← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مصيره شيئاً - بل كانوا على شبه اليقين من قتله - رجعوا إلى مقرهم، وأخذوا يتهيأون للرجوع إلى مكة، واشتغل من اشتغل منهم - وكذا اشتغلت نساؤهم - بقتلى المسلمين، يمثلون بهم، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج، ويبقرون البطون. بقرت هند بنت عتبة كبد حمزة، فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، واتخذت من الآذان والأنوف خدماً - خلاخيل - وقلائد. قال ابن إسحاق: ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: "قل: نعم هو بيننا وبينك موعد". التثبت من موقف المشركين: ثم بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فقال: "اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وما يريدون؟ فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم" قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة. اتفقت جل الروايات على أن قتلى المسلمين كانوا سبعين، وكانت الأغلبية الساحقة من الأنصار، فقد قتل منهم خمسة وستون رجلاً، واحد وأربعون من الخزرج وأربع وعشرون من الأوس، وقتل رجل من اليهود. وأما شهداء المهاجرين فكانوا أربعة فقط، وأما قتلى المشركين فقد ذكر ابن إسحاق أنهم اثنان وعشرون قتيلاً، ولكن الإحصاء الدقيق - بعد تعميق النظر في جميع تفاصيل المعركة التي ذكرها أهل المغازي والسير، والتي تتضمن ذكر قتلى المشركين في مختلف مراحل القتال - يفيد أن عدد قتلى المشركين سبعة وثلاثون، لا اثنان وعشرون. والله أعلم. بات المسلمون في المدينة - ليلة الأحد الثامن من شهر شوال سنة ٣ هـ بعد الرجوع عن معركة أحد - وهم في حالة الطوارئ، باتوا - وقد أنهكهم التعب، ونال منهم أي منال - يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها، ويحرسون قائدهم الأعلى رسول الله ﷺ خاصة، إذ كانت

стр. 527

تتلاحقهم الشبهات من كل جانب. اهـ المباركفوري. هذه هي قصة أحد في خطوطها الكبرى، وقد لخصها ابن حجر في الفتح وعلق عليها فقال: وكان السبب فيها ما ذكر ابن إسحاق عن شيوخه وموسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبو الأسود عن عروة قالوا، وهذا ملخص ما ذكره موسى بن عقبة في سياق القصة كلها قال: لما رجعت قريش استجلبوا من استطاعوا من العرب وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد، وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر وتمنوا لقاء العدو، ورأى رسول الله ﷺ ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: "رأيت البارحة في منامي بقرأ تذبح، والله خير وأبقى، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته أو قال به فلول فكرهته وهما مصيبتان، ورأيت أني في درع حصينة وأني مردف كبشاً" قالوا: وما أولتها؟ قال: "أولت البقر بقراً يكون فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا، فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت" فقال أولئك القوم: يا نبي الله كنا نتمنى هذا اليوم، وأبى كثير من الناس إلا الخروج فلما صلى الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فندم ذوو الرأي منهم فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا، فقال: "ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل" نزل فخرج بهم وهم ألف رجل وكان المشركون ثلاثة آلاف حتى نزل بأحد، ورجع عنه عبد الله ابن أبي بن سلول في ثلثمائة فبقي في سبعمائة، فلما رجع عبد الله سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين وهما بنو حارثة وبنو سلمة، وصف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة وتعبؤوا للقتال، وعلى خيل المشركين - وهي مائة فرس - خالد بن الوليد، وليس مع المسلمين فرس وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان، وأمر رسول الله ﷺ عبد الله بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلاً وعهد إليهم أن لا يتركوا منازلهم، وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير، فبارز طلحة بن عثمان فقتله، وحمل المسلمون على المشركين حتى أجهضوهم عن أثقالهم، وحملت خيل المشركين فنضحتهم الرماة بالنبل ثلاث مرات، فدخل المسلمون عسكر المشركين فانتهبوهم، فرأى ذلك الرماة فتركوا

стр. 528

مكانهم، ودخلوا العسكر، فأبصر ذلك خالد بن الوليد ومن معه فحملوا على المسلمين في الخيل فمزقوهم، وصرخ صارخ: قتل محمد أخزاكم، فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضاً وهم لا يشعرون، وانهزم طائفة منهم إلى جهة المدينة وتفرق سائرهم ووقع فيهم القتل، وثبت نبي الله حين انكشفوا عنه وهو يدعوهم في أخراهم، حتى رجع إليه بعضهم وهو عند المهراس في الشعب، وتوجه النبي ﷺ يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته، فمر مصعداً في الشعب ومعه طلحة والزبير، وقيل معه طائفة من الأنصار منهم الحارث بن الصمة، وشغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنها أصابوا النبي ﷺ وأشراف أصحابه، فقال أبو سفيان يفتخر بآلهته: اعل هبل، فناداه عمر: الله أعلى وأجل. ورجع المشركون إلى أثقالهم فقال النبي ﷺ لأصحابه: "إن ركبوا وجعلوا الأثقال - أي الإبل - تتبع آثار الخيل، فهم يريدون البيوت، وإن ركبوا الأنفال وتجنبوا الخيل فهم يريدون الرجوع" فتبعهم سعد بن أبي وقاص، ثم رجع فقال: رأيت الخيل مجنوبة، فطابت أنفس المسلمين ورجعوا إلى قتلاهم فدفنوهم في ثيابهم ولم يغسلوهم ولم يصلوا عليهم، وبكى المسلمون على قتلاهم، فسر المنافقون وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق، فقالت اليهود: لو كان نبياً ما ظهروا عليه، وقالت المنافقون: لو أطاعونا ما أصابهم هذا. قال العلماء: وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة: منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول أن لا يبرحوا منه. ومنها أن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة كما تقدم في قصة هرقل مع أبي سفيان، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائماً دخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائماً لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفياً عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحاً، وعرف المسلمون أن لهم عدواً في دورهم فاستعدوا لهم

стр. 529

وتحرزوا منهم، ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضماً للنفس وكسراً لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون. ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم. ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق بذلك الكافرين. ثم ذكر المصنف آيات من آل عمران في هذا الباب وفيما بعده كلها تتعلق بوقعة أحد، وقد قال ابن إسحاق: أنزل الله في شأن أحد ستين آية من آل عمران، وروى ابن أبي حاتم من طريق المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف أخبرني عن قصتكم يوم أحد، قال اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال) إلى قوله (أمنة نعاساً) (١) اهـ. ١ - بين يدي الالتحام ٣٦١ - *روى الطبراني عن عمر بن الخطاب قال: فلما كان عام أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ فكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم وأنزل الله : (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير) (٢) بأخذكم الفداء. ٣٦٢ - *روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: وخرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة

стр. 530

حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد فالتقوا يوم السبت في النصف من شوال. قال ابن كثير في البداية والنهاية: وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق ومالك، قال ابن إسحاق للنصف من شوال، وقال قتادة يوم السبت الحادي عشر منه قال مالك وكانت الوقعة في أول النهار وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ الممنين مقاعد للقتال والله سميع عليم* إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون* ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون* إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين* بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) الآيات وما بعدها إلى قوله: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب) (١). ٣٦٣ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: اصطبح ناس الخمر يوم أحد ثم قتلوا شهداء. قال ابن كثير: (تنبيه): ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد والصواب إيرادها بعد ذلك، كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير وثبت في الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيداً، فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالاً وإنما حرمت بعد ذلك، فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد. والله أعلم. (تنبيه آخر): خبر يهود بني قينقاع بعد وقعة بدر كما تقدم، وكذلك قتل كعب بن الأشرف اليهودي على يدي الأوس، وخبر بني النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي، وكذلك

стр. 531

مقتل أبي رافع اليهودي تاجر أهل الحجاز على يدي الخزرج وخبر يهود بني قريظة بعد يوم الأحزاب وقصة الخندق كما سيأتي. ٣٦٤ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقراً منحرة، فأولت أن الدرع الحصينة المدينة، وأن البقر هو والله خير" قال فقال لأصحابه: "لو أنا أقمنا بالمدينة فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم" فقالوا: يا رسول الله، والله ما دخل علينا فيها في الجاهلية فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام قال عفان في حديثه فقال: "شأنك إذاً" قال: فلبس لأمته قال فقالت الأنصار: رددنا على رسول الله ﷺ رأيه، فجاؤوا فقالوا: يا نبي الله شأنك إذاً فقال: "إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل". ٣٦٥ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: تنفل رسول الله ﵌ سيفه ذا الفقار يوم بدر، قال ابن عباس: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك أن رسول الله ﵌ لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأي رسول الله ﵌ أن يقيم بالمدينة يقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدراً: تخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر، فما زالوا برسول الله ﵌ حتى لبس أداته فندموا وقالوا: يا رسول الله أقم فالرأي رأيك. فقال رسول الله وىله وسلم: "ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" قال: وكان لما قال لهم رسول الله ﵌ يومئذ قبل أن يلبس الأداة: "إني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة، وأني مردف كبشاً فأولته كبش الكتيبة ورأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم ورأيت بقراً تذبح فبقر والله خير فبقر والله خير".

стр. 532

٣٦٦ - * روى أبو داود عن السائب بن يزيد ﵁ عن رجل قد سماه أن رسول الله ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين أو لبس درعين. ٣٦٧ - * روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: عرضت يوم أحد على النبي ﵌ ولي ثلاث عشرة فجعل أبي يأخذ بيدي فيقول: يا رسول إنه عبل العظام. قال: وجعل النبي ﵌ يصعد في البصر ويصوبه ثم قال رده فردني. ٣٦٨ - * روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁: لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد رجع ناس من أصحابه فقالت فرقة: نقتلهم، وقالت فرقة: لا نقتلهم، فنزلت: (فما لكم في المنافقين فئتين) (٤) وقال النبي ﷺ : "إنها تنفي الرجال، كما تنفي النار خبث الحديد". قال في الفتح: قوله: (رجع ناس ممن خرج معه) يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقد ورد ذلك صريحاً في رواية موسى بن عقبة في المغازي وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي ﷺ على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي ﷺ فخرج

стр. 533

قال عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس. قال ابن إسحق في روايته: فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجياً كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا فقال: أبعدكم الله. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: قال ابن إسحاق حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال: أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد الله فقال: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وابوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه ﷺ . قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى: (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) (١) يعني أنهم كاذبون في قولهم لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، وذلك لأن وقوع القتال أمره ظاهر بيِّن واضح لا خفاء ولا شك فيه، وهم الذين أنزل الله فيهم: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) الآية وذلك أن طائفة قالت: نقاتلهم، وقال آخرون: لا نقاتلهم كما ثبت وبين في الصحيح. أ. هـ. ٣٦٩ - * روى البزار عن الزبير بن العوام قال: عرض رسول الله ﷺ سيفاً يوم أحد، فقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه" فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: يا رسول الله: أنا آخذه بحقه فما حقه؟ قال: فأعطاه إياه وخرج واتبعته فجعل لا يمر بشيء إلا أفراه

стр. 534

وهتكه حتى أتى نسوة في سفح الجبل ومعهن هند وهي تقول: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق والمسك في المفارق ... إن تقبلوا نعانق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق فحملت عليها فنادت بالصحراء فلم يجبها أحد، فانصرف فقلت له: كل صنيعك قد رأيته فأعجبني، غير أنك لم تقتل المرأة. قال: إنها نادت فلم يجبها أحد، فكرهت أن أضرب بسيف رسول الله ﷺ امرأة لا ناصر لها. ٣٧٠ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ سيفاً يوم أحد، فقال: "من يأخذ مني هذا؟ " فبسطوا أيديهم - كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا - فقال: "فمن يأخذه بحقه؟ " فأحجم القوم، فقال سماك بن خرشة، أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين. ٣٧١ - * روى الحاكم عن جابر ﵁ قال: قال لي أبي: يا بني لا أدري لعلي أن أكون في أول من يصاب غداً وذلك يوم أحد، فأوصيك ببنيات عبد الله خيراً، فالتقوا فأصيب ذلك اليوم. ٣٧٢ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أحد: "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض".

стр. 535

قال النووي: قوله: (إن تشأ لا تعبد في الأرض) قال العلماء: فيه التسليم لقدر الله تعالى والرد على غلاة القدرية الزاعمين أن الشر غير مراد ولا مقدر. تعالى الله عن قولهم. وهذا الكلام متطلب أيضاً النصر. وجاء في هذه الرواية أنه ﷺ قال هذا يوم أحد، وجاء بعده أنه قاله يوم بدر، وهو المشهور في كتب السيرة والمغازي، ولا معارضة بينهما. فقاله في اليومين. ٣٧٣ - * روى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تدعو الله؟ فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو فلقني رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه فأمن عبد الله ابن جحش ثم قال: اللهم ارزقني رجلاً شديداً حرده شديداً بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غداً: قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك ﷺ فتقول: صدقت قال سعد: يا بني كانت دعوة عبد الله بن جحش خيراً من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط. ٣٧٤ - * روى البخاري عن أبي طلحة ﵁ قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مراراً، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه. وفي رواية الترمذي (٣) قال: غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد، حدث أنه كان فيمن غشيه النعاس يومئذ، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط من يدي وآخره، والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحق.

стр. 536

وفي أخرى له (١) قال: رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس، فذلك قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً) (٢). فائدة: الذي يبدو لي أن النعاس أصابهم مرتين يوم أحد: مرة قبل المعركة ومرة بعد المعركة، والروايات هذه تشير إلى الاثنتين فلا شك أن النعاس الذي أشارت إليه الآية كان بعد المعركة. (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً) (٣). والنعاس الذي أشار إليه النص (ونحن في مصافنا) كان قبل المعركة واختلط الأمر على بعض الرواة فدمجوا الروايتين. ٢ - الالتحام ٣٧٥ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما نصر النبي ﵌ في موطن كما نصر يوم أحد، قال: فأنكرنا ذلك فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ، إن الله يقول في يوم أحد (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) يقول ابن عباس: والحس القتل (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من

стр. 537

يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) (١) وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﵌ أقامهم في موضع، ثم قال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا" فلما غنم رسول الله ﵌، وأباحوا عسكر المشركين انكشف الرماة جميعاً (٢) فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي ﵌، فهم هكذا، وشبك بين أصابع يديه، والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخل الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي ﷺ فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان الرسول ﷺ وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغاب، إنما كان تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد، فلم يشكوا فيه أنه حق فما زلنا كذلك ما نشك أنه قد قتل، حتى طلع رسول الله ﵌ بين السعدين، فعرفناه بتكفؤه إذا مشى، قال: ففرحنا، حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا. قال: فرقى نحونا وهو يقول "اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم" قال ويقول مرة أخرى: "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا" حتى انتهى إلينا قال: فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل، اعل هبل اعل هبل - يعني آلهته أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: يا رسول الله! ألا أجيبه قال: "بلى" فلما قال اعل هبل قال عمر: الله أعلى وأجل فقال أبو

стр. 538

سفيان: يا ابن الخطاب إنه يوم الصمت فعاد فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﵌، وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنكم لتزعمون ذلك لقد خبنا إذاً وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا، ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إذ كان ذلك لم نكرهه. قال الدكتور البوطي: ما الحكمة في أن يشيع خبر مقتل رسول الله ﷺ في صفوف المسلمين؟! .. الجواب: أن ارتباط المسلمين برسول الله ﷺ ووجوده فيما بينهم كان من القوة بحيث لم يكونوا يتصورون فراقه ولم يكونوا يتخيلون قدرة لهم على التماسك من بعده، فكان أمر وفاة رسول الله ﷺ شيئاً لا يخطر لهم في بال، وكأنهم كانوا يسقطون حساب ذلك من أذهانهم، ولا ريب أنهم لو استيقظوا من غفلتهم هذه على خبر وفاته الحقيقية، لصدع الخبر أفئدتهم، ولزعزع كيانهم الإيماني بل ولقوضه في نفوس كثير منهم. فكان من الحكمة الباهرة أن تشيع هذه الشائعة، تجربة درسية بين تلك الدروس العسكرية العظيمة، كي يستفيق المسلمون من ورائها إلى الحقيقة التي ينبغي أن يوطنوا أنفسهم لها منذ الساعة، وأن لا يرتدوا على أعقابهم إذا وجدوا أن رسول الله ﷺ قد اختفى من بينهم. ومن أجل بيان هذا الدرس الجليل نزلت الآية تعليقاً على ما أصاب كثيراً من المسلمين من ضعف وتراجع لدى سماعهم نبأ مقتل رسول الله ﷺ ، وذلك إذ يقول الله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم

стр. 539

ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) (١). ولقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس، يوم أن لحق رسول الله ﷺ فعلاً بالرفيق الأعلى، فقد كانت شائعة أحد هذه، مع ما نزل بسببها من القرآن، هي التي أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى الحقيقة، فودعوا رسول الله ﷺ بقلوبهم الحزينة، ثم رجعوا إلى الأمانة التي تركها بين أيديهم، أمانة الدعوة والجهاد في سبيل الله، فنهضوا بها أقوياء بإيمانهم أشداء في عقيدتهم وتوكلهم على الله تعالى. ٣٧٦ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: "في الجنة" فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل. قال في الفتح: لكن وقع التصريح في حديث أنس أن ذلك كان يوم بدر، والقصة التي في الباب وقع التصريح في حديث جابر أنها كانت يوم أحد، فالذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لرجلين، والله أعلم. وفيه ما كان الصحابة عليه من حب نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة ابتغاء مرضاة الله. ٣٧٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: دخل علي بن أبي طالب على فاطمة يوم أحد فقال: خذي هذا السيف غير ذميم. فقال النبي ﷺ : "لئن كنت أحسنت القتال لقد أحسنه سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة". ٣٧٨ - * وروى أبو يعلى عن عقبة مولى جبر بن عتيك ﵄، قال: شهدت أحداً مع موالي فضربت رجلاً من المشركين، فلما قتلته قلت: خذها مني وأنا الرجل الفارسي،

стр. 540

فلما بلغت رسول الله ﷺ قال: "ألا قلت خذها وأنا الغلام الأنصاري فإن مولى القوم من أنفسهم". ٣٧٩ - * روى البخاري عن البراء بن عازب ﵄ قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ﷺ جيشاً من الرماة، وأمر عليهم عبد الله وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا" فلما لقينا هربوا، حتى رأيت النساء يتشددن في الجبل، رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخيلهن فأخذوا يقولون: الغنيمة، الغنيمة، فقال عبد الله عهد إلي النبي ﷺ : أن لا تبرحوا، فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلاً، وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه" قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: "لا تجيبوه" فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخريك، قال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي ﷺ "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجل" قال أبو سفيان: لنا العزى، ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ : "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم" قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة، لم آمر بها، ولم تسؤني. - وأخرج أبو داود (١) الرواية الثانية إلى قوله: صرفت وجوههم، ثم قال: وأقبلوا منهزمين وفي رواية: فأنا والله رأيت النساء يسندن في الجبل.

стр. 541

وقال في الفتح: قوله (رفعن عن سوقهن) جمع ساق أي ليعينهن ذلك على سرعة الهرب. وفي حديث الزبير بن العوام عند ابن إسحاق قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم (١) هند بنت عتبة وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أحدهن قليل ولا كثير. إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهرنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب لوائهم حتى ما يدنو منه أحد من القوم. وقال: وفي هذا الحديث من الفوائد منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ وخصوصيتهما به بحيث كان أعداؤه لا يعرفون بذلك غيرهما، إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما. وأنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعمة الله ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها. وفيه شؤم ارتكاب النهي، وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (٢) وأن من آثر دنياه، أضر بأمر آخرته ولم تحصل له دنياه. واستفيد من هذه الكائنة أخذ الصحابة الحذر من العود إلى مثلها، والمبالغة في الطاعة، والتحرز من العدو الذين كانوا يظهرون أنهم منهم وليسوا منهم، وإلى ذلك أشار في سورة آل عمران أيضاً: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) إلى أن قال - (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) (٣) وقال: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) (٤). وقد تحدث في الفتح عما آل إليه الأمر بعد الفشل: صاروا ثلاث فرق: فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة فما رجعوا حتى انفض القتال وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان) (٥)، وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قتل فصار غاية الواحد منهم

стр. 542

أن يذب عن نفسه أو يستمر على بصيرته في القتال إلى أن يقتل، وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ ، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئاً فشيئاً لما عرفوا أنه حي، وبهذا يجمع بين مختلف الأخبار في عدة من بقي مع النبي ﷺ ، فعند محمد بن عائذ من مرسل المطلب بن حنطب: لم يبق معه سوى اثني عشر رجلاً، وعند ابن سعد ثبت معه سبعة من الأنصار وسبعة من قريش، وفي مسلم من حديث أنس، أفرد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش طلحة وسعد، وقد سرد أسماءهم الواقدي، واقتصر أبو عثمان النهدي على ذكر طلحة وسعد وهو في الصحيح "وأخرج الطبري من طريق السدي أن ابن قمئة لما رمى النبي ﷺ وكسر رباعيته وشجه في وجهه وتفرق الصحابة منهزمين وجعل يدعوهم فاجتمع إليه منهم ثلاثون رجلاً، فذكر بقية القصة اهـ. ٣٨٠ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى - أو نظن - أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) (١).

стр. 543

وعند مسلم (١)، قال أنس: عمي الذي سميت به: لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدراً قال: فشق عليه، قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيبت عنه وإن أراني الله مشهداً فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليراني الله ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها، قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال: فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو: أين؟ فقال: واهاً لريح الجنة، أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون، من بين ضربة ورمية وطعنة، ثم ذكر نحو ما تقدم. قال في الفتح: قوله: (إني أجد ريح الجنة دون أحد) يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شم رائحة طيبة زائدة عما يعهد فعرف أنها ريح الجنة، ويحتمل أن يكون أطلق ذلك باعتبار ما عنده من اليقين حتى كأن الغائب عنه صار محسوساً عنده، والمعنى أن الموضع الذي أقاتل فيه يئول بصاحبه إلى الجنة. قوله: (فمضى فقتل) في رواية عبد الأعلى (قال سعد بن معاذ: فما استطعت يا رسول الله ما صنع). قلت: وهذا يشعر بأن أنس بن مالك إنما سمع هذا الحديث من سعد بن معاذ لأنه لم يحضر قتل أنس بن النضر، ودل ذلك على شجاعة مفرطة في أنس بن النضر بحيث أن سعد بن معاذ مع ثباته يوم أحد وكمال شجاعته ما جسر على ما صنع أنس بن النضر. اهـ. - وفي الحديث جواز الأخذ بالشدة في الجهاد، وبذل المرء نفسه في طلب الشهادة، والوفاء بالعهد. ٣٨١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: "من يردهم عنا وله

стр. 544

الجنة؟ " أو "هو رفيقي في الجنة" - فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضاً، فقال: "من يردهم عنا وله الجنة؟ " أو "هو رفيقي في الجنة" فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا". وفي قوله: "ما أنصفنا أصحابنا". قال ابن القيم: وهذا يروى على وجهين: بسكون الفاء ونصب أصحابنا على المفعولية، وفتح الفاء ورفع أصحابنا على الفاعلية، ووجه النصب أن الأنصار لما خرجوا للقتال واحد بعد واحد حتى قتلوا ولم يخرج القرشيان، قال ذلك أي ما أنصفت قريش الأنصار، ووجه الرفع أن يكون المراد بالأصحاب الذين فروا عن رسول الله ﷺ حتى أفردوه في النفر القليل فقتلوا واحد بعد واحد فلم ينصفوا رسول الله ﷺ ولا من ثبت معه اهـ. قال ابن حجر في الفتح: عن جابر قال: (تفرق الناس عن النبي ﷺ يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار وطلحة) وإسناده جيد، وهو كحديث أنس، إلا أن فيه زيادة أربعة فلعلهم جاءوا بعد ذلك. اهـ. أقول: لقد كانت المواقف متلاحقة والمشاهد متعددة متجددة، وكل تحدث عن مشهد أو موقف فلا منافاة بين الأقوال. ٣٨٢ - * روى مسلم عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبي ﷺ ، وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة. قال: وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع، وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً. قال: فكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل. فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال: ويشرف نبي الله ﷺ ينظر

стр. 545

إلى القوم. فيقول أبو طلحة: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي! لا تشرف لا يصبك سهم من سهام القوم. نحري دون نحرك. قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان. أرى خدم سوقهما. تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواههم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم. ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثاً، من النعاس. وللبخاري (١) قال: كان أبو طلحة يتترس مع النبي ﷺ بترس واحد، وكان أبو طلحة حسن الرمي، فكان إذا رمى يشرف النبي ﷺ ، فينظر إلى موضع نبله. ٣٨٣ - * وروى الحاكم عن موسى بن طلحة أن طلحة رجع بسبع وثلاثين أو خمس وثلاثين بين ضربة وطعنة ورمية ترصع جبينه وقطعت سبابته وشلت الإصبع التي تليها. ٣٨٤ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ قد شلت. وفي رواية (٢): "رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد. ٣٨٥ - * وروى النسائي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما كان يوم أحد وولى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية في اثني عشر رجلاً من الأنصار، وفيهم طلحة بن عبيد الله، فأدركهم المشركون، فالتفت رسول الله ﷺ ، وقال: "من للقوم؟ " فقال طلحة: أنا، قال رسول الله ﷺ : "كما أنت" فقال رجل من الأنصار: أنا

стр. 546

يا رسول الله، فقال: "أنت" فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: "من للقوم؟ " فقال طلحة: أنا، قال: "كما أنت" فقال رجل من الأنصار: أنا، فقال: "أنت" فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقول ذلك، ويخرج إليهم رجل من الأنصار، فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل حتى بقي رسول الله ﷺ وطلحة بن عبيد الله، فقال رسول الله ﷺ : "من للقوم؟ " فقال طلحة: أنا فقاتل طلحة قتال الأحد عشر، حتى ضربت يده، فقطعت أصابعه، فقال: حس، فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون" ثم رد الله المشركين. ٣٨٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي ﵀ قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام - التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد، عن حديثهما. قال في الفتح: ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج" من طريق عبد الله بن معاذ عن معتمر في هذا الحديث "قال سليمان فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما" وهذا قد يعكر عليه أن المقداد كان ممن بقي معه، لكن يحتمل أن المقداد إنما حضر بعد تلك الجولة، ويحتمل أن يكون انفرادهما عنه في بعض المقامات، فقد روى مسلم من طريق ثابت عن أنس قال: "أفرد رسول الله ﷺ يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش" وكأنه المراد بالرجلين طلحة وسعد، وكأن المراد بالحصر المذكور في حديث الباب تخصيصه بالمهاجرين، فكأنه قال: لم يبق معه من المهاجرين غير هذين، وتعين حمله على ما أولته وأن ذلك باعتبار اختلاف الأحوال وأنهم تفرقوا في القتال، فلما وقعت الهزيمة فيمن انهزم وصاح الشيطان: قتل محمد، اشتغل كل واحد منهم بهمه والذب عن نفسه كما في حديث سعد، ثم عرفوا عن قرب ببقائه فتراجعوا إليه أولاً فأولاً، ثم بعد ذلك كان يندبهم إلى القتال فيشتغلون به. وروى ابن إسحاق بإسناد حسن عن الزبير بن

стр. 547

العوام قال: "مال الرماة يوم أحد يريدون النهب، فأتينا من ورائنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا راجعين، وانكفأ القوم علينا". أ. هـ. ٣٨٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ إبليس لعنة الله عليه أي عباد الله، أخراكم، فرجعت أولاهم، فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله، أبي، أبي، قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة منها بقية خير، حتى لحق بالله. في رواية أن النبي ﷺ قدم لحذيفة دية أبيه فرفضها وتصدق بديته على المسلمين فزاده ذلك عند النبي ﷺ خيراً. ٣٨٨ - * روى البزار عن أبي بكر، ﵁: لما انصرف الناس عن النبي ﷺ كنت أول من فاء إلى رسول الله ﷺ فجعلت أنظر إلى رجل يقاتل بين يديه فقلت: كن طلحة، ثم نظرت فإذا أنا بإنسان خلفي كأنه طائر فلم أشعر أن أدركني، فإذا هو أبو عبيدة ابن الجراح، وإذا طلحة بين يديه صريعاً، قال: دونكم أخوكم فقد أوجب، فتركناه، وأقبلنا على رسول الله ﷺ وإذا قد أصاب رسول الله ﷺ في وجهه سهمان فأردت أن أنزعهما فما زال أبو عبيدة يسألني ويطلب إلي حتى تركته فنزع أحد السهمين وأزم عليه بأسنانه فقلعه، وابتدرت إحدى، ثنيتيه، ثم لم يزل يسألني ويطلب إلي أن أدعه ينزع الآخر، فوضع ثنيته على السهم وأزم عليه كراهية أن يؤذي النبي ﷺ إن تحول فنزعه وابتدرت ثنيته أو إحدى ثنيته فكان أبو عبيدة أهتم الثنايا.

стр. 548

٣٨٩ - * روى الحاكم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أخذ إلى النبي ﵌ يريده فاعترض رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله ﵌ فخلوا سبيله فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، ورأى رسول الله ﵌ ترقوة أبي من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه بحربته، فسقط أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فكسر ضلعاً من أضلاعه فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش، فذكر لهم قول رسول الله ﵌ "بل أنا أقتل أبياً" ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين، فمات أبي إلى النار فسحقاً لأصحاب السعير قبل أن يقدم مكة فأنزل الله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (١) الآية. ٣٩٠ - * روى الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما جال الناس عن رسول الله ﵌ تلك الجولة يوم أحد تنحيت فقلت: أذود عن نفسي فإما أن أستشهد وإما أن أنجو حتى ألقى رسول الله ﵌، فبينا أنا كذلك إذا برجل مخمر وجهه ما أدري من هو؟ فأقبل المشركون، حتى قلت: قد ركبوه ملأ يده من الحصى، ثم رمى به في وجوههم، فنكبوا على أعقابهم القهقرى، حتى يأتوا الجبل، ففعل ذلك مراراً ولا أدري من هو؟ وبيني وبينه المقداد بن الأسود فبينا أنا أريد أن أسأل المقداد عنه، إذ قال المقداد: يا سعد هذا رسول الله ﵌

стр. 549

يدعوك فقلت: وأين هو؟ فأشار لي المقداد إليه فقمت، ولكأنه لم يصبني شيء من الأذى، فقال رسول الله ﵌: "أين كنت اليوم يا سعد؟ " فقلت: حيث رأيت يا رسول الله، فأجلسني أمامه، فجعلت أرمي وأقول: اللهم سهمك فارم به عدوك، ورسول الله ﵌ يقول: "اللهم استجب لسعد اللهم سدد لسعد رميته إيهاً سعد فداك أبي وأمي" فما من سهم أرمي به إلا قال رسول الله ﵌: "اللهم سدد رميته وأجب دعوته إيهاً سعد" حتى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول الله ﵌ ما في كنانته فنبلني سهماً نضيا وكان أشد من غيره. قال الزهري إن السهام التي رمى بها سعد يومئذ كانت ألف سهم. ٣٩١ - * روى الحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﵌ ويقول: أنا أسد الله. ٣٩٢ - * روى البخاري عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري ﵀ قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلما قدمنا حمص، قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره، كأنه حميت (٣)، قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير، فسلمنا، فرد السلام، قال: وعبيد الله معتجر (٤) بعمامته، ما يرى وحشي إلا عينيه

стр. 550

ورجليه، فقال عبيد الله: يا وحشي، أتعرفني؟ قال: فنظر إليه، ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها: أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاماً بمكة، فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه، فناولتها إياه، فكأني نظرت إلى قدميك، قال: فكشف عبيد الله عن وجهه، ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم، إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، قال: فلما أن خرج الناس عام عينين - وعينين جبل بحيال أحد، بينه وبينه واد - خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع، فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباغ، يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله ورسوله ﷺ ؟ قال: ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب، قال؛ وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي، فأضعها في ثنته، حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذلك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسلاً فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم، حتى قدمت على رسول الله ﷺ ، فلما رآني قال: "آنت وحشي" قلت: نعم، قال: "أنت قتلت حمزة؟ " قلت: قد كان من الأمر ما بلغك، قال: "فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟ " قال: فخرجت، فلما قبض رسول الله ﷺ ، فخرج مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله، فأكافئ به حمزة، قال: فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته قال: قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان بن

стр. 551

يسار: أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر بيت: وا أمير المؤمنين، قتله العبد الأسود. قال في الفتح: وفي حديث وحشي من الفوائد غير ما تقدم ما كان عليه من الذكاء المفرط، ومناقب كثيرة لحمزة، وفيه أن المرء يكره أن يرى من أوصل إلى قريبه أو صديقه أذى، ولا يلزم من ذلك وقوع الهجرة المنهية بينهما، وفيه أن الإسلام يهدم ما قبله، والحذر في الحرب، وأن لا يحتقر المرء فيها أحداً، فإن حمزة لابد أن يكون رأى وحشياً في ذلك اليوم لكنه لم يحترز منه احتقاراً منه إلى أن أتي من قبله. ٣٩٣ - * روى الطبراني عن وحشي قال: أتيت النبي ﷺ فقال لي: "وحشي؟ " قلت: نعم، قال: "قتلت حمزة؟ " قلت: نعم، والحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يهني بيديه قالت له قريش: أتحبه وهو قاتل حمزة؟ فقلت: يا رسول الله فاستغفر لي، فتفل في الأرض ثلاثة، ودفع في صدري ثلاثة، وقال: "يا وحشي اخرج فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصد عن سبيل الله". ٣٩٤ - * وروى الطبراني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ لما نظر إلى حمزة قال: "أما والله لأمثلن بسبعين كمثلك" فنزل القرآن: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (١) الآية، فكفر ﷺ وأمسك عن ذلك. قال في الفتح: وروى البزار والطبراني بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة أن النبي ﷺ لما رأى حمزة قد مثل به قال: "رحمة الله عليك، لقد كنت وصولاً للرحم، فعولاً للخير، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى" ثم حلف وهو بمكانه

стр. 552

لأمثلن بسبعين منهم، فنزل القرآن (وإن عاقبتم) الآية وعند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني من حديث أبي بن كعب قال: مثل المشركون بقتلى المسلمين، فقال الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً من الدهر لنزيدن عليهم، فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل: لا قريش بعد اليوم، فأنزل الله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) فقال رسول الله ﷺ : "كفوا عن القوم" وفي رواية: فقال: "بل نصبر يا رب" وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً. أ. هـ. ٣٩٥ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد. قال: كان رجل من المشركين قد احرق المسلمين. فقال له النبي ﷺ : "ارم. فداك أبي وأمي! " قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه، فسقط. فانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ ، حتى نظرت إلى نواجذه. وتفصيل هذه الرواية في المغازي للواقدي: أن المشرك رمى أم أيمن التي كانت تسقي المسلمين بنبل فأصاب ذيلها فسقطت وانكشفت فغضب النبي ﷺ وقال لسعد: "ارم الرجل" وأعطاه نبلاً لا نصل له فأصابه في نحره فسقط وانكشفت عورته فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه ولم يذكر الواقدي أنه قتل. والواقدي أوسع كتاب أعلمه في المغازي وهو ٤ مجلدات، وسمي الرجل حبان بن العرقة. ٣٩٦ - * روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي النبي ﷺ كنانته يوم أحد فقال: "ارم فداك أبي وأمي".

стр. 553

٣٩٧ - * روى الطبراني عن كعب بن مالك قال: لما كان يوم أحد وصرنا إلى الشعب، كنت أول من عرفته، فقلت: هذا رسول الله ﷺ : فأشار إلي بيده أن اسكت ثم ألبسني لأمته ولبس لأمتي فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة، أو قال بضعة وعشرين جرحاً، كل من يضربني يحسبني رسول الله ﷺ . فعل ذلك لأن المشركين عرفوه رغم المغفر وعلموه بدرعه، فقصد أن يعمي عليهم وهذا من الأخذ بالأسباب ويعلمنا هذا أن حفظ القيادات في المعارك مراعى في الإسلام. ٣٩٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير إلى رباعيته - واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله". ٣٩٩ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله" فأنزل الله : (ليس لك من الأمر شيء) (١).

стр. 554

قال في الفتح: "لما كان يوم أحد وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما رأت النبي ﷺ اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم" فلما رأت ذلك أخذت شيئاً من حصير فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم، وله من طريق زهير بن محمد عن أبي حازم "فأحرقت حصيراً حتى صارت رماداً، فأخذت من ذلك الرماد فوضعته فيه حتى رقأ الدم" وقال في آخر الحديث: ثم قال يومئذ: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله. ثم مكث ساعة ثم قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" وقال ابن عائذ: أخبرنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن الذي رمى رسول الله ﷺ بأحد فجرحه في وجهه قال: خذها مني وأنا ابن قمئة فقال: "أقماك الله" قال: فانصرف إلى أهله فخرج إلى غنمه فوافاها على ذروة جبل، فدخل فيها فشد عليه تيسها فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل فتقطع، وفي الحديث جواز التداوي، وأن الأنبياء قد يصابون ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر وتزداد درجاتهم رفعة، وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره، والعاقبة للمتقين. أ. هـ. ٤٠٠ - * روى الطبراني عن أبي سعيد أنه قال: أصيب وجه رسول الله ﷺ يوم أحد، فاستقبله مالك بن سنان فمص جرح رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "من أحب أن ينظر إلى من خالط دمي دمه، فلينظر إلى مالك بن سنان". ٤٠١ - * روى أحمد عن أبي قتادة قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله ﷺ : "نعم" فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهما، فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: "كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة" فأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد.

стр. 555

قال في الفتح الرباني: قال جابر: حولت أبي بعد ستة أشهر فما أنكرت منه شيئاً إلا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض، يروي معناه البخاري عن جابر ولفظه فأصبحنا فكان - أي والده - أول قتيل ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته كهيئته غير أذنه وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل عن قبرهما وكانا في قبر واحد مما يلي السيل فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما - أي لينقلا منه - فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة والمراد بقوله كانا في قبر واحد أي كانا متجاورين كأنهما في قبل واحد أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد ويتبين مما ذكر أن النقل كان مرتين الأولى لأفراد كل منهما بقبر وكان بعد ستة أشهر والثانية كانت لأن السيل كان قد حفر عن قبريهما وذلك بعد ست وأربعين سنة وقد ذكر ابن إسحاق قصة حفر السيل في المغازي فقال حدثني أبي عن اشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما يعني عمراً وعبد الله وعليهما بردتان قد غطى بهما وجوههما وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض فأخرجناهما يتثنيان تثنياً كأنهما دفنا بالأمس. اهـ. ٤٠٢ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا في الحرب، فقال الله : أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) (١) الآية.

стр. 556

٤٠٣ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال: لقد رأيت يوم أحد، عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره، رجلين عليهما ثياب بيض. يقاتلان عنه كأشد القتال. ما رأيتهما قبل ولا بعد. ٤٠٤ - * روى البزار عن بريدة أن رجلاً قال يوم أحد: اللهم إن كان محمد على الحق فاخسف بي قال: فخسف به. قال ابن حجر في الفتح: (تنبيه): وقع في رواية أبي الوقت والأصيلي قبل حديث عقبة بن عامر حديث ابن عباس؛ قال النبي ﷺ يوم أحد: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه" الحديث، وهو وهم من وجهين: أحدهما أن هذا الحديث تقدم بسنده ومتنه في "باب شهود الملائكة بدراً" ولهذا لم يذكره هنا أبو ذر ولا غيره من متقني رواة البخاري، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم. ثانيهما: أن المعروف في هذا المتن يوم بدر كما تقدم لا يوم أحد، والله المستعان. أ. هـ. ٤٠٥ - * روى البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام - وكان صائماً - فقال -: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه. وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني. ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا - وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.

стр. 557

قال في الفتح: وفي الحديث فضل الزهد، وأن الفاضل في الدين ينبغي له أن يمتنع من التوسع في الدنيا لئلا تنقص حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله: (خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت) وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. قال ابن بطال: وفيه أنه ينبغي ذكر سير الصالحين وتقللهم في الدنيا لقتل رغبته فيها. أ. هـ. ٤٠٦ - * روى البخاري عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطاً بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيد، فقال له بعض من عنده، يا أمير المؤمنين، أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك - يريدون أم كلثوم بنت علي - فقال عمر: أم سليط أحق به. وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ . قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد. ٤٠٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش، فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم أحد، وخرج رسول الله ﷺ إلى أحد بدا له الإسلام فأسلم، فأخذ سيفه فغدا حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. قال: فبينا رجال بني عبد الأشهل، يلتمسون قتلاهم في المعركة، إذا هم به فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، وما جاء، لقد تركناه وإنه لمنكر هذا الحديث فسألوه ما جاء به؟ فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحرباً على قومك أو رغبة في الإسلام؟ قال: بل

стр. 558

رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتلت حتى أصابني ما أصابني قال: ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: "إنه لمن أهل الجنة". ٤٠٨ - * روى أبو يعلى عن سهل بن سعد ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ يوم أحد فقال: ما رأينا مثل ما أتى فلان، أتاه رجل لقد فر الناس، وما فر، وما ترك للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه قال: "ومن هو؟ " فنسب لرسول الله ﷺ نسبه، فلم يعرفه ثم وصف له بصفته فلم يعرفه، حتى طلع الرجل بعينه فقال، ذا يا رسول الله الذي أخبرناك عنه فقال: "هذا؟ " فقالوا: نعم فقال: "إنه من أهل النار" فاشتد ذلك على المسلمين، قالوا: أينا من أهل الجنة إذا كان فلان من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: يا قوم أنظروني، فو الذي نفسي بيده لا يموت إلا مثل الذي أصبح عليه ولأكونن صاحبه من بينكم، ثم راح على حدة في العدو، فجعل الرجل يشد معه إذا شد، ويرجع معه إذا رجع، فينظر ما يصير إليه أمره، حتى أصابه جرح أذلقه، فاستعجل الموت فوضع قائم سيفه بالأرض، ثم وضع ذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، حتى خرج من ظهره، وخرج الرجل يعدو يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، حتى وقف بين يدي رسول الله ﷺ فقال: "وذاك ماذا؟ " فقال: يا رسول الله الرجل الذي ذكر لك، فقلت: إنه من أهل النار فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا من أهل الجنة إذا كان فلان من أهل النار، فقلت: يا قوم أنظروني، فوالذي نفسي بيده لا يموت إلا مثل الذي أصبح عليه، ولأكونن صاحبه من بينكم فجعلت أشد معه إذا شد وأرجع معه إذا رجع، أنظر إلى ما يصير أمره، حتى أصابه جرح أذلقه، فاستعجل الموت، فوضع قائم سيفه بالأرض، ووضع ذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه حتى خرج من بين ظهره، فهو ذاك يا رسول الله يضطرب بين أضغاثه فقال رسول الله

стр. 559

صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وإنه من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وإنه لمن أهل الجنة". قال الهيثمي: هو في الصحيح باختصار. * * * ٣ - بعد المعركة قال ابن كثير: ثم شرع ابن إسحاق في ذكر شهداء أحد وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم كما جرت عادته فذكر من المهاجرين أربعة: حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله ابن جحش وشماس بن عثمان ﵃، ومن الأنصار إلى تمام خمسة وستين رجلاً واستدرك عليه هشام خمسة آخرين فصاروا سبعين على قول ابن هشام ثم سمى ابن إسحاق من قتل من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلاً على قبائلهم أيضاً. قلت: ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي كما ذكره الشافعي وغيره وقتله رسول الله ﷺ صبراً بين يديه. أمر الزبير - ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح - فضرب عنقه. وقد حقق صاحب الرحيق المختوم (وهناك مبررات قوية له في ذلك) أن قتلى المشركين بلغوا سبعة وثلاثين. تعليق: وقتل رجل من اليهود اسلم وهو مخيريق. ٤٠٩ - * روى الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: رجع رسول الله ﵌ يوم أحد فسمع نساء بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجئن نساء الأنصار، فبكين على حمزة عنده، ورقد فاستيقظ وهن يبكين فقال "يا ويلهن إنهن لها هنا حتى الآن، مروهن فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم".

стр. 560

٤١٠ - * روى الطبراني عن كعب بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "من رأى مقتل حمزة؟ " فقال رجل: أعزك الله أنا رأيت مقتله. فانطلق، فوقف على حمزة، فرآه قد شق بطنه، وقد مثل به، فقال: يا رسول الله قد مثل به، فكره رسول الله ﷺ أن ينظر إليه، ووقف بين ظهراني القتلى، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم بدمائهم، فإنه ليس مجروح يجرح في سبيل الله، إلا جاء جرحه يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك، قدموا أكثرهم قرآناً واجعلوه في اللحد". ٤١١ - * روى الترمذي عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما كان يوم أحد: أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة - فيهم حمزة - فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم قال: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (١) فقال رجل لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "كفوا عن القوم إلا أربعة". قال محقق جامع الأصول: والأربعة الذين أباح رسول الله ﷺ دماءهم هم: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، أما عكرمة بن أبي جهل: فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له من رسول الله ﷺ فأمنه. فخرجت في طلبه إلى اليمن، حتى أتت به رسول الله ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه.

стр. 561

وأما عبد الله بن خطل: فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، اشتركا في دمه. وابن خطل: رجل من بني تيم بن غالب. وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله، لأنه كان مسلماً - فبعثه رسول الله ﷺ مصدقاً، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى من المسلمين يخدمه فنزلا منزلاً، وأمر ابن خطل المولى أن يذبح له تيساً فيصنع له طعاماً، فنام فاستيقظ ولم يصنع المولى له شيئاً، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركاً. وكانت له قينتان - فرتنى وسارة - وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ . فأمر رسول الله ﷺ بقتلهما معه، فقتلت فرتنى، وهربت صاحبتها، وبقيت حتى أوطأها رجل فرسه فقتلها في زمن عمر. ويقال: إن فرتنى أسلمت، وإن سارة أمنها رسول الله ﷺ . وأما مقيس بن صبابة: فقتله نميلة بن عبد الله، رجل من قومه بني ليث، حي من بني كعب. ٤١٢ - * روى الحاكم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ مر بحمزة يوم أحد، وقد جدع ومثل به، وقال: "لولا أن صفية تجد لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع" فكفنه في نمرة. ٤١٣ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قتل حمزة يوم أحد وقتل معه رجل من الأنصار، فجاءته صفية بنت عبد المطلب بثوبين ليكفن فيهما حمزة، فلم يكن للأنصاري كفن، فأسهم النبي ﷺ بين الثوبين ثم كفن كل واحد منهما في ثوب. ٤١٤ - * وروى الطبراني عن أبي أسيد الساعدي قال: أنا مع رسول الله ﷺ على قبر

стр. 562

حمزة بن عبد المطلب فجعلوا يجرون النمرة على وجهه فتكشف قدماه، ويجرونها على قدميه فينكشف وجهه، قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها على وجهه واجعلوا على قدميه من هذا الشجر" قال: فرفع رسول الله ﷺ رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال رسول الله ﷺ : "إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف فيصيبون منها مطعماً وملبساً ومركباً، أو قال: مراكب فيكتبون إلى أهليهم هلم إلينا فإنك بأرض مجاز جدوبة، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون". ٤١٥ - * روى البخاري عن خباب بن الأرت ﵁ قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، ومنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئاً، كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه. فقال لنا النبي ﷺ : "غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجله الإذخر، أو قال: ألقوا على رجله من الإذخر" ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها. أشار الحديث إلى عظم أجر من لم يحصل شيئاً من الدنيا مع عظيم جهاده وبمناسبة الحديث تحدث صاحب الفتح عن الصحابة فقال: منهم من مات قبل الفتوح كمصعب بن عمير ومنهم من عاش إلى أن فتح عليهم، ثم انقسموا فمنهم من أعرض عنه وواسى به المحاويج أولاً فأولاً بحيث بقي على تلك الحالة الأولى وهم قليل منهم أبو ذر، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول، ومنهم من تبسط في بعض المباح فيما يتعلق بكثرة النساء والسراري أو الخدم والملابس ونحو ذلك ولم يستكثر وهم كثير ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة وهم كثير أيضاً، منهم عبد الرحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين أشار خباب، فالقسم الأول وما التحق به توفر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر أنه يحسب عليهم ما

стр. 563

وصل إليهم من مال الدنيا من ثوابهم في الآخرة، ويؤيده ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه "ما من غازية تغزو فتغنم وتسلم إلا تعجلوا ثلثي أجرهم" الحديث، ومن ثم آثر كثير من السلف قلة المال وقنعوا به إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة وإما ليكون أقل لحسابهم عليه. ٤١٦ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعلوا ينهونني ورسول الله ﷺ لا ينهاني، قال: وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال رسول الله ﷺ : "تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه". وفي رواية (١): لما كان يوم أحد جيء مسجي، وقد مثل به. وفي أخرى (٢): جيء بأبي يوم أحد مجدعا - فوضع بين يدي النبي ﷺ ... بنحوه. ٤١٧ - * روى الحاكم عن زيد بن ثابت ﵁ قال: بعثني رسول الله ﵌ يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال لي: "إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله كيف تجدك؟ " قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة فقلت له: يا سعد إن رسول الله ﵌ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: خبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله السلام وعليك السلام، قل له: أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول ﵌ وفيكم شغر يطرف قال: وفاضت نفسه.

стр. 564

٤١٨ - * روى الطبراني عن أنيسة بنت عدي أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ابني عبد الله بن سلمة وكان بدرياً قتل يوم أحد أحببت أن أنقله فآنس بقربه، فأذن لها رسول الله ﷺ ، فعدلته بالمجذر بن زياد على ناضح له في عباءة، فمرت بهما فعجب لهما الناس فنظر إليهما رسول الله ﷺ فقال: "سوى بينهما عملهما" وكان عبد الله رجلاً جسيماً ثقيلاً وكان المجذر قليل اللحم وهو الذي يقول: أنا الذي أصلي من بلى ... أطعن بالصعدة حتى تنثني ولا نرى مجذراً يفري فري ٤١٩ - * روى الحاكم عن أبي ذر ﵁ قال: لما فرغ رسول الله ﵌ يوم أحد مر على مصعب مقتولاً على طريقه فقرأ: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) (١) الآية. ٤٢٠ - * روى أحمد عن عبيد الله بن رفاعة الزرقي قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ : "استووا حتى أثني على ربي" فصاروا خلفه صفوفاً، فقال: "اللهم لك الحمد كله. اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لما أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ

стр. 565

بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق". يبدو أن هذا قد تم بعد أن انتهت المعركة وانسحب المشركون وتفقد المسلمون القتلى والجرحى قبيل اتجاه المسلمين نحو المدينة. ٤٢١ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: أتي بهم رسول الله ﷺ يوم أحد فجعل يصلي على عشرة عشرة وحمزة هو كما هو، يرفعون وهو كما هو موضوع. ٤٢٢ - * روى البخاري عن عقبة بن عامر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: "إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها" قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ . ٤٢٣ - * روى أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له عن جابر بن عبد الله (رضي
следующие страницы →