي جهل وشيبة". ثم خرج من المسجد فلقيه أبو البختري بسوطٍ يتخصرُ به، فلما رأى النبي ﷺ أنكر وجهه

стр. 267

فقال مالك؟ فقال النبي ﷺ "خل عني" قال: عَلِمَ الله لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك فلقد أصابك شيء، فلما علم النبي ﷺ أنه غير مخلٍ عنه أخبره، فقال: "إن أبا جهلٍ أمر فطُرح علي فرثٌ" فقال أبو البختري: هلم إلى المسجد، فأتى النبي ﷺ وأبو البختري فدخلا المسجد، ثم أقبل أبو البختري إلى أبي جهل فقال: يا أبا الحكم أنت الذي أمرت بمحمدٍ ﷺ فطرح عليه الفرثُ؟ قال: نعم، قال: فرفع السوط فضرب به رأسه، قال: فثار الرجال بعضها إلى بعضٍ، قال: وصاح أبو جهلٍ: ويحكم هي له، إنما أراد محمد ﷺ أن يلقي بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه. وفي رواية فلما رفع رسول الله ﷺ رأسه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعدُ، اللهم عليك بالملأ من قريشٍ". ١٣٦ - * روى أبو يعلي والطبراني عن عمرو بن العاص قال: ما رأيت قريشاً أرادوا قتل رسول الله ﷺ إلا يوماً ائتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة، ورسول الله ﷺ يصلي عند المقام، فقام إليه عقبة بن أبي مُعيط فجعل رداء في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه، وتصايح الناس وظنوا أنه مقتول، قال: وأقبل أبو بكر يشتدُّ حتى أخذ بضبع رسول الله ﷺ من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عن النبي ﷺ . فقام رسول الله ﷺ فلما قضى صلاته مر بهم وهم جلوسٌ في ظل الكعبة فقال: "يا معشر قريش أنا والذي نفسي بيده ما أُرسلت إليكم إلا بالذبح" وأشار بيده إلى الحلق، فقال له أبو جهل: يا محمد ما كنت جهولاً. فقال رسول الله ﷺ : "أنت منهمْ". ١٣٧ - * روى أبو يعلي والبزار عن أنس بن مالك قال: لقد ضربوا رسول الله ﷺ مرة حتى غُشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، فقالوا: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر المجنونُ

стр. 268

١٣٨ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحِجْرِ فتعاهدوا باللات والعُزى ومناة الثالثة الأخرى، وقد رأينا محمداً، قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى تقتله. فأقبلت فاطمة ﵂ بكي حتى دخلت على أبيها، فقالت: هؤلاء الملأ من قومك في الحجر قد تعاهدوا أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوكن فليس منهم رجل إلا وقد عرف نصيبه من دمك. قال: "يا بنية أدني وضوءاً" فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد فلما رأوه قالوا: هو هنا فخفضوا أبصارهم، وعُقروا في مجالسهم فلم يرفعوا إليه أبصارهم، ولمي قم منهم رجل فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: "شاهت الوجوه" قال: فما أصابت رجلاً منهم حصاة، إلا قتل يوم بدر كافراً. أقول: ليس كل ما ذكرناه في هذا الفصل من الإيذاء قد وقع بالضرورة في عام الحزن، ولكن يحتمل إلى حد كبير أن يكون قد وقع في هذا المقام في هذا العام ولذلك أثبتناه ههنا، والظاهر أن هذا العام وصلت الدعوة إلى حد معين وقفت عنده فقد استقر الوضع في مكة بين مستجيب ومعارض، والقبائل العربية وقفت تنتظر، ولكن موقفها الرسمي هو موقف قريش، وقرر رسول الله ﷺ أن يحرك هذا السكون فتحرك نحو الطائف فكانت محنة جديدة. * * *

стр. 269

فصل: في رحلة الطائف ١٣٩ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قلتُ للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُدٍ؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها بجبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلم عليِّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملكُ الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً". قال ابن حجر في شرح هذا لحديث: وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب أنه ﷺ لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه، فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم وهم إخوة عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو فعرض عليهم نفسه وشكى إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد، وكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد مطولاً، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر من المبعث وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة. وقد لخص الدكتور البوطي رحلة الطائف من سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد بقوله:

стр. 270

ولما نالت قريش من النبي ﷺ ما وصفناه من الأذى، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله . ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادته، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم من أجله فردوا عليه رداً منكراً، وفاجأوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول، فقام رسول الله من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذاً، فلم يجيبوه إلى ذلك أيضاً. ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلي رسول الله ﷺ لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه عدة شجاج، حتى وصل رسول الله ﷺ إلى بستان لعتبة بن ربيعة، فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه. فعمد ﵊، وقد أنهكه التعب والجراح إلى ظل شجرة عنب فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، فلما اطمأن النبي ﷺ في ذلك الظل رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين أنت رب المستعضفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العُتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك". ولا سند لهذا الدعاء، فلم ندخله في المتن. ثم إن ابني ربيعة - صاحبي البستان - تحركت الشفقة في قلبيهما، فدعوا غلاماً نصرانياً لهما يقال له (عداس) فأرسلا إليه قطفاً من العنب في طبق. فلما وضع عداس العنب بين يدي رسول الله ﷺ وقال له: كل. مد الرسول يده قائلاً: "بسم الله". ثم أكل. فقال عداس متعجباً: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له الرسول ﷺ : "ومن أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ " قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوي (قرية بالموصل). فقال الرسول ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونُس بن متي؟ " فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متي؟ فقال رسول الله ﷺ : "ذلك أخي، كان نبياً وأنا نبي" فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. وسند هذه القصة مرسل، فلم ندخلها في المتن.

стр. 271

قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمر به النفر (من الجن) من الذين ذكرهم الله ﵎، فاستمعوا له. فلما فرغ من صلته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. وقد قص الله خبرهم عليه ﷺ في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) وقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٣) الآيات. ثم عاد رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة - يريد دخول مكة، فقال له زيد: كيف تخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فقال: "يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه" ثم أرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره أنه داخل مكة في جواره. فاستجاب مطعم لذلك، وعاد رسول الله ﷺ إلى مكة. أقول: دخول رسول الله ﷺ مكة بجوار المطعم بن عدي ثابت ومما يدل على ثبوت هذا: ١٤٠ - * روى البخاري عن جُبير بن مُطعمٍ أن النبي ﷺ قال في أُسارى بدرٍ: "لو كان المطعمُ بن عدي حياً، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له". قال سفيان: وكانت له عند النبي ﷺ يد، وكان أجزى الناس باليد. وقال ابن حجر: وبيَّن ابن شاهين من وجه آخر السبب في ذلك، وأن المراد باليد المذكورة ما وقع منه حين رجع النبي ﷺ من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، وقد ذكر ابن إسحاق القصة في ذلك مبسوطة، وكذلك أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل. فإذا ثبت ذلك فيكون هذا أصلاً كبيراً من أصول الحركة للدعوة الإسلامية، فللإسلاميين الحق أن يستفيدوا

стр. 272

من الأعراف والقوانين التي تعطيهم أمناً وحماية لأشخاصهم ولحرياتهم، كما أن هذا التصرف أصل يستند إليه في فعل كل ما هو من مصلحة الدعوة الإسلامية وحملتها ومن ذلك التحالفات والتعاقدات المرحلية. وبمناسبة ما ذكره كتاب السير أن الجن استمعوا قراءته مَقْفِلَه من الطائف فسيكون الفصل اللاحق في بعض الروايات التي تذكر سماع الجن منه ﵊. * * *

стр. 273

فصل: في تبليغ الجن قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، فرسالته ﵊ رحمة للخلق جميعهم، وهذه الرحمة مظهرها الأول أن المستجيبين لها مرحومون في الدنيا والآخرة، وبرحمتهم وبتطبيقهم لشريعة الله يرحم الخلق وترحم أنفسهم فتعطى طمأنينة قلب واستقامة سلوك، والمكلفون من الخلق هم من يملكون إدراكاً يستطيعون به فهم الخطاب، وهم مبتلون بالشر والخير ولهم إرادة يختارون بها طريق الخير من الشر وهذا ينطبق على الإنسان والجن. ولقد حدث في سيرة رسول الله ﷺ الأولى أن تسمع الجن لقراءته ﵊، وقد قص القرآن علينا ذلك في سورتي الأحقاف والجن فكان ذلك نوع بلاغ، ولكن البلاغ المباشر المقصود تم كذلك، وإن كنا لا نستطيع تعيين الزمن الذي تم فيه هذا النوع من البلاغ بدقة، لكن الشيء الثابت أن سماع الجن من رسول الله ﷺ وتبليغهم المباشر قد حدث، وقد مر معنا فصل من قبل في حفظ أمر السماء، وههنا نذكر بعض الروايات بمناسبة أن كتاب السير ذكروا أنه قد حدث سماع الجن من رسول الله ﷺ بعد رحلة الطائف. قال الحافظ في الفتح: تقدم في أوائل البعث في (باب ذكر الجن) أن ابن إسحاق وابن سعد ذكرا أن ذلك كان في ذي القعدة سنة عشر من البعث لما خرج النبي ﷺ إلى الطائف ثم رجع منها، ويؤيده قوله في هذا الحديث: (إن الجن رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر) والصلاة المفروضة إنما شرعت ليلة الإسراء، والإسراء كان على الراجح قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث فتكون القصة بعد الإسراء، لكنه مشكل من جهة أخرى، لأن محصل ما في الصحيح كما تقدم في بدء الخلق وما ذكره ابن إسحاق أنه ﷺ لما خرج إلى الطائف لم يكن معه من أصحابه إلا زيد بن حارثة، وهنا قال إنه انطلق في طائفة من أًحابه، فلعلها كانت

стр. 274

وجهة أخرى. ويمكن الجمع بأنه لما رجع لاقاه بعض أصحابه في أثناء الطريق فرافقوه. ١٤١ - * روى مسلم عن علقمة ﵀ قال: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم من رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناهُ في الأودية والشعاب، فقلنا استُطير، أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراءٍ، قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ، فقال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن" قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: "لكم كل عظمٍ ذُكر اسمُ الله عليه، يقعُ في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرةٍ علفٌ لدوابكم" فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم". وفي رواية بعد قوله: (وآثار نيرانهم) قال الشعبي: وسألوه الزاد؟ وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث، من قول الشعبي مفصلاً من حديث عبد الله. وفي رواية أن ابن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، ووددتُ أني كنت معه. وأخرجه الترمذي (١)، وذكر فيه قول الشعبي، كما سبق في هذه الرواية الآخرة، وزاد فيه: أو روثةٍ. وأخرج أبو داود منه طرفاً (٢)، قال: قلت لعبد الله بن مسعود: مَنْ كان منكم ليلة الجن مع النبي ﷺ ؟ فقال: ما كان معه منا أحدٌ.

стр. 275

قال الحافظ في الفتح: وقد روى ابن مردويه أيضاً من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل، فقال النبي ﷺ لابن مسعود: "انظرني حتى آتيك" وخط عليه خطاً.؟ الحديث. والجمع بين الروايتين تعدد القصة، فإن الذين جاءوا أولاً كان سبب مجيئهم ما ذكر في الحديث من إرسال الشهب، وسبب مجيء الذين في قصة ابن مسعود أنهم جاءوا لقصد الإسلام وسماع القرآن والسؤال عن أحكام الدين وقد بينت ذلك في أوائل المبعث في الكلام على حديث أبي هريرة، وهو من أقوى الأدلة على تعدد القصة. فإن أبا هريرة إنما أسلم بعد الهجرة، والقصة الأولى كانت عقب المبعث، ولعل من ذكر في القصص المفرقة كانوا ممن وفد بعد، لأنه ليس في كل قصة منها إلا أنه كان ممن وفد، وقد ثبت تعدد وفودهم. وتقدم في بدء الخلق كثير مما يتعلق بأحكام الجن والله المستعان. ١٤٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ العشاء، ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود، حتى خرج به إلى بطحاء مكة، فأجلسه، ثم خط عليه خطاً، ثم قال: "لا تبرحن خطك، فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم، فإنهم لا يكلمونك" ثم مضى رسول الله ﷺ حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي، إذ أتاني رجال كأنهم الزُّطُّ أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورةً، ولا أرى قشراً، وينتهون إليَّ، لا يُجاوزون الخط، ثم يصدرون إلى رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول الله ﷺ قد جاءني وأنا جالس، فقال: لقد أراني منذُ الليلة، ثم دخل عليِّ في خطي، فتوسد فخذي فرقد، وكان رسول الهل ﷺ إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعد ورسول الله ﷺ مُتوسد فخذي، إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم نم الجمال، فانتهوا إليِّ، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله ﷺ ، وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبداً قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي، إن عينيه

стр. 276

تنامانِ، وقلبه يقظان، اضربوا له مثلاً: مثل سيد بن يقصْرا ثم جعل مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه ألك من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يُجبه عاقبهُ - أو قال: عذبه - ثم ارتفعوا، واستيقظ رسول الله ﷺ عند ذلك، فقال: "سمعت ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هؤلاء؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "هم الملائكةُ، فتدري ما المثل الذي ضربوا؟ " قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: "المثل الذي ضربوا: الرحمن ﵎ بني الجنة، ودعا إليها عباده، فمن أجابه دخل الجنة، ومن لم يحبه عاقبه وعذبهُ". ١٤٣ - * روى البخاري عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: سمعتُ أبي، قال: سألت مسروقاً: من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك - يعني: عبد الله - أنه آذتْ بهم شجرة. ١٤٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: كان نفرٌ من الإنس يعبدون نفراً من الجن، فأسلم النفرُ من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم، فزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (١). قال الحافظ: أي: استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وروى الطبري من وجه آخر عن ابن مسعود فزاد فيه: والإنس كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم وهذا هو المعتمد في تفسير الآية.

стр. 277

وقد علق الدكتور البوطي على سماع الجن من رسول الله ﷺ في عودت من الطائف فقال: والذي يهمنا أن نعلمه بعد هذا كله هو أن على المسلم أن يؤمن بوجود الجن وبأنهم كائنات حية كلفها الله بعبادته كما كلفنا بذلك، ولئن كانت حواسنا ومداركنا لا تشعر بهم فذلك لأن الله جعل وجودهم غير خاضع للطاقة البصرية التي بثها في أعيننا، ومعلوم أن أعيننا إنما تبصر أنواعاً معينة من الموجودات بقدر معين وبشروط معينة. ولما كان وجود هذه الخليقة مسنداً إلى أخبار يقينية متواترة وردت إلينا من الكتاب والسنة، وكان أمرها معلوماً من الدين بالضرورة، أجمع المسلمون على أن إنكار الجن أو الشك في وجودهم يستلزم الردة والخروج عن الإسلام. إذ إن إنكارهم إنكار لشيء عُلم أنه من الدين بالضرورة، عدا أنه يتضمن تكذيب الخبر الصادق المتواتر إلينا عن الله وعن رسوله ﷺ . ولا ينبغي أن يقع العاقل في أشد مظاهر الغفلة والجهل من حيث يزعم أنه لا يؤمن إلا بما يتفق مع العلم، فيمضي يتبجح بأنه لا يعتقد بوجود الجان، من أجل أنه لم ير الجان ولم يحس بهم. إن من البداهة بمكان أن مثل هذا الجهل للتعالم، يستدعي إنكار كثير من الموجودات اليقينية لسبب واحد هو عدم إمكان رؤيتها. والقاعدة العلمية المشهورة تقول: عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود. أي عدم رؤيتك لشيء تفتش عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقوداً أو غير موجود. أهـ. أقول: لم يزل بين المسلمين الثقات العدول من يحدثنا عن صلة له بالجن، وتاريخنا طافح بأخبار علماء كانت للجن بهم صلة تلمذة، وقد كتب الشيخ ابن عابدين الفقه الحنفي المشهور رسالة عن صلات أحد شيوخه بالجن وتلمذتهم عليه، ولا أذكر هذا كتدليل على وجود الجن فكفى بشهادة القرآن والسنة الثابتة، ولكن أقول هذا بين يدي الدعوة إلى

стр. 278

تتبع هذه الروايات وجمعها في كتاب مع التحليل والتعليل. الفرج بعد الشدة: والى رسول الله ﷺ دعوته في مكة بعد رحلة الطائف، وفي أوائل السنة الحادية عشر للبعثة اجتمع مع وفد من الأوس، جاءوا يطلبون النصرة والحلف من قريش بعد وقعة بعاث التي كانت بينهم وبين أقاربهم من الخزرج، فتجاوب أحد أعضاء الوفد مع رسول الله ﷺ ، وفي موسم الحج من السنة الحادية عشرة للبعثة استجاب ستة من الخزرج لرسول الله ﷺ ، ولما رجع هؤلاء إلى المدينة المنورة حملوا إليها رسالة الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر لرسول الله، وفي السنة الثانية عشرة من النبوة وفي موسم الحج وفد اثنا عشر رجلاً من المدينة المنورة فيهم خمسة من الستة الذين استجابوا في عام سابق وكان منهم عشرة من الخزرج واثنان من الأوس وكانت بيعة العقبة الأولى، وأرسل الرسول مع هؤلاء مصعب بن عمير ليعلمهم ويقوم بالدعوة إلى الله، ودخل الناس في دين الله أفواجاً وخاصة بعد أن أسلم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وقبل حلول موسم الحج التالي عاد مصعب بن عمير إلى مكة ليبلغ رسول الله ﷺ ما حدث وليهيئ لبيعة العقبة الثانية، وفي موسم الحج من السنة الثالثة عشرة للبعثة تمت بيعة العقبة الثانية وكانت بعدها الهجرة. وخلال هذه السنوات الثلاث بقي البلاغ مستمراً، وحدثت أثناءها حادثة الإسراء. وهناك حادثة نرجح أنها حدثت في هذه المرحلة وهي حادثة تكسيره ﵊ لبعض الأصنام، ومن ثم سنعرض لكل هذا بالتفصيل. * * *

стр. 279

فصل: في تكسير بعض الأصنام ١٤٥ - * روى أحمد عن علي بن أبي طالب قال: انطلقت أنا والنبي ﷺ حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله ﷺ : "اجلس" وصعد على منكبين فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفاً فنزل، وجلس لي نبي الله ﷺ وقال: "اصعد على منكبي" قال: فصعدتُ على منكبيه، قال: فنهض بي، فإنه يخيلُ إلي أني لو شئت لنلتُ أفق السماء، حتى صعدتُ على البيت وعليه تمثال أصفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنتُ منه قال لي رسول الله ﷺ : "اقذف به" فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلتُ. فانطلقت أنا ورسول الله ﷺ نستبق، حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس. وفي روايةٍ: كان على الكعبة أصنام، فذهبت أحمل النبي ﷺ فلم أستطع، فحملني فجعلتُ أقطعها، ولو شئت لنلتُ السماء. هذه الحادثة الثابتة الوقوع يرويها الحاكم على أنه حدثت ليلة لهجرة، وقد وصف الذهبي رواية الحاكم بأن إسنادها نظيف ومتنها منكر، والظاهر أن نكارة متنها سببه أن هذه الرواية ذكرت أن الحادثة تمت ليلة الهجرة، وإلا فالرواية صحيحة كما رأينا، ولذلك اعتمدنا الرواية التي لم تذكر الهجرة، ورجحنا أن الحادثة تمت خلال السنوات الثلاث الأخيرة دون تحديد زمن فعقدان لها هذا الفصل. وبعد أن ذكر الله عدداً من رسله في سورة الأنعام قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وممن ذكر هناك وممن أمر ﵊ بالاقتداء به إبراهيم ﵊، ولقد كسر إبراهيم ﵊ الأصنام، وهذا رسول الله ﷺ يفعل ذلك اقتداء به، وهذا يفتح أمامنا آفاقاً في التطبيق، ومن ثم فإننا نلفت النظر إلى ضرورة التأمل في قصص الأنبياء في القرآن، وأن يحاول المسلم الاقتداء فيما

стр. 280

يستطيعه من أخلاقهم. وغلب على بعض المسلمين تصور أن المرحلة المكية لم يحدث فيها تغيير للمنكر باليد، وهذه الحادثة تدل على عكس ذلك، ولكنا ننبه دائماً على أن تغيير المنكر يحتاج إلى موازنات كثيرة، حتى لا يؤدي تغيير منكر إلى منكر أكبر. * * *

стр. 281

فصل: في الإسراء والمعراج ١ - تحدث القرآن عن الإسراء في سورة الإسراء وعن المعراج في سورة النجم، وذكر حكمة الإسراء في سورة الإسراء بقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (١) وقال في سورة النجم بعد ذكر ما حدث: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢). لقد كانت حكمة الإسراء والمعراج أن يري الله رسوله من آياته الكبرى توطئة لمرحلة المجابهة المسلحة، فمن حكمة الله أنه عندما كلف موسى بمواجهة فرعون أراه آياته الكبرى لأنها مواجهة تحتاج إلى مزيد من اليقين: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ (٣). لقد كانت رؤية الآيات الكبرى توطئة للأمر بمواجهة فرعون، وكان الإسراء والمعراج توطئة للهجرة ولأعظم مواجهة على مدى التاريخ للكفر والضلال والفسوق، والآيات التي رآها رسول الله ﷺ كثيرة: الذهاب إلى بيت المقدس، العروج إلى السماء، رؤية الغيب الذي دعا إليه: الأنبياء والمرسلين، الملائكة، السماوات، الجنة والنار، نماذج من النعيم والعذاب، ولقد رأى الله ذاته بقلبه وبعينيّ بصره على قول. وبذلك يكون قد شاهد عياناً ما دعا إليه الناس من الإيمان بالغيوب، وكان بذلك الشاهد المبصر على أمر الغيوب: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤). ٢ - هذا والإسراء والمعراج من معجزاته ﵊ التي تقوم بها الحجة على

стр. 282

الخلق، لا من حيث أنهما خارقتان حدثتا له وأخبر الناس عنهما - وهو الصادق المصدوق - ثم أكد وقوعهما القرآن، فذلك حجة بالنسبة للمؤمن، ولكن بما رافق ذلك من مشاهد أخبر بها الناس ما كان ليستطيع الإخبار بها لولا أنه قد أسري به ﵊. ٣ - ولقد حدث نوع آخر من المعراج لرسول الله ﷺ بالروح أو بالرؤيا، مما جعل الأمر يختلط على بعضهم، والأمر من النصوص واضح فالإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح، وهذا لاينفي أن يكون له ﵊ معراج آخر كان توطئة أو تأكيداً، سابقاً أو لاحقاً على المعراج الذي تحدث عنه القرآن. ٤ - وفي الإسراء والمعراج علوم وأسرار ودقائق ودروس وعبر، فهو يؤكد وجود السماوات السبع - وهي من أمر الغيب عندي بما فيه - وفي المعراج، فرضت الصلوات الخمس، وأوتي رسول الله ﷺ خواتيم سورة البقرة، فذلك إيمان وعمل ورمز على معان كثيرة، منها أن الصلاة معراج القلب. قال الأستاذ أبو الحسن الندوي: ولم يكن الإسراء مجرد حادث فردي بسيط رأي فيه رسول الله ﷺ الآيات الكبرى، وتجلى له ملكوت السماوات والأرض مشاهدة وعياناً - بل زيادة إلى ذلك - اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معان عميقة دقيقة كثيرة، وشارات حكيمة بعيدة المدى: فقد ضحت قصة الإسراء، وأعلنت السورتان الكريمتان اللتان نزلتا في شأنه وتسميان سورة (الإسراء) وسورة (النجم) أن محمداً ﷺ هو نبي القبلتين، وإمام المشرقين والمغربين، ووارث الأنبياء قبله، وإمام الأجيال بعده، فقد التقت في شخصه وفي إسرائه مكة بالقدس، والبيت الحرام بالمسجد الأقصى، وصلى ألأنبياء خلفه، فكان هذا إيذاناً بعموم رسالته وخلود إمامته وإنسانية تعاليمه، وصلاحيتها لاختلاف المكان والزمان، وأفادت هذه السورة الكريمة تعيين شخصية النبي ﷺ ووصف إمامته وقيادته وتحديد مكانة الأمة التي بعث فيها وآمنت به، وبيان رسالتها ودورها الذي ستمثله في العالم، ومن بين الشعوب والأمم.

стр. 283

وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلّم رسول الله ﷺ كيفية الصلاة وأوقاتها، وكان ﵊ وأصحابه يصلون ركعتين صباحاً ومثلهما مساء. زمن الإسراء والمعراج: قال المباركفوري في الرحيق المختوم: واختلف في تعيين زمنه على أقوال شتى: ١) فقيل: كان الإسراء في السنة التي أكرمه الله فيها بالنبوة، اختاره الطبري. ٢) وقيل: كان بعد المبعث بخمس سنين، رجح ذلك النووي والقرطبي. ٣) وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة ١٠ من النبوة، واختاره العلامة المنصورفوري. ٤) وقيل: قبل الهجرة بستة عشر شهراً، أي في رمضان سنة ١٢ من النبوة. ٥) وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، أي في المحرم سنة ١٣ من النبوة. ٦) وقيل: قبل الهجرة بسنة، أي في ربيع الأول سنة ١٣ من النبوة. ورُدتْ الأقوال الثلاثة الأولى: بأن خديجة ﵂ توفيت في رمضان سنة عشر من النبوة، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ولا خلاف أن فرض الصلوات الخمس كانت ليلة الإسراء. أما الأقوال الثلاثة الباقية فلم أجد ما أرجح به واحداً منها، غير أن سياق سورة الإسراء يدل على أن الإسراء متأخر جداً. قال البوطي: والذي رواه ابن سعد في طبقاته أنها كانت قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً. الإيمان بالإسراء والمعراج: قال الشيخ أديب الكيلاني ﵀ في شرحه على جوهرة التوحيد: وأجزم بمعراج النبي ﷺ كما رووا: أي أعتقد جازماً بعروج النبي ﷺ وصعوده إلى

стр. 284

السماوات السبع إلى سدرة المنتهى إلى حيث شاء الله بعد الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حال كون العروج الذي جزمت به مثل الذي رواه أهل الحديث والتفسير والسير. وقد استغنى الناظم بذكر المعراج عن الإسراء لشهرة إطلاق أحد الاسمين على ما يعم مدلوليهما، وهو سيره ﷺ ليلاً إلى أمكنة مخصوصة على وجه خارق للعادة. والحق أنه كان يقظة روحاً وجسداً خلافاً لمن قصره على المنام، والإسراء ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فمن أنكره كفر، وأما المعراج فثابت بالأحاديث المشهورة من المسجد الأقصى إلى السماوات السبع، ومنها إلى الجنة، ثم إلى المستوى أو العرش وبخير الواحد، لذا لا يكفر منكره بل يفسق. والتحقيق أنه لم يصل إلى العرش. الإسراء بالروح وبالجسد: وقال الدكتور البوطي: كان الإسراء والمعراج بكل من الروح والجسد معاً. على ذلك اتفق جمهور المسلمين من المتقدمين والمتأخرين. قال النووي في شرح مسلم ما نصه: والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أُسري بجسده ﷺ ، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل. ويقول ابن حجر في شرحه على البخاري: إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده وروحه، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل. ومن الأدلة التي لا تقبل الاحتمال على أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح، ما ذكرنا من استعظام مشركي قريش لذلك، وتعجبهم للخبر وسرعة تكذيبهم له. إذ لو كانت المسألة مسألة رؤيا وكان إخباره إياها لذلك على هذا الوجه، لما استدعى الأمر منهم أي

стр. 285

تعجب أو استعظام أو استنكار، لأن المرئيات في النوم لا حدود لها، بل ويجوز مثل هذه الرؤيا حينئذ على المسلم والكافر، ولو كان الأمر كذلك لما سألوه أيضاً عن صفات بيت المقدس وأبوابه وسواريه بقصد الإلزام والتحدي. أما كيف تمت هذه المعجزة وكيف يتصورها العقل فكما تتم كل معجزة غيرها من معجزات الكون والحياة! .. لقد قلنا آنفاً أن كل مظاهر هاذ الكون ليست في حقيقتها إلا معجزات، فكما تتصورها العقول في سهولة ويسر يمكن لها أن تتصور هذه أيضاً في سهولة ويسر. وقال الدكتور البوطي: احذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى مايسمى بـ (معراج ابن عباس) فهو كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند. أهز قلت: وبعضها صحيح، إلا أن التمييز عسير على غير أهل العلم. وسنسرد هنا الروايات دون توقف؛ لأن الحادثة وما جرى فيها من أمر الغيب الذي يجب الإيمان به والتسليم. ومما يضيء لنا فهم بعض النصوص أن نعرف أن هناك اتجاهاً يقول: إن حادثة الإسراء قد تكررت وأن حادثة المعراج قد تكررت، وهناك اتجاه يقول: إنه دق كان بين يدي المعراج رؤيا مهدت له ووطأت، وبذلك يجمع بين النصوص. ولقد كان الإسراء على البراق، أما المعراج فهناك قولان فيه فبعضهم ذهب أنه كان على البراق، وبعضهم ذهب إلى أنه نصب شيء فكان العروج عليه. ١٤٦ - روى ابن حبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ ليلة أُسري بي رجالاً تُقرضُ شفاههم بمقاريض من النار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون"
следующие страницы →