الله فيها من قتل من صناديد قريش، وقفل رسول الله ﵊ وأصحابه منصورين غانمين معهم أساراهم. قال "عبد الله بن أبي" ومن معه من المشركين عبدة الأوثان هذا أمر قد توجه (أي استقر فلا مطمع في إزالته) فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام فأسلموا ..
على أن هذا الخداع لاذ به فريق من الكفار في الوقت الذي عالن فيه فريق آخر من اليهود بسخطهم على محمد، وألمهم للهزيمة التي أصابت قريشاً في "بدر" بل إن كعب بن الأشرف - من رجالات اليهود - أرسل القصائد في رثاء قتلاهم والمطالبة بثأرهم.!
ولقد اتسعت شقة العداوة بين المسلمين واليهود إثر هذا الموقف النابي.
ثم حاول اليهود أن يحقروا من شأن النصر الذي حظي به الإسلام، مما مهد للأحداث العنيفة التي وقعت بعد، ودفع اليهود ثمنها من دمهم، أفراداً وجماعات.
وعلق الدكتور السباعي على غزوة بدر فقال ﵀: إن النصر في المعارك لا يكون فقط بكثرة العدد، ووفرة السلاح، وإنما يكون بقوة الروح المعنوية لدى الجيش. وقد كان الجيش الإسلامي في هذه المعارك يمثل العقيدة النقية والإيمان المتقد، والفرح بالاستشهاد، والرغبة في ثواب الله وجنته، كما يمثل الفرحة من الانعتاق من الضلال، والفرقة، والفساد، بينما كان جيش المشركين يمثل فساد العقيدة، وتفسخ الأخلاق، وتفكك الروابط الاجتماعية، والانغماس في الملذات، والعصبية العمياء للتقاليد البالية، والآباء الماضين، والآلهة المزيفة.
انظر إلى ما كان يفعله الجيشان قبل بدء القتال، فقد حرص المشركون قبل بدء معركة بدر على أن يقيموا ثلاثة أيام، يشربون فيها الخمور، وتغني لهم القيان، وتضرب لهم الدفوف، وتشعل عندهم النيران لتسمع العرب بما فعلوا فتهابهم، وكانوا يظنون ذلك سبيلاً إلى النصر، بينما كان المسلمون قبل بدء المعركة يتجهون إلى الله بقلوبهم، يسألنه النصر، ويرجونه الشهادة، ويشمون روائح الجنة، ويخر الرسول ﷺ ساجداً مبتهلاً يسأل الله أن ينصر عباده المؤمنين، وكانت النتيجة أن انتصر الأتقياء الخاشعون، وانزم اللاهون العابثون.
стр. 492
والذي يقارن بين أرقام المسلمين المحاربين، وبين أرقام المشركين المحاربين في كل معركة. يجد أن المشركين أكثر من المسلمين أضعافاً مضاعفة. ومع ذلك فقد كان النصر للمسلمين، حتى في معركتي أُحد وحنين حيث انتصر فيهما المسلمون، ولولا ما وقع من أخطاء المسلمين في هاتين المعركتين ومخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله لعيه وسلم، لما لقي المسلمون هزيمة قط.
- إن شدة عزائم الجيش واندفاعه في خوض المعركة، وفرحه بلقاء عدوه يزيد القائد إقداماً في تفنيذ خطته، وثقته بالنجاح والنصر، كما حدث في معركة بدر.
- إن على القائد ألا يكره جيشه على القتال، وخوض المعارك إذا كانوا غير راغبين ومتحمسين حتى يتأكد من رضاهم وتحمسهم، كما فعل الرسول ﷺ من استشارة أصحابه يوم بدر قبل خوض المعركة.
- إن احتياط الجنود لياة قائدهم أمر تحتمه الرغبة في نجاح المعركة والدعوة، وعلى القائد أن يقبل ذلك، لأن في حياته حياة الدعوةن وفي فواتها خسارة المعركة.
وقد رأينا في معركة بدر كيف رضي ﷺ بناء العريش له، ورأينا في بقية المعارك: "أحد" و"حنينط، كيف كان المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات يلتفون جميعاً حول رسولهم، ويحمونه من سهام الأعداء، بتعريض أنفسهم لها، ولم يعرف عنه ﷺ أنه أنكر ذلك مع شجاعته وتأييد الله له، بل أثنى على هؤلاء الملتفين حوله، كما رأينا في ثنائه على نسبية أم عمارة، ودعائه لها بأن تكون هي وزوجها وأولادها رفقاءه في الجنة.
إن الله ﵎ يحيط عباده المؤمنين الصادقين في معاركهم بجيش من عنده، كما أنزل الملائكة يوم بدر، وأرسل الريح يوم الأحزاب. وما دام هؤلاء المؤمنون يحاربون في سبيله، فكيف يتخلى عنهم وهو الذي قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
стр. 493
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١).
إن من طبيعة الداعية الصادق أن يحرص على هداية أعدائه، وأن يفسح لهم المجال لعل الله يلقي في قلوبهم الهداية، ومن هنا نفهم سر ميل الرسول إلى فداء الأسرى يوم بدر، فقد كان يرجو أن يهديهم اللهم، وأن تكون لهم ذرية من بعدهم تعبد الله وتدعو إليه، وإذا كان القرآن الكريم قد عاتب الرسول على ذلك، فلأن ناك مصلحة أخرى للإسلام يومئذ، وهو إرهاب أعداء الله والقضاء على رؤوس الفتنة والضلالة، ولو قتل الأسرى يوم بدر لضعفت مقاومة قريش للقضاء على زعمائها ومؤججي نار الفتنة ضد المؤمنين.
ويلوح لي سر آخر في قبول الرسول أمر الفداء، وهو أن العباس عم الرسول ﷺ كان من بين الأسرى، وللعباس مواقف في نصرة الرسول قبل إعلان إسلامه، فقد شهد معه بيعة العقبة الثانية سراً، وكان يخبر الرسول عن كل تحركات قريش، مما يؤكد عندي أنه كان مسلماً يكتم إسلامه، فكيف يقتله الرسول وهذا شأنه معه؟ ولو استثناه الرسول من بين الأسرى لخالف شرعه في تحريم قتل المسلم إن كان العباس مسلماً. وإن كان مشركاً، فشريعته لا تفرق بين قريب وبعيد في الوقوف موقف الحزم والعداء من كل من يحارب الله ورسوله، ولاغتنمها المشركون والمنافقون فرصة للتشهير به، ولإضعاف الثقة بعدالته وتجرده عن الهوى في كل ما يصدر عنه، وليس ذلك من مصلحة الدعوة في شيء.
فوائد م كتاب غزوة بدر للدكتور محمد أبو فارس
ومما قاله الدكتور أبو فارس حول دروس بدر الكبرى:
- أهمية الشورى في الإسلام وفي مجال الحرب خصوصاً، وإذا كان النبي ﷺ الموحي إليه من ربه يستشير أصحابه في القتال وغيره، أفلا تكون الشورى في حق غيره آكد وأوجب.
- ضرورة تعرف القائد على مدى رغبة الجنود في القتال وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عيه وسلم في مشاورة أصحابه، إذ إن المكره على القتال لا يمكن أن يقدم نتيجة إيجابية.
стр. 494
- تتجلى في بدر صفات القائد الناجح ومن ذلك: التواضع وعدم التميز والسهر على راحة الجنود وبذل الحب لهم وتوثيق الصلة بالله والسرية في التحرك والإيثار ..
و من نعم الله على المسلمين في غزوة بدر:
١ - النعاس والنوم: وفي ذلك راحة للجسم واطمئنان للنفوس وسكينة وهدوء وهمة متوثبة على عكس عدوهم الذي كان متواتراً هائجاً قلقاً مضطرباً.
٢ - إنزال المطر: يأخذون منه حاجتهم وناحية أخرى أن المطر في جانب المسلمين كان معتدلاً حتى تماسكت الأرض تحتهم، أما ف يجانب المشركين فكان غزيراً فأوحلت الأرض.
٣ - إراءة الله المسلمين المشركين قلة.
٤ - إنزال الله الملائكة تؤيد المؤمنين وتقاتل معهم.
٥ - إلقاء الرعب في قلوب الكافرين.
٦ - أوحى الله إلى النبي ﷺ أن يرمي الحصباء فاستقبل قريشاً ورماها قائلاً: شاهت الوجوه، فأوصل الله ذرات الرمل إلى أعين المقاتلين فانشغلوا بذلك ع القتال وكل ذلك بقدرة الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١). أهـ بتصرف من كتاب غزوة بدر.
فائدة أخيرة: في كتاب فن الحرب لـ "صن تزو" - وهو مؤلف صيني قديم - ذكر أن قرار الحرب لا ينبغي أن يتخذ إلا إذا توافرت شروط:
١ - ثقة الشعب بحكومته.
٢ - ارتفاع معنويات الجنود.
٣ - وجود القائد الكفء.
٤ - معرفة الأرض.
стр. 495
٥ - مراعاة الطقس وأن يتخذ قرار الحرب ينبغي أن يتخذ في المعبد ليباركه الله.
وهو كلام حكيم ولو أنك تأملت غزوة بدر لوجدت توجهاً نحو الله ولرأيت ثقة لا مثيل لها ومعنويات لا مثيل لها وقيادة لا مثيل لها واختيار لأرض المعركة.
ولرأيت مع هذا كله طقساً مواتياً لأهل الحق وذلك كله من التوفيقات الإلهية التي تجعل أفعال رسول الله ﷺ على أعلى ما تصل إليه حكمة الحكماء مع احتمال خطئهم.
* * *
стр. 496
فصل: في إجراء يهود بني قينُقاعٍ
٣٥٧ - روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال: "يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يُصيبكم مثل ما أصاب قريشاً" قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ببدرٍ ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ (١).
وقد فصل كتاب السير ما آل إليه أمر بني قينقاع فذكرها ابن هشام وابن سعد في طبقاته ويذكر المفسرون قصتهم عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وعند قوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٢).
وهناك خلاف بين كتاب السير حول السنة التي حدثت فيها واقعة بني قينقاع، والواقدي يرى أنها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثنتين من الهجرة.
قال ابن حجر العسقلاني في الفتح: ونون قينقاع مثلثة والأشهر فيها الضم، وكانوا أول من أخرج من المدينة كما تقدم في أول الباب. وروى ابن إسحاق في المغازي عن أبيه عن
стр. 497
عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع قام بأمرهم عبد الله بن أبي فمشى عبادة بن الصامت وكان له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فتبرأ عبادة منهم. قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ وكان عبدالله بن أبي لما سأل النبي ﷺ أن يمن عليهم قال: يا محمد إنهم منعوني من الأسود والأحمر، وإني امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم له. وذكر الواقدي أن إجلاءهم كان في شوال نسة اثنتين، يعني بعد بدر بشهر، ويؤيده ما روى ابن إسحق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: "لما أصاب رسول الله ﷺ قريشاً يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال يا يهود: أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً يوم بدر، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لعرفت أنّا الرجال. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك. أهسـ.
وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية: قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدر وأُحد. قال ابن هشام فذكر عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال: كان أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلبٍ لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ هناك منهم، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أحسنْ في موالي فأعرض عنه، قال: فأدخل يده في حيب درع النبي ﷺ قال ابن هشام: وكان يُقالُ لها
стр. 498
ذات الفضول فقال له رسول الله ﷺ : "أرسلني" وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا (١) ثم قال: ويحك أرسلني" قال: لا والله لا أرسلك حتى تُحسن في موالي أربعمائة حاسرٍ وثلثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداةٍ واحدةٍ إني والله امرؤ أخشى الدوائر. قال فقال له رسول الله ﷺ : "هُم لك". قال ابن هشام واستعمل رسول الله ﷺ في محاصرته إياهم أبا لبابة بشير بن عبد المنذر وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة قال ابن إسحاق: وحدثني أبي عن عُبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ وكان من بني عوفٍ له من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي فجعلهم إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وقال: يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم قال وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات من المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآيات حتى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ يعني عبد الله بن أبي إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٢) يعني عبادة بن الصامت. أهـ.
وقال ابن حجر: وكان الكفار بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع. وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش. وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهراً ومع عدوه باطناً وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بني قينقاع فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم
стр. 499
فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات. اهـ.
أقول: من أجل اعتداء على حجاب امرأة مسلمة واحدة فعل رسول الله ﷺ ما فعل، وهذه القصة ذات دلالات كثيرة على طبيعة اليهود وطبيعة النفاق، وكيف أن الحزم من ناحية وحسن السياسة من ناحية أخرى هما طريقا المسلمين في معالجة أمور الدولة.
* * *
تقويم الموقف في نهاية السنة الثانية للهجرة
في نهاية السنة الثانية للهجرة أخذت الهيبة لعسكرية للمسلمين مداها الكبير في دائرة واسعة من الجزيرة العربية، وأحس ضعفاء المشركين بالخطر وشعر أقوياؤهم بغلبة الإسلام، وبدأت النفوس تتطلع إلى الإيمان، فتوسعت دائرة الدخول في الإسلام، ورأى الكثيرون أن يدخلوا في الإسلام نفاقاً ضعفاً أو خديعة، وبهذا كله أصبحت الدولة الجديدة أمام أوضاع جديدة من المكر والتآلب والتحالفات، ولكن عين رسول الله ﷺ الساهرة وحكمته الباهرة وتأييد الله له أولاً وآخراً دفع الأمور في غير الطرق التي يخطط لها الأعداء:
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١)
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)
* * *
стр. 500
السنة الثالثة للهجرة
стр. 501
هذه السنة في سطور
أبرز أحداث هذه السنة غزوة ذي أمر، وقتل كعب بن الأشرف، وغزوة بَحْران، وسريّة زيد بن حارثة، ووقعة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، وفي هذه السنة: تزوّج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر، وزوّج عثمان بن عفان بنته أم كلثوم ﵂، أما الحياة الدعويّة والتربويّة والتعليمية والتشريعية فهي مستمرة بشكل دائم، والملاحظ أن حجم القوة التي خرجت يوم أحد تعدل نحو مثلي القوة التي خرجت يوم بدر، وصحيح أن بعض الصحابة لم يخرج يوم بدر ولكن ما كان الغائبون ليبلغوا هذا المبلغ، ولما كنا سنعقد ثلاثة فصول عن مقتل كعب بن الأشرف ووقعة أحد وغزوة حمراء الأسد، بسبب أن قتل كعب بن الأشرف يعتبر ظاهرة مهمة في الحركة العسكرية، وبسبب من أن وقعة أحد وغزوة حمراء الأسد نزل فيهما قرآن لأهميتهما؛ لذلك وجرياً على عادتنا سنرسم صورة مختصرة لمجريات الأمور في هذه السنة تاركين التوسع إلى حينه:
* * *
قال صاحب الرحيق المختوم:
غزوة ذي أمر (بِنَجْدٍ)
وهي أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله ﷺ قبل معركة أحد، قادها في المحرم سنة ٣ هـ. وسببها أن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول الله ﷺ أن جمعاً كبيراً من بني ثعلبة ومحارب (من غطفان) تجمعوا، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فندب رسول الله ﷺ المسلمين، وخرج في أربعمائة وخمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان.
وفي أثناء الطريق قبضوا على رجل يقال له جبار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله ﷺ ، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، فضمه إلى بلال، وصار دليلاً لجيش المسلمين إلى أرض العدو.
стр. 502
وتفرق الأعداء في رءوس الجبال حين سمعوا بقدوم جيش المدينة. أما النبي ﷺ فقد وصل بجيشه إلى مكان تجمعهم، وهو الماء المسمى "بذي أمر" فأقام هناك صفراً كله - من سنة ٣ هـ - أو قريباً من ذلك، ليشعر الأعراب بقوة المسلمين، ويستولي عليهم الرعب والرهبة، ثم رجع إلى المدينة.
* * *
غزوة بَحران
وهي دورية قتال كبيرة، قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها الرسول ﷺ في شهر ربيع الآخر سنة ٣ هـ إلى أرض يقال لها بحران - وهي معدن بالحجاز في ناحية الفُرُع - فأقام بها شهر ربيع الآخر ثم جمادى الأولى - من السنة الثالثة من الهجرة - ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق حرباً.
واختلف المصادر في تعيين سبب هذه الغزوة فقيل: إن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول الله ﷺ أن بني سليم يحشدون قوات كبيرة لغزو المدينة أو أطرافها، وقيل: بل خرج يريد قريشاً، وهذا الثاني هو الذي ذكره ابن هشام واختاره ابن القيم - حتى لم يذكر الأول رأساً - وهو الموجه، وذلك لأن ديار بني سليم لم تكن بناحية الفرع، وإنما هي في نجد بعيدة عن ناحية الفرع.
* * *
سرية زيد بن حارثة (إلى القردة)
وهي آخر وأنجح دورية للقتال قام بها المسلمون قبل أحد، وقعت في جمادى الآخرة سنة ٣ هـ.
وتفصيلها أن قريشاً بقيت بعد بدر يساورها القلق والاضطراب، وجاء الصيف واقترب
стр. 503
موسم رحلتها إلى الشام فأخذها هم آخر.
قال صفوان بن أمية لقريش - وهو الذي انتخبته قريش في هذا العام لقيادة تجارتها إلى الشام -: إن محمداً وصحبه عَوَّرُوا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء. وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء.
ودارت المناقشة حول هذا الموضوع. فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان: تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق - وهي طريق طويلة جداً تخترق نجداً إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل - فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فرات بن حيان - من بني بكر بن وائل - دليلاً له، يكون رائده في هذه الرحلة.
وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية، آخذة الطريق الجديدة، إلا أن أنباء هذه القافلة وخطة سيرها طارت إلى المدينة، وذلك أن سليط بن النعمان - وكان قد أسلم - اجتمع في مجلس شرب - وذلك قبل تحريم الخمر - مع نعيم بن مسعود الأشجعي - ولم يكن أسلم إذ ذاك - فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن العير وخطة سيرها، فأسرع سليط إلى النبي ﷺ يروي له القصة.
وجهز رسول الله ﷺ لوقته حملة قوامها مائة راكب في قيادة زيد بن حارثة الكلبي، وأسرع زيد حتى دهم القافلة بغتةً - على حين غرة - وهي تنزل على ماء في أرض نجد يقال له قردة - بالفتح فالسكون - فاستولى عليها كلها ولم يكن من صفوان ومن معه من حرس القافلة إلا الفرار بدون أي مقاومة.
وأسر المسلمون دليل القافلة - فرات بن حيان، وقيل: ورجلين غيره - وحملوا غنيمة كبيرة من الأواني والفضة كانت تحملها القافلة، قدرت قيمتها بمائة ألف.
وقسم رسول الله ﷺ هذه الغنيمة على أفراد السرية بعد أخذ الخمس، وأسلم فرات بن
стр. 504
حيان على يديه ﷺ . ا. هـ.
وفي ٧ شوال من السنة الثالثة للهجرة حدثت وقعة أحد، وكان فيها ما كان وفي الثامن من شوال سار رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد فكانت حركته هذه غسلاً لآثار أحد وتحويلاً للموقف.
هذه هي أهم أحداث السنة الثالثة العسكرية.
والملاحظ أنه من بدر حتى أحد كان الخط البياني للانتصارات العسكرية في تصاعد ونتيجة لذلك فإن هيبة الرسول ﷺ العسكرية بلغت كل مبلغ. لقد سيطر على الطريق إلى الشام، ثم سيطر على طريق الشام عبر طريق العراق، وأحكم الحصار الاقتصادي على قريش، وكان ذروة هذا الإحكام عندما استطاع زيد بن حارثة أن يستولي على قافلة قريش التجارية السائرة إلى الشام عبر طريق العراق، ثم إن سراياه وغزواته ﵊ صارت تذهب بعيداً عن المدينة المنورة ونحو كل الاتجاهات تقريباً، وبهذا قطع الطريق على أي تفكير داخلي بالتمرد أو خارجي بالغزو إلا إذا كان غزواً منظماً كبيراً وهذا الذي حدث يوم أحد، ولقد وصل رسول الله ﷺ إلى هذا كله بأقل الخسائر وبأسهل طريق، فلقد كان يفوت على خصومه أهدافهم ولما يبدأوا التحضير لها فما يكاد يسمع أن تعبئة تعد حتى يعبئ ويسارع ويضرب، وما يكاد يحس بخطر أحد إلا ويسارع بتصفيته كما فعل بكعب، وكثيراً ما كان يصيب أكثر من عصفور بحجر واحد؛ فلقد أحبط بمقتل كعب ما كان يمكن أن يفعله كعب لصالح قريش يوم أحد، وأجبر كل من في دائرة المدينة على الموادعة، ولو أنك جمعت خسائر المسلمين حتى وقعة أحد فإنك تجدها أفراداً، بينما تجد خسائر الآخرين أكبر من ذلك بكثير.
إنك عندما تدرس مبادئ الحرب من مفاجأة إلى مبادأة إلى اقتصاد بالقوات فإنك لا تجدها على كمالها وتمامها كما تجدها عند رسول الله ﷺ ، بل إن كثيراً من القادة العظام ينجحون في وضع ويفشلون في وضع آخر، وقد يفقدون السيطرة على أمور إذا لم تجر على
стр. 505
ضوء توقعاتهم، أما رسول الله ﷺ فإنك تجده يواجه كل الأوضاع على أكمل ما يكون، فلقد خطط يوم أحد أعظم تخطيط وأجوده، ولما أفسد عليه تخطيطه من خالفوه قاد المعركة كأرقى ما تكون القيادة ثم غسل الكثير من آثار أحد بعملية خاطفة.
وإلى الفصول الثلاثة التي تحتاج إلى التفصيل:
الفصل الأول: في قتل كعب بن الأشرف.
الفصل الثاني: في غزوة أحد.
الفصل الثالث: في غزوة حمراء الأسد.
ثم نختم الحديث عن السنة الثالثة بذكر حواش على غزوتي أحد وحمراء الأسد، وبذكر تقييم عام للموقف في نهاية السنة الثالثة.
* * *
стр. 506
فصل: في قتل كعب بن الأشرف في ربيع الأول من السنة الثالثة
قال ابن حجر: قال ابن إسحاق وغيره: كان عربياً من بني نبهان وهم بطن من طيء، وكان أبوه أصاب دماً في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعباً، وكان طويلاً جسيماً ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة فنزل على ابن أبي وداعة السهمي والد المطلب. فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية فطردته، فرجع كعب إلى المدينة وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه (إن كعب بن الأشرف كان شاعراً، وكان يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط. فأراد رسول الله ﷺ استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر. فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً ليقتلوه. وذكر ابن سعد أن قتله كان في ربيع الأول من السنة الثالثة. أ. هـ.
٣٥٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم" قال: ائذن لي فلأقل، قال: "قل"، قال: فأتاه، فقال له، وذكر ما بينهما، وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضاً والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه، حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره؟ قال: وقد أردت أن تسلفني سلفاً، قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد، قال: ترهنني نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم؟ قال: يسب ابن أحدنا، فيقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن
стр. 507
نرهنك اللأمة - يعني: السلاح - قال: فنعم، وواعده أن يأتيه بالحارث، وأبي عبس بن جبر، وعباد بن بشر، قال: فجاؤوا، فدعوه ليلاً، فنزل إليهم، قال سفيان: قال غير عمرو، قالت له امرأته: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلاً لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل، نزل وهو متوشح، فقالوا: نجد منك ريح الطيب؟ قال: نعم، تحتي فلانة، هي أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم، فشم، فتناول فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال فاستمكن من رأسه، ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه.
٣٥٩ - * وروى البخاري نحوه، وفيه: قد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين وحدثنا عمرو بن دينار غير مرة، فلم يذكر وسقاً أو وسقين، فقلت له: فيه وسقاً أو وسقين؟ فقال: أرى فيه وسقاً أو وسقين. وفيه: فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، وفيه فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلاً، ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، وفيه: ولو وجداني نائماً ما أنبهاني، وقال، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بالليل لأجاب. وفيه: قال لهما: إذا ما جاء، فإني قائل بشعره، فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه، فدونكم فاضربوه - وقال مرة: أشم ثم أشمكم - فنزل إليهم متوشحا، وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحاً - أي أطيب - قال كعب: وكيف لا؟ وعندي أعطر نساء العرب، وأجمل العرب، وقال في آخره: ثم أتوا النبي ﷺ ، فأخبروه. وفيه: فجاء محمد بن مسلمة معه برجلين. قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس، وعباد بن بشر.
стр. 508
قال صاحب الرحيق المختوم: كان كعب بن الأشرف من أشد اليهود حنقاً على الإسلام والمسلمين، وإيذاء لرسول الله ﷺ . وتظاهراً بالدعوة إلى حربه.
كان من قبيلة طيء - من بني نبهان - وأمه من بني النضير، وكان غنياً مترفاً معروفاً بجماله في العرب، شاعراً من شعرائها. وكان حصنه في شرق جنوب المدينة في خلفيات ديار بني النضير.
ولما بلغه أول خبر عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدر قال: أحق هذا؟ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.
ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله ﷺ والمسلمين، ويمدح عدوهم، ويحرضهم عليهم، ولم يرضى بهذا القدر حتى ركب إلى قريش فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يثير بذلك حفائظهم، ويذكي حقدهم على النبي ﷺ ، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلاً؟ فقال: أنتم أهدى منهم سبيلاً، وأفضل، وفي ذلك أنزل الله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١).
ثم رجع كعب إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بسلاطة لسانه أشد الإيذاء.
وحينئذ قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله، ورسوله"، فانتدب له محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة - واسمه سلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاعة - والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، وكان قائد هذه المفرزة محمد ابن مسلمة. اهـ.
стр. 509
قال صاحب الفتح: قوله (آذى الله ورسوله) في رواية محمد بن محمود بن محمد بن مسلمة عن جابر عند الحاكم في الإكليل "فقد آذاناه بشعره وقوى المشركين" وأخرج ابن عائذ من طريق الكلبي أن كعب بن الأشرف قدم على مشركي قريش فخالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين، ومن طريق أبي الأسود عن عروة (أنه كان يهجو النبي ﷺ والمسلمين ويحرض قريشاً عليهم، وأنه لما قدم على قريش قالوا له: أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال: دينكم. فقال النبي ﷺ : "من لنا بابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا" اهـ.
أقول: هذه هي الأسباب التي أدت للحكم عليه بالقتل، وعلى كل الأحوال فهو: إما محارب فدمه هدر وإما معاهد فقد نقض بهذا عهده.
قال في الفتح: قوله: (فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله)؟ في مرسل عكرمة (فقال محمد بن مسلمة هو خالي). قوله: (قال نعم) في رواية محمد بن محمود (فقال أنت له) وفي رواية ابن إسحاق (قال فافعل إن قدرت على ذلك) وفي رواية عروة (فسكت رسول الله ﷺ ، فقال محمد بن مسلمة: أقر صامتاً) ومثله عند سمويه في فوائده، فإن ثبت احتمل أن يكون سكت أولاً ثم أذن له، فإن في رواية عروة أيضاً أنه قال له: (إن كنت فاعلاً فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، قال فشاوره فقال له: توجه إليه وإشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاماً) قوله (فائذن لي أن أقول شيئاً، قال: قل) كأنه استأذنه أن يفتعل شيئاً يحتال به، ومن ثم بوب عليه المصنف: (الكذب في الحرب) وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه، ولفظه (فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة) وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس (أن النبي ﷺ مشى معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم فقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم). قوله: (إن هذا الرجل) يعني النبي ﷺ . قوله: (قد سألنا صدقة) في رواية الواقدي (سألنا الصدقة، ونحن لا نجد ما نأكل) وفي مرسل عكرمة (فقالوا: يا أبا سعيد، إن نبينا أراد منا الصدقة، وليس لنا مال نصدقه). قوله: (قد عنانا) بالمهملة وتشديد النون الأولى من العناء وهو التعب. قوله: (قال وأيضاً) أي وزيادة على ذلك، وقد فسره بعد ذلك
стр. 510
قوله: (والله لتملنه) بفتح المثناة والميم وتشديد اللام والنون من الملال، وعند الواقدي (إن كعباً قال لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتخلي عنه، قال: سررتني). قوله: (وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين، وحدثنا عمرو غير مرة فلم يذكر وسقاً أو سقين) قائل ذلك على بن المديني، ولم يقع ذلك في رواية الحميدي، ووقع في رواية عروة (وأحب أن تسلفنا طعاماً. قال: أين طعامكم؟ قالوا: أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه. قال: ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل). (تنبيه): وقع في هذا الرواية الصحيحة أن الذي خاطب كعباً بذلك هو محمد ابن مسلمة، والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنه أبو نائلة، وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، ويحتمل أن يكون كل منهما كلمه في ذلك، لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته. وفي مرسل عكرمة في الكل بصيغة الجمع (قالوا)، وفي مرسل عكرمة (وائذن لنا أن نصيب منك فيطمئن إلينا، قال: قولوا ما شئتم) وعنده (أما مالي فليس عندي اليوم، ولكن عندي التمر) وذكر ابن عائذ أن سعد بن معاذ بعث محمداً ابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ. قوله: (أرهنوني) أي ادفعوا لي شيئاً يكون رهناً على التمر الذي تريدونه. قوله: (وأنت أجمل العرب) لعلهم قالوا له ذلك تهكماً، وإن كان هو في نفسه كان جميلاً. زاد ابن سعد من مرسل عكرمة (ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك) وفي المرسل الآخر الذي أشرت إليه (وأنت رجل حسان تعجب النساء) وحسان بضم الحاء وتشديد السين المهملتين.
قوله (دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه) في رواية عروة (وضربه محمد بن مسلمة فقتله وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس، وأقبلوا حتى إذا كانوا بجرف بعاث تخلف الحارث ونزف، فلما افتقده أصحابه رجعوا فاحتملوه، ثم أقبلوا سراعاً حتى دخلوا المدينة) وفي رواية الواقدي (إن النبي ﷺ تفل على جرح الحارث بن أوس فلم يؤذه). وفي مرسل عكرمة (فبزق فيها ثم ألصقها فالتحمت) وفي رواية ابن الكلبي (فضربوه حتى برد، وصاح عند أول ضربة، واجتمعت اليهود فأخذوا على غير طريق أصحاب رسول الله ﷺ ففاتوهم) وفي رواية ابن سعد (أن محمد بن مسلمة لما أخذ بقرون شعره قال لأصحابه:
стр. 511
اقتلوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه فلم تغن شيئاً. قال محمد: فذكرت مغولاً (١) كان في سيفي فوضعته في سرته، ثم تحاملت عليه فغططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير مرتين). قوله: (فأخبروه) في رواية عروة (فأخبروا النبي ﷺ ، فحمد الله تعالى) وفي رواية ابن سعد (فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال: أفلحت الوجوه، فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا رأسه بين يديه، فحمد الله على قتله، وفي مرسل عكرمة (فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكرهم النبي ﷺ صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين) زاد ابن سعد (فخافوا فلم ينطقوا). قال السهيلي: في قصة كعب بن الأشرف قتل المعاهد إذا سب الشارع، خلافاً لأبي حنيفة. قلت: وفيه نظر، وصنيع المصنف في الجهاد يعطي أن كعباً كان محارباً حيث ترجم لهذا الحديث "الفتك بأهل الحرب" وترجم له أيضاً "الكذب في الحرب" وفيه جواز قتل المشرك بغير دعوة إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته، وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته اهـ.
٣٦٠ - *روى أبو داود عن كعب بن مالك ﵁ وكان كعب بن الأشرف، يهجو رسول الله ﷺ ، ويحرِّض عليه كفار قريش، وكان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود وكانوا يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه، فأمر الله نبيه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً) (٣) فأبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن
стр. 512
يبعث رهطاً يقتلونه فبعث محمد بن مسلمة - وذكر قصة قتله - فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون، فغدوا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: طرق صاحبنا فقتل، فذكر لهم رسول الله ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتاباً، ينتهون على ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة.
قال صاحب الرحيق المختوم: وفي ليلة مقمرة - ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ٣ هـ، اجتمعت هذه المفرزة إلى رسول الله ﷺ ، فشيعهم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم قائلاً: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم، ثم رجع إلى بيته، وطفق يصلي ويناجي ربه.
ولقد نجحت المجموعة بقتل كعب بن الأشرف.
ورجعت المفرزة وقد أصيب الحارث بن أوس بذباب بعض سيوف أصحابه فجرح ونزف الدم، فلما بلغت المفرزة حرة العريض، رأت أن الحارث ليس معهم فوقفت ساعة حتى أتاهم يتبع آثارهم، فاحتملوه حتى إذا بلغوا بقيع الغرقد كبروا وسمع رسول الله ﷺ تكبيرهم، فعرف أنهم قد قتلوه، فكبر، فلما انتهوا إليه قال: أفلحت الوجوه، قالوا: ووجهك يا رسول الله. ورموا برأس الطاغية بين يديه، فحمد الله على قتله، وتفل على جرح الحارث فبرأ، ولم يؤذ بعده. اهـ.
دروس من قتل كعب بن الأشرف
١ - بهذه العملية حقق رسول الله ﷺ أهدافاً:
أ - قطع الطريق على أمثال كعب أن يفعلوا فعله.
ب - أجبر اليهود على أن يجددوا عهداً أو يكتبوا عهداً جديداً وبذلك أكد وحدة المجتمع المدني.
ج - قطع الطريق على أي تعاون بين الداخل والخارج.
د - أكد سيادته على دائرة دولته ﵊.
стр. 513
٢ - قوله في رواية أبي داود (فكتب بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة) يقطع أن وثيقة دستورية بين المسلمين واليهود كانت موجودة، ولكن هذه الصحيفة المذكورة ههنا هل هي الصحيفة التي ذكرها ابن إسحاق في أحداث السنة الأولى؟ أم هذه الصحيفة تأكيد للصحيفة الأولى؟ أو هي مع اليهود الذين لم يدخلوا في الصحيفة الأولى.
٣ - هناك جدل كبير في هذا العالم يدور حول فكرة الاغتيال السياسي؟ حول جدواها وحول مشروعيتها والذي أقوله ههنا هو ما كررته دائماً العبرة للفتوى الصحيحة من أهلها ثم الشورى والمصلحة، فحيثما جاز القتل وكانت مصلحة المسلمين فيه فليكن، ولكن معرفة المصلحة ليست سهلة في عصرنا حيث تتشابك لمصالح، وحيث للرأي العام العالمي دوره الكبير في قرارات الدول، وحيث احتمالات توسع الأضرار.
٤ - أهم ما في حادثة قتل ابن الأشرف إجازة الرسول ﷺ لقاتليه أن يقولوا، ولقد قالوا كلاماً هو في الأحوال العادية كفر، ومن ههنا تعرف أنه من أجل تحقيق المهام العسكرية فلا حدود للكلام الذي يقال، ولكن تأتي هنا مسألة أخرى وهي ما إذا كان النجاح في المهام العسكرية يقتضي أفعالاً لا تجوز أو يقتضي ترك فرائض فما العمل؟ المعروف أنه ليس أفظع من الكفر فإذا جاز التظاهر بالكفر لذلك فمن باب أولى جواز غيره، على أن يتأكد طريقاً للوصول إلى الهدف أو يغلب على الظن ذلك، وعلى أن يقتصر فيه على الحد الذي لابد منه، سواء كانت الوسيلة تأخير فريضة أو ارتكاب محظور، على أن هذا وهذا مقيدان بالفتوى فهناك محظورات لا يصح فعلها بحال. كالزنا واللواط.
٥ - بعض جيوش البلدان الكافرة تحظر على المسلم أن يصلي، أو أنهم في الظاهر لا يحظرون ولكنهم لو وجدوه يفعل فإنهم يفصلونه أو يتربصون به ليقتلوه، وإذا وجدوه يتعفف عن معان جعلوه ضمن دائرة الرصد، فهل له رخصة في بعض الأمور؟ وما هي حدود هذه الرخصة؟ هذا شيء يقدره أهل الفتوى المؤهلون لأن يفتوا في مثل هذه الأمور.
стр. 514
٦ - من حادثة كعب وأمثالها ومن نصوص الشريعة وروحها وقواعدها نستخرج القاعدة التالية:
أنه متى وجدت ظروف استثنائية أو حالات اضطرارية ومتى انتقل الدعاة إلى العمل السياسي والعسكري، فإنهم سيدخلون بذلك باب الموازنات والفتاوى الاستثنائية التي لا يستطيعها كل إنسان. ومن ههنا جاءت الحاجة إلى المجتهدين والمفتين، وكما قال سفيان الثوري: (العلم رخصة من ثقة وأما التشدد فيعرفه كل الناس)، فالأحكام الأصلية ليست مجهولة، وإنما الأحكام الاستثنائية التي تقتضيها الظروف الاستثنائية هي التي تحتاجها الحركة اليومية.
* * *
стр. 515
فصل: في غزوة أحد
وسنذكر في هذا الفصل عرضاً عاماً بين يدي النصوص ثم نذكر النصوص على فقرات:
١ - بين يدي الالتحام.
٢ - الالتحام.
٣ - في أعقاب المعركة.
٤ - عبر أحد وبعض دروسها.
٥ - فقهيات.
* * *
стр. 516
عرض عام
حدثت هذه الغزوة في ٧ شوال في رأي ابن القيم، وفي ١٥ شوال عند ابن إسحاق.
قال ابن كثير: سمي أحد أحداً لتوحده من بين تلك الجبال، وفي الصحيح "أحد جبل يحبنا ونحبه" (١) قيل معناه أهله، وقيل لأنه كان يبشره بقرب أهله إذا رجع من سفره كما يفعل المحب، وقيل على ظاهره كقوله: (وإن منها لما يهبط من خشية الله) (٢).
قال ابن حجر: قوله: (هذا جبل يحبنا ونحبه) ظهر من الرواية التي بعدها أنه ﷺ قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من الحج. ووقع في رواية أبي حميد أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على المدينة قال: "هذه طابة" فلما رأى أحداً قال: "هذا جبل يحبنا ونحبه" فكأنه ﷺ تكرر منه ذلك القول. وللعلماء في معنى ذلك أقوال: أحدها: أنه على حذف مضاف والتقدير أهل أحد، والمراد بهم الأنصار لأنهم جيرانه. ثانيها: أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قم من سفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب ثالثها: أن الحب من الجانبين على حقيقته وظاهره لكون أحد من جبال الجنة كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعاً "جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة" أخرجه أحمد. ولا مانع في جانب البلد من إمكان المحبة منه كما جاز التسبيح منها، وقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب "اسكن أحد" الحديث. وقال السهيلي: كان ﷺ يحب الفأل الحسن والاسم الحسن، ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية. قال: ومع كونه مشتقاً من الأحدية فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب من النبي ﷺ به لفظاً ومعنى فخص من بين الجبال بذلك، والله أعلم. أ. هـ.
أقول: من الحكم في ذكر محبة رسول الله ﷺ لجبل أحد نفي التشاؤم بأحد بعد ما
стр. 517
حدث عنده ما حدث ومن أجل ذلك قدمنا هذين النقلين ههنا بين يدي العرض العام ولنبدأ العرض:
قال المباركفوري: على إثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين تشفي غيظها وتروي غلة حقدها، وأخذت في الاستعداد للخوض في مثل هذه المعركة وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن أبي ربيعة أكثر زعماء قريش نشاطاً وتحمساً لخوض المعركة، وأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم احتجزوا العير التي كان قد نجا بها أبو سفيان والتي كانت سبباً لمعركة بدر، ثم فتحوا باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الأحابيش وكنانة وأهل تهامة.
ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها، واجتمع إليها من المشركين ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش، ورأى قادة قريش أن يستصحبوا معهم النساء حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم، وكان عدد هذه النسوة خمس عشرة امرأة.
وكان سلاح النقليات في هذا الجيش ثلاثة آلاف بعير، ومن سلاح الفرسان مائتا فرس، جنبوها (١) طول الطريق وكان من سلاح الوقاية سبعمائة درع، وكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان بن حرب، وقيادة الفرسان إلى خالد بن الوليد يعاونه عكرمة بن أبي جهل، أما اللواء فكان إلى بني عبد الدار، تحرك الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام نحو المدينة، وكانت التارات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب، ويشف عما سوف يقع من قتال مرير.
وكان العباب بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية، فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة إلى النبي ﷺ ضمنها جميع تفاصيل الجيش.
وأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة، وجد في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة
стр. 518
والمدينة - التي تبلغ مسافتها إلى خمسمائة كيلو متراً - في ثلاثة أيام، وسلم الرسالة إلى النبي ﷺ وهو في مسجد قباء.
قرأ الرسالة على النبي ﷺ أبي بن كعب فأمره بالكتمان، وعاد مسرعاً إلى المدينة، وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار.
وظلت المدينة في حالة استنفار عام لا يفارق رجالها السلاح، استعداداً للطوارئ.
وقامت مفرزة من الأنصار - فيهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة - بحراسة رسول الله ﷺ ، فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح، وقامت على مداخل المدينة وأنقابها مفرزات تحرسها خوفاً من أن يؤخذوا على غرة، وقامت دوريات من المسلمين - لاكتشاف تحركات العدو - تتجول حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين.
واصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة، فسلك وادي العقيق، ثم انحرف منه إلى ذات اليمين حتى نزل قريباً بجبل أحد في مكان يقال له عينين في بطن السبخة من قناة على شفير الوادي - الذي يقع شمالي المدينة - فعسكر هناك يوم الجمعة السادس من شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة.
عقد رسول الله ﷺ مجلساً استشارياً عسكرياً أعلى، تبادل فيه الرأي لاختيار الموقف، وأخبرهم عن رؤيا رآها، ثم قدم رأيه إلى صحابته أن لا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بشر مقام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، وكان هذا هو الرأي ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول - رأس المنافقين.
بادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، فأشاروا على النبي ﷺ بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ الذي كان قد أرى فرند سيفه في معركة بدر - فقد قال للنبي ﷺ : والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاماً حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة، ورفض
стр. 519
رسول الله ﷺ رأيه أمام رأي الأغلبية واستقر الرأي على الخروج من المدينة واللقاء في الميدان السافر.
صلى النبي ﷺ بالناس يوم الجمعة فوعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد وأخبر أن لهم النصر بما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك، ثم صلى بالناس العصر، وقد حشدوا وحضر أهل العوالي، ثم دخل بيته، ومعه صاحباه أبو بكر وعمر، فعمماه وألبساه، فتدجج بسلاحه وظاهر بين درعين (أي لبس درعاً فوق درع) وتقلد السيف، ثم خرج على الناس. فلما خرج قالوا له: يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل. فقال رسول الله ﷺ : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته - وهي الدرع - أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه (١).
وقسم النبي ﷺ جيشه إلى ثلاث كتائب:
(١) كتيبة المهاجرين وأعطى لواءها مصعب بن عمير العبدري.
(٢) كتيبة الأوس من الأنصار. وأعطى لواءها أسيد بن حضير.
(٣) كتيبة الخزرج من الأنصار. وأعطى لواءها الحباب بن المنذر.
وكان الجيش متألفاً من ألف مقاتل فيهم مائة دارع وخمسون فارس، وقيل لم يكن من الفرسان أحد، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة، وأذن بالرحيل فتحرك الجيش نحو الشمال، وخرج السعدان أمام النبي ﷺ يعدوان دارعين وعندما وصل إلى مقام يقال له (الشيخان) استعرض جيشه، فرد من استصغره ولم يره مطيقاً للقتال، وفي هذا المكان أدركهم المساء، فصلى المغرب، ثم صلى العشاء، وبات هنالك، وانتخب خمسين رجلاً لحراسة المعسكر يتجولون حوله، وكان قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري، بطل سرية كعب بن الأشرف، وتولى ذكوان بن عبد قيس حراسة النبي ﷺ خاصة.
стр. 520
وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج حتى إذا كان بالشوط صلى الفجر، وكان بمقربة جداً من العدو، فقد كان يراهم ويرونه، وهناك تمرد عبد الله بن أبي المنافق، فانسحب بنحو ثلث العسكر - ثلاثمائة مقاتل.
وبعد هذا التمرد والانسحاب قام النبي ﷺ ببقية الجيش - وهم سبعمائة مقاتل - ليواصل سيره نحو العدو، وكان معسكر المشركين يحول بينه وبين أحد في مناطق كثيرة، فقال: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قريب) من طريق لا يمر بنا عليهم؟
فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول الله، ثم اختار طريقاً قصيراً إلى أحد يمر بحرة بني حارثة وبمزارعهم، تاركاً جيش المشركين إلى الغرب، ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي، فعسكر بجيشه مستقبلاً المدينة، وجاعلاً ظهره إلى هضاب جبل أحد، وعلى هذا صار جيش العدو فاصلاً بين المسلمين وبين المدينة.
وهناك عبأ رسول الله ﷺ جيشه، وهيأهم صفوفاً للقتال، فانتخب منهم فصيلة من الرماة الماهرين، قوامها خمسون مقاتلاً، وأعطى قيادتها لعبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري الأوسي البدري، وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الجنوبية من وادي قناة - وعرف فيما بعد بجبل الرماة - جنوب شرق معسكر المسلمين، على بعد حوالي مائة وخمسين متراً من مقر الجيش الإسلامي.
وبتعيين هذه الفصيلة في الجبل مع هذه الأوامر العسكرية الشديدة سد رسول الله ﷺ الثلمة الوحيدة التي كان يمكن لفرسان المشركين أن يتسللوا من ورائها إلى صفوف المسلمين، ويقوموا بحركات الالتفاف وعملية التطويق، أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو، وجعل على الميسرة الزبير بن العوام، يسانده المقداد بن الأسود، وكان إلى الزبير مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد، وجعل في مقدمة الصفوف نخبة ممتازة من شجعان المسلمين ورجالاتهم المشهورين بالنجدة والبسالة، والذين يوزنون بالآلاف، وهكذا تمت تعبئة الجيش النبوي صباح يوم السبت السابع من شهر شوال سنة ٣ هـ.
أما المشركون فعبأوا جيشهم حسب نظام الصفوف، فكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان
стр. 521
صخر بن حرب الذي تمركز في قلب الجيش. وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وعلى المشاة صفوان بن أمية، وعلى رماة النبل عبد الله بن أبي ربيعة، أما اللواء فكان إلى مفرزة من بني عبد الدار.
وقبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين وتقارب الجمعان، وتدانت الفئتان، وبدأت مراحل القتال، وكان أول وقود المعركة حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان من أشجع فرسان قريش، يسميه المسلمون كبش الكتيبة، خرج وهو راكب على جمل، يدعو إلى المبارزة، فأحجم عنه الناس لفرط شجاعته، ولكن تقدم إليه الزبير، ولم يمهله بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض، فألقاه عنه وذبحه بسيفه، ثم اندلعت نيران المعركة، واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان، وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين. فقد تعاقب بنو عبد الدار لحمل اللواء، عشرة من بني عبد الدار - من حملة اللواء - أبيدوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد يحمل اللواء، فتقدم غلام لهم حبشي - اسمه صواب - فحمل اللواء وأبدى من صنوف الشجاعة والثبات ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا قبله فقد قاتل حتى قطعت يداه، فبرك على اللواء بصدره وعنقه؛ لئلا يسقط حتى قتل وهو يقول: اللهم أعزرت (١)؟ يعني هل أعزرت. وبعد أن قتل هذا الغلام - صواب - سقط اللواء على الأرض، ولم يبق أحد يحمله، فبقي ساقطاً.
قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها.
وبينما كان الجيش الإسلامي الصغير، يسجل مرة أخرى نصراً ساحقاً على مكة لم يكن أقل روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة، قلبت الوضع تماماً، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين وكادت تكون سبباً في مقتل
стр. 522
النبي ﷺ ، وقد تركت أسوأ أثر على سمعتهم، والهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر.
لقد أسلفنا نصوص الأوامر الشديدة التي أصدرها رسول الله ﷺ إلى هؤلاء الرماة، بلزومهم موقفهم من الجبل في كل حال من النصر أو الهزيمة لكن على رغم هذه الأوامر المشددة؛ لما رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين ينتهبون غنائم العدو، غلبت عليهم أثارة من حب الدنيا، فقال بعضهم لبعض: الغنيمة، الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون؟ أما قائدهم عبد الله بن جبير، فقد ذكرهم أوامر الرسول ﷺ وقال: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ ولكن الأغلبية الساحقة لم تلق لهذا التذكير بالاً، وقالت: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، ثم غادر أربعون رجلاً من هؤلاء الرماة مواقعهم من الجبل والتحقوا بسواد الجيش ليشاركوه في جمع الغنائم، وهكذا خلت ظهور المسلمين ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعة من أصحابه، التزموا مواقفهم مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا.
وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية، فاستدار بسرعة خاطفة حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي، فلم يلبث أن أباد عبد الله بن جبير وأصحابه، ثم انقض على المسلمين من خلفهم، وصاح فرسانه صيحة عرف المشركون المنهزمون بالتطور الجديد فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت امرأة منهم - وهي عمرة بنت علقمة الحارثية - فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب، فالتف حوله المشركون ولاثوا به، وتنادى بعضهم بعضاً، حتى اجتمعوا على المسلمين وثبتوا للقتال، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف، ووقعوا بين شقي الرحى.
موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق:
وكان رسول الله ﷺ حينئذ في مفرزة صغيرة - تسعة نفر من أصحابه - في مؤخرة المسلمين، وكان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة، فكان أمامه طريقان، إما أن ينجو - بالسرعة - بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون، ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد.
стр. 523
وهناك تجلت عبقرية الرسول ﷺ وشجاعته المنقطعة النظير، فقد رفع صوته ينادي أصحابه: عباد الله، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون، ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطراً بنفسه في هذا الظرف الدقيق، وفعلاً فقد علم به المشركون فخلصوا إليه، قبل أن يصل إليه المسلمون.
تبدد المسلمين في الموقف:
أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم، فلم تكن تهمها إلا أنفسها، فقد أخذت طريق الفرار، وتركت ساحة القتال، وهي لا تدري ماذا وراءها؟ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها، وانطلق بعضهم إلى فوق الجبل، ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين، والتبس العسكران، فلم يتميزوا، فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض.
وهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد، وعمتها الفوضى، وتاه منها الكثيرون، لا يدرون أين يتوجهون، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحاً يصيح إن محمداً قد قتل، فطارت بقية صوابهم، وانهارت الروح المعنوية أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها، فتوقف من توقف منهم عن القتال، وألقى بأسلحته مستكيناً، وفكر آخرون في الاتصال بعبد الله بن أبي - رأس المنافقين - ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان.
وكانت هناك طائفة ثالثة لم يكن يهمهم إلا رسول الله ﷺ ، فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول الله ﷺ ، وعمل التطويق في بدايته وفي مقدمة هؤلاء أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب وغيرهم ﵃، كانوا في مقدمة المقاتلين، فلما أحسوا بالخطر على ذاته الشريفة ﵊ والتحية - صاروا في مقدمة المدافعين.
احتدام القتال حول رسول الله ﷺ :
وبينما كانت تلك الطوائف تتلقى أواصر التطويق، تطحن بين شقي رحى المشركين، كان العراك محتدماً حول رسول الله ﷺ ، وقد ذكرنا أن المشركين لما بدأوا عمل التطويق لم
стр. 524
يكن مع رسول الله ﷺ إلا تسعة نفر، فلما نادى المسلمين: هلم إلي، أنا رسول الله، سمع صوته المشركون وعرفوه فكروا إليه وهاجموه، ومالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين فجرى بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني والبسالة والبطولة.
وقعت هذه كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة، وإلا فالمصطفون الأخيار من صحابته ﷺ الذين كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال - لم يكادوا يرون تطور الموقف، أو يسمعون صوته ﷺ ، حتى أسرعوا إليه؛ لئلا يصل إليه شيء يكرهونه، إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول الله ﷺ ما لقي من الجراحات - وستة من الأنصار قد قتلوا والسابع قد أثبتته الجراحات، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح - فلما وصلوا أقاموا حوله سياجاً من أجسادهم وسلاحهم، وبالغوا في وقايته من ضربات العدو، ورد هجماتهم. وكان أول من رجع إليه هو ثانيه في الغار أبو بكر الصديق ﵁.
وخلال هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي ﷺ عصابة من أبطال المسلمين منهم: أبو دجانة، ومصعب بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وسهل بن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية، وقتادة بن النعمان، وعمر بن الخطاب، وحاطب بن أبي بلتعة، وأبو طلحة.
تضاعف ضغط المشركين:
كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن، وبالطبع فقد اشتدت حملاتهم وزاد ضغطهم على المسلمين، حتى سقط رسول الله ﷺ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فجحشت ركبته وأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائماً.
وشاع مقتل النبي ﷺ أشاعه ابن قمئة بعد مقتل مصعب بن عمير ﵁.
وهذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين، الذين لم يكونوا مع رسول الله ﷺ ، وانهارت معنوياتهم، حتى وقع داخل صفوفهم ارتباك شديد، وعمتها الفوضى والاضطراب، إلا أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة
стр. 525
هجمات المشركين؛ لظنهم أنهم نجحوا في غاية مرامهم، فاشتغل الكثير منهم بتمثيل قتلى المسلمين.
الرسول ﷺ يواصل المعركة وينقذ الموقف:
ولما قتل مصعب أعطى رسول الله ﷺ اللواء علي بن أبي طالب، فقاتل قتالاً شديداً، وقامت بقية الصحابة الموجودين هناك ببطولاتهم النادرة يقاتلون ويدافعون، وحينئذ استطاع رسول الله ﷺ أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق، فأقبل إليهم، فعرفه كعب ابن مالك - وكان أول من عرفه - فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إليه أن اصمت - وذلك لئلا يعرف موضعه المشركون - إلا أن هذا الصوت بلغ إلى آذان المسلمين، فلاذ إليه المسلمون حتى تجمع حوله حوالي ثلاثين رجلاً من الصحابة.
وبعد هذا التجمع أخذ رسول الله ﷺ في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل، وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين، واشتد المشركون في هجومهم؛ لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام، وفي أثناء انسحاب رسول الله ﷺ إلى الجبل عرضت له صخرة من الجبل، فنهض إليها ليعلوها، فلم يستطع، لأنه كان قد بدن وظاهر بين الدرعين وقد أصابه جرح شديد. فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها وقال: أوجب طلحة، أي: الجنة.
آخر هجوم قام به المشركون:
ولما تمكن رسول الله ﷺ من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من المسلمين. قال ابن إسحاق: بينا رسول الله ﷺ في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل - يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد - فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا"، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.
وكان هذا آخر هجوم قام به المشركون ضد النبي ﷺ ، ولما لم يكونوا يعرفون من
стр. 526
مصيره شيئاً - بل كانوا على شبه اليقين من قتله - رجعوا إلى مقرهم، وأخذوا يتهيأون للرجوع إلى مكة، واشتغل من اشتغل منهم - وكذا اشتغلت نساؤهم - بقتلى المسلمين، يمثلون بهم، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج، ويبقرون البطون. بقرت هند بنت عتبة كبد حمزة، فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، واتخذت من الآذان والأنوف خدماً - خلاخيل - وقلائد.
قال ابن إسحاق: ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: "قل: نعم هو بيننا وبينك موعد".
التثبت من موقف المشركين:
ثم بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فقال: "اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وما يريدون؟ فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم" قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة.
اتفقت جل الروايات على أن قتلى المسلمين كانوا سبعين، وكانت الأغلبية الساحقة من الأنصار، فقد قتل منهم خمسة وستون رجلاً، واحد وأربعون من الخزرج وأربع وعشرون من الأوس، وقتل رجل من اليهود. وأما شهداء المهاجرين فكانوا أربعة فقط، وأما قتلى المشركين فقد ذكر ابن إسحاق أنهم اثنان وعشرون قتيلاً، ولكن الإحصاء الدقيق - بعد تعميق النظر في جميع تفاصيل المعركة التي ذكرها أهل المغازي والسير، والتي تتضمن ذكر قتلى المشركين في مختلف مراحل القتال - يفيد أن عدد قتلى المشركين سبعة وثلاثون، لا اثنان وعشرون. والله أعلم.
بات المسلمون في المدينة - ليلة الأحد الثامن من شهر شوال سنة ٣ هـ بعد الرجوع عن معركة أحد - وهم في حالة الطوارئ، باتوا - وقد أنهكهم التعب، ونال منهم أي منال - يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها، ويحرسون قائدهم الأعلى رسول الله ﷺ خاصة، إذ كانت
стр. 527
تتلاحقهم الشبهات من كل جانب. اهـ المباركفوري.
هذه هي قصة أحد في خطوطها الكبرى، وقد لخصها ابن حجر في الفتح وعلق عليها فقال:
وكان السبب فيها ما ذكر ابن إسحاق عن شيوخه وموسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبو الأسود عن عروة قالوا، وهذا ملخص ما ذكره موسى بن عقبة في سياق القصة كلها قال: لما رجعت قريش استجلبوا من استطاعوا من العرب وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد، وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر وتمنوا لقاء العدو، ورأى رسول الله ﷺ ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: "رأيت البارحة في منامي بقرأ تذبح، والله خير وأبقى، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته أو قال به فلول فكرهته وهما مصيبتان، ورأيت أني في درع حصينة وأني مردف كبشاً" قالوا: وما أولتها؟ قال: "أولت البقر بقراً يكون فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا، فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت" فقال أولئك القوم: يا نبي الله كنا نتمنى هذا اليوم، وأبى كثير من الناس إلا الخروج فلما صلى الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فندم ذوو الرأي منهم فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا، فقال: "ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل" نزل فخرج بهم وهم ألف رجل وكان المشركون ثلاثة آلاف حتى نزل بأحد، ورجع عنه عبد الله ابن أبي بن سلول في ثلثمائة فبقي في سبعمائة، فلما رجع عبد الله سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين وهما بنو حارثة وبنو سلمة، وصف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة وتعبؤوا للقتال، وعلى خيل المشركين - وهي مائة فرس - خالد بن الوليد، وليس مع المسلمين فرس وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان، وأمر رسول الله ﷺ عبد الله بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلاً وعهد إليهم أن لا يتركوا منازلهم، وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير، فبارز طلحة بن عثمان فقتله، وحمل المسلمون على المشركين حتى أجهضوهم عن أثقالهم، وحملت خيل المشركين فنضحتهم الرماة بالنبل ثلاث مرات، فدخل المسلمون عسكر المشركين فانتهبوهم، فرأى ذلك الرماة فتركوا
стр. 528
مكانهم، ودخلوا العسكر، فأبصر ذلك خالد بن الوليد ومن معه فحملوا على المسلمين في الخيل فمزقوهم، وصرخ صارخ: قتل محمد أخزاكم، فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضاً وهم لا يشعرون، وانهزم طائفة منهم إلى جهة المدينة وتفرق سائرهم ووقع فيهم القتل، وثبت نبي الله حين انكشفوا عنه وهو يدعوهم في أخراهم، حتى رجع إليه بعضهم وهو عند المهراس في الشعب، وتوجه النبي ﷺ يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته، فمر مصعداً في الشعب ومعه طلحة والزبير، وقيل معه طائفة من الأنصار منهم الحارث بن الصمة، وشغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنها أصابوا النبي ﷺ وأشراف أصحابه، فقال أبو سفيان يفتخر بآلهته: اعل هبل، فناداه عمر: الله أعلى وأجل. ورجع المشركون إلى أثقالهم فقال النبي ﷺ لأصحابه: "إن ركبوا وجعلوا الأثقال - أي الإبل - تتبع آثار الخيل، فهم يريدون البيوت، وإن ركبوا الأنفال وتجنبوا الخيل فهم يريدون الرجوع" فتبعهم سعد بن أبي وقاص، ثم رجع فقال: رأيت الخيل مجنوبة، فطابت أنفس المسلمين ورجعوا إلى قتلاهم فدفنوهم في ثيابهم ولم يغسلوهم ولم يصلوا عليهم، وبكى المسلمون على قتلاهم، فسر المنافقون وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق، فقالت اليهود: لو كان نبياً ما ظهروا عليه، وقالت المنافقون: لو أطاعونا ما أصابهم هذا.
قال العلماء: وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة:
منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول أن لا يبرحوا منه. ومنها أن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة كما تقدم في قصة هرقل مع أبي سفيان، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائماً دخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائماً لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفياً عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحاً، وعرف المسلمون أن لهم عدواً في دورهم فاستعدوا لهم
стр. 529
وتحرزوا منهم، ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضماً للنفس وكسراً لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون. ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم. ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق بذلك الكافرين. ثم ذكر المصنف آيات من آل عمران في هذا الباب وفيما بعده كلها تتعلق بوقعة أحد، وقد قال ابن إسحاق: أنزل الله في شأن أحد ستين آية من آل عمران، وروى ابن أبي حاتم من طريق المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف أخبرني عن قصتكم يوم أحد، قال اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال) إلى قوله (أمنة نعاساً) (١) اهـ.
١ - بين يدي الالتحام
٣٦١ - *روى الطبراني عن عمر بن الخطاب قال: فلما كان عام أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ فكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم وأنزل الله : (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير) (٢) بأخذكم الفداء.
٣٦٢ - *روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: وخرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة
стр. 530
حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد فالتقوا يوم السبت في النصف من شوال.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق ومالك، قال ابن إسحاق للنصف من شوال، وقال قتادة يوم السبت الحادي عشر منه قال مالك وكانت الوقعة في أول النهار وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ الممنين مقاعد للقتال والله سميع عليم* إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون* ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون* إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين* بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) الآيات وما بعدها إلى قوله: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب) (١).
٣٦٣ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: اصطبح ناس الخمر يوم أحد ثم قتلوا شهداء.
قال ابن كثير: (تنبيه): ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد والصواب إيرادها بعد ذلك، كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير وثبت في الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيداً، فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالاً وإنما حرمت بعد ذلك، فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد. والله أعلم.
(تنبيه آخر): خبر يهود بني قينقاع بعد وقعة بدر كما تقدم، وكذلك قتل كعب بن الأشرف اليهودي على يدي الأوس، وخبر بني النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي، وكذلك