وحُلفاؤها حلفاً آخر مؤكداً على أن لا يتخاذلوا، فسموها الأحلاف لذلك.
٢٤٤ - * روى البخاري عن عاصم بن سليمان الأحول قال: قُلتُ لأنس بن مالك ﵁:
أبلغك أن النبي ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام؟ " فقال: قد حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري.
وعند أبي داود (١) قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ : لا حلف في الإسلام؟ فقال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، مرتين أو ثلاثاً.
أقول: يرى بعض الناس أنه لا تجوز التعاقدات السياسية بين المسلمين وغيرهم، ومن ثم بين الجماعة الإسلامية وغير المسلمين أو غير الإسلاميين، وذلك خطأ ووهم، فحيثما وجدت مصلحة حقيقية للإسلام ولجماعة المسلمين جاز التحالف على أن يكون ذلك بشورى المسلمين وبالفتوى الصحيحة من أهلها، ونحن سنرى في حياة الرسول ﷺ أن التحالفات كانت جزءاً من سيرته ﵊.
٢٤٥ - * روى أبو يعلي عن زيد بن حارثة أنه قال: يا رسول الله آخيت بيني وبين حمزة بن عبد المطلب.
٢٤٦ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: آخى رسول الله صلى الله عليه سلم بين
стр. 387
أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة.
٢٤٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ آخى بين الزبير وابن مسعود.
٢٤٨ - * روى أبو يعلي عن أنس ﵁ قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، آخى بين سلمان وأبي الدرداء وبين عوف بن مالك وبين صعب بن جثامة.
١٤٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄: قال في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (١) ورثة. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: كان المهاجرن لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له.
وبعقد الإخاء بين المهاجرين والأنصار حل رسول الله ﷺ مشكلات الهجرة عن أقرب طريق وأسهله، وقد تحدث الشيخ الغزالي في كتابه فقه السيرة عن هذا الموضوع فقال:
أما أمر صلة الأمة بعضها بالبعض الآخر، فقد أقامه الرسول ﷺ على الإخاء الكامل. الإخاء الذي تمحى فيه كلمة "أنا" ويتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كياناً دونها، ولا امتداداً إلا فيها.
ومعنى هذا الإخاء، أن تذوب عصبيات الاجهلية، فلا حمية إلا للإسلام. وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن. فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه.
وقد جعل الرسول ﷺ هذه الأخوة عقداً نافذاً، لا لفظاً فارغاً، وعملاً يرتبط بالدماء والأموال لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر.
стр. 388
وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال.
والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والنقص والجبن والبخل والجشع، لا يمكن انْ يصح إخاء، أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله ﷺ جُبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا على مبادئ رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله.
فسُمُوُّ الغاية التي التقوا عليها وجلال الأسوة التي قادتهم إليها، نميا فيهم خِلال الفضل والشرف، ولم يدعا مكاناً لنجوم خِلَّة رديئة.
ذلك، ثم إن محمداً ﵊ كان إنساناً، تجمع فيه ماتفرق في عالم الإنسان كله من أمجاد ومواهب وخيرات، فكان صورة لأعلى قمة من الكمال يمكن أن يبلغها بشر، فلا غرو إذا كان الذين قبسُوا منه، وداروا في فلكه، رجالاً يحيون بالنجدة والوفاء والسخاء.
إن الحب كالنبع الدافق يسيل وحده، ولا يُتكلف استخراجه بالآلات والأثقال، والأخوة لا تُفرض بقوانين ومراسيم، وإنما هي أثر تخلص الناس من نوازع الأثرة والشُّح والضعة.
وقد تُبودلت الأخوة بين المسلمين الأولين، لأنهم ارتقوا - بالإسلام - في نواحي حياتهم كلها، فكانوا عباد الله إخوانا، ولو كانوا عبيد أنفسهم ما أبقى بعضهم على بعض.
وقد ظلت عقود الإخاء مقدمة على حقوق القرابة في توارث التركات إلى موقعة (بدر) حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) فألغى التوارث بعقد الأخوة، ورجع إلى ذوي الرحم.
* * *
стр. 389
أهداف المؤاخاة:
قال ابن حجر في الفتح: قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار، فهي المقصودة هنا.
وقال السهيلي: آخى بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام واجتمع اشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث وجعل المؤمنين كلهم إخوة وأنزل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ يعني في التوادد وشمول الدعوة.
وأنكر ابن تيمية في "كتاب الرد على ابن المطهر الرافضي" المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصاً مؤاخاة النبي ﷺ لعلي قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضاً ولتأليف قلوب بعضهم على بعض فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحد منهم ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري، وهذا رد للنص بالقياس وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى ويستعين الأعلى بالأدنى وبهذا تظهر مؤاخاته ﷺ لعلي، لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة لأن زيداً مولاهم، فقد ثبت أختها وهما من المهاجرين، وسيأتي في عمرة القضاء قول زيد بن حارثة: إن بنت حمزة بنت أخي، وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن أبي الشعثاء عن ابن عباس: "آخى النبي ﷺ بين الزبير وابن مسعود" وهما من المهاجرين. قلت: وأخرجه الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني، وابن تيمية يصرح بأن أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك، وقصة المؤاخاة الأولى أخرجها الحاكم من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر: "آخى رسول الله ﷺ بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان - وذكر جماعة قال - فقال علي: يا رسول الله إنك آخيت بين أصحابك فمن أخى؟ قال "أنا أخوك" وإذا انضم هذا إلى ما تقدم تقوى به.
стр. 390
وحول المؤاخاة قال الدكتور مصطفى السباعي: في مؤاخاة الرسول بين المهاجرين والأنصار أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية الأخلاقية النباءة، فالمهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم، فجاؤوا المدينة لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعتهم. فليحمل الأخ أخاه، وليقتسم معه سراء الحياة وضراءها، ولينزله في بيته ما دام فيه متسع لهما، وليعطه نصف ماله ما دام غنياً عنه، موفراً له، فأية عدالة اجتماعية في الدنيا تعدل ههذ الأخوة؟
إن الذين ينكرون أن يكون في الإسلام عدالة اجتماعية، قوم لا يريدون أن يبهر نور الإسلام أبصار الناس ويستولي على قلوبهم، أو قوم جامدون يكرهون كل لفظ جديد ولو أحبه الناس وكان في الإسلام مدلوله، وإلا فكيف تنكر العدالة الاجتماعية في الإسلام وفي تاريخه هذه المؤاخاة الفذة في التاريخ. وهي التي عقدها صاحب الشريعة محمد ﷺ بنفسه، وطبقها بإشرافه.
* * *
стр. 391
فصل: في الترتيبات الدستورية
قال الأستاذ البوطي: روى ابن هشام أن النبي ﵊ لم تمض له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، عدا أفراداً من قبيلة الأوس. فكتب رسول الله ﷺ كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهو وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم.
وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد. وذكره ابن خيثمة فأسنده: حدثنا أحمد ابن جناب أبو الوليد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﵇ كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار، فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق، وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ... إلخ.
وقال الشيخ الغزالي في معرض كلامه عن أهم أعمال الرسول ﷺ بعد مقدمه المدينة: أما عن صلة الأمة بالأجانب عنها، الذين لا يدينون بدينها، فإن الرسول ﵊ قد سن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تُعهد في عالم مليء بالتعصب والتغالي، والذي يظن أن الإسلام دين لا يقبل جوار دين آخر، وأن المسلمين قوم لا يستريحون إلا إذا انفردوا في العالم بالبقاء والتسلط، هو رجل مخطئ بل متحامل جرئ.
أقول: هذه الوثيقة التي ذكرها الأستاذان الكريمان لم تكن تنظم الحياة بين المسلمين وغيرهم فحسب، بل كانت كذلك تنظم الحياة بين المسلمين أنفسهم، وهذه الحادثة بالذات تعتبر أهم معلم يجب أن تضعه الحركة الإسلامية نصب عينيها، بل هذه الوثيقة تعتبر من أعظم السوابق الدستورية في تاريخ البشرية، ففي مراحل متأخرة بدأت البشرية تفكر في كتابة الدساتير الناظمة لحياة الأمم في أطرها الكبرى، فأن نرى ذلك في حياة رسول الله ﷺ في السنة الأولى لإقامة الدولة فتلك من معجزات الإسلام، ولقد هل ناس حاربوا
стр. 392
التقعيد الدستوري والقانوني لحياة شعوب الأمة الإسلامية، كما أفرط ناس في التصورات السياسية حتى دخلوا معارك ضد مصطلحات لا حرج في استعمالها، وكل ذلك أثر عن تشنجات سقيمة لم يعرف أصحابها الحدود بين ما يحرم أخذه وما يجوز وما يفترض، وبين مالا يسيغ إغفاله وما يجب إبطاله له.
ومع أن هذه الوثيقة قد أوردها ابن إسحاق بلا إسناد فإن لها قوة كبرى من حيث إن ابن خيثمة قد أوردها بإسناد كما ذكر ذلك ابن سيد الناس في عيون الأثر، ومن حث إن هناك نصوصاً ثابتة تشير إلى أن عقوداً ما قد تمت بين رسول الله ﷺ وبين اليهود، وأن تعاقداً أبرمه رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار ولذلك فإن ابن كثير في البداية والنهاية قد لخص هذه الوثيقة وعنون لمضمونها وقدم لها بذكر بعض الأحاديث الصحيحة التي تشير إلى بعض مضموناتها، وعلى كل الأحوال فعلى مذهبنا الذي ذكرناه في مقدمة هذا القسم والذي اعتمدنا فيه أن إماماً من الأئمة عندما يذكر شيئاً بلا نكير فذلك يدل على أن مذهبه اعتماد ما ذكره فإذا كان من أهل الاجتهاد في شأن فبإمكاننا اتباعه فيه، ولا أحد يشك أن ابن إسحاق إمام الأئمة في السيرة.
وها نحن نذكر بعض ما ذكره ابن كثير عن هذه الوثيقة: فقد قال بعد ذكره عقد الرسول ﵇ الألفة بين المهاجرين والأنصار والمؤاخاة بينهم، وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة:
وكان بها من أحياء اليهود بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وكان نزولهم بالحجاز قبل الأنصار أيام بخت نصر حين دوخ بلاد المقدس فيما ذكره الطبري، ثم لما كان سيل العرم وتفرقت شذر مذر، نزل الأوسُ والخزرج المدينة عند اليهود فحالفوهم وصاروا يتشبهون بهم لما يرون لهم عليهم من الفضل في العلم المأثور عن الأنبياء، لكن من الله على هؤلاء الذين كانوا مشركين بالهدى والإسلام وخذل أوئلك لحسدهم وبغيهم واستكابرهم عن اتباع الحق.
٢٥٠ - * روى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ
стр. 393
كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار على أن يعقلوا معاقلهُم، ويفْدُوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين.
٢٥١ - * روى مسلم عن جابر. كتب رسول الله ﷺ : "على كل بطنٍ عقوله".
وقال محمد بن إسحاق (١): كتب رسول الله ﷺ كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي الأمي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمةٌ واحدةٌ من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط، وبنو عوفٍ على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفةٍ تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين" ثم ذكر كل بطنٍ من بطونِ الأنصار، وأهل كل دارٍ: بني ساعدة، وبني جُشم، وبني النجار، وبني عمرو وبن عوفٍ، وبني النبيت، إلى أن قال: "وإن المؤمنين لا يتركون مُفرحاً بينهُم أنْ يُعطوهُ بالمعروف في فداءٍ أو عقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونهُ، وإن المؤمنين المتقين على منْ بَفَى منهُم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عُدوانٍ أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتُلُ مؤمن مؤمناً في كافرٍ، ولا يُنْصَرُ كافرٌعلى مؤمنٍ، وإن ذمة الله واحدةٌ يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس وإنه من تبعنا من يهُود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا مُتناصرٍ عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة لا يُسالم مؤمن دون
стр. 394
مؤمن في قتالٍ في سبيل الله إلا على سواء وعدلٍ بينهم، وإن كل غازيةٍ غزتْ معن يعقبُ بعضها بعضاً، وإن المؤمنين يبئ بعضهم بعضاً بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومِهِ، وإنه لا يُجيرُ مشرك مالاً لقريش ولا نفساً ولا يحول دونهُ على مؤمنٍ، وإنه من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينةٍ فإنه قودٌ به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافةً ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أنْ ينصر مُحدثاً ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواهُ فإن عليه لعنةُ الله وغضبهُ يوم القيامة ولا يؤخذُ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتُم فيه من شيء فإن مردهُ إلى الله وإلى محمد ﷺ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين، ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوفٍ أمةٌ مع المؤمنين، لليهود دينهُم وللمسلمين دينُهُم مواليهم وأنفسهُم إلا من ظلم وأثِم فإنه لا يُوتغُ إل نفسهُ وأهلَ بيته، وإن ليهودِ بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جُشم وبني الأوس وبني ثعلبة وجفنة وبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوفٍ، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يُخرجُ منهم أحدٌ إلا بإذن محمد، ولا ينحجز على نارٍ جُرحٌ، وإنه من فتك فبنفسه إلا من ظُلِمْ، وإن الله على أبر هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهمُ النصر على من حارب أهل هذهِ الصحيفةِ، وإن بينهُم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفهِ. وإن النصر للمظلوم وإن يثرب حرام جوفُها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضارٍ ولا آثمٍ، وإنه لا تُجارُ حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما
стр. 395
كان بيِّنَ أهل هذه الصحيفة من حدثٍ أو اشتجارٍ يُخافُ فسادُهُ، فإن مردهُ إلى الله وإلى محمدٍ رسول الله، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرهُ، وإنه لا تُجارُ قريش ولا من نصرها وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دُعُوا إلى صُلح يُصالحونَهُ ويلبسونَهُ فإنهم يصالحونه ويلبسونه وإنهُم إذا دعُوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين على كل أناسٍ حصتُهم من جانبهم الذي قِبَلهم، وإنه لا يحُول هذا الكتاب دون ظالم أو آثمٍ، وإنهُ من خرج آمنٌ، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، إن الله جار لمن بر واتقى". كذا أورده ابن إسحاق بنحوه.
دروس من الصحيفة:
١ - هذه الوثيقة ضبطت العلاقة بين أبناء المجتمع المدني جميعهم مؤمنهم ومشركهم ويهوديهم، ومن هنا نأخذ أن على الحركة الإسلامية حيثما وجدت أن تفكر في الصيغة الدستورية التي تحكم العلاقات بين المسلمين وبين غيرهم، والأمر في هذا الموضوع يختلف من وضع لوضع ومن قطر لقطر ومن ضعف لقوة، ومن كثرة لقلة، ومن استخلاف لسعي نحو الاستخلاف، والفتوى والشورى والمصلحة هي ضوابط هذا الأمر.
٢ - من تعبيرات هذه الوثيقة (وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم) هذا التعبير يفيد في المصطلحات الحالية أن كل المواطنين شعب واحد، وف هذا أبلغ رد على بعض المتشنجين الذين تتسع دائرة المحرمات عندهم حتى تصل إلى كل شيء.
٣ - إن على الحركة الإسلامية المعاصرة أن تأتي الناس من حيث يعرفون بما لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ولا يناقض نصاً ولا فتوى ولا شورى، فتلك هي مصلحة الإسلام والمسلمين في عصرنا، وليس العكس كما يحلو لبعضهم أن يصور، فليس مطلوباً منا أن
стр. 396
نصارع كل شيء ولا أن نغيّر كل شيء والقدر الذي يجب ان نغيره لسنا مطالبين بتغيره طفرة واحدة، فهناك قضايا للإسلام فيها أكثر من حكم على حسب الضعف والقوة، وهناك رخصة وعزيمة، وأحكام أصلية استثنائية، وأنت مطالب بالممكن والمستطاع، على حسب المرحلة والقدرة، والفتوى والشورى من أهلهما هما اللذان يضبطان السير.
٤ - إن فقه التحالفات وفقه الجهاد يشكلان الأساسين النظريين لاندفاعة الحركة الإسلامية فما لم تدرك الجماعة الإسلامية دقائق هذا الفقه فإن حركتها تكون تكون قاصرة أو عاجزة أو مبتورة.
٥ - علق الدكتور السباعي حول الوثيقة فقال: وفي الكتاب الذي عقد فيه الرسول الأخوة بين المهاجرين والأنصار، والتعاون بين المسلمين وغيرهم جملة من الأدلة التي لا ترد على أن أساس الدولة الإسلامية قائم على العدالة الاجتماعية، وأن أساس العلائق بين المسلمين وغيرهم - من مواطني الدولة الإسلامية - هو السلم ما سالموا، وأن مبدأ الحق والعدل والتعاون على البر والتقوى والعمل لخير الناس، ودفع أذى الأشرار عن المجتمع، هو أبرز الشعارات التي تنادي بها دولة الإسلام، وبذلك تكون الدولة الإسلامية أينما قامت، وفي أي عصر نشأت قائمة على أقوم المبادئ وأعدلها، وهي تنطبق اليوم على أكرم المبادئ التي تقوم عليها الدول، وتعيش في ظلاه الشعوب، وإن العمل في عصرنا هذا لإقامة دول في مجتمعنا الإسلامي ترتكز قواعدها على مبادئ لإسلام عمل يتفق مع تطور الفكر الإنساني في مفهوم الدولة، عدا أنه يحقق للمسلمين بناء منجتمع من أقوى المجتمعات وأكملها وأسعدها وأرقاها.
وأياً ما كان فإن من مصلحتنا أن تبني الدولة عندنا على أساس الإسلام، وفي ترك ذلك خرابنا ودمارنا، والإسلام لا يؤذي غير المسلمين في الوطن الإسلامي، ولا يضطهد عقائدهم، ولا ينتقص من حقوقهم، ففيم الخوف من إلزام الدول في البلاد الإسلامية بتنفيذ شرائع الإسلام وإقامة أحكامه وهي كلها عدل وحق وقوة وإخاء وتكافل اجتماعي شامل على أساس من الإخاء والحب والتعاون الكريم؟ إننا لن نخلص من الاستعمار، إلا بالمناداة
стр. 397
بالإسلام، وفي سبيل ذلك فليعمل العاملون ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٣) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٥).
٦ - ومن تعليقات الدكتور سعيد رمضان البوطي على هذه الوثيقة ننقل ما يلي:
إن كلمة (الدستور) هي أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث، على هذه الوثيقة، وهي إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يعني بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارجك أي فيما يتعلق بعلاقة أفراد الدولة مع بعض، وفيما يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين.
وحسبنا هذا الدستور الذي وضعه رسول الله ﷺ بوحي من ربه واستكتبه أصحابه، ثمن جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود - حسبنا ذلك دليلاً على أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة، وأن الدولة الإسلامية قامت - منذ أول بزوغ فجرها - على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية.
ومن هنا تسقط دعاوى أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة البديهية، ثم يزعمون أن الإسلام ليس إلا ديناً قوامه ما بين الإنسان وربه، وليس له من مقومات الدولة والتنظيم الدستوري شيء، وهي أحبولة عتيقة، كاني قصد منها محترفو الغزو الفكري وأرقاء الاستعمار، أن يقيدوا بها الإسلام كي لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات
стр. 398
الإسلامية، ولا يصبح له شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى، إذ الوسيلة إلى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام ديناً لا دولة، وعبادات مجردة، لا تشريعاً وقوانين. وحتى لو كان الإسلام ديناً ودولة في الواقع، فينبغي أن يتقلب فيصبح غير صالح لذلك، ولو بأكاذيب القول.
إن هذه الوثيقة تدل على مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عيه وسلم لليهود، ولقد كان بالإمكان أن تؤتي هذه المسألة العادلة ثمارها فيما بين المسلمين واليهود، لو لم تتغلب على اليهود طبيعتهم من حب للمنكر والغدر والخديعة، فما هي إلا فترة وجيزة حتى ضاقوا ذرعاً بما تضمنته بنود هذه الوثيقة التي التزموا بها، فخرجوا على الرسول والمسلمين بألوان من الغدر والخيانة.
وقد دلت هذه الوثيقة على أحكام هامة في الشريعة الإسلامية نذكر منها ما يلي:
- يدلنا البند الأول منها على أن الإسلام هو وحده الذي يؤلف وحدة المسلمين وهو وحده الذي يجعل منهم أمة واحدة، وعلى أن جميع الفوارق والمميزات فيما بينهم تذوب وتضمحل ضمن نطاق هذه الوحدة الشاملة، تفهم هذا جلياً واضحاً من قوله ﵊ "المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة من دون الناس".
- إنها تدل على مدى الدقة في المساواة بين المسلمين لا من حيث إنها شعار براق للدعاية والعرض، بل من حيث إنها ركن من الأركان الشرعية الهامة للمجتمع الإسلامي، يجب تطبيقه بأدق وجه وأتم صورة.
- كما تدل أيضاً على أن الحكم العدل الذي لا ينبغي للمسلمين أن يهرعوا إلى غيره، في سائر خصوماتهم وخلافاتهم وشؤونهم إنما هو شريعة الله تعالى وحكمه، وهو ما تضمنه كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ومهما بحثوا عن الحلول لمشاكلهم في غير هذا المصدر فهم آثمون، معرضون أنفسهم للشقاء في الدنيا وعذاب الله تعالى في الآخرة.
* * *
стр. 399
فصل: في البيعة
٢٥٢ - * روى أحمد عن أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، جمع نساء الأنصار في بيتٍ، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم عليهن، فرددن السلام فقال: "أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن" فقُلن مرحباً برسول الله ﷺ وبرسول رسول الله ﷺ فقال: "تُبايعن على أنْ لا تشركن بالله شيئاً، ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكُن ولا تأتين ببهتان تفترينه ين أيديكن وأرجلكُن ولا تعصين في معروف" قلن: نعم فمد عُمرُ يده من خارج الباب، ومددن هُن أيديهن من داخل، ثم قال "اللهم اشهد" وأمر أن نخرج في العيدين العُتق والحُيِّضَ ونُهينا عن اتباع الجنائز، ولا جُمعة علينا، فسألته عن البهتان، وعن قوهِ ولا يعصينك في معروف، قال: "هي النياحةُ".
قال في عون المعبود في باب ما جاء في البيعة: (فأعطته) أي المرأة الميثاق للنبي ﷺ . وفي رواية البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (١) قالت: ما مست يد رسول الله ﷺ إلا امرأة يملكها.
стр. 400
قال النووي: فيه دليل على أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف وأن صوتها ليس بعورة وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة، كتطبب وفصد وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوهما مما لا توجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة.
٢٥٣ - * روى أحمدُ عن محمد بن الأسود بن خلفٍ، أن أباه حضر النبي يبايعُ الناس عند قرن مسقلة، فجاءه الرجالُ والنساءُ والصغارُ والكبارُ فبايعوه على الإسلام والشهادة. قيل: وما الشهادةُ؟ فقال محمدُ بن الأسودِ: شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
٢٥٤ - * روى أحمد عن سلمى بنت قيس وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلَّتْ معه القبلتين وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار. قالت: جئتُ رسول الله ﷺ فبايعته في نسوة من الأنصار، فلماش رط علينا أن لا نُشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروفٍ قال: "ولا تَغْشُشْنَ أزواجكُنَّ" قالت: فبايعناهُ ثم انصرفنا، فقلت لامرأةٍ منهُن ارجعي فاسألي رسول الله ﷺ ما غشُّ أزواجنا؟ قالت، فسألته، فقال: "تأخذ مالهُ فتُحابي به غيره".
* * *
стр. 401
فصل: في الإذن بالقتال وبدء الحركة القتالية
الراجح عند علماء السير أن رسول الله ﷺ حرَّك ثلاث سرايا في السنة الأولى للهجرة وهي سرية سيف البحر وكان على رأسها حمزة بن عبد المطلب، وسرية رابغ وكان على رأسها عبيدة بن الحارث بن المطلبن وسرية الخرار وكان على رأسها سعد بن أبي وقاص.
وهذا يؤكد أن الإذن بالقتال كان في السنة الأولى للهجرة:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (١).
ومما يرجح أن الإذن بالقتال كان في السنة الأولى، أنه بالهجرة قامت دولة، ولا دولة إلا باستعداد لقتال، وفي أصول هذا الكتاب إشارات لهذه السرايا المذكورة وفيها ذكر لاستعداد قريش للحرب:
٢٥٥ - * روى أحمدُ عن سعد بن أبي وقاص قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة جاءت جهينةُ فقالوا: إنك نزلت بين أظهُرنا فأوثق لنا حتى نأتيك وتؤمنا، فأوثق لهم فأسلموا، فبعثنا صلى الله عله وسلم في رجب ولم نكن مائة وأمرنا أن نُغير على حيٍّ من كنانة إلى جنب جُهينة فأغرنا عليهم وكانوا كثيراً، فلجأنا إلى جهينة فمنعونا وقالوا: لِمَ تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقلنا: إنما نُقاتلُ من أخرجنا من البلد الحرام في الشهر الحرام، فقال بعضنا لبعضٍ: ما تروْنَ؟ فقال بعضنا: نأتي نبي الله ﷺ فنخبره، وقال قوم: لا بل نُقيمُ ههنا، وقلت أنا في أناس معي: لا بل نأتي عِير قريشٍ فنقطعُها فانطلقنا إلى العير وكان الفيء إذ ذلك من أخذ شيئاً فهو له فانطلقنا إلى العر، وانطلق أصحابنا إلى النبي ﷺ فأخبروه الخبر فقام غضبان محمرِّ الوجه، فقال: "أذهبتم من عندي جميعاً وجئتم متفرقين؟ إنما أهلك من كان قبلك الفُرقةُ، لأبعثن عليكم رجلاً ليس بخيركم أصبرُكم على الجوع والعطش" فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي فكان أول أميرٍ أُمِّرَ في الإسلام.
стр. 402
أقول: هذا نموذج آخر على التحالفات والتعاقدات التي كان يجريها رسول الله ﷺ ، والتي كانت لها ثمارها المباركة، وآثارها الطيبة على المسلمين.
٢٥٦ - * روى الطبراني عن جبير بن مُطعم، قال أبو جهل حين قَدِمَ مكة مُنْصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمداً قد نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يُصيب منكم شيئاً، فاحذروا أن تمروا طريقه وأن تُقاربوه فإنه كالأسد الضاري ... وزاد: بعث حمزة حين بعثه النبي ﷺ إلى سيف البحر في ثلاثين راكباً من المهاجرين، فلقي أبا جهل في ثلاث مائة راكب في عير لقريش جاءت من الشام فحجز بينهم مجديُّ بن عوفٍ الجُهني ولم يكن قتال.
وهذه رواية جبير كاملة:
٢٥٧ - * روى الطبراني في الكبير عن جُبير بن مُطعم قال: قال أبو جهل بن هشامٍ حين قدِم مكة منصرفَهُ عن حمزة: يا معشر قريش إن محمداً قد نزل يثرب وأرسل طلائعه: وإنما يريدُ أن يُصيبُ منكم شيئاص فاحذروا أن متُروا طُرقه وأنْ تُقاربوه فإنه كالأسد الضاري إنه حنق عليكم، نقيتموه نقي القِردان على المناسم، والله إن له لسحرة ما رأيته قط، ولا حداً من أصحابه إلا رأيتَ معهُم الشياطين، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة فهو عدو استعان بعدوٍّ فقال له مطعِمُ بن عدي: يا أبا الحكم والله ما رأيت أحداً
стр. 403
أصدق لساناً ولا أصدق موعداً من أخيكم الذي طَردْتُم، فإذا فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكفِّ الناس عنه. فقال أبو سفيان بن الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه فإن ابني قيلة إن ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، وإن أطعتموني ألحمتموهم خبر كنانة أو يخرجوا محمداً من بين أظهرهم فيكون وحيداً مطروداً. وأما ابنا قيلةٍ فوالله ما هما وأهل دهلكٍ في المذلة إلا سواء وسأكفيكم حدهم وقال:
سأمنح جانباً مني غليظاً ... على ما كان من قُربٍ وبُعدِ
رجالُ الخزرجية أهل ذلٍّ ... إذا ما كان هزلٌ بعد جدِّ
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "والذي نفسي بيده لأقتلنهم ولأصلبنهم لأهدينهُم وهم كارهون إني رحمةٌ بعثني الله ولا يتوفاني حتى يُظهر الله دينه. لي خمسةُ أسماء: أنا محمدُ وأحمدُ وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشرُ يحشر الناس على يدي وأنا العاقب".
أقول: المطعم بن عدي وأبو سفيان كلاهما من أسرة النبي ﷺ من بني عبد مناف، وكان المنطعم أوصل الرجلين لرحمه، وهو الذي أجار النبي ﷺ عند عودته من الطائف ودخوله مكة.
والشاهد من ذكره أسماءه ﷺ أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر، فهو واثق أنه لن يترك كافراً من قومه إلا أن يسلم أو يقتل.
٢٥٨ - * روى الحاكم عن جابر بن سمرة قال: أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله سعدُ بن أبي وقاص.
قال في الفتح: وورد عن البخاري جزء من حديث سعد: (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله) قال: وكان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث، وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين، وهي أول سرية بعثها رسول الله ﷺ في السنة الأولى
стр. 404
من الهجرة، بعث ناساً من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيراً لقريش فتراموا بالسهام ولم يكن بينهم سابقة، فكان سهمه أول ما رمى.
ذكر ذلك الزبير بن بكار بسند له وآخرون.
أقول: هذا وهناك خلاف بين كتاب السير حول هذه السرايا الثلاث، هل كانت في السنة الأولى أو الثانية، وأيها كانت أولاً، وقد رجح ابن كثير أنها كانت في السنة الأولى، وقد نص كتاب السير على أن سرية حمزة وسرية عبيدة بن الحارث لم يكن فيهما أنصاري واحد، وذلك من حكمته ﵊. فمن خلال تحرك الرعيل الأول للجهاد تبدأ دائرة الحركة الجهادية تتوسع وتبدأ الروح الجهادية تعم، ثم إن المهاجرين كانوا معبئين نفسياً للصراع مع قريش، كما أنهم بحاجة إلى أن يتحرروا من مظاهر الضعف وأسر الاضطهاد، وهذه قضايا يجب أن يفطن لها القادة، فنقل الأمة من طور السلم إلى طور الحرب، ونقل الجماعات من طور الاضطهاد إلى دور الجهاد ينبغي أن تصحبه تمهيدات تعين عليه، وبمثل هذا تظهر حكمة القيادات، وكل قيادة لا تراعي الجوانب النفسية تخفق.
ويلاحظ أنه بمجرد إذن الله بالقتال بدأت الحركة العسكرية، فلم ينظر الرسول ﷺ حتى يفرض القتال، وهذا شيء ينبغي أن تراعيه القيادات الإسلامية، فمتى أصبح الجهاد ممكناً فليكن سير فيه، ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى موازنات كثيرة محلية وعالمية فما يصلح لمكان لا يصلح لمكان، وما يصلح في زمان لا يصلح في زمان آخر، وتقدير الموقف واتخاذ القرار المناسب هما علامتا جدية القيادات وكفاءتها.
ومن موقف أبي جهل ورد المطعم بن عدي عليه نعرف حكمة الرسول ﷺ السياسية، فأن تجعل من خصومك من يدافع عنك، وأن تلقي الرعب في قلب عدوك، تلك قمة من قمم النجاح السياسي والعسكري، وهكذا كانت البدايات ناجحة.
* * *
стр. 405
فصل: في أمور متفرقة
حدثت في السنة الأولى
هناك أحداث ذات دلالات حدثت في هذه السنة يحسن ذكرها:
١ - إسلام عبد الله بن سلام:
٢٥٩ - * روى ابن ماجه عن عبد الله بن سلام قال: لما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينة انجفل الناسُ إليه، وقيل: قَدِمَ رسول الله ﷺ ، فجئتُ في النسا لأنظر إليه، فلما استبنتُ وجه رسول الله ﷺ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذابٍ، فكان أول شيء تكلم به، أن قال: "يا أيها الناسُ أفشُواالسلام، وأطعِمُوا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلامٍ".
٢٦٠ - * روى البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس قال: فلما جاء النبي ﷺ جاء عبد الله بنُ سلام فقال؛ أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يُهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمُهم وابن أعْلمِهم فادعهُم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت فإنهم إنْ يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس فيِّ. فأرسل نبي الله ﷺ إلى اليهود فدخلوا عليه. فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً وأني جئتكم فأسلمُوا" قالوا: ما نعلمه. قالوا ذلك للنبي ﷺ قالها ثلاث مِرار. قال "فأيُّ رجُل فيكم عبد الله بنُ سلام" قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابنُ أعلمنا. قال: "أفرأيتم إن أسلم" قالوا: حاش لله ما كان ليُسْلَم. قال "يا ابن سلام أخرج عليهم" فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله الذي لا
стр. 406
إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق فقالوا: كذبت فأخرجهُم رسول الله ﷺ .
٢٦١ - * روى الإمام أحمدُ عن عبد الله بن سلام قال: لما قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أخبِرَ عبدُ الله بقدومه وهو في نخل فأتاه، فقال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي فإن أخبرتني بها آمنتُ بك وإن لم تعلمهن عرفتُ أنك لست نبي، قال: فسأله عن الشبه وعن أول شيء يأكله أهلُ الجنة وعن أول شيء يحشُر الناس؟ قال رسول الله ﷺ : "أخبرني بهن جبريلُ آنفاً، قال: ذاك عدو اليهود، قال: أما الشبه إذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأةِ ذهب بالشبه وإذا سبق ماءُ المرأة ماء الرجل ذهبت بالشبه، وأما أول شيء يأكله أهل الجنة فزيادةُ كبدٍ الحوتِ، وأما أول شيء يحشُرُ الناس فنارٌ تخرجُ من قِبَلِ المشرق فتحشرهم إلى المغرب" فآمن، وقال: أشهد إنك رسول الله. قال ابن سلام: يا رسول الله إن اليهود قومٌ بهتٌ وإنهم إن سمعوا بإسلامي يبهتوني فأخبئني عندك وابعث إليهم فتسألهم عني فخبأه رسول الله ﷺ وبعث إليهم فجاؤوا فقال: "أيُّ رجل عبدُ الله بنُ سلامٍ فيكم" قالوا: هو خيرُنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا. فقال: "أرأيتم إنْ أسلم تُسلمون" فقالوا: أعاذه الله من ذلك فقال: "يا عبد الله بن سلام اخرج إليهم فأخبرهم" فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا: أشرُنا وابن أشرِنا وجاهلنا وابن جاهلنا فقال ابن سلام: قد أخبرتُك يا رسول الله إن اليهود قومُ بهتٌ.
أقول: إن إسلام عبد الله بن سلام على علمه ومعرفته بعلامات النبوة، وبعد امتحانه لرسول الله ﷺ ، حجة كاملة على يهود وعلى غيرهم، فهذا الموقف هو استجابة الفطرة السليمة والإنصاف الكامل، ومتى اجتمعنا عند فرد من أهل الكتاب فإنه لابد مسلم.
ومن النصوص التي يخطئ في فهمها بعض الناس قوله ﵊: طوأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع ... " فالسبق ههنا - والله أعلم - سبق قوة فإذا
стр. 407
كانت بويضة الأنثى أقوى من الحيوان المنوي تغلبت خصائص المرأة على خصائص الرجل فشابهها الولد والعكس صحيح.
* * *
٢ - خروج وباء المدينة منها:
٢٦٢ - * وروى البخاري عن ابن عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة، حتى قامت بميهعة" وهي الجُحفة، فأولتُ: أن وباء المدينة نقل إليها.
أقول: انتقال وباء المدينة إلى الجحفة كان معجزة لرسول الله ﷺ ، وأثراً عن بركته ﵊، ولكنا نأخذ منه درساً كبيراً؛ لأنه كان من فعل الله لرسوله ﵊، ولذلك فإن على الحركة الإسلامية أن تعمل جاهدة من أجل إيجاد نظام صحي رفيع المستوى، فإن كانت لها سلطة فعليها ان تبذل الجهود الكثيرة في ذلك، وفي كل الأحوال عليها أن تساعد.
* * *
٣ - دخوله ﵊ بعائشة:
٢٦٣ - * روى مسلم عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في
стр. 408
شوال، فأيُّ نساء رسول الله صلى الله علي هوسلم كان أحظى عنده مني. قال: وكانت عائشة تستحبُّ أنْ تدخل نساءها في شوال.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: فعلى هذا يكون دخوله به ﵇ بعد الهجرة بسبعة أشهر - أو ثمانية أشهر - وقد حكى القولين ابن جرير، وقد تقدم في تزويجه ﵇ بسودة كيفية تزويجه ودخوله بعائشة بعدما قدموا المدينة وأن دخوله بها كان بالسُّنْح نهاراً، وهذا خلاف ما يعتاده النسا اليوم، وفي دخوله ﵇ بها في شوال رد لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين اليعدين خشية المفارقة بين الزوجين، وهذا ليس بشيء لما قالته عائشة رادة على من توهمه من الناس في ذلك الوقت: تزوجني في شوال. وبنى بي في شوال - أي دخل بي - في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني؟ فدل هذا على أنها فهمت منه ﵇ أنها أحب نسائه إليه، وهذا الفهم منها صحيح لما دل على ذلك من الدلائل الواضحة، ولو لم يكن إل الحديث الثابت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص: قلتُ: يا رسول الله أي الناس أحبُّ إليك؟ قال: "عائشة" قلت مِنَ الرجال قال: "أبوها".
أقول: والملاحظ أن الدعوة والجهاد والتربية وما يترتب على ذلك من تعب وأحزان لم يعطل الزواج في حياة الرسول ﷺ وأصحابه، بل الزواج والإكثار منه كان عادياً جداً في الزواج في حياة الرسول ﷺ وأصحابه لم يؤخرهم عن واجب.
* * *
٤ - تشريع الأذان وإكمال الصلاة:
٢٦٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: لما أمر رسول الله ﷺ
стр. 409
بالاناقُوس يُعمل ليضرب به للناس لجمع للصلاة (وفي رواية وهو كاره لموافقته النصارى) طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحملُ ناقوساً في يده فقلتُ: يا عبد الله أتبيعُ الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ فقلتُ: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدُلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال: تقول، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبرُ، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهدُ أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبرُ، أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاةُ، قد قامت الصلاةُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: "إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك" فقمت مع بلال، فجعلتُ ألقيه عليه ويؤذنُ به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجرُّ رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيتُ مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمدُ".
وعنه من طريق ثان بنحوه وزاد: ثم أمر بالتأذين فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة قال، فجاءه فدعاهُ ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب فأُدخلتْ هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر (أدخل بأمر النبي ﷺ .
٢٦٥ - * روى البخاري عن عائشة قالت: فُرضت الصلاة أول ما فُرضت ركعتينِ،
стр. 410
فأقرت صلاة السفرِ، وزيد في صلاة الحضرِ.
قال ابن جرير: (وفي هذه السنة - يعني السنة الأولى من الهجرة - زيد في صلاة الحضر - فيما قبل - ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، ذلك بعد مقدم النبي ﷺ المدينة بشهر في ربيع الآخر لمضي ثنتي عشرة ليلة مضت).
أقول: إن دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً تقوم على العبادة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) والعبادة مظهرها الأول الصلاة، لذلك كان تشريع الصلاة وتنظيمها وإقامتها من أوائل ما وقع في الإسلام، ومما استمر به اهتمام رسول الله ﷺ ، وهذا شيء يجب أن يفطن له الدعاة دائماً وأبداً، والصلاة لابد لها مع التأقيت من منظم، ولقد كان الأذان هو المنظم وقد رأينا قصته وستأتي معنا في باب الصلاة أحكامه.
ومن استقرار أمر الصلاة في السنة الأولى ندرك أن أول ما ينبغي أن تهتم به الحركة الإسلامية قبل النصر وبعد النصر هو إقامة الصلاة:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)
* * *
٥ - حراسة الصحابة لرسول الله ﷺ :
٢٦٦ - * روى مسلمعن عبد الله بن عامر ﵀ قال: سمعتُ عائشة تقول: سهر رسول الله ﷺ مقدمهُ المدينة ليلةً، فقال: "ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني
стр. 411
الليلة" قالت: فبينا نحن كذلك، سمعنا خشخشة سلاح، فقال: "مَنْ هذا؟ " قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ : "ما جاء بك؟ " قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ ، فجئتُ أحرسُه، فدعا له رسول الله ﷺ ، ثم نام.
وفي رواية نحوه، وفي آخره: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعتُ غطيطه.
هذا الحديث فيه جواز الاحتراس من العدو والأخذ بالحزم وترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط. قال العلماء: وكان هذا الحيدث قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) لأنه ﷺ ترك الاحتراس حين نزلت هذه الآية وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته، وقد صرح بروايته الثانية بأن هذا الحديث الأول كان في أول قدومه المدينة ومعلوم أن الآية نزلت بعد ذلك بأزمان.
وقد نقل الشيخ الشعراوي أن مستشرقاً أسلم بسبب هذا الموضوع وقال: إن اهتمام النبي ﷺ بحراسته ثم صرفه للحرس بعد ذلك بعد نزول الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أكبر دليل على صدقه في رسالته عن الله فأي عاقل يصرف حراسه وله آلاف الأعداء الموتورين إلا أن يكون واثقاً من حراسة الله له.
أقول: هذا وإن مما أمر الله به المسلم أن يأخذ حذره قال تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢) فالمسلم مطالب بالتوكل ومطالب بأخذ الأسباب، وليس الكمال أن يفرط الإنسان في الأخذ بأسباب الأمن، هذا رسول الله صلى الله عيه وسلم أكمل الخلق يرغب في الحراسة. إن أمن القيادات يشكل جزءاً هاماً من أمن الشعوب والهيئات والحكومات وأفراد الجماعات نفسها، فكثيراً ماي عني وجود جهة ما بقاء قيادتها، وعلى هذا فإن علينا أن نعطي لأمن القيادات دائماً الكبير الكثير ووسائل ذلك متعددة، وبعض هذه الوسائل يصلح لما قبل الحكم وبعضها يصلح لما بعد الحكم، ويزداد الطلب لأمن القيادات بعد الحكم، لأن الحكم الإسلامي نفسه يُستهدف من خلال استهداف العناصر القيادية.
стр. 412
تقويم الموقف في نهاية السنة الأولى
تنتهي السنة الأولى وقد نظم الرسول ﷺ أمور العبادة والاجتماع والصلة التوجيهية المباشرة بالأمة، كما صهر بين المهاجرين والأنصار وجعل المسلمين صفاً واحداً وأوجد علاقات منضبطة بين المسلمين وغيرهم داخل المجتمع المدني، وبدأ تحركات واسعة خارج المدينة هدفها توسعة دائرة أمن المدينة، وفتح الطيق أمام انتشار الإسلام، والضغط على قريش، وأوجد لمناخ الكامل لتلقي الأحكام والخضوع لها، فأوجد بذلك كل مقومات الدولة النموذجية: أرض ودستور وقوانين وجيش ودعوة ورسالة وهدف. على رأس ذلك كله رئيس يسلم له الجميع، وبدأت بذلك علمية مدّ الرسالة من خلال أمة لم يعرف لها العالم مثيلاً.
* * *
стр. 413
السنة الثانية للهجرة
стр. 414
هذه السنة في سطور
حُوّلت في هذه السنة القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، ونزلت فريضة صيام شهر رمضان، وفرضت زكوات الأموال وزكاة الفطر، وتم تشريع المعاقل لتصفية آثار القتل الخطأ وتوفيت رُقية بنت رسول الله ﷺ زوج عثمان بن عفان عقب غزوة بدر، وقدمت زينب بنت رسول الله مهاجرة من مكة إلى المدينة، وتزوج علي ﵁ فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكانت الحركة السياسية متمثلة في التحالفات، والحركة العسكرية متمثلة في البعوث والسرايا والغزوات على أشدهما؛ فتحقق من خلال ذلك كله: أن توسعت دائرة الأمن والنفوذ للدولة الإسلامية وأصبحت سيطرة المسلمين على الطريق بين مكة والشام كاملة، ولذلك حاولت قريش أن ترسل تجارتها بعد بدر عبر العراق ومع ذلك سقطت بيد المسلمين، وترتب على ذلك تلقائياً أن تأخذ المعارك منحى أكثر شدة وأوعب تعبئة، وهذا عرض سريع للتحالفات، وللحركة العسكرية لهذا العام كما عرضهما كتاب السير، مع ملاحظة أن في تاريخ بعض السرايا والغزوات خلافاً بين كتاب السير، وهو خلاف لا يترتب عليه عمل؛ لذلك لم نشدد فيه.
* * *
١ - في تحالفات هذا العام:
قال ابن كثير في البداية والنهاية: ثم خرج رسول الله ﷺ غازياً في صفر على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه المدينة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق: حتى بلغ ودَّان وهي غزوة الأبواء، قال ابن جريرك ويقال لها غزوة وُدان أيضاً، يريد قريشاً وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانةن فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمان ذلك. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيداً فأقام بها بقية صفر وصدراً من شهر ربيع الأول. قال ابن هشام: وهي أول غزوة غزاها ﵇.
وقال ابن كثير نقلاً عن ابن إسحاق: نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها جُمادى
стр. 415
الأولى وليالي من جمادي الآخرة، ووداع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً.
٢ - في الحركة العسكرية:
حدث في هذا العام:
١ - غزوة الأبواء أو ودان: في صفر سنة ٢ هـ - وودان بالفتح والتشديد - موضع بين مكة والمدينة بينه وبين رابغ مما يلي المدينة تسعة وعشرون ميلاً، والأبواء موضع بالقرب من ودان.
قال في الرحيق المختوم: خرج رسول الله ﷺ بنفسه بعد أن استخلف على المدينة سعد ابن عبادة في سبعين رجلاً من المهاجرين خاصة يعترض عيراً لقريش حتى بلغ ودان، فلم يلق كيداً. أهـ.
وفي هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع مَخْشِيٍّ بن عمرو الضمري، وكان سيد بني ضمرة في زمانه، وهاك نص المعاهدة:
هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله، مابَلِّ بحر صُوفة (١). وأن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه. (المواهب اللدنية وشرحه للزرقاني).
وهذه أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، وكان اللواء أبيض وحامله حمزة بن عبد المطلب.
٢ - غزوة بُواط: في شهر ربيع الأول سنة ٢ هـ الموافق سبتمبر سنة ٦٢٤ م، خرج رسول الله ﷺ في مائتين من أصحابه يعترض عيراً لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواطاً من ناحية رضوى (٢) ولم يلق كيداً.
стр. 416
واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سعد بن معاذ، واللواء كان أبيض، وحامله سعد ابن أبي وقاص ﵁.
٣ - غزوة سَفْوان: في شهر ربيع الأول سنة ٢ هـ الموافق سبتمبر (أيلول) سنة ٦٢٣ م، أغار كرز بن جابر الفهري في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشي، فخرج رسول الله ﷺ في سبعين رجلاً من أصحابه لمطاردته، حتى بلغ وادياً يقال له سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزاً وأصحابه، فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى.
واستخلف في هذه الغزوة على المدينة زيد بن حارثة، وكان اللواء أبيض، وحامله على ابن أبي طالب.
٤ - غزوة ذي العُشيرة: في جمادي الأولى، وجمادي الآخرة سنة ٢ هـ الموافق نوفمبر وديسمبر (تشرين الثاني وكانوا الأول) سنة ٦٢٣ م، خرج رسول الله ﷺ في خمسين ومائة ويقال: في مائتين من المهاجرين، ولم يكره أحداً على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيراً يعتقبونها، يعترضون عيراً لقريش، ذاهبة إلى الشام، وقد جاء الخبر بفصولها من مكة فيها أموال لقريش، فبلغ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتته بأيام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سبباً لغزوة بدر الكبرى.
وكان خروجه ﷺ في أواخر جمادي الأولى، ورجوعه في أوائل جمادي الآخرة على ما قاله ابن إسحاق، ولعل هذا هو سبب اختلاف أهل السير في تعيين شهر هذه الغزوة. (وبعضهم يرى أن هذه الغزوة هي نفسها غزوة وَدَّان).
وفي هذه الغزوة عقد رسول الله ﷺ معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة.
واستخلف على المدينة في هذه الغزوة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان اللواء في هذه الغزوة أبيض، وحامله حمزة بن عبد المطلب ﵁.
٥ - سرية نخلة: في رجب سنة ٢ هـ الموافق يناير سنة ٦٢٤ م، بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في اثني عشر رجلاً من المهاجرين كل اثنين يعتقبان
стр. 417
على بعير.
٦ - في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة حدثت واقعة بدر، وكان خروج الرسول ﷺ من المدينة في ٨ أو في ١٢ من الشهر.
٧ - قال في الرحيق: نقلت استخبارات المدينة إلى النبي ﷺ بعد بدر أن بني سليم من قبائل غطفان تحشد قواتها للغزو على المدينة، فباغت النبي ﷺ في مائتي راكب هذه القبائل المتحشدة في عقر دارها، وبلغ إلى منازلهم في موضع يقال له الكَدْر (١). ففر بنو سليم وتركوا في الوادي خمسمائة بعير استولى عليها جيش المدينة، وقسمها رسول الله ﷺ بعد إخراج الخمس فأصاب كل رجل بعيرين، وأصاب غلاماً يقال له (يسار) فأعتقه.
وأقام النبي ﷺ في ديارهم ثلاثة أيام، ثم رجع إلى المدينة وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ٢ هـ بعد الرجوع من بدر بسبعة أيام، واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سباع بن عرفطة. وقيل: ابن أم مكتوم.
٨ - وفي شوال سنة ٢ هـ حاصر رسول الله ﷺ بني قينقاع بعد نقضهم للعهد، فنزلوا على حكمه فأجلاهم إلى الشام.
٩ - وفي هذه السة حاول عمير بن وهب الجمحي اغتيال رسول الله ﷺ فكشف، وكاشفه الرسول ﷺ بأسراره فأسلم.
١٠ - وفي ذي الحجة سنة ٢ هـ حدثت غزوة السويق كرد على محاولة قريش أخذ ثأرها من بدر فارتدت على أعقابها هاربة ملاحقة من رسول الله ﷺ .
وقال في الرحيق: وقصة ذلك أنه بينما كان صفوان بن أمية واليهود والمنافقون يقومون بمؤامرتهم وعملياتهم كان أبو سفيان يفكر في عمل قليل للغارم ظاهر الأثر، يتعجل به، ليحفظ مكانة قومه، ويبرز ما لديهم من قوة، وكان قد نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً. فخرج في مائتي راكب ليبر يمينه، حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له نيب، من المدينة على بريد (٢) أو نحوه، ولكنه لم يجرؤ على مهاجمة المدينة جهاراً، فقام
стр. 418
بعمل هو أشبه بأعمال القرصنة، فإنه دخل في ضواحي المدينة في الليل مستخفياً تحت جنح الظلام، فأتى حُيي بن أخطب، فاستفتح بابه، فأبى وخاف فانصرف إلى سلام بن مشكم - سيد بني النضير، وصاحب كنزهم إذ ذاك - فاستأذن عليه فأذن. فقراه وسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، ثم خرج ابو سفيان في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث مفرزة منهم، فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها "العُرَيْض"، فقطعوا وأحرقوا هناك أسواراً من النخل، ووجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرث لهما فقتلوهما، وفروا راجعين إلى مكة.
وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فسارع لمطاردة أبي سفيان وأصحابه، ولكنهم فروا ببالغ السرعة، وطرحوا سويقاً (١) كثيراً من أزوادهم وتمويناتهم يتخففون به، فتمكنوا من الإفلات، وبلغ رسول الله ﷺ إلى قرقرة الكدر (٢)، ثم انصرف راجعاً، وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم، وسموا هذه المناوشة بغزوة السويق. وقعت في ذي الحجة سنة ٢ هـ بعد بدر بشهرين، واستعمل على المدينة في هذه الغزوة أبا لبابة بن عبد المنذر. أهـ.
* * *
* وهكذا نجد في هذه السنة تلاحم عملية البناء للأمة مع الحركة السياسية والعسكرية على أشدها فالمسلمون في حركة عسكرية دائمة، ومع هذه الحركة حركة سياسية تظهر بالتحالفات وقطع الطريق على تألب الأعداء أو غدرهم مع تنزل التشريع شيئاً فشيئاً بما يعمق الوحدة وينير الطريق لتقوم صروح التشريع الإسلامي على أرضية الواقع والخلود.
* وبسبب من الانتصارات في هذه السنة فقد دخل مشركو المدينة في الإسلام، فمنهم صادق ومنهم كاذب ومن ههنا بدأت ظاهرة النفاق في المدينة المنورة.
* ومن خلال الحركة السياسية والعسكرية ندرك أن: الحكم والدولة والسياسة تحتاج إلى يقظة وسهر دائم وأخذ بالأسباب وقوة مبادرة وكل ذلك نجده في حياة رسول الله ﷺ على
стр. 419
أكمله، وهناك تصرفات فعلها رسول الله ﷺ قد تكون منسوخة، ولكن بقى المنحى العام الذي سار عليه رسول الله ﷺ سُنَّةً ينبغي أخذها بعين الاعتبار، فالحركة الدائمة والتحالفات المستمرة سمتان ينبغي أن تفطن لهما الحركة الإسلامية المعاصرة مع الأخذ بعين الاعتبار الشورى والفتوى والمصلحة الإسلامية العليا.
* إن الذين يشتغلون بالعمل السياسي والعسكري يصبح في حكم البديهي عندهم أن النجاح في المعركة يقتضي أن تقطع طرق الإمداد عن عدوِّك، وأن تخذل عنه ما استطعت، وأن تبقي طرق إمندادك مفتوحة وتجمع حولك ما استطعت، ومن لم تستطع أن تحشده معك فلا أقل أن تُحيده ف يمعركتك مع خصمك الرئيسي، وبقدر نجاح القائد العسكري أو السياسي في مثل هذه الأمور تظهر عبقريته، وقليلون من الساسة والعسكريين هم الذين يستطيعون أن يحققوا هذه المعاني متكاملة دون أن يرتكبوا خطأ، وأقل من القليل الذين يستطيعون أن يفعلوا ذلك دون أن يتناقضوا مع دعواتهم ورسالتهم إن كان لهم دعوة أو رسالة، ولكن رسول الله ﷺ حقق هذه المعاني مجتمعة على كمالها وتمامها، فأي شرف لهذا العالم أن يكون فيه مثل رسول الله ﷺ ؟ وأي قدوة للإنسان هذا الرسول؟.
* وكل العسكريين والسياسيين يدركون أهمية الحركة الداخلية والخارجية في حياة الشعوب والجيوش كما يدركون أهمية التوعية والتربية والثقافة، ولكن القلة هي التي تقدر على أن توائم بين هذه المعاني فتحققها جميعاً، وأقل من القليل هم الذي تكون توعيتهم وتربيتهم وتثقيفهم حقاً وحركتهم ضمن الحدود التي لا تزيد ولا تنقص عن القدر المطلوب، ولكن رسول الله ﷺ حقق هذه المعاني كلها على غاية من الكمال ما كانت لتكن لولا أنه رسول الله ﷺ .
وما حدث في هذه السنة نموذج، ولا يعرف أحد أبعاد هذه المعاني إلا إذا استوعب نصوص الكتاب والسنة واستوعب دروس السيرة.
* ولما كان كثير من مواضيع السيرة تأتي في أمكنة متفرقة من كتب السنة، فنحن ههنا لن نتحدث عن الصغيرة والكبيرة من الحوادث والأحكام فلذلك مقاماته في هذا الكتاب، ولذلك سنقتصر ههنا على أبرز الأحداث.
стр. 420
فصل: في سرية عبد الله بن جحش
٢٦٧ - * روى الطبراني عن جُندبِ بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه بعث رهطاً وبعث عليهم أبا عبيدة فلما ذهب لينطلق، بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فجلس، فبعث عليهم عبد الله بن جحش مكانهُ، وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى بيبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك"، فلما قرأ الكتبا استرجع وقال: سمعٌ وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادي، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية. فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزراً فليس لهم أجر، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
٢٦٨ - * روى الطبراني عن زيد قال: أول رايةٍ رُفعت في الإسلام رايةُ عبد الله بن جحش، وأول مالٍ خُمس في الإسلام مالُ عبد الله بن جحش.
لقد رأينا أن هناك سرايا سبقت سرية عبد الله بن جحش هذه، كما أن هناك غزوة قادها رسول الله ﷺ نفسه وهي غزوة العشيرة، وكانت قبل هذه السرية فالأولية بالنسبة لعلم الراوي، على كل الأحوال فلسرية عبد الله بن جحش هذه أهمية كبيرة في التاريخ؛ فهي التي مهدت لتجاوز فكرة تحريم القتال في الأشهر الحرم، فلقد انطلق الصحابة بعد ذلك وكل أيامهم جهاد، ولو بقيت فكرة تحريم القتال في الأشهر الحرم وهي تلك السنة لأصيب المسلمون بالحرج، ومع ذلك فقد بقي رسول الله ﷺ يلاحظ قدسية الأشهر الحرم
стр. 421
عند العرب وتجنبهم فيها القتال وذلك من مراعاة للرأي العام، وبعضهم يرى أن نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم جاء متأخراً ولا أرى ذلك.
* * *
دروس من هذه السرية:
١ - قال الشيخ الغزالي تعليقاً على هذه الحادثة: ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسماً هذه الأقاويل ومؤيداً مسلك عبد الله تجاه المشركين.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١)
إن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسملين لا مساغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتُهكت كلها في محاربة الإسلام واضطهاد أهله! فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة؟
ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر قتل نبيهم وسلب أموالهم؟ لكن بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته، فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضُها هدم القوانين والدساتير جميعاً.
فالقانون المرعي - عنده في الحقيقة - هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب.
وقد أوضح الله أن المشركين لن يحجزهم شهر حرام أو بلد حرام عن المضي في خطتهم الأصلية، وهي سحق المسلمين، حتى لا تقوم لدينهم قائمة فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٢).
ثم حذر المسلمين من الهزيمة أمام هذه القوى الباغية والتفريط في الإيمان الذي شرفهم
стр. 422
الله به، وناط سعادتهم في الدنيا والآخرة بالبقاء عليه فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).
وزكى القرآن عمل "عبد الله" وصحبه، فقد نفذوا أوامر الرسول بأمانة وشجاعة وتوغلوا في أرض العدو مسافات شاسعة؛ متعرضين للقتل في سبيل الله متطوعين لذلك من غير مكره أو محرج.
فكيف يُجزن على هذا بالتقريع والتخويف؟ قال الله فيهم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
والقرآن في فعال هذه السرية، لم يدع مجالاً للهوادة مع المشركين المعتمدين مما كان له أثره البعيد لدى المسلمين وخصومهم.
فبعد أن كان أغلب المكتتبين في السرايا السابقة من المهاجرين، أخذت البعوث الخارجة تتألف من المهاجرين والأنصار معاً.
وزاد الشعور بأن الكفاح المرتقب قد يطول مداه، وتكثر تبعاته، ولكنه كفاح مستحب، مقرون بالخير العاجل والآجل.
وأدركت مكة أنها مؤاخذة بما جد أو يجد من سيئاتها، وأن تجارتها مع الشام أمست تحت رحمة المسلمين.
وهكذا اتسعت الهوة، وزادت بين الفريقين الجفوة.
وكأن هذه الأحاديث الشداد هي المقدمة لما أعده القدر بعد شهر واحد من وقوعها عندما جمع رجالات مكة. وخيرة أهل المدينة على موعد غير منظور في "بدر".
стр. 423
٣ - لقد جاء قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ قبيل الآية التي تحدثت عن سرية عبد الله بن جحش ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ وقد ربطنا في تفسيرنا بين آية القتال ههنا وبين سورة الأنفال ربطاً غير متعسف ولا متكلف، فههنا يأتي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (١) وفي سورة الأنفال يأتي قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (٢) فغزوة بدر كانت هي المصداقية لحكمة فرضية القتال، فهي التي صدقت أن القتال وإن كان مكروهاً للنفس البشرية لكن فيه خيراً لأهل الإيمان، وبدر هي الدليل، فكم ترتب من خير على غزوة بدر.
* * *
الحكمة في السرايا:
كان مما قاله الدكتور محمد أبو فارس حول فوائد إرسال السرايا والماوشات الأولى:
- إحياء قضية المهاجرين في أنفسهم وعلى المستوى الخارجي: فهم مظلومون مطاردون قد صودرت أموالهم وضيق عليهم في حرية التفكير والقول والتعبد، وبالتالي كان لابد من إحيائها في نفوسهم ليسمعوها للآخرين، وأنه بدون السلاح لا يمكن أن يعطي الآخرون أذناً صاغية للمستضعفين.
- إنهاك الاقتصاد القرشي ومحاصرته، فقد كانت قريش تعتمد على التجارة وكذلك استعادة بعض الحقوق المسلوبة.
- إضعاف قريش عسكرياً وتوجيه ضربة قاصمة لسمعة قريش لإلقاء الرعب في صفوف مقاتليها وإرباكهم.
- رفع معنويات المهاجرين وجعلهم يحطمون الخوف، وإلقاء الرعب في نفوس المشركين
стр. 424
وتحطيم معنوياتهم ورصد تحركات قريش.
- التعرف على طبيعة الأرض التي سيقاتلون عليها.
- وهذه المناوشات استمرار للتدريب العملي وتريبة الكفاءة القتالية عند الجنود في التخطيط والتنفيذ، وفيها تعويد على السرية في التحرك والقتال، وفيها اختبار للرجال والتعرف على معادنهم.
- وفي المناوشات إرهاب العدو الداخلي في المدينة، وإضعاف جبهة الأعداء الخارجية، مع اختبار قدرة العدو، وفوائد أخرى.
* * *
стр. 425
فصل: في تحويل القبلة
قال صاحب الرحيق المختوم: في شعبان سنة ٢ هـ الموافق فبراير (شباط) ٦٢٤ هـ، أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وأفاد ذلك أن الضعفاء والمافقين من اليهود الذين كانوا قد دخلوا في صفوف المسلمين، لإثارة البلبلة انكشفوا عن المسلمين ورجعوا إلى ما كانوا عليه، وهكذا تطهرت صفوف المسلمين عن كثير من أهل الغدر والخيانة.
وفي تحويل القبلة إشارة لطيفة إلى بداية دور جديد لا ينتهي إلا بعد احتلال المسلمين هذه القبلة، أو ليس من العجب أن تكون قبلة قوم بيد أعدائهم، وإن كانت بأيديهم فلابد من تخليصها يوماً ما.
٢٦٩ - * روى البخاري عن البارء بن عازب ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس سنة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً وكان يُعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قومٌ، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قِبلَ مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت.
قال: وفي رواية: وكان الذي مات على القبلة - قبل أن تُحول قِبَلَ البيت - رجالٌ قتلوا لم ندر ما نقول فيهم؟ فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١).
وفي أخرى (٢): وكان رسول الله ﷺ يحبُّ أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهودُ - ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣).