وقال في الفتح بمناسبة حماية الله عاصماً بالدبر.
قوله (فلم يقدروا منه على شيء) في رواية شعبة فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئاً، وفي رواية أبي الأسود عن عروة "فبعث الله عليهم الدبر تطير في وجوههم وتلدغهم، فحالت بينهم وبين أن يقطعوا" وفي رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن قتادة قال: كان عاصم بن ثابت أعطى الله عهداً أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً، فكان عمر يقول لما بلغه خبره: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في حياته.
فوائد:
قال ابن حجر معلقاً على الحديث السابق:
وفي الحديث أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك. وقال سفيان الثوري: أكره ذلك. وفيه الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل أولادهم، والتلطف بمن أريد قتله، وإثبات كرامة الأولياء، والدعاء على المشركين بالتعميم، والصلاة عند القتل، وفيه إنشاء الشعر وإنشاده عند القتل ودلالة على قوة يقين خبيب وشدته في دينه، وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ولو شاء ربك ما فعلوه. وفيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حياً وميتاً، وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل. وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه. وفيه ما كان عليه مشركو قريش من تعظيم الحرم والأشهر الحرم.
وقال الدكتور البوطي معلقاً على رفض عاصم الأسر واستئسار خبيب:
يستدل مما سبق أن للأسير في يد العدو أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكن من نفسه ولو قتل، ترفعاً عن أن يجري عليه حكم كافر، كما فعل عاصم.
فإن أراد الترخص، فله أن يستأمن، مترقباً الفرصة مؤملاً الخلاص كما فعل خبيب وزيد.
стр. 597
ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك في الأصح، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم، لأن الأسير في يد الكفار مقهور مهان، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر ورقه.
أقول: إن من حق المسلم ألا يستأسر للسلطة الكافرة سواء كانت كافرة كفراً أصلياً أو عارضاً إذا كان الطلب بظلم، بل إن من حق المسلم ألا يستأسر وأن يقاتل إذا كان الطلب من ظالم بظلم، وهذا الذي فعله الحسين ﵁ وهذا يفتح أمام الحركات الإسلامية باباً واسعاً في التعامل مع الأحداث فمن حق أبناء هذه الحركة أن يستأسروا إذا طلبوا مظلومين ومن حقهم أن يقاتلوا حتى الموت ما دام الطالب لا يطلبهم بعدل وما دامت السلطة غير إسلامية.
٤٣٤ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث بعثاً إلى بني لحيان من هذيل، فقال: "لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما".
وفي رواية (٢) "ليخرج من كل رجلين رجل" ثم قال للقاعد: "أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج".
أقول: هذا مظهر من مظاهر الترتيب والتدبير في حياة رسول الله ﷺ وهو القدوة وبمثل هذا أدار الأمور عن أقرب طريق، وههنا نجد صورتين، صورة التخيير في الجهاد عندما يكون في الأمر سعة، وصورة كفالة الخارج في أهله من شخص بعينه، ومن هنا تعرف أن من خرج مجاهداً لا ينبغي أن يضيع ولا أن يضيع أهله.
* * *
стр. 598
فصل: في مأساة بئر معونة
قال المباركفوري:
وفي الشهر نفسه الذي وقعت فيه مأساة الرجيع صفر ٤ هـ، وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى، وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة.
وملخصها: أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، فقال: يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك؛ لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا جار لهم، فبعث معه أربعين رجلاً - في قول ابن إسحاق، وفي الصحيح أنهم كانوا سبعين، والذي في الصحيح هو الصحيح - وأمر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة الملقب بالمعنق ليموت، وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم، وكانوا يحتطبون بالنهار، يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن، ويصلون بالليل ساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي أرض بين بني عامر وحرة بني سليم - فنزلوا هناك، ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام: الله أكبر، فزت ورب الكعبة.
ثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عصية ورعل وذكوان، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله ﷺ ، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد من بني النجار، فإنه ارتث (١) من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق.
وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر، فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه، وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه.
стр. 599
ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي ﷺ حاملاً معه أنباء المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين. تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد؛ إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح؛ وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة.
ولما كان عمرو بن أمية في الطريق بالقرقرة من صدر قناة، نزل في ظل شجرة وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو، وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول الله ﷺ بما فعل، فقال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما وانشغل بجمع دياتهم من المسلمين وحلفائهم اليهود وهذا الذي يصار سبباً لغزو بني النضير كما سيذكر.
وقد تألم النبي ﷺ لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألماً شديداً وتغلب عليه الحزن والقلق حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه.
قال في الفتح بمناسبة الكلام عن بئر معونة:
(ورعل وذكوان) أي وغزوة رعل وذكوان، فأما رعل فبكسر الراء وسكون المهملة بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن لهيعة بن سليم، وأما ذكوان فبطن من بني سليم أيضاً ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم فنسبت الغزوة غليهما.
٤٣٥ - * روى البخاري عن أنس بن مالك: إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً أنه كان بعث ناساً يقال لهم القراء - وهم سبعون رجلاً - إلى ناس من المشركين وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد قبلهم، فظهر، هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً يدعو عليهم".
قال في الفتح: قوله (إلى ناس من المشركين وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد قبلهم،
стр. 600
فظهر هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد) وهكذا ساقه هنا، وقوله قبلهم بكسر القاف وفتح الموحدة واللام أي من جهتهم، وأورده في آخر كتاب الوتر عن مسدد عن عبد الواحد بلفظ "إلى قوم من المشركين دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد" وليس المراد من ذلك أيضاً بواضح، وقد ساقه الإسماعيلي مبيناً فأورده يوسف القاضي عن مسدد شيخ البخاري فيه ولفظه "إلى قوم من المشركين فقتلهم قوم مشركون دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فظهر أن الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ العهد غير الذين قتلوا المسلمين، وقد بين ابن إسحاق في المغازي عن مشايخه وكذلك موسى بن عقبة عن ابن شهاب أصحاب العهد بنو عامر ورأسهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة وأن الطائفة الأخرى من بني سليم، وأن عامر بن الطفيل وهو ابن أخي ملاعب الأسنة أراد الغدر بأصحاب النبي ﷺ فدعا بني عامر إلى قتالهم، فامتنعوا وقالوا: لا نخفر ذمة أبي براء، فاستصرخ عليهم عصية وذكوان من بني سليم فأطاعوه وقتلوهم، وذكر لحسان شعراً يعيب فيه أبا براء ويحرضه على قتال عامر بن الطفيل فيما صنع فيه، فعمد ربيعة بن أبي براء إلى عامر بن الطفيل فطعنه فأرداه، فقال له عامر بن الطفيل: إن عشت نظرت في أمري، وإن مت فدمي لعمي، قالوا؛ ومات أبو براء عقب ذلك أسفاً على ما صنع به عامر بن الطفيل، وعاش عامر بن الطفيل بعد ذلك ومات بدعاء النبي ﷺ .
أقول: نلاحظ أن التعاقدات والتحالفات والمعاهدات كانت جزءاً لا يتجزأ من سياسة الرسول ﷺ وحركته الدائبة، وقد حققت له مصالح وكانت أحياناً سبباً في مآس، والمسلم مكلف أن يجتهد في الموقع الذي هو فيه وليس عليه أن يعرف الغيب. والحذر والاحتياط مطلوبان.
٤٣٦ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وغيره أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، وقال رسول الله ﷺ "إني لا أقبل هدية مشرك" فقال عامر بن
стр. 601
مالك: ابعث يا رسول الله من رسلك من شئت، فأنا لهم جار، فبعث رسول الله ﷺ رهطاً فيهم المنذر بن عمرو الساعدي وهو الذي يقال له: أعتق ليموت عيناً في أهل نجد فسمع بهم عامر بن الطفيل فاستنفر لهم من بني سليم فنفروا معه فقتلهم ببئر معونة غير عمرو بن أمية الضمري أخذه عامر بن الطفيل فأرسله، فلما قدم على رسول الله ﷺ من بينهم، وكان فيهم عامر بن فهيرة، فزعم لي عروة أنه قتل يومئذ فلم يوجد جسده حين دفنوه يقول عروة: كانوا يرون الملائكة هي دفنته فقال حسان يحرض بعامر بن الطفيل:
بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطا كعمد
فطعن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن مالك عامر بن الطفيل في فخذه طعنة فقده.
٤٣٧ - * روى الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: أقام رسول الله ﷺ بعد أحد بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة، وولى تلك الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد، فكان من حديثهم، كما حدثني إسحاق عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله ﷺ فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم، ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا
стр. 602
لك، فقال رسول الله ﷺ : "إني أخشى عليهم أهل نجد" فقال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم، فليدعوا الناس إلى أمرك، فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن الخزرج المعتق ليموت في أربعين رجلاً من المسلمين من خيارهم، منهم الحرث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة - مولى أبي بكر - ورجالا مسمين من خيار المسلمين، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي من بني سليم أقرب، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه، لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ بني عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقداً وجواراً، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية ورعل وذكوان، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بني دينار ابن النجار، فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق، وكان في السرح عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار أخو بني عمرو بن عوف، فلم ينبئهما بمصاب إخوانهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري: لعمرو بن أمية: ما ترى قال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ ، فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرني عنه الرجال، فقاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيراً، فلما أخبرهم أنه من مضر، أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة، زعم أنها كانت على أمه، فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أتاه رجلان
стр. 603
من بني عامر نزلا في ظل هو فيه، وكان للعامريين عقد من رسول الله ﷺ وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا، ممن أنتما؟ قالا: من بني عامر فأمهلهما، حتى ناما فغدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثأره من بني عامر، لما أصابوا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله ﷺ أخبره الخبر، فقال رسول الله ﷺ : "لقد قتلت قتيلين لأدينهما" ثم قال رسول الله ﷺ : "هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً" فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصيب من أصحاب رسول الله ﷺ بسببه وجواره فقال حسان بن ثابت، يحرض ابن أبي براء على عامر بن الطفيل:
بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... بما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك أبو الحروب أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد
فحمل ربيعة بن عامر على عامر بن الطفيل، فطعنه بالرمح، فوقع في فخذه، فأشواه ووقع عن فرسه، فقال: هذا عمل أبي براء، فإن أمت فدمي لعمي، لا يتبع به، وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتى إلي.
٤٣٨ - * روى البخاري عن أنس قال: بعث النبي ﷺ أقواماً من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن آمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله ﷺ ، وإلا كنتم مني قريباً، فتقدم، فآمنوه، فبينما يحدثهم عن رسول الله ﷺ ، إذ أومؤوا إلى رجل منهم، فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، ثم مالوا
стр. 604
على بقية أصحابه، فقتلوهم، إلا رجلاً أعرج صعد الجبل. قال همام: وأراه آخر معه، فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم، فرضي عنهم وأرضاهم؛ فكنا نقرأ: "أن بلغوا قمنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا" ثم نسخ بعد، فدعا عليهم أربعين صباحاً على رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصية الذين عصوا الله ورسوله.
وفي رواية (١) "أن رعلاً وذكوان وبني لحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم: القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم، وغدروهم بهم، فبلغ النبي ﷺ ، فقنت شهراً يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، قال أنس: فقرأنا فيهم قرآناً، ثم إن ذلك رفع: بلغوا عنا قومنا ... وذكره".
وللبخاري ومسلم في رواية (٢) قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة: ثلاثين صباحاً، يدعو على رعل وذكوان ولحيان وعصية، عصت الله ورسوله. قال أنس: أنزل الله لنبيه في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه، حتى نسخ بعد: أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه.
وللبخاري (٣) عن أنس قال: لما طعن حرام بن ملحان - وكان خاله - يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت ورب الكعبة.
ولمسلم (٤) قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ ، فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في
стр. 605
المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي ﷺ إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم أبلغ عنا نبينا: أنا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حراماً - خال أنس - من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا: أنا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا".
وفي رواية للبخاري (١) أن رسول الله ﷺ بعث خاله - أخاً لأم سليم - في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف، فطعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غدة كغدة البكر، في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم - وهو رجل أعرج - ورجل من بني فلان، قال: كونا قريباً حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم قريباً، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله ﷺ وذكر الحديث مثل الأولى".
أقول: وما أشار إليه أنس من آيات تتلى ثم نسخت نموذج على منسوخ التلاوة من القرآن، وهو أحد أنواع النسخ الحاصل.
ولابن حجر بعض تفصيلات وتصويبات في الفتح بمناسبة الحديث قال:
قوله (في بيت امرأة من آل بني فلان) بينها الطبراني من حديث سهل بن سعد فقال "امرأة من آل سلول" وبين فيه قدوم عامر بن الطفيل على النبي ﷺ وأنه قال فيه "لأغزونك بألف أشقر (٢) وألف شقراء" (٣) وأن النبي ﷺ أرسل أصحاب بئر معونة بعد
стр. 606
أن رجع عامر، وأنه غدر بهم وأخفر ذمة عمه أبي براء وأن النبي ﷺ دعا عليه فقال: "اللهم اكفني عامراً" قال فجاء إلى بيت امرأة من بني سلول. قلت: سلول امرأة، وهي بنت ذهل بن شيبان، وزوجها مرة بن صعصعة أخو عامر بن صعصعة فنسب بنوه إليها قوله (فانطلق حرام أخو أم سليم وهو رجل أعرج) كذا هنا على أنها صفة حرام، وليس كذلك بل الأعرج غيره، وقد وقع في رواية عثمان بن سعيد فانطلق حرام ورجلان معه رجل أعرج ورجل من بني فلان، فالذي يظهر أن الواو في قوله "وهو" قدمت سهواً من الكاتب، والصواب تأخيرها، وصواب الكلام: فانطلق حرام هو ورجل أعرج، فأما الأعرج فاسمه كعب بن زيد، وهو من بني دينار بن النجار، وأما الآخر فاسمه المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح الخزرجي سماها ابن هشام في زيادات السيرة. ووقع في بعض النسخ "وهو رجل أعرج" وهو الصواب اهـ ابن حجر.
قال في الفتح بمناسبة ذكر بني لحيان في بعض الروايات: لحيان بكسر اللام وفتحها وهذا يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك: وإنما أصاب هؤلاء القراء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع، وإنما أتى الخبر إلى رسول الله ﷺ عنهم كلهم في وقت واحد فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحداً والله أعلم، قاله القسطلاني في المواهب. اهـ.
وقال في الفتح: قوله: (بعث النبي ﷺ سبعين رجلاً لحاجة) فسر قتادة الحاجة بقوله "إن رعلا وغيرهم استمدوا رسول الله ﷺ على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار" وقد تقدم في الجهاد من وجه آخر عن سعيد عن قتادة بلفظ "أن النبي ﷺ أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان فزعموا أنهم أسلموا واستمدوا على قومهم، وفي هذا رد على من قال رواية قتادة وهم، وأنهم لم يستمدوا رسول الله ﷺ وإنما الذي استمدهم عامر بن الطفيل على أصحاب رسول الله ﷺ انتهى. ولا مانع أن يستمدوا رسول الله صلى الله عليهم وسلم في الظاهر ويكون قصدهم الغدر بهم، ويحتمل أن يكون الذين استمدوا غير الذين استمدهم عامر بن الطفيل وإن كان الكل من بني سليم، وفي رواية عاصم آخر الباب عن أنس "أن النبي ﷺ بعث أقواماً إلى ناس من المشركين بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، ويحتمل أنه لم يكن استمدادهم لهم
стр. 607
لقتال عدو، وإنما هو للدعاء إلى الإسلام. وقد أوضح ذلك ابن إسحاق قال: حدثني أبي عن المغيرة بن عبد الرحمن وغيره قال: قدم أبو براء عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنة على رسول الله ﷺ فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال: يا محمد، لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك وأنا جار لهم. اهـ.
أقول: وقد ابتلى الله عامر بن الطفيل بما يشبه السرطان أو الجدري ومات في بيت امرأة من بني سلول وهي قبيلة مزدراة فكان ذلك أبلغ في الإهانة، وقد كان تهدد رسول الله ﷺ أن يغزوه بألف أشقر وألف شقراء ثم تسبب بقتل القراء فعاقبه الله .
ومن أهم ما نأخذه من حادثة بئر معونة أنه إذا فتح لنا باب الدعوة إلى الله سلماً فعلينا أن نلجه، وأن نرسل الوفود والبعوث لذلك، وهذا يفتح أمامنا آفاقاً واسعة في العمل الإسلامي على الأرض الإسلامية أو خارجها، فحيثما أعطينا حرية الدعوة إلى الله فعلينا أن ندعو مستفيدين من الأعراف والقوانين، ويسعنا في هذه الحالة أن ننصح وأن نعمل من خلال القانون للتغيير الإسلامي الشامل، ولكن الاكتفاء بهذا القدر من العمل منوط بالفتوى من أهلها.
* * *
стр. 608
فصل: في إجلاء بني النضير
هناك خلاف حول غزوة بني النضير متى كانت، وعامة كتاب السير أنها في السنة الرابعة وهذه الرواية تدل على أنها كانت في السنة الثالثة، ولا يترتب على الخلاف عمل، وقد جرينا على رأي الجمهور في هذه الغزوة.
قال ابن القيم في زاد المعاد عن ما جرى في أخريات بئر معونة ثم عن غزوة النضير:
وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر بن محمد فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه، ورجع عمرو بن أمية فلما كانت بالقرقرة من صدر قناة نزل في ظل شجرة، وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول الله ﷺ بما فعل فقال لقد قتلت قتيلين لأدينهما، فكان هذا سبب غزوة بني النضير، فإنه خرج غليهم ليعينوه في ديتهما لما بينه وبينهم من الحلف، فقالوا: نعم وجلس هو وأبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه، فاجتمع اليهود وتشاوروا وقالوا: من رجل يلقي على محمد هذه فيقتله؟ فانبعث أشقاها عمرو بن جحاش لعنه الله، ونزل جبريل من عند رب العالمين على رسوله يعلمه بما هموا به فنهض رسول الله ﷺ من وقته راجعاً إلى المدينة، ثم تجهز وخرج بنفسه لحربهم، فحاصرهم ست ليال، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وذلك في ربيع الأول، قال ابن حزم: وحينئذ حرمت الخمر، فنزلوا على أن لهم ما حملت إبلهم غير السلاح ويرحلون من ديارهم فترحل أكابرهم كحيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم رجلان فقط يامين بن عمرو وأبو سعيد بن وهب فأحرزا أموالهما وقسم رسول الله ﷺ أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين خاصة، لأنها كانت مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، إلا أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف الأنصاريين لفقرهما. وفي هذه الغزوة نزلت سورة الحشر هذا الذي ذكرناه هو الصحيح عند أهل المغازي والسير، وزعم محمد بن شهاب الزهري أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر
стр. 609
بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد احد والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بني قينقاع وقريظة بعد الخندق وخيبر بعد الحديبية. فكان له مع اليهود أربع غزوات: أولها غزوة بني قينقاع بعد بدر، والثانية بني النضير بعد أحد، والثالثة قريظة بعد الخندق، والرابعة خيبر بعد الحديبية.
قال ابن كثير في البداية والنهاية:
قال ابن إسحاق فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب فلما نزلوها دان لهم أهلها. فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أنهم استقلوا بالنساء والأبناء والأموال معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم بزهاء وفخر ما رؤي مثله لحي من الناس في زمانهم اهـ.
قال ابن حجر ﵀ في الفتح:
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم يستعينهم قالوا: نعم. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال. قال: وكان جالساً إلى جانب جدار لهم، فقالوا من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة لعيه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهراً أنه يقضي حاجته وقال لصحابه: لا تبرحوا، ورجع مسرعاً إلى المدينة، واستبطأه أصحابه فأخبروا أنه توجه إلى المدينة، فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم، فتحصنوا، فأمر بقطع النخل والتحريق، وذكر ابن إسحاق أنه حاصرهم ست ليال، وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب فلم ينصروهم، فسألوا أن يجلوا عن أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل فصولحوا على ذلك، وروى البيهقي في "الدلائل" من حديث محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام، قال ابن إسحاق: فاحتملوا
стр. 610
إلى خيبر وإلى الشام، قال فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنهم حلوا الأموال من النخيل والمزارع فكانت لرسول الله ﷺ خاصة. قال ابن إسحاق: ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعيد بن وهب فأحرزا أموالهما. وروى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر عن الزهري "أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي ﷺ وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهم ابن أبي ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي ﷺ فقال: ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تلقوا بأسكم بينكم، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرقوا. فلما كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، يتهددونهم، فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك. ففعل، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي ﷺ قبل أن يصل إليهم، فرجع، وصبحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكذا أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق، وفي ذلك رد على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد، قلت: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله أعلم. وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به ﷺ ، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قال ابن إسحاق، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق. اهـ.
وقال الشيخ الغزالي:
وفي هذه المعركة نزلت سورة الحشر بأكملها، فوصفت طرد اليهود في صدرها.
стр. 611
(هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار) (١).
ثم فضح القرآن مسلك منافقي المدينة الذين حاولوا إعانة يهود في غدرها وحربها، وحرضوها على مقاتلة المسلمين بما وعدوها من أمداد وعتاد فقال:
(ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) (٢).
وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون دون تضحيات، توطد سلطانهم في المدينة، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم، وأمكن رسول الله أن يتفرغ لقمع الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذالة وكفران. اهـ.
٤٣٩ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجن أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبي ﷺ ، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: "لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت
стр. 612
تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم" فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء، وهي الخلاخيل، فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ اجتمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبراً، حتى نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك فقص خبرهم فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: "إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه" فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا الغد على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم على أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا على بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، فكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاه الله إياها وخصه بها، فقال: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) (١) يقول: بغير قتال، فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة، ولم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما.
стр. 613
- (وفي رواية ابن هشام (١): أنهما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة) - وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي هي في أيدي بني فاطمة.
٤٤٠ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا النبي ﷺ ، فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فأمنهم وأسلموا وأجلى رسول الله يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم قوم عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهودي كان بالمدينة.
٤٤١ - * وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: انطلقوا إلى يهود. فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس، فقام النبي ﷺ فناداهم: "يا معشر يهود، أسلموا تسلموا" فقالوا: بلغت يا أبا القاسم. فقال: "ذلك أريد" ثم قالها الثانية، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. ثم قال الثالثة فقال: "اعلموا أن الأرض لله ورسوله وأني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله".
لكنهم رفضوا الجلاء الطوعي فكان ما رأينا.
٤٤٢ - * وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄ في قول الله : (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها) قال: اللينة: النخلة، (وليخزي
стр. 614
الفاسقين) وقال: استنزلوهم من حصونهم، قال: وأمروا بقطع النخل فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً، وتركنا بعضاً، فلنسألن رسول الله ﷺ : هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركناه من وزر؟ فأنزل الله تعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ..) (١).
٤٤٣ - * وروى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﵌، حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم (سبح لله ما في السموات وما في الأرض) إلى قوله (لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا) (٢) فقاتلهم النبي ﵌ حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأما قوله (لأول الحشر) فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام.
ونشهد في زماننا حشراً آخر لليهود إلى بلاد الشام وسيتبعه حشر آخر في عهد الدجال عند نهر الأردن، وقد بشرنا الكتاب والحديث أن النصر للإسلام.
٤٤٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله :
(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) (١).
стр. 615
وفي رواية صحيحة (١) قال ابن عمر: ولها يقول حسان بن ثابت:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
زاد في رواية (٢) قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث:
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق في نواحيها السعير
ستعلم أينا منها بنزه ... وتعلم أي أرضينا تضير
تعليقات على حادثة النضير:
سجل الله حادثة النضير في كتابه فأنزل فيها سورة كاملة، هي سورة الحشر التي أسماها ابن عباس سورة النضير، ومن ثم فإن النضير من الحوادث الخالدات التي يحتاج المسلمون على مدى العصور إلى معرفة دروسها وأخذ عبرها، فهي حادثة تمرد وغدر داخليين تقوم بهما فئة معاهدة من غير المسلمين، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يؤدبها تعاطف معها منافقون، ظاهرهم مسلمون، إن هذا الوضع يمكن أن يحدث في كل زمان وفي كل مكان، فكيف تصرف رسول الله ﷺ ؟ وما هي السنة التي تحكم ذلك؟ وما حكم أموال المتمردين الغادرين ونسائهم؟ وماذا يجوز لنا في هذا الشأن؟ كل ذلك بعض ما في سورة النضير التي تحدثت عن غزوتها، وهذه بعض دروس الغزوة والسورة:
١ - إن تلاحم الكافرين والمنافقين على الأرض الإسلامية لا شك فيه، وأنت عليك أن تستهدف الكفر فإذا ما استطعت أن تنتصر عليه فقد انتهت قيمة المنافقين السياسية والعسكرية، ولذلك يجب أن تضع نصب عينيك أن السيطرة على الكفر هي الهدف، وفي الغالب فإن المنافقين لن ينتقلوا من القول إلى الفعل إلا في حالة واحدة هي أن تضمهم جميعاً
стр. 616
حصون يقاتلون من خلالها. وإذن فلا ينبغي أن تعطيهم فرصة التجمع والتحصن.
٢ - ومما حدث في إجلاء بني النضير وبما نزل من آيات الله في ذلك نعرف صورة مما يمكن أن تفعله الدولة الإسلامية الراشدة في المواطنين غير المسلمين إذا تأكد لنا غدرهم.
٣ - ومن تعليقات الدكتور البوطي على حادثة النضير ما يلي:
قطع نخيل بني النضير وإحراقها، ثبت بالاتفاق. والذي أتلفه الرسول ﷺ من ذلك غنما هو البعض ثم ترك الباقي. وقد نزل القرآن تصويباً لما أقدم عليه النبي ﷺ من ذلك: قطعاً وإبقاء، وذلك في قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ..) (١).
وقد استدل عامة العلماء بذلك، على أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإتلافها منوط بما يراه الإمام أو القائد من مصلحة النكاية بأعدائهم، فالمسألة إذاً من قبيل ما يدخل تحت اسم السياسة الشرعية. قال العلماء: وإنما كان قصد الرسول ﷺ بتصرفه هذا في النخيل - قطعاً أو كفاً - تحقيق المصلحة وتلمس السبيل إليها، إرشاداً وتعليماً للأئمة من بعده.
وبهذا أيضاً علل الشافعي ﵀، أمر أبي بكر ﵁ بالإحراق والقطع، حينما أرسل خالداً إلى طليحة وبني تميم، مع أنه نهى هو نفسه عن ذلك في حروب الشام. ويقول ﵀ في هذا: "ولعل أمر أبي بكر بأن يكفوا عن أن يقطعوا شجراً مثمراً، إنما هو لأنه سمع رسول الله ﷺ يخبر أن بلاد الشام تفتح على المسلمين. فلما كان مباحاً له أن يقطع ويترك، اختار الترك نظراً للمسلمين".
وهذا الذي قلناه من إباحة قطع شجر الكفار وإحراقه إذا اقتضت المصلحة هو مذهب نافع مولى ابن عمر ومالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء. وروي عن الليث بن سعد وأبي ثور والأوزاعي القول بعدم جوازه.
واتفق الأئمة على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال - وهو الفيء - يعود النظر
стр. 617
والتصرف فيه إلى ما يراه الإمام من المصلحة، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب، مستدلين على ذلك بسياسته ﷺ في تقسيم فيء بني النضير، فقد خص به - كما رأيت - المهاجرين وحدهم، وقد نزل القرآن تصويباً لذلك، في الآيتين اللتين ذكرناهما.
ثم اختلفوا في الأراضي التي غنمها المسلمون بواسطة الحرب: فذهب مالك إلى أن الأرض لا تقسم مطلقاً، وإنما يكون خراجها وقفاً لمصالح المسلمين إلا أن يرى الإمام أن المصلحة تقضي القسمة فإن له ذلك، ويذهب الحنفية قريباً من هذا المذهب.
أما الشافعي فذهب إلى أن الأرض المأخوذة عنوة تجب قسمتها كما تجب قسمة غيرها من الغنائم، وهو الظاهر من مذهب الإمام أحمد أيضاً.
ودليل ما ذهب إليه الشافعي، أن تصرف النبي ﷺ بأموال بني النضير، على خلاف ما تقتضيه القسمة بين الغانمين في الحرب، إنما كان بسبب عدم وجود أي قتال تسبب عنه الحصول على تلك الغنائم. وقد نصت الآية على ذلك في معرض تعليل حكمه ﷺ ، في فيء بني النضير، وهي قوله تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم، فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) (١) وإذا كان هذا هو مناط جواز عدم القسمة لأراضي الفيء فمن الواضح أنه إذا ارتفع مناط الحكم، ارتفع الحكم معه، وعاد الحكم المنصوص عليه في حق الغنائم، سواء في ذلك الأراضي وغيرها.
ودليل ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة أمور كثيرة، من أهمها عمل عمر ﵁ حينما امتنع عن تقسيم سواد العراق، وجعلها وقفاً يجري خراجها ريعاً للمسلمين وليس المجال هنا متسعاً لأكثر من هذا العرض المجمل في الموضوع.
إنما الذي ينبغي أن ننتبه إليه من هذا البحث هنا، هو التعليل الذي ذكره الله تعالى في الآيتين اللتين أوضحتا سياسته ﵊ في تقسيم فيء بني النضير إذ اختص به أناساً دون آخرين. فقد ذكر الله تعالى في تعليل ذلك قوله: (لكي لا يكون دولة بين
стр. 618
الأغنياء منكم) (١) أي لكي لا يكون تداول المال محصوراً فيما بين طبقة الأغنياء منكم فقط.
والتعليل بهذه الغاية يؤذن بأن سياسة الشريعة الإسلامية في شؤون المال، قائمة في جملتها على تحقيق هذا المبدأ. وأن كل ما تفيض به كتب الشريعة الإسلامية من الأحكام المتعلقة بمختلف شؤون الاقتصاد والمال يبتغى من ورائه إقامة مجتمع عادل تتقارب فيه طبقات الناس وفئاتهم ويقضى فيه على أسباب الثغرات التي قد تظهر فيما بينها، والتي قد تؤثر على سير العدالة وتطبيقها.
ولو طبقت أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمتها الخاصة بشؤون المال من إحياء لشريعة الزكاة ومنع للربا وقضاء على مختلف مظاهر الاحتكارات لعاش الناس كلهم في بحبوحة من العيش، قد يتفاوتون في الرزق ولكنهم جميعاً مكتفون، وليس فيهم كل على آخر وإن كانوا جميعاً يتعاونون.
والمهم أن تعلم أن الله تعالى لما جعل غاية شريعته في الدنيا إقامة هذا المجتمع، شرع لذلك وسائل وأسباباً معينة ألزمنا باتباعها وعدم الخروج عليها. أي أن الله تعالى تعبدنا بكل من الغاية والوسيلة معاً. فلا يجوز أن يقال: إن الغاية من الإسلام إقامة العدالة الاجتماعية. فلنسلك إلى ذلك ما نراه من السبل والأسباب، بل إن هذا يعد خروجاً على كل من الغاية والوسيلة معاً، فلن تتحقق الغاية التي أمرنا الله تعالى بتحقيقها إلا باتباع الوسيلة التي شرعها لنا سبيلاً إلى تلك الغاية. والتاريخ أعظم دليل والوقائع أكبر شاهد.
هذا وجدير بك أن تعود إلى سورة الحشر بكاملها، لتتأمل تعليق البيان الإلهي العظيم على هذه الحادثة بمجموعها وعامة ملابساتها: اليهود، المنافقون، سياسة الرسول في المال والحرب، وغير ذلك ... فهذه السورة من أهم ما يمكنك من الوقوف على دروس هذه القصة وعظاتها. اهـ.
* * *
стр. 619
فصل: في غزوتي الرد
ذكر ابن كثير في أحداث السنة الرابعة غزوتين لرسول الله ﷺ ، غزوة بني لحيان وغزوة نحو نجد أسماها غزوة ذات الرقاع، ومن عرف سنته ﵊ في رده على الاعتداء من قبل المحاربين رجح أن الغزوتين كانتا في هذه السنة، لكن اختلط الأمر على بعض المحققين بين غزوة ذات الرقاع، وغزوة أخرى حدثت في السنة السابعة شارك فيها أبو موسى الأشعري وربط بها هو وأصحابه رقاعاً على أرجلهم فظنوا أن هذه الغزوة هي غزوة ذات الرقاع المشهورة التي كانت رداً على حادثة بئر معونة، والذي أرجحه أن غزوة بني لحيان وغزوة ذات الرقاع كانتا في السنة الرابعة، واسم ذات الرقاع هنا لم يأت من الرقاع المربوطة على الأرجل بل كان لأسباب أخرى سنراها.
١ - غزوة بني لحيان:
قال ابن كثير: وقال الحافظ البيهقي: لما أصيب خبيب وأصحابه خرج رسول الله ﷺ طالباً بدمائهم ليصيب من بني لحيان غرة، فسلك طريق الشام ليرى أنه لا يريد بني لحيان، حتى نزل بأرضهم فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فقال رسول الله ﷺ "لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة" فخرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم ثم انصرفا. اهـ.
أقول: هذه الغزوة وإن لم تحقق هدفها الأساسي وهو الثأر لحادثة الرجيع، لكنها أوقعت الرعب في قلوب أهل المنطقة وأرتهم أن محمداً ﷺ لا ينام على ثأر، وأنه وراء المسيئين لن يتركهم حتى يعاقبهم أو يسلموا أو يعاهدوا.
٢ - غزوة ذات الرقاع:
تختلط روايات هذه الغزوة بأكثر من روايات غزوات أخرى فهي تختلط بغزوة لف فيها أصحاب رسول الله ﷺ الخرق على أرجلهم فتوهم بعضهم أن هذه الغزوة هي غزوة ذات الرقاع، وتختلط بغزوتي عسفان وأنمار؛ بسبب أن في الجميع روايات لجابر، وبسبب
стр. 620
أن بعض الروايات فيها ذكر لصلاة الخوف، مع اتفاق الجميع أن صلاة الخوف نزلت بعد غزوة الأحزاب، فقد رأى بعضهم أن غزوة ذات الرقاع هذه، لم تكن في السنة الرابعة، ولكن المحققين من كتاب السير يرون أنها في السنة الرابعة وعلى هذا فلابد من التمييز بين رواياتها وروايات الغزوات الأخرى وإعطاء كل غزوة اسمها المناسب، ونحن سنتخير من الروايات والتحقيقات ما لا يكون فيه تناقض مع ما ذهب إليه المحققون في كل.
وننقل بين يدي ذلك ما قاله ابن حجر في الفتح كدليل على أن هذه الغزوة تختلط بغيرها ولذلك وقع اللبس:
قال ابن حجر:
(باب غزوة ذات الرقاع) هذه الغزوة اختلف فيها متى كانت، واختلف في سبب تسميتها بذلك. وقد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واستدل لذلك في هذا الباب بأمور سيأتي الكلام عليها مفصلاً، ومع ذلك ذكرها قبل خيبر فلا أدري هل تعمد ذلك تسليماً لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها كما سيأتي، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسماً لغزوتين مختلفتين كما أشار إليه البيهقي، على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بعد غزوة بني النضير شهر ربيع وبعض جمادى - يعني من سنته - وغزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع. اهـ.
وبمناسبة رواية البخاري عن جابر (كنا مع النبي ﷺ بنخل فذكر صلاة الخوف) قال ابن حجر:
أورده مختصراً معلقاً لأن غرضه الإشارة إلى أن روايات جابر متفقة على أن الغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة ذات الرقاع، لكن فيه نظر لأن سياق رواية هشام عن أبي الزبير هذه تدل على أنه حديث آخر في غزوة أخرى، وبيان ذلك أن في الحديث عند الطيالسي وغيره أن المشركين قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم، قال فنزل جبريل فأخبره؛ فصلى بأصحابه العصر، وصفهم صفين، فذكر صفة صلاة الخوف،
стр. 621
وهذه القصة إنما هي في غزوة عسفان، وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير بلفظ يدل على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع، ولفظه عن جابر قال: (غزونا مع النبي ﷺ قوماً من جهينة، فقاتلونا قتالاً شديداً، فلما أن صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة واحدة لأفظعناهم، فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك، قال وقالوا: ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فذكر الحديث. وروى أحمد والترمذي وصححه النسائي من طريق عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم، فذكر الحديث في نزول جبريل لصلاة الخوف، وروى أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان من حديث أبي عياش الزرقي قال: كنا مع النبي ﷺ بعسفان، فصلى بنا الظهر وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة، ثم قال: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر ففرقنا فرقتين. الحديث وسياقه نحو رواية زهير عن أبي الزبير عن جابر، وهو ظاهر في اتحاد القصة، وقد روى الواقدي من حديث خالد بن الوليد قال: لما خرج النبي ﷺ إلى الحديبية لقيته بعسفان فوقفت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر، فهممنا أن نغير عليهم فلم يعزم لنا، فأطلع الله نبيه على ذلك فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف. الحديث، وهو ظاهر فيما قررته أن صلاة الخوف بعسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وأن جابراً روى القصتين معاً. اهـ.
وقد ذكر ابن حجر أدلة القائلين بالتعدد فقال:
وقد قيل إن الغزوة التي شهدها أبو موسى وسميت ذات الرقاع غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف، لأن أبا موسى قال في روايته إنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان المسلمون فيها أضعاف ذلك.
واستدل على التعدد أيضاً بقول أبي موسى إنها سميت ذات الرقاع لما لفوا في أرجلهم من الخرق، وأهل المغازي ذكروا في تسميتها بذلك أموراً غير هذا، قال ابن هشام وغيره: سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل بشجر بذلك الموضع يقال له ذات الرقاع،
стр. 622
وقيل بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل لأن خيلهم كان بها سواد وبياض قاله ابن حبان، وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان ويكون قد تصحف جبل بخيل، ومما يدل على التعدد أنه لم يتعرض أبو موسى في حديثه إلى أنهم صلوا صلاة الخوف ولا أنهم لقوا عدواً، ولكن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع. اهـ.
مما مر ندرك اختلاط الروايات ما بين غزوة نجد وغزوة ذات الرقاع وغزوة عسفان ونضيف غزوة أنمار.
قال صاحب الفتح: فظهر لي من هذا وجه المتابعة. وهو أن حديث سهل بن أبي حثمة في غزوة ذات الرقاع متحد مع حديث جابر، لكن لا يلزم من اتحاد كيفية الصلاة في هذه وفي هذه أن تتحد الغزوة، وقد أفرد البخاري غزوة بني أنمار بالذكر كما سيأتي بعد باب. ا. هـ.
لذلك أذهب أن غزوة ذات الرقاع حدثت في السنة الرابعة ولم يكن فيها صلاة الخوف، وأن الروايات التي تذكر صلاة الخوف ينبغي أن تحمل على غزوات أخرى وأن يفتش لها عن مخارج يخرج بها من التعارض.
قال ابن كثير: قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع وبعض جمادى، ثم غزا نجداً يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر. قال ابن هشام: ويقال عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق فسار حتى نزل نخلاً وهي غزوة ذات الرقاع. قال ابن هشام لأنهم رقعوا راياتهم، ويقال لشجرة هناك اسمها ذات الرقاع، وقال الواقدي: بجبل فيه بقع حمر وسود وبيض.
٤٤٥ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرجنا مع
стр. 623
رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلاً، أتى زوجها وكان غائباً، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما، فخرج يتبع أثر رسول الله ﷺ فنزل رسول الله ﷺ منزلاً فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار. فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب من الوادي، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر، فلما خرجا إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي، قال: وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم فرمى بسهم فوضعه فيه، فانتزعه ووضعه وثبت قائماً قال: ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائماً، قال: ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت قال: فوثب الرجل، فلما رآهما عرف أنه قد نذرا به فهرب قال: ولما رأى المهاجري ملماً بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله أفلا أهبتني أول ما رماك قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك وايم الله لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها.
٤٤٦ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل ضعيف فلما قفل رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله ﷺ فقال: "مالك يا جابر؟ " قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال: "أنخه" قال: فأنخته وأناخ رسول الله ﷺ ثم قال: "أعطني هذه العصا من يدك أو اقطع عصا من شجرة" ففعلت فأخذها رسول الله ﷺ فنخسه بها نخسات ثم قال: "اركب" فركبت فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة. قال: وتحدثت مع رسول الله ﷺ فقال: "أتبيعني جملك هذا
стр. 624
يا جابر؟ " قال: قلت، بل أهبه لك قال: "لا، ولكن بعنيه"، قال: قلت: فسمنيه، قال: "أخذته بدرهم"، قال: قلت: لا، إذا تغبنني يا رسول الله، قال: "فبدرهمين"، قال: قلت: لا قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله ﷺ حتى بلغ الأوقية، قالت فقلت: أفقد رضيت؟ قال: "نعم"، قلت: فهو لك، قال: "قد أخذته" ثم قال: "يا جابر هل تزوجت بعد؟ " قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: "أثيبا أم بكراً؟ " قال: قلت بل ثيباً، قال: "أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك" قال: قلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعاً فنكحت امرأة جامعة تجمع رووسهن فتقوم عليهن قال: "أصبت إن شاء الله، أما إنا لو جئنا صراراً أمرنا بجزور فنحرت، فأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها" قال: فقلت: والله يا رسول الله ما لنا نمارق، قال: "إنها ستكون فإذا أنت قدمت فاعمل عملاً كيسا" قال: فلما جئنا صراراً أمر رسول الله ﷺ بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله ﷺ دخل ودخلنا. قال: فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله ﷺ ، قالت: فدونك فسمع وطاعة فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله ﷺ ، ثم جلست في المسجد قريباً منه، قال: وخرج رسول الله ﷺ فرأى الجمل فقال: "ما هذا؟ " قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: "فأين جابر" فدعيت له، قال فقال: "يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك" قال: ودعا بلالاً فقال: "اذهب بجابر فأعطه أوقية" قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئاً يسيراً، قال: فوالله ما زال ينمى عندي ويرى مكانه من بيننا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا. يعني يوم الحرة.
стр. 625
تعليقات:
١ - علق الشيخ البوطي على حادثة عباد بن بشر في استغراقه بصلاته والسهام تنصب عليه بقوله: إنما الجهاد - كما علمه الرسول أصحابه وكما فهمه الصحابة منه - عبادة كبرى يتعلق فيها كيان المسلم كله بخالقه ﷻ خاشعاً متبتلاً. وما ساعة يكون فيها المؤمن أقرب إلى ربه ﷻ من تلك الساعة التي يستدبر فيها الدنيا ويستقبل بوجهه شطر الموت والاستشهاد.
ولذلك، كان من الطبيعي جداً بالنسبة لذلك الأنصاري، (عباد بن بشر) ﵁، أن يشغل شطر حراسته من الليل بركعات خاشعة يقف فيها بين يدي ربه ﷻ . وقد انصرفت مشاعره كلها إلى مناجاته بآيات من كتابه الكريم.
وكان من الطبيعي جداً أن لا يبالي بذلك السهم الذي أسرع فانحط في جسمه، ولا بالسهم الثاني الذي تبعه، لأن بشريته كلها إنما كانت في تلك الساعة مطوية ضمن مشاعره المنصرفة إلى ربه ﷻ وقد غمرتها لذة المناجاة بين العبد وخالقه.
ولما ارتد شعوره إليه وأخذ يهتم بما قد أصابه، لم يكن ذلك لمزيد من الألم بدأ يشعر به. وإنما للمسؤولية المنوطة به مخافة أن يضيعها بضياع حياته واستمرار سكوته. فكان ذلك هو الذي اضطره إلى أن يلتفت فيوقظ صاحبه ليستلم منه أمانة الثغر الذي أنيط بهما حفظه.
وتأمل يا أخي المسلم في قوله ﵁: وايم الله، لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (أي الصلاة) اهـ.
٢ - وعلق كذلك على محادثته ﵊ لجابر في الطريق بقوله: إنما ذكرنا قصة جابر بن عبد الله وما كان بينه وبين رسول الله ﷺ من المحادثة في طريق عودتهما إلى المدينة، مع أنها لا تتعلق بشيء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول الله ﷺ مع أصحابه، وما انطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف في المعاشرة ورقة في الحديث وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه.
стр. 626
فأنت إذا تأملت جيداً في هذه القصة التي سردناها. علمت أن النبي ﷺ كان متأثراً بالمحنة التي طافت على بيت جابر بن عبد الله. فقد استشهد والده في أحد. فقام هو - وهو أكبر أولاد أبيه - على شأن الأسرة ورعاية الأطفال الكثيرين الذين خلفهم له والده من ورائه. وهو على ذلك رقيق الحال ليس له نصيب وافر من الدنيا.
وكأنما استشعر رسول الله ﷺ في تأخر جابر عن القوم بسبب جمله الضعيف الذي لا يمتلك غيره. مظهراً لحالته العامة هذه .. (وقد كان من عادته ﷺ إذا سار مع صحبه في طريق. أن يتفقد أصحابه كلهم ويطمئن عليهم بين كل فترة وأخرى). فانتهزها فرصة وتخلف حتى التقى معه وراح يواسيه بأسلوبه الرقيق الفكه الذي رأيت، في طريق ليس معهما فيه ثالث.
عرض عليه ﷺ شراء بعيره، وهو إنما يريد أن يجعل من ذلك ذريعة ومناسبة لإكرامه ومساعدته على وضعه الذي هو فيه. ثم سأله عن الزوجة والبيت. في أسلوب فكه رقيق، وراح يطمئن الزوج الجديد، أنهم إذا وصلوا قريباً من المدينة أقاموا ساعات هناك، حتى يتسامع أهل المدينة بمقدمهم، فتسمع زوجته، فتصلح له من شأنها، وتهيء له البيت بزينته ونمارقه. وينساق معه جابر في الأسلوب نفسه فيقول: والله يا رسول الله ما لنا من نمارق! ... فيجيبه ﵊ قائلاً: إنها ستكون.
صورة رائعة، عن لطف معشره، وأنس حديثه، والفكاهة الحلوة في محاورته لأصحابه. ا. هـ.
* * *
стр. 627
فصل: في غزوة بدر الآخرة
قال ابن كثير في البداية والنهاية:
وهي بدر الموعد التي تواعدوا إليها من أحد كما تقدم. قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجباً، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول. قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله ﷺ بدراً وأقام عليه ثمانياً ينتظر أبا سفيان. وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران. وبعض الناس يقول: قد بلغ عسفان ثم بدا له في الرجوع فقال: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن. فإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا. فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق (١) يقولون إنما خرجتم تشربون السويق. قال وأتى مخشي بن عمرو الضمري وقد كان وادع النبي ﷺ في غزوة ودان على بني ضمرة فقال: يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: "نعم يا أخا بني ضمرة وإن شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك وجالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك" قال: لا والله يا محمد ما لنا بذلك من حاجة. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيداً.
وقد ذكر موسى بن عقبة عن الزهري وابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ استنفر الناس لموعد أبي سفيان، وانبعث المنافقون في الناس يثبطونهم فسلم الله أولياءه، وخرج المسلمون صحبة رسول الله ﷺ إلى بدر وأخذوا معهم بضائع، وقالوا: إن وجدنا أبا سفيان وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر ثم ذكر نحو سياق ابن إسحاق في خروج أبي سفيان إلى مجنة ورجوعه وفي مقولة الضمري، وعرض النبي ﷺ المنابذة فأبى ذلك. قال الواقدي: خرج رسول الله ﷺ إليها في ألف وخمسمائة من أصحابه واستخلف
стр. 628
على المدينة عبد الله بن رواحة. وكان خروجه إليها في مستهل ذي القعدة يعني سنة أربع، والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة.
قال الواقدي: فأقاموا ببدر مدة الموسم الذي كان يعقد فيها ثمانية أيام، فرجعوا وقد ربحوا من الدرهم درهمين. وقال غيره: فانقلبوا كما قال الله : (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) (١) أهـ.
أقول: قد مرت معنا رواية حسنة السند عند الكلام عن غزوة (٢) حمراء الأسد تشير إلى بدر الموعد فلم نر أن نذكرها واكتفينا بما قاله كتاب السير عنها لكي لا يكون في السياق ثغر.
دروس بدر الآخرة:
إن أهم دروس بدر الآخرة قوة التصميم والسهر على القضية، فمن المعروف أنه في كل قضية من القضايا تجد الناس بين متردد ومقدم، وههنا تأتي مهمة القيادة في اتخاذ القرار لتحسم التردد، وبعد اتخاذ القرار تجد ناسا يثبطون الهمم وههنا تأتي مهمة القيادة في الحسم والتصميم ورد كل التردد والقضاء عليه، فلا تعطي فرصة لمؤجل أو مسوف أن يفسد الموقف.
وإنك لترى هذا كله مجسداً برسول الله ﷺ في كل موقف وأظهر ما يظهر ذلك في غزوة بدر الآخرة، قارن بين موقفه ﵊ وموقف أبي سفيان لتدرك الفارق بين القيادة المصممة والقيادة المترددة.
ومن بدر الآخرة تأخذ الدرس الآخر درس السهر على القضية لقد عقد الموعد للمواجهة أبو سفيان يوم أحد، ولقد عقده من موقع القوة في زعمه، وهو بذلك يتحدى، ولكن كيف تصرف عندما حان الموعد، وكيف تصرف رسول الله ﷺ ؟.
стр. 629
ههنا سهر وهناك بطر، والعجيب أنك لا تجد في جيش أبي سفيان من عارض، ولا تجد أن أبا سفيان قد استشار، تلك علل الشرك في ذلك الدهر، قارن هذا كله ببعض ما نحن فيه: إن الكفر الآن ساهر على قضاياه، وله مؤسساته، وعنده تصميم على أمور كثيرة وهذا يقتضي منا سهراً وتصميماً، وعلى القيادات الإسلامية أن ترتقي في القدوة إلى أعلى قمة مستطاعة.
* * *
стр. 630
فوائد عامة
من أحداث السنة الرابعة
١ - إن الحكم ليس لعبة ولا تسلية ولا متعة، وإن بناء الدول ليس ألهية ولا عبثاً، فكيف إذا كان الحكم إسلامياً، والبناء يراد به ساحتا الدنيا والآخرة والحاضر والمستقبل، إن من يرى هذه السلسلة من العمليات المتلاحقة والتضحيات الكثيرة يدرك ماهية الطريق لحفظ الحكم وإقامة البناء، إنك ترى في حياة رسول الله ﷺ اليقظة الدائمة والحذر الدائم والجدية في الصغيرة والكبيرة وعلى المسلمين جميعاً أن يدركوا هذا الدرس، إن العرض والدين والمال والحكم لا يصح أن تطرف عين الإنسان فيها إلا على وعي وحذر، فإذا ما نامت العيون على واحدة من هذه الشؤون فما أسرع أن تصاب ولات ساعة مندم.
٢ - الناس قسمان فمنهم عاملون ومنهم قاعدون، فالقاعدون لا يرتكبون خطأ القعود فقط ولكنهم يعطون أنفسهم فرصة نقد لهذا العالم، فهؤلاء هم الأخس في التاريخ، والعاملون نوعان: فمنهم من يمتلك روح المبادأة والمبادرة ومنهم من يعمل ضمن حدود المكرر والمعاد، فالآخرون عاجزون عن التطوير والتنفيذ، وليس لهم مكان في عملية البناء، والذين يمتلكون روح المبادأة والمبادرة قسمان: فمنهم المتهورون المغامرون، ومنهم الحكماء المتأنون، فهؤلاء وحدهم هم البناة، ومع ذلك فالخسائر لابد منها، هذا رسول الله ﷺ وهو أعظم البناة في تاريخ البشرية أصيب في الرجيع وفي بئر معونة ترى ماذا يقول القاعدون في قيادة حالية تخسر مثل هذه الخسارة؟! ألا إن درسي الرجيع وبئر معونة عزاء للقادة ورد أي رد على القاعدين.
٣ - وفي أمره ﵊ لزيد بن ثابت أن يتعلم اللسان العبراني إشارة إلى أنه ﵊ ما كان يشغله شيء عن شيء، فبناء الأمة لابد أن يكون على ضوء خريطة شاملة، وهذه الخريطة ينبغي أن يلاحظ فيها احتياجات الأمة فإذا كان المهندس مكلفاً أن يوجد خريطة تسع الزمان والمكان فما أصعب مهمته، وإنك لتجد رسول الله ﷺ هو ذلك المهندس، الذي لا يغفل عن احتياج من احتياجات البناء بما يسع الحاضر وبما يستوعب المستقبل.
стр. 631
٤ - عرضت لنا أثناء أحداث هذه السنة وعرض لنا من قبل وسيعرض لنا من بعد أبيات من الشعر تقال بمناسبة ما، وهذا الموضوع لم نشأ أن نتوسع فيه لقلة ما يرد منه في الروايات الصحيحة، مع أنه من أخطر المواضيع على الإطلاق ولذلك نكتفي بالتنبيه إليه ليضعه العاملون على ذكر منهم: إن الجهاد باللسان هو شطر الجهاد، وإن كان شطره الأقل كلفة، ولكنه في بعض الأحيان يكون أكثر نجاعة ولذلك ذكره الرسول ﷺ في أكثر من حديث: "ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن" (١)، "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (٢).
وهذا الجهاد باللسان له صور متعددة فقد يكون خطبة وقد يكون قصيدة وقد يكون كتاباً أو رسالة أو مقالة ...
والشعر قديماً في حياة العرب هو الإعلام كله فهو الحرب النفسية، وهو الدعوة والدعاية، وهو التعبير عن الذات، وهو الدفاع عن الحق فمن غلب فيه غلب، وقد أعطى الرسول ﷺ هذه المعاني كلها مداها، وبالنسبة للشعر فقد كان له أكثر من شاعر: حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة ... وكل أحداث السيرة كانت تغطى شعراً، وكل قصيدة للكافرين كانت تقابل بقصيدة أو قصائد، وكان لغلبة شعرائه في معاركهم الشعرية أثر قوي على أعدائه، لقد طرد كعب بن الأشرف بسبب هجاء من حسان لمن أنزله عنده، وكان ﵊ يقول لحسان عن شعره: (لهو أشد عليهم من نضح النبل) (٣) ولقد كانت العرب في الماضي إذا نبغ فيهم الشاعر تعاهدوه، وكان هذا من شأن رسول الله ﷺ ، وعلى الحركة الإسلامية المعاصرة أن تفطن لهذا وما يحيط به فترعى شعراءها وتشجعهم، وترعى منشديها وكتابها وعلماءها ودعاتها وتشجعهم، وجماعة على أرض العرب
стр. 632
لا ترعى شاعراً ولا تشجع منشداً لا تصلح أن تسوس العرب ولا أن تقودهم.
* * *
تقويم الموقف في نهاية السنة الرابعة
لقد كانت خسائر أحد كبيرة وجاءت خسارة الرجيع وبئر معونة فزادت الطين بلة، ومع أن رسول الله ﷺ حاول تلافي آثار ذلك كله مباشرة، ولكن الآثار أكبر، فلا قريش أصيبت ولا الذين أساءوا في الرجيع وبئر معونة نالهم القصاص، وأصبح لليهود أكثر من ثأر، وعواطف المشركين متأججة، وما حدث في أحد وما بعدها شجعهم، وهذا كله جعل الأيام حبلى بالعواصف، وجاءت ذروة العواصف في السنة الخامسة حيث كانت غزوة الأحزاب، فغزوة الأحزاب كانت ذروة تصاعد الخط البياني للمشركين ثم بدأ الانحدار، وهي بالنسبة للمسلمين كانت ذروة الشدة ثم بدأ الانفراج. ونستطيع أن نقول إن الخط البياني بالنسبة للمسلمين كان يرتفع بصعوبة منذ أحد، ولكنه ما توقف أبداً عن الارتفاع فالمسلمون يتكاثرون بدليل أن مقاتليهم يوم أحد كانوا سبعمائة بينما عبأ الرسول ﷺ لبدر الآخرة ألفا وخمسمائة، فلنر كيف ستسير الخطوط البيانية في السنة الخامسة.
* * *
стр. 633
السنة الخامسة للهجرة
стр. 634
السنة الخامسة في سطور
* قبل خمسة أيام من نهاية شهر ربيع الأول خرج رسول الله ﷺ في ألف من المسلمين نحو دومة الجندل القريبة من بلاد الشام، بعد أن بلغه أن القبائل حولها تنهب ما يمر، وأنها قد حشدت جمعاً كثيراً تريد أن تهاجم به المدينة، ففاجأهم وأصاب من أصاب منهم وفر الباقون. وأقام هناك أياماً يبث السرايا ويرسل الجيوش ههنا وهناك ثم رجع إلى المدينة بعد أن وادع عيينة ابن حصن.
* وفي شوال من السنة الخامسة غزا أكبر جيش أفرزته الجزيرة العربية حتى ذلك الحين المدينة بزعامة قريش وبتواطؤ مع يهود المدينة، واستطاعت قريش أن تحشد حوالي عشرة آلاف مقاتل حاصرت بها المدينة، وأحكم الطوق على المدينة بخيانة بني قريظة واستمر الحصار أكثر من شهر - إلى نهاية ذي القعدة إلى سبع بقين منه على رواية ابن سعد - وقد رد الله كيدهم في نحورهم.
* وفي اليوم الذي رجع فيه رسول الله ﷺ إلى المدينة من الحصار عبأ لبني قريظة وحاصرهم بثلاثة آلاف مسلم حتى نزلوا على حكمه بعد حصار دام خمساً وعشرين ليلة.
* وفي ذي الحجة من هذه السنة أرسل رسول الله ﷺ مفرزة إلى خيبر فقتلت سلام بن أبي الحقيق الذي كان له دور في تأليب الأحزاب وإمدادهم، وكان كثير الأذى لرسول الله ﷺ .
* وفي هذه السنة تم زواج رسول الله ﷺ من أم حبيبة بنت أبي سفيان ومن زينب بنت جحش ﵄ ونزل الحجاب صبيحة عرس زينب، فكان ذلك خطوة اجتماعية كبيرة تؤكد نوعاً من الحجز بين الرجال والنساء.
* * *
وكانت غزوة دومة الجندل استمراراً للحركة العسكرية في السنة الرابعة فاستكملت بذلك الحركة العسكرية كل الجهات المحيطة بالمدينة فلم تبق جهة إلا وأحست بحركة المسلمين
стр. 635
العسكرية، وبموادعة عيينة بن حصن في هذه الغزوة اجتمع مع الحركة العسكرية العمل السياسي، ولكن ما حدث يوم أحد ويوم الرجيع ويوم بئر معونة من ناحية، وهذه التحركات من ناحية أخرى، والتفكير الذي أورثته الأوضاع الجديدة أوجد حركة مناوئة قوية، هذه الحركة استهدفت تجميع غير المسلمين على هدف واحد هو استئصال الإسلام والمسلمين، وكان الذي قاد هذا التحرك هم اليهود، وصادف ذلك استعداداً عند كل الأطراف، فقريش لم تخرج إلى موعدها في بدر السنة الرابعة، وغطفان وغيرها من قبائل العرب استهدفتها حملات الرسول ﷺ أكثر من مرة، واليهود أصبحت لهم تارات، وهكذا وفجأة تتحد قوى الشرك والكفر ضد رسول الله ﷺ وتسير نحوه في أعظم حشد صادفه رسول الله ﷺ ، وههنا يبلغ الخط البياني للكافرين ذروته، وتبلغ المحنة بالنسبة للمسلمين ذروتها. ولقد كان رسول الله ﷺ حريصاً ألا يعطي لأعدائه فرصة للتجمع ضده، وها هم هؤلاء يجتمعون، فحاول تفريقهم من خلال إغراء بعضهم، ثم فرقهم خلال خدعة، وجاء الله بالفرج، وههنا نجد جديداً في السياسة العسكرية لرسول الله ﷺ فقد تجنب رسول الله ﷺ القتال التصادمي لقلة جنده وكثرة العدو، وهذا الموقف يثير أمامنا مجموعة من المسائل، وبعد أن فشلت حملة الأحزاب توجه رسول الله ﷺ إلى قريظة التي نقضت عهدها في أحرج لحظة وكان من أمرها ما سنراه، وكذلك فإن هذه الحادثة تضعنا أمام مجموعة من المسائل.
* * *
وقد سجل القرآن غزوتي الأحزاب وقريظة، والقرآن كعهدنا به يسجل الخالدات التي تسع الزمان والمكان، فأن يسجل غزوتي الأحزاب وقريظة فذلك شأنه، فالمسلمون معرضون دائماً لأن يغزوا في عقر دارهم وفي عواصم بلدانهم، ومعرضون لأن يتكالب عليهم الأعداء جميعاً، والأعداء دائماً يعتبرون غير المسلمين على الأرض الإسلامية مظنة طمع وغدر، فأن يسجل القرآن حادثتي الأحزاب وقريظة فذلك كما قلنا في هاتين الحادثتين من سمة القابلية للتكرار على مدى العصور.
* * *