← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال في الفتح: والذي يظهر لي أن معنى قوله "واستقبوا نبلكم" لا يتعلق بقوله "ارموهم" وإنما هو كالبيان للمراد بالأمر بتأخير الرمي حتى يقربوا منهم، أي إنهم إذا كانوا بعيداً لا تصيبهم غالباً، فالمعنى استبقوا نبلكم في الحالة التي إذا رميتم بها لا تصيب غالباً وإذا صاروا إلى الحالة التي يمكن فيها الإصابة غالباً فارموا. أهـ. * * * عوامل النصر جرت عادة القادة في الحروب أنهم يتقدمون لجندهم بتوجيهات القتال بين يدي المعركة الملاحظ من خلال هذا الحديث وغيره مما مر معنا ويمر ما يلي: ١ - أن توجيهات القتال كانت واضحة وحكيمة. ٢ - أن التعبئة النفسية كانت على أرقاها وأعلاها. ٣ - أن القناعة بالمعركة كانت كاملة. وكل ذلك كانت عوامل مناسبة للوصول إلى النصر وهي جزء من عالم الأسباب الذي يجب أن يلاحظه المسلمون في معاركهم. ٣٠٠ - * روى البخاري عن الزبير بن العوام القرشي قال: لقيتُ يوم بدرٍ عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج، لا يُرى منه إلا عيناهُ، وكان يُكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملتُ عليه بالعنزة، فطعنته في عينه، فمات، قال فأخبرتُ أن الزبير قال: لقد وضعتُ رجلي عليه، ثم تمطأت فكان الجُهد: أن نزعتُها، وقد انثنى

стр. 457

يكون في الصف". ٣٠٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم بدرٍ: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب". ٣٠٥ - * روى الحاكم عن أبي أمامة بن سهل قال: قال لي أبي: يا بُني لقد رأيتُنا يوم بدرٍ وإن أحدنا ُشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه. ٣٠٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدرٍ نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسع عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه سولم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تُعبدُ في الأرض" فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كذاك مُناشدتك ربك، فإنه سينجزُ لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) فأمده الله بالملائكة، قال سِماك: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجلٍ من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزُوم فنظر إلى المشرك أمامهُ خر مستلقياً، فنظر إليه،

стр. 458

فإذا هو قد خُطِمَ أنفه وشُق وجهه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ، فحدث بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "صدقت، ذلك منْ مددِ السماء الثالثة" فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين، قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قلتُ: لا والله، يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمكنا، فنضرب أعناقهم، فتُمكن علياً من عقيلٍ فيضرب عنقه، وتمكني من فلان -نسيباً لعمر - فأضربه عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئتُ، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكير أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١). فأحل الله الغنيمة لهم. وأخرج الترمذي (٢) منه إلى قوله: فأمده الله بالملائكة.

стр. 459

وأخرج أبو داود (١) منه طرفاً قال: حدثني عمرُ بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر، فأخذ - يعني النبي ﷺ الفداء، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء، ثم أحل لهم الغنائم. ٣٠٧ - * روى البخاري (٢) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهلٍ؟ قلت: نعم، ما حاجتُك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرتُ أنه يسُبُّ رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سوادهُ حتى يموت الأعجلُ منا، قال: فتعجبت لذلك، قال: فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله فأخبراه، فقال: "أيكما قتله؟ " قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: "كلاكما قتله سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح"، وكانا معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء. وفي أخرى (٢) قال: إني لفي الصفة يوم بدر، إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري

стр. 460

فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانها، إذ قال لي أحدهما سِراً من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي وماتصنعُ به؟ قال: عاهدت الله إن رأيتُه أن أقتله أو أمُوت دُونه، فقال لي الآخر سراً من صاحبه مثله، قال: فماسرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إيه فشدا عليه مثل الصقرين، حتى ضرباه، وهُما ابنا عفراء. ٣٠٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ يوم بدر "مَنْ ينظر ما صنع أبو جهل" فانطلق ابن مسعود فوجَدَهُ قد ضربه ابنا عفراء، حتى برد فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجُلٍ قتلتموه؟ أو قال: قتلهُ قومه؟ وفي رواية: قال أبو جهلٍ: فلو غير أكار قتلني. ٣٠٩ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: أدركتُ أبا جهلٍ يوم بدر صريعاً، فقلتُ: أي عدو الله قد أخزاك الله قال: وبما أخزاني من رجل قتلتموه. ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولايَحْتَكُّ فيه شيء ومعه سيف له جيد فضربت يده فوقع السيف من يده فأخذته، ثم كشفتُ المغفر عن رأسه فضربتُ عنقهُ، ثم أتيتُ النبي ﷺ فأخبرته فقال: "الله الذي لا إله إلا هو" قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: "انطلق فاستثبتْ" فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر ثم جئتُ وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرتُهُ، فقال رسول الله ﷺ : "انطلق" فانطلقتُ معه، فأريتُه فلما وقف عليه ﷺ قال: "هذا فرعونُ هذه الأمةِ"

стр. 461

٣١٠ - * روى الطبراني عن حَكِيمِ بن حِزامٍ قال: سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرضِ كأنه صوتُ حصاةٍ في طستٍ ورمَى رسولُ الله ﷺ بتلك الحصاة فانهزمنا. ٣١١ - * روى البزارُ عن ابن عباسٍ، قال: أخذتْهم ريحٌ عقيمٌ يوم بدر. ٣١٢ - * روى الطبراني عن ابن عباس، أن النبي قال لعلي: "ناولني كفاً من حصى" فناوله، فرمى به وجوه القوم فما بقي أحدٌ من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ...﴾ (١). أقول: وهكذا اجتمع في بدر الأخذ بالأسباب بالقدر الممكن مع التوفيق الرباني في تهيئة جميع أسباب النصر متعاونة متكافئة مع التأييدات الرباينة الخارقة والغيبية، ففي عالم الأسباب تشكل دراسة الأرض والطقس ووجود القيادة والثقة بها والروح المعنوية لبناتٍ أساسية في صحة القرار العسكري، ولقد كانت الأرض لصالح المسلمين وكان الطقس مناسباً للمعركة، والقيادة الراقية موجودة والثقة بها عالية والروح المعنوية سابقة، وبعض من هذه المعاني كان من الله بشكل مباشر وتوفيقه وبعضها كان من فعل رسول الله ﷺ أخذاً بالأسباب المطلوبة فتضافر الأخذ بالأسباب مع توفيق الله وزيد على ذلك التأييدات الغيبية والخارقة فكان ما كان، وذلك نموذج على ما يعطاه المسلمون بفضل الله إذا ما صلحت النيات عند الجند والقادة ووجدت الاستقامة على أمر الله، وأخذ المسلمون بالأسباب. * * *

стр. 462

٣١٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن أمْ الرُّبيع بنت البراء - وهي أم حارثة بن سُراقة - أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا نبي الله لا تحدثني عن حارثة - وكان قُتِلَ يوم بدر، أصابه سهم غرب - فإن كان في الجنة صبرتُ، وإن كان غيرُ ذلك اجتهدتُ عليه في البكاء؟ قال: "يا أم حارثة، إنها جنانٌ في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى". وفي رواية (١): قال أنس: أصيب حارثةُ يوم بدر وهو غلامٌ، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبرُ وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: "ويْحَكِ - أو هَبِلْتِ - أو جنة واحدة هي؟ إنها جنانٌ كثيرةٌ، وإنه في جنة الفردوس". وزاد رَزِين: "وإنه في الفردوس الأعلى. وسقفُه عرشُ الرحمن، ومنه تفجر أنهارُ الجنةِ، وإن غدوةً في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوس أحدكم - أو موضع قِدِّه - من الأرض في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعتْ إلى الأرض لأضاءت الدنيا وما فيها، ولنصيفُها - يعني خمارها - خيرٌ من الدنيا وما فيها". ٣١٤ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عباس، ذكر حديث المبارزة وأن عُتْبة بن ربيعة قتل عُبيدة بن الحارث مبارزة ضربه عتبةُ على ساقه فقطعها فحمله رسول الله ﵌ فمات بالصفراء مُنصرفِهِ من بدرٍ فدفنه هنالك.

стр. 463

٣١٥ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: كاتبتُ أمية بن خلفٍ كتاباً: بأن يحفظني في صاغيتي بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرتُ (الرحمن) قالك لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان لك في الجاهلية، فكاتبته (عبد عمرو) فلما كان يوم بدر خرجتُ إلى جيلٍ لأحرزه حين نام الناس فأبصره بلالٌ، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال: أمية بن خلفٍ، لا نجوتُ إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيتُ أن يلحقونا خلفت لهم ابنه، لأشغلهُم به، فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعُونا، وكان رجلاً ثقيلاً. فلما أدركونا قلتُ له: ابْرُك، فبَرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتجللوُه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن يُرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه. وفي رواية: فلما كان يوم بدر، حصللي درعان، فلقيني أمية فقال: خُذني وابني، فأنا خيرٌ لك من الدرعين، أفتدي منك، فرآه بلالٌ، فقال: أمية رأسُ الكفر، لا نجوتُ إن نجا أمية، فقتلهُما، فكان ابن عوفٍ يقول: يرحمُ الله بلالاً، فلا درعي ولا أسيري. قال في الفتح: قوله: (بأن يحفظني في صاغيتي) الصاغية بصاد مهملة وغين معجمة خاصة الرجل، مأخوذ من صغى إليه إذا مال. قال الأصمعي: صاغية الرجل كل من يميل إليه، ويطلق على الأهل والمال. وقال ابن التين: رواه الداودي ظاعنتي بالظاء المشالة المعجمة والعين المهملة بعدها نون، ثم فسره بأنه الشيء الذي يسفر إليه قال ولم أر هذا لغيره. قوله: (لا أعرف الرحمن) أي لا أعترف بتوحيده، وزاد ابن إسحق في حديثه أن أمية بن خلف كان يسميه عبد الإله. قوله: (حين نام الناس) أي رقدوا، وأراد بذلك اغتنام غفلتهم ليصون دمه. قوله (فقال: أمية بن خلف) بالنصب على الإغراء، أي عليكم أمية، وفي راية أبي ذر بالرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا أمية. قوله: (خلفت لهم

стр. 464

ابنه) هو علي بن أمية، ووجه أخذ الترجمة من هذا الحديث أن عبد الرحمن بن عوف وهو مسلم في دار الإسلام فوض إلى أمية بن خلف وهو كافر في دار الحرب ما يتعلق بأموره، والظاهر اطلاع النبي ﷺ عليه ولم ينكره، قال ابن المنذر: توكيل المسلم حربياً مستأمناً وتوكيل الحربي المستأمن مسلماً لا خلاف في جوازه. قوله (وكان رجلاً ثقيلاً) أي ضخم لجثة. ٣١٦ - * روى الطبراني عن شقيق أن ابن مسعود حدثهُ: أن الثمانية عشر الذين قُتلوا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر جعل الله أرواحم في الجنة في طيرٍ خُضْرٍ تسرحَ في الجنة، فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربُّك اطلاعة، فقال: يا عبادي ماذا تشتهون؟ فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا شيء قال: فيقول عبادي ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة ترُدُّ أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قُتِلْنا. أقول: المشهور أن الذين استشهدوا من المسلمين يوم بدر أربعة عشر فلعل ذكر الثمانية عشر ههنا وهم، وقد ذكر أسماء الشهداء ابن كثير في البداية والنهاية فقال: وكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً: من المهاجرين ستة وهم: عُبيدة بن الحارث بن المطلب قطعت رجله فمات بالصفراء ﵀، وعُمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزُّهري قتله العاص بن سعيد وهو ابن ست عشرة سنة ويقال إنه كان قد أمره رسول الله ﷺ بالرجوع لصغره فبكى فأذن له في الذهاب فقتل ﵁، وحليفهم ذو الشمالين بن عبد عمرو الخُزاعي، وصفوان بن بيضاء، وعاقلُ بن البُكير الليثي حليف بني عدي، ومهجع مولى عمر بن الخطاب وكان أول قتيل قُتِلَ من المسلمين يومئذ، ومن الأنصار ثمانية وهم: حارثة بن سراقة رماه حِبان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فمات، ومُعوذ وعوف ابنا عفراء، ويزيد بن الحارث - ويقال ابن قُسْحُم - وعُمير بن الحمام، ورافع بن المعلي وسعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر رضي الله عن جمعيهم. ٣١٧ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما فرغ رسول الله

стр. 465

صلى الله عليه وسلم من بدرٍ قيل له: عليك العيرُ، ليس دُونها شيءٌ، قال: فناداه العباس وهو في وثاقِهِ: لا يصلحُ، وقال لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. قال صاحب الفتح الرباني: العير بكسر العين الإبل بأحمالها يعني عير أبي سفيان التي كان رسول الله ﷺ خرج بالمسلمين من المدينة يريدها فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا إليها وسبقت العير المسلمين، فلما فاتهم العدو نزل النبي ﷺ بالمسلمين بدراً فوقع القتال، وهذه العير يقال كانت ألف بعير وكان المال خمسين ألف دينار وكان فيها ثلاثون رجلاً من قريش وقيل أربعون وقيل ستون، (ليس دونها شيء) أي ليس دون العير شيء يزاحمك، (فناداه العباس) يعني ابن عبد المطلب وكان إذ ذاك أسيراً (في وثاقه) بكسر الواو وفتحها ما يشد به من قيد وحبل ونحوهما (لايصلح لك) أي لا ينبغي لك. المراد بالطائفتين العير والنفير فكان في العير أبو سفيان ومن معه كعمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل وما معه من الأموال، وكان في النفير أبو جهل وعتبة بن ربيعة وغيرهم من روساء قريش، زاد الترمذي قال: أي النبي ﷺ (صدقت) أي فيما قلت. أهـ. ٣١٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ عن أبي طلحة قال: إن نبي الله ﷺ ، أمر يوم بدرٍ بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قُريش، فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدرٍ خبيثٍ مُخبثٍ، وكان إذا ظهر على قومٍ أقام بالعرصة ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدر اليوم الثالث: أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى، واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطقُ إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الرِّكيِّ فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلانُ بن فلانٍ، ويا فلان بن فلانٍ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ " فقال عمر: يا رسول الله ما تُكلم من أجسادٍ لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسُ محمدٍ

стр. 466

بيده، ما أنتم بأسمع لما أقولُ منهم" قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخاً، وتصغيراً، ونقمة، وحسرة، وندماً. قال صاحب فتح الباري: وسيأتي من حديث البراء أن قتلى بدر من الكفار كانوا سبعين، وكأن الذين طرحوا في القليب كانوا الرؤساء منهم ثم من قريش، وخصوا بالمخاطبة المذكورة لما كان تقدم منهم من المعاندة، وطرح باقي القتلى في أمكنة أخرى. وأفاد الواقدي أن القليب المذكور كان حفره رجل من بني النار فناسب أن يلقي فيه هؤلاء الكفار. قوله: (على شفة الركي) أي طرف البئر، وفي رواية الكشميهني (على شفير الركي) والركي بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد آخره: البئر قبل أن تطوى. والإطواء جمع طوى وهي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار، ويجمع بين الروايتين بأنها كانت مطوية فاستهدمت فصارت كالركي. قوله: (فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان) في رواية حميد عن أنس (فنادى يا عتبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام) أخرجه ابن إسحق وأحمد وغيرهما، وكذا وقع عند أحمد ومسلم من طريق ثابت عن أنس، فسمى الأربعة، لكن قدم وأخر، وسياقه أتم. قال في أوله: (تركهم ثلاثة أيام حتى جيفوا) فذكره، وفيه من الزيادة: فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ أهـ. ٣١٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: وقف رسول الله ﷺ على أهل القليب فقال: "يا أهل القليبِ هل وجدتم ما وعد ربكُم حقاً فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقاً" قالوا: يا رسول الله هل يسمعُونَ ما تقول؟ قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول مهم ولكنهم اليوم لا يجيبون". ٣٢٠ - روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدرٍ ثلاثاً، ثم أتاهم، فقام عليهم، فناداهم فقال: "يا أبا جهل بن هشام، يا أميةُ بنُ

стр. 467

خلفٍ، يا عتبةُ بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً" فسمع عمر قول النبي ﷺ ، فقال: يارسول الله، كيف يسمعوا؟ وأني يُجيبوا وقد جيفُوا؟ قال: "والذي نفسي بيده، ما أنتمُ بأسمع لما أقولُ منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يُجيبوا"، ثم أُمِرَ بهم فسُحبوا، فأُلقُوا في قليب بدرٍ. قال النووي: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم): قال المازري: قال بعض الناس: الميت يسمع عملاً بظاهر الحديث ثم أنكره المازري وادعى أن هذا خاص في هؤلاء ورد عليه القاضي عياض وقال: يحمل سماعهم على ما يحمل عليه سماع الموتى في أحاديث عذاب القبر وفتنته التي لا مدفع لها وذلك بإحئايهم أو إحياء جزء منهم يعقلون به ويسمعون في الوقت الذي يريد الله. أهـ. هذا كلام القاضي وهو الظاهر المختار الذي تقتضيه أحاديث السلام على القبور والله أعلم. ولأن عائشة ﵂ كان لها تحفظ على بعض هذه الروايات فقد قال ابن حجر في الفتح: ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفظاً فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة، قال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم مالا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن. ٣٧١ - * روى الحاكم عن أمامة بن سهل قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله

стр. 468

وسلم من بدرٍ بعث بشيرينِ إلى أهل المدينة، بعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وبعث عبد الله بن رُواحة إلى أهل العالية يبشرونهم بفتح الله على نبيه ﵌ فوافق زيد بن حارثة ابنه أسامة حين سوى التراب على رقية بنت رسول الله ﵌، فقيل له: ذاك أبوك حين قدم قال أسامة: فجئت وهو واقف للناس يقول: قُتِل عُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهلٍ بن هشام ونبية ومنبه وأمية بن خلف فقلت: يا أبتِ أحق هذا قال: نعم، والله يا بُني. ٣ - الأنفال ٣٢٢ - * روى أحمدُ عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي ﷺ فشهد معهُ بدراً فالتقى الناسُ فهزم الله ﵎ العدو فانطلقت طائفةً في آثارهم يهزمُون ويقتُلون، فأكبت طائفة على العسكر يحوونَهُ ويجمعونه أحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يُصيبُ العدو منه غُرةُ حتى إذا كان الليل وفاء الناسُ بعضهم إلى بعضٍ قال الذين جمعوا الغنائم نحن جويناها وجمعناها فليس لأحدٍ فيها نصيبٌ، وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منا نحن نفينا عنها العدو، وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخِفنا أن يصيب العدوُ منه غرةً واشتغلنا به فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (١) فقسمها رسول الله ﷺ على فواق بين المسلمين وكان رسول الله صلى الله عيه وسلم إذا أغار في أرض العدو ونفل الربع، وإذ أقبل راجعاً وكل الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال ويقول: "ليرد قويُّ المؤمنين على ضعيفهم".

стр. 469

روى الترمذي وابن ماجه منه: كان يُنفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث فقط. وفي رواية عندهُ سألت عبادة بن الصامت ﵀ عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواءٍ يقول على السواء. أقول: (في البداءة الربع): أراد بالبدأة ابتداء الغزو، وبالرجعة القفول منه. قال في النهاية باختصار: (أي إذا نهضت سرية من جملة العسكر المقبل على العدو فأوقعت بهم نفلها الربع، وإذا فعلت ذلك عند عود العسكر نفلها الثلث لأن الكرة الثانية أشق ولأنهم في الأول أنشط وأشهى وهي عند القفول أضعف وأفتر. ٣٢٣ - * روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يومُ بدرٍ، جئتُ بسيفٍ، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري من المشركين - أو نحو هذا - هب لي هذا السيف، فقال: "هذا ليس لي ولا لك"، فقلتُ: عسى أن يُعطى هذا من لا يُبلى بلائي، فجاءني الرسولُ فقال: "إنك سألتني وليست لي وقد صارت لي، وهو لك" قال: فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ...﴾ الآية. ٣٢٤ - * روى الترمذي عن عُبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ كان يُنَفِّل في ابدأةِ الربع وفي القفول الثلث. ٣٢٥ - * روى الترمذي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ تنفلَ سيفهُ ذا الفقارِ

стр. 470

يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أُحُدٍ. قال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم في النفل من الخُمُسِ، فقال مالك بن أنس: لمْ يبلغني أن رسول الله ﷺ نفل في مغازيه كُلها. وقد بلغني أنه نفل في بعضها وإنما ذلك على وجه الاجتهاد من الإمام في أول المغنم وآخره، قال ابن منصور: قلتُ لأحمد: إن النبي ﷺ نفل إذا فصل بالربُع بعد الخمُس وإذا قفل بالثلث بعد الخمس؟ فقال: يُخرج الخمس ثم ينفل مما بقي ولا يُجاوز هذا. قال أبو عيسى: وهذا الحديثُ على ما قال المسيب النفل من الخُمس، قال إسحق كما قال. ٣٢٦ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت أميحُ أصحابي الماء يوم بدر. وفي نسخة: أمنحُ أصحابي الماء يوم بدر. قال أبو داود: معناه: أنه لم يُسهم له. ٣٢٧ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لم تحل الغنائم لأحدٍ سُودِ الرؤوس من قبلكُم كانت تنزلُ نار من السماء فتأكُلها" قال سليمان الأعمش: فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن؟ فلما كان يوم بدرٍ، وقعوا في الغنائم قبل أن تحل لهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ

стр. 471

عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). أقول: ورد في الحديث: وأحلت لي الغنائم. وكانت الغنائم لا تحل لبني إسرائيل وإحلالها للأمة الإسلامية من التيسير في دين الإسلام ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢). ٣٢٨ - * روى الطبراني عن الأرقم بن أبي الأرقم قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدرٍ: "رُدُّوا ما كان معكم من الأنفال" فرفع أبو أسيد الساعدي سيف بني العابد المرزبان فعرفهُ الأرقم، فقال: هبةُ لي يا رسول الله فأعطاه إياه. ٣٢٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "من فعل كذا وكذا، فله من النفل كذا وكذا" قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخةُ الرايات، فلم يبرحوها، فلم فتح الله عليهم، قال المشيخة، كنا ردءاً لكم، لو أنهزمتُم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونُبقي، فأبى الفتيان، وقالوا: جعله رسول الله ﷺ لنا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ

стр. 472

رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (١) يقول: فكان ذلك خيراً لهم، فكذلك أيضاً فأطيعُوني، فإني أعلم بعاقبة هذا منكم. وفي رواية يقول: فكما كان خروجه خيراً لكم، فكذلك فأطيعوا الله ربكم، فإنه أعلم بعاقبة أموركم ومصالحها، فاصطلحوا، ورضي كل بقسم الله فيهم. في رواية بإسناده (٢) ومعناه، قال: فقسمها رسول الله ﷺ بالسواء. ٣٣٠ - * روى البخاري عن الزبير بن العوام ﵁ قال: ضُربتْ يوم بدرٍ للمهاجرين بمائة سهمٍ. قال البخاري: فجميع من شهد بدراً من قريش ممن ضُرِبَ له بسهمه: أحدٌ وثمانون رجلاً، وكان عروة بن الزبير يقول: قال الزبير: قُسمت سهمانُهم، فكانوا مائة. والله أعلم. قال الحافظ في الفتح: قوله (ضربت يوم بدر المهاجرين بمائة سهم) عند ابن عائذ من طريق أبي الأسود عن عروة (سألت الزبير على كم سهم جاء للمهاجرين يوم بدر؟ قال: على مائة سهم) قال الداودي هذا يغاير قوله (كانوا إحدى وثمانين) قال: فإن كان قوله بمائة سهم من كلام الزبير فلعله دخله شك في العدد، ويحتمل أن يكون من قول الراوي عنه، قال: وإنما كانوا على التحرير أربعة وثمانين، وكان معهم ثلاثة أفراس فأسهم لها سهمين سهمين، وضرب لرجال كان أرسلهم في بعض أمره بسهامهم فصح أنها كانت مائة بهذا الاعتبار. قلت: هذا الذي قاله أخيراً لا بأس به، لكن ظهر أن إطلاق المائة إنما هو باعتبار الخمس، وذلك أنه عزل خمس الغنيمة ثم قسم ما عداه على الغانمين على ثمانين سهماً عدد من شهدها ومن ألحق بهم، فإذا أضيف إليه الخمس كان ذلك من حساب مائة سهم، والله أعلم.

стр. 473

فوائد: ١ - قال ابن كثير في البداية والنهاية: قال ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة به فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقشٍ كما حدثني عاصم بن عمر ويزيد بن رومان ما الذي تهنؤننا به. والله إن لقينا إلا عجائز صلعاً كالبُدن المعقلة فنحرناها، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: (أي ابن أخي أولئك الملأ) قال ابن هشام: يعني الأشراف والرؤساء. ٢ - المسلم يقاتل لله وفي الله، والغنيمة لا تشكل بالنسبة له هدفاً يؤثر على نية القتال في سبيل الله، ولكنها في الوقت نفسه تعتبر حافزاً للبشرية، وقد أراح الله هذه النفس فأعطاها من الغنائم حتى لا تفكر أصلاً. وقد نزلت سورة الأنفال تحدد استحقاق المقاتلين بأنه أربعة أخماس الغنيمة بعد أن يأخذ أهل البلاء ما وعدوه من الإمام وبعد أن يأخذ الإمام الخمس ليضعه في المصارف التي حددها الله . ٣ - وأعطى الإسلام للإمام أو الأمير أن يعد أهل البلاء بأن لهم كذا وكذا، وقد يعطي مجموعة حصة من الغنيمة قبل التخميس، وذلك كذلك يشكل حافزاً ولا ينبغي أن يؤثر على أصل النية. ٤ - بالنسبة لغنائم بدر فقد أعطى الرسول ﷺ ما وعد به أهل البلاء من نفل، ثم من خمس الغنيمة، ووزع أربعة أخماسها على المقاتلين أو من هم في حكمهم ورضخ لغير المقاتلين، وأعطى بعض المقاتلين من الخمس لأنه ﵊ كان له خمس الخمس. ٥ - من هذه المعاني تدرك أنه ينبغي للأمير أن ينفل المقاتلين فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه، أي ما يحمله أثناء القتل، أو يقول: له سلبه وله ربع ما يملك أو ثلث ما يملك فكل ذلك من السنة، وما زاد على ذلك يخمس فتأخذ المجموعة المقاتلة أربعة أخماسه،

стр. 474

والخمس يصرفه الإمام في مصارفه. وفقه هذا الأمر من أهم أنواع الفقه لمن يمارس شؤون القتال. * * * ٤ - فضل أهل بدر ٣٣١ - * روى البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأرجُو أن لايدخُل النار من شهد بدراً إن شاء الله". ٣٣٢ - * روى الطبراني عن أبي هريرة أن رجلاص من الأنصار عمي فبعث إلى رسول الله ﷺ اخطط لي في داري مسجداً لأصلي فيه فجاء رسول الله ﷺ وقد اجتمع إليه قومه فتغيب رجل فقال رسول الله ﷺ : "ما فعل فلان؟ " فذكره بعض القوم فقال رسول الله ﷺ : "أليس قد شهد بدراً" قالوا: نعم ولكنه كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ : "فلعل الله اطلع إلى أهل بدرٍ فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم". ٣٣٣ - * روى البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي - وكان من أهل بدر ﵁ قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ ، فقال: ما تعدون أهل بدرٍ فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة. وفي حديث حماد بن زيد: وكان رفاعة من أهل بدر، وكان رافع من أهل العقبة فكان يقول لابنه: ما يسرني أني شهدتُ بدراً بالعقبة، قال: سأل جبريل النبي ﷺ يعني فقال: ما تعدون أهل بدرٍ فيكم؟ ... وذكر باقي الحديث نحوه

стр. 475

في رواية (١): أن ملكاً سأل النبي ﷺ . ٣٣٤ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اطلع الله على أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم". ٣٣٥ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: أن عبداً لحاطبٍ جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطباً فقال: يا رسول الله ليدخُلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ : "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدراً والحديبية". قال النووي في شرحه على مسلم: وفيه فضيلة أهل بدر والحديبية وفضيلة حاطب لكونه منهم وفيه أن لفظة الكذب هي الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه عمداً كان أو سهواً سواء كان الإخبار عن ماض أو مستقبل وخصته المعتزلة بالعمد وهذا يرد عليهم. وقال بعض أهل اللغة لا يستعمل الكذب إلا في الإخبار عن الماضي بخلاف ما هو مستقبل وهذا الحديث برد عليهم. ٣٣٦ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) عن بدر والخارجون إلى بدر. ٣٣٧ - * روى الترمذي: لما نزلت غزوة بدرٍ، قال عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؟ فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ و ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فهؤلاء القاعدون

стр. 476

غير أولي الضرر، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر. قال صاحب الفتح: وأما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم كما تقدم في المغازي من حديث أنس (إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم حبسهم العذر). ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ أي من أولي الضرر وغيرهم. من غاب عن بدر وكان كأهلها: ٣٣٨ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: إنما تغيب عثمان عن بدرٍ فإنه كان تحته بنتُ رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ "إن لك أجر رجلٍ ممن شهد بدراً وسهمه". قال ابن كثير في البداية والنهاية: وفي الذين عدهم ابن إسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وأنه لم يحضرها تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببها وكانوا ثمانية أو تسعة وهم، عثمان بن عفان تخلف على رقية بنت رسول الله ﷺ يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كان بالشام فضرب له بسهمه وأجره، وطلحة بن عبيد الله كان بالشام أيضاً فضرب له بسهمه وأجره، وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر رده رسول الله ﷺ من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة فاستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية رده رسول الله ﷺ أيضاً من الطريق وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن الصمة كسر بالروحاء فرجع فضرب له بسهمه، زاد الواقدي: وأجره، وخوات بن جُبير لم يحضر الوقعة وضرب له بسهمه وأجره، وأبو الصياح بن ثابت خرج مع رسول الله ﷺ فأصاب ساقه فَصِيل

стр. 477

حجر (١) فرجع وضرب له بسهمه وأجره. * * * ٥ - الأسارى ٣٣٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄، قال: فادى رسول الله ﷺ أساري بدرٍ وكان فداءُ كل رجلٍ منهم أربعة آلافٍ، وقُتِلَ عقبة بنُ أبي معيطٍ قبل الفداء، قام إليه علي بن أبي طالب فقتله صبراً فقال من للصبية يا محمد؟ قال: "النارُ". ٣٤٠ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ جعل فداء أهلِ الجاهلية يوم بدر أربع مائة. قال ابن كثير: وهذا كان أقل ما فُودي به أحدٌ من المال، وأكثر ما فُودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهم. ٣٤١ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: كان ناسٌ من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يُعلموا أولاد الأنصار الكتابة، قال فجاء يوماً غلام يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني مُعلمي قال: الخبيثُ يطلب بذحل بدرٍ والله لا تأتيه أبداً. ٣٤٢ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن جبريل ﵇ هبط عليه، فقال له: خيرهُم - يعني أصحابك -، في

стр. 478

أسارى بدرٍ: القتلُ، أوالفداء، على أن يُقتل منهم قابل مثلُهُم" قالوا: الفداء، ويُقتل منا. ٣٤٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه فقال: "لا تدعون منها درهماً". ٣٤٤ - * روى الطبراني عن أبي عزير بن عمير أخي مُصعب بن عمير قال: كنت في الأسرى يوم بدر فقال رسول الله ﷺ : "استوصوا بالأسارى خيراً" وكنتُ ف ينفر من الأنصار فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني البر لوصية رسول الله ﷺ . ٣٤٥ - * روى البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: "لو كان المطعمُ بنُ عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنَى، لتركتُهم له" وفي بعض الروايات: "لما له من يدٍ". قال في الفتح: المراد باليد المذكورة ما وقع منه حين رجع النبي ﷺ من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، وقد ذكر ابن إسحق القصة في ذلك مبسوطة، وكذلك أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل وفيه (أن المطعم أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح، وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة، فبلغ ذلك قريشاً فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك) وقيل المراد باليد المذكورة أنه كان من أشد من قام في نقض الصحفة التي

стр. 479

كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل السيرة، وروى الطبراني من طريق محمد بن صالح التمار عن الزهري عن محمد بن جبير عن أبيه قال: (قال المطعم بن عدي لقريش: إنكم قد فعلتم بمحمد ما فعلتم، فكونوا أكف الناس عنه) وذلك بعد الهجرة ثم مات المطعم بن عدي قبل وقعة بدر وله بضع وتسعون سنة وذكر الفاكهي بإسناد مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات مجازاة له على ما صنع للنبي ﷺ . وروى الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن علي قال: (جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسرى، إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عاماً مقبلاً مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا). وأخرج مسلم هذه القصة مطولة من حديث عمر ذكر فيها السبب، هو أنه ﷺ قال: "ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ " فقال أبو بكر: أرى أن نأخذ منهم قوة تكون لنا، وعسى الله أن يهديهم. فقال عمر: أرى أن تمكنا منهم فتضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر) الحديث، وفيه نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. وقد اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر ولما استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم في الإسلام إما بنفسه إما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب كما ثبت ذلك عن الله في حق من كتب له الرحمة، وأما العتاب على الأخذ ففيه إشارة إلى ذم من آثر شيئاً من الدنيا على الآخرة ولو قل، والله أعلم. ٣٤٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم بدر - وجيء بالأسارى - قال رسول الله ﷺ : "ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ " فذكر في الحديث قصة - فقال رسول الله ﷺ : طلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء، أو ضرب عنق" قال عبد الله بن مسعود فقلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء فإني قد سمعته

стр. 480

يذكر الإسلام، قال: فسكت رسول الله ﷺ قال: فما رأيتني في يومٍ أخوف أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، قال: حتى قال رسول الله ﷺ : "إلا سهيل بن بيضاء" قال: ونزل القرآن بقول عمر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ...﴾ (١) إلى آخر الآيات. ٣٤٧ - * روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدرٍ نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثالثمائة وتسعة عشر رجلاً. فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة. ثم مد يديه فجعل يهتف بربه "اللهم! أنجز لي ما وعدتني. اللهم! آت ما وعدتني. اللهم! إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبدُ في الأرض" فما زال يهتف بربه، ماداً يديه، مُستقبل القِبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاهُ أبو بكر. فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه. وقال: يا نبي الله! كذاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢) فأمده الله بالملائكة. قال أبو زُميلٍ: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامهُ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدِمْ حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم أنفه، وشُقَّ

стр. 481

وجههُ كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: "صدقت. ذلك من مددِ السماء الثالثة" فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسروا سبعين. قال أبو زُميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة. أرى أن تأخذ منهم فدية. فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى؟ يا ابن الخطاب! " قلتُ: لا، والله! يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم. فتُمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه. وتمكني من فلان (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلتُ. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك. فإن وجدتُ بكاء بكيتُ. وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة" (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١) فأحل الله الغنيمة لهم. ٣٤٨ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لما كان يومُ بدرٍ قال لهم رسول الله ﵌: "ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال عبد الله بنُ رواحة: ايتٍ في وادٍ كثير الحطب فأضرم ناراً ثم ألقِهم فيها، فقال العباس ﵁:

стр. 482

قطع الله رحمك، فقال عمر ﵁: قادتهم ورؤساؤهم قاتلوُك وكذبوك فاضرب أعناقهم بعد، فقال أبو بكر ﵁: عشيرتُك وقومُك، ثم دخل رسول الله ﵌ لبعض حاجته فقالت طائفة: القولُ ما قال عمر، فخرج رسول الله ﵌ فقال: "ما تقولون في هؤلاء؟ إن مثل هؤلاء كمثل إخوة لهم كانوا من قبلهم قال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (١) وقال موسى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٢) الآية قال إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) "وأنتم قوم فيكم غيلةً فلا ينقلبن واحدٌ منهم إلا بفداء أو بضرب عنقٍ" قال عبد الله: فقلت إلا سهيل بن بيضاء فإنه لا يُقتل وقد سمعته يتكلم بالإسلام. فسكت، فما كان يوم أخوف عندي أن يلقى علي حجارة من السماء من يومي ذلك حتى قال رسول الله ﵌ "إلا سهيل بن بيضاء". قال الرازي: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ معنى الآية ظاهر وفيه سؤال وهو إنه كيف جاز لعيسى ﵇ أن يقول وإن تغفر لهم والله لا يغفر الشرك، والجواب عنه من وجوه (الأول) أنه تعالى لما قال لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ علم أن قوماً من النصارى حكوا هذا الكلام عنه والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً حيث كذب في هذه الحكاية وغفران الذنب جائز فلهذا المعنى طلب المغفرة من الله تعالى (والثاني) أنه يجوز على مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزهاد والعباد النار؛ لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه فذكر عيسى هذا الكلام ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى الله، وترك التعرض والاعتراض بالكلية ولذلك ختم الكلام بقوله فإنك أنت العزيز

стр. 483

الحكيم يعني أنت قادر على ما تريد حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية وقوله: إن الله لا يغفر الشرك فنقول: إن غفرانه جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة قالوا: لان العقاب حق الله على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب وليس في إسقاطه على الله مضرة فوجب أن يكون حسناً بل دل الدليل السمعي في شرعنا على أنه لاي قع فلعل هذا لدليل السمعي ما كان موجوداً في شرع عيسى ﵇ (الوجه الثالث في الجواب) أن القوم لما قالوا هذا الكفر فعيسى ﵇ جوز أن يكون بعضهم قد تاب عنه فقال إن تعذبهم علمت أن أولئك المعذبين ماتوا على الكفر فلك أن تعذبهم بسبب أنهم عبادك وأنت قد حكمت على كل من كفر من عبادك بالعقوبة وإن تغفر لهم علمت أنهم تابوا عن الكفر وأنت حكمت على من تاب عن الكفر بالمغفرة (الوجه الرابع) إنا ذكرنا أن من الناس من قال إن قول الله تعالى لعيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله إنما كان عند رفعه إلى السماء لا في يوم القيامة وعلى هذا القول فالجواب سهل لأن قوله إن تعذبهم فإنهم عبادك يعني إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضاً ذاك وعلى هذا التقدير فلا إشكال. ٣٤٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: كانت قريش ناجت قتلاها ثم ندمتُ وقالوا: لا تنوحُوا عليهم فيبلغ ذلك محمد وأصحابه فيشتموا بكم. وكان في الأسرى أبو ودعة بن ضبيرة السهمي، فقال رسول الله ﷺ : "إن له بمكة ابناً تاجراً كيساً ذا مال كأنكم قد جاءكم في فداء أبيه" فلما قالت قريش في الفداء ما قالت قال المطلب: صدقتم والله لئن صدقتم ليثارين عليكم، ثم انسل من الليل فقدم المدينة ففدى أباه بأربعة آلاف درهم. قال ابن كثير في البداية والنهاية: وأولُ من أسروا عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث قتلاً صبراً بين يدي رسول الله ﷺ من بين الأسارى، وقد اختلف في أيهما قُتِل

стр. 484

أولاً على قولين وأنه ﵇ أطلق جماعة من الأسارى مجاناً بلا فداءٍ، منهمُ: أبو العاص بن الربيع الأموي، والمطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الشاعر، ووهب بن عمير بن وهب الجمحي، وفادي بقيتهم حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الأسرى لئلا يحابيه لكونه عمه، مع أنه قد سأله الذين أسروه من الأنصار أن يتركوا له فداءه فأبي عليهم ذلك، قال لا تتركوا منه درهماً، وقد كان فداؤهم متفاوتاً فأقل ما أخذ أربعمائة، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب. قال موسى ابن عقبة وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب، ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه. * * * ٦ - آيات بدرية ٣٥٠ - روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: كان المسلمون يُحبون أن تظهر الرُّوم على فارسٍ لأنهم أهلُ الكتابِ، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أهل أوثانٍ، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر ﵁، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﵌: فقال له النبي ﵌ "أما أنهم سيُهْزمُون" فذكر أبو بكر لهم ذلك، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً فإن ظهروا كان لك كذا وكذا وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا فجعل بينهم أجل خمس سنين فلم يظهرا فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﵌ فقال: "ألا جعلته (أراه قال) دون، العشرة"، قال: فظهرت الروم بعد ذلك فذلك قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: فغُلبت الروم ثم غلبت بعد ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (١) قال سفيان: وسمعت أنهم ظهروا يوم بدرٍ. ٣٥١ - * وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قول الله ﴿وَيَقُولُونَ

стр. 485

مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (١) قال: يوم بدر فُتح للنبي ﵌ فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت. ٣٥٢ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ (٢) يعني بالفرقان يوم بدرٍ يوم فرق الله بين الحق والباطل. ٣٥٣ - * وروى الحاكم عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ (٣) قال: يوم بدر. ٣٥٤ - * وروى الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ (٤) قال: نزلت فينا يوم بدرٍ. ٣٥٥ - روى البخاري عن سعيد بن جبير ﵀ قال: قلتُ لابن عباس ﵄ سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدرٍ. قال صاحب الرحيق المختوم: حول موضوع هذه المعركة نزلت سورة الأنفال، وهذه السورة تعليق إلهي - إن صح هذا التعبير - على هذه المعركة، يختلف كثيراً عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقواد بعد الفتح.

стр. 486

إن الله تعالى لفت أنظار المسلمين - أولاً - إلى التقصيرات والتفريطات الأخلاقية التي كانت قد بقيت فيهم، وصدر بعضها منهم، ليسعوا في تكميل نفوسهم وتزكيتها عن هذه التفريطات. ثم ثني بما كان في هذا الفتح من تأييد الله وعونه ونصره بالغيب للمسلمين. ذكر لهم ذلك لئلا يفتروا بشجاعتهم ويسألتهم، فتتسور نفوسهم الغطرسة والكبرياء بل ليتوكلوا على الله ويطيعوه ويطيعوا رسوله ﵊. ثم بين لهم الأهداف والأغراض النبيلة التي خاض الرسول ﷺ لأجلها هذه المعركة الدامية الرهيبة، ودلهم على الصفات والأخلاق التي تسببت في الفتوح في المعارك. ثم خاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة، ووعظهم موعظة بليغة، تهديهم إلى الاستسلام للحق والتقيد به. ثم خاطب المسلمين حول موضوع الغنائم، وقنن لهم مبادئ وأسس هذه المسألة. ثم بين وشرع لهم من قوانين الحرب والسلم ما كانت الحاجة تمس إليها بعد دخول الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة، حتى تمتاز حروب المسلمين عن حروب أهل الجاهلية، ويقوم لهم التفوق في الأخلاق والقيم والمثل، ويتأكد للدنيا أن الإسلام ليس مجرد وجهة نظرية، بل إنه يثقف أهله علمياً على الأسس والمبادئ التي يدعو إليها. ثم قرر بنوداً من قوانين الدولة الإسلامية التي تقيم الفرق بين المسلمين الذين يسكنون داخل حدودها، والذين يسكنون خارجها. * * * ٧ - من فقه غزوة بدر قال الدكتور البوطي: ١ - إن عامة ممتلكات الحربيين تعتبر بالنسبة للمسلمين أموالاً غير محترمة، فلهم أن يستولوا عليها ويأخذوا ما امتدت إليه أيديهم منها، وما وقع تحت يدهم من ذلك اعتبر

стр. 487

ملكاً لهم. وهو حكم متفق عليه عند عامة الفقهاء، على أن للمهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأبنائهم في مكة عذراً آخر في القصد إلى أخذ عير قريش والاستيلاء عليها، وهو محاولة التعويض - أو شيء من التعويض - عن ممتلكاتهم التي بقيت في مكة واستولى عليها المشركون من ورائهم. إنه بالرغم من مشروعية هذا القصد، فإن الله تعالى أراد لعباده المؤمنين قصداً أرفع من ذلك وأليق بوظيفتهم التي خلقوا من أجلها، ألا وهي الدعوة إلى دين الله والجهاد في سبيل ذلك، والتضحية بالروح والمال في سبيل إعلاء كلمة الله، ومن هنا كان النصر العظيم حليف أبي سفيان في النجاة بتجارته، بمقدار ما كانت الهزيمة العظيمة حليف قرش في ميدان الجهاد بينهم وبين المسلمين، وإن هذه التربية الإلهية لنفوس المسلمين لتتجلى بأبرز صورها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) ٢ - وعندما نتأمل كيف يجلس رسول الله ﷺ إلى أصحابه ليشاورهم في الأمر الذي فوجئوا به بعد أن أفلت منهم العير وطلع عليهم النفير العظيم المدجج بالسلاح الكامل، نقف على دلالتين شرعيتين لكل منهما أهمية بالغة. الدلالة الأولى: التزامه ﷺ مبدأ التشاور مع أصحابه، وإذا استعرضنا حياته ﷺ ، وجدنا أنه كان يلتزم هذا المبدأ في كل أمر لا نص فيه من كلام الله تعالى، مما له علاقة بالتدبير والسياسة الشرعية، ومن أجل هذا أجمع المسلمون على أن الشورى في كل ما لم يثبت نص مُلزم فيه من كتاب أو سنة، أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله. أما ما ثبت فيه نص من الكتاب أو حديث من السنة أبرم به الرسول ﷺ حكمه، فلا شأن للشورى فيه ولا ينبغي أن يقضي عليه بأي سلطان. الدلالة الثانية: خضوع حالات الغزو أو المعاهدات أو الصلح بين المسلمين وغيرهم لما

стр. 488

يسمى بالسياسة الشرعية أو ما يسميه بعضهم بـ (حكم الإمامة). وبيان ذلك أن مشروعية فرض الجهاد من حيث الأصل، حكم تبليغي لا يخضع لأي نسخ أو تبديل، كما أن أصل مشروعية الصلح والمعاهدات ثابت لا يجوز إبطاله أو اجتثاثه من أحكام الشريعة الإسلامية، غير أن جزئيات الصور التطبيقية المختلفة لذلك، تخضع لظروف الزمان والمكان وحالة المسلمين وحالة أعدائهم، والميزان لحكم في ذلك إنما هو بصيرة الإمام المتدين العادل وسياسة الحاكم المتبحر في أحكام الدين مع إخلاص في الدين وتجرد في القصد، إلى جانب اعتماد دائم على مشاورة المسلمين والاستفادة من خبراتهم وآرائهم المختلفة. فإذا رأى الحاكم أن من الخير للمسلمين أن لا يجابهوا أعداءهم بالحرب والقوة، وتثبت من صلاحية رأيه بالتشاور والمذاكرة في ذلك، فله أن يجنح إلى سلم معهم لا يصادم نصاً من النصوص الشرعية الثابتة، ريثما يأتي الظرف المناسب والملائم للقتال والجهاد، وله أن يحمل رعيته على القتال والدفع إذا ما رأى المصلحة والسياسة الشرعية السليمة في ذلك الجانب. وهذا ما اتفق عليه عامة الفقهاء ودلت عليه مشاهد كثيرة من سيرته ﷺ اللهم إلا إذا داهم العدو المسلمين في عقر دورهم وبلادهم، فإن عليهم دفعه بالقوة مهما كانت الوسيلة والظروف، ويعم الواجب في ذلك المسلمين والمسلمات كافة بشرط توفر مقومات التكليف أهـ. * * * ٨ - في أعقاب بدر ٣٥٦ - * روى الحاكم عن أبي رافع مولى رسول الله ﵌ قال: كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكنت قد أسلمت وأسلمت أم الفضل وأسلم العباس وكا يكتم إسلامه مخافة قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام وكان له عليه دين فقال له: اكفني هذا الغزو وأتركُ لك ما عليك، ففعل فلما جاء الخبرُ

стр. 489

وكبت الله أبا لهب وكنتُ رجلاً ضعيفاً أنحتُ هذه الأقداح في حُجرة فوالله إني لجالس في الحجرة أنحتُ أقداحي وعندي أم الفضل إذ أقبل الفاسق أبو لهبٍ يجر رجليه أراه قال عند طُنب الحجرة وكان ظهرهُ إلى ظهري فقال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث فقال أبو لهب: هلم إلى يا ابن أخي فجاء أبو سفيان حتى جلس عندهُ فجاء الناس فقاموا عليهما فقال: يا ابن أخي كيف كان أمر الناس فقال لا شيء فوالله إن لقيناهم فمنناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا وأيم الله ما لمت الناس قال: ولم؟ قال: رأيت رجالاً بيضاً على خيل بُلقٍ لا والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء قال فرفعت طُنب الحجرة فقلت: والله تلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي وثاورتُه فاحتملني فضرب بي الأرض حتى برك على صدري فقامت أم الفضل فاحتجزت ورفعت عموداً من عمدُ الحجرة فضربته به فلعت في رأسه شجة منكرة وقالت: يا عدو الله استضعفته إن رأيت سيدهُ غائباً عنه فقام ذليلاً فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى ضربه الله بالعدسة فقتلته فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثة ما يدفنانه حتى أنتن، فقال رجل من قريش لابنيه: ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته فقالا: إنا نخشى هذه القرحة، وكانت قريش تتقي العدسة كما تتقي الطاعو فقال رجال: انطلقا فأنا معكما قال: فوالله ما غسلوهْ إلا قذفاً بالماء عليه من بعيد ثم احتملوه فقذفوه في أعلى مكة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة. قال الشيخ الغزالي: شُدة العرب قاطبة للنصر الحاسم الذي ناله المسلمون في بدر، بل إن

стр. 490

أهل مكة استنكروا الحبر أول ما جاءهم، وحسبوه هذيان مجنون، فلما استبان صدقه صُعق نفر منهم فهلك لتوه، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب لا يدري ما يفعل .. وكما استبعد أهل مكة الهزيمة على أنفسهم حتى جوبهوا بعارها، استبعد مشركو المدينة ويهودها ما قرع آذانهم من بشريات الفوز، وذهب بعضهم إلى حد اتهام المسلمين بأن ما يذاع عن نصرهم محض اختلاق، وظلوا يكابرون حتى رأوا الأسرى مقرنين في الأصفاد، فسقط في أيديهم. وقد اختلفت مسالك الأحزاب الكافرة بإزاء المسلمين بعد هذا الغلب الذي مكن للإسلام وأهله، وجعل سلطانهم مهيباً في المدينة وما حولها، ومد نفوذهم على طريق القوافل في شمال الجزيرة، فأصبح لا يمر بها أحد إلا بإذنهم. فأما أهل مكة فقد انطووا على أنفسهم، يداوون جراحهم، ويستعيدون قواهم ويستعدون لنيل ثأرهم، ويعلنون أن يوم الانتقام قريب، ولم تزدهم الهزيمة إلا كرهاً للإسلام، ونقمة على محمد وصحبه، واضطهاداً لمن يدخل في دينه، فكان من ينشرح صدره للإسلام يختفي به أو يعيش ذليلاً مستضعفاً، ذلك في مكة، حيث كانت الدولة للكفر. أما في المدينة حيث المسلمون كثرة مكينة ظاهرة، فقد اتخذت العداوة للإسلام طريق الدس والنفاق والمخاتلة، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهراً وقلوبهم تغلي حقداً وكفراً، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي. روى أسامة بن زيد قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب - كما أمرهم الله تعالى - ويصبرون على الأذى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١). فكان النبي ﷺ يتأول في العفو الذي أمره الله به - حتى أذن فيهم فلما غزا بدراً، وقتل

стр. 491

الله فيها من قتل من صناديد قريش، وقفل رسول الله ﵊ وأصحابه منصورين غانمين معهم أساراهم. قال "عبد الله بن أبي" ومن معه من المشركين عبدة الأوثان هذا أمر قد توجه (أي استقر فلا مطمع في إزالته) فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام فأسلموا .. على أن هذا الخداع لاذ به فريق من الكفار في الوقت الذي عالن فيه فريق آخر من اليهود بسخطهم على محمد، وألمهم للهزيمة التي أصابت قريشاً في "بدر" بل إن كعب بن الأشرف - من رجالات اليهود - أرسل القصائد في رثاء قتلاهم والمطالبة بثأرهم.! ولقد اتسعت شقة العداوة بين المسلمين واليهود إثر هذا الموقف النابي. ثم حاول اليهود أن يحقروا من شأن النصر الذي حظي به الإسلام، مما مهد للأحداث العنيفة التي وقعت بعد، ودفع اليهود ثمنها من دمهم، أفراداً وجماعات. وعلق الدكتور السباعي على غزوة بدر فقال ﵀: إن النصر في المعارك لا يكون فقط بكثرة العدد، ووفرة السلاح، وإنما يكون بقوة الروح المعنوية لدى الجيش. وقد كان الجيش الإسلامي في هذه المعارك يمثل العقيدة النقية والإيمان المتقد، والفرح بالاستشهاد، والرغبة في ثواب الله وجنته، كما يمثل الفرحة من الانعتاق من الضلال، والفرقة، والفساد، بينما كان جيش المشركين يمثل فساد العقيدة، وتفسخ الأخلاق، وتفكك الروابط الاجتماعية، والانغماس في الملذات، والعصبية العمياء للتقاليد البالية، والآباء الماضين، والآلهة المزيفة. انظر إلى ما كان يفعله الجيشان قبل بدء القتال، فقد حرص المشركون قبل بدء معركة بدر على أن يقيموا ثلاثة أيام، يشربون فيها الخمور، وتغني لهم القيان، وتضرب لهم الدفوف، وتشعل عندهم النيران لتسمع العرب بما فعلوا فتهابهم، وكانوا يظنون ذلك سبيلاً إلى النصر، بينما كان المسلمون قبل بدء المعركة يتجهون إلى الله بقلوبهم، يسألنه النصر، ويرجونه الشهادة، ويشمون روائح الجنة، ويخر الرسول ﷺ ساجداً مبتهلاً يسأل الله أن ينصر عباده المؤمنين، وكانت النتيجة أن انتصر الأتقياء الخاشعون، وانزم اللاهون العابثون.

стр. 492

والذي يقارن بين أرقام المسلمين المحاربين، وبين أرقام المشركين المحاربين في كل معركة. يجد أن المشركين أكثر من المسلمين أضعافاً مضاعفة. ومع ذلك فقد كان النصر للمسلمين، حتى في معركتي أُحد وحنين حيث انتصر فيهما المسلمون، ولولا ما وقع من أخطاء المسلمين في هاتين المعركتين ومخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله لعيه وسلم، لما لقي المسلمون هزيمة قط. - إن شدة عزائم الجيش واندفاعه في خوض المعركة، وفرحه بلقاء عدوه يزيد القائد إقداماً في تفنيذ خطته، وثقته بالنجاح والنصر، كما حدث في معركة بدر. - إن على القائد ألا يكره جيشه على القتال، وخوض المعارك إذا كانوا غير راغبين ومتحمسين حتى يتأكد من رضاهم وتحمسهم، كما فعل الرسول ﷺ من استشارة أصحابه يوم بدر قبل خوض المعركة. - إن احتياط الجنود لياة قائدهم أمر تحتمه الرغبة في نجاح المعركة والدعوة، وعلى القائد أن يقبل ذلك، لأن في حياته حياة الدعوةن وفي فواتها خسارة المعركة. وقد رأينا في معركة بدر كيف رضي ﷺ بناء العريش له، ورأينا في بقية المعارك: "أحد" و"حنينط، كيف كان المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات يلتفون جميعاً حول رسولهم، ويحمونه من سهام الأعداء، بتعريض أنفسهم لها، ولم يعرف عنه ﷺ أنه أنكر ذلك مع شجاعته وتأييد الله له، بل أثنى على هؤلاء الملتفين حوله، كما رأينا في ثنائه على نسبية أم عمارة، ودعائه لها بأن تكون هي وزوجها وأولادها رفقاءه في الجنة. إن الله ﵎ يحيط عباده المؤمنين الصادقين في معاركهم بجيش من عنده، كما أنزل الملائكة يوم بدر، وأرسل الريح يوم الأحزاب. وما دام هؤلاء المؤمنون يحاربون في سبيله، فكيف يتخلى عنهم وهو الذي قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).

стр. 493

وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١). إن من طبيعة الداعية الصادق أن يحرص على هداية أعدائه، وأن يفسح لهم المجال لعل الله يلقي في قلوبهم الهداية، ومن هنا نفهم سر ميل الرسول إلى فداء الأسرى يوم بدر، فقد كان يرجو أن يهديهم اللهم، وأن تكون لهم ذرية من بعدهم تعبد الله وتدعو إليه، وإذا كان القرآن الكريم قد عاتب الرسول على ذلك، فلأن ناك مصلحة أخرى للإسلام يومئذ، وهو إرهاب أعداء الله والقضاء على رؤوس الفتنة والضلالة، ولو قتل الأسرى يوم بدر لضعفت مقاومة قريش للقضاء على زعمائها ومؤججي نار الفتنة ضد المؤمنين. ويلوح لي سر آخر في قبول الرسول أمر الفداء، وهو أن العباس عم الرسول ﷺ كان من بين الأسرى، وللعباس مواقف في نصرة الرسول قبل إعلان إسلامه، فقد شهد معه بيعة العقبة الثانية سراً، وكان يخبر الرسول عن كل تحركات قريش، مما يؤكد عندي أنه كان مسلماً يكتم إسلامه، فكيف يقتله الرسول وهذا شأنه معه؟ ولو استثناه الرسول من بين الأسرى لخالف شرعه في تحريم قتل المسلم إن كان العباس مسلماً. وإن كان مشركاً، فشريعته لا تفرق بين قريب وبعيد في الوقوف موقف الحزم والعداء من كل من يحارب الله ورسوله، ولاغتنمها المشركون والمنافقون فرصة للتشهير به، ولإضعاف الثقة بعدالته وتجرده عن الهوى في كل ما يصدر عنه، وليس ذلك من مصلحة الدعوة في شيء. فوائد م كتاب غزوة بدر للدكتور محمد أبو فارس ومما قاله الدكتور أبو فارس حول دروس بدر الكبرى: - أهمية الشورى في الإسلام وفي مجال الحرب خصوصاً، وإذا كان النبي ﷺ الموحي إليه من ربه يستشير أصحابه في القتال وغيره، أفلا تكون الشورى في حق غيره آكد وأوجب. - ضرورة تعرف القائد على مدى رغبة الجنود في القتال وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عيه وسلم في مشاورة أصحابه، إذ إن المكره على القتال لا يمكن أن يقدم نتيجة إيجابية.

стр. 494

- تتجلى في بدر صفات القائد الناجح ومن ذلك: التواضع وعدم التميز والسهر على راحة الجنود وبذل الحب لهم وتوثيق الصلة بالله والسرية في التحرك والإيثار .. و من نعم الله على المسلمين في غزوة بدر: ١ - النعاس والنوم: وفي ذلك راحة للجسم واطمئنان للنفوس وسكينة وهدوء وهمة متوثبة على عكس عدوهم الذي كان متواتراً هائجاً قلقاً مضطرباً. ٢ - إنزال المطر: يأخذون منه حاجتهم وناحية أخرى أن المطر في جانب المسلمين كان معتدلاً حتى تماسكت الأرض تحتهم، أما ف يجانب المشركين فكان غزيراً فأوحلت الأرض. ٣ - إراءة الله المسلمين المشركين قلة. ٤ - إنزال الله الملائكة تؤيد المؤمنين وتقاتل معهم. ٥ - إلقاء الرعب في قلوب الكافرين. ٦ - أوحى الله إلى النبي ﷺ أن يرمي الحصباء فاستقبل قريشاً ورماها قائلاً: شاهت الوجوه، فأوصل الله ذرات الرمل إلى أعين المقاتلين فانشغلوا بذلك ع القتال وكل ذلك بقدرة الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١). أهـ بتصرف من كتاب غزوة بدر. فائدة أخيرة: في كتاب فن الحرب لـ "صن تزو" - وهو مؤلف صيني قديم - ذكر أن قرار الحرب لا ينبغي أن يتخذ إلا إذا توافرت شروط: ١ - ثقة الشعب بحكومته. ٢ - ارتفاع معنويات الجنود. ٣ - وجود القائد الكفء. ٤ - معرفة الأرض.

стр. 495

٥ - مراعاة الطقس وأن يتخذ قرار الحرب ينبغي أن يتخذ في المعبد ليباركه الله. وهو كلام حكيم ولو أنك تأملت غزوة بدر لوجدت توجهاً نحو الله ولرأيت ثقة لا مثيل لها ومعنويات لا مثيل لها وقيادة لا مثيل لها واختيار لأرض المعركة. ولرأيت مع هذا كله طقساً مواتياً لأهل الحق وذلك كله من التوفيقات الإلهية التي تجعل أفعال رسول الله ﷺ على أعلى ما تصل إليه حكمة الحكماء مع احتمال خطئهم. * * *
следующие страницы →