← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١٧٧ - * روى أبو يعلي والبزار عن جابر بن عبد الله، قال: لما لقي النبي ﷺ النقباء من الأنصار قال لهم: "تؤووني وتمنعوني"، قالوا فما لنا؟ قال: "لكم الجنة". ونلاحظ أن الخطاب الذي وجه للنقباء هو نفسه الذي خوطب به الجميع، مما يشير إلى ضرورة التأكيد على الخاصة بما تطالب به العامة. ١٧٨ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: شهد بي خالاي العقبة قال ابن عيينة: أحدهما: البراء بن معرورٍ. وفي رواية قال: أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة. ١٧٩ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة قال جابر: وأخرجني خالاي وأنا لا أستطيع أن أرمي بحجرٍ. أقول: في هذا الحديث إشارة إلى جواز إشراك الصبيان في العمل الإسلامي بل حتى فيما يعتبر من الأسرار، ولكن هذا منوط بتربية الطفل، وضمانة أقاربه، وحياطتهم له. ١٨٠ - * روى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: حملني خالي جدُ بن قيس في السبعين راكبا الذين وفدُوا على رسول الله ﷺ من قِبَلِ الأنصار ليلة العقبة، فخرج علينا رسول الله ﷺ ومعه عمهُ العباس بن عبد المطلب فقال: "يا عم خُذ على أخوالك" فقال له السبعون يا محمد سل لربك ولنفسك ما شئت فقال: "أما الذي أسألكم لربي فتعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأما الذي أسألكم لنفسي منه فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك قال: "الجنةُ"

стр. 317

١٨١ - * روى الطبراني عن ابن شهاب ف يتسمية من حضر العقبة من الأنصار ثم من بني النجار: أوس بنُ ثابت وأوسُ بن يزيد بن أصرم وأبو أمامة أسعد بن زرارة، ومن الأنصار ثم من بني سلمة البراء بن معرور وهو أولُ من أوصى بثلث ماله واستقبل الكعبة وهو ببلاده وكان نقيباً، ومن الأنصار ثم من بني الحارث بن الخزرج بشير بن سعد بن النعمان، ومن الأنصار جابر بن عبد الله بن عمرو وجبارُ بن صخرٍ، ومن الأنصار ثم من بني زريقٍ الحارث بن قيس بن مالك وقد شهد بدراً وذكوان بن عبد القيس بن خلدة، ورافع بن مالك وقد شهد بدراً، ومن الأنصار ثم من بني الجبلي رفاعةُ بن عمرو، ومن الأنصار ثم من بني ساعدة بن كعب سعد بن عبادة وهو نقيب، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة وهو نقيبٌ، ومن الأنصار ثم من بني عبد الأشهل سلمة بن سلامة بن وقشٍ، ومن الأنصار ثم من بني حارثة بن الحرث ظهير بن رافع، ومن الأنصار ثم من بني حارثة أبو برُدة بن نيارٍ .. ١٨٢ - * روى الحاكم عن سلمة بن سلامة بن وقش، قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يوماً من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل قال سلمة وأنا يومئذٍ حدث على بردة لي، مضطجع فيها بفناء أهلي، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار قال: فقال ذلك في أهل يثرب، والقوم أصحابُ أوثانٍ لا يرون بعثاً كائناً عند الموت، فقالوا له: ويحك أترى هذا كائناً يا فلان أن الناس يُبعثون بعد موتهم إلى جنةٍ ونارٍ ويُجزون فيها بأعمالهم قال: نعم والذي يحلف به، قالوا يا فلان ويحك وما آية ذلك؟ قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى كة. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إليَّ وأنا أصغرهم سناً فقال: إنْ يستنفد هذا الغلام عمره يدركه قال سلمة، فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله ﵎ رسول الله ﵌ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به وكفر بغياً وحسداً، فقلنا له ويحك يا فلان ألست الذ قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكنه ليس به. * * *

стр. 318

فصل: في الهجرة إلى المدينة المنورة مقدمة: ١ - كانت الهجرة هي الدرس الأخير في المرحلة المكية، وهي التصفية النهائية لأنفس الرعيل الأول، لقد طولب الرعيل الأول من أصحاب رسول الله ﷺ بالتوحيد والعبادة ففعلوا، وسلط عليهم الإيذاء، وأمروا بالصبر وكف اليد، والاستسلام لأمر الله ففعلوا، وحب الوطن أصيل في النفس فطولبوا بالهجرة فهاجروا، ثم قاتلوا مع الأنصار أهليهم وقبيلتهم فوجد بذلك كله جيل لم يعرف العالم له مثيلاً بالتجرد من أهواء النفوس وعصيانها. ٢ - والهجرة بالنسبة للدعوة الإسلامية هي أعظم الأحداث الدعوية والحركية، لأن بها قامت دولة الإسلام ووجدت قاعدته التي حملت هذه الدعوة ابتداء وقدمتها للعالم انتهاء، ولذلك أرخ المسلمون بالهجرة. ٣ - وقد أقبل المسلمون على الكتابة في الهجرة واستخراج دروسها وعبرها وخاصة في عصرنا فمن سابق ومن مقتصد، واستخرج بعضهم تعميامت تحتاج إلى تخصيص، وأراد بعضهم أن يستخرج نظرية محددة يقيد بها الحركة الإسلامية باعتماده فكرة الهجرة إلى جهة ما وهذا كله يحتاج إلى شيء من الإيضح، وستأتي الإيضاحات شيئاً فشيئاً، وقد اخترنا أن ننقل لك في هذه المقدمة ثلاثة نقول تفتح لك آفاقاً في الهجرة بين يدي الروايات: قال الشيخ الغزالي: ليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناءٍ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة. إنها إكراه رجل آمن في سربه، ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه، وتضحية أمواله والنجاة بشخصه، وإشعاره - وهو يصفي مركزه - بأنه مستباح منهوب، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض

стр. 319

عنه من قلاقل وأحزان، ولو كان الأمر مغامرة فرد بنفسه لقيل: مغامر طياش، فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضها، يحمل أهله وولده؟ وكيف وهو بذلك رضي الضمير، وضاء الوجه؟! إنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش! وإيمان بمن؟ بالله الذي له ما في السماوات والأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة، وهو الحكيم الخبير. هذه الصعاب لا يطيقها إلا مؤمن، أما الهيِّاب الخوَّار القلق، فما يستطيع شيئاً من ذلك، إنه من أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ...﴾ (١). أما الرجال الذين التقوا بمحمد ﷺ في مكة، وقبسوا منه أنوار الهدى، تواصوا بالحق والصبر. فإنهم نفروا - خفافاً - ساعة قيل لهم: هاجروا إلى حيث تعزون الإسلام وتؤمنون مستقبله. * * * الهجرة من دار الحرب إلى دار السلام: وقال الأستاذ البوطي: يستنبط من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان: ١ - وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، روى القرطبي عن ابن العربي: (أن هذه الهجرة كانت فرضاً في أيام النبي ﷺ ، وهي باقية مفروضة إلى يوم القيامة. والتي انقطعت بالفتح، إنما هي القصد إلى النبي ﷺ ، فإ بقي في دار الحرب عصى). ومثل دار الحرب في ذلك كل مكان لا يتسنى للمسلم فيه إقامة الشعائر الإسلامية من صلاة وصيام وجماعة وأذان، وغير ذلك من أحكامه الظاهرة.

стр. 320

ومما يستدل به على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (١). ٢ - وجوب نصرة المسلمين لبعضهم، مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكناً. فقد اتفق العلماء والأئمة على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضعفين أو المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين، في أي جهة من جهات الأرض، ثم لم يفعلوا ذلك، فقد باءوا بإثم كبير. يقول أبو بكر بن العربي: إذا كان في المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن، بأن لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كا عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم من ذلك، أهـ. أقول: ليست الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام واجبة في كل حال، وإن اشتهر من مذهب الحنفية ذلك كما اشتهر في مذهبهم وجوب الهجرة من دار البدعة إلى دار السنة فالأمر فيه تفصيل. فإذا كنت في دار كفر لكنك حر آمن تستطيع أن تعبد الله وتدعو إليه ولا تخشى على نفسك وأهلك وذريتك الفتنة، ولم يطلب منك أمير المؤمنين الشرعي الهجرة إلى دار الإسلام، فمقامك حيث أنت أجود وأطيب وأكثر أجراً، بل اعتبر الشافعية أنه يندب لك البقاء لأنه ببقائك يصبح جزء من دار الكفر دار إسلام. أما حيث يخاف المسلم الفتنة على نفسه وأهله أو ذريته فعندئذ تجب عليه الهجرة إن كان قادراً عليها ووجدت الجهة التي تستقبله ولا يخشى فيها الفتنة على نفسه وأهله وذريته، وفي عصرنا تجد الأمر في غاية التعقيد، فليس الخروج من بلد إلى بلد سهلاً، واحتمال الفتنة قائم

стр. 321

في كثير من البلدان، ولذلك فإنني أرى أن حكم الهجرة الآن منوط بالفتوى البصيرة من أهلها، ولا ينبغي أن يكون هناك تسرع فيه. قال ابن حجر في الفتح بمناسبة تعليل عائشة ﵂ للهجرة بقولها الذي ورد في صحيح البخاري: (كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه .. إلخ) أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت، ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام. وقال الخطابي: كانت الهجرة أي إلى النبي ﷺ في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (١) فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب. وقال البغوي في (شرح السة): يحتمل الجمع بينهما بطريق أخرى بقوله: "لا هجرة بعد الفتح" أي من مكة إلى المدينة، وقوله (لا تنقطع) أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإسلام، قال: ويحتمل وجهاً آخر وهو أن قوله لا هجرة أي: إلى النبي ﷺ حيث كان بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذن، وقوله: (لا تنقطع) أي: هجرة من هاجر على غير هذا الوصف من الأعراب ونحوهم. قلت: الذي يظهر أن المراد بالشق الأول هو النفي ما ذكره في الاحتمال الأخير، وبالشق الآخر المثبت ما ذكره في الاحتمال الذي قبله، وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلي بلفظ (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ ، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) أي: ما دام في الدنيا دار كفر،

стр. 322

فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن عن دينه، ومفهومه: أنه لو قدر أن لا يبقى في الدنيا دار كفر أن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها والله أعلم أهـ. لماذا اختيرت المدينة: ولنُرصِّعْ جيد هذه المقدمة بذكر الحِكَم التي اختيرت من أجلها المدينة داراً لهجرة رسول الله ﷺ تنقلها عن الشيخ أبي الحسن الندوي في كتابه (السيرة النبوية): وكان من حكمة الله تعالى في اختيار المدينة، داراً للهجرة، ومركزاً للدعوة، هذا عدا ما أراده الله من إكراه أهلها، أسرار لا يعلمها إلا الله، أنها امتازت بتحصن طبيعي حربي، لا تزاحمها في ذلك مدينة قريبة في الجزيرة، فكانت حرة الوبرة، مطبقة على المدينة من الناحية الغريبة، وحرة واقم، مطبقة على المدينة من الناحية الشرقية، وكانت المنطقة الشمالية من المدينة، هي الناحية الوحيدة المكشوفة (وهي التي حصنها رسول الله ﷺ بالخندق سنة خمس في غزوة الأحزاب) وكانت الجهات الأخرى من أطراف المدينة محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة، لا يمر منها الجيش إلا في طرق ضيقة لا يتفق فيها النظام العسكري، وترتيب الصفوف. وكانت خفارات عسكرية صغيرة، كافية بإفساد النظام العسكري ومنعه من التقدم، يقول ابن إسحاق: (كان أحد جانبي المدينة عورة، وسائر جوانبها مشككة بالبنيان والنخيل، لا يتمكن العدو منها). ولعل النبي ﷺ قد أشار إلى هذه الحكمة الإلهية في اختيار المدينة بقوله لأصحابه قبل الهجرة: "إني رأيت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان" فهاجر من هاجر قبل المدينة. وكان أهل المدينة من الأوس والخزرج أصحاب نخوة وإباء وفروسية وقوة وشكيمة، ألفوا الحرية، ولم يخضعوا لأحد، ولم يدفعوا إلى قبيلة أو حكومة إتاوة أو جباية، وقد جاء ذلك صريحاً في الكلمة التي قالها سعد بن معاذ - سيد الأوس - لرسول الله ﷺ : قد كن نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا

стр. 323

يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعاً. يقول ابن خلدون: ولم يزل هذان الحيان قد غلبوا اليهود على يثرب، وكان الاعتزاز والمنعة تعرف لهم في ذلك، ويدخل في ملتهم من جاورهم من قبائل مضر. وجاء في (العقد الفريد): ومن الأزد الأنصار، وهم الأوس والخزرج وهما ابنا حارثة ابن عمرو بن عامر، وهم أعز الناس أنفساً وأشرفهم همماً، ولم يؤدوا إتاوة قط إلى أحد من الملوك. وكان بنو عدي بن النجار أخواله، فأم عبد المطلب بن هاشم إحدى نسائهم، فقد تزوج هاشم بسلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار، وولدت لهاشم عبد المطلب، وتركه هاشم عندها، حتى صار غلاماً دون المراهقة، فذهب إليه عمه المطلب، فجاء به إلى مكة، وكانت الأرحام يحسب لها حساب كبير في حياة العرب الاجتماعية، ومنهم أبو أيوب الأنصاري الذي نزل رسول الله ﷺ في داره في المدينة. وكان الأوس والخزرج من قحطان، والمهاجرون ومن سبق إلى الإسلام في مكة وما حولها من عدنان، ولما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقام الأنصار بنصره، اجتمعت بذلك عدنان وقحطان تحت لواء الإسلام، وكانوا كجسد واحد، وكانت بينهما مفاضلة ومسابقة في الجاهلية، وبذلك لم يجد الشيطان سبيلاً إلى قلوبهم، لإثارة الفتنة والتعزي بعزاء الجاهلية باسم الحمية القحطانية أو العدنانية. فكانت لكل ذلك مدينة يثرب أصلح مكان لهجرة الرسول ﷺ وأصحابه واتخاذهم لها داراً وقراراً، حتى يقوى الإسلام، ويشق طريقه إلى الأمام، ويفتح الجزيرة ثم يفتح العالم المتمدن. أهـ. ١٨٣ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: مكث النب ﵌ بمكة ثلاث عشرة سنين نبياً، فنزلت عليه: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (١) بفتح الميم، فهاجر.

стр. 324

١٨٤ - * روى الحاكم عن جرير أن النبي ﷺ قال: "إن الله أوحى إليَّ أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دارُ هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين". ١٨٥ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂، قالت: قال النبي ﵌ للمسلمين: "قد أريتُ دار هجرتكم أريتُ سبخةً ذات نخلٍ بين لابتين" وهما الحرتان. ١٨٦ - * روى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، أو هجرُ، فإذا هي المدينة يثربُ، ورأيت في رؤياي هذه: أني هززتُ سيفاً، فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب به المؤمنون يوم أحدٍ، ثم هززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح، واجتماع المؤمنين، ورأيتُ فيها بقراً والله خيرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحدٍ، وإذا ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدرٍ". إلا أن عند البخاري عن أبي موسى: أراه عن النبي ﷺ بالشك. وعند مسلم: عنه عن النبي ﷺ بغير شك

стр. 325

١٨٧ - * روى الحاكم عن قتادة: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ فأخرجه الله من مكة إلى المدينة مُخرج صدقٍ، وأدخله المدينة مُدخل صدقٍ، قال ونبي الله ﵌ قد علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله وحدود الله ولفرائض الله ولإقامة كتاب الله وإن السلطان عزة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم. أقول: في كلام قتادة هذا إشارة إلى ضرورة وجود السلطان السياسي للإسلام، وأنه لابد من تلاحم السلطان مع القرآن ليقوم افسلام. قدوم الهاجرين إلى المدينة: ١٨٨ - * روى الطبراني عن البراء قال: كان أول من قدم علينا من المهاجرين مُصعب بن عمير أخو بني عبد الدار بن قُصي فقلتُ له: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قال: هو مكانه وأصحابه على أثري. أقول: جاء مصعب إلى المدينة عقب العقبة الولى ثم عاد ليقدم تقريره مع أصحاب العقبة الثانية، والنص ههنا يشير إلى عودته إلى المدينة بعد ذلك. ١٨٩ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ : مُصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) في سور مثلها.

стр. 326

١٩٠ - * روى البزار عن عمر بن الخطاب قال: لما اجتمعنا للهجرة اتعدت أنا وعياشُ ابن أبي ربيعة وهشام بن العاص الميضأة ميضأة بني غفار فوق شرفٍ وقلنا: أيكم لم يصبح عندها فقد احتبس فليمضِ صاحباه فحُبس عنا هشام بن العاص فلما قدمنا المدينة نزلا في بني عمرو بن عوف وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا المدينة، فكلماهُ فقالا له: إن أمك نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك فرق لها، فقلت له: يا عياش والله إن يريدك القوم إلا عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت (١) ولو قد اشتد عليها حر مكة أحسبه قال لامتشطتْ، قال: إن لي هناك مالاً فآخذه قال قلت: والله إنك لتعلم أني من أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما. فأبى إلا يخرج معهما، فقلت له لما أبى علي؛ أما إذ فعلت ما فعلتْ فخذْ ناقة هذه فإنها ناقةٌ ذلولٌ، فألزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها فخرج معهما عليها حتى إذا كانوا ببعض الطرق قال أبو جهل بن هشام والله لقد استبطأت بعيري هذا أفلا تحملني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عديا عليه، وأوثقاه، ثم أدخلاه مكة وفتناه فافتتنَ، قال: فكنا نقول والله لا يقبل الله ممنْ افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا يقبلُ توبة قومٍ عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابه قال وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله ﷺ أُنزل فيهم وفي قولنا لهم وقولهم لأنفسهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٣) قال عمر فكتبتها في صحيفةٍ وبعثتُ بها إلى هشام بن العاص قال هشام: فلم أزل أقرؤها بذي طوى أُصعدُ بها فيه حتى فهمتها. قال: فألقي في نفس أنما نزلت فينا وفيما كُنا نقول في أنفسنا وُقال فينا فرجعت فجلستُ على بعيري فلحقتُ برسول الله ﷺ بالمدينة.

стр. 327

١٩١ - * روى البخاري عن أبي عثمان النهدي ﵀ قال: سمعت ابن عمر رض يالله عنهما إذا قيل له هاجر قبل أبيه يغضب. قال: وقدمت أنا وعمر على رسول الله ﷺ فوجدناه قائلاً، فرجعنا إلى المنزل، فأرسلني عمر وقال: اذهب فانظر هل استيقظ؟ فأتيته فدخلت عليه فبايعته، ثم انطلقت إلى عمر فأخبرته أنه قد استيقظ، فانطلقنا إليه نهرول هرولة حتى دخل عليه فبايعه، ثم بايعته. ١٩٢ - * روى البخار يعن أم العلاء الأنصارية ﵂ قالت: إن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى حين أقرعت الأنصار سكن المهاجرين، قالت: فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى، فمرضناه، حتى إذا توفى وجعلناه في ثيابه - وذكرت لحديث - قالت: فنمت فأريت لعثمان عيناً تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "ذلك عمله". هجرة الرسول ﷺ : ١٩٣ - * روى الحاكم عن علي ﵁ أن النبي ﵌ قال لجبريل ﵊ "منْ يهاجر معي؟ " قال: أبو بكرٍ الصديقُ. ١٩٤ - * روى أحمد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) الآية قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي ﷺ . وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك فبات عليٍّ على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﷺ حتى لحق

стр. 328

بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي ﷺ ، فلما أصبحوا ثاروا عليه فلما رأوا علياً رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبُك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا لجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسجُ العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال". ١٩٥ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: شرى عليٍّ نفسهُ، ولبس ثوب النبي ﵌ ثم نام مكانه وكان المشركون يرومون رسول الله ﵌ وقد كان رسول الله ﵌ ألبسه بُردةً، وكانت قريش تريد أن تقتل النبي ﵌ فجعلوا يرقبون علياً ويرونه النبي ﵌ وقد لبس بردة وجعل علي ﵁ يتضور فإذا هو عليٌّ فقالوا إنك للئيم إنك لتتضور، وكان صاحبك لا يتضورُ ولقد استنكرناهُ منك. ١٩٦ - * روى أحمد والطبراني عن أسماء بنت أبي بكر قالت ملا خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر معه مالهُ كله خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم وانطلق بها معه قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراهُ قد فجعكم بمله مع نفسه قالت: قلت كلا يا أبت قد ترك لنا خيراً كثيراً قالت فأخذت أحجاراً فتركتها فوضعتها في كوة لبيت كان أبي يضع فيها مالهُ ثم وضعت عليها ثوباً ثم أخذتُ بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال قالت فوضع يده عليه فقال لا بأس إن كان ترك لكم هذا لقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغٌ قالت ولا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكن قد أردتُ أن أسَكِّنَ الشيخ بذلك. ١٩٧ - * روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: صنعتُ سُفرةً

стр. 329

للنبي ﷺ في بيت أبي بكر، حين أراد أن يُهاجر إلى المدينة، فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئاً أربط به، إلا نطاقي، قال: فشقيه باثنين، فاربطيه بواحدٍ السقاء، وبالآخر السفرة، ففعلت، فلذلك سُميتُ: ذات النطاقين. ١٩٨ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: لما أُخرج رسول الله ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، ليهلكن فأنزل الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١) فقال أبو بكر لقد علمت أنه سيكون قتالٌ. وفي رواية النسائي (٢) قال: لما أخرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكرٍ: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن، فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ....﴾ الآية. فعرفت أنه سيكون قتالٌ. قال ابن عباس: هي أول آية نزلت في القتال. ١٩٩ - * روى أبو يعلي عن ابن عباس قال لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال: "أما والله لأخرج منك، وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلي وأكرمه على الله ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت يا بني عبد مناف إن كنتم ولاة هذا الأمر من بعدي فلا تمنعوا طائفاً ببيت الله ساعة ما شاء من ليل ولا نهار ولولا أن تطغى قريش لأخبرتها ما لها عند الله اللهم إنك أذقت أولهُم وبالاً فأذق آخرهم نوالاً". ٢٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكر قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: "يا أبا

стр. 330

بكر ما ظنُّكَ باثنين الله ثالثهما". ٢٠١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لم أعقِلْ أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار، بُكرةً وعشيةً، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغِماد، لقيه ابن الدُّغنة - وهو سيدُ القارة - فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدُّغُنِّة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج، إنك تكسبُ المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجعْ فاعبدْ ربك ببلدك، فرجع. وارتحل معه ابن الدُّغنة، فطاف ابن الدغنة في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا ُخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تُكذب قريش بجوار ابن الدُّغنة. وفي رواية: فانفذت قريش جوار ابن الدغنة - وآمنوا أبا بكر - وقالوا لابن الدغنة: مُرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليُصَلِّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يسْتَعْلِنْ به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في دره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن

стр. 331

الدُّغنة، فقدِمَ عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه ف يداره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قدخشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانههُ، فإن أحب أن يقتصر على أنْ يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يُعلن بذلك، فسلهُ أن يرد ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليِّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرتُ في رجل عقدتُ له، فقال له أبو بكر: فإني أردُّ إلأيك جوارك وأرضي بجوار الله - والنبي ﷺ يومئذ بمكة - فقال النبي ﷺ للمسلمين: "إني أريتُ دار هجرتكم، ذات نخلٍ، بين لابتين" وهما الحرتان - فهاجر منْ هاجر قِبَلَ المدينة، ورجع عامةُ من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهر أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال رسول الله ﷺ : "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي" فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمُرِ - وهو الخبط - أربعة أشهرٍ. قال ابن شهاب: قال عروةُ: قالت عائشة: فبينا نحنُ يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسول الله ﷺ متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن لهُ، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك - بأبي أنت يا رسول الله - قال "فإني قد أُذِنَ لي في الخروج" قال أبو بكر: الصحابة، بأبي أنت يا رسول الله قال رسول الله ﷺ : "نعم". قال أبو بكر: فخذْ - بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله ﷺ : "بالثمنِ" قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سُفرةً في جرابٍ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعةً من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه

стр. 332

ثلاث ليالٍ يبيتُ عندهما عبدُ الله بن أبي بكر، وهو غلام شابٌ ثقِفٌ لقِنٌ، فيدلج من عندهما بسَحَر، فيُصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمعُ أمراً يكتادان به إلا وعاهُ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر ابن فُهيرة - مولى أبي بكر - منحه من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل - وهو لبنُ منحتهما، ورضيفُهما -حتى ينعق بها عامر بن فُهيرة بغلسٍ، يفعلُ ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل - وهو من بني عبد بن عديِّ - هادياً خريتاً - والخريتُ: الماهر بالهداية - قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كُفار قريش، فأمناهُ، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما، وانطلق معهما ابن فهيرة، والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل" وفي رواية "طريق الساحل". قال ابن شهاب (١) وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي - وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم -أن أباه أخبره: أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رُسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحدٍ منهما من قتله أو أسره، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مُدلج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوسٌ، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفاً أسوِدة بالساحل، أراها محمداً وأصحابه، قال سراقة: فعرفتُ أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا، ثم لبثتُ في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلتُ، فأمرتُ جاريتي أنْ

стр. 333

تخرج بفرسي وهي من وراء أكمةٍ، فتحبسها عليَّ، وأخذت رُمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزّجَّه الأرض، وخفضت عاليهُ، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تُقرب بي، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررتُ عنها، فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجتُ منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرهم، أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي - وعصيتُ الأزلام - تُقرِّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفتُ، وأبو بكر يُكثر الالتفات: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عْثَان ساطعٌ في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي - حين لقيتما لقيت من الحبس عنهم - أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية - وأخبرتهم أخبار ماي ريد الناس بهم - وعرضتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني إلا أن قال: "أخفِ عنا"، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب لي في رقعة من أدم، ومضى رسول الله ﷺ . قال ابن شهابٍ: "فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين تُجاراً قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياضٍ، وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه، حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطُمٍ من آطامهم لأمرٍ ينظر إليه، فبصُر برسول الله

стр. 334

صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبيضين، يزولُ بهم السرابُ، فلم يملك اليهوديُّ أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، قال: فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوفٍ، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناسُ رسول الله ﷺ عند ذلك، فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوفٍ بضع عشرة ليلةً، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ ، ركب راحلتهُ، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة، وهو يُصلي فيه يومئذٍ رجال من المسلمين، وكان مريداً للتمر، لسهل وسُهيل - غلامين يتيمين ف يحجر أسعد بن زُرارة - فقال رسول الله ﷺ حين بركت راحلته "هذا إن شاء الله المنزلُ" ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله ﷺ أن يقبلهُ منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً، وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللَّبِنَ في بُنيانه، ويوقل وهو ينقل اللبن: هذا الحِمَالُ لا حِمالُ خيبر ... هذا أبرُّ ربنا وأطهر ويقول: اللهم إن الأجر أجرُ الآخره ... فارجمِ الأنصارَ والمهاجره فتمثل بشعرِ رجلٍ من المهاجرين، لم يُسم لي. قال ابن شهابٍ: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيتِ شعرٍ تام غير هذه الأبيات

стр. 335

فوائد من فتح الباري: ١ - عن ابن شهاب قال: كان بين ليلة العقبة - يعني الأخيرة - وبين مهاجر النبي ﷺ ثلاثة أشهر أو قريب منها. قلت: هي ذو الحجة والمحرم وصفر، لكن كان مضى من ذي الحجة عشرة أيام، ودخل المدينة بعد أن استهل ربيع الأول فمهما كان الواقع أنه اليوم الذي دخل فيه من الشهر يعرف منه القدر على التحرير، فقد يكون ثلاثة سواء وقد ينقص وقد يزيد، لأن أقل ما قيل إنه دخل في اليوم الأول منه، وأكثر ما قيل إنه دخل الثاني عشر منه. ٢ - بمناسبة قول ابن الدُّغنة عن أبي بكر (لا يخرج مثله) قال ابن حجر: أي: من وطنه باختياره على نية الإقامة في غيره مع ما فيه من النفع المتعدي لأهل بلده، (ولا يُخرج) أي: ولا يخرجه أحد بغير اختياره للمعنى المذكور، واستنبط بعض المالكية من هذا أن من كانت فيه منفعة متعدية لا يمكن من الانتقال عن البلد إلى غيره بغير ضرورة راجحة. ٣ - بمناسبة أمر رسول الله ﷺ لعامر بن فهيرة أن يكتب عقد أمان لسراقة. قال ابن حجر: قوله: فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم وفي رواية بن إسحاق: (فكتب لي كتاباً في عظم - أو ورقة أو خرقة - ثم ألقاه إلي، فأخذته فجعلته في كنانتي ثم رجعت) وفي رواية موسى بن عقبة نحوه وعندهما (رجعت فسئلت فلم ذكر شيئاً مما كان، حتى إذا فرغ من حنين بعد فتح مكة خرجت لألقاه ومعي الكتاب، فلقيته بالجعرانة حتى دنوت منه فرفعت يدي بالكتاب فقلت: يا رسول الله هذا كتابك، فقال: يوم وفاء وبر، أدن، فأسلمت) وفي رواية صالح بن كيسان نحوه، وفي رواية الحسن عن سراقة قال: (فبلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي، فأتيته فقلت: أحب أن توادع قومي، فإن أسلم قومنك (أي: قريش) أسلموا وإلا أمنت منهم، ففعل ذلك، قال: ففيهم نزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) الآية) أهـ.

стр. 336

انظر إلى الوفاء كيف أن العقد لسراقة سرى على قومه بطلبه، مع العلم أن قومه لم يكونوا يقاتلون المسلمين ولولا ذاك ما سرى ذلك العقد إليهم. ٤ - بمناسبة لحديث عن نزول رسول الله ﷺ ابتداء في قباء، قال ابن حجر: وهو في التحقيق أول مسجد صلى النبي ﷺ فيه بأصحابه جماعة ظاهراً، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة. ٥ - وبمناسبة خروج رسول الله ﷺ من قباء إلى المدينة قال ابن حجر عند قوله: (ثم ركب راحلته) وقع عند ابن إسحاق وابن عائذ أنه ركب من قباء يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فقالوا: يا رسو لالله هلم إلى العَدّد والعُدّدْ والقوة، أنزل بين أظهرنا. وعند أبي الأسود عن عروة نحوه وزاد: وصاروا يتنازعون زمام ناقته. وسمى ممن سأله النزول عندهم: عتبان بن مالك في بني سالم، وفروة بن عمرو في بني بياضة، وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وغيرهما في بني ساعدة، وأبا سليط وغيره في بني عدي، يقول لكل منهم: "دعوها فإنها مأمورة" وعند الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس: (جاءت الأنصار فقالوا إلينا يا رسول الله، فقال: "دعوا الناقة فإنها مأمورة"، فبركت على باب أبي أيوب) قوله: (حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة) في حديث البراء عن أبي بكر (فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه فقال: إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك) وعند ابن عائذ عن الوليد بن مسلم وعند سعيد بن منصور كلاهما عن عطاف بن خالد: "أنها استناخت به أولاً فجاءه ناس فقالوا: المنزل يا رسول الله، فقال: "دعوها"، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلحلت فنزل عنها، فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب المنازل فأذن لي أن أنقل رحلك، قال: "نعم"، فنقل وأناخ الناقة في منزله. وذكر ابن سعد أن أبا أيوب لما نقل رحل النبي ﷺ إلى منزله قال النبي ﷺ : "المرء مع رحله" وأنا أسعد بن زرارة جاء فأخذ ناقته فكانت عنده، قال: وهذا أثبت، وذكر أيضاً أن مدة إقامته عند أبي أيوب كانت سبعة أشهر.

стр. 337

٢٠٢ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: جاء أبو بكر ﵁ إلى أبي في منزله، فاشترى منه رحْلاً، فقال لعازبٍ: ابعث ابنك يحمله معي، قال فحملته معي، وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكرٍ حدثني كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائمٌ الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عندها وسويت للنبي ﷺ مكاناً بيدي ينامُ عليه وبسطتُ عليه فروةٌ، وقلت له: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك، فنم، وخرجت أنفضُ ما حوله، فإذا أنا براعٍ مقبلٍ بغنمه إلى الصخرة، يريدُ منها الذي أردنا، فقلتُ: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة، فقلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلتُ: أفتحلبُ لي؟ قال: نعم، فأخذ شاة، فقلتُ: انفض الضرع من التراب والشعر والقذي - قال: فرأيت البراء يضربُ إحدى يديه على الأخرى ينفضُ - فحلب في قعبٍ كثبة من لبنٍ، قال: ومعي إداوةً حملتها للنبي ﷺ يرتوي منها ويشربُ ويتوضأ، فأتيت النبي ﷺ فكرهتُ أن أوقظه فوافقته حتى استيقظ - فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفلهُ، فقلت: يا رسول الله اشرب: فشربَ حتى رضيتُ، ثم قال: "ألم يأن للرحيل؟ " قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعدها مالت الشمسُ، وأتبعنا سُراقة بن مالك، فقلت: أُتينا يا رسول الله، فقال: "لا تحزن، إن الله معنا" فدعا عليه رسول الله ﷺ ، فارتطمت به فرسه إلى بطنها: فقال: إني أراكما قد دعوتما عليِّ، فادعوا لي، فالله لكما أنْ أرد عنكما الطلب، فدعا له رسول الله ﷺ ، فنجا، فجعل لا يلقى أحداً إلا قال: كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحداً إلا رده قال: ووفى لنا

стр. 338

٢٠٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: أقبل نبي الله ﷺ إلى المدينة وهو مُردفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعرفُ، ونبي الله ﷺ شابٌ لا يعرفُ، فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل فيحسبُ الحاسبُ: أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني به سبل الخير، فالتفت أبو بكر، فإذا هو بفارسي قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله ﷺ ، فقال: "اللهم اصرعهُ"، فصرعته فرسه، ثم قامت تحمحِمُ، فقال: يا نبي الله، مُرني بما شئت، قال: "فقف مكانك، لا تتركن أحداً يلحق بنا"، فكان أول النهار جاهداً على رسول الله ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة له، فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤوا إلى نبي الله ﷺ وأبي بكر، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين، فركب نبيُّ الله ﷺ وأبو بكرٍ، وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله، فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبي الله فأقبل يسيرُ حتى نزل جانب دار أبي أيوب فإنه ليحدث أهله، إذ سمع به عبد الله بن سلام - وهو في نخل لأهله يخترفُ لهم - فعُجِل أنْ يضع الذي يخترفُ لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فقال رسول الله ﷺ : "أيُّ بيوت أهلنا أقربُ؟ " فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي، قال: "فانطلق فهيئ لنا مقيلاً"، قال: قوما على بركة الله، فلما جاء رسول الله ﷺ ، جاء عبد الله بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بالحق، وقد علمت يهودُ أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم، فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمتُ، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمتُ قالوا في ما ليس فيِّ، فأرسل

стр. 339

رسول الله ﷺ ، فأقبلوا فدخلوا عليه فقال: "يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمُون أني رسول الله حقاً، وأني جئتكم بحق، فأسلموا"، قالوا: ما نعلمه - قالها ثلاث مرارٍ - قال: "فأيُّ رجلٍ فيكم ابنُ سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشى لله، ما كان ليُسلم - قالها ثلاث مرارٍ، وردوا عليه - فاقل: "يا ابن سلام، اخرُج عليهم" فخرج عليهم، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق، قالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ . ٢٠٤ - * روى البزار عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ يستخفيان نزلا بأبي معبد فقال: والله ما لنا شاةً وإن شاءنا لحواملُ فما بقي لنا لبنٌ، فقال رسول الله ﷺ أحسبه - "فما تلك الشاة؟ " فأتى بها، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة عليها ثم حلب عُساً، فسقاه ثم شربوا، فقال: أنت الذي تزعُم قريش أنك صابئ، قال: "إنهم ليقولون" قال أشهدُ أن ما جئت به حق، ثم قال: أتبعك قال: "لا حتى تسمع أنا قد ظهرنا" فاتبعهُ بعدُ. ٢٠٥ - * روى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: لما خرج رسول الله ﵌ من الغار مُهاجراً ومعه أبو بكر وعامر بين فهيرة مردفه أبو بكر وخلفه عبد الله ابن أريقط الليثي، فسلك بهما أسفل من مكة ثم مضى بهما حتى هبط بهما على الساحل أسفل من عسفان، ثم استجار بهما على أسفل أمجٍ، ثم عارض الطريق بعد أن أجاز قديداً ثم سلك بهما الحجاز، ثم أجاز بهما ثنية المرار، ثم سلك بهما الحفياء، ثم أجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة صحاح، ثم سلك بهما مذحج، ثم بطن مذحج من ذي الغصنِ

стр. 340

ثم يبطْنِ ذي كشدٍ، ثم أخذ الجباحِب ثم سلك ذي سلمٍ من بطن أعلى مدلجةٍ، ثم أخذ القاحة ثم هبط العرج، ثم سلك ثنية الغائر عن يمين ركوبةٍ ثم هبط بطن ريمٍ، فقدم قُباء على بني عمرو بن عوفٍ. فائدة: عبد الله هو دليل الرحلة وكان مشركاً من بني ليث من كنانة وقد استأجره أبو بكر وفي ذلك ما يدل على أنه إذا لم يوجد مسلم لمهمة لابد منها فبالإمكان الاستفادة من الكافر الثقة. يلاحظ أن الدليل سار بهم في طريق راعى فيه كل مقتضيات الأمن وكان رسول الله ﷺ مسلماً في ذلك مما يدل على أن أخذ الاحتياط الأمني جزء من السنة النبوية. ٢٠٦ - * روى الحاكم عن محمد بن سيرين قال: ذكر رجالٌ على عهد عمر ﵁ فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر ﵄ قال: فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال: والله لليلة من أبي بكرٍ خيرٌ من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله ﵌ لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى فطن له رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا بكرٍ مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي" فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: "يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أنْ يكون بك دوني" قال: نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمةٍ إلا أن تكون بي دُونك، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل واستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحَرَة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبر الجِحَرَة، فدخل واستبرأ ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر. ٢٠٧ - * روى الحاكم عن عروة بن الزبير أنه سمع الزبير يذكر أنه لقي الركب من المسلمين

стр. 341

كانوا تجاراً بالشام قافلين من مكة عارضوا رسول الله ﷺ وأبا بكرٍ بثيابٍ بيضٍ حين سمعوا بخروجهم فلما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﵌ كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يؤذيهم خرُّ الظهيرة فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظاره فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود أطُما من آطامِهم لينظر إليه، فبصُر برسول الله ﵌ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا صاحبكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﵌ بظهرِ الحرةِ. ٢٠٨ - * روى الطبراني عن ابن إسحق قال: نزل رسول الله ﷺ بقباء على كلثوم بن هِرمِ أخي بني عمرو بن عوفٍ يقال: بل نزل على سعد بن خيثمة فأقام في بني عمرو بن عغوفٍ يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم وخرج من بني عمرو بن عوف، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلى الجمعة في المسجد الذي يبطن الوادي قال ابن إسحاق: ثم نزل رسول الله ﷺ على أبي أيوب، وأمر رسول الله ﷺ ببناء مسجده في تلك السَنة. ٢٠٩ - * روى الطبراني عن الشموس بنت النعمان قالت نظرت إلى رسول الله ﷺ حين قَدِمَ ونزل وأسس هذا المسجد مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره الحجرُ، وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سُرته فيأتي الرجلُ من أصحابه ويقول بأبي وأمي يا رسول الله أعطني أكفِك فيقول: "لا، خُذ مثله" حتى أسسه، ويقول: "إن جبري لعليه السلام هو يؤم الكعبة" قال فكان يقال إنه أقوم مسجد قِبلةً. ٢١٠ - * روى الطبراني عن عاصم بن عدي قال قدم رسول الله ﷺ يوم الاثنين لاثنتي

стр. 342

عشرة ليلة خلت من ربيع الأول فأقام بالمدينة عشر سنين. ٢١١ - * روى الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: شهدتُ يوم دخل النبي ﵌ المدينة فلم أر يوماً أحسن ولا أضوء منه. ٢١٢ - * روى الحاكم عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: ومضى رسول الله ﵌ حتى قدم المدينة وخرج الناس حتى دخلنا في الطريق وصاح النساء والخدام والغلمان جاء رسول الله الله أكبر جاء محمدٌ جاء رسول الله، فلما أصبح انطلق فنزل حيث أُمِرَ. هذا لحديث أصل في جواز الهتاف الذي اعتاده أبناء الحركة الإسلامية في المناسبات. ٢١٣ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة لقدومه، فرحاً بذلك، لعبُوا بحِرابهم". ٢١٤ - * روى الحاكم عن عكرمة قال لما خرج صهيبُ مهاجراً تبعه أهلُ مكة فنثل كنانته فأخرج منها أربعين سهماً فقال: لا تصلون إلي حتى أصنع ف كل رجل منكم سهماً ثم أصيرُ بعد إلى السيف فتعلمون أني رجل وقد خلفتُ بمكة قينتين فهما لكم. قال (وحدُثَنَا) حماد بن سلمة عن ثابت عن أُنسِ نحوه ونزلت على النبي ﵌ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية فلما رآه النبي ﵌ قال "أبا يحيى ربح البيع" قال: وتلا عليه الآية. ٢١٥ - * روى الحاكم عن سعيد بن المسيب عن صهيب قال: قال رسول الله ﵌: "أُريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرة فإما أن تكونُ هجرا أو تكون يثرب" قال: خرج رسول الله ﵌ إلى المدينة، وخرج معه

стр. 343

أبو بكر ﵁ وكنتُ قد هممتُ بالخروج معه فصدني فتيانُ من قريشٍ فجعلتُ ليلتي تلك أقوم ولا أقعد فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه ولم أكن شاكياً فقاموا فلحقني منهم ناس بعد ما سرت بريداً ليردوني فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتُخلون سبيلي وتفون لي فتبعتهم إلى مكة فقلتُ لهم: احفروا تحت أسكفةِ الباب فإن تحتها الأواق واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﵌ قبل أن يتحول منها يعني قباء فلما رآني قال: "يا أبا يحيى ربح البيعُ" ثلاثاً فقلتُ: يا رسول الله ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل ﵇. ٢١٦ - * روى الحاكم عن صهيب، قال: قدمت على رسول الله ﵌ بالهجرة وهو يأكل تمراً فأقبلتُ آكل من التمر وبعيني رمدٌ فقال: "أتأكل التمر وبك رمدٌ" فقلتُ إنما آكل على شقي الصحيح ليس به رمدٌ قال: فضحك رسول الله ﵌. ٢١٧ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، أنها حملت بعبد الله ابن الزبير بمكة، قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت رسول الله ﷺ ، فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له، وبرك عليه، وكان أول مولودٍ ولد في الإسلام". وفي رواية: ففرحوا به فرحاً شديداً لأنهم قيل لهم: إن اليهود سحرتكم فلا يولد لكم. ٢١٨ - * روى مالك عن عائشة ﵂ قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة

стр. 344

وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالً، قالت: فدخلتُ عليهما، فقلتُ: يا أبتِ، كيف تجدُكَ؟ ويا بلالُ، كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمي يقول: كل امرئ مصبحٌ في أهلهِ ... والموتُ أدنى من شراك نعلهِ وكان بلال إذا أقلع عنه، يرفع عقيرته فيقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بوادٍ، وحولي إذخر وجليلُ؟ وهل أردن يوماً مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةً وطفيلُ؟ قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "اللهم حبب إلينا المدينة كحُبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومُدها، وانقل حُماها فاجعلها بالجحفة". وفي رواية نحوه، وزاد بعد بيتي بلالٍ من قوله: اللهم الغنُ شيبة بن ربيعة، وعُتبة ابن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. ثم قالت: قال رسول الله ﷺ : "اللهم حبب إلينا المدينة ... ". وذكر باقي الدعاء. قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، قالت: وكان بُطحانُ يجري نجلاً، تعني ماء آجنا". وأخرج الموطأ عقيب هذا الحديث عن يحيى بن سعيد أن عائشة قالت: وكان عامرُ ابن فهيرة يقول: لقد رأيتُ الموت قبل ذوقهِ ... إن الجبان حتفه من فوقهِ ٢١٩ - * روى النسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا من المهاجرين، لأنهم هجروا المشركين، وكان من الأنصار مهاجرون، لأن المدينة كانت دار شركٍ، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ ليلة العقبةِ

стр. 345

٢٢٠ - * روى البزارُ عن حذيفة قال: خبرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة فاخترتُ الهجرة. وكان حذيفة بن اليمان من عبس وفد مع أبيه إلى المدينة قبل الهجرة النبوية. ٢٢١ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵌: "أتعلم أول زُمرة تدخل الجنة من أمتي" قال: الله ورسوله أعلم فقال: "المهاجرون يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فيقول لهم الخزنة أو قد حوسبتم فيقولون بأي شيء نُحاسب وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك قال: فيُفتح لهم فيقيلون فيه أربعين عاما ًقبل أن يدخلها الناسُ". وبقيت الهجرة مستمرة إلى المدينة المنورة في حياة الرسول ﷺ حتى فتح مكة عندئذ قال رسول الله ﷺ "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" لكن بقيت الهجرة مشروعة حيث وجدت أسبابها: من خوف فتنة في دار الكفر أو البدعة إلى وجوب تجمع في دار الإسلام لصالح جهاد أو قوة للإسلام والمسلمين، ومن تأمل هذه المعاني عرف كيف يحمل النصوص اللاحقة على محاملها الصحيحة. ٢٢٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس: كان قدومنا على رسول الله ﷺ لخمس من الهجرة خرجنا متواصلين مع قريش عام الأحزاب وأنا مع أخي الفضل ومعنا غلامُنا أبو رافع حتى انتهينا إلى العرْج ثم أخذنا في طريق حتى خرجنا على بني عمرو بن عوف فدخلنا المدينة فوجدناها ﷺ في الخندق وأنا يومئذ ابن ثمان سنين وأخي في ثلاث عشرة

стр. 346

٢٢٣ - * روى النسائي - عن يعلي بن أمية: جئت رسول الله ﷺ بأبي أمية يوم الفتح فقلت: يا رسول الله بايع أبي على الهجرة فقال: "أبايعه على الجهاد وقد انقطعت الهجرة". ٢٢٤ - * روى النسائي عن عمر، قال: لا هجرة بعد وفاة رسول الله ﷺ . ٢٢٥ - * روى النسائي عن ابن عمرو بن العاص: قال رجلٌ يا رسول الله أيُّ الهجرة أفضل؟ قال: "أن تهجر ما كره ربك" وقال: "الهجرة هجرتان هجرة الحاضر وهجرة البادي فأما البادي فيُجيبُإذا دُعي ويطيع إذا أُمر وأما الحاضر فهو أعظمهما بلية وأعظمهما أجرا". أما الأحاديث التي تدل على عدم انقطاع الهجرة إذا وجدت أسبابها فمنها: ٢٢٦ - * روى النسائي عن عبد الله بن السعدي: قلت يا رسول الله يزعمون أن الهجرة قد انقطعت قال: "لا تنقطعُ الهجرة ما قوتل الكفار". ٢٢٧ - * روى أبو داود عن معاوية ﵁ عن النبي ﵌ قال: "لا تنقطعُ الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". قال ابن حجر: وروى الإسماعيلي عن ابن عمر ﵄ بلفظ: (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﵌، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار). أي ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن عن دينه، ومفهومه أنه لو قدر أن لا يبقى في الدينا دار كفر أن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها، والله أعلم

стр. 347

٢٢٨ - * وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله السعدي: أن النبي ﵌ قال: "لا تنقطعُ الهجرة ما دام العدو يُقاتل"، فقال معاوية، وعبد الرحمن ابن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن النبي ﷺ قال: "إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله. ولا تنقطعُ الهجرة ما تُقُبِّلت التوبة، ولا تزالُ التوبةُ مقبولةً حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعتْ طُبع على كل قلبٍ بما فيه، وكُفي الناسُ العمل". تعليق: إن من تأمل حادثة الهجرة ورأى دقة التخطيط فيها ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله ﷺ كان قائماً وأن التخطيط جزء من السنة النبوية وهو جز ءمن التكليف الإلهي في كل ما طولب به المسلم وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السنة أمثال هؤلاء مخطئون ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين

стр. 348

فوائد من كتاب الهجرة للدكتور محمد أبو فارس: - إن الهجرة أهم حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية، إذ بالهجرة تكون الكيان السياسي للأمة الإسلامية لنشر الإسلام والدفاع عن حرماته. - ولأهميتها كان التأريخ بالهجرة ولم يكن بغيرها من الأحداث الهامة كالميلاد والبعثة أو وقعة بدر أو ما شابه. - ولم يؤرخ المسلمون بتأريخ غيرهم حفاظاً على استقلالية الأمة وتميزها. - تعلمنا الهجرة كف أن على الدعاة أن يبحثوا دائماً عن أماكن خصبة للدعوة تكون مركز انطلاق ونواة تأسيس. ومن دروس الهجرة أيضاً: - أن في الهجرة رد على من يقول أن الأحداث مبعثها حاجات الإنسان المادية والدوافع الجنسية والبطنية. فهذه الهجرة فر أصحابها بدينهم وتركوا أموالهم وديارهم دون ربح مادي. - بروز عنصر التخطيط في هذه الهجرة وأهمية ذلك في حياة المسلمين، فكان الهدف محدداً والوسائل محددة والعقبات مأخوذة بالحسبان واختيار الطرق والمكان والتموين ومن يحمل الأخبار والدليل؛ كل ذلك مؤمن، مع إحاطة ذلك بالسرية والحيطة اولحذر وكل ذلك ينبئ عن تخطيط وتنظيم وترتيب لا مثيل له. - ينبغي على المسلم ألا يغفل أبداً عن جانب الدعاء إلى الله والتوجه إليه وطلب العون والنصرة منه - مع الأخذ بالأسباب - إذ إن الأول هو الأهم في حياة المسلم وكان هذا واضحاً في هجرة الرسول ﷺ بل وفي كل حركاته وسكناته. - من معاملة أبي بكر لرسول الله ﷺ يتجلى الحب الصادق والتضحية بالنفس، وتجلى هذا في الغار وعند الخروج منه، وفي الطريق حينما كان يمشي تارة خلفه وتارة أمامه وتارة عن يمينه ..

стр. 349

- نجد رسول الله ﷺ في طريقه يدعو من يراه إلى الإسلام، وكان من ذلك أن أسلم بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قوم، مما يدل على أن الداعية يجب أن لا يفتر عن الدعوة إلى الله بل يغتنم كل فرصة تلوح له ولا يزهد بشيء من ذلك (١). * * *

стр. 350

تأملات في العهد المكي وتصويبات أخذنا فيما مضى تصوراً إجمالياً عن المرحلة المكية، والتفصيل الكامل يحتاج إلى جهود كثيرة لا يطيقها فرد، واستكمال صورة العهد المكي يقتضي عرضاً للقرآن المكي ونقصد به القرآن الذي نزل قبل استقرار رسول الله ﷺ في المدينة وهذا القسم من القرآن يكاد يكون نصف القرآن، والصحابة الذين عاصروا تنزل القرآن كان عندهم علم بأمكنة النزول وتسلسل النزول وأسباب النزول. ولو أن هذا العلم وصلنا كاملاً لأمكن من خلاله أن نعرف المسيرة العلمية والتربوية لرسول الله ﷺ وأصحابه، ولأمكننا أن نعرف كيف كان التدرج في بناء النفس والأمة بشكل تفصيلي، وزيادة على ذلك فإنه كان بالإمكان أن نعرف تفاصيل دقيقة عن سيرة رسول الله ﷺ ، ولكن هذا العلم لم ينقل لنا بشكل تفصيلي كامل، وإذا نقل ففي حدود ضيقة، وذلك لأن الجيل الأول والأجيال اللاحقة لم يقدروا أن لذلك أهمية كبيرة ما دام ترتيب القرآن توقيفياً والله هو الذي تولى ترتيبه، وقد رأينا في كتابنا (الأساس في التفسير) الحكمة بل المعجزة في هذا الترتيب. ونتيجة لعدم وصول دقائق تاريخ النزول؛ فإن العلماء اجتهدوا في تحديد ترتيب نزول السور القرآنية، فكان عملهم اجتهادياً من ناحية وإجمالياً من ناحية أخرى، ولذلك فإذا ما تكلف متكلف أن يقدم عرضاً لأحداث السيرة من القرآن فالإجمال والاجتهاد هما عمله، نسجل هذا كأول ملاحظة على استحالة الفصل بين المرحلة المكية والمدنية من الناحية التشريعية البحتة، ومن ههنا ننطلق لنقول: إن الذين يعتبرون المرحلة المكية إمامهم في العمل الإسلامي بمعنى أنهم مطالبون به وحدها ومكلفون بالاقتداء برسول الله ﷺ في حدودها فقط، هؤلاء جاهلون بالإسلام. فالتشريع الإسلامي اكتمل والأمة الإسلامية مطالبة به كله، فهي مطالبة بالكتاب كله وبالسنة كلها، وبما استقر عليه التشريع في المرحلتين المكية والمدنية.

стр. 351

إن الحج والصوم والحدود والقصاص والجهاد وغير ذلك، كل ذلك لم يكن مفروضاً في المرحلة المكية فمن اعتبر نفسه مكلفاً بالمرحلة المكية وحدها في بعض الشئون عليه أن يفطن لما يترتب على تفكيره من إلزامات توصله للكفر فإذا وضح هذا وهذا نقول: إننا منطالبون أن نقتدي برسول الله ﷺ في كل ما لم ينسخ ومالا يعتبر خاصاً به، وعلى هذا الساس فكل ما لم ينسخ من المرحلة المكية أو ما لا يعتبر خاصاً به ﵊ فهو محل الطلب منا، وهو محل التكليف فإذا ما اتضح هذا نقول: لقد ركز القرآن المكي على معان بعينها وجاء القرآن المدني فأكمل وتمم، وقد يكون من المناسب أن نلحظ في التربية الأولى للإنسان هذه المعاني مع ملاحظة أن ذلك تحصيل حاصل لمن يأخذ الكتاب والسنة جملة وتفصيلاً، لقد ركز القرآن المكي على اليقين ونفي الريب وجاءت في ذلك سور كثيرة، كما ركز على الإيمان بالغيب والصلاة والإنفاق وعتق الرقاب والإحسان إلى الناس عامة والضعفاء والأيتام خاصة وجاءت في ذلك سور، وركز على أخلاق بعينها وعلى أعمال صالحة من مثل ما يدخل في تزكية النفوس، ومن مثل التواصي بالحق والصبر والتواضع وعدم الاختيال وعدم رد السيئة بمثلها وقيام الليل وعدم الإسراف، وإنصات القلب لآيات الله والحرص على صلاح الذرية وترك الزنا والسرقة وافقبال على الله بصلة الوالدين والأرحام، وركز على عبادة الله وحده والإخلاص فيها وعدم مشاركة الكافرين في عبادتهم. وركز على إقامة الحجة على الكافرين وتبيان الكفر وأخلاقه وأسبابه وشبهه وأقوال أهله. وركز على التذكير بالنعم لاستخراج الشكر. وركز على أن القدوة الحسنة في الحياة البشرية هم الرسل. وركز على تبيان أن الخلقين الرئيسيين الواجبي الاجتناب هما: الحسد والكبر، وهما خلقا الشيطان. وركز على اتباع الوحي وترك اتباع الشيطان وأئمة الضلال.

стр. 352

هذه المعاني وغيرها تعرض لها القرآن المكي وركز عليها، ولكنها ليست خاصة به بل هي سمة القرآن كله. ومن ههنا لا نجد مسوغاً للتمييز بين التكليف المكي والتكليف المدني، فنحن الآن مكلفون بالإسلام كله ومن جملته المرحلة المكية. في العهد المكي وجدت مرحلة سرية، وللمسلمين إذا وجدت ظروف أن يلجأوا إلى الدعوة السرية، ولكن هل نحن مقيدون أن تكون هذه المرحلة السرية في حدود تلك المرحلة؟ ثم إذا خرجنا منها ألا نعود إليها، إن الذين يريدون أن يفهموا المرحلة المكية كذلك لا يدركون حقائق هذا الإسلام، فالفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً، ونادراً ما تتكرر الظروف التي مرت في مرحلة بحيث تكن طبق الأصل، والشريعة الإسلامية جاءت لتلبي كل ظرف وكل وضع ولتعطيه الحكم المناسب المستخرج من الكتاب والسنة. * * * فإذا ما اتضح هذا الذي قدمناه وانتفى المحذور فإننا ننصح دارس القرآن الراغب في فهم المرحلة المكية أن يتأمل السور التي توصف بأنها مكية فإن ذلك يفتح عليه آفاقاً في الفهم والسلوك والدعوة، كما يعطيه كمالاً في فهم المرحلة من الناحية التاريخية والنفسية والعملية والتكليفية. فمن خلال ذلك يدرك كيف تدرج التكليف، ويدرك الأوليات والأساسيات في هذا التكليف، ويدرك كيف تكامل البناء على الزمن، ويدرك لماذا استطاع هؤلاء العدد القليل أن يصهروا بعد ذلك أضعاف أضعافهم ثم استطاعوا هم ومن صهروهم أن يصهروا الشعوب والأمم، كما يستطيع أن يدرك مَن مِن الناس مؤهلون ومرشحون لبناء الدول والمحافظة عليها والتوسع من خلالها، إن هذا كله يتأتى لنا من خلال دراسة متأنية للقرآن المكي، وهذا شيء وأن تعتبر المرحلة المكية وحدها هي مناط التكليف شيء آخر، فنحن نحذر من هذا وندعو إلى ذاك. * * *

стр. 353

الباب الثالث مِن الاستقرار في المدينة حتى الوفاة

стр. 354

هذه المرحلة في سطور أرّخ المسلمون بالهجرة؛ لأهميتها كمعلم بارز في تاريخ الدعوة النبوية، لما للهجرة من آثار على انتصار الدعوة وظهورها، ولأنه بالهجرة ولدت دولة الإسلام. ولم يبدأوا التأريخ من يوم وصول رسول الله ﷺ إلى المدينة، بل منذ بدأ الأصحاب يتوافدون على المدينة، ولذلك تبدأ السنة الهجرية بالمحرم مع أن الرسول ﷺ وصل إلى المدينة بعد ذلك. ولأهمية الهجرة فقد اعتاد المسلمون أن يحيوا هذه الذكرى، وأن يجددوا لها فرحاً. وقد انتكس من أرخ بالوفاة لمخالفته للإجماع، وكأنه أراد أن يقطع على المسلمين طريق الفرح بالذكرى، فأرّخ بالوفاة ليقطع الدوافع التي تحييها ذكرى الهجرة ليستبدلها بالحزن. وقد قضى الرسول ﷺ في المدينة المنورة عشر سنين كانت مليئة بالأحداث، ثرَّة بجلائل الأعمال وعظيمها، فتحت الطريق أمام المسلمين للسيطرة على مقاليد هذا العالم إن أحسنوا العمل والتأسي، ونحن سنعرض هذه المرحلة حسب السنين مبتدئين بأحداث السنة الأولى ثم الثانية هكذا إلى السنة الحادية عشرة. * * * من ملامح هذه المرحلة ١ - أنها مرحلة حركة مستمرة دعوياً وتربوياً واجتماعياً واقتصادياً وقانونياً ودستورياً وسياسياً وعسكرياً، يتلاحم فيها العمل الدعوي والتربوي مع العمل السياسي والعسكري. ٢ - أنها مرحلة عمل وجهاد متواصلين لتحقيق الأهداف، ومنها أخذ الأستاذ البنا فكرته عن التنفيذ. ٣ - كما أنها مرحلة تجريد شامل للنفس فلا تبقى نزعة للنفس إلا وهذبت، ولا مظهر ارتخاء إلا وشد نحو المثل الأعلى، فوجد بذلك وغيره جيل ليس له مثيل "خير القرون قرني".

стр. 355

٤ - وهي مرحلة إحكام للبناء الداخلي للمجتمع والأمة والدولة؛ يظهر ذلك في الإخاء والمؤاخاة بين المسلمين وفي التحالفات مع المواطنين من غير المسلمين، وفي الصيغ الدستورية والعملية لضبط العلاقات السياسية والاجتماعية. ٥ - وهي مرحلة توسع فيها الصراع الفكري فشمل دوائر جديدة: أهل الكتاب، المنافقين، المجوس. ٦ - وبهذه المرحلة قام البناء السياسي للإسلام وللمسلمين، ووجد اللواء الأول للسلطان السياسي للأمة الإسلامية في رحلتها الخاتمة. ٧ - ومن ملامح الحركة السياسية في هذه المرحلة أنها كانت بحثاً عن الأحلاف وفصلاً بين الأطراف، ولذلك لم يستطيع الأعداء أن يلتقوا على حرب الإسلام في وقت واحد إلا مرة واحدة يوم الأحزاب، ومع ذلك فقد قصم الرسول ﷺ هذا التحالف. ٨ - ومن ملامح الحركة العسكرية أنها كانت مطردة مستمرة، ويكفي أن نعرف أن بعضهم أوصل مجموع سراياه وبعوثه وغزواته العسكرية إلى المئة خلال عشر سنين لندرك مدى الحركية والفاعلية التي حفلت بها هذه المرحلة. * * *
следующие страницы →