فصل: في الإسراء والمعراج
١ - تحدث القرآن عن الإسراء في سورة الإسراء وعن المعراج في سورة النجم، وذكر حكمة الإسراء في سورة الإسراء بقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (١) وقال في سورة النجم بعد ذكر ما حدث: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢). لقد كانت حكمة الإسراء والمعراج أن يري الله رسوله من آياته الكبرى توطئة لمرحلة المجابهة المسلحة، فمن حكمة الله أنه عندما كلف موسى بمواجهة فرعون أراه آياته الكبرى لأنها مواجهة تحتاج إلى مزيد من اليقين: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ (٣).
لقد كانت رؤية الآيات الكبرى توطئة للأمر بمواجهة فرعون، وكان الإسراء والمعراج توطئة للهجرة ولأعظم مواجهة على مدى التاريخ للكفر والضلال والفسوق، والآيات التي رآها رسول الله ﷺ كثيرة:
الذهاب إلى بيت المقدس، العروج إلى السماء، رؤية الغيب الذي دعا إليه: الأنبياء والمرسلين، الملائكة، السماوات، الجنة والنار، نماذج من النعيم والعذاب، ولقد رأى الله ذاته بقلبه وبعينيّ بصره على قول.
وبذلك يكون قد شاهد عياناً ما دعا إليه الناس من الإيمان بالغيوب، وكان بذلك الشاهد المبصر على أمر الغيوب:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤).
٢ - هذا والإسراء والمعراج من معجزاته ﵊ التي تقوم بها الحجة على
стр. 282
الخلق، لا من حيث أنهما خارقتان حدثتا له وأخبر الناس عنهما - وهو الصادق المصدوق - ثم أكد وقوعهما القرآن، فذلك حجة بالنسبة للمؤمن، ولكن بما رافق ذلك من مشاهد أخبر بها الناس ما كان ليستطيع الإخبار بها لولا أنه قد أسري به ﵊.
٣ - ولقد حدث نوع آخر من المعراج لرسول الله ﷺ بالروح أو بالرؤيا، مما جعل الأمر يختلط على بعضهم، والأمر من النصوص واضح فالإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح، وهذا لاينفي أن يكون له ﵊ معراج آخر كان توطئة أو تأكيداً، سابقاً أو لاحقاً على المعراج الذي تحدث عنه القرآن.
٤ - وفي الإسراء والمعراج علوم وأسرار ودقائق ودروس وعبر، فهو يؤكد وجود السماوات السبع - وهي من أمر الغيب عندي بما فيه - وفي المعراج، فرضت الصلوات الخمس، وأوتي رسول الله ﷺ خواتيم سورة البقرة، فذلك إيمان وعمل ورمز على معان كثيرة، منها أن الصلاة معراج القلب.
قال الأستاذ أبو الحسن الندوي:
ولم يكن الإسراء مجرد حادث فردي بسيط رأي فيه رسول الله ﷺ الآيات الكبرى، وتجلى له ملكوت السماوات والأرض مشاهدة وعياناً - بل زيادة إلى ذلك - اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معان عميقة دقيقة كثيرة، وشارات حكيمة بعيدة المدى: فقد ضحت قصة الإسراء، وأعلنت السورتان الكريمتان اللتان نزلتا في شأنه وتسميان سورة (الإسراء) وسورة (النجم) أن محمداً ﷺ هو نبي القبلتين، وإمام المشرقين والمغربين، ووارث الأنبياء قبله، وإمام الأجيال بعده، فقد التقت في شخصه وفي إسرائه مكة بالقدس، والبيت الحرام بالمسجد الأقصى، وصلى ألأنبياء خلفه، فكان هذا إيذاناً بعموم رسالته وخلود إمامته وإنسانية تعاليمه، وصلاحيتها لاختلاف المكان والزمان، وأفادت هذه السورة الكريمة تعيين شخصية النبي ﷺ ووصف إمامته وقيادته وتحديد مكانة الأمة التي بعث فيها وآمنت به، وبيان رسالتها ودورها الذي ستمثله في العالم، ومن بين الشعوب والأمم.
стр. 283
وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلّم رسول الله ﷺ كيفية الصلاة وأوقاتها، وكان ﵊ وأصحابه يصلون ركعتين صباحاً ومثلهما مساء.
زمن الإسراء والمعراج:
قال المباركفوري في الرحيق المختوم:
واختلف في تعيين زمنه على أقوال شتى:
١) فقيل: كان الإسراء في السنة التي أكرمه الله فيها بالنبوة، اختاره الطبري.
٢) وقيل: كان بعد المبعث بخمس سنين، رجح ذلك النووي والقرطبي.
٣) وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة ١٠ من النبوة، واختاره العلامة المنصورفوري.
٤) وقيل: قبل الهجرة بستة عشر شهراً، أي في رمضان سنة ١٢ من النبوة.
٥) وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، أي في المحرم سنة ١٣ من النبوة.
٦) وقيل: قبل الهجرة بسنة، أي في ربيع الأول سنة ١٣ من النبوة.
ورُدتْ الأقوال الثلاثة الأولى: بأن خديجة ﵂ توفيت في رمضان سنة عشر من النبوة، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ولا خلاف أن فرض الصلوات الخمس كانت ليلة الإسراء. أما الأقوال الثلاثة الباقية فلم أجد ما أرجح به واحداً منها، غير أن سياق سورة الإسراء يدل على أن الإسراء متأخر جداً.
قال البوطي: والذي رواه ابن سعد في طبقاته أنها كانت قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً.
الإيمان بالإسراء والمعراج:
قال الشيخ أديب الكيلاني ﵀ في شرحه على جوهرة التوحيد:
وأجزم بمعراج النبي ﷺ كما رووا: أي أعتقد جازماً بعروج النبي ﷺ وصعوده إلى
стр. 284
السماوات السبع إلى سدرة المنتهى إلى حيث شاء الله بعد الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حال كون العروج الذي جزمت به مثل الذي رواه أهل الحديث والتفسير والسير. وقد استغنى الناظم بذكر المعراج عن الإسراء لشهرة إطلاق أحد الاسمين على ما يعم مدلوليهما، وهو سيره ﷺ ليلاً إلى أمكنة مخصوصة على وجه خارق للعادة. والحق أنه كان يقظة روحاً وجسداً خلافاً لمن قصره على المنام، والإسراء ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فمن أنكره كفر، وأما المعراج فثابت بالأحاديث المشهورة من المسجد الأقصى إلى السماوات السبع، ومنها إلى الجنة، ثم إلى المستوى أو العرش وبخير الواحد، لذا لا يكفر منكره بل يفسق. والتحقيق أنه لم يصل إلى العرش.
الإسراء بالروح وبالجسد:
وقال الدكتور البوطي:
كان الإسراء والمعراج بكل من الروح والجسد معاً. على ذلك اتفق جمهور المسلمين من المتقدمين والمتأخرين. قال النووي في شرح مسلم ما نصه:
والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أُسري بجسده ﷺ ، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل.
ويقول ابن حجر في شرحه على البخاري: إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده وروحه، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل.
ومن الأدلة التي لا تقبل الاحتمال على أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح، ما ذكرنا من استعظام مشركي قريش لذلك، وتعجبهم للخبر وسرعة تكذيبهم له. إذ لو كانت المسألة مسألة رؤيا وكان إخباره إياها لذلك على هذا الوجه، لما استدعى الأمر منهم أي
стр. 285
تعجب أو استعظام أو استنكار، لأن المرئيات في النوم لا حدود لها، بل ويجوز مثل هذه الرؤيا حينئذ على المسلم والكافر، ولو كان الأمر كذلك لما سألوه أيضاً عن صفات بيت المقدس وأبوابه وسواريه بقصد الإلزام والتحدي.
أما كيف تمت هذه المعجزة وكيف يتصورها العقل فكما تتم كل معجزة غيرها من معجزات الكون والحياة! .. لقد قلنا آنفاً أن كل مظاهر هاذ الكون ليست في حقيقتها إلا معجزات، فكما تتصورها العقول في سهولة ويسر يمكن لها أن تتصور هذه أيضاً في سهولة ويسر. وقال الدكتور البوطي:
احذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى مايسمى بـ (معراج ابن عباس) فهو كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند. أهز
قلت: وبعضها صحيح، إلا أن التمييز عسير على غير أهل العلم.
وسنسرد هنا الروايات دون توقف؛ لأن الحادثة وما جرى فيها من أمر الغيب الذي يجب الإيمان به والتسليم. ومما يضيء لنا فهم بعض النصوص أن نعرف أن هناك اتجاهاً يقول: إن حادثة الإسراء قد تكررت وأن حادثة المعراج قد تكررت، وهناك اتجاه يقول: إنه دق كان بين يدي المعراج رؤيا مهدت له ووطأت، وبذلك يجمع بين النصوص.
ولقد كان الإسراء على البراق، أما المعراج فهناك قولان فيه فبعضهم ذهب أنه كان على البراق، وبعضهم ذهب إلى أنه نصب شيء فكان العروج عليه.
١٤٦ - روى ابن حبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ ليلة أُسري بي رجالاً تُقرضُ شفاههم بمقاريض من النار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون"
стр. 286
١٤٧ - * روى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما كان ليلة أُسري بي وأصبحتُ بمكة فَظِعْتُ بأمري، وعرفتُ أن الناس مُكذبيِّ، فقعدتُ معتزلاً حزيناً"، فمر به عدو الله أبو جهلٍ، فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيءٍ؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم" قال: وما هو؟ قال: "إنه أُسري بي الليلة" قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس" قال: ثم أصبحت بين ظاهرنينا؟ قال: "نعم" فلم ر أنه يُكذبه، مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت قومك أتُحدثهم ما حدثتني؟ قال: "نعم" قال: هيا معشر بني كعب بن لؤي حتى قال: فانتقضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله ﷺ : "إني أُسري بي الليلة" قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس" قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: "نعم" قال: فمن بين مصفقٍ ومن بين واضعٍ يده على رأسه متعجباً للكذب - زعم - قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله ﷺ : "فذهبتُ أنعت فما زلت انعت حتى التبس عليَّ بعض النعت قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وُضِعَ دون دار عقاب أو عقيل فنعتهُ، وأنا أنظرُ إليه قال: وكان مع هذا نعتٌ لم أحفظهُ" قال: فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب.
١٤٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ليلة
стр. 287
أُسري به لقيتُ موسى، قال: فنعتهُ فإذا رجلٌ - حسبتهُ قال: مُضطربٌ - رَجِلُ الرأس، كأنه من رجال شنوءةَ، قال: ولقيتُ عيسى، فنعته النبي ﷺ ، ربعةً أحمرُ كأنما خرج من ديماسٍ - يعني: الحمام - ورأيت إبراهيم، وأنا أشبهُ ولده به، قال: وأتيتُ بإناءين أحدهما لبنن والآخر فيه خمرٌ، فقيل لي: خُذ أيهما شئت، فأخذتُ اللبن فشربته، فقيل لي: هُديت الفطرة - أو أصبت الفطرة - أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمكت".
وفي رواية نحوه، وفيه: "فإذا موسى، ضربٌ من الرجال، كأنه من رجال شنوءةَ".
في رواية لمسلم (١) قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي؟ فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكُربتُ كُربة ما كُربت مثلها قط، قال: فرفعه الله لي، أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا انبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضربٌ جعدٌ كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي، أقربُ الناس به شبهاً عروة بن مسعودٍ الثقفي، وإذا إبراهيم ﵇ قائم يُصلي، أشبه الناس به: صاحبُكم - يعني نفسه فحانت لصلاة فأممتُهُم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمدُ هذا مالك صاحب النار، فسلم عليه، فالتفت إليه، فبدأني بالسلام".
стр. 288
١٤٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتيتُ على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يُصلي في قبره".
١٥٠ - * روى عبد الله بن أحمد عن أبي بن كعب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: طفُرج سقفُ بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ﵇ ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب ممتلئٍ حكمة وإيماناً فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جاء السماء الدنيا فافتتح، قال: من هذا؟ قال: جبيل، قال: هل معك أحد: قال: نعم، معي محمدٌ: قال أُرسل إليه، قال: نعم فافتح، فلما علونا السماء الدنيا إذا رجلٌ عن يمينه أسودة، وعن يسارة أسودة، وإذا نظر قبل يمينه تبسمن وإذا نظر قبل يساره بكى، قال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلتُ لجبريل ﵇: م هذا؟ قال هذا آدم وهذه الأسودةُ عن يمينه وشماله نسمُ بنيه فأهل اليمين هم أهل الجنة والأسودةُ التي عن شماله أهل النار فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، قال: ثم عرج بي جبريل حتى جاء السماء الثانية فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنُها مثل ما قال خازن سماء الدنيا ففتح له".
١٥١ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: لما أُسري بالنبي ﵌ إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدثُ الناس بذل، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه وسعوا بذلك إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنهُ
стр. 289
أُسري به الليلة إلى بيت المقدس وقال: أو قال ذلك قالوا: نعم. قال لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أو تُصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت لمقدس وجاء قبل أن يُصبح؟ قال. نعم إني لأصدقه فيما هو أبعدُ من ذلك أصدقهُ بخبر السماء في غدوةٍ أو روحةٍ فلذلك سُمي أبو بكر الصديق.
١٥٢ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقيتُ إبراهيم ليلة أُسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم: أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".
١٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما أُسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرجُ به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيُقبض منها - قال ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ (١) قال: فراشٌ من ذهبٍ، قال: فأُعطي رسول الله ﷺ ثلاثاً: أُعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقحماتُ.
وفي رواية الترمذي (٢) قال: لما بلغ رسول الله ﷺ سدرة المنتهى، قال: انتهى إليها ما يعرجُ من الأرض وما ينزلُ من فوقٍ، فأعطاه الله عندها ثلاثاً، لم يعطهن نبياً كان قبله: فُرضت عليه الصلاة خمساً، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لأمته المقحمات
стр. 290
ما لم يشركوا بالله شيئاً. قال ابن مسعود: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: السدرة في السماء السادسة، قال سفيان: فراشُ من ذهبٍ، وأشار سفيان بيده فأرعدها.
وفي رواية "إليها ينتهي علمُ الخلق، لا علم لهم بما فوق ذلك".
جاء في هذه الرواية أن سدرة المنتهى في السماء السادسة، وهذا خلاف المشهور.
قال الحافظ ابن حجر:
وقال القرطبي في (المفهم): ظاهر حديث أنس أنها في السابعة لقوله بعد ذكر السماء السابعة "ثم ذهب بي إلى السدرة" وفي حديث ابن مسعود أنها في السادسة، وهذا تعارض لا شك فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل وكل ملك مقرب على ما قال كعب، قال: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله أو من أعلمه، وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد، وقال غيره: إليها منتهى أرواح الشهداء، قال: ويترجح حديث أنس بأنه مرفوع، وحديث ابن مسعود موقوف، كذا قال.
١٥٤ - * روى البزار والطبراني عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل ﵇، فوكر بين كتفي فقُمتُ إلى شجرة فيه كوكري الطير فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر، فسمت وارتفعتْ حتى سدت الخافقين وأنا أقلب طرفي ولو شئت أن أمس السماء لمستُ، فالتفت إلى جبريل كأنه حلسُ لاطئ فعرفت فضل علمه بالله عليَّ وفُتح باب من أبواب السماء ورأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرفة الدُّر والياقوت فأوحي إلي ما شاء أن يُوحى".
١٥٥ - * روى البخار يعن قتادة بن دعامة: عن أنس عن مالك بن صعصعة: أن نبي
стр. 291
الله ﷺ حدثه عن ليلة أُسري، قال: "بينما أنا في الحطيم - وربما قال: في الحِجر - مُضطجعاً - إذ أتاني آتٍ فقد - فقال: وسمعته يقول: فشق - ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود، وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول: من قصه إلى شعرته، فاستخرج قلبي، ثم أُتيتُ بطستٍ من ذهب مملوءةٍ إيماناً، فغُسل قلبي، ثم حُشي، ثم أعيد، ثم أتيتُ بدابةٍ، دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ فقال أنس: نعم يضع خطوهُ عند أقصى طرفه، فحملتُ عليه، فانطلق بين جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، فقيل: منْ هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيءُ جاء، ففتح، فلما خلصتُ، فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فرد السلام، وقال: مرحباً بالابن الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصتُ، فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت، فرداً، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَنْ
стр. 292
معكَ؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنِعْمَ المجيء جاء، فلما خلصتُ، إذا يوسفُ (١)، قال: هذا يوسفُ فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فردٌ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصتُ، فإذا إدريسُ، قال: هذا إدريسُ فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي، حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصتُ، فإذا هارونُ، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصتُ، فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فرد، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي، لأن غُلاماً بُعِثَ بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً
стр. 293
به، ونعم المجيء جاء، فلما خلصتُ، فإذا إبراهيمُ، قال: هذا أبوك، فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رُفعتُ إلى سدرة المنتهى فإذا نبقُها مثل قِلال هَجَرَ، وإذا ورقُها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهارٍ: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلتُ: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان، فنهران في الجنة، وأما الظاهران، فالنيل والفرات (١)، ثم رُفع إلى البيت المعمورُ، ثم أتيتُ بإناء من خمر وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذتُ اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتكَ، قال: ثم فُرضت عليّ الصلاة، خمسين صلاة كل يوم، فرجعتُ فمررت على موسى، فقال: بم أُمرت؟ قلت: أمرتُ بخمسين صلاة كل يومٍ، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربتُ الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعتُ فوضع عني عشراً، فرجعتُ إلى موسى، فقال مثله، فرجعتُ، فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فأمرتُ بعشر صلواتٍ كل يومٍ، فرجعتُ فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يومٍ، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلواتٍ كل يومٍ، وإني قدْ جربت الناس قبلكن وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييتُ، ولكن أرضى وأُسلمُ، فلما جاوزتُ، نادى منادٍ: أمضيتُ فريضتي، وخففتُ عن عبادي".
стр. 294
وفي رواية (١): بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان"، وفيه: "ثُم غُسِلَ البطنُ بماء زمزم، ثم مُليء حكمة وإيماناً" وفيه: "فرفع لي البيتُ المعمورُ، فسألتُ جبريل؟ فقال: هذا البيت المعمور، يُصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم" وفي آخره "وخففتُ عن عبادي، وأجزي بالحسنة عشراً".
وفي أخرى (٢): "بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة، بين الرجلين، فأتيتُ، فانطلق بي، فأتيت بطست من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرح صدري إلى كذا وكذا - يعني إلى أسفل بطنه".
وفي أخرى (٣): " فأُتيت بطستٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً، فشق من النحر إلى مراق البطن، فغُسل بماء زمزم".
وأخرجه النسائي (٤) ينحوه بمعناه وأخصر منه، وهذا أتم وأطول.
وأخرجه الترمذي (٥) إلى قوله: "فغسله بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حُشي إيماناً وحكمة"، قال الترمذي: وفي الحديث قصة طويلة، ولم يذكرها.
قال الحافظ في الفتح: وقد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضاً عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) ولكل منهما حكمة فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس "فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان
стр. 295
منك" وكان هذا في زمن الطفولة فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه؛ ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل؛ لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه ﷺ . ويحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شق صدره وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرر بها، وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك، قال القرطبي في (المفهم): لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء لأن رواته ثقات مشاهير.
ثم قال: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أن للسماء أبواباً حقيقة وحفظة موكلين بها، وفيه إثبات الاستئذان، وأنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول: أنا فلان، ولا يقتصر على (أنا) لأنه ينافي مطلوب الاستفهام، وأن المار يسلم على القاعد وإن كان المار أفضل من القاعد، وفيه استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء، وجواز مدح الإنسان المأمون عليه الافتتان في وجهه، وفيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة، وفيه جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل، وقد سبق البحث فيه في أول الصلاة، وفيه فضل السير بالليل على السر بالنهار لما وقع من الإسراء بالليل، ولذلك كانت أكثر عبادته ﷺ بالليل، وكان أكثر سفره ﷺ بالليل، وقال ﷺ "عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى باللي" وفيه أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يستفاد ذلك من قول موسى ﵇ للنبي ﷺ أنه عالج الناس قبله وجربهم، ويستفاد منه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى أبداناً من هذه الأمة، وقد قال موسى في كلامه إنه عالجهم على أقل من ذلك فما وافقوه، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة قال: ويستفاد منه أن مقام الخلة مقام الرضا والتسليم، ومقام التكليم مقام الإدلال والانبساط، ومن ثم استبد موسى بأمر النبي ﷺ بطلب التخفيف دون إبراهيم عليه
стр. 296
السلام، مع أن للنبي ﷺ من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى لمقام الأبوة ورفعة المنزلة والاتباع في الملة، وقال غيره: الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الحديث من سبقه إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها وأنهم خالفوه وعصوه، وفيه أن الجنة والنار قد خلقنا، لقوله في بعض طرقه التي بينتها "عرضت على الجنة والنار" وفيه استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى وتكثير الشفاعة عنده، لما وقع منه في إجابته مشورة موسى في سؤال التخفيف، وفيه فضيلة الاستحياء، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها وإن لم يستشر الناصح في ذلك. أهـ.
١٥٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر يحدث أنَّ رسول الله ﷺ : قال: "فُرج سقفُ بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل ﵇ لخازن السماء الدنيا: افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحدٌ؟ قال: نعم، معي محمد ﷺ ، قال: فأُرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح، قال، فلما علوْنا السماء الدنيا فإذا رجلٌ عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودةٌ، قال: فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، قال: فقال: مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح، قال: قلتُ: يا جبريلُ من هذا، قال: هذا آدمُ ﵇ وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شماله نسمُ بنيه، فأهلُ اليمين أهلُ الجنة، والأسودةُ التي عن شماله أهلُ النار، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحكَ، وإذا نظر
стр. 297
قِبَلَ شماله بكى، قال: ثم عرج بي جبريلٌ، حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتحْ، قال: فقال له خازنُها مثلَ ما قال خازنُ السماء الدنيا، ففتح". فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين.
ولم يثبتْ كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم ﵇ في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة - قال: "فلما مر جبريل ورسول الله بإدريس صلوات الله وسلامه عليه، قال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: ثم مر، فقلتُ: من هذا؟ قال: هذا إدريسُ، قال: ثم مررتُ بموسى ﵇، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: قلتُ: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: قلتُ من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، قال: ثم مررت بإبراهيم ﵇، فقال: مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح، قال: قلتُ: من هذا؟ قال إبراهيمُ".
قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم، أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله ﷺ : "ثم عرج بي حتى ظهرتُ لمستوى أسمعُ فيه صريف الأقلام".
قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : "ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك، حتى أمُرُّ بموسى، فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: فرض عليهم خمسين صلاة، قال لي موسى ﵇: فراجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي، فوضع شطرها، قال: فرجعتُ إلى موسى فأخبرته، قال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعتُ ربي، فقال: هي خمس، وهي خمسون لا يبدل القول لدي، قال: فرجعتُ إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلتُ: قد استحييت من ربي، قال: ثم انطلق بي جبريل حتى
стр. 298
نأتي سدرة المنتهى، فغشيها ألوان، لا أدري ما هي؟ قال: ثم أدخلتُ الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا تُرابها المسك".
١٥٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١). قال: رأى جبريل ﵇.
١٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٣)، وفي قله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٤).
قال فيها كلها: رأى جبريل ﵇، له ستمائة جناح - زاد في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ أي: جبريل في صورته. كذا عند مسلم.
وعند البخاري في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا
стр. 299
أَوْحَى﴾ (١) قال: رأى جبريل له ستمائة جناحٍ.
وفي رواية الترمذي (٢) قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في حُلةٍ من رفرفٍ قد ملأ ما بين السماء والأرض.
وللبخاري (٣) في قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قال: رفرفاً أخضر سد أفق السماء.
١٥٩ - * روى أحمد والطبراني عن ابن عباس قال: سأل النبي ﷺ جبريل ﵇ أن يراه في صورته، قال: ادع ربك ، فطلع عليه سوادٌ من قبل المشرق. قال فجعل يرتفع وينتشر فلما رآه النبي ﷺ صُعِقَ فأتاهُ فنعشه ومسح البُزاق عن شدقيه.
١٦٠ - * روى مسلم عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٤) قال: رآه بفؤاده، مرتين، وفي روايةٍ قال: رآه بقلبه، ولقد رآه نزلة أخرى.
وفي رواية الترمذي (٥) قال: رأى محمد ربهُ، قلتُ: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٦). قال: ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نورهُ، مرتين.
وفي أخرى له (٧): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ
стр. 300
مَا أَوْحَى﴾ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال ابن عباس: قد رآه النبي ﷺ .
وله في أخرى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رآه بقلبه.
١٦١ - روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "عُرِضَ علي الأنبياء، فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم، فإذا أقرب من رأيت به شبهاً: عروةُ بن مسعودٍ، ورأيتُ إبراهيم ﵇، فإذا أقربُ من رأيتُ به شبهاً صاحبُكم - يعني نفسه - ورأيتُ جبريل ﵇، فإذا أقربُ من رأيتُ به شبهاً: دحيةُ بن خليفة".
١٦٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄: قال مجاهد: أنه سمع ابن عباس ﵄ وذكروا له الدجال مكتوب بين عينيه كافر، أو ك ف ر - قال: لم أسمعه ولكنه قال: "أما إبراهيم، فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى: فجعد آدم، على جملٍ أحمر مخطومٍ بخُلبةٍ، كأني أنظر إليه انحدر في الوادي".
وفي رواية (١) قال: "ذكر رسول الله ﷺ ليلة أُسري به فقال: موسى آدم طوال، كأنه من رجال شنوءة، وقال: عيسى جعدٌ مربوعٌ، وذكر مالكاً خازن النار، وذكر الدجال".
زاد في رواية: "ورأيتُ عيسى بن مريم مربوع الخَلْقِ، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيتُ مالكاً خازن النار، والدجال في آياتٍ أراهُن الله إياه: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ (٢).
стр. 301
١٦٣ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (١).قال: هي رؤيا عين، أُريها رسول الله ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ هي شجرة الزقوم.
قال الحافظ:
واختلف السلف هل رأى ربه في تلك الليلة أم لا؟ على قولين مشهورين، وأنكرت ذلك عائشة ﵂ وطائفة، وأثبتها ابن عباس وطائفة.
١٦٤ - * روى مسلم عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٢) قال: رآه بفؤاده مرتين.
١٦٥ - * روى البخاري عن مسروق قال: قلتُ لعائشة ﵂: يا أمتاهُ، هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاثٍ من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمداً ﷺ رأى ربه، فقد كذب، ثم قرأت ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٤). ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٥). ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم
стр. 302
قرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) الآية. ولكن رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين.
١٦٦ - * روى الترمذي عن الشعبي ﵀ قال: لقي ابن عباس كعباً بعرفة، فسأله عن شيء، فكبر، حتى جاوبته الجبالُ، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم، فقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمدٍ وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، قال مسروق: فدخلت على عائشة ﵂، فقلتُ: هل رأى محمد ربهُ؟ فقالت: لقدْ تكلمت بشيء قفَّ له شعري، قلت: رويداً، ثم قرأت: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢) فقالت: أين يُذهبُ بك؟ إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمداً رأى ربه، أو كتم شيئاً مما أُمر به، أو يعلمُ الخمس التي قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (٣) فقد أعظم الفرية، ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في جيادٍ له ستمائة جناح، قد سد الأفق.
١٦٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لما كذبتني قريش قمت في الحِجْرِ، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقتُ أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه".
وزاد البخاري في رواية قال: "لما كذبني قريش حين أُسري بي إلى بيت المقدس ... " وذكر الحديث.
قال ابن حجر: قال الشيخ ابن أبي جمرة:
الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إرادة إظهار الحق لمعاندة من
стр. 303
يريد إخماده؛ لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح، فلما ذكر أنه أسري به إلى بيت المقدس سألوه عن تعريفات جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة، وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكره، فكان ذلك زيادة في إيمان المؤمن وزيادة في شقاء الجاحد والمعاند. انتهى ملخصاً.
أقول: ومن ههنا عدّ من المعجزات التي تقوم بها لحجة على الخلق، ولولا ذلك لكانت من الغيوب التي يجب الإيمان بها فقط، ولكن بإظهاره ﵊ معاني ما كانت لتكون لولا وقوع الخارق قامت الحجة على الناس بأنها معجزة وأن عليهم أن يسلموا لصاحبها بالرسالة، وأن يسلموا له بما نقله من أمرها.
* * *
стр. 304
فصل: في بداية دخول الإسلام المدينة المنورة
وفي بيعتي العقبة
دخل الإسلام إلى المدينة المنورة على مدار ثلاث سنين قبل الهجرة، وكان بداية ذلك مجيء وفد من الأوس إلى مكة باحثين عن تحالفات ضد أبناء عمهم الخزرج الذين كانوا في صراع معهم، فهؤلاء أول ناس طرق سمعهم الإسلام وقد أسلم واحد منهم، ثم جاء وفد من أهل المدينة معتمرين في رجب، فاجتمع بهم رسول الله ﷺ وعرض عليهم الدعوة فأسلموا ثم رجعوا إلى قومهم، فدعوهم فاستجاب لهم عدد، فقدم من استطاع منهم إلى الحج وبايعوا رسول الله ﷺ بيعة العقبة الأولى ثم عادوا، وأرسل معهم أو بعدهم رسول الله ﷺ مصعب ابن عمير ففشا الإسلام في المدينة حتى سيطر، ووافى ممن أسلم حوالي سبعين في موسم الحج وكانت بيعة العقبة الثانية، ثم أمر رسول الله ﷺ من بايعه أن يختاروا له اثني عشر نقيباً، يكونون على أقوامهم كفلاء وبين أقوامهم وبين رسول الله ﷺ وسطاء، وعلى إثر ذلك أمر الرسول ﷺ بالهجرة.
وبقبول أهل المدينة للإسلام من ناحية ولنصرة رسول الله ﷺ تحقق هدفان بآن واحد: هدف النصرة من أهلها وأن هؤلاء مسلمون، وهذا يقتضي تفصيلاً:
لقد كان الهدف السياسي المرحلي لرسول الله ﷺ في مكة - فيما نعلم - أن يجد من يحميه وينصره ليبلغ دعوة ربه دون أن يقيد هذه النصرة بإسلام هؤلاء، وباصطلاح عصرنا فإن رسول الله ﷺ كان يبحث عن حرية الدعوة والعبادة في مجتمع قادر على أن يحمي هذه الحرية. قال ابن حجر في الفتح:
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان في تلك السنين - أي التي قبل الهجرة - يعرض نفسه على القبائل، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول: "لا أكره أحداً منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي" فلا يقبله أحد بل يقولون: قوم الرجل أعلم به. أهـ.
ولو أنه استجاب له من يستطيع المنعة والنصرة من العرب لسارت الدعوة غير المسار
стр. 305
الذي سارت فيه باستجابة أهل المدينة للإسلام وللنصرة بآن واحد، إذ قد تسير الدعوة في الحالة الأولى على مسار تجميع للمستجيبين يعيشون به في ظل الحماة ثم تكون انطلاقة بعد ذلك نحو أرض أخرى، أما وقد قبل الأنصار الإسلام والنصرة بآن واحد فقد طويت مرحلتان في مرحلة واحدة، ومع ذلك فقد كان رسول الله ﷺ يتعامل مع الأنصار ابتداء على أن البيعة كانت على الدفاع، ولذلك نلحظ أنه لم يشرك في التحركات العسكرية قبل بدر إلا المهاجرين، ويوم بدر طلب شورى الأنصار خشية أن يكونوا فهموا من النصرة الدفاع فقط، مع أن الأنصار دخلوا في الإسلام وقبلا أحكامه فهم والمهاجرون سواء في التكليف، ومع ذلك كان رسول الله ﷺ يراعي تلك الظروف.
ومن ههنا نعرف أن أكبر نصر سياسي للإسلام كان في قبول أهل المدينة النصرة وما ترتب على ذلك من هجرة.
ومن ههنا نقول: إنه عندما يكون المسلمون في حالة ضعف ولست لهم دار إسلام يستطيعون الهجرة إليها، فلهم أن يضعوا هدفاً سياسياً مرحلياً من مثل الوصول إلى حريتهم في الدعوة والعبادة، وإذا وجدوا في مجتمع يعطيهم ذلك فعليهم أن يعمقوا جذور الإسلام ويطوروا امتداده ويعملوا لانتصاره.
وقد حلل الأستاذ الندوي الأسباب التي جعلت المدينة المنورة مؤهلة لقبول الإسلام فقال:
وكان من صنع الله تعالى لرسوله وللإسلام، أن هيأ الله الأوس والخزرج - وهما قبيلتان عربيتان عظيمتان في مدينة يثرب - لتقدرا هذه النعمة التي لا نعمة أعظم منها، وتسبقا أهل عصرهما، وأبناء الجزيرة، إلى الترحيب بالإسلام والدخول فيه، حين تنكرت له قبائل العرب وفي مقدمتاه وعلى رأسها قريش ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد ساعدت على ذلك عدة عوامل، هي من خلق الله تعالى وتيسيره وصنعه، كانت فارقة بين قريش وأهل مكة، وقبائل يثرب العربية، منها ما طبعها الله عليه من الرقة واللين وعدم المغالاة في الكبرياء وجحود الحق، وذلك يرجع إلى الخصائص الدموية
стр. 306
والسلالية التي أشار إليها رسول الله ﷺ حين وفد وفْدُ من اليمن، بقوله: "أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً" وهما ترجعان أصلهما إلى اليمن، نزح أجدادهم منها في الزمن القديم، يقول القرآن مادحاً لهم:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).
ومنها أنهما قد أنهكتهما الحروب الداخلية، وما يوم بعاث ببعيد، وقد اكتووا بنارها، وذاقوا مرارتها، وعافوها، ونشأت فيهم رغبة في اجتماع الكلمة، وانتظام الشمل، والتفادي من الحروب، وذلك ما عبروا عنه بقولهم: (إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فإن يجمعهم الله بك، فلا رجل أعز منك)، قالت عائشة ﵂: كان يوم بعاث يوماً قدمه الله تعالى لرسوله.
ومنها أن قريشاً، وسائر العرب قد طال عهدهم بالنبوات والأنبياء، وأصبحوا يجهلون معانيها بطول العهد، وبحكم الأمية والإمعان في الوثنية، والبعد عن الأمم التي تنتسب إلى الأنبياء وتحمل الكتب السماوية - على ما دخل فيه من التحريف والعبث - وذلك ما يشير إليه القرآن بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (٢).
أما الأوس والخزرج فكانوا يسمعون اليهود يتحدثون عن النبوءة والأنبياء ويتلون صحف التوراة ويفرونها، بل كانوا يتوعدونهم به، ويقولون إنه سيبعث نبي في آخر الزمان، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، وفي ذلك يقول الله تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣).
وبذلك لم تكن بين أبناء الأوس والخزرج وسكان المدينة من العرب المشركين تلك
стр. 307
الفجوة العميقة الواسعة من الجهل والنفور من المفاهيم الدينية والسنن الإلهية التي كانت بينها وبين أهل مكة وجيرانهم من العرب، بل قد عرفوها وألفوها عن طريق اليهود، وأهل الكتاب الذي كانوا يختلطون بهم بحكم البلد والجوار والصلح والحرب والمحالفات، فلما تعرفوا برسول الله ﷺ وقد حضروا الموسم، ودعاهم إلى الإسلام، ارتفعت الغشاوة عن عيونهم، وكأنهم كانوا من هذه الدعوة على ميعاد.
١٦٨ - * روى أحمد والطبراني عن محمود بن لبيدٍ أخي بني عبد الأشهل قال لما قدم أبو الجليس أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياسُ بن معاذ يلتمسون الحِلْف من قريش على قومهم من الخزرج سمع بهم رسول الله ﷺ فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: "هل لكم إلى خيرٍ مما جئتم له؟ " قالوا: وما ذاك؟ قال: "أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يُشركوا به شيئاً، وأنزل علي الكتاب" ثم ذكر الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً: أي قوم هذا والله خير مما جئتم له. قال: فأخذ أبو جليس أنسُ بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها في وجه إياس بن معاذٍ وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بُعاثٍ بين الأوس والخزرج قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلماً لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع.
المفروض أن تكون هذه الحادثة قبل خمس سنين من الهجرة لأن موقعة بعاث كانت كذلك على رأي ابن هشام.
١٦٩ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان يوم بعاثٍ يوماً قدمه
стр. 308
الله لرسوله ﷺ ، فَقدِم رسول الله ﷺ وقد افترق ملاهم، وقُتلت سرواتهم، وجُرحوا، فقدمه الله لرسوله في دخولهم في الإسلام.
١٧٠ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: "هل من رجلٍ يحملني إلى قومه، فإن قُريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي "، فأتاه رجلٌ من همدانٍ فقال: "ممن أنت؟ " فقال الرجل من همدان. قال: "فهل عند قومك من منعةٍ؟ "، قال: نعم، ثم إن الرجل خشي أن يحقره قومه فأتى رسول الله ﷺ فقال: آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل، قال: "نعم" فانطلق وجاء وفدُ الأنصار في رجبٍ.
قال ابن حجر في الفتح:
وقد أخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي في (الدلائل) بإسناد حسن عن ابن عباس: حدثني علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله نبيه ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى، حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدم أب بكر وكان نسابة فقال: من القوم؟ فاقلوا: من ربيعة. فقال: من أي ربيعة أنتم؟ قالوا: من ذهل - فذكروا حديثاً طويلاً في مراجعتهم وتوقفهم أخيراً عن الإجابة - قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، وهم الذين سماهم رسول الله ﷺ الأنصار لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره، قال: فما نهضوا حتى بايعوا رسول الله ﷺ انتهى. وذكر ابن إسحاق أن أهل العقبة الأولى كانوا ستة نفر وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة النجاري، ورافع بن مالك بن العجلان العجلاني، وقطبة بن عامر بن حديدة، وجابر بن عبد الله ابن رئاب، وعقبة بن عامر - وهؤلاء الثلاثة من بني سلمة - وعوف بن الحارث بن رفاعة من بني مالك بن النجار. وقال موسى بن عقبة عن الزهري وأبو الأسود عن عروة: هم أسعد بن زرارة ورافع بن مالك ومعاذ بن عفراء ويزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة، ويقال: كان فيهم عبادة بن الصامت وذكوان. قال ابن اسحاق:
стр. 309
حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قال: لما رآه النبي ﷺ قال: من أنتم؟ قالوا: من الخزرج. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: نعم. فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله لهم أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب، وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبياً سيبعث الآن قد أظل زمانه نتبعه، فنقتلكم معه، فلما كلمهم النبي ﷺ عرفوا النعت، فقال بعضهم لبعض: لا تسبقنا إليه اليهود. فآمنوا وصدقوا، وانصرفوا إلى بلادهم ليدعوا قومهم، فلما أخبروهم لم يبق دور من قومهم إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان الموسم وافاه منهم اثنا عشر رجلاً.
١٧١ - * روى الطبراني عن ابن إسحق قال: فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه ﷺ وإنجاز وعده خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار وهم فيما يزعمون ستةٌ فيهم جابر بن عبد الله بن رئابٍ ..
١٧٢ - * روى الطبراني عن عروة قال: لما حضر الموسم حج نفرٌ من الأنصار من بني مازن بن النجار منهم معاذٌ بن عفراء وأسعد بن زرارة، ومن بني زريق رافعُ بن مالك وذكوان بن عبد القيس، ومن بني عبد الأشهل أبو الهيثم بن التيهان، ومن بني عمرو بن عوف عويمُ بن ساعدة، وأتاهم رسول الله ﷺ وأخبرهم خبرهم الذي اصطفاه الله به من نبوته وكرامته، وقرأ عليهم القرآن، فلما سمعوا قوله أنصتوا واطمأنت أنفسهم إلى دعوته وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من ذكرهم إياه بصفته وما يدعوهم إليه، فصدقوه، وآمنوا به، وكانوا من أسباب الخير، ثم قالوا له قد علمت الذي بين الأوس والخزرج من الدماء ونحن نحب ما أرشد الله به أمرك، ونحن لله ولك مجتهدون، وإنا نُشير عليك بما ترى فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنخبرهم بشأنك وندعوهم إلى الله ورسوله، فلقل الله يُصلح بيننا ويجمعُ أمرنا فإنا اليوم متباعدون متباغضون، فإنْ تقدم علينا اليوم ولم نصطلح لم يكن لنا جماعة عليك، ونحن نواعدك الموسم من العام
стр. 310
القَابِل فرضي رسول الله ﷺ الذي قالوا، فرجعُوا إلى قومهم يدعونهم سراً وأخبروهم برسول الله ﷺ والذي بعثه الله به ودعا عليه بالقرآن حتى قل دارٌ من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناسٌ لا محالة، ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا رجلاً من قبلك يدعو الناس بكتاب الله، فإنه أدنى أن يُتبع فبعث إليهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غنمٍ على أسعد بن زُرارة فجعل يدعُو الناس ويفشو الإسلامُ ويكثر أهله وهم في ذلك مستخفون بدعائهم، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا بئر مرقٍ أو قريباً منها، فجلسوا هنالك، وبعثوا إلى رهطٍ من أهلِ الأرض فأتوهم مستخفين، فبينما مصعب بن عمير يحدثهم ويقص عليهم القرآن أُخبرَ بهم سعد بن معاذ فأتاهم ومعه الرمح حتى وقف عليه، فقال علام يأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب، يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم لا أراكما بعد هذا بشيءٍ من جوارنا فرجعُوا ثم إنهم عادُوا الثانية ببئر مرقٍ أو قريباً منها، فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية، فواعدهم بوعيدٍ دون الوعيد الأول فلما رأى أسعد منه لينا قال: يا ابن خالةٍ اسمع من قوله فإن سمعت منه منكراً فاردده يا هذا منه، وإن سمعت خيراً فأجب الله فقال: ماذا يقول فقرأ عليهم مصعب بن عمير ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) فقال سعد وما أسمعُ إل ما أعرفُ فرجع وقد هداهُ الله تعالى ولم يظهر أمرُ الإسلام حتى رجع إلى قومه، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام وأظهر إسلامه وقال فيه: من شك من صغير أو كبير أو ذكرٍ أو أنثى فليأتنا بأهدى منه نأخذ به فوالله لقد جاء أمرٌ لتحزن فيه الرقاب فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد، ودعائه إلا من لا يُذكرُ فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرها، ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير، واشتدوا على أسعد بن زرارة فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ فلم يزل يدعو ويهدي على يديه حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة وأسلم أشرافهم وأسلم عمرو بن الجموح، وكُسرت أصنامهم؛ فكان المسلمون أعز أهلها وصلح أمرهم ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله ﷺ وكان يُدعى المقرئ.
стр. 311
قال ابن حجر في الفتح:
وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعث مع الإثنى عشر رجلاً مصعب بن عمير العبدري، وقيل بعثه إليهم بعد ذلك بطلبهم ليفقههم ويقرئهم، فنزل على أسعد بن زرارة، فروى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كان أبي إذا سمع الأذان للجمعة استغفر لأسعد بن زرارة، فسألته، فقال: كان أول من جمع بنا بالمدينة. وللدارقطني من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير أن أجمع بهم. أهـ، فأسلم خلق كثير من الأنصار على يد مصعب بن عمير بمعاونة أسعد بن زرارة حتى فشا الإسلام بالمدينة، فكان ذلك سبب رحلتهم في السنة المقبلة، حتى وافى منهم العقبة سبعون مسلماً وزيادة، فبايعوا كما تقدم.
١٧٣ - * روى الإمام أحمد عن جابر قال: مكث رسول الله ﷺ بمنكة عشر سنين يتبعُ الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي الموسم بمنى يقول: "من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ " حتى إن الرجل ليخرج من اليمن - أو من مضر كذا قال - قال: فيأتيه قومه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك. ويمشي بين رجالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناهُ، وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلبُ إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يُظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعاً فقلنا حتى متى نترك رسول الله ﷺ يُطردُ في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدنا شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله نبايعك: قال: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العُسر واليُسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائمٍ وعلى أنْ تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكمُ
стр. 312
الجنة" قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغرهم فقال: رُويداً يا أهل يثرب فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحنُ نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإما أنتم قومٌ تصبرون على ذلك وأجركم على الله وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خبيئة فتبينوا ذلك فهو عُذررٌ لكم عند الله قالوا أمط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلبها أبدا، فبايعناه فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة.
١٧٤ - * روى أحمد والطبراني عن كعب بن مالك وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله ﷺ قال: خرجنا في حُجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء ابن معرور كبيرنا وسيدنا، فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا يا هؤلاء إني قد رأيت والله رأياً وإني والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ قلنا له: وما ذاك قال: قد رأيتُ أن لا أدع هذه البنية مني بظهر يعني الكعبة، وأن أصلي إليها قال: فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلا إلى الشام، وما نُريد أن نخالفه فقال: إني أصلي إليها: فقلنا له: لكنا لا نفعل، فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة قال: وقد عبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة عليه، فلما قدمنا مكة قال: يا ابن أخي: انطلق إلى رسول الله ﷺ فاسأله عما صنعتُ في سفري هذا، فإنه والله قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيتُ من خلافكم إياي. قال: فخرجنا نسألُ عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلٌ من أهل مكة فسألناه عن رسول الله ﷺ ، فقال: هل تعرفانه قلنا: لا فقال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه: قلنا: نعم، قال: كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجراً، قال فإذا دخلتما المسجد، فهو الرجل الجالس مع العباس قال: فدخلنا المسجد فإذا العباس جلس ورسول الله ﷺ معه جالسٌ فسلمان ثم جلسنا إليه فقال النبي ﷺ للعباس "هل تعرفُ هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ " قال: نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ "الشاعر". قال: نعم. قال: فقال
стр. 313
البراء بن معرورٍ يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا وهداني الله للإسلام، فرأيتُ أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر؛ فصليتُ إليها وقد خالفني أصحابي في لك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: "لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها"، قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ فصلى معنا إلى الشام قال، وأهلهُ يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس ذلك كما قالوا نحن أعلمُ به منهم. قال: وخرجنا إلى الحج فواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله ﷺ ومعن عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك أن تكون حطباً للنار غداً، ثم دعوته إلى الإسلام، وأخبرته بميعاد رسول الله ﷺ فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيباً، قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائهم نسيبةُ بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق، فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول من تكلم فقال يا معشر الخزرج - وكانت العرب مما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج أوسها وخزرجها - إن محمداً منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه وهو في عز من قومه ومنعةٍ في بلده. قال: فقلنا قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببتَ فتكلم رسول الله ﷺ فتلا ودعا إلى الله ورغب في الإسلام. قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم"ن قال: فأخذ البراءُ بن معرورٍ بيده، ثم قال نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أُزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر، قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان حليفُ بني عبد الأشهل فقال يا رسول
стр. 314
الله: إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها يعني العهود فهل عسيت إنْ نحنُ فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أنْ ترجع إلى قومك وتدعنا، قال فتبسم رسول الله ﷺ فقال: "بل الدمُ الدمُ والهدمُ الهدمُ، أنا منكم وأنتم مني، أحاربُ من حاربتم وأسالم من سالمتم" وقد قال رسول الله ﷺ "أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم" فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً منهم تسعةٌ من الخزرج وثلاثةٌ من الأوس.
وأما معبد بن كعب فحدثني في حديثه عن أخيه عن أبيه كعب بن مالك قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم تتابع القوم فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط يا أهل الجباجب - والجباجبُ المنازلُ - هل لكم في مُذَمَّمٍ والصبأة معه قد أجمعوا على حربكم قال علي - يعني ابن إسحاق -: ما يقول يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : "هذا أزبُّ العقبة هذا ابن أذيب، اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغن لك"، ثم قال رسول الله ﷺ : "ارفعوا إلى رحالكم"، قال فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنملين على أهل مني غداً بأسيافنا فقال رسول الله ﷺ : "لم أؤمر بذلك"، قال: فرجعنا، فنمنا حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، والله إنه ما من العرب أحدٌ أبغض إلينا أن تنشُبَ الحربُ بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث من هنالك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه وقد صدقوا لم يعلموا ما كان منا قال: فبعضنا ينظر إلى بعض قال: وقام القوم وفيهم الحرث بن هشام بن المغيرة، وعليه نعلان جديدان قال: فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: ما تستطيع يا أبا جابر، وأنت سيدٌ من ساداتنا أن تتخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش، فسمعها الحرث فخلعهما، ثم رمى بهما إليَّ فقال: والله لتنتعلنهُما، قال يقول أبو جابر: أحفظت والله الفتى فارْدد عليه نعليه قال: فقلتُ والله لا أردهما فألٌ: والله صالح لئن صدق الفأل لأسلبنهُ. فهذا
стр. 315
حديث ابن مالك عن العقبة ما حضر منها.
وقال الطبراني (١) في حديثه فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ فلقينا رجلٌ بالأبطح فقلنا له تدلنا على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ قال: فهل تعرفانه إذا رأيتماه؟، وقال أيضاً وتكلم رسول الله ﷺ وتلا القرآن ورغب في الإسلام فأجبناه بالإيمان به والتصديق به، وقال أيضاً: فقال رسول الله ﷺ : "أخرجُوا منكم اثني عشر نقيباً" فأخرجهم فكان نقيب بني النجار أسعد بن زرارة، وكان نقيب بني سلمة البراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حرام وكان نقيب بني ساعدة سعد بن عبادة والمنذر ابن عمرو، وكان نقيب بني زريقٍ رافع بن مالك بن العجلان، وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وكان نقيب بني عوف ابن الخزرج عبادة بن الصامت ونقيب بني عبد الأشهل أسيدُ بن حُضير وأبو الهيثم بن التيهان وكان نقيب بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة.
١٧٥ - * روى أحمد عن الشعبي قال: انطلق النبي ﷺ ومعه العباسُ عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال ليتكلم متكلمكُم ولا يطيل الخطبة فإن عليكم من المشركين عيناً وإن يعلموا بكم يفضحوكم، فقال قائلهم وهو أبو أمامة: سل يا محمدُ لربك ما شئت ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا مالنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك فقال: "أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأسألكم لنفس ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟، قال: "لكم الجنة" قالوا: فلك ذلك.
١٧٦ - * روى أبو يعلي عن أنس بن ثابت بن قيس أنه خطب مقدم النبي ﷺ فقال: إنما نمنعُك مما نمنعُ منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا يا رسول الله؟ قال: "لكم الجنةُ" قالوا رضينا.
стр. 316
١٧٧ - * روى أبو يعلي والبزار عن جابر بن عبد الله، قال: لما لقي النبي ﷺ النقباء من الأنصار قال لهم: "تؤووني وتمنعوني"، قالوا فما لنا؟ قال: "لكم الجنة".
ونلاحظ أن الخطاب الذي وجه للنقباء هو نفسه الذي خوطب به الجميع، مما يشير إلى ضرورة التأكيد على الخاصة بما تطالب به العامة.
١٧٨ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: شهد بي خالاي العقبة قال ابن عيينة: أحدهما: البراء بن معرورٍ.
وفي رواية قال: أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة.
١٧٩ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة قال جابر: وأخرجني خالاي وأنا لا أستطيع أن أرمي بحجرٍ.
أقول: في هذا الحديث إشارة إلى جواز إشراك الصبيان في العمل الإسلامي بل حتى فيما يعتبر من الأسرار، ولكن هذا منوط بتربية الطفل، وضمانة أقاربه، وحياطتهم له.
١٨٠ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: حملني خالي جدُ بن قيس في السبعين راكبا الذين وفدُوا على رسول الله ﷺ من قِبَلِ الأنصار ليلة العقبة، فخرج علينا رسول الله ﷺ ومعه عمهُ العباس بن عبد المطلب فقال: "يا عم خُذ على أخوالك" فقال له السبعون يا محمد سل لربك ولنفسك ما شئت فقال: "أما الذي أسألكم لربي فتعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأما الذي أسألكم لنفسي منه فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك قال: "الجنةُ"
стр. 317
١٨١ - * روى الطبراني عن ابن شهاب ف يتسمية من حضر العقبة من الأنصار ثم من بني النجار: أوس بنُ ثابت وأوسُ بن يزيد بن أصرم وأبو أمامة أسعد بن زرارة، ومن الأنصار ثم من بني سلمة البراء بن معرور وهو أولُ من أوصى بثلث ماله واستقبل الكعبة وهو ببلاده وكان نقيباً، ومن الأنصار ثم من بني الحارث بن الخزرج بشير بن سعد بن النعمان، ومن الأنصار جابر بن عبد الله بن عمرو وجبارُ بن صخرٍ، ومن الأنصار ثم من بني زريقٍ الحارث بن قيس بن مالك وقد شهد بدراً وذكوان بن عبد القيس بن خلدة، ورافع بن مالك وقد شهد بدراً، ومن الأنصار ثم من بني الجبلي رفاعةُ بن عمرو، ومن الأنصار ثم من بني ساعدة بن كعب سعد بن عبادة وهو نقيب، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة وهو نقيبٌ، ومن الأنصار ثم من بني عبد الأشهل سلمة بن سلامة بن وقشٍ، ومن الأنصار ثم من بني حارثة بن الحرث ظهير بن رافع، ومن الأنصار ثم من بني حارثة أبو برُدة بن نيارٍ ..
١٨٢ - * روى الحاكم عن سلمة بن سلامة بن وقش، قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يوماً من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل قال سلمة وأنا يومئذٍ حدث على بردة لي، مضطجع فيها بفناء أهلي، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار قال: فقال ذلك في أهل يثرب، والقوم أصحابُ أوثانٍ لا يرون بعثاً كائناً عند الموت، فقالوا له: ويحك أترى هذا كائناً يا فلان أن الناس يُبعثون بعد موتهم إلى جنةٍ ونارٍ ويُجزون فيها بأعمالهم قال: نعم والذي يحلف به، قالوا يا فلان ويحك وما آية ذلك؟ قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى كة. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إليَّ وأنا أصغرهم سناً فقال: إنْ يستنفد هذا الغلام عمره يدركه قال سلمة، فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله ﵎ رسول الله ﵌ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به وكفر بغياً وحسداً، فقلنا له ويحك يا فلان ألست الذ قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكنه ليس به.
* * *
стр. 318
فصل: في الهجرة إلى المدينة المنورة
مقدمة:
١ - كانت الهجرة هي الدرس الأخير في المرحلة المكية، وهي التصفية النهائية لأنفس الرعيل الأول، لقد طولب الرعيل الأول من أصحاب رسول الله ﷺ بالتوحيد والعبادة ففعلوا، وسلط عليهم الإيذاء، وأمروا بالصبر وكف اليد، والاستسلام لأمر الله ففعلوا، وحب الوطن أصيل في النفس فطولبوا بالهجرة فهاجروا، ثم قاتلوا مع الأنصار أهليهم وقبيلتهم فوجد بذلك كله جيل لم يعرف العالم له مثيلاً بالتجرد من أهواء النفوس وعصيانها.
٢ - والهجرة بالنسبة للدعوة الإسلامية هي أعظم الأحداث الدعوية والحركية، لأن بها قامت دولة الإسلام ووجدت قاعدته التي حملت هذه الدعوة ابتداء وقدمتها للعالم انتهاء، ولذلك أرخ المسلمون بالهجرة.
٣ - وقد أقبل المسلمون على الكتابة في الهجرة واستخراج دروسها وعبرها وخاصة في عصرنا فمن سابق ومن مقتصد، واستخرج بعضهم تعميامت تحتاج إلى تخصيص، وأراد بعضهم أن يستخرج نظرية محددة يقيد بها الحركة الإسلامية باعتماده فكرة الهجرة إلى جهة ما وهذا كله يحتاج إلى شيء من الإيضح، وستأتي الإيضاحات شيئاً فشيئاً، وقد اخترنا أن ننقل لك في هذه المقدمة ثلاثة نقول تفتح لك آفاقاً في الهجرة بين يدي الروايات:
قال الشيخ الغزالي:
ليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناءٍ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة.
إنها إكراه رجل آمن في سربه، ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه، وتضحية أمواله والنجاة بشخصه، وإشعاره - وهو يصفي مركزه - بأنه مستباح منهوب، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض
стр. 319
عنه من قلاقل وأحزان، ولو كان الأمر مغامرة فرد بنفسه لقيل: مغامر طياش، فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضها، يحمل أهله وولده؟ وكيف وهو بذلك رضي الضمير، وضاء الوجه؟!
إنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش! وإيمان بمن؟ بالله الذي له ما في السماوات والأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة، وهو الحكيم الخبير.
هذه الصعاب لا يطيقها إلا مؤمن، أما الهيِّاب الخوَّار القلق، فما يستطيع شيئاً من ذلك، إنه من أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ...﴾ (١).
أما الرجال الذين التقوا بمحمد ﷺ في مكة، وقبسوا منه أنوار الهدى، تواصوا بالحق والصبر. فإنهم نفروا - خفافاً - ساعة قيل لهم: هاجروا إلى حيث تعزون الإسلام وتؤمنون مستقبله.
* * *
الهجرة من دار الحرب إلى دار السلام:
وقال الأستاذ البوطي:
يستنبط من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان:
١ - وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، روى القرطبي عن ابن العربي: (أن هذه الهجرة كانت فرضاً في أيام النبي ﷺ ، وهي باقية مفروضة إلى يوم القيامة. والتي انقطعت بالفتح، إنما هي القصد إلى النبي ﷺ ، فإ بقي في دار الحرب عصى). ومثل دار الحرب في ذلك كل مكان لا يتسنى للمسلم فيه إقامة الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وجماعة وأذان، وغير ذلك من أحكامه الظاهرة.
стр. 320
ومما يستدل به على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (١).
٢ - وجوب نصرة المسلمين لبعضهم، مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكناً. فقد اتفق العلماء والأئمة على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضعفين أو المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين، في أي جهة من جهات الأرض، ثم لم يفعلوا ذلك، فقد باءوا بإثم كبير.
يقول أبو بكر بن العربي: إذا كان في المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن، بأن لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كا عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم من ذلك، أهـ.
أقول: ليست الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام واجبة في كل حال، وإن اشتهر من مذهب الحنفية ذلك كما اشتهر في مذهبهم وجوب الهجرة من دار البدعة إلى دار السنة فالأمر فيه تفصيل.
فإذا كنت في دار كفر لكنك حر آمن تستطيع أن تعبد الله وتدعو إليه ولا تخشى على نفسك وأهلك وذريتك الفتنة، ولم يطلب منك أمير المؤمنين الشرعي الهجرة إلى دار الإسلام، فمقامك حيث أنت أجود وأطيب وأكثر أجراً، بل اعتبر الشافعية أنه يندب لك البقاء لأنه ببقائك يصبح جزء من دار الكفر دار إسلام.
أما حيث يخاف المسلم الفتنة على نفسه وأهله أو ذريته فعندئذ تجب عليه الهجرة إن كان قادراً عليها ووجدت الجهة التي تستقبله ولا يخشى فيها الفتنة على نفسه وأهله وذريته، وفي عصرنا تجد الأمر في غاية التعقيد، فليس الخروج من بلد إلى بلد سهلاً، واحتمال الفتنة قائم