عند العرب وتجنبهم فيها القتال وذلك من مراعاة للرأي العام، وبعضهم يرى أن نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم جاء متأخراً ولا أرى ذلك.
* * *
دروس من هذه السرية:
١ - قال الشيخ الغزالي تعليقاً على هذه الحادثة: ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسماً هذه الأقاويل ومؤيداً مسلك عبد الله تجاه المشركين.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١)
إن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسملين لا مساغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتُهكت كلها في محاربة الإسلام واضطهاد أهله! فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة؟
ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر قتل نبيهم وسلب أموالهم؟ لكن بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته، فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضُها هدم القوانين والدساتير جميعاً.
فالقانون المرعي - عنده في الحقيقة - هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب.
وقد أوضح الله أن المشركين لن يحجزهم شهر حرام أو بلد حرام عن المضي في خطتهم الأصلية، وهي سحق المسلمين، حتى لا تقوم لدينهم قائمة فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٢).
ثم حذر المسلمين من الهزيمة أمام هذه القوى الباغية والتفريط في الإيمان الذي شرفهم
стр. 422
الله به، وناط سعادتهم في الدنيا والآخرة بالبقاء عليه فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).
وزكى القرآن عمل "عبد الله" وصحبه، فقد نفذوا أوامر الرسول بأمانة وشجاعة وتوغلوا في أرض العدو مسافات شاسعة؛ متعرضين للقتل في سبيل الله متطوعين لذلك من غير مكره أو محرج.
فكيف يُجزن على هذا بالتقريع والتخويف؟ قال الله فيهم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
والقرآن في فعال هذه السرية، لم يدع مجالاً للهوادة مع المشركين المعتمدين مما كان له أثره البعيد لدى المسلمين وخصومهم.
فبعد أن كان أغلب المكتتبين في السرايا السابقة من المهاجرين، أخذت البعوث الخارجة تتألف من المهاجرين والأنصار معاً.
وزاد الشعور بأن الكفاح المرتقب قد يطول مداه، وتكثر تبعاته، ولكنه كفاح مستحب، مقرون بالخير العاجل والآجل.
وأدركت مكة أنها مؤاخذة بما جد أو يجد من سيئاتها، وأن تجارتها مع الشام أمست تحت رحمة المسلمين.
وهكذا اتسعت الهوة، وزادت بين الفريقين الجفوة.
وكأن هذه الأحاديث الشداد هي المقدمة لما أعده القدر بعد شهر واحد من وقوعها عندما جمع رجالات مكة. وخيرة أهل المدينة على موعد غير منظور في "بدر".
стр. 423
٣ - لقد جاء قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ قبيل الآية التي تحدثت عن سرية عبد الله بن جحش ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ وقد ربطنا في تفسيرنا بين آية القتال ههنا وبين سورة الأنفال ربطاً غير متعسف ولا متكلف، فههنا يأتي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (١) وفي سورة الأنفال يأتي قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (٢) فغزوة بدر كانت هي المصداقية لحكمة فرضية القتال، فهي التي صدقت أن القتال وإن كان مكروهاً للنفس البشرية لكن فيه خيراً لأهل الإيمان، وبدر هي الدليل، فكم ترتب من خير على غزوة بدر.
* * *
الحكمة في السرايا:
كان مما قاله الدكتور محمد أبو فارس حول فوائد إرسال السرايا والماوشات الأولى:
- إحياء قضية المهاجرين في أنفسهم وعلى المستوى الخارجي: فهم مظلومون مطاردون قد صودرت أموالهم وضيق عليهم في حرية التفكير والقول والتعبد، وبالتالي كان لابد من إحيائها في نفوسهم ليسمعوها للآخرين، وأنه بدون السلاح لا يمكن أن يعطي الآخرون أذناً صاغية للمستضعفين.
- إنهاك الاقتصاد القرشي ومحاصرته، فقد كانت قريش تعتمد على التجارة وكذلك استعادة بعض الحقوق المسلوبة.
- إضعاف قريش عسكرياً وتوجيه ضربة قاصمة لسمعة قريش لإلقاء الرعب في صفوف مقاتليها وإرباكهم.
- رفع معنويات المهاجرين وجعلهم يحطمون الخوف، وإلقاء الرعب في نفوس المشركين
стр. 424
وتحطيم معنوياتهم ورصد تحركات قريش.
- التعرف على طبيعة الأرض التي سيقاتلون عليها.
- وهذه المناوشات استمرار للتدريب العملي وتريبة الكفاءة القتالية عند الجنود في التخطيط والتنفيذ، وفيها تعويد على السرية في التحرك والقتال، وفيها اختبار للرجال والتعرف على معادنهم.
- وفي المناوشات إرهاب العدو الداخلي في المدينة، وإضعاف جبهة الأعداء الخارجية، مع اختبار قدرة العدو، وفوائد أخرى.
* * *
стр. 425
فصل: في تحويل القبلة
قال صاحب الرحيق المختوم: في شعبان سنة ٢ هـ الموافق فبراير (شباط) ٦٢٤ هـ، أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وأفاد ذلك أن الضعفاء والمافقين من اليهود الذين كانوا قد دخلوا في صفوف المسلمين، لإثارة البلبلة انكشفوا عن المسلمين ورجعوا إلى ما كانوا عليه، وهكذا تطهرت صفوف المسلمين عن كثير من أهل الغدر والخيانة.
وفي تحويل القبلة إشارة لطيفة إلى بداية دور جديد لا ينتهي إلا بعد احتلال المسلمين هذه القبلة، أو ليس من العجب أن تكون قبلة قوم بيد أعدائهم، وإن كانت بأيديهم فلابد من تخليصها يوماً ما.
٢٦٩ - * روى البخاري عن البارء بن عازب ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس سنة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً وكان يُعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قومٌ، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قِبلَ مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت.
قال: وفي رواية: وكان الذي مات على القبلة - قبل أن تُحول قِبَلَ البيت - رجالٌ قتلوا لم ندر ما نقول فيهم؟ فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١).
وفي أخرى (٢): وكان رسول الله ﷺ يحبُّ أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهودُ - ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣).
стр. 426
وأخرجه الترمذي (١) قال: لما قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة، صلى نحو بيت المقدس سِتة، أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يُحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ﵎ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) فوجه نحو الكعبة، وكان يُحب ذلك، فصلى رجُل معه العصر، ثم مر على قومٍ من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس. فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وأنه قد وُجه إلى الكعبةِ، فانحرفوا وهم رُكوعٌ.
وأخرجه النسائي (٣) قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم إنه وُجه إلى الكعبة، فمر رجلٌ قد كان صلى مع النبي ﷺ على قومٍ من الأنصار، فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قد وُجه إلى الكعبةِ، فانحرفُوا إلى الكعبة.
٢٧٠ - * روى الطبراني عن تُويلة بنت أسلم وهي من المبايعات قالت: إنا لبمقامنا نُصلي في بني حاثة، فقال عبادُ بن بشر بن قبطي: إن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام والكعبة، فتحول الرجال مكان النساء والسناء مكان الرجال، فصلوا الركعتين الباقيتين نحو الكعبة.
٢٧١ - * روى الطبراني عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ كان يُصلي قِبَلَ بيت المقدس، فلما حُوِّل انطلق رجل إلى أهل قُباء فوجدهم يصلون صلاة الغداة، فقال: إن رسول الله ﷺ أمر أن يُصلى إلى الكعبة فاستدار إمامهم حتى استقبل بهم القبلة.
стр. 427
دروس في تحويل القبلة:
١ - قال الأستاذ الندوي: وكان المسلمون العرب - وقد رضعوا بلبان حب الكعبة وتعظيمها، وامتزج ذلك بلحومهم ودمائهم - لا يعدلون بالكعبة بيتاً، ولا بقبلة إبراهيم وإسماعيل قبلة، وكانوا يحبون أن يصرف إلى الكعبة، وكان في جعل القبلة إلى بيت المقدس محنة للمسلمين، ولكنهم قالوا: سمعنا وأطعنا وقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، فلم يكونوا يعرفون إلا الطاعة لرسول الله ﷺ والخضوع لأوامر الله، وافقت هواهم أم لم توافقها، واتفقت مع عاداتهم أم لم تتفق.
فلما امتحن الله قلوبهم للتقوى واستسلامهم لأمر الله، صرف رسوله والمسلمين إلى الكعبة يقول القرآن:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (١).
٢ - إن لحادثة تحويل القبلة أبعاداً كثيرة: منها السياسي، ومنها العسكري، ومنها الديني البحت، ومنها الترايخي ...
فبعدها السياسي أنها جعلت الجزيرة العربية محور الأحداث، وبعدها التاريخي أنها ربطت هذا العالم بالإرث العربي لإبراهيم ﵊، وبعدها العسكري أنه مهدت لفتح مكة وإنهاء الوضع الشاذ في المسجد الحرام حيث أصبح مركز التوحيد مركزاً لعبادة الأصنام، وبعدها الديني أنها ربطت القلب بالحنيفية وميزت الأمة الإسلامية عن غيرها، والعبادة في الإسلام عن العبادة في بقية الأديان.
* * *
стр. 428
عدد غزواته ﷺ :
٢٧٢ - * روى البخاري عن أبي إسحاق قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له: كم غزا النبي ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة قال: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهم كانت أول؟ قال: ذات العَشَير أو العُسيرة. فذكرت لقتادة فقال: العُشَيرة.
٢٧٣ - * روى الشيخان عن بريدة قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمانٍ منهُن.
قال ابن حجر: قوله (تسع عشرة) كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبي ﷺ فيها بنفسه سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلي من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح وأصله في مسلم، فعلى هذا فات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها ولعلهما الإبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ (قلت ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة) أهـ، والعشيرة كما تقدم هي الثالثة.
وأما قول ابن التين: يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو، أي زيد ابن أرقم، والتقدير: فقلت ما أول غزوة غزاها أي وأنت معه؟ قال: العشير فهو محتمل أيضاً، ويكون قد خفي عليه ثنتان مما بعد ذلك. أو عد الغزوتين واحدة، فقد قال موسى ابن عقبة: "قاتل رسول الله ﷺ بنفسه في مثان: بدر ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف، وأهمل غزوة قريظة؛ لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونها كانت في إثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عد
стр. 429
الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر.
وقد توسع ابن سعد فبلغ عدة المغازي التي خرج فيها رسول الله ﷺ بنفسه سبعاً وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي، وهو مطابق لما عده ابن إسحاق إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهيلي، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: غزا رسول الله ﷺ أربعاً وعشرين، وأخرجه يعقوب بن سفيان عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق فزاد فيه أن سعيداً قال أولاً: ثماني عشرة، ثم قال: أربعاً وعشرين، قال الزهري: فلا أدري أوهم أو كان شيئاً سمعه بعد. قلت: وحمله على ما ذكرته دفع الوهم ويجمع الأقوال، والله أعلم. وأما البعوث والسرايا فعد ابن إسحق ستاً وثلاثين وعد الواقدي ثمانياً وأربعين. وحكى ابن الجوزي في (التلقيح) ستاً وخمسين، وعد المسعودي ستين، وبلغها شيخنا في "نظم السيرة" زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في "الإكليل" أنها تزيد على مائة، فلعله أراد ضم المغازي إليها. أهـ.
لقد كانت مرحلة عجيبة في تاريخ البشرية برجالها وأعمالها وبمجموع ما تم ويكفي أنها وضعت الأمة الإسلامية على طريق الانطلاق في حيوية متجددة، وأنها أسلمت الإسلام لهذا العالم هادياً قوياً دائم التوسع والانتشار، وجعلت العالم القديم كله أمام خيار وحيد إما أن يسلم للحق أو يستسلم لأهله.
* * *
стр. 430
فصل: في غزوة بدر
تمهيد:
لبدر أهمية كبيرة في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي، فلقد تركت بصماتها على كل معارك الإسلام، فلا تجد اندفاعاً نحو الجهاد إلا ودروس بدر وراءه، بل إن سورة الأنفال التي نزلت بسببها هي التي اعتاد المسلمون أن يقرؤها بين يدي القتال، وأن يدرسوها كلما أرادوا جهاداً، ولقد كانت بدر معلماً بارزاً بين مرحلتين مرحلة الضعف ومرحلة القوة ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (١).
ولذلك فقد وجد بعدها النفاق ومن قبل كان كفر وإيمان فقط، ولقد حقق الله بها وعوداً كثيرة وعدها رسوله ﷺ وللمسلمين وأنجز فيها وعيداً كثيراً كان تهدد به الكافرين، وعنها وبها وجدت كثير من أحكام القتال المستقرة وآدابه المستمرة، إن القتال يتفرع عنه الغنيمة والأسر، ولم تنج أمة من انحدار أخلاقي في شأن الغنائم والأسارى إلا هذه الأمة، ولقد كانت غزوة بدر هي الفاتحة لإقامة الصرح الأخلاقي الأعلى في هاتين القضيتين وغيرهما.
كان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً معهم فرسان وحوالي سبعين بعيراً، وكان المشركون ألفاً وثلاثمائة ابتداء، تقلصوا إلى حوالي ٩٥٠ انتهاء، معهم حوالي مائة فرس وستمائة درع وأعداد كبيرة من الجمال، وهؤلاء عرب وهؤلاء عرب، ومع ذلك كانت النتيجة أن هُزِمَ المشركون وانتصر المسلمون، وكانت هزيمة عجيبة غير متوقعة على ضوء عالم الأسباب، قتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وفر الباقون بينما قتل من المسلمين أربعة عشر رجلاً، ستة من الأنصار وثمانية من المهاجرين، إنه في موازين المادة لأمر عجيب، ولكنه في الموازين الإمانية نتيجة عادية، إنها إرادة الله التي لا يقف أمامها شيء، وهذه هي عبرة بدر الكبرى.
стр. 431
عندما تلتقي قوتان ماديتان، ففي ميزان الأسباب تتغلب الأوزان في قوانين الكون، فإذا تعادل السلاح والأرض والمقاتلون والقيادة والوسائل فلا انتصار لإحدى القوتين، وإذا حدث التفاضل فالميزان في النهاية لمن فضل، وإرادة الله غالبة، أما في الموازين الإيمانية فالنصر من عند الله ولو قلت الإمكانات أمام الإمكانات، ففي غزوة بدر كان المشركون متفوقين من بعض النواحي، وكان المسلمون متفوقين من بعض النواحي، ولك يبقى تفوق المشركين من الناحية المادية أوضح ولكن جند الله غلب بفضل الله .
اجتمع على المشركين البطر والغرور والرياء والشقاق وعدم وحدة القيادة، واجتمع للمسلمين أن خذل الله بعض المشركين فانسحبوا، وأنزل الله مطراً قبيل المعركة كان لصالح المسلمين، وأرى الله المشركين المسلمين ضعفيهم أثناء القتال فوهنوا، وأنزل ملائكة وقذف رعباً، وكان رسول الله ﷺ هو القائد وهو أحب قائد في التاريخ لجنده مع طاعة لا مثيل لها، واجتمع مع الحب والطاعة للقائد الدعاء والشورى والإقبال على الشهادة والتنافس على الآخرة، وبذل الجهد في القتال وإحكام الرأي وتجنب الظلم والبغي وحسن الترتيب والتنظيم والسبق إلى الأمكنة الاستراتيجية، وكلها توفيقات سياسية وتأييدات، وللمسلمين مثلها، ومن ثم كان لبدر هذا الشأن العظيم في التاريخ الإسلامي وعند المسلمين فهي كما قال الأستاذ الندوي:
فكل ما حدث من فتوح وانتصارات، وكل ما قام من دول وحكومات، مدين للفتح المبين في ميدان بدر، ولذلك سمى الله هذه المعركة بـ"يوم الفرقان" فقال:
﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (١)
ولأهمية بدر قد ذكرها الله في سورة آل عمران كما أنزل فيها سورة كاملة هي سورة الأنفال، وقد عرضنا ذلك في التفسير، وههنا نعرض بدراً من خلال النصوص الحديثية.
* * *
стр. 432
١ - مقدمات الغزوة
٢٧٤ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵄ عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ : أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي، ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر:
إنكم أوْيتم صاحبنا - وإنا نُقسمُ بالله لتقاتلنه أو لتخرجن، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم - فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبي صلى الله لعيه وسلم فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: "لقد بلغ وعيدُ قريش منكم المبلغ، ما كانت تكيدُكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم" فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهلُ الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن صاحبنا، أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء - وهي الخلاخيل - فلما بلغ كتابُهم النبي ﷺ : اجتمعتْ بنو النضير، بالغدرِ، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ : أُخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك، ويخرجُ منا ثلاثون حبراً، حتى نلتقي بمكا المنصف، فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك، آمنا بك، فقص خبرهم، فلما كان الغد عليهم رسول الله بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: "إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تُعاهدوني عليه"، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا الغد على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النضير، ودعاهُم إلى أن
стр. 433
يُعاهِدوه، فعَاهَدُوه، فانصرف عنهم، وغدا على بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلتْ بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبلُ من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبتها، فكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاهُ الله إياها، وخصهُ بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (١).
يقول: بغير قتالٍ، فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم وقسم منها لرجُلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجةٍ، ولم يقسم لأحدٍ من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي هي في أيدي بني فاطمة ﵄.
٢٧٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ حخدث ع سعد بن معاذٍ أنه قال: كان صديقاً لأمية بن خلفٍ، وكان أميةُ إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكا سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدِمَ رسول الله ﷺ المدينة: انطلق سعدُ معتمراً، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوةٍ، لعليِّ أطوفُ بالبيت، فخرج به قريباً من نصف النهار، فلقيهما أبو جهلٍ، فقال: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا، وقد زعمتم آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله، لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً، فقال له سعدُ - ورفع صوه عليه -: أما والله، لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشدُّ عليك منهُ: طريقك على المدينةِ، فقال له أميةُ: لا ترفعُ صوتَكَ يا سعدُ على أبي الحكم سيد
стр. 434
أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول "إنهم قاتِلُوكَ"، قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعاً شديداً، فلما رجع أمية إلى أهله، قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعدٌ؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمداً أخبرهم: أنهم قاتلي، فقلتُ له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرجُ من مكة، فلما كان يوم بدرٍ استنفر أبو جهلٍ الناس، فقال: أدرِكوا عِيرَكُم، فكرة أمية أن يخرج، فأتاهُ أبو جهلٍ، فقال: يا أبا صفوان، إنك متى ما يراك الناسُ قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي: تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني، فوالله، لأشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان، جهزيني، فقالت له: يا أب صفوان، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا، وما أريد أن أجوز معهم إلا قريباً، فلما خرج أميةُ أخذ لا ينزل منزلاً إلا عقل بعيرهُ، فلم يزل بذلك حتى قتله الله ببدر.
وفي رواية نحوه، إلا أن فيه: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يُمسكُهُ، فغضب سعد، فقال: دعنا منك، فإني سمعتُ محمداً ﷺ : يزعُم أنه قاتِلُكَ، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: والله، ما يكذبُ محمدٌ إذا حدث، فرجع إلى امرأته، فقال: أتعلمين ما قال أخي اليثربي؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمداً يزعُم أنه قاتلي، قالت: فوالله، ما يكذبُ محمدٌ، قال: فلما خرجوا إلى بدرٍ وجاء الصريخُ، قالتْ له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهلٍ: إنك من أشراف الوادي، فسر يوماً أو يومين، فسار معهم، فقتله الله.
قال في الفتح: وفي الحديث معجزات للنبي ﷺ ظاهرة، وما كان عليه سعد بن معاذ من قوة النفس واليقين، وفيه أن شأن العمرة كان قديماً، وأن الصحابة كان مأذوناً لهم في الاعتمار من قبل أن يعتمر النبي ﷺ بخلاف الحج، والله أعلم.
٢٧٦ - * روى الطبراني عن عروة قال: كانت عاتِكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله
стр. 435
صلى الله عليه وسلم ساكنةُ مع أخيها عباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا قبيل بدرٍ ففزعت، فأرسلت إلى أخيها عباس من ليلتها حين فزعت واستيقظت من نومها، فقالت: قد رأيت رؤيا وقد خشيتُ منها على قومك الهلكة، قال: وما رأيتِ؟ قالت: لم أحدثك حتى تُعاهدني أن لا تذكرها، فإنهم إن يسمعوها آذونا فأسمعونا ما لا نُحبُّ، فعاهدها عباسٌ، فقالت: رأيت راكباً أقبل على راحلته من أعلى مكة يصيحُ بأعلى صوته: يا آل غُدّرٍ ويا آل فجرٍ اخرجوا من ليلتين أو ثلاثٍ، ثم دخل المسجد على راحلته فصرخ في المسجد ثلاث صرخات، ومال عليه من الرجال والنساء والصبيان وفزع الناسُ له أشد الفزع، ثم أراه مثل على ظهر الكعبة على راحلته فصرخ ثلاث صرخات يا آل غُدر ويا آل فُجر اخرجوا من ليلتين أو ثلاثٍ حتى أسمع من بين الأخشبين من أهل مكة، ثم عمد لصخرةٍ عظيمةٍ فنزعها من أصلها ثم أرسلها على أهل مكة، فأقبلت الصخرة لها دوي، حتى إذا كانت على أصل الجبل رمضت، فلا أعلم بمكة بيتاً ولا داراً إلا قد دخلها فرقة من تلك الصخرة، فلقد خشيتُ على قومك أن ينزل بهم شر، ففزع عباس، وخرج من عندها، فلقي من ليلته الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان خليلاً للعباس فقص عليه رؤيا عاتكة وأمرهُ أن لا يذكرها لأحدٍ، فذكرها الوليد لأبيه، وذكرها عتبة لخيه شيبة، وارتفع حديثها حتى بلغ أبا جهل بن هشام واستفاضتْ، فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت حتى أصبح، فوجد أبا جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلفٍ وزمعة بن الأسود وأبا البختري في نفرٍ يتحدثون، فلما نظروا إلى عباس يطوفُ بالبيت؛ ناداه أبو جهل بن هشام: يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فائتنا، فلما قضى طوافه أتى فجلس. فقال أبو
стр. 436
جهلٍ: يا أبا الفضل، ما رؤيا رأتها عاتِكة؟ قال: ما رأت من شيءٍ. قال: بلى، أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء، إنا كنا وأنتم كفرسي رهانٍ فاستبقنا المجد منذُ حينٍ، فلما حاذت الركب قلتم: منا نبي، فما بقي إلا أن تقولوا منا نبية، ولا أعلم أهل بيت أكذب رجلاً ولا أكذب امرأة منكم. فآذوه يومئذٍ أشد الأذى، وقال أبو جهلٍ: زعمتُ عاتكة أن الراكب قال: اخرجوا في ليلتين أو ثالث، فلو قد مضت هذه الثلاث تبين لقريش كذبكم، وكتبنا سجلاً، ثم علقناه بالكعبة إنكم أكذبُ بيتٍ في العربِ رجلاً وامرأة، أما رضيتم يا بني قُصي أنكم ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء حتى جئتمونا زعمتم بنبي منكم، فآذوه يومئذ أشد الأذى، وقال له العباسُ: مهلاً يا مُصَفر استهِ هل أنت منتهِ، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك. فقال له ممن حضره: يا أبا الفضل ما كنت بجاهلٍ ولا خرف ونال عباساً من عاتكة أذى شديداً فيما أفشى من حخديثها. فلما كا مساء ليلة الثالثة من الليالي التي رأت فيها عاتكةُ الرؤيا جاءهم الراكب الذي بعث أبو سفيان ضمضمُ بن عمرو الغفاري فقال: يا آل غُدرٍ انفروا فقد خرج محمدٌ وأصحابه ليعرضوا لأبي سفيان فأحرزوا عيركم، ففزعت قريش أشد الفزع وأشفقوا من قِبلَ رؤيا عاتكة ونفروا على كل صعبٍ وذلولٍ.
٢٧٧ - * روى الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بالأجراس أن تُقطع من أعناق الإبل يوم بدر.
وهناك سببان لهذا الأمر:
السبب الأول: كراهة الأجراس لشبهها بالنواقيس، وكان رسول الله ﷺ حريصاً على ألا يبقي مظهراً دينياً غير إسلامي إلا وخالفه أو نقصه أو أدخله في غيره أو أوجد له صيغة استقلالية.
السبب الثاني: عسكري، فالأجراس تدل وتشعر الخصم فتنبهه.
* * *
стр. 437
٢ - صور ومشاهد
٢٧٨ - * روى الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: "إني أُخبرتُ عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قِبَلَ هذا العير لعل الله يُغنمناها" فقلنا: نعم فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوماً أو يومين قال لنا: ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم: فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ولكن أردنا العير، ثم قال: ما ترون في قتال القوم؟ فقلنا مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: إذاً لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. قال: فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكن لنا مال عظيم فأنزل الله على رسوله ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (١) ثم أنزل الله : ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٢) وقال ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (٣) والشوكة القومُ وغير ذات الشوكة العيرُ، فلما وعدنا إحدى الطائفتين إما القوم وإما العير طابت أنفسنا، ثم إن رسول الله ﷺ بعث رجلاً لينظر ما قبل القوم، فقال: رأيتُ سواداً ولا أدري فقال رسول الله ﷺ : "هُم همُ، هلموا أن نتعاد" ففعلنا فإذا نحن ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فأخبرنا رسول الله ﷺ بعدتنا فسره ذلك فحمد الله وقال "عدة رسول الله ﷺ إليهم فقال: "معي معي" ثم إن رسول الله ﷺ قال: "اللهم إني
стр. 438
أنشُدك وعدك" فقال ابن رواحة: يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك ورسول الله ﷺ أفضل مِنْ يشير عليه وإن الله أعظم من أن تنشده وعده فقال: "يا ابن رواحة لأنشدن الله وعده فإن الله لا يُخلف الميعاد" فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله وجوه القوم فانهزموا فأنزل الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١) فقتلنا وأسرنا فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما أرى أن تكون لك أسرى فإنما نحن داعون مؤلفون فقلنا معشر الأنصار: إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ ثم قال: "ادعوا لي عمر" فدُعي له فقال: "إن الله قد أنزل علي": ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
أقول: فيه ابن لهيعة، والملاحظ أن الهيثمي يحسن أحاديث ابن لهيعة ولو كانت عن غير العبادلة، وذلك فيما نعتقد لملحظ دقيق يلحظه الشيخ الهيثمي، ولذلك فإننا كثيراً ما نتابعه على تحسينه في هذا الكتاب لقوة مدركه في الحديث.
٢٧٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الهل عنه قال: بعث رسول الله ﷺ بُسيْسَة، عيناً ينظرُ ما صنعتْ عيرُ أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغيرُ رسول الله ﷺ قال: لا أدري، ما استثنى بعض نسائه .. - قال: فحدثه الحديث، فخرج رسول الله ﷺ فتكلم، فقال: "إن لنا طلبةً، فمن كان ظهره حاضراً فليركبْ معنا" فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في عُلو المدينة، فقال: "إلا من كان ظهره حاضراً" فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ : "لا يُقدمن أحدٌ منكم إلى شيءٍ حتى أكون أنا دونه" فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ : "قُومُوا إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرض" قال: يقول عُمير بن الحُمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات
стр. 439
والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخٍ بخٍ يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : طما يحملك على قولك: بخٍ بخٍ؟ " قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها" قال: فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتِلَ.
قال النووي: قوله: (بعث رسول الله ﷺ بُسَيْسَة عيناً) هكذا هو في جميع النسخ بُسَيْسَة بباء موحدة مضمومة وبسينين مهملتين مفتوحتين بينهما ياء مثناة تحت ساكنة، قال القاضي: هكذا هو في جميع النسخ، قال: وكذا رواه أبو داود وأصحاب الحديث. قال: والمعروف في كتب السيرة بَسْبَس بياءين موحدتين مفتوحتين بينهما سين ساكنة وهو بسبس ابن عمرو، ويقال: ابن بشر من الأنصار من الخزرج، ويقال: حليف لهم، قلت: يجوز أن يكون أحد اللفظين اسماً له والآخر لقباً. وقوله (عيناً) أي: متجسساً ورقيباً. قوله (ما صنعت عير أبي سفيان) هي الدواب التي تحمل الطعام وغيره من الأمتعة، قال في المشارق: العير هي الإبل والدواب تحمل الطعام وغيره من التجارات، قال: ولا تسمى عيراً إلا إذا كانت كذلك. وقال الجوهري في الصحاح: العير الإبل تحمل الميرة وجمعها عيرات بكسر العين وفتح الياء. قوله ﷺ : (إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضراً فليركب) هي بفتح الطاء وكسر اللام أي شيئاً نطلبه والظهر الدواب التي تركب. قوله: (فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم) هو بضم الظاء وإسكان الهاء أي مركوباتهم في هذا استحباب التورية في الحرب وأن لا يبين الإمام جهة إغارته وإغارة سراياه لئلا يشيع ذلك فيحذرهم العدو. قوله (في علو المدينة) بضم العين وكسرها. قوله ﷺ : (لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه) أي قدامه متقدماً في ذلك الشيء لئلا يفوت شيء من المصالح التي لا تعلمونها. قوله: (عمير بن الحمام) بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم. قوله: (بخ بخ) فيه لغتان إسكان الخاء وكسرها منوناً وهي كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير. قوله: (لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها) هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة رجاءة بالمد ونصب التاء، وفي بعضها رجاء بلا تنوين وفي بعضها بالتنوين ممدودان
стр. 440
بحذف التاء، وكله صحيح معروف في اللغة، ومعناه والله ما فعلته لشيء إلا لرجاء أن أكون من أهلها. قوله (فأخرج تمرات من قرنه) هو بقاف وراء مفتوحتين ثم نون أي جعبة النُّشاب (١) ووقع في بعض نسخ المغاربة فيه تصحيف. قوله: (لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي ههذ إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل) فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء. قوله: (وهو بحضرة العدو) هو بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث لغات، ويقال أيضاً بحضر بفتح الحاء والضاد بحذف الهاء. أهـ.
وقال الأستاذ البوطي: يجوز للإمام أن يستعين في الجهاد وغيره بالعيون والمراقبين، يبثهم بين الأعداء ليكتشف المسلمون خططهم وأحوالهم وليتبينوا ما هم عليه من قوة في العدة والعدد. ويجوز اتخاذ مختلف الوسائل لذلك، بشرط أن لا تنطوي الوسيلة على الإضرار بمصلحة هي أهم من مصلحة الاطلاع على حال العدو، وربما استلزمت الوسيلة تكتماً أو نوعاً من المخادعة أو التحايل، وكل ذلك مشروع وحسن من حيث إنه وسيلة لابد منها لمصلحة المسلمين وحفظهم.
٢٨٠ - * روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: كُنا يوم بدرٍ ثلاثة على بعير كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله علي هوسلم قال: وكانت عقبة رسول الله ﷺ فقالا: نحن نمشي عنك فقال: "ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما".
أقول: إن مواساة القائد جنده بقدر ما يستطيع تستخرج من الجندي أقصى الطاقات وأعلى الطاعات وأشد الحب، وحياة الرسول ﷺ مليئة بهذه المواساة والمساواة إلا إذا كان هناك عذر. أو كان هناك تقعيد لمبدأ.
стр. 441
٢٨١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنهم حُفاة فاحملهم، اللهم إنهم عُراة فاكسهُم، اللهم إنهم جياعٌ فأشبعهم" ففتح الله له يوم بدر، فانقلبوا - حين انقلبوا - وما منهم رجل إلا وقد رجع بجملٍ، أو جملين، واكتسوا وشبعوا.
أقول: بعض الروايات تذكر أن عدد المسلمين يوم بدر كانوا (٣١٣) وبعضها تذكر أنهم كانوا (٣١٤)، وبعضها تذكر أنهم كانوا (٣١٥)، وبعضها تذكر انهم كانوا (٣١٧)، وبعضهما تذكر أنهم (٣١٩) وسبب الخلاف يعود إلى أن بعضهم أدخل ما لم يدخله الآخر، فمثلاً هناك روايات صحيحة تذكر حضور أنس وهو صغير، وهناك روايات تذكر أن بعض الناس ردهم الرسول ﷺ إلى المدينة للقيام بأمرها، فبسبب من الإدخال والإخراج تعددت الروايات، عد منهم عثمان بن عفان ولم يحضر، أمره النبي ﷺ أن يمرض امرأته رقية، وكذلك عد منهم قوماً كلفوا بمهمات ولم يحضروا المعركة، وقد وردت أسماء تسعة لم يحضروا وضرب لهم بسهم وأجر ذكروا في هذا الكتاب تحت عنوان من غاب عن بدر وكان كأهلها.
وفي سنن أبي داود (١) عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرامٍ أنه قال: كنت أميحُ (٢) لأصحابي الماء يوم بدرٍ.
وهذا الحديث لم يذكره البخاري ولا الضياء. كذا في البداية والنهاية.
٢٨٢ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا أصحاب محمدٍ تتحدثُ: أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معهُ النهر - ولم يجاوز معه إلا مؤمن - بضعة (٣) وثلاثمائة، وفي رواية قال البراء: لا، والله ما جاوز معه
стр. 442
النهر إلا مؤمن.
٢٨٣ - * روى البخار يعن البراء بن عازب ﵁ قال: اسْتُصْفِرْتُ أنا وابن عُمر يوم بدرٍ، وكان المهاجرون يوم بدرٍ: نيفاً على ستين، والأنصار نيفاً وأ ﴿بعين ومائتين.
٢٨٤ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ دفع الراية إلى علي ﵁ يوم بدرٍ وهو ابن عشرين سنة.
٢٨٥ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ قِبَلَ بدر، فلما كان بحرةِ الوبرة أدركهُ رجُل قد كان يُذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب النبي ﷺ حين رأوه. فلما أدركهُ، قال لرسول الله ﷺ : جئتُ لأتبعُك وأًيب معك، قال له رسول الله ﷺ : "تؤمن بالله ورسوله"؟ قال: لا، قال "فارجع، فلن أستعين بمشركٍ" قالت ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجلُ، فقال له كما قال أول مرةٍ، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرةٍ قال: "فارجع فلن أستعين بمشركٍ" ثم رجع، قال، فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : "فانطلقْ".
وأخرجه الترمذي (١) إلى قوله: "فلن أستعين بمشركٍ" قال: وفي الحديث كلام أكثر من هذا.
стр. 443
وأخرجه أبو داود (١) مختصراً أن رجلاً من المشركين لحق بالنبي ﷺ ليُقاتلَ معهُ، فقال: "ارجعْ"، ثم اتفقا فقال: "إنا لا نستعينُ بمشركٍ".
قال النووي: قوله ﵊: (فارجع فلن أستعين بمشرك) وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له أي أعطاه قليلاً ولا يسهم له، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والجمهور، وقال الزهري والأوزاعي يسهم له والله أعلم.
٢٨٦ - * روى مسلم عن أبي الطفيل ﵀ قال: حدثنا حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجتُ أنا وأبي، حُسيلٌ، فأخذنا كفارُ قريشٍ، فقالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده، وما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه: لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ ، فأخبرناه الخبر، فقال: "انصرفا نفي لهم بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم".
قال النووي: في هذا الحديث جواز الكذب في الحرب، وإذا أمكن التعريض في الحرب فهو أولى، ومع هذا يجوز الكذب في الحرب وفي الإصلاح بين الناس وكذب الزوج لامرأته كما صرح به الحديث الصحيح وفيه الوفاء بالعهد، وقد اختلف العلماء في الأسير يعاهد الكفار أن لا يهرب منهم، فقال الشافعي وأبو حنيفة والكوفيون: لا يلزمه ذلك بل متى أمكنه الهرب هرب، وقال مالك: يلزمه، واتفقوا على أنه لو أكرهوه فحلف لا يهرب لا يمين عليه لأنه مكره، وأما قضية حذيفة وأبيه فإن الكفار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبي ﷺ في غزاة بدر فأمرهما النبي ﷺ بالوفاء. وهذا ليس للإيجاب فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه ولكن أراد النبي ﷺ أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد وإن كان
стр. 444
لا يلزمهم ذلك لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلاً.
٢٨٧ - * روى البخار يعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: شهدتُ من المقداد ابن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبهُ أحبُ إليَّ مما عُدِلَ به: أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا تقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (١) ولكنا نقاتلُ عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك. فرأيت النبي ﷺ أشرق وجههُ وسره، يعني قوله.
وفي رواية (٢): قال المقداد يوم بدرٍ: يا رسول الله، إنا لا نقولُ لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن امضونحن معك. فكأنه سُري عن رسول الله ﷺ .
قال ابن حجر: قوله (مما عدل به) بضم المهملة وكسر الدال المهملة أي وزن أي مِنْ كل شيء يُقابل ذلك من الدنيويات، وقيل من الثواب، أو المرادُ الأعمُّ من ذلك، والمراد المبالغة في عظمة ذلك المشهد، وأنه كان لو خُير بين أن يكون صاحبه وبين أني حصل له ما يقابل ذلك كائناً ما كان لكان حصوله له أحب إليه، وقوله: (لأن أكون صاحبه) هو بالنصب، وفي رواية الكشميهني (لأن أكون أنا صاحبه) ويجوز فيه الرفعُ والنصب، قال ابن مالك: النصب أجود. قوله: (وهو يدعو على المشركين) زاد النسائي في روايته (جاء المقداد على فرسٍ يوم بدر فقال) وذكر ابن إسحاق أن هذا الكلام قاله المقدادُ لما وصل النبي ﷺ الصفراء وبلغهُ أن قريشاً قصدت بدراً وأن أبا سفيان نجا بمن معه فاستشار الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر كذلك، ثم المقدادُ فذكر نحو ما في حديث الباب وزاد "فقال: والذي بعثك بالحق لو سلكت بنا برك الغماد لجاهدنا معك من دونه. قال: فقال: (أشيروا علي) قال: فعرفوا أنه يريد الأنصار، وكان يتخوفُ أن لا يوافقوه لأنهم لم
стр. 445
يبايعوهُ إلا على نُصرته ممن يقصده لا أن يسير بهم إلى العدو، فقال له سعد بن معاذٍ: امض يا رسول الله لما أمرت به فنحنُ معك. قال فسره قوله ونشطه" وكذا ذكره موسى ابن عقبة مبسوطاً، وأخرجه ابن عائذ منْ طريق أبي الأسود عن عروة، وعند ابن أبي شيبة من مرسل علقمة بن وقاص في نحو قصة المقداد (فقال سعد بن معاذ: لئن سرت حتى تأتي برك الغماد يمن من لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى - فذكره وفيه - لعلك خرجت لأمرٍ فأحدث الله غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت" قال: وإنما خرج يريدُ غنيمة ما مع أبي سفيان فأحدث الله له القتال.
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي أيوب قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحنُ بالمدينة: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان، فهل لكم أن تخرجوا إليها لعل الله يغنمناها؟ " قلنا: نعم، فخرجنا. فلما سِرنا يوماً أو يومين قال: "قد أخبروا خبرنا فاستعدوا للقتال" فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، فأعادهُ، فقال له المقداد: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول: إنا معكما مقاتلون. قال: فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا كما قال المقداد. فأنزل الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (١) وأخرج ابن مردويه من طريق محمد ابن عمرو بن علقمة بن وقاص عن أبيه عن جده نحوه، لكن فيه أن سعد بن معاذٍ هو الذي قال ما قال المقداد، والمحفوظ أن الكلام المذكور للمقدا كما في حديث الباب، وان سعد بن معاذ إنما قال: (لو سِرت بنا حتى تبلغ برك الغماد لسرنا معك) كذلك ذكره موسى بن عقبة. وعند ابن عائذ في حديث عروة (فقال سعد بن معاذٍ: لو سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمنٍ) ووقع في مسلم أن سعد بن عبادة هو الذي قال ذلك، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة، وفيه نظر لأن سعد بن عُبادة لم يشهد بدراًن وإن كان يعد فيهم لكونه ممن ضرب له بسهمه كما سأذكره في آخر الغزوة، ويمكن الجمع بأن النبي ﷺ استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي
стр. 446
سفيان، وذلك بين في رواية مسلم ولفظه (أن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان) والثانية: كانت بعد أن خرج كما في حديث الباب؛ ووقع عند الطبراني أن سعد ابن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب، وقد تقدم في الهجرة شرح برك الغماد، ودلت رواية ابن عائذ هذه على أنها من جهة اليمن، وذكر السهيلي أنه رأى في بعض الكتب أنها أرض الحبشة، وكأنه أخذه من قصة أبي بكر مع ابن الدغنة، فإن فيها أنه لقيه ذاهباً إلى الحبشة ببرك الغماد فأجاره ابن الدغنة كما تقدم في هذا الكتاب، ويجمع بأنها من جهة اليمن تقابل الحبشة وبينهما عرض البحر. أهـ.
٢٨٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغهُ إقبالُ أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكرٍ، فأعض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد ابن عبادة، فقال: إيانا تُريدُ يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا، حتى نزلوا بدراً، ووردت عليهم روايا قُريش وفيهم غُلامٌ أسودُ لبني الحجاج، فأخذوهُ، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول. مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل، وعتبةُ، وشيبةُ، وأميةُ بن خلف فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوهُ قال: مالي بأبي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلفٍ في الناس، فإذا قال هذا أيضاً ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يُصلي، فلما رأى ذلك انصرف، وقال: "والذي نفسي بيده، لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوهُ إذا كذبكم" قال: فقال رسول
стр. 447
الله ﷺ : "هذا مصرع فلانس" ويضعُ يدهُ على الأرض هاهنا وهاهنا - قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ .
وأخرجه أبو داود (١)، وأول حديثه: أن رسول الله ﷺ ندب أصحابه، فانطلق إلى بدرٍ، فإذا هم بروايا قريش، فيها عبد أسودُ لبني الحجاج ... وذكر الحديث إلى آخره بتغيير شيءٍ من ألفاظه، ثم قال في آخره: والذي نفسي بيده، ما جاوز أحدٌ منهم عن موضع يد رسول الله ﷺ ، فأمر بهم رسول الله ﷺ ، فأخذوا بأرجُلهم فسُحبوا، فألقوا في قليب بدر.
٢٨٩ - * روى الطبراني عن عبد الله يعني ابن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحبي الذي إلى جانبي أتراهُم سبعين؟ قال: أراهم مائة، حتى أخذنا منهم رجلاً فسألناه قال: كنا ألفاً.
وقد ذكرنا الحديث مع أن فيه عنعنة ابن إسحاق لما يشهد له من ظاهر النصوص القرآنية كما ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية فقال:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ (٢) فعندما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وليس هذا معارضاً لقوله تعالى في سورة آل عمران ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ
стр. 448
يَشَاءُ﴾ (١) فإن المعنى في ذلك على أصح القولين أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضاً، وذلك عند التحام الحرب والسابقة أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا فاستدرجهم أولاً بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلاً، ثم أيد المؤمنين بنصره فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا. ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
أقول: كان هذا من فعل الله لرسوله وللمؤمنين، ولو أخلص المسلمون وأحسنوا لوجدوا التوفيقات والتأييدات تحفهم من كل جانب.
وقد علل الله لإراءته المسلمين المشركين قلة بقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ (٢).
إن هذا التعليل يوحي بأشياء كثيرة: منها: أولاً: أن المسلمين يحكمهم عالم الأسباب فعندما يرون أن القوى غير متكافئة لابد أن يختلفوا في أمر القتال هل يقاتلون أو لا يقاتلون؟ فالله بحكمته جنبهم هذا الموقف يوم بدر، ولكن هذا الموقف يمكن أن يواجه المسلمين في كل لحظة فعلى قياداتهم أن تلاحظ ذلك أولاً في الموازنات التي تسبق القرار. ثانياً: في القرار نفسه، ثالثاً: في الخطة المناسبة على ضوء تفاضل القوى، رابعاً: في الإعداد النفسي والتدريبي، خامساً: في إدارة المعركة.
٢٩٠ - * روى الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "من استطعتم أن تأسروه من بني عبد المطلب فإنهم خرجوا كرهاً".
معنى الحديث: من استطعتم عليه من بني عبد المطلب فأسروه ولا تقتلوه.
تعليق: لم تكن قريش كلها مقتنعة بههذ الحرب ولذلك خرج بعضهم ثم نكص وبعضهم
стр. 449
لم يخرج أصلاً. وقد عرض ابن كثير صورة عن هذه الأمور في البداية والنهاية قال: وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي - وكان حليفاً لبني زهرة - وهم بالجحفة: يا بني زهرة قد نجي الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجا في غير ضيعة لا ما يقول هذا. قال: فرجعوا فلم يشهدها زُهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعاً ولم يكن بقي بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس إلا بني عدي لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس فلم يشهد بدراً من هاتين القبيلتين أحد. قال: ومضى القوم وكان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة. فقالوا: والله لقد عرفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أن هواكم مع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع.
٢٩١ - * روى البزار عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزل المسلمون بدراً وأقبل المشركون نظر رسول الله ﷺ إلى عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر فقال: "إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر، إن يُطيعوه يرشدوا" وهو يقول: يا قوم أطيعُوني في هؤلاء القوم فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه فاجعلوا جبنها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمداً وأصحابه، إنما محمدٌ وأصحابه كأكلة جزور لو قد التقينا، فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قوماً يضربونكم ضرباً، اما ترون كأن رؤوسهم الأفاعي وكأن وجُوههم السيوفُ، ثم دعا أخاه وابنه فخرج يمشي بينهُما ودعا بالمبارزة.
٢٩٢ - * روى الإمام أحمد عن علي قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها
стр. 450
فاجتويناها وأصابنا بها وعك وكان النبي ﷺ يتخبرُ عن بدرٍ، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله ﷺ إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركون إليها فوجدنا فيها رجُلين منهم رجلاً من قريش ومولى لعقبة بن أبي مُعيط، فأما القرشي فانفلت وأما مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثيرٌ عددهُم، شديدٌ بأسُهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى النبي ﷺ فقال له: "كم القومُ" قال: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجهد رسول الله ﷺ أن يُخبره كم هم فأبى، ثم إن النبي ﷺ سأله: "كم ينحرُون من الجزور" قال: عشراً كل يوم. فقال رسول الله ﷺ : "القوم ألفٌ كل جزور لمائة وتبعها" ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظلُ تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: "اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبدُ" قال: فلما أن طلع الفجرُ، نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجفِ فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرض على القتال ثم قال: إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل" فلما دنا القوم منا وصففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسيرُ في القوم فقال رسول الله ﷺ : "يا علي ناد حمزة" وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن يكن في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر" فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم: يا قوم إني أرى قوماً مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبُن عتبة بن ربيعة وقد علمتم أني لستُ بأجبنكم فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقولُ
стр. 451
ذلك والله لو غيرك يقول لأعضضته، قد ملئت رئتك رُعباً فقال عتبة: إياي تعني يا مصفر إسته ستعلم اليوم أينا الجبان قال: فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنهُ الوليد حمية، فقالوا: من يبارز؟ فخرج فتيةُ من الأنصار ستة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من بني عمنا من بني عبد المطلب. فقال رسول الله صلى الله عليه سولم: "قم يا عليٌّ وقم يا حمزةُ وقم يا عبيدة بن الحرث بن المطلب" فقتل الله شيبة وعتبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة، فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيراً، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني، أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله قال: "سكت فقد أيدك الله بملك كريم" قال علي ﵇ فأسرنا من بني عبد المطلب العباس عقيلاً ونوفل بن الحارث.
٢٩٣ - * روى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: تقدم عتبةُ بن ربيعة، وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلتُ إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحدٍ منهما صاحبهُ ثم ملنا على الوليد، فقتلناه، واحتملنا عبيدة
стр. 452
وفي رواية ذكرها رزين: لما كان يومُ بدر تقدم عتبةُ بن ربيعة، وشيبة أخوه، والوليد بن عتبة ... وذكره، وفيها: إنما أردنا أكفاءنا من بني عمنا. وفيه قال علي: فما أنا وحمزة: فأنجزنا صاحبينا، وأما عبيدة والوليد: فأثخن كل واحد منهما صاحبه ... وذكره.
أقول: أخرج النبي ﷺ للمبارزة ثلاثة هم أقرب الناس إليه نسباً فلم يكن له ولد ذكر أو أخ أو أب وكان أقرب الناس منه حمزة عمه وعلي ابن عمه وعبيدة ابن عمه الأعلى وهذا يعلمنا ألا نبخل بأقرب الناس منا لنقدمهم للجهاد ونعرضهم للشهادة، وكان في هذا درس للصحابة والمسلمين بليغ.
٢٩٤ - * روى البزار عن عبد الله يعني ابن سمعود قال: كان سعد يقاتل مع رسول الله صلى الله لعي هوسلم يوم بدر قتال الفارس والراجل.
٢٩٥ - * روى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (١) قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ: عليٌّ، وحمزةُ، وعبيدةُ، وشيبةُ ابن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
وفي رواية أن علياً قال: فينا نزلت هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.
٢٩٦ - * روى البخاري عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال قيس بن عُبادٍ: سمعت أبا ذر يُقسم قسماً أن هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في الذين برزوا يوم بدرٍ: حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.
стр. 453
٢٩٧ - * روى أحمد عن عتبة بن عبد السُّلمى أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "قوموا فقاتلوا" قالوا: نعم يا رسول الله ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇ انطلق أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدن، ولكن انطلق أنت وربك يا محمد فقاتلا وإنا معكم نُقاتل.
٢٩٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال - وهو في قبةٍ يوم بدر -: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، الهلم إن تشأ لا تُبعدُ بعد اليوم" فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، وهو يثبُ في الدرع، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (١).
قال في الفتح: وعن سعيد بن منصور من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وتكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله ﷺ وهو في صلاته: "اللهم لا تودع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تترُني".
وعند الطبراني بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: "ما سمعنا مناشداً ينشد ضالة أشد مناشدة من محمد لربه يوم بدر: طاللهم إني أنشدك ما وعدتني" قال السهيلي: سبب شدة اجتهاد النبي ﷺ ونصبه ف الدعاء لأنه رأى الملائكة تنصب في القتال، والأنصار يخوضون غمار الموت، والجهاد تارة يكون بالسلاح وتارة بالدعاء، ومن السنة أن يكون الإمام وراء الجيش لأنه لا يقاتل معهم فلم يكن ليريح نفسه، فتشاغل بأحد الأمرين وهو الدعاء. قوله: (اللهم إن شئت لم تعبد) في حديث عمر "اللهم إن تهلك هذه العصابه من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". أما "تهلك" فبفتح أوله وكسر اللام، "والعصابة" بالرفع، وإنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك هو ومن معه حينئذ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، ولاستمر المشركون يعبدون غير الله، فالمعنى لا يعبد في الأرض
стр. 454
بهذه الشريعة، ووقع عند مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال هذا الكلام أيضاً يوم أحد، وروى النسائي والحاكم من حديث علي قال: "قاتلت يوم بدر شيئاً من قتال، ثم جئت فإذا رسول الله ﷺ يقول في سجوده: "يا حي يا قيوم" فرجعت فقاتلت، ثم جئت فوجدته كذلك".
قال الخطابي: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي ﷺ في تلك الحال، بل الحامل للنبي ﷺ على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، لأنه كان أول مشهد شهده، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينةن فلهذا عقب بقوله "سيهزم الجمع" انتهى ملخصاً.
قوله (فخرج وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر) وفي رواية أيوب عن عكرمة عن ابن عباس لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ قال عمر: أي جمع يهزم؟ قال: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع ويقول: (سيهزم الجمع) أخرجه الطبري وابن مردويه. وله من حديث أبي هريرة عن عمر: (لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أي جمع يهزم؟) فذكر نحوه وهذا مما يؤيد ما قدمته أن ابن عباس حمل هذا الحديث عن عمر ...) أهـ.
٢٩٩ - * روى البخاري عن أبي أسيد ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر: "إذا أكثبوكم" يعني أكثروكم وفي أخرى يعني: أكثروكم - "فارموهم، واستبقوا نبلكُم".
وفي أخرى لأبي داود (١) "إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم".
стр. 455
طرفاها، قال عُروةُ: فسأله إياها رسول الله ﷺ ، فأعطاهُ، فلما قُبِضَ رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر، فأعطاه، فلما قُبِضَ أبو بكر سألها إياه عمرُ، فأعطاهُ إياها، فلما قُبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه، فأعطاه إياها، فلما قُتل عثمان وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قُتِل.
أقول: هذا الحديث يصلح أصلاً لفكرة المتاحف على أن يلحظ حدود الجائز في شأنها.
٣٠١ - * روى أبو يعلي عن علي بن أبي طالب قال: كنتُ على قليبٍ فكنتُ يوم بدرٍ أميحُ وأمتح منه فجاءت ريح شديدة، ثم جاءت ريح شديدة شديدة فلم أر ريحاً أشد منها إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة، فكانت الأولى ميكائيل في ألف من الملائكة عن يمين النبي ﷺ ، والثانية إسرافيل في ألف من الملائكة عن يسار النبي ﷺ ، والثالثة جبريل في ألف من الملائكة وكان أبو بكر عن يمينه، وكنتُ عن يساره، فلما هزم الله الكفار حملني رسول الله ﷺ على فرسه، فلما استويت عليه حمل بي فصرتُ على عنقه فدعوتُ الله فثبتني عليه فطعنت برُمحي حتى بلغ الدم إبطي.
٣٠٢ - * روى الطبراني عن عروة قال: نزل جبريل ﵇ يوم بدر على سيما الزبير، وهو معتجر بعمامة صفراء.
٣٠٣ - * روى البزار عن علي قال: قال لي النبي ﷺ ولأبي بكر يوم بدرٍ: "مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيلُ ملك عظيم يشهدُ القتال، أو
стр. 456
قال في الفتح: والذي يظهر لي أن معنى قوله "واستقبوا نبلكم" لا يتعلق بقوله "ارموهم" وإنما هو كالبيان للمراد بالأمر بتأخير الرمي حتى يقربوا منهم، أي إنهم إذا كانوا بعيداً لا تصيبهم غالباً، فالمعنى استبقوا نبلكم في الحالة التي إذا رميتم بها لا تصيب غالباً وإذا صاروا إلى الحالة التي يمكن فيها الإصابة غالباً فارموا. أهـ.
* * *
عوامل النصر
جرت عادة القادة في الحروب أنهم يتقدمون لجندهم بتوجيهات القتال بين يدي المعركة الملاحظ من خلال هذا الحديث وغيره مما مر معنا ويمر ما يلي:
١ - أن توجيهات القتال كانت واضحة وحكيمة.
٢ - أن التعبئة النفسية كانت على أرقاها وأعلاها.
٣ - أن القناعة بالمعركة كانت كاملة.
وكل ذلك كانت عوامل مناسبة للوصول إلى النصر وهي جزء من عالم الأسباب الذي يجب أن يلاحظه المسلمون في معاركهم.
٣٠٠ - * روى البخاري عن الزبير بن العوام القرشي قال: لقيتُ يوم بدرٍ عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج، لا يُرى منه إلا عيناهُ، وكان يُكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملتُ عليه بالعنزة، فطعنته في عينه، فمات، قال فأخبرتُ أن الزبير قال: لقد وضعتُ رجلي عليه، ثم تمطأت فكان الجُهد: أن نزعتُها، وقد انثنى
стр. 457
يكون في الصف".
٣٠٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم بدرٍ: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب".
٣٠٥ - * روى الحاكم عن أبي أمامة بن سهل قال: قال لي أبي: يا بُني لقد رأيتُنا يوم بدرٍ وإن أحدنا ُشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه.
٣٠٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدرٍ نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسع عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه سولم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تُعبدُ في الأرض" فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كذاك مُناشدتك ربك، فإنه سينجزُ لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) فأمده الله بالملائكة، قال سِماك: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجلٍ من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزُوم فنظر إلى المشرك أمامهُ خر مستلقياً، فنظر إليه،
стр. 458
فإذا هو قد خُطِمَ أنفه وشُق وجهه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ، فحدث بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "صدقت، ذلك منْ مددِ السماء الثالثة" فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين، قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قلتُ: لا والله، يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمكنا، فنضرب أعناقهم، فتُمكن علياً من عقيلٍ فيضرب عنقه، وتمكني من فلان -نسيباً لعمر - فأضربه عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئتُ، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكير أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١). فأحل الله الغنيمة لهم.
وأخرج الترمذي (٢) منه إلى قوله: فأمده الله بالملائكة.
стр. 459
وأخرج أبو داود (١) منه طرفاً قال: حدثني عمرُ بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر، فأخذ - يعني النبي ﷺ الفداء، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء، ثم أحل لهم الغنائم.
٣٠٧ - * روى البخاري (٢) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهلٍ؟ قلت: نعم، ما حاجتُك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرتُ أنه يسُبُّ رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سوادهُ حتى يموت الأعجلُ منا، قال: فتعجبت لذلك، قال: فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله فأخبراه، فقال: "أيكما قتله؟ " قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: "كلاكما قتله سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح"، وكانا معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء.
وفي أخرى (٢) قال: إني لفي الصفة يوم بدر، إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري
стр. 460
فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانها، إذ قال لي أحدهما سِراً من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي وماتصنعُ به؟ قال: عاهدت الله إن رأيتُه أن أقتله أو أمُوت دُونه، فقال لي الآخر سراً من صاحبه مثله، قال: فماسرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إيه فشدا عليه مثل الصقرين، حتى ضرباه، وهُما ابنا عفراء.
٣٠٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ يوم بدر "مَنْ ينظر ما صنع أبو جهل" فانطلق ابن مسعود فوجَدَهُ قد ضربه ابنا عفراء، حتى برد فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجُلٍ قتلتموه؟ أو قال: قتلهُ قومه؟
وفي رواية: قال أبو جهلٍ: فلو غير أكار قتلني.
٣٠٩ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: أدركتُ أبا جهلٍ يوم بدر صريعاً، فقلتُ: أي عدو الله قد أخزاك الله قال: وبما أخزاني من رجل قتلتموه. ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولايَحْتَكُّ فيه شيء ومعه سيف له جيد فضربت يده فوقع السيف من يده فأخذته، ثم كشفتُ المغفر عن رأسه فضربتُ عنقهُ، ثم أتيتُ النبي ﷺ فأخبرته فقال: "الله الذي لا إله إلا هو" قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: "انطلق فاستثبتْ" فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر ثم جئتُ وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرتُهُ، فقال رسول الله ﷺ : "انطلق" فانطلقتُ معه، فأريتُه فلما وقف عليه ﷺ قال: "هذا فرعونُ هذه الأمةِ"