← Сира

Сира · id 18332

الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية

سعيد حوى

Полный текст (2 129 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأما عبد الله بن خطل: فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، اشتركا في دمه. وابن خطل: رجل من بني تيم بن غالب. وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله، لأنه كان مسلماً - فبعثه رسول الله ﷺ مصدقاً، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى من المسلمين يخدمه فنزلا منزلاً، وأمر ابن خطل المولى أن يذبح له تيساً فيصنع له طعاماً، فنام فاستيقظ ولم يصنع المولى له شيئاً، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركاً. وكانت له قينتان - فرتنى وسارة - وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ . فأمر رسول الله ﷺ بقتلهما معه، فقتلت فرتنى، وهربت صاحبتها، وبقيت حتى أوطأها رجل فرسه فقتلها في زمن عمر. ويقال: إن فرتنى أسلمت، وإن سارة أمنها رسول الله ﷺ . وأما مقيس بن صبابة: فقتله نميلة بن عبد الله، رجل من قومه بني ليث، حي من بني كعب. ٤١٢ - * روى الحاكم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ مر بحمزة يوم أحد، وقد جدع ومثل به، وقال: "لولا أن صفية تجد لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع" فكفنه في نمرة. ٤١٣ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: قتل حمزة يوم أحد وقتل معه رجل من الأنصار، فجاءته صفية بنت عبد المطلب بثوبين ليكفن فيهما حمزة، فلم يكن للأنصاري كفن، فأسهم النبي ﷺ بين الثوبين ثم كفن كل واحد منهما في ثوب. ٤١٤ - * وروى الطبراني عن أبي أسيد الساعدي قال: أنا مع رسول الله ﷺ على قبر

стр. 562

حمزة بن عبد المطلب فجعلوا يجرون النمرة على وجهه فتكشف قدماه، ويجرونها على قدميه فينكشف وجهه، قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها على وجهه واجعلوا على قدميه من هذا الشجر" قال: فرفع رسول الله ﷺ رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال رسول الله ﷺ : "إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف فيصيبون منها مطعماً وملبساً ومركباً، أو قال: مراكب فيكتبون إلى أهليهم هلم إلينا فإنك بأرض مجاز جدوبة، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون". ٤١٥ - * روى البخاري عن خباب بن الأرت ﵁ قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، ومنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئاً، كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه. فقال لنا النبي ﷺ : "غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجله الإذخر، أو قال: ألقوا على رجله من الإذخر" ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها. أشار الحديث إلى عظم أجر من لم يحصل شيئاً من الدنيا مع عظيم جهاده وبمناسبة الحديث تحدث صاحب الفتح عن الصحابة فقال: منهم من مات قبل الفتوح كمصعب بن عمير ومنهم من عاش إلى أن فتح عليهم، ثم انقسموا فمنهم من أعرض عنه وواسى به المحاويج أولاً فأولاً بحيث بقي على تلك الحالة الأولى وهم قليل منهم أبو ذر، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول، ومنهم من تبسط في بعض المباح فيما يتعلق بكثرة النساء والسراري أو الخدم والملابس ونحو ذلك ولم يستكثر وهم كثير ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة وهم كثير أيضاً، منهم عبد الرحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين أشار خباب، فالقسم الأول وما التحق به توفر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر أنه يحسب عليهم ما

стр. 563

وصل إليهم من مال الدنيا من ثوابهم في الآخرة، ويؤيده ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه "ما من غازية تغزو فتغنم وتسلم إلا تعجلوا ثلثي أجرهم" الحديث، ومن ثم آثر كثير من السلف قلة المال وقنعوا به إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة وإما ليكون أقل لحسابهم عليه. ٤١٦ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعلوا ينهونني ورسول الله ﷺ لا ينهاني، قال: وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال رسول الله ﷺ : "تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه". وفي رواية (١): لما كان يوم أحد جيء مسجي، وقد مثل به. وفي أخرى (٢): جيء بأبي يوم أحد مجدعا - فوضع بين يدي النبي ﷺ ... بنحوه. ٤١٧ - * روى الحاكم عن زيد بن ثابت ﵁ قال: بعثني رسول الله ﵌ يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال لي: "إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله كيف تجدك؟ " قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة فقلت له: يا سعد إن رسول الله ﵌ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: خبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله السلام وعليك السلام، قل له: أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول ﵌ وفيكم شغر يطرف قال: وفاضت نفسه.

стр. 564

٤١٨ - * روى الطبراني عن أنيسة بنت عدي أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ابني عبد الله بن سلمة وكان بدرياً قتل يوم أحد أحببت أن أنقله فآنس بقربه، فأذن لها رسول الله ﷺ ، فعدلته بالمجذر بن زياد على ناضح له في عباءة، فمرت بهما فعجب لهما الناس فنظر إليهما رسول الله ﷺ فقال: "سوى بينهما عملهما" وكان عبد الله رجلاً جسيماً ثقيلاً وكان المجذر قليل اللحم وهو الذي يقول: أنا الذي أصلي من بلى ... أطعن بالصعدة حتى تنثني ولا نرى مجذراً يفري فري ٤١٩ - * روى الحاكم عن أبي ذر ﵁ قال: لما فرغ رسول الله ﵌ يوم أحد مر على مصعب مقتولاً على طريقه فقرأ: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) (١) الآية. ٤٢٠ - * روى أحمد عن عبيد الله بن رفاعة الزرقي قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ : "استووا حتى أثني على ربي" فصاروا خلفه صفوفاً، فقال: "اللهم لك الحمد كله. اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لما أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ

стр. 565

بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق". يبدو أن هذا قد تم بعد أن انتهت المعركة وانسحب المشركون وتفقد المسلمون القتلى والجرحى قبيل اتجاه المسلمين نحو المدينة. ٤٢١ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: أتي بهم رسول الله ﷺ يوم أحد فجعل يصلي على عشرة عشرة وحمزة هو كما هو، يرفعون وهو كما هو موضوع. ٤٢٢ - * روى البخاري عن عقبة بن عامر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: "إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها" قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ . ٤٢٣ - * روى أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له عن جابر بن عبد الله (رضي

стр. 566

الله عنهما) قال: إن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم وكانوا نقلوا إلى المدينة. ٤٢٤ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم. ٤٢٥ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر أصحاب أحد: "أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نحص الجبل" يعني سفح الجبل. ٤٢٦ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: (ليس لك من الأمر شيء) إلى قوله (فإنهم ظالمون) (١). وفي رواية الترمذي (٢) قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: "اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية" قال: فنزلت: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم) فتاب الله عليهم، فأسلموا، فحسن إسلامهم.

стр. 567

وفي رواية النسائي (١): أنه سمع رسول الله ﷺ حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة - قال: "اللهم العن فلاناً وفلاناً، يدعو على أناس من المنافقين" فأنزل الله : (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون). وقد ذكر الترمذي (٢) بسند حسن أن الرسول ﷺ كان يدعو على أربعة وأن الله هداهم. ٤٢٧ - * روى الحاكم عن عبد الله بن أبي فروة أن النبي ﵌ زار قبور الشهداء بأحد فقتال: "اللهم إن عبدك ونبيك يشهد أن هؤلاء شهداء، وأنه من زارهم وسلم عليهم إلى يوم القيامة ردوا عليه" (قال العطاف) وحدثتني خالتي أنها زارت قبور الشهداء، قالت: وليس معي إلا غلامان يحفظان علي الدابة، قالت: فسمعت رد السلام، قالوا: والله إنا نعرفكم كما يعرف بعضنا بعضاً، قالت: فاقشعررت، فقلت: يا غلام أدن بغلتي فركبت. * * * ٤ - عبر أحد وبعض دروسها تكلم العلماء كثيراً في عبر أحد ودروسها، ونحن ههنا ننقل بعض كلام الغزالي المعاصر وابن القيم والسباعي رحمهما الله: ١ - قال الغزالي حفظه الله: موقعة "أحد" فياضة بالعظات الغوالي والدروس القيمة، وقد نزلت في أدوارها وحوادثها ونتائجها آيات طوال، وكان لها في نفس الرسول ﵊ أثر عميق

стр. 568

ظل يذكره إلى قبيل وفاته، كانت امتحاناً ثقيل الوطأة محض السرائر ومزق النقاب عن مخبوئها، فامتاز النفاق عن الإيمان، بل تميزت مراتب الإيمان نفسه فعرف الذين ركلوا الدنيا بنعالهم فلم يعرجوا على مطمع من مطامعها والذين مالوا إليها بعض الميل فنشأ عن أطماعهم التافهة ما ينشأ عن الشرر المستصغر من حرائق مروعة. بدأت المعركة بانسحاب ابن أبي، وهو عمل ينطوي على استهانة بمستقبل الإسلام وغدر به في أحرج الظروف، وتلك أبرز خسائس النفاق. والدعوات - إبان امتدادها وانتصارها - تغري الكثير بالانضواء تحت لوائها، فيختلط المخلص بالمغرض، والأصيل بالدخيل. وهذا الاختلاط مضر أكبر الضرر بسير الرسالات الكبيرة وإنتاجها. ومن مصلحتها الأولى أن تصاب برجات عنيفة تعزل الخبث عنها، وقد اقتضت حكمة الله أن يقع هذا التمحيص في أحد. ولئن أفادت وقعة "بدر" في خذل الكافرين، إن وقعة "أحد" أفادت مثلها في فضح المنافقين، ورب ضارة نافعة، وربما صحت الأجسام بالعلل. ولعل ما ترتب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة، درس عميق يتعلم منه المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل لا تشرف نفسها في حرب أو سلام. والأمم كلها، مؤمنها وكافرها، تعرف هذه الحقيقة، ولذلك قامت الجندية على الطاعة التامة، وعندما تشتبك أمة في حرب، تجعل أحزابها جبهة واحدة وأهواءها رغبة واحدة، وتخمد كل تمرد أو شذوذ ينجم في صفوفها. ولذلك لما دهش المسلمون للكارثة التي قلبت عليهم الأمور، بيَّن لهم أنهم هم مصدرها: فما أخلفهم موعداً، ولا ظلمهم حقاً: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن

стр. 569

الله على كل شيء قدير) (١). إن الإسلام يشترط لكمال العمل وقبوله الإيمان والاحتساب، والتجرد. اهـ. ٢ - قال ابن القيم: (فصل في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد) وقد أشار الله إلى أمهاتها وأصولها في سورة آل عمران حيث افتتح القصة بقوله (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال) (٢) إلى تمام ستين آية فمنها تعريفهم بسوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك كما قال تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم) (٣) فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول وتنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذراً ويقظة وتحرزاً من أسباب الخذلان. ومنها أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائماً دخل معهم المسلمون وغيرهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انتصر عليهم دائماً لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاؤا به ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة ومنها أن هذا من أعلام الرسل، كما قال هرقل لأبي سفيان هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال ندال عليه ويدال علينا الأخرى، قال كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة. ومنها أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، ومنها استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء وفيما يحبون وما يكرهون وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم فإذا

стр. 570

ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقاً وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية. ومنها أنه سبحانه لو نصرهم دائماً وأظفرهم بعدوهم في كل موطن وجعل لهم التمكن والقهر لأعدائهم أبداً لطغت نفوسهم وشمخت وارتفعت فلو بسط النصر والظفر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء والشدة والرخاء والقبض والبسط فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته إنه بهم خبير بصير. ومنها أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا فاستوجبوا منه العز والنصر فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) (١) وقال: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً) (٢) فهو سبحانه إذا أراد أن يعز عبده ويجبره وينصره كسره أولاً ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره. ومنها أنه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها. ومنها أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغناء طغياناً وركوناً إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه ومنها أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب أن يتخذ

стр. 571

من عباده شهداء يراق دماؤهم في محبته ومرضاته ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو. ومنها أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم وقد ذكر ذلك في قوله (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) (١). ومنها أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصاً بين يدي موت رسول الله ﷺ ، فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله ﷺ أو قتل بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أو يقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حي لا يموت، فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت. ٣ - علق الدكتور السباعي على غزوة أحد فقال: إن مخالفة أمر القائد الحازم البصير يؤدي إلى خسارة المعركة، كما حصل في وقعة أحد، فلو أن رماة النبل الذين أقامهم رسول الله ﷺ خلف جيشه ثبتوا في مكانهم كما أمرهم الرسول ﷺ لما استطاع المشركون أن يلتفوا من حولهم ويقلبوا هزيمتهم أول المعركة إلى النصر في آخرها، وكذلك يفعل العصيان في ضياع الفرص ونصر الأعداء، وقد أنذر الله المؤمنين بالعذاب إن خالفوا أمر رسولهم. فقال: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (٢).

стр. 572

وفي ثبات نسيبة أم عمارة، ووقوفها وزوجها وأولادها حول رسول الله ﷺ حين انكشف المسلمون يوم أحد، دليل من الأدلة المتعددة على إسهام المرأة المسلمة بقسط كبير من الكفاح في سبيل دعوة الإسلام، وهو دليل على حاجتنا اليوم إلى أن تحمل المرأة المسلمة عبء الدعوة إلى الله من جديد، لتدعو إلى الله في أوساط الفتيات والزوجات والأمهات، ولتنشئ في أطفالها حب الله ورسوله، والاستمساك بالإسلام وتعاليمه، والعمل لخير المجتمع وصلاحه. وما دام ميدان الدعوة شاغراً من المرأة المسلمة الداعية، أو غير ممتلئ بالعدد الكافي منهن. فستظل الدعوة مقصرة في خطاها، وستظل حركة الإصلاح عرجاء حتى يسمع نصف الأمة وهن النساء - دعوة الخير، ويستيقظ في ضمائرهن وقلوبهن حب الخير والإقدام على الدين، والإسراع إلى الاستمساك بعروته الوثقى. وفي إصابة رسول الله ﷺ بالجراح يوم أحد عزاء للدعاة فيما ينالهم في سبيل الله من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم بالسجن والاعتقال، أو قضاء على حياتهم بالإعدام والاغتيال، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: (الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (١). وفيما فعله المشركون يوم أحد من التمثيل بقتلى المسلمين، وبخاصة حمزة عم الرسول ﷺ ، دليل واضح على خلو أعداء الإسلام من كل إنسانية وضمير، فالتمثيل بالقتيل لا يؤلم القتيل نفسه، إذ الشاة المذبوحة لا تتألم من السلخ، ولكنه دليل على الحقد الأسود الذي يملأ نفوسهم، فيتجلى في تلك الأعمال الوحشية التي يتألم منها كل ذي وجدان حي، وضمير إنساني. وفي تقدمه [﵊] الصفوف في كل معركة وخوضه غمارها معهم إلا فيما يشير به أصحابه، دليل على أن مكان القيادة لا يحتله إلا الشجاع المتثبت، وأن الجبناء

стр. 573

خائري القوى لا يصلحون لرئاسة الشعوب، ولا لقيادة الجيوش، ولا لزعامة حركات الإصلاح ودعوات الخير، فشجاعة القائد والداعية بفعله وعمله يفيد في جنوده وأنصاره في إثارة حماسهم واندفاعهم ما لا يفيده ألف خطاب حماسي يلقونه على الجماهير، ومن عادة الجنود والأنصار أن يستمدوا قوتهم من قوة قائدهم ورائدهم، فإذا جبن في مواقف اللقاء، وضعف في مواطن الشدة، أضر بالقضية التي يحمل لواءها ضرراً بالغاً. اهـ. * * * ٥ - فقهيات ذكر ابن القيم عدداً من الأحكام والمسائل الفقهية التي تؤخذ من غزوة أحد، وها نحن ننقل بعضاً مما ذكره: منها أنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه بل يجوز لهم أن يلزموا ديارهم ويقاتلوهم فيها إذا كان ذلك أنصر لهم على عدوهم كما أشار به رسول الله ﷺ يوم أحد. ومنها جواز سلوك الإمام بالعسكر في بعض أملاك رعيته إذا صادف ذلك طريقه وإن لم يرض المالك. ومنها أنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان غير البالغين بل يردهم إذا خرجوا كما رد رسول الله ﷺ ابن عمر ومن معه. ومنها جواز الغزو بالنساء والاستعانة في الجهاد بهن ومنها جواز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر وغيره. ومنها أن الإمام إذا أصابته جراحة صلى بهم قاعداً وصلوا وراءه قعوداً كما فعل رسول الله ﷺ في هذه الغزوة واستمرت على ذلك سنته إلى حين وفاته. ومنها جواز دعاء الرجل أن يقتل في سبيل الله وتمنيه ذلك وليس هذا من تمني الموت المنهي عنه. ومنها أن المسلم إذا قتل نفسه فهو من أهل النار لقوله ﷺ في قزمان الذي أبلى يوم

стр. 574

أحد بلاء شديداً فلما اشتد به الجراح نحر نفسه فقال ﷺ هو من أهل النار. ومنها أن السنة في الشهيد أن لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن في غير ثيابه بل يدفن فيها بدمه وكلومه إلا أن يسلبها فيكفن في غيرها. ومنها أنه إذا كان جنباً عسل كما غسلت الملائكة حنظلة بن أبي عامر ومنها أن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا إلى مكان آخر. ومنها جواز دفن الرجلين أو الثلاثة في القبر الواحد فإن رسول الله ﷺ كان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر ويقول: أيهم أكثر أخذاً في القرآن؟ فإذا أشاروا إلى رجل قدمه في اللحد، ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة فقال: "ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد" ثم حفر عنهما بعد زمن طويل ويد عبد الله بن عمرو بن حرام على جراحته كما وضعها حين جرح، فأميطت يده عن جراحته فانبعث الدم فردت إلى مكانها فسكن الدم، وقال جابر: رأيت أبي في حفرته حين حفر عليه كأنه نائم وما تغير من حاله قليل ولا كثير قيل له: أفرأيت أكفانه فقال إنما دفن في نمرة خمر بها وجهه وعلى رجليه الحرمل (١) فوجدنا النمرة كما هي وعلى رجليه الحرمل على هيأته وبين ذلك ستة وأربعون سنة. وقد اختلف الفقهاء في أمر النبي ﷺ أن يدفن شهداء أحد في ثيابهم هل هو على وجه الاستحباب والأولوية أو على وجه الوجوب على قولين الثاني أظهرهما، وهو المعروف عن أبي حنيفة ﵀ والأول هو المعروف عن أصحاب الشافعي وأحمد رحمهما الله، فإن قيل فقد روى يعقوب بن شيبة وغيره بإسناد جيد أن صفية أرسلت إلى النبي ﷺ ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلاً آخر، قيل حمزة كان الكفار قد سلبوه ومثلوا به وبقروا عن بطنه واستخرجوا كبده فلذلك كفن في كفن آخر، وهذا القول في الضعف نظير قول من قال يغسل الشهيد وسنة رسول الله ﷺ أولى بالاتباع.

стр. 575

ومنها أن من عذره الله في التخلف عن الجهاد لمرض أو عرج يجوز له الخروج إليه وإن لم يجب عليه كما خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج. ومنها أن المسلمين إذا قتلوا واحداً منهم في الجهاد يظنونه كافراً فعلى الإمام ديته من بيت المال لن رسول الله ﷺ أراد أن يدي اليمان أبا حذيفة فامتنع حذيفة من أخذ الدية وتصدق بها على المسلمين. اهـ كلام ابن القيم. * * *

стр. 576

فصل: في غزة حمراء الأسد قال في الرحيق المختوم: وبات الرسول ﷺ وهو يفكر في الموقف، فقد كان يخاف أن المشركين إن فكروا في أنهم لم يستفيدوا شيئاً من النصر والغلبة التي كسبوها في ساحة القتال، فلابد من أن يندموا على ذلك، ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة مرة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة الجيش المكي. وسار رسول الله ﷺ والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة فعسكروا هناك. (وكان من آثار ذلك أن عدل المشركون عن قرارهم في مهاجمة المدينة، وانطلقوا نحو مكة أشبه بالهاربين). أقام رسول الله ﷺ بحمراء الأسد بعد - مقدمة يوم الأحد - الاثنين والثلاثاء والأربعاء. لا شك أن غزوة حمراء الأسد ليست بغزوة مستقلة، إنما هي جزء من غزوة أحد وتتمة لها، وصفحة من صفحاتها. ٤٢٨ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أحد، وبلغوا الروحاء قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شر ما صنعتم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد أو بئر بني عيينة فأنزل الله عز

стр. 577

وجل (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) (١) وذلك أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ : موعدك موسم بدر، حيث قتلتم أصحابنا فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة فأتوه فلم يجدوا به أحداً وتسوقوا فأنزل الله جل ذكره (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) (٢). ٤٢٩ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄: (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (٣). والملاحظ أن الحرب النفسية كانت جزءاً من مخططات الرسول ﷺ ومخططات المشركين، فليست إذن هي وليدة الفكر المعاصر بل نقول: إن كثيراً مما يظن أنه وليد الفكر المعاصر ليس هو كذلك فهناك منطق البداهة والغريزة ينطلق الناس عنه دائماً أبداً وإنما التعقيد والتنظيم يتضخمان على مدى العصور. والملاحظ أن الحرب النفسية لم تؤثر في رسول الله ﷺ وأصحابه وإنما أثرت بالمشركين فقط وذلك هو الوضع الطبيعي الذي ينبغي أن يكون عليه الحال، فإذا ما حدث غير ذلك - فالسبب - المرض عند المسلمين. بل نقول: إن قوله ﵊: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" (٤) يدل على أن الغلبة في الحرب النفسية هي الأساس وهي النصر، ولكن ذلك لا يكون للمسلمين إلا إذا تأسوا برسول الله ﷺ وأصحابه في طلب الموت وإحسان الحركة السياسية والعسكرية.

стр. 578

٤٣٠ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) (١). قالت لعروة: "يا ابن أختي، كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في إثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلاً، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير. وفي رواية (٢) قال عروة: قالت لي عائشة: أبواك والله من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح - زاد في رواية - تعني أبا بكر والزبير. قال ابن كثير: المشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد كل من شهد أحداً وكانوا سبعمائة كما تقدم، قتل منهم سبعون وبقي الباقون، وقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه فرجع إلى مكة. قال ابن إسحاق: كان أحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد يوم الأحد سادس عشر من شوال أذن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس يطلب العدو، وأن لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس، فاستأذنه جابر بن عبد الله في الخروج معه فأذن له، وإنما خرج موهباً للعدو وليظنوا أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدوهم. أقول: يبدو أن السبعين الذين ذكرتهم عائشة ﵂ كانوا طليعة القوم، وإلا فالنصوص واضحة بأنه حتى الجرحى لم يتخلفوا عن غزوة حمراء الأسد. * * *

стр. 579

هوامش على غزوة أحد ١ - يبدو لي أن غزوة أحد جمعت هزيمتين للطرفين بآن واحد واستمرت الهزيمتان إلى آخر الغزوة، فلقد هرب المشركون ابتداء، ثم وجد خالد الفرصة فهاجم وهرب بعض المسلمين، واستمر الهروب عند الطرفين فنحن لا نعثر بعد هجمة خالد على تجمع كبير للمسلمين، كما أننا لا نعثر على تجمع كبير للمشركين وإنما بقيت مجموعات في أرض المعركة، حتى إن خالداً نفسه وهو الذي أوقع الهزيمة بالمسلمين لا نسمع له حساً بعد ذلك فكأنه تصرف هذا التصرف الخاطف وهو في موقع اليائس، والذين بقوا على أرض المعركة لم يكونوا متكافئين، ومع ذلك فالإدارة الحازمة الحكيمة الرائعة للمعركة من قبل رسول الله ﷺ أوقفت المشركين عند حدهم واكتفوا بما حققوا، ولولا أنهم شعروا بالعجز أو أن خسائرهم ستكون أكثر من أرباحهم ما انسحبوا وهم يرون رسول الله ﷺ ومجموعة قليلة من أصحابه حوله أمامهم، ولذلك فالمعركة في مجموعها كانت متعادلة من ناحية النصر والهزيمة وإن كانت ضحايا المسلمين أكثر لأن عدد العدو أكبر. ٢ - لا أعرف في تاريخ العالم ملحمة هي أعظم في البطولة والشجاعة والكفاءة العسكرية والقيادية كملحمة أحد، فأي قائد في تاريخ العالم يبقى في أفراد من جنده يتابع القتال ويدير المعركة حتى يكف العدو يده، ثم أي قائد يصاب بما أصيب به رسول الله ﷺ يومذاك ويبقى على غاية من اليقظة في إدارة الأمور فيرسل من يستكشف له وجهة قريش، ويعلن عن تصميمه على المعركة إلى النهاية، ثم يغسل آثار هزيمة المشركين بعملية خاطفة هي عملية حمراء الأسد التي أرجعت إلى الصف الإسلامي روحه المعنوية وأعادت هيبة المسلمين إلى المجتمع الذي يعيشون فيه، وأعادت قريشاً إلى صوابها وقذفت في قلوب رجالها الرعب. ٣ - لقد تلافت قريش الكثير من نواقصها يوم بدر، فلقد كان ينقصها يوم بدر وحدة القيادة وجودة التعبئة والتصميم الشامل على القتال والدوافع القوية نحو النصر، أما في أحد فلقد توحدوا تحت إمرة أبي سفيان وكانت تعبئتهم جيدة، وكان لهم ثأر يحركهم ومصالح

стр. 580

يفتقدونها، وكان تصميمهم على المعركة شاملاً وكفاءتهم القيادية والقتالية عالية جداً يظهر ذلك من تصرفات أبي سفيان وخالد وبني عبد الدار حملة اللواء، ومع ذلك هزموا ابتداء وتكافؤوا انتهاء، ولولا غلطة الرماة لم تكن إلا الهزيمة، هذا مع أن العدو أربعة أضعاف ونيف، والخيل كانت عندهم كلها على قول وكانت أربعة أضعاف على قول آخر وهكذا، ولقد عوض رسول الله ﷺ عن النقص في العدد والعدة بحسن التخطيط والاستفادة من الأرض ولكنه في النهاية لا تعليل إلا الإيمان وإلا التأييد الرباني وفعل الله لرسوله ﷺ والمؤمنين. ٤ - بعد سنتين ونيف من قيام الدولة الإسلامية في المدينة تبين أن ثلث الجيش الإسلامي لا يزال خارجاً عن طاعة رسول الله ﷺ ، وذلك في الحقيقة أكبر سبر لوضع المجتمع المدني، إذ به عرف بالضبط المؤمن من غيره والمحصلة كانت ضخمة، فأن يستطيع رسول الله ﷺ أن يستخلص من زعامة عبد الله بن أبي الأكثرية المطلقة فذلك وحده كبير، والذي حدث بعد ذلك أكبر، فلقد توفي رسول الله ﷺ والمنافقين قلة، فأن يستخلص رسول الله ﷺ أكثرية المنافقين من النفاق، والبقية الباقية لا تجرؤ إلا أن تعلن طاعتها فذلك نجاح ما بعده نجاح، وبمثل ذلك يقتدي المقتدون. ٥ - لقد كان عمر رسول الله ﷺ يوم أحد خمسة وخمسين عاماً ونيفاً، ولو أنك استعرضت الجهد الذي بذله ﵊ الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء من شوال ذاك لرأيت عجباً فأي جسم هذا الجسم؟ وأي عقل هذا العقل؟ وأي روح هذه الروح؟ وأي نفس هذه النفس؟ إنه لا تعليل لاستمرار رسول الله ﷺ على وتيرة واحدة دون عجز أو قصور أو تقصير أو وهن أو ضعف إلا أنها الرسالة عن الله رب العالمين وإلا صنع الله لرسوله ﷺ على عينه. ٦ - لقد نزلت في أحد حوالي ستين آية من سورة آل عمران من قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ...) إلى قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه .......) (١) ونزل فيها بعض آيات من سورة النساء منها

стр. 581

قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين) (١)، وإذ كان من البدهيات أن القرآن لا يتحدث إلا عن المعاني الخوالد التي تسع الزمان والمكان، ويحتاجها الإنسان في كل زمان ومكان ندرك كم في غزوة أحد من دروس تحتاجها الأمة الإسلامية. ٧ - من المعاني المهمة في الحياة ما ذكره بعضهم أن عليك أن تنظر إلى الأمور كلها بعين الشريعة وبعين الحقيقة وأن تتعرف على الحكمة الربانية في كل حركة وسكون في هذا الكون، ولقد رأينا حكماً كثيرة وراء ما حدث في أحد ولكن حكمة ينبغي أن نضعها في حسابنا وهي: أن لقريش فضلها وستحمل الإسلام فيما بعد، فأن تكون أخذت ثأرها أدعى لأن تتعقل. ٨ - أهم دروس أحد أنها الدرس المقابل الذي لابد منه لبدر، فلو كانت بدر هي الدرس الوحيد للمسلمين لدفعهم ذلك إلى المغامرة دون حدود، وإلى اليأس إذا حدث فشل، ولكن أن تقع أحد بعد بدر فذلك هو الذي أوجد التوازن في التفكير الإسلامي العسكري على مدى العصور، فالله ينصر جنده ولكن لهذا النصر شروطاً منه المادي ومنها المعنوي، وربنا يفعل ما يشاء. بعبرة بدر وبعبرة أحد انطلق المسلمون ولا زالوا ينطلقون، وبروحانية بدر وبروحانية أحد يجب أن يتحرك المسلمون. * * * تقدير الموقف في نهاية السنة الثالثة في الأصل كانت عواطف العرب مع قريش ومع مكة، لأسباب متعددة: لأن ذلك يمثل الاستمرار، وللاستمرار قوته، ولأن دين قريش هو دين العرب، وأكثر العرب لم يستوعبوا الرسالة الجديدة، وكان من عوامل التلاحم مع قريش أسواق العرب وحجها، وقد تجمدت المواقف بالحركة النبوية العسكرية والسياسية حتى غزوة أحد،

стр. 582

وغلب على أكثر العرب التربص حتى يروا إلى أي شيء تصير الأمور، هذا مع استقرار الوضع الداخلي في المجتمع الإسلامي فهيبة الدولة أخذت مداها، ولكن حادثة أحد مع كل ما فعله رسول الله ﷺ لتلافي آثارها قد أعادت بعض الأمور إلى أصولها، وأوجدت موازنات خطرة، فقد شعر العرب أن قريشاً لا زال بيدها زمام الأمور وأنها قادرة على التعبئة والحشد المتفوقين، وأنها قادرة على تحقيق النصر وكل ذلك ترك آثاره وبصماته على التفكير داخل المجتمع المكي وداخل المجتمع المدني وفي المحيط العربي كله، فما انتقاض بني النضير في السنة الرابعة ومأساة بئر معونة وكارثة الرجيع إلا أثراً عن أحد بل إن غزوة الأحزاب كانت أثراً عن أحد، ولذلك فلقد كان على رسول الله ﷺ في السنتين الرابعة والخامسة أن يعفي على آثار أحد وأن يعيد الانطلاقة إلى ما كانت عليه وسنرى ما فعله ﵊ من أجل هذا وغيره. * * *

стр. 583

السنة الرابعة للهجرة

стр. 584

السنة الرابعة في سطور * في بداية المحرم من السنة الرابعة أرسل رسول الله ﷺ أبا سلمة على رأس سرية قوامها مائة وخمسون مقاتلاً إلى بني أسد على إثر ما بلغه أنهم يعدون العدة لحربه، فباغتهم أبو سلمة وهزمهم وعاد غانماً، لكنه نفر عليه جرح - أي انفجر - كان قد اصابه يوم أحد فتوفي عليه رضوان الله. * وفي اليوم الخامس من المحرم أرسل رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس في مهمة هي أن يقتل له خالد بن سفيان الهذلي الذي كان يحشد لرسول الله ﷺ فقتله عبد الله وجاء برأسه إلى رسول الله ﷺ وقد استغرقت هذه المهمة ثمانية عشر يوماً، وبهذه العملية أنهى رسول الله ﷺ خطراً محتملاً. * وفي شهر صفر من السنة الرابعة حدثت فاجعة الرجيع التي غدر فيها قوم من عضل وقارة وترتب عليها مقتل عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم خبيب وزيد بن الدثنة ومرثد بن أبي مرثد الغنوي. * وفي شهر صفر كذلك وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى وهي فاجعة بئر معونة التي قتل فيها حوالي سبعين من قراء الصحابة. * وفي ربيع الأول غزا رسول الله ﷺ بني النضير على إثر محاولتهم قتله ﵊ فاستسلموا بعد حصار، وجلوا عن أرض الحجاز إلى الشام بعد أن تم الصلح على أن يخرجوا من أراضيهم بنفوسهم وذراريهم وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح. * وفي شهر ربيع الثاني أو جمادى الأولى سنة ٤ هـ غزا رسول الله ﷺ نجدا في حملة تأديبية ضد الذين أساؤوا لأصحابه وغدروا بهم، ففرض في هذه الغزوة هيبة المسلمين ومكن لها، ومن قبل ذلك قام بحملة استهدف بها بني لحيان الذين قتلوا وأسروا أصحابه في حادثة الرجيع. * وفي شعبان من السنة الرابعة خرج رسول الله ﷺ في جيش قوامه ألف وخمسمائة لملاقاة قريش في الموعد المضروب يوم أحد، وإلى المكان المتفق عليه وهو بدر ولكن

стр. 585

المشركين جبنوا عن اللقاء ورجعوا بعد أن خرجوا فكان في ذلك نصر أي نصر، وتعرف هذه الغزوة ببدر الموعد وبدر الثانية وبدر الآخرة وبدر الصغرى. * ومن أحداث هذه السنة زواجه ﵊ من زينب بنت خزيمة. وزواجه من أم سلمة بنت أبي أمية. قال ابن كثير في تاريخه: قال ابن جرير: وفي جمادى الأولى من هذه السنة مات عبد الله بن عثمان بن عفان ﵁ يعني من رقية بنت رسول الله ﷺ وهو ابن ست سنين فصلى عليه رسول الله ﷺ ونزل في حفرته والده عثمان بن عفان ﵁. وقال الواقدي: وفي هذه السنة - يعني سنة أربع - أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود. قلت: فثبت عنه في الصحيح أنه قال: تعلمته في خمسة عشر يوماً والله أعلم. * كانت مأساة الرجيع، وفاجعة بئر معونة، وتحرك بني النضير، ومن قبل تحرك بني أسد وبني هذيل، كل ذلك من آثار ما حدث يوم أحد، ولقد بادر رسول الله ﷺ مبادرات كثيرة ليضع الأمور في نصابها، فقضى على تحرك بني أسد قبل أن يبدأ، وقضى على تجمع هذيل فقضى على التحرك من أساسه، وأجلى بني النضير، وهاجم الذين تسببوا بحادثة بئر معونة، وخرج لبدر الآخرة بكامل تعبئته وبكل ما استطاع حشده فأعاد الهيبة الداخلية والخارجية إلى نصابها، ولكن المشركين لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد وسيقولونها في السنة الخامسة كما سنرى. والجديد في هذه السنة أن رسول الله ﷺ حاول أن ينشر الدعوة الإسلامية من خلال التبليغ دون قتال، فسبب ذلك كارثتي الرجيع وبئر معونة مما يدل على أن العرب ما كانوا ليعطوا حرية للدعوة الإسلامية إلا حيث يسيطر السلاح، ومع أن هاتين المبادرتين كلفتا كثيراً في هذه السنة، فلقد فتحتا للدعوة الإسلامية باباً عريضاً، وسجلتا سابقة تستفيد منها الدعوة الإسلامية على مدى العصور، كما سنرى ذلك أثناء استعراضنا لمجريات الأمور. ونحن سنعقد سبعة فصول لأهم أحداث هذا العام:

стр. 586

فصل: في سرية أبي سلمة لبني أسد. فصل: في سرية عبد الله بن أنيس لخالد بن سفيان الهذلي. فصل: في فاجعة الرجيع. فصل: في فاجعة بئر معونة. فصل: في إجلاء بني النضير. فصل: في غزوتي الرد على حادثتي الرجيع وبئر معونة. فصل: في بدر الموعد. * * *

стр. 587

وقبل أن نبدأ فصول هذا العام نعرض عليك خريطة توزع القبائل العربية في جزيرة العرب ننقلها عن الرحيق المختوم لتكون على بصيرة وأنت تقرأ تحركات رسول الله ﷺ . [خريطة قبائل العرب في العهد النبوي]

стр. 588

فصل: في سرية أبي سلمة لبني أسد قال ابن القيم في زاد المعاد: وكانت وقعة أحد يوم السبت في سابع شوال - على رأي ابن القيم - سنة ثلاث كما تقدم، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، فلما استهل هلال المحرم بلغه أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله ﷺ ، فبعث أبا سلمة وعقد له لواء وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من الأنصار والمهاجرين فأصابوا إبلاً وشاءً ولم يلقوا كيداً فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة. قال الشيخ الغزالي حفظه الله: "ولم يلق أبو سلمة عناء في تشتيت أعدائه واستياق نعمهم أمامه، حتى عاد إلى المدينة مظفراً، وأبو سلمة يعد من خيرة القادة الذين صحبوا رسول الله وسبقوا إلى الإيمان والجهاد معه، وقد عاد من هذه الغزاة مجهوداً، إذ نفر جرحه الذي أصابه في "أحد" فلم يلبث حتى مات. وقد ذكر هذه السرية ابن كثير في البداية والنهاية عن الواقدي الذي يعتبره ابن كثير من أهل التحقيق في باب المغازي والسير على كلام كثير للمحدثين فيه. * * *

стр. 589

فصل: في سرية عبد الله بن أنيس لخالد بن سفيان الهذلي قال ابن القيم في زاد المعاد: ولما كان خامس المحرم بلغه أن خالد بن سفيان الهذلي قد جمع له الجموع فبعث إليه عبد الله بن أنيس فقتله: قال عبد المؤمن بن خلف وجاءه برأسه فوضعه بين يديه، فأعطاه عصاً فقال: "هذه آية بيني وبينك يوم القيامة" فلما حضرته الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه، وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم. - وهذه رواية بطل القصة: ٤٣١ - * روى الطبراني عن محمد بن كعب القرظي قال: قال عبد الله بن أنيس: قال رسول الله ﷺ : "من لي من خالد بن نبيح رجل من هذيل" وهو يومئذ بعرنة، قال عبد الله: قلت: أنا يا رسول الله انعته لي؟ قال: "لو رأيته هبته" قلت: والذي أكرمك ما هبت شيئاً قط، فخرجت حتى لقيته بحيال عرنة قبل أن تغيب الشمس، فلقيته فرعبت منه، فعرفت حين رعبت منه الذي قال رسول الله ﷺ . فقال: من الرجل؟ قلت باغي حاجة فهل من مبيت؟ قال: نعم فالحق بي. قال: فخرجت في أثره فصليت العصر ركعتين حفيفتين، ثم خرجت فأشفقت أن يراني، ثم لحقته فضربته بالسيف، ثم غشيت الجبل، وكمنت حتى إذا ذهب الناس خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة فأخبرته الخبر. قال محمد بن كعب فأعطاه النبي ﷺ مخصرة، فقال: "تخصر بهذه حتى تلقاني بها يوم القيامة وأقل الناس يومئذ المتخصرون" قال محمد بن كعب: فلما توفي عبد الله بن أنيس أمر بها فوضعت على بطنه وكفن عليها ودفنت معه. فوائد: ١ - لقد ثأرت هذيل لمقتل صاحبها فأعانت على أصحاب رسول الله ﷺ في حادثة

стр. 590

الرجيع، وكل عملية عسكرية لها عقابيلها والعبرة بالمحصلة النهائية لأي عملية على المستوى المرحلي أو المستقبلي، لقد كان إجهاض التحرك العسكري الذي كان يقوده خالد بن سفيان الهذلي أهم بكثير من أية عملية ثأرية. ٢ - في كثير من الأحيان يكون قتل إنسان وأداً لفتنة أو إنهاء لحرب أو قضاء على فكرة، وكثيراً ما تحيا أمم وشعوب وقبائل برجال، وأنت في صراعك مع أعدائك قد تخفف الكثير عن أمتك ودعوتك إذا استطعت أن تقضي على رجل، ورسول الله ﷺ في هذا الشأن لا يجارى مع ملاحظة أن ضرباته كلها كانت عادلة ومع محاربين فهو ﵊ أبعد الناس عن غدر بمعاهد، وأبعد الناس عن اعتداء على موطن غير مدين شرعاً، فها هو ﵊ لم يمس المنافقين على معرفته بهم وعلى شدة ما فعلوه به، كما أنه لم ينكث عهداً مع أحد، ولكن المحاربين كان له معهم شأن آخر وخاصة أولئكم الذين بقتلهم يجهض تحرك عسكري، كما فعل بكعب بن الأشرف وكما فعل بخالد بن سفيان وكما سيفعل بآخرين ممن سيأتي الحديث عنهم. ٣ - ولم يكن خصومه ﵊ غافلين كذلك عن محاولتهم قتله ولكن الله سلم، ففي حوادث سنة أربع من الهجرة ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أكثر من محاولة اغتيال، فقد ذكر محاولة دفع إليها أبو سفيان، وكلف رسول الله ﷺ على أثر اكتشافها عمرو بن أمية الضمري وآخر باغتيال أبي سفيان ولم ينجحا، كما ذكر ابن كثير محاولة غورث ابن الحارث اغتياله أثناء قفوله من غزوة نجد التي حاول فيها تأديب من قتلوا أصحابه يوم الرجيع. ٤ - وبهذه المناسبة أقول: لقد كان رسول الله ﷺ معصوماً أن يسلط عليه أحد فيقتله. وهذا مقتضى قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) (١) ولقد رأينا أنه قبل نزول هذه الآية كان يجب أن يحرس، ولذلك فلا عليه ﵊ ألا يحتاط كثيراً في أمر نفسه، ولكن هذا لا يعني أن تتساهل قيادات المسلمين في أمنها فذلك من التفريط الخطير، كيف والله يقول: (وخذوا حذركم) (٢).

стр. 591

فصل: في بعث الرجيع قال المباركفوري: وفي شهر صفر من السنة نفسها - أي الرابعة من الهجرة - قدم على رسول الله ﷺ قوم من عضل وقارة، وذكروا أن فيهم إسلاماً، وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر - في قول ابن إسحاق وفي رواية البخاري أنهم كانوا عشرة - وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي - في قول ابن إسحاق وعند البخاري أنه عاصم ابن ثابت جد عاصم بن عمر بن الخطاب. وهذه بعض روايات الحادثة: ٤٣٢ - * روى الطبراني عن عاصم بن عمر بن قتادة قال قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد نفر من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاماً، فابعث معنا نفراً من أصحابك، يفقهونا في الدين، ويقرئونا القرآن، ويعلمونا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله ﷺ نفراً من أصحابه ستة مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، قال فذكر القصة، قال وأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن أبي الأقلح، فقالوا: والله لا نقبل عهداً من مشرك، ولا عقداً أبدا، فقاتلوهم، حتى قتلوهم. أقول: الذي يظهر من هذه الرواية والتي بعدها أن السرية كانت مكلفة بمهمتين: الأولى: تعليمية دعوية، والثانية: استطلاعية عسكرية.

стр. 592

٤٣٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ سرية عيناً، وأمر عليهم عاصم بن ثابت - وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب - فانطلقوا، حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه، لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم، فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق: إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم، حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد، ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم، حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما وهذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد، حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيباً بنو الحارث ابن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيراً، حتى إذا أجمعوا قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث، ليستحد بها، فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو ثم قال: اللهم أحصهم عدداً.

стр. 593

ثم قال: ما إن أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله، وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه عقبة بن الحارث، فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم، ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه - وكان عاصم قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر - فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء. وفي رواية (١) قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عيناً، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري - جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة، بين عسفان ومكة ... وذكر الحديث. وفي رواية (٢): بقريب من مائتي رجل، كلهم رام وفيه: لجؤوا إلى موضع، وفيه فقال عاصم: أيها القوم، أما أنا، وفيه: منهم خبيب وزيد بن الدثنة، وفيه حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن عبد مناف خبيباً، وفيه فلما أخرجوه من الحرم ليقتلوه في الحل، وفيه قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. وقال: ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله، وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه أبو سروعة، عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل

стр. 594

صبراً: الصلاة، وأخبر - يعني النبي ﷺ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت، حين حدثوا: أنه قتل - أن يؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قتل رجلاً من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً. وأخرجه أبو داود (١) إلى قوله: يستحد بها، ثم قال: فلما خرجوا به ليقتلوه، قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين، ثم قال: والله، لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت. وأخرجه في موضع آخر قال: ابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيباً - وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر - فلبث خبيب عندهم أسيراً، حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها، فأعارته ... وذكر الحديث ... إلى قوله: ما كنت لأفعل ذلك، قال أبو داود: وروى الزهري هذه القصة، قال: أخبرني عبيد الله بن عياض: أن بنت الحارث أخبرته: أنهم حين اجتمعوا - يعني لقتله - استعار منها موسى ليستحد بها، فأعارته. وفي رواية رزين زيادة: قال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا رسولك، فجعل يرميهم ويقول: ما علتي وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل قال في الفتح: وذكر ابن إسحاق بإسناد صحيح عن عقبة بن الحارث قال: ما أنا قتلت خبيباً لأني

стр. 595

كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله. قال في الفتح: قوله: (فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلاً نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر) في رواية أبي معشر في مغازيه فنزلوا بالرجيع سحراً فأكلوا تمر عجوة فسقطت نواة بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنماً فرأت النواة فأنكرت صغرها وقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: أتيتم، فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد كمنوا في الجبل. أقول: رواية أبي معشر تدل على أنهم كانوا يحتاطون ألا يتركوا أثراً بما في ذلك نوى تمرهم الذي يأكلونه، وهذا يفيد أنهم كانوا في أعلى درجات الحس الأمني، وعلى كل الأحوال فإن أدب المسلم أن يرهف حسه الأمني دائماً حتى تكون تصرفاته على غاية من الحكمة فلا يكون إهماله سبباً في تدمير نفسه أو تدمير جماعة من المسلمين فضلاً عن أن يكون إهماله سبباً في تدمير جماعة المسلمين. وفي قوله في الرواية (وما كان إلا رزق رزقه الله) عن قطف العنب. قال في الفتح: والمشهور عن أهل السنة إثبات الكرامات مطلقاً، لكن استثنى بعض المحققين منهم كأبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال، ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك، وهذا أعدل المذاهب في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال وتكثير الطعام والماء والمكاشفة بما يغيب عن العين والأخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جداً حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخارق الآن فيما قاله القشيري، وتعين تقييد قول من أطلق أن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي، ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقول، فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك فإن كان متمسكاً بالأوامر الشرعية والنواهي كان ذلك علامة ولايته ومن لا فلا وبالله التوفيق.

стр. 596

وقال في الفتح بمناسبة حماية الله عاصماً بالدبر. قوله (فلم يقدروا منه على شيء) في رواية شعبة فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئاً، وفي رواية أبي الأسود عن عروة "فبعث الله عليهم الدبر تطير في وجوههم وتلدغهم، فحالت بينهم وبين أن يقطعوا" وفي رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن قتادة قال: كان عاصم بن ثابت أعطى الله عهداً أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً، فكان عمر يقول لما بلغه خبره: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في حياته. فوائد: قال ابن حجر معلقاً على الحديث السابق: وفي الحديث أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك. وقال سفيان الثوري: أكره ذلك. وفيه الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل أولادهم، والتلطف بمن أريد قتله، وإثبات كرامة الأولياء، والدعاء على المشركين بالتعميم، والصلاة عند القتل، وفيه إنشاء الشعر وإنشاده عند القتل ودلالة على قوة يقين خبيب وشدته في دينه، وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ولو شاء ربك ما فعلوه. وفيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حياً وميتاً، وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل. وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه. وفيه ما كان عليه مشركو قريش من تعظيم الحرم والأشهر الحرم. وقال الدكتور البوطي معلقاً على رفض عاصم الأسر واستئسار خبيب: يستدل مما سبق أن للأسير في يد العدو أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكن من نفسه ولو قتل، ترفعاً عن أن يجري عليه حكم كافر، كما فعل عاصم. فإن أراد الترخص، فله أن يستأمن، مترقباً الفرصة مؤملاً الخلاص كما فعل خبيب وزيد.

стр. 597

ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك في الأصح، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم، لأن الأسير في يد الكفار مقهور مهان، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر ورقه. أقول: إن من حق المسلم ألا يستأسر للسلطة الكافرة سواء كانت كافرة كفراً أصلياً أو عارضاً إذا كان الطلب بظلم، بل إن من حق المسلم ألا يستأسر وأن يقاتل إذا كان الطلب من ظالم بظلم، وهذا الذي فعله الحسين ﵁ وهذا يفتح أمام الحركات الإسلامية باباً واسعاً في التعامل مع الأحداث فمن حق أبناء هذه الحركة أن يستأسروا إذا طلبوا مظلومين ومن حقهم أن يقاتلوا حتى الموت ما دام الطالب لا يطلبهم بعدل وما دامت السلطة غير إسلامية. ٤٣٤ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث بعثاً إلى بني لحيان من هذيل، فقال: "لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما". وفي رواية (٢) "ليخرج من كل رجلين رجل" ثم قال للقاعد: "أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج". أقول: هذا مظهر من مظاهر الترتيب والتدبير في حياة رسول الله ﷺ وهو القدوة وبمثل هذا أدار الأمور عن أقرب طريق، وههنا نجد صورتين، صورة التخيير في الجهاد عندما يكون في الأمر سعة، وصورة كفالة الخارج في أهله من شخص بعينه، ومن هنا تعرف أن من خرج مجاهداً لا ينبغي أن يضيع ولا أن يضيع أهله. * * *

стр. 598

فصل: في مأساة بئر معونة قال المباركفوري: وفي الشهر نفسه الذي وقعت فيه مأساة الرجيع صفر ٤ هـ، وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى، وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة. وملخصها: أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، فقال: يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك؛ لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا جار لهم، فبعث معه أربعين رجلاً - في قول ابن إسحاق، وفي الصحيح أنهم كانوا سبعين، والذي في الصحيح هو الصحيح - وأمر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة الملقب بالمعنق ليموت، وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم، وكانوا يحتطبون بالنهار، يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن، ويصلون بالليل ساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي أرض بين بني عامر وحرة بني سليم - فنزلوا هناك، ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام: الله أكبر، فزت ورب الكعبة. ثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عصية ورعل وذكوان، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله ﷺ ، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد من بني النجار، فإنه ارتث (١) من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق. وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر، فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه، وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه.

стр. 599

ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي ﷺ حاملاً معه أنباء المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين. تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد؛ إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح؛ وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة. ولما كان عمرو بن أمية في الطريق بالقرقرة من صدر قناة، نزل في ظل شجرة وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو، وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول الله ﷺ بما فعل، فقال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما وانشغل بجمع دياتهم من المسلمين وحلفائهم اليهود وهذا الذي يصار سبباً لغزو بني النضير كما سيذكر. وقد تألم النبي ﷺ لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألماً شديداً وتغلب عليه الحزن والقلق حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه. قال في الفتح بمناسبة الكلام عن بئر معونة: (ورعل وذكوان) أي وغزوة رعل وذكوان، فأما رعل فبكسر الراء وسكون المهملة بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن لهيعة بن سليم، وأما ذكوان فبطن من بني سليم أيضاً ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم فنسبت الغزوة غليهما. ٤٣٥ - * روى البخاري عن أنس بن مالك: إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً أنه كان بعث ناساً يقال لهم القراء - وهم سبعون رجلاً - إلى ناس من المشركين وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد قبلهم، فظهر، هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً يدعو عليهم". قال في الفتح: قوله (إلى ناس من المشركين وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد قبلهم،

стр. 600

فظهر هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد) وهكذا ساقه هنا، وقوله قبلهم بكسر القاف وفتح الموحدة واللام أي من جهتهم، وأورده في آخر كتاب الوتر عن مسدد عن عبد الواحد بلفظ "إلى قوم من المشركين دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد" وليس المراد من ذلك أيضاً بواضح، وقد ساقه الإسماعيلي مبيناً فأورده يوسف القاضي عن مسدد شيخ البخاري فيه ولفظه "إلى قوم من المشركين فقتلهم قوم مشركون دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فظهر أن الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ العهد غير الذين قتلوا المسلمين، وقد بين ابن إسحاق في المغازي عن مشايخه وكذلك موسى بن عقبة عن ابن شهاب أصحاب العهد بنو عامر ورأسهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة وأن الطائفة الأخرى من بني سليم، وأن عامر بن الطفيل وهو ابن أخي ملاعب الأسنة أراد الغدر بأصحاب النبي ﷺ فدعا بني عامر إلى قتالهم، فامتنعوا وقالوا: لا نخفر ذمة أبي براء، فاستصرخ عليهم عصية وذكوان من بني سليم فأطاعوه وقتلوهم، وذكر لحسان شعراً يعيب فيه أبا براء ويحرضه على قتال عامر بن الطفيل فيما صنع فيه، فعمد ربيعة بن أبي براء إلى عامر بن الطفيل فطعنه فأرداه، فقال له عامر بن الطفيل: إن عشت نظرت في أمري، وإن مت فدمي لعمي، قالوا؛ ومات أبو براء عقب ذلك أسفاً على ما صنع به عامر بن الطفيل، وعاش عامر بن الطفيل بعد ذلك ومات بدعاء النبي ﷺ . أقول: نلاحظ أن التعاقدات والتحالفات والمعاهدات كانت جزءاً لا يتجزأ من سياسة الرسول ﷺ وحركته الدائبة، وقد حققت له مصالح وكانت أحياناً سبباً في مآس، والمسلم مكلف أن يجتهد في الموقع الذي هو فيه وليس عليه أن يعرف الغيب. والحذر والاحتياط مطلوبان. ٤٣٦ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وغيره أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، وقال رسول الله ﷺ "إني لا أقبل هدية مشرك" فقال عامر بن
следующие страницы →