← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إن الحج والصوم والحدود والقصاص والجهاد وغير ذلك، كل ذلك لم يكن مفروضاً في المرحلة المكية فمن اعتبر نفسه مكلفاً بالمرحلة المكية وحدها في بعض الشئون عليه أن يفطن لما يترتب على تفكيره من إلزامات توصله للكفر فإذا وضح هذا وهذا نقول: إننا منطالبون أن نقتدي برسول الله ﷺ في كل ما لم ينسخ ومالا يعتبر خاصاً به، وعلى هذا الساس فكل ما لم ينسخ من المرحلة المكية أو ما لا يعتبر خاصاً به ﵊ فهو محل الطلب منا، وهو محل التكليف فإذا ما اتضح هذا نقول: لقد ركز القرآن المكي على معان بعينها وجاء القرآن المدني فأكمل وتمم، وقد يكون من المناسب أن نلحظ في التربية الأولى للإنسان هذه المعاني مع ملاحظة أن ذلك تحصيل حاصل لمن يأخذ الكتاب والسنة جملة وتفصيلاً، لقد ركز القرآن المكي على اليقين ونفي الريب وجاءت في ذلك سور كثيرة، كما ركز على الإيمان بالغيب والصلاة والإنفاق وعتق الرقاب والإحسان إلى الناس عامة والضعفاء والأيتام خاصة وجاءت في ذلك سور، وركز على أخلاق بعينها وعلى أعمال صالحة من مثل ما يدخل في تزكية النفوس، ومن مثل التواصي بالحق والصبر والتواضع وعدم الاختيال وعدم رد السيئة بمثلها وقيام الليل وعدم الإسراف، وإنصات القلب لآيات الله والحرص على صلاح الذرية وترك الزنا والسرقة وافقبال على الله بصلة الوالدين والأرحام، وركز على عبادة الله وحده والإخلاص فيها وعدم مشاركة الكافرين في عبادتهم. وركز على إقامة الحجة على الكافرين وتبيان الكفر وأخلاقه وأسبابه وشبهه وأقوال أهله. وركز على التذكير بالنعم لاستخراج الشكر. وركز على أن القدوة الحسنة في الحياة البشرية هم الرسل. وركز على تبيان أن الخلقين الرئيسيين الواجبي الاجتناب هما: الحسد والكبر، وهما خلقا الشيطان. وركز على اتباع الوحي وترك اتباع الشيطان وأئمة الضلال.

стр. 352

هذه المعاني وغيرها تعرض لها القرآن المكي وركز عليها، ولكنها ليست خاصة به بل هي سمة القرآن كله. ومن ههنا لا نجد مسوغاً للتمييز بين التكليف المكي والتكليف المدني، فنحن الآن مكلفون بالإسلام كله ومن جملته المرحلة المكية. في العهد المكي وجدت مرحلة سرية، وللمسلمين إذا وجدت ظروف أن يلجأوا إلى الدعوة السرية، ولكن هل نحن مقيدون أن تكون هذه المرحلة السرية في حدود تلك المرحلة؟ ثم إذا خرجنا منها ألا نعود إليها، إن الذين يريدون أن يفهموا المرحلة المكية كذلك لا يدركون حقائق هذا الإسلام، فالفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً، ونادراً ما تتكرر الظروف التي مرت في مرحلة بحيث تكن طبق الأصل، والشريعة الإسلامية جاءت لتلبي كل ظرف وكل وضع ولتعطيه الحكم المناسب المستخرج من الكتاب والسنة. * * * فإذا ما اتضح هذا الذي قدمناه وانتفى المحذور فإننا ننصح دارس القرآن الراغب في فهم المرحلة المكية أن يتأمل السور التي توصف بأنها مكية فإن ذلك يفتح عليه آفاقاً في الفهم والسلوك والدعوة، كما يعطيه كمالاً في فهم المرحلة من الناحية التاريخية والنفسية والعملية والتكليفية. فمن خلال ذلك يدرك كيف تدرج التكليف، ويدرك الأوليات والأساسيات في هذا التكليف، ويدرك كيف تكامل البناء على الزمن، ويدرك لماذا استطاع هؤلاء العدد القليل أن يصهروا بعد ذلك أضعاف أضعافهم ثم استطاعوا هم ومن صهروهم أن يصهروا الشعوب والأمم، كما يستطيع أن يدرك مَن مِن الناس مؤهلون ومرشحون لبناء الدول والمحافظة عليها والتوسع من خلالها، إن هذا كله يتأتى لنا من خلال دراسة متأنية للقرآن المكي، وهذا شيء وأن تعتبر المرحلة المكية وحدها هي مناط التكليف شيء آخر، فنحن نحذر من هذا وندعو إلى ذاك. * * *

стр. 353

الباب الثالث مِن الاستقرار في المدينة حتى الوفاة

стр. 354

هذه المرحلة في سطور أرّخ المسلمون بالهجرة؛ لأهميتها كمعلم بارز في تاريخ الدعوة النبوية، لما للهجرة من آثار على انتصار الدعوة وظهورها، ولأنه بالهجرة ولدت دولة الإسلام. ولم يبدأوا التأريخ من يوم وصول رسول الله ﷺ إلى المدينة، بل منذ بدأ الأصحاب يتوافدون على المدينة، ولذلك تبدأ السنة الهجرية بالمحرم مع أن الرسول ﷺ وصل إلى المدينة بعد ذلك. ولأهمية الهجرة فقد اعتاد المسلمون أن يحيوا هذه الذكرى، وأن يجددوا لها فرحاً. وقد انتكس من أرخ بالوفاة لمخالفته للإجماع، وكأنه أراد أن يقطع على المسلمين طريق الفرح بالذكرى، فأرّخ بالوفاة ليقطع الدوافع التي تحييها ذكرى الهجرة ليستبدلها بالحزن. وقد قضى الرسول ﷺ في المدينة المنورة عشر سنين كانت مليئة بالأحداث، ثرَّة بجلائل الأعمال وعظيمها، فتحت الطريق أمام المسلمين للسيطرة على مقاليد هذا العالم إن أحسنوا العمل والتأسي، ونحن سنعرض هذه المرحلة حسب السنين مبتدئين بأحداث السنة الأولى ثم الثانية هكذا إلى السنة الحادية عشرة. * * * من ملامح هذه المرحلة ١ - أنها مرحلة حركة مستمرة دعوياً وتربوياً واجتماعياً واقتصادياً وقانونياً ودستورياً وسياسياً وعسكرياً، يتلاحم فيها العمل الدعوي والتربوي مع العمل السياسي والعسكري. ٢ - أنها مرحلة عمل وجهاد متواصلين لتحقيق الأهداف، ومنها أخذ الأستاذ البنا فكرته عن التنفيذ. ٣ - كما أنها مرحلة تجريد شامل للنفس فلا تبقى نزعة للنفس إلا وهذبت، ولا مظهر ارتخاء إلا وشد نحو المثل الأعلى، فوجد بذلك وغيره جيل ليس له مثيل "خير القرون قرني".

стр. 355

٤ - وهي مرحلة إحكام للبناء الداخلي للمجتمع والأمة والدولة؛ يظهر ذلك في الإخاء والمؤاخاة بين المسلمين وفي التحالفات مع المواطنين من غير المسلمين، وفي الصيغ الدستورية والعملية لضبط العلاقات السياسية والاجتماعية. ٥ - وهي مرحلة توسع فيها الصراع الفكري فشمل دوائر جديدة: أهل الكتاب، المنافقين، المجوس. ٦ - وبهذه المرحلة قام البناء السياسي للإسلام وللمسلمين، ووجد اللواء الأول للسلطان السياسي للأمة الإسلامية في رحلتها الخاتمة. ٧ - ومن ملامح الحركة السياسية في هذه المرحلة أنها كانت بحثاً عن الأحلاف وفصلاً بين الأطراف، ولذلك لم يستطيع الأعداء أن يلتقوا على حرب الإسلام في وقت واحد إلا مرة واحدة يوم الأحزاب، ومع ذلك فقد قصم الرسول ﷺ هذا التحالف. ٨ - ومن ملامح الحركة العسكرية أنها كانت مطردة مستمرة، ويكفي أن نعرف أن بعضهم أوصل مجموع سراياه وبعوثه وغزواته العسكرية إلى المئة خلال عشر سنين لندرك مدى الحركية والفاعلية التي حفلت بها هذه المرحلة. * * *

стр. 356

السنة الأولى للهجرة

стр. 357

أحادث السنة الأولى في سطور ١ - في يوم الإثنين ٨ ربيع الأول - على القول الراجح - سنة ١٤ من النبوة الموافق لسنة ٦٢٢ م، وصل الرسول ﷺ إلى قباء، وأقام بها أربعة أيام (الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس) - على القول الراجح - وأٍس فيها مسجد قباء، وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس، وفي يوم الجمعة انطلق إلى المدينة، فأدركته الجمعة في منازل بني سالم بن عوف، فأقام أول صلاة جمعة في الإسلام وخطب فيها، ودخل المدينة بعد صلاة الجمعة تاركاً لناقته العنان، وكان مسجده ومنزله حيث بركت ناقته، ونزل ريثما أسس مسجده وبنى بيوته في دار أبي أيوب الأنصاري. ٢ - قام الرسول ﷺ في المدينة بخطوات ثلاث: أ - بناء المسجد النبوي، فأوجد بذلك مركزاً للعبادة، ومقراً للتجمع، ومنطلقاً للحركة. ب - آخى بين المهاجرين والأنصار، فحل مشكلة الهجرة عن أقرب طريق، وصهر بين المقيمين والوافدين أقوى صهر وأجوده. ج - كتب وثيقة دستورية متفقاً عليها بين سكان المدينة جميعاً - مسلمين ومشركين ويهود -، وهكذا رتب أمور البيت الداخلية مباشرة. ٣ - بدأت تهديدات قريش تتوالى، ونزل الإذن بالقتال، وأخذ الرسول ﷺ يرسل سراياه للاستطلاع، ولإيجاد التعبئة النفسية، ولعقد تحالفات مع القبائل القاطنة حول المدينة أو في الطرق التجارية لقريش. ٤ - أرسل في السنة الأولى للهجرة ثلاث سرايا، لخص الحديث عنها صاحب الرحيق المختوم بما يلي: (١) سرية سيف البحر (أي: ساحل البحر) في رمضان سنة (١) هـ الموافق سنة ٦٢٣ م:

стр. 358

أمّر رسول الله ﷺ على هذه السرية حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين يعترض عيراً لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص (١)، فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني - وكان حليفاً للفريقين جميعاً - بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم فلم يقتتلوا. وكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله ﷺ ، وكان أبيض وكان حامله أبا مرثد كناز ابن حُصين الغنوي. (٢) سرية رابغ، في شوال سنة (١) من الهجرة - أبريل (نيسان) سنة ٦٢٣ م: بعث رسول الله صلى الله عليه ولم عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين راكباً من المهاجرين، فلقي أبا سفيان - وهو في مائتين - على بطن رابغ، وقد ترامى الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال. وفي هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين، وهما المقداد بن عمرو البهراني، وعتبة بن غزوان المازني، وكانا مسلمين، خرجا مع الكفار ليكون ذلك وسيلة للوصول إلى المسلمين. وكان لواء عبيدة أبيض، وحامله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف. (٣) سرية الخرار (موضع بالقرب من الجُحْفَة) في ذي القعدة سنة (١) هـ الموافق مايو (آيار) سنة ٦٢٣ م: بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في عشرين راكباً يعترضون عيراً لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز الخرار، فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل حتى بلغوا الخرار صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس. كان لواء سعد ﵁ أبيض، وحمله المقداد بن عمرو.

стр. 359

٥ - عاقد في هذه السنة جهينة على ألا يعتدوا ولا يعينوا، وكانت مساكنهم على ثلاثة مراحل من المدينة المنورة. ٦ - بنى في هذه السنة بالسيدة عائشة ﵂، وكان قد عقد عليها بمكة قبل الهجرة، وشرع في هذه السنة الأذان. وسنعقد عدداً من الفصول مماي حسن ذكره في مثل هذا الكتاب من أحداث السنة الأولى. * * *

стр. 360

فصل: المدينة عند الهجرة رسم الأستاذ الندوي في كتابه (السيرة النبوية) صورة للمدينة عند الهجرة فقال: ولكي نأخذ صورة إجمالية صحيحة عن مدينة يثرب - التي اختارها الله دار هجرة للرسول، ومنطلق الدعوة الإسلامية في العالم، ومهد أول مجتمع إسلامي يقوم بعد ظهور الإسلام - يجب أن نعرف وضعها المدني، والاجتماعي، والاقتصادي، وصلة القبائل المقيمة فيها، بعضها ببعض، ومركز اليهود فيها، الاجتماعي، والاقتصادي، والحربي، والواقع الذي كانت تعيشه هذه المدينة الخصبة الغنية، التي التقت فيها ديانات، وثقافات، ومجتمعات مختلفة، بخلاف مكة ذات الطبيعة الواحدة، والطابع الموحد، والدين المشترك، وإلى القارئ بعض أضواء: اليهود: المرجح في ضوء التاريخ أن غالبية اليهود حلوا بالجزيرة العربية بصفة عامة، ومدينة يثرب بصفة خاصة، في القرن الأول الميلادي، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون: بعد حرب اليهود والرمان سنة ٧٠ م التي انتهت بخراب بلاد فلسطين، وتدمير هيكل بيت المقدس، وتشتت اليهود في أصقاع العالم، قصدت جموع كثيرة من اليهود بلاد العرب كما حدثنا عن ذلك المؤرخ اليهودي (يوسي فوس) الذي شهد تلك الحروب، وكان قائداً لبعض وحداتها ... وتؤيد المصادر العربية كل هذا. وكانت في المدينة ثلاث قبائل من اليهود، بلغ عدد رجالها البالغين أكثر من ألفين، وهي: قينقاع، والنضير، وقُريظة، ويقدر أن رجال قينقاع المحاربين، بلغ عددهم سبعمائة، كما كان عدد رجال النضير مثل هذا العدد، وكان الرجال البالغون من قريظة ما بين سبعمائة وتسعمائة. وكانت العلاقة بين هذه القبائل الثلاث مضطربة متوترة، وقد يكون بعضهم حرباً على بعض، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون:

стр. 361

قد كانت هناك عدوة بين بني قينقاع وبقية اليهود، سببها أن بني قينقاع كانوا قد اشتركوا مع بني الخزرج في يوم (بعاث) وقد أثخن بنو النضير وبنو قريظة في بني قينقاع، ومزقوهم كل مُمزق، مع أنهم - أي بني النضير وبني قريظة - دفعوا الفدية عن كل من وقع في أيديهم من اليهود - من بني قينقاع -، وقد استمرت هذه العداوة بين البطون اليهودية بعد يوم (بعاث)، حتى وقعت الحرب بين المسلمين وبين بني قينقاع فلم ينهض معهم أحد من اليهود في محاربة المسلمين. وقد أشار القرآن إلى عداوة اليهود فيما بينهم بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (١). وكانوا يعيشون في أحياء وقرى مختلفة خاصة بهم، فكانت بنو قينقاع يسكنون داخل المدينة في محلة خاصة بهم، بعد أن طردهم إخوانهم بنو النضير وقريظة من مساكنهم التي كانت خارج المدينة، وكانت مساكن بني النضير بالعالية -جنوب شرق المدينة - بوادي (بطحان) على بعد ميلين أو ثلاثة من المدينة، وكانت عامرة بالنخيل، والزروع، وكانت بنو قريظة يسكنون في منطقة مهْزُور التي تقع على بعد بضعة أميال من جنوب المدينة. وكانت لهم حصون، وآطام، وقرى، يعيشون فيه متكتلين مستقلين، لم يتمكنوا من إنشاء حكومات يحكمها اليهود، بل كانوا مستقلين في حماية سادات القبائل ورؤسائها، يؤدون لهم إتاوة في كل عام، مقابل حمايتهم لهم، ودفاعهم عنهم، ومنع الأعراب من التعدي عليهم، وقد لجأوا إلى عقد المحالفات معهم، وكان لكل زعيم يهودي حليف من الأعراب ومن رؤساء العرب. وكانوا ينعتون أنفسهم بأنهم أهل العلم بالأديان والشرائع، وكانت لهم مدارس يتدارسون

стр. 362

فيها أمور دينهم، وأحكام شريعتهم، وأيامهم الماضية، وأخبارهم الخاصة برسلهم وأنبيائهم، كما كانت أماكن خاصة يقيمون فيها عباداتهم وشعائر دينهم، وكانت تسمى (المدارس) وكان المكان الذي يتجمع فيه اليهود لتبادل المشورة في سائر أحوالهم الدينية والدنيوية. وكانت لهم تشريعاتهم ونظمهم الخاصة بهم، أخذوا بعضها عن كتبهم، وبعضها وضعه لهم كهانهم وأحبارهم من عند أنفسهم، وكانت لهم أعيادهم الخاصة بهم، وأيام خاصة، يصومون فيها، كيوم عاشوراء. وكانت معظم معاملاتهم مع غيرهم تقوم على الرهون وتعاطي الربا، وكانت لهم من طبيعة منطقة المدينة الزراعية فرصة إلى ذلك، لأن الزراع عادة يحتاجون إلى اقتراض الأموال لحين الحصاد. وكانت المراهنة لا تقتصر على الرهائن المالية، بل تخطتها إلى مراهنة النساء والولدان وقد جاء في قصة قتل كعب بن الأشرف النضري التي رواها الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، أنه قال له محمد بن سلمة: قد أردنا أن تُسلفنا وسقا أو سقين، فقال: نعم، أرهنوني. قالوا: أي شيء تريد؟! قال: أرهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، قال: فأرهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رُهِنَ بوسْق أو وسقين، هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللاّمَة (١). ومن طبيعة هذه المراهنات خصوصاً إذا كانت في الأبناء والنساء نشوه الحقد والكراهة بين الراهنين والمرتهنين، لا سيما لأن العرب اشتهروا بالغيرة الشديدة على نسائهم وشدة الأنفة. وقد ترتب على سيطرة اليهود على الجوانب الاقتصادية في المدينة وضواحيها أن قوي نفوذهم المالي، وصاروا يتحكمون في الأسواق تحكماً فاحشاً، ويحتكرونها لمصلحتهم

стр. 363

ومنفعتهم، فكرههم السواد الأعظم من الناس بسبب أنانيتهم واشتطاطهم في أخذ الربا، وحصولهم على غنى وثراء بطرق يأنف العربي عن سلوكها والتعامل بها، ولما طبعوا عليه من الجشع، ولسياستهم التوسعية. يقول De - Lacy, O'Leary) في كتابه (العرب قبل محمد): ساءت العلاقات بين أولئك البدو (المدنيين) واليهود المستعمرين في القرن السابع الميلادي، فإنهم كانوا قد وسعوا مناطقهم المزروعة إلى مراعي هؤلاء البدو. وكانت علاقة اليهود بالأوس والخزرج - سكان المدينة العرب - خاضعة للمنفعة الشخصية والمكاسب المدية، فهم يعملون على إثارة الحرب بين الفريقين، متى وجدوا في إثارتها فائدة لهم، كما حصل ذلك في كثير من الحروب التي أنهكت الأوس والخزرج، وكان يهمهم فقط أن تكون لهم السيطرة المالية على المدينة، وحديثهم عن النبي المرتقب شجع الأوس والخزرج على الدخول في الإسلام. أما لغة اليهود في بلاد العرب، فقد كانت العربية بطبيعة الحال، ولكنها لم تكن خالصة، بل كانت تشوبها الرطانة العبرية، لأنهم لم يتركوا استعمال اللغة العبرية تركاً تاماً، بل كانوا يستعملونها في صلواتهم ودراساتهم. أهـ. أما الجانب الديني والدعوي فيقول الدكتور إسرائيل ولفنسون: لا شك أنه كان في المقدرة اليهودية أن تزيد في بسط نفوذها الديني بين العرب، حتى تبلغ منزلة أرقى مما كانت عليه لو توافرت عند اليهود النية على نشر الدعوة الدينية بطريقة مباشرة، ولكن الذي يعلم تاريخ اليهود يشهد بأن الأمة الإسرائيلية لم تَمِل بوجه عام إلى دعوة الأمم على اعتناق دينها، وأن نشر الدعوة الدينية من بعض الوجوه محظور على اليهود. أهـ. ولكن مما لا شك فيه أن عدداً من العرب المنتمين إلى الأوس والخزرج وغيرهما من القبائل العربية الأصيلة، دانوا باليهودية عن رغبة منهم، أو بتأثير المصاهرة والزواج، أو

стр. 364

بحكم النشأة في البيئة اليهودية، وقد كان في يهود العرب جميع هذه الأنواع، وقد ثبت أن التاجر اليهودي الكبير والشاعر المشهور كعب بن الأشرف الذي يعرف بالنضري كان من قبيلة (طيءْ) تزوج أبوه في بني النضير، فنشأ كعب بن الأشرف يهودياً متحمساً. قال ابن هشام: كان رجلاً من طيئْ، ثم أحد بني نبهان، وكانت أمه من بني النضير، وكان بعض من لا يعيش له ولد من العرب ينذر، إذا ولد له ابن وعاش هودُوه، فكان في المدينة عدد من العرب الذين دخلوا في اليهودية عن هذا الطريق. روى الإمام أبو داود السجستاني (١) بسنده عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتاً فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهودهُ، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٢). * * * الأوس والخزرج: تنتمي بطون الأوس والخزرج - سكان المدينة العرب - إلى القبائل الأزدية اليمنية، وكانت موجات هذه الهجرة من اليمن إلى يثرب متفرقة فيأوقات مختلفة، وكانت لعوامل متعددة؛ منها اضطراب أحوال اليمن وغزو الأحباش، وإهمال أمر الإرواء بخراب سد (مأرب)، وعلى هذا فالأوس والخزرج أحدث عهداً في المدينة من اليهود. وقد سكنت بطون الأوس في المنطقة الجنوبية والشرقية، وهي منطقة العوالي من يثرب، بينما سكنت بطون الخزرج المنطقة الوسطى الشمالية، وهي سافلة المدينة، وليس وراءهم شيء في الغرب إلى خلاء حرة الوبرة.

стр. 365

وكان من جملة بطون الخزرج أربعة أبطن، وهم: مالك، وعدي، ومازن، ودينار، كلها من بني النجار المعروف بـ (تيم اللات)، وقد سكنت بطون بني النجار في المنطقة الوسطى التي حول مسجد النبي ﷺ . وقد سكن الأوس المناطق الزراعية الغنية في المدينة، وجاوروا أهم قبائل اليهود وجموعهم، واستوطن الخزرج مناطق أقل خصباً، وقد جاورهم قبيلة يهودية كبيرة واحدة، وهي القينقاع. ليس من السهل الحصول الآن على إحصاء دقيق عن عدد رجال الأوس والخزرج، ولكن الباحث المتتبع للحوادث يستطيع تحديد قوتهم الحربية م المعارك التي خاضوها بعد الهجرة، فقد بلغ عدد محاربيهم في يوم فتح مكة أربعة آلاف مقاتل. وكان العرب في وقت الهجرة النبوية أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وبيدهم كان توجيه الأمور بها، ولم يستطع اليهود مقابل ذلك أن يجمعوا كلمتهم، ويقفوا صفاً واحداً في وجه خصومهم، فتفرقت بطونهم، ودخل بعضها في محالفات مع الأوس، ودخل بعضها في محالفات مع الخزرج، وكانوا في القتال أقسى على بني جنسهم من العرب، واستحكم عداء بين بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، جعل بني قينقاع يتركون أرضهم وزرعهم، ويقتصرون على الصياغة. ووقعت كذلك بين الأوس والخزرج حروب كثيرة، أولاها حرب (سمير) وآخرها حرب (بُعاث) قبل الهجرة بخمس سنوات، وقد عمل اليهود على الدس بين الأوس والخزرج، وتشجيع عوامل الفرقة، وإذكاء روح التحاسد، حتى يشغلوهم بأنفسهم عنهم، وقد أدرك العرب منهم ذلك فلقبوهم بـ (الثعالب). * * *

стр. 366

الوضع الطبيعي: كانت يثرب عند الهجرة النبوية متقسمة إلى عدة دوائر تسكنها بطون عربية ويهودية، وكل دائرة تابعة لبطن من البطون، وكانت الدائرة تنقسم إلى قسمين: يشتمل القسم الأول على الأراضي الزراعية بمنازلها وسكانها، ويشتمل القسم الثاني على الأطم أو الآطام. وقد بلغ عدد آطام اليهد في يثرب تسعة وخمسين أطماً، ويقول الدكتور ولفنسون في وصف هذه الآطام: كانت أهمية الآطام عظيمة في يثرب، فكان يفزع إليها أفراد البطن عند هجوم العدو، ويأوي إليها النساء والأطفال والعجزة حين يذهب الرجال لمقاتلة الأعداء، وقد كانت الآطام تستعمل كالمخازن تجمع فيا الغلال والثمار، ذلك أنها كانت معرضة في أماكنها المكشوفة للنهب والسلب، وكان الأطم مربعاً لكنز الأموال والسلاح، وكان للقوافل المثقلة بالبضائع أن تنزل بالقرب منه، كما كانت تقام على أبوابه الأسواق. وكانت الآطام تشتمل - كما يظن - على المعابد وبيوت المدارس، إذ كانت فاخرة الأثاث، كثيرة الأدوات، مملوءة بالأسفار، فكان يجتمع فيها الزعماء للبحث والمشاورة حيث يقسمون بالكتب المقدسة، حين يهمون بإبرام العقود والاتفاقات. ويقول الدكتور في تفسير كلمة (أطم): أنها مأخوذة من اللغة العبرية، فيقال: أطم عينيه: أغمضها، وأطم أذنيه: سدهما، والأطم في الجدران والحيطان: هي النوافذ المغلقة من الخارج، والمفتوحة من الداخل، ويستعمل في السور أي الحائط الضخم، يقول الدكتور: وعلى ذلك يمكننا أن نفترض أن اليهود أطلقوا على الحصن اسم أطم، لأنه كان في إمكانهم أن يغلقوا أبوابه، وإن كانت له نوافذ من الخارج وتفتح من الداخل. ومن هذه الأحياء والدوائر المحصنة كانت تتكون مدينة يثرب، فهي في الحقيقة مجموعة من القرى تقاربت وتجمعت، فتكونت منها المدينة، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله:

стр. 367

﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (١)، وبقوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (٢). وحرة واقم التي تحد المدينة من الشرق، كانت أكثر عمراناً من الوبرة، وحين هاجر النبي ﷺ إلى يثرب، كانت حرة واقم مسكونة بأهم قبائل اليهود من بني النضير وقريظة، وعدد من عشائر اليهود الأخرى، كما كانت تسكنها أهم البطون الأوسية: بنو عبد الأشهل وبنو ظفر وبنو حرثة، وبنو معاوية، وفي منازل بني عبد الأشهل كان يقوم حصنهم واقم، الذي سميت الحرة باسمه. * * * الحالة الدينية والمكانة الاجتماعية: كان العرب تابعين لقريش وأهل مكة في العقيدة والديانة، ينظرون إلى قريش كسدنة للبيت، وقادة في الدين، وقدوة في الاعتقاد والعبادة، خاضعين للوثنية السائدة على جزيرة العرب، يعبدون من الأصنام ما تعبد قريش وأهل الحجاز، إلا أن علاقتهم ببعض الأصنام كانت أقوى من علاقتهم ببعضها، فكانت مناة لأهل المدينة، وكانت أقدم الأصنام، وكان الأوس والخزرج أشد إعظاماً لها من غيرهم، وكانوا يهلون لها شركاً بالله تعالى، وكانت حذو (قُدَيْد) الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل، كما كانت اللاتُ لأهل الطائف، والعُزى لأهل مكة، وكان أهل هذه المدن أكثر تعصباً حمية لها من غيرها، وكان من اتخذ في داره صنماً من أهل المدينة من خشب أو غيره يسميه "مناة" أيضاً، كما فعل ذلك عمرو بن الجموح سيد من سادات بني سلمة قبل أن يسلم. وقد جاء في حديث رواه الإمام أحمد عن عروة عن عائشة في تفسر قوله تعالى ﴿إِنَّ

стр. 368

الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١). قالت: إن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلْل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. ولم نطلع على صنم لهم خاص في المدينة اشتهر كاللات ومناة، والعزى، أو كهُبل، يعكفون على عبادته، ويشد إليه الرحال من خارج المدينة، ويبدو أن الأصنام لم تنتشر في المدينة انتشارها في مكة، فقد كان لكل بيت في مكة صنم خاص، وكانت الأصنام يطاف بها وتباع، فكانوا في الوثنية عيالاً على أهل مكة وأتباعاً لهم. وكان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ المدينة قال لهم: "قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما يوم الفطر والأضحى"، وقد ذكر بعض شراح الحديث أنهما النيروز والمهرجان، وكأنهم أخذوهما من الفُرس. وكانت قريش تعترف بشرف الأوس والخزرج، وهم بنو قحطان العرب العاربة، وكانوا يصاهرونهم، ويتزوجون فيهم، وقد تزوج هاشم بن عبد مناف وهو سيد قريش في بني النجار، تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار وهم من الخزرج، إلا أنهم كانوا يرون لأنفسهم فضلاً عليهم، وقد قال عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة - الذين دعوا إلى المبارزة يوم بدر، فخرج إليهم فتية من الأنصار - فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم، يا محمد! أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله ﷺ : "قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي" فلما قاموا ودنوا منهم، وسموا أنفسهم، قالوا: نعم أكفاء كرام، وكانوا ينظرون إلى الفلاحة التي كان يمارسها أهل المدينة بحكم طبيعة أرضهم لاعتمادهم عليها في معاشهم نظرة

стр. 369

فيها شيء من الاحتقار، وقد تجلت هذه النظرة في الكلمة التي قالها أبو جهل وهو عقير، قد قتله ابنا عفراء وهما من الأنصار، وقد أدركه عبد الله بن مسعود وبه رمق (لو غير أكار قتلني). * * * الحالة الاقتصادية والحضارية: كانت مدينة يثرب بطبيعتها منطقة زراعية، وكان أكثر اعتماد أهلها على الزراعة والبساتين، وكان من أهم حاصلاتها التمر والعنب، فكانت فيها جنات النخيل والأعناب، وجنات معروشات وغير معروشات، وزروع ونخيل صنوان وغير صنوان، ومن الزروع الحبوب والبقول، وكان التمر وخاصة أيام الجدب، وتخلف الأمطار، يسد كثيراً من حاجة السكان الغذائية، وكان كعملة يتبادل بها أهلها عند الحاجة، وكانت النخيل مصدر خيرات كثيرة في حياتهم، فكانوا يستخدمونه في الغذاء والبناء، والصناعة، والوقود، وعلف الدواب، ولتمر المدينة أنواع كثيرة وتفاصيل دقيقة تصعب الإحاطة بها، لأهل المدينة تجارب وطرق في تنمية حاصل النخيل وتحسينه استفادوها من طول المراس، منها تأبير النخل. هذا لا ينفي وجود حركة تجارية في المدينة، ولكنها لم تكن في القوة والانتشار بمكانة الحركة التجارية في مكة، إذ كان اعتماد أبناء الوادي (مكة) وهو غير ذي زرع ومياه وفيرة - على التجارة ورحلة الشتاء والصيف. وكانت في المدينة بعض الصناعات يمارس أكثرها اليهود، ولعلهم جلبوها من اليمن، فلم يزالوا فيه إلى أن غادروه في الزمن الأخير، حاذقين في الصناعات، وكان عامة بني قينقاع صاغة، وكانوا أغنى طوائف اليهود في مدينة يثرب، وكانت بيوتهم تحتوي على الأموال الطائلة، والحلي الكثيرة من الفضة والذهب، مع أن عددهم كان غير كثير. وقد منحت طبيعة يثرب، وهي بركانية التربة، أراضيها خصباً زائداً، وهي ذات وديان كثيرة، تفيض بمياه السيول، فتروي أرضها وتسقي النخل والزروع، اشتهر منها

стр. 370

وادي العقيق الذي كان متنزه المدينة، وكان يتدفق بالماء، ويزهو بالبساتين، وكانت الأرض صالحة لحفر الآبار، وقد كثرت في البساتين، ومنها ما هو مسور ويسميه أهل المدينة (الحائط) واشتهرت آبار كثيرة بعذوبة الماء ووفرته، وكانت لهم شراج (١)، وكانوا يحولون الماء بالمساحي (٢) إلى حدائقهم. وكان من الحبوب الرئيسية الشعير، ثم القمح، وتكثر الخضراوات والبقول، وكانت لهم طرق في المزارعة والمؤاجرة والمزابنة، والمحاقلة، والمعاومة، منها ما أقره الإسلام ومنها ما منعه أو أصلحه. وكانت العملة في مكة والمدينة واحدة، وكانت المدينة تعتمد على المكاييل وتحتاج إليها أكثر من مكة، لاعتماد أهلها على الحبوب والثمار، وكانت الأكيال المستعملة في المدينة هي المد والصاع والفرق والعرق والوسق، أما الأوزان المستعملة فهي الدرهم والمثقال والدانق والقيراط والنواة والرطل والقنطار والأوقية. ولم تكن المدينة - على خصبها - مكتفية غذائياً، فكان أهلها يستوردون بعض المواد الغذائية من الخارج، وكانوا يجلبون دقيق الحوار والسمن والعسل، من الشام. قد جاء في حديث رواه الترمذي عن قتادة بن النعمان ﵁: " كان الناس إنما طعامهم بالمدينة، التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة (٣) من الشام من الدرمك (٤)، ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، والقصة تلقي ضوءاً على الحالة الغذائية في المدينة - التي لم تحدث بعد الهجرة فجأة - وعلى المستويات المختلفة في المعيشة. وكان اليهود - كما عرف من طبيعتهم وتاريخهم في كل بلد - أكثر غنى من العرب، وكان

стр. 371

العرب بطبيعتهم العربية البدوية، لا يفكرون في المستقبل كثيراً، فيوفرون له المال، وكانوا أهل ضيافة وكرم، يضطرون إلى الاستدانة من اليهود، وكثيراً ما تكون هذه الاستدانة بالربا والرهن. وكان لأهل المدينة ثروة من الإبل والبقر والأغنام، ويستخدمون الإبل في إرواء الأراضي ويسمونها بـ (الإبل النواضح) وكانت لهم مراعي اشتهرت منها: (زُغابة) و (الغابة)، يحتطب منها الناس، ويرعون فيها ماشيتهم وكانت لهم خيل يستخدمونها في الحروب وإن كانت قليلة بانلسبة إلى مكة، وكان بنو سُليم مشهورين باقتناء الخيل، يجلبونها من الخارج. وكانت في المدينة عدة أسواق، أهمها (سوق بني قينقاع) مركز بيع الحلي والمصوغات الذهبية، وكانت سوق البزازين، وتوجد في المدينة المنسوجات القطنية والحريرية، والنمارق الملونة والستور المرسومة، وكان عطارون يبيعون أنواع العطور والمسك، وكان يوجد من يتجر في العنبر والزنبق، وكانت أنواع من البيع منها ما أقره الإسلام ومنها ما منعه، من النجش والاحتكار، وتلقي الرُّكبان خارج المدينة، وبيع المصراة، البيع بالنسيئة، وبيع الحاضر للبادي، وبيع المجازفة، وبيع المزابنة، والمخاطرة (١). وكان من الأوس والخزرج من يتعامل بالربا، وإن كان ذلك نادراً بالنسبة إلى اليهود - يعني فيما بينهم. وقد توسعت الحياة في المدينة بعض التوسع، ورقت بحكم طبيعة أهلها، فكانت البيوت ذات طبقات، وكانت لبعض البيوت حدائق، وكانوا يستعذبون الماء، وقد يأتون به من بعيد، وكانت توجد كراسي، وكانت تستعمل أقداح من زجاج وأقداح من الحجارة، وسُرج منوعة، وكانوا يستخدمون المكاتل والقفف في أعمال المنزل والزراعة، وكان للأغنياء شيء كثير من الأثاث لبيوتهم، خصوصاً اليهود، وكانت أنواع من الحلي كالأساور، والدمالج،

стр. 372

والخلاخيل، والأقرطة، والخواتم والعقود من الذهب أو من جزع ظفارٍ (١)، وكان الغزل والنسيج فاشيين في النساء، فكانت الخياطة الدباغة وعمل بناء البيوت، وضرب الطوب والنحت، من الصناعات التي عرفت في المدينة قبل الهجرة. الوضع المعقد الذي واجهه الرسول ﷺ في مدينة يثرب: وهكذا لم ينتقل رسول الله ﷺ والمهاجرون من مدينة - منكة - إلى قرية - يثرب - بل انتقل من مدينة إلى مدينة، وإن كانت هي الأخرى تختلف عن الأولى في مظاهر كثيرة للحياة، وكانت أصغر منها نسبياً، ولكن الحياة فيها كانت أكثر تعقيداً، والقضايا التي سيواجهها الرسول أكثر تنوعاً، لوجود ديانات وبيئات وثقافات مختلفة، لا يتغلب عليها ولا يصهر المدينة كلها في بوتقة عقيدة واحدة، ودعوة واحدة إلا الرسول المؤيد من الله، الذي أعطاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وقوة الجمع بين الأنماط البشرية الكثيرة، والقوى المتصارعة، والأهواء المتعاكسة، وألقى عليه محبة منه، وصدق الله العظيم: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). * * *

стр. 373

فصل: التأريخ بالهجرة ٢٢٩ - * روى البخاري عن سهل بن سعد ﵄ قال: ما عدوا من مبعثِ النبي ﷺ ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة. ٢٣٠ - * روى الحاكم، عن سعيد بن المسيب ﵁ قال: جمع عمر الناس فسألهم: مِنْ أي يوم يُكتبُ التاريخ؟ فقال علي بن أبي طالب: منْ يوم هاجر رسول الله ﵌ وترك أرض الشرك، ففعله عمر ﵁. أقول: قال ابن كثير في البداية والنهاية: اتفق الصحابة ﵃ في سنة ست عشرة - وقيل سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة - في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر ﵁ رُفع إليه صك - أي حجة - لرجل على آخر وفيه؛ إنه يحل عليه في شعبان. فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها أو السنة الماضية، أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك. فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحداً بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم، وكانوا يؤرخون بملك إسكندر بن فلبس المقدوني فكره ذلك. وقال آخرون: أرخوا بمولد رسول الله ﷺ . وقال آخرون: بل بمبعثه. وقال آخرون: بل بهجرته. وقال آخرون: بل بوفاته ﵇. فمال عمر ﵁ إلى التأريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره. واتفقوا معه على ذلك. والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التأريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهذا هو قول جمهور الأئمة، وذلك لأن أول شهور العرب المحرم فجعلوا السنة الأولى سنة الهجرة، وجعلوا أولها المحرم كما هو المعروف لئلا يختلط النظام والله أعلم

стр. 374

أقول: للبداءة بالمحرم سببان: أولاً: لأنه بداية السنة عند العرب. ثانياً: لأن الأصحاب بدأوا هجرتهم من المحرم، فالمحرم وجدت فيه مقدمات الهجرة. وقال في الفتح: وقد أبدى بعضهم للبداءة بالهجرة مناسبة، فقال: كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربعة: مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه، فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم فناسب أن يجعل مبتدأ، وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم. * * *

стр. 375

فصل: في حسن الاستقبال وقوة الإقبال شهد الله للأنصار بالإيثار وحب الأضياف المهاجرين. فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) وبهذه الروح وبحسن التربية من رسول الله ﷺ وحسن التدبير حلت مشكلة الهجرة، وكأن ليس لها مشكلات مع أن مشكلات الهجرة من أعقد المشكلات في العالم. وهذه نصوص نذكرها توضح حسن الاستقبال من الأنصار للمهاجرين ومنهم لرسول الله ﷺ ، وكثرة إقبالهم عليه ﷺ . ٢٣١ - * روى البخاري عن خارجة بن زيد ﵁: أن أم العلاء - امرأة من الأنصار - بايعت النبي ﷺ ، أخبرته: أنه اقتسم المهاجرون قرعة، فطار لنا عثمان بن مظعون، فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعهُ الذي توفي فيه، فلما توفي وغُسل وكُفن في أثوابه، دخل رسول الله ﷺ ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ : "وما يدريك أن الله أكرمُ؟ " فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري - وأنا رسول الله - ما يُفعلُ بي؟ " قالت: فوالله لا أزكي أحداً بعده أبداً. زاد في رواية قالت: وأريت لعثمان في النوم عيناً تجري، فجئت رسول الله ﷺ ، فذكرتُ ذلك له، فقال: "ذاك عملهُ". وفي رواية قالت: فأحزنني ذلك، فنمتُ، فرأيت لعثمان عيناً تجري.

стр. 376

٢٣٢ - روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال، لما قدِمَ النبي ﷺ المدينة آتاه الهاجرون فقالوا: يا رسول الله. ما رأينا قوماً أبذل من كثير، ولا أحسن مواساةً من قليل، من قوم نزلنا بين أظهرهم، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله فقال النبي ﷺ : "لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم". واختصره أبو داود (١) وقال: إن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، قال: لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم". ٢٣٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : أقسم بيننا وبين إخواتنا النخيل. قال: "لا"، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككُم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا. ٢٣٤ - * روى البخاري عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع. قال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فاقسم مالي نصفين. ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلققها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقطٍ وسمن ... وذكر الحديث. ٢٣٥ - * روى البخاري عن أنس ﵁ قال: قدم عبد الرحمن بن عوفٍ

стр. 377

المدينة، فآخى النبي صلى الله عليه سلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غنى، فقال لعبد الرحمن: أقاسمُك مالي نصفين وأزوجُك. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فما رجع حتى استفضل أقطاً وسمناً، فأتى به أهل منزله، فمكثنا يسيراً - أو ما شاء الله - فجاء وعليه وضر من صفرةٍ فقال له النبي صلى الله عليه سلم: "مهيم؟ " قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار. قال: "ما سُقت إليها؟ " قال: نواة من ذهبٍ - أو وزن نواة من ذهب ٍ - قال: "أوْلِم ولو بشاةٍ". قال صاحب الفتح الرابني: قال النووي: الصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولا تعمد التزعفر، فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال، وكذا نهى الرجال عن الخلوق لأنه شعار النساء، وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء فهذا هو الصحيح في معنى الحديث، وهو الذي اختاره القاضي والمحققون، قال القاضي وقيل: إنه يرخص في ذلك للرجل العروس، وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه، قال: ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهذا مذهب ابن عمر وغيره، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يجوز ذلك للرجل. أهـ. ٢٣٦ - روى أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما يضر امرأة نزلت بين بيتين من الأنصار أو نزلت بين أبويها". ٢٣٧ - روى الحاكم عن أبي أيوب قال: لما نزل علي رسول الله ﵌ قلت: بأبي أنت وأمي أكرهُ أن أكون فوقك وتكون أسفل مني، فقال رسول الله ﵌: "إني أرفقُ بي أن أكون في السفلى لما يغشانا من

стр. 378

الناس" قال فلقد رأيتُ جرةً لنا انكسرتْ فأهريق ماؤها، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفةٍ لنا ما لنا لحافٌ غيرها نُنَشِّفُ بها الماء، فرقاً أن تصل إلى رسول الله ﵌ شيء يؤذيه. أقول: إن كثيراً من الناس يهملون قضية الذوق العام، ولا يعطون للتصرف الذوقي أهمية مع شدة أهميته في حياة المسلمين، وما أكثر ما نجد هذا في حياة رسول الله ﷺ وأصحابه، وتصرف أبي أيوب وأم أيوب المذكور في الحديث نموذج على هذا. ٢٣٨ - * روى الحاكم عن جابر بن سمرة قال: نزل رسول الله ﵌ على أبي أيوب وكان إذا أكل طعاماً بعث إليه بفضله فينظُر إلى موضع يد رسول الله ﵌ فيأكل من حيث موضع يده، فصنع ذات يوم مطعاماً فيه ثوم فأرسل به إليه فردهُ رسولُ الله ﵌، فأتى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله لم أر أثر أًابعك، فقال: "إنه كان فيه ثومٌ" قال شعبةُ في حديثه: أحرم هو؟ فقال رسول الله ﵌: "لا" وقال حمادٌ في حديثه: يا رسول الله بعثت إلي بما لم تأكل، فقال: "إنك لست مثلي إنه يأتيني الملكُ". * * *

стр. 379

فصل: المسجد أولاً قال ابن كثير في البداية والنهاية: ولما حل الركاب النبوي بالمدينة، وكان أول نزوله بها في در بني عمرو بن عوف وهي قُباء كما تقدم فأقام بها - أكثر ما قيل - ثنتين وعشرين ليلة، وقيل: ثماني عشرة ليلة، وقيل: بضع عشرة ليلة، وقال موسى بن عقبة: ثلاث ليال. والأشهر ما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه ﵇ أقام فيهم بقباء من يوم الإثنين إلى يوم الجمعة، وقد أسس في هذه المدة المختلف في مقدارها - على ما ذكرناه - مسجد قباء. ولما ارتحل ﵇ من قباء وهو راكب ناقبته القصواء وذلك يوم الجمعة أدركه وقت الزوال وهو في دار بني سالم بن عوف، فصلي بالمسلمين الجمعة هنالك، في واد يقال له وادي رانواناء، فكانت أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ بالمسلمين بالمدينة، أو مطلقاً لأنه والله أعلم لم يكن يتمكن هو وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان بموعظة، وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه. أهـ. ولما قدم المدينة كان منأوائل أعماله ﵊ بناء المسجد. ٢٣٩ - * روى البخاري عن أنس بن مالك قال: قدم النبي ﷺ المدينة فنزل في أعلى المدينة في حي يُقال لهم بنو عمرو بن عوفٍ، فأقام فيهم أربع عشر ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا مُتقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته وأبو بكرٍ ردفه، وملا بني النجار حولهُ حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يحب أن يُصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وإنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال: "يا بني النجار ثامنُوني بحائطكم هذا" فقالوا: لا والله لا نطلبُ ثمنهُ إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنُبشتْ، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع: فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عصادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، والنبي ﷺ معهم وهو يقول "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة"

стр. 380

٢٤٠ - * وقد ورد في صحيح البخاري عن الزهري عن عروة أن المسجد الذي كان مريداً - وهو يبدرُ التمرِ - ليتيمين كانا في حِجْرِ أسعد بن زرارة، وهما سهل وسُهيلٌ، فساومهما فيه رسول الله ﷺ فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبي رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعهُ منهما ثم بناه مسجداً وطفق رسول الله ﷺ ينْقُلُ معهم اللبن في بنيانه ويقول: هذا الحِمالُ لا حِمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر ويقول: اللهم إن الأجر أجرُ الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره ٢٤١ - * روى البخار يعن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنياً باللبن، وسقفُه الجريد، وعمُدُه خَشَبُ النخلِ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر وبناء على بنيانه في عهدِ رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عُمُدُه خشباً. ثم غيرهُ عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبني جدارهُ بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده من حجارةٍ منقوشةٍ وسقفه بالساج. قال ابن كثير في البداية والنهاية: زاده عثمان بن عفان ﵁ متأولاً قوله ﷺ : "من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتاً في الجنة" ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك ولم يغيروه بعده، فيستدل بذلك على الراجح من قول العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد، فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشد الرحال إليه، وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق زاده له بأمره عمر ابن عبد العزيز حين كان نائبه على المدينة، وأدخل الحجرة النبوية فيه كما سيأتي بيانه في

стр. 381

وقته، ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد، وزيد من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو المشاهد اليوم. وبني لرسول الله ﷺ حول مسجده الشريف حُجَر لتكون مساكن له ولأهله، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء. قال الحسن بن أبي الحسن البصري - وكان غلاماً مع أمه خيرة مولاة أم سلمة -: لقد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي ﷺ بيدي. قلت: إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلا (١) ضخماً طُوالاً ﵀. وقال السُّهيلي في الروض: كانت مساكنه ﵇ مبنية من جريد عليه طين بعضها من حجارة مرضومة وسقوفها كلها من جريد، وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم، قال: وكانت حُجَره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. قال وفي تاريخ البخاري أن بابه ﵇ كان يقرع بالأظافير، فدل على أنه لم يكن لأبوابه حلق. أهـ. ٢٤٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا ننقل اللبِن للمسجد لبِنة لبنةً وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فنفض رسول الله ﷺ عن رأسه وقال: "ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغيةُ". قال ابن كثير في البداية والنهاية: وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تتقله الفئة الباغية، قد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع علي وأهل العراق ما سأتي بيانه وتفصيله في موضعه، وقد كان عليِّ أحق بالأمر من معاوية، ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرُهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم؛ لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيباً، بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحدث بعد تقتلك الفئة الباغية - لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة - فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ ، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل، والله

стр. 382

أعلم. وأما قوله يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فإن عماراً وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا (١) على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه، والله أعلم. ونختم هذا الفصل بكلمة للشيخ الغزالي وأخرى للسباعي حول بدئه ﵊ أول استقراره في المدينة ببناء المسجد. قال الشيخ الغزالي حفظه الله: بادر الرسول ﵊ إلى بناء المسجد، لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حوريت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء برب العالمين، وتنقي القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا. وتم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح. هذا البناء المتواضع الساذج، هو الذي ربى ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة وملوك الدار الآخرة، في هذا المسجد أذن الرحمن لنبي يؤم بالقرآن خير من آمن به، يتعهدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل. إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامين تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم؛ وندوة للأدب وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام. والمسجد الذي وجه الرسول ﷺ همته إلى بنائه قبل أي عمل آخر بالمدينة، ليس أرضاً تحتكر العبادة فوقها؛ فالأرض كلها مسجد، والمسلم لا يتقيد في عبادته بمكان. إنما هو رمز لما يكتثر له الإسلام أعظم اكتراث، ويتشبث به أشد تشبث، وهو وصل

стр. 383

العباد بربهم وصلاً يتجدد مع الزمن، ويتكرر مع آناء الليل والنهار، فلا قيمة لحضارة تذهل عن الإله الواحد، وتجهل اليوم الآخر، وتخلط المعروف بالمنكر!. والحضارة التي جاء بها الإسلام، تذكُّر أبداً بالله وبلقائه وتمسك بالمعروف وتبغض في المنكر، وتقف على حدود الله ... أهـ. وقال الدكتور السباعي حول بناء المسجد: من وقائع الهجرة إلى المدينة تبين لنا أنه ﷺ ما أقام بمكا إلا كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها أربعة أيام، وبنى مسجداً في منتصف الطريق بين قباء والمدينة لما أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن الوادي "وادي رانوناء". فلما أن وصل إلى المدينة، كان أول عمل عمله بناء مسجد فيها. وهذا يدلنا على أهمية المسجد في الإسلام، وعبادات الإسلام كله تطهير للنفس، وتزكية للأخلاق، وتقوية لأواصر التعاون بين المسلمين، وصلاة الجماعة والجمعة والعيدين، مظهر قوي من مظاهر اجتماع المسلمين، ووحدة كلمتهم، وأهدافهم، وتعاونهم على البر والتقوى، لا جرم أن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين، فهو الذي يوحد صفوفهم، ويهذب نفوسهم، ويوقظ قلوبهم وعقولهم، ويحل مشاكلهم، وتظهر فيه قوتهم وتماسكهم. ولقد أثبت تاريخ المسجد في الإسلام أن منه انطلقت جحافل الجيوش الإسلامية لغمر الأرض بهداية الله، ومنه انبعثت أشعة النور والهداية للمسلمين وغيرهم، وفيه ترعرعت بذور الحضارة الإسلامية ونمت، وهل كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وخالد، وسعد، وأبو عبيدة، وأمثالهم من عظماء التاريخ الإسلامي إلا تلامذة المدرسة المحمدية التي كان مقرها المسجد النبويز وميزة أخرى للمسجد في الإسلام أنه تنبعث منه في كل أسبوع كلمة الحق مدوية مجلجلة على لسان خطيبه، في نكار منكر أو أمر بمعروف، أو دعوة إلى خير، أو إيقاظ من غفلة، أو دعوة إلى تجمع، أو احتجاج على ظالم، أو تحذير لطاغية، ولقد شاهدنا في عهد

стр. 384

الطفولة كيف كانت المساجد مراكز الانطلاق للحركات الوطنية ضد المستعمرين يلجأ إليها زعماء الجهاد ضد الاستعمار وضد الصهيونية. أهـ. * * *

стр. 385

فصل: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أقام الرسول ﷺ بعد وجوده في المدينة نوعين من التعاقدات، تعاقد على الإخاء الخاص بين أًحابه، وتعاقد بين المسلمين وغيرهم من سكان المدينة. وهذه نصوص تشير أو تتحدث عن التعاقدات من النوع الأول: ٢٤٣ - * روى مسلم عن جبير بن مطعم، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حِلْفَ في الإسلام، وأيما حلفٍ كان في الجاهلية لم يزدهُ الإسلام إلا شدة". قال ابن الأثير: (لا حِلْفَ في الإسلام) أصل الحِلْفِ: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفِتَنِ والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ : "لا حِلْفَ في الإسلام" وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام، كحِلْفِ المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه ﷺ : "وأيما حلفٍ كان في الجاهلية لم يزدهُ الإسلام إلا شدة" يريد: من المعاقدةِ على الخير، والنصر للحقن وبذلك يجتمع الحديثان، وقد حالف رسول الله ﷺ في الإسلام بين قريش والأنصار، يعني: آخى بينهم، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه: ما خالف حكم الإسلام، وكان رسول الله ﷺ وأبو بكر من المطيبين، وكان عمر من الأحلاف، والأحلاف ستُّ قبائل: عبد الدار، وجُمَح، ومخزوم، وعَديُّ، وكعب، وسهم، سُموا بذلك لأنهم لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار؛ من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأبتْ عبدُ الدار، قعد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكداً على أن لا يتخاذلوا، فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيباً، فوضعتها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار

стр. 386

وحُلفاؤها حلفاً آخر مؤكداً على أن لا يتخاذلوا، فسموها الأحلاف لذلك. ٢٤٤ - * روى البخاري عن عاصم بن سليمان الأحول قال: قُلتُ لأنس بن مالك ﵁: أبلغك أن النبي ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام؟ " فقال: قد حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري. وعند أبي داود (١) قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ : لا حلف في الإسلام؟ فقال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، مرتين أو ثلاثاً. أقول: يرى بعض الناس أنه لا تجوز التعاقدات السياسية بين المسلمين وغيرهم، ومن ثم بين الجماعة الإسلامية وغير المسلمين أو غير الإسلاميين، وذلك خطأ ووهم، فحيثما وجدت مصلحة حقيقية للإسلام ولجماعة المسلمين جاز التحالف على أن يكون ذلك بشورى المسلمين وبالفتوى الصحيحة من أهلها، ونحن سنرى في حياة الرسول ﷺ أن التحالفات كانت جزءاً من سيرته ﵊. ٢٤٥ - * روى أبو يعلي عن زيد بن حارثة أنه قال: يا رسول الله آخيت بيني وبين حمزة بن عبد المطلب. ٢٤٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: آخى رسول الله صلى الله عليه سلم بين

стр. 387

أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة. ٢٤٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ آخى بين الزبير وابن مسعود. ٢٤٨ - * روى أبو يعلي عن أنس ﵁ قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، آخى بين سلمان وأبي الدرداء وبين عوف بن مالك وبين صعب بن جثامة. ١٤٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄: قال في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (١) ورثة. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: كان المهاجرن لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. وبعقد الإخاء بين المهاجرين والأنصار حل رسول الله ﷺ مشكلات الهجرة عن أقرب طريق وأسهله، وقد تحدث الشيخ الغزالي في كتابه فقه السيرة عن هذا الموضوع فقال: أما أمر صلة الأمة بعضها بالبعض الآخر، فقد أقامه الرسول ﷺ على الإخاء الكامل. الإخاء الذي تمحى فيه كلمة "أنا" ويتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كياناً دونها، ولا امتداداً إلا فيها. ومعنى هذا الإخاء، أن تذوب عصبيات الاجهلية، فلا حمية إلا للإسلام. وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن. فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه. وقد جعل الرسول ﷺ هذه الأخوة عقداً نافذاً، لا لفظاً فارغاً، وعملاً يرتبط بالدماء والأموال لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر.

стр. 388

وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال. والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والنقص والجبن والبخل والجشع، لا يمكن انْ يصح إخاء، أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله ﷺ جُبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا على مبادئ رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله. فسُمُوُّ الغاية التي التقوا عليها وجلال الأسوة التي قادتهم إليها، نميا فيهم خِلال الفضل والشرف، ولم يدعا مكاناً لنجوم خِلَّة رديئة. ذلك، ثم إن محمداً ﵊ كان إنساناً، تجمع فيه ماتفرق في عالم الإنسان كله من أمجاد ومواهب وخيرات، فكان صورة لأعلى قمة من الكمال يمكن أن يبلغها بشر، فلا غرو إذا كان الذين قبسُوا منه، وداروا في فلكه، رجالاً يحيون بالنجدة والوفاء والسخاء. إن الحب كالنبع الدافق يسيل وحده، ولا يُتكلف استخراجه بالآلات والأثقال، والأخوة لا تُفرض بقوانين ومراسيم، وإنما هي أثر تخلص الناس من نوازع الأثرة والشُّح والضعة. وقد تُبودلت الأخوة بين المسلمين الأولين، لأنهم ارتقوا - بالإسلام - في نواحي حياتهم كلها، فكانوا عباد الله إخوانا، ولو كانوا عبيد أنفسهم ما أبقى بعضهم على بعض. وقد ظلت عقود الإخاء مقدمة على حقوق القرابة في توارث التركات إلى موقعة (بدر) حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) فألغى التوارث بعقد الأخوة، ورجع إلى ذوي الرحم. * * *

стр. 389

أهداف المؤاخاة: قال ابن حجر في الفتح: قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار، فهي المقصودة هنا. وقال السهيلي: آخى بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام واجتمع اشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث وجعل المؤمنين كلهم إخوة وأنزل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ يعني في التوادد وشمول الدعوة. وأنكر ابن تيمية في "كتاب الرد على ابن المطهر الرافضي" المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصاً مؤاخاة النبي ﷺ لعلي قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضاً ولتأليف قلوب بعضهم على بعض فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحد منهم ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري، وهذا رد للنص بالقياس وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى ويستعين الأعلى بالأدنى وبهذا تظهر مؤاخاته ﷺ لعلي، لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة لأن زيداً مولاهم، فقد ثبت أختها وهما من المهاجرين، وسيأتي في عمرة القضاء قول زيد بن حارثة: إن بنت حمزة بنت أخي، وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن أبي الشعثاء عن ابن عباس: "آخى النبي ﷺ بين الزبير وابن مسعود" وهما من المهاجرين. قلت: وأخرجه الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني، وابن تيمية يصرح بأن أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك، وقصة المؤاخاة الأولى أخرجها الحاكم من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر: "آخى رسول الله ﷺ بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان - وذكر جماعة قال - فقال علي: يا رسول الله إنك آخيت بين أصحابك فمن أخى؟ قال "أنا أخوك" وإذا انضم هذا إلى ما تقدم تقوى به.

стр. 390

وحول المؤاخاة قال الدكتور مصطفى السباعي: في مؤاخاة الرسول بين المهاجرين والأنصار أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية الأخلاقية النباءة، فالمهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم، فجاؤوا المدينة لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعتهم. فليحمل الأخ أخاه، وليقتسم معه سراء الحياة وضراءها، ولينزله في بيته ما دام فيه متسع لهما، وليعطه نصف ماله ما دام غنياً عنه، موفراً له، فأية عدالة اجتماعية في الدنيا تعدل ههذ الأخوة؟ إن الذين ينكرون أن يكون في الإسلام عدالة اجتماعية، قوم لا يريدون أن يبهر نور الإسلام أبصار الناس ويستولي على قلوبهم، أو قوم جامدون يكرهون كل لفظ جديد ولو أحبه الناس وكان في الإسلام مدلوله، وإلا فكيف تنكر العدالة الاجتماعية في الإسلام وفي تاريخه هذه المؤاخاة الفذة في التاريخ. وهي التي عقدها صاحب الشريعة محمد ﷺ بنفسه، وطبقها بإشرافه. * * *
следующие страницы →